مبغضي الدين لا النظر في تفاصيل الموضوع؛ لأنه سيأتي لاحقًا.
فأرباب الكنيسة لا يجدون طريقًا للسيطرة على الناس إلا بادعاء المعجزات الخارقة، وعندما يجد الناس حيرة في ما يُعرض عليهم، قيل: هذا من معجزات القديسين، فكثرت المعجزات المكذوبة عند النصارى، وهناك كمّ هائل منها مقارنة بغيرها (١). والأسوأ من ذلك تحويل تلك المعجزات كتدليل على ألوهية عيسى ﵊ (٢)، مع أن أكثرها عند الفحص والتحليل والنقد لا تثبت عند العقلاء.
وهناك نماذج عجيبة تنفر منها العقول السليمة والفطر الصحيحة, لكن أوروبا في فترة الجهل والظلام والسذاجة العقلية قد قبلت هذه الخرافات والأكاذيب (٣). فهذا الموقف النصراني من المعجزات والتلاعب المتواصل بها قد شوّه صورة المعجزة التي تقع على أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وفتح الباب للمخالفين للتكذيب بالمعجزات مطلقًا والدعوة إلى الاكتفاء بما تمدنا به الأفكار العلمية وجعلها الحكم الفصل في الموضوع (٤).
وربما كانت هذه المبالغات في ذكر المعجزات هي مما نفّر العقلاء والعلماء من الكنيسة، ومن ثم الدين عمومًا لما يرون من مهازل يقوم بها ممثلو الدين عندهم. وهذا أحد أشهر علماء الفيزياء المعاصرين "ماكس بلانك" يقول: "يجب على الإنسان -ويقصد هنا النصراني في المقام الأول- أن يقرر بإخلاص التخلي عن المعجزات التي تشكل عائقًا أمام وصول المسيحية إلى إنسان الحضارة المعاصرة؛ بسبب تعارضها مع العلم" (٥)، ويهمنا من كلامه اعترافه بضرر كل تلك
стр. 317
المعجزات على انتشار الدين وقبوله، ومع ذلك فموقفنا يختلف عما يثبت منها للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولكن الباب إنما هو لتوضيح كيف أثرت كل تلك المكذوبات في صرف هؤلاء العلماء العقلاء عن قبول الحق.
المثال الثاني: اعتقادات النصارى حول الأرض:
لقد تكونت اعتقادات خاصة بالأرض في اللاهوت النصراني، وينسبونها إلى الوحي والنبوة مع أنها في حقيقتها ما هي إلا إضافات أحبارهم أو من فهمهم التي لا علاقة لها بما أوحاه الله سبحانه لأنبيائه. وقد تسببت هذه الاعتقادات بتكوين علاقة سلبية بين مفهوم الدين ومفهوم العلم، وإلصاق الخرافة بالدين بينما العقلانية مرتبطة بالعلم. فالكنيسة خلطت الحق بالباطل في هذا الباب وشوهت صورة الحقيقة بما أضافته من ضلال، والأدهى من ذلك ربط كل تلك الضلالات بأصلب المعتقدات عندهم، مما يجعل أي مخالفة لها تعد ذات خطورة كبيرة ويلقى صاحبها أقسى العقوبات.
نجد ضمن معلومات الكنيسة حول الأرض بأن الله سبحانه خلق الأرض وجعلها على رأس ثور مع ما في ذلك من مخالفتها لبدائه العقول، ونفي كروية الأرض، وكون أحد المعتقدات حولها أنها مركز الكون، والتعليل لذلك بأن تجسد المسيح كان على الأرض، فالمكان الذي سار عليه ابن الرب وتمّ فيه التجسد لابد أن يكون مركز الكون، وأن يكون ثابتًا لا يتحرك (١)، والناس لا يشعرون بحركتها رغم ما يقوله أصحاب النظرية الجديدة من "كوبرنيكوس" و"كبلر" وغيرهما (٢).
стр. 318
واجهت الكنيسة أول نظرية علمية حديثة بمثل هذا الخليط المسمى زورًا بالتصور الديني، وهي مواجهة محسومة من البداية، وكانت لصالح النظرية العلمية، إلا أن ذلك تمّ بعد أن دفع العلماء والعقلاء ثمنًا باهظًا، وخسرت الكنيسة بعد أن خلّفت وراءها ازدراء العقلاء لموقفها وكانت مصيبة العلم أن عمم ذلك الموقف على كل دين.
لقد رسمت الكنيسة صورة لا تُمحى بسهولة، صورة مفادها أن الدين لا يقبل العلم ولا يتوافق معه؛ بل هو عدوّ له، بخلاف المؤثرات الأخرى في مسيرة العلم، فهي قد قبلت العلم ولكنها انحرفت به في ظل انضمامها للجسد العلماني وتحولها إلى عضو من أعضائه، تسعد بسعادته وتتألم لألمه وتتحرك وفق غاياته.
ومما عمق موقف الكنيسة تجاه العلم -وهي الممثلة للدين هناك- تلك الحلول التي قدمتها الكنيسة للخروج من المشكلة، وهي حلول مؤقتة، حبوب مسكنة ما تبرح أن يذهب مفعولها ويرجع الصراع إلى الواجهة، فهي في وقت قوتها اتخذت موقف التكفير للمخالفين وتكذيب نظرياتهم ورميهم في السجون أو إعدامهم دون أن تملك معيار الحقيقة، وعند ضعفها وانتشار التكذيب بين الناس لمقولاتها؛ فإنها تعمد إلى القول بمجازية لغة النصوص الدينية ورمزيتها، وعدم النظر إليها نظرًا حرفيًا، بل لابد من التأويل الذي يتم في كل عصر بما يناسبه أو القول عند بعض عقلائهم بمبدأ الظاهر، فالنصوص التي يفهم منها أن الشمس هي التي تدور حول الأرض تفسر بالظاهر، أي أن هذا هو ما يظهر للناظر العادي. وعندما شاعت -مثلًا- نظرية الانفجار العظيم في علم الفلك المعاصر اعتمدتها الكنيسة حتى لا تتهم بالتخلف عن ركب العلم، مع أن العلم قابل للتغير والنظريات قابلة للتطور، ولكن الكنيسة بسبب أخطائها المتتالية ركبت قطارًا لا تستطيع تغيير مساره.
والحديث يطول مع مشكلة الكنيسة في العلم الحديث، والخلاصة لما سبق بأنها مشكلة ذات جذور قديمة بدأت مع دخول النصرانية لأوروبا وقيامها بخلط مكوناتها المحرفة بمعارف أوروبا الوثنية، ثم ترسخت في عصور لاحقة. ونشأت الكنيسة كمؤسسة ترعى النصرانية وتهتم بالعلم، ومع التطورات الاجتماعية وبروز معارف جديدة أدخلت نفسها في نزل مع تلك المعارف وهي غير مؤهلة لذلك، بسبب الجهل والظلم، فمعارفها مليئة بالجهل ومعاملتها للناس مليئة بالظلم. وقد
стр. 319
تسبب هذا النزاع في السماح لتيارات مبغضة للدين أن تتحرك بسهولة، وأن تُسرب دعوتها اللادينية إلى المجتمع الجديد، ومع وجود معارف مغلوطة في اللاهوت النصراني ووجود معاملة فاسدة أصبح الحل العلماني هو أحد الحلول المطروحة بقوة، ويكسب يومًا بعد يوم أنصاره من العلماء ومن المفكرين ومن ضحايا الكنيسة، ومن بين ما يطرحه هذا الحل العلماني الدعوة إلى إخراج العلم من الكنيسة وإبعاده عنها، ومن هنا ظهرت العلمنة كسبب ثاني في الانحراف بالعلم بعد أن نجحت في إخراجه من الكنيسة وتولّت رعايته، وهذا هو موضوع الفقرة التالية.
الثاني: دور العلمانية في الانحراف بمسيرة العلم
التحول نحو العلمنة في أوروبا:
لقد كان تحول أوروبا والغرب نحو العلمنة عملية تاريخية كبيرة يصعب تناولها في هذا المقام، وهي عملية كانت ترجع إلى فشل الكنيسة في رسم التصور وإعطاء المعتقد الحق وفشل القيادات في إدارة المجتمع نحو التقدم والسعادة الإنسانية، ولكن البديل كان تلك الثمرة الخبيثة المسماة بالعلمانية (١). لقد تضافرت أحداث عدّة في دفع المجتمع الغربي نحو العلمانية، وتركز الدراسات عادة على إبراز أثر الكنيسة كأحد أهم العوامل في اندفاع الغرب نحو العلمنة، بعد أن بلغت الكنيسة ذروة الانحراف مع قمة الطغيان، وقد وجدت الطوائف المبغضة للدين فرصتها السانحة في طرح بديلها كمخرج من الأزمة القائمة في الغرب، وتصويره بأنه البديل الوحيد الممكن، وهو العلمنة لا غير، وقد كان يمكن طرح بدائل أخرى؛ إلا أن مصلحة الفئات الجديدة كانت تتحقق بالعلمانية أفضل من أي معنى آخر.
وبما أن ما يعنينا في البحث هو التنقيب عن أسباب الانحراف بالعلم، فلن
стр. 320
نطيل الحديث عن العلمانية ونكتفي ببيان أثرها في مسيرة العلم الحديث، ولاسيّما بعد أن صُوّرت كسند للعلم بخلاف الكنيسة التي صورت كعدوٍ له، ووجدت فرصتها الكبيرة في استثمار العلم بل في إعادة صياغته عبر صياغتها للمجتمع ككل بحيث يتحول العلم إلى علم علماني، وهذا التحليل هو الوجه النقدي للعرض التاريخي الذي سبق في الفصل الأول.
أبدأ بذكر العلاقة المشبوهة بين الكنيسة والسلطة في إرهاق الناس، واستثمار خصوم الكنيسة لذلك من أصحاب الدعوات العلمانية، ولكن الغريب أن الدراسات تُظهر فقط مشكلة الكنيسة وتسكت عن حليفتها السلطة، مع أنهما سواء في مشكلة التعامل مع العلم. يأتي بعدها تحول الطرح العلماني من فصل بين الدين والعلم إلى تحوّل العلمانية كرؤية مادية تحكم توجه العلم الجديد، وابتعاد السلطة عن الكنيسة وتحولها إلى سند للعلمنة بعد أن نجحت العلمنة في اختراقها، ومن ثم تحرك العلم بعيدًا عن الدين في الجوّ العلمي الجديد.
أ- العلاقة المشبوهة:
كانت العلاقة بين الكنيسة والدولة علاقة وثيقة، كل طرف يوفر الدعم للطرف الآخر، والطرفان كانا ضد الحركة العلمية الجديدة لما تمثله من تهديد لمصالحهما، ومع ذلك فأغلب الكتابات تركز على رمي التهمة على الكنيسة، وتغفل أثر الدولة والسلطات السياسية. وإذا عدنا لبداية الصراع لا نجده فقط بين الدين والعلم -على أن الدين هنا هو الكنيسة-؛ بل هو في الحقيقة بين الدولة ذات المصالح والأهواء، والكنيسة الغارقة في مصالحها وأهوائها، فتضافرت أهواء الطرفين واتحدت القوة السياسية مع الكنيسة، ومع ذلك فقد أُغفل أثر السلطة لما يعنيه ذلك من تحميل التهمة لممثلي الدين فقط. صحيح أن الكنيسة قامت فعلًا بوضع الحجج الدينية والعقلية المانعة من التفكير العلمي الحر والانفتاح العقلي المثمر، لكن لا يعني ذلك اقتناعها بما تقدم من حجج بقدر ما هي المصلحة الميكافيلية التي لجأت إليها من أجل التعاون مع السلطات في إقصاء القوى الجديدة المعارضة أساسًا للدولة وللأنظمة السياسية.
لقد كانت الكنيسة الذراع الثقافية للأنظمة السياسية الفاسدة المخولة بتقديم حجج الاتهام العلمية ضد المخالفين، لاسيّما وأغلب المتأثرين بالثورة العلمية
стр. 321
لا يتفقون مع السلطات السياسية والقوى المتسلطة، فهذه الفئات الجديدة ترى بأن القوى السياسية والطبقات المسيطرة جاهلة وطاغية وهي غير مؤهلة لقيادة أممهم، وكانت الكنيسة ترى من مصلحتها مساندة السلطات السياسية بحجة الاستقرار والحصول على مكاسب مشتركة. هكذا حصل تواطؤ خبيث بين الأنظمة والقوى الفاسدة وبين الكنيسة الضالة، فالكنيسة تخدم النظام بتقديم أدلة تثبت ضلال التيار العلمي المعارض، لذا لا يقع غالبًا في البلاد التي يسالم العلماء فيها السلطات السياسية مجابهة للعالم، أما في البلاد التي يشتد فيها نقد العالم للنظام أو الكنيسة فإن الدولة تعطي الإذن للكنيسة بتضليل ذلك العالم. يظهر ذلك مثلًا في الفرق بين "كوبرنيكوس" و"براهي" و"كبلر" المسالمين للسلطات والكنيسة فقد كان الموقف معهم سلميًا، وبين "برونو" و"جاليليو" الثائرَين على السلطات السياسية والكنيسة والمعترضين عليها أشد الاعتراض، عندها تجندت السلطات الدينية الكنسية والسياسية ضدهما؛ فأُحرق برونو وسُجن جاليليو وختم حياته بإقامة جبرية.
أما عندما تهدأ الأمور ويترك العلماء نقد السلطات السياسية أو الكنسية؛ فإن صدر السياسة والكنيسة يتسع للعلماء ونشاطهم العلمي، بل يشاركون العلماء علومهم ويدعمونهم.
وهذا التواطؤ من رجال الدين النصراني مع الطغاة ومساندتهم في طغيانهم يشوه دون شك صورة الدين وأهله؛ فهم لا يمثلون دينهم فقط بل للأسف يمثلون كل دين في نظر الغربيين. وعندما تفجرت حركات الاحتجاج في أوروبا وانغمس فيها المبغضون للدين توجهت تلك الثورات ضد الطرفين؛ ضد السياسيين عسكريًا، وضد الكنيسة بالنقد والاعتراض العقلي والعلمي.
والنتيجة بأن إلقاء التهمة على الكنيسة وحدها يُعد حكمًا ناقصًا؛ لأن التهمة ملقاة على كاهل القوى الموجودة من أمراء وإقطاعيين ومشاهير وأغنياء الذين استغلوا رجال الدين النصراني، كل هؤلاء قد تواطؤوا على الطغيان واستغلال شعوبهم ومحاربة كل القوى المناهضة لهم بما في ذلك الفئات الناشئة حول الأفكار والعلوم الجديدة.
وهذا لا يعني التخفيف من أثر الكنيسة السيئ بقدر ما يعني النظرة المتوازنة إلى الأسباب الحقيقية في محاربة العلوم الجديدة وأثر تلك الحرب في انحراف
стр. 322
مسيرة العلم، فالأنظمة والقوى الحريصة على سلطاتها ومكاسبها كانت تتعرض أكثر من الكنيسة لخطر الفئة العلمية الجديدة الناشئة، وهي فئة بقدر ما اختلفت مع الكنيسة بقدر ما اختلفت مع القوى المسيطرة على المجتمع وربما أكثر.
وربما يفسر لنا هذا التحليل سبب ما نجده عند مجموعة من علمائهم المشهورين من رفض للسلطة الدينية وحاكمية الدين مع عدم رفضهم للدين ذاته، بل يرون في الدين أهمية كبيرة لحياة الناس وأرواحهم، فلو كان الدين يمثل عندهم مشكلة حقيقية ويمثل تعارضًا بينًا مع علومهم لرفضوه كله، ومع ذلك فرواد الثورة العلمية لم يرفضوه؛ ولكنهم رفضوا سلطة رجاله بعد أن عاشوا في ظل طغيانهم وتآمرهم مع القوى المسيطرة، ورفضوا سلطتهم بعد أن خذلوهم في صراعهم ضد الجهل والتخلف وساندوا خصومهم عليهم، ولا شك أن تلك كانت جناية كبيرة لرجال الدين النصراني أساءت كثيرًا في تصورات الناس حول أهمية شمولية الدين لحياة الناس.
ب - الحل العلماني من كونه فصلًا إلى كونه رؤية:
كان الحل للمشكلة الذي تلوكه ألسنة المثقفين والعلماء ويظهر في كتابتهم يتمثل بالفصل بين النشاط العلمي وبين السلطات السياسية والكنسية، وقد كان الحل مطروحًا قبل تبلور مصطلح العلمانية الذي عُبّر به فيما بعد عن ذلك الطرح.
مصطلح الفصل مصطلح مسالم في الظاهر، فكل ما يوحي به على المستوى العلمي هو أن يتحرك العلماء في بحوثهم ومختبراتهم وتجاربهم وتحليلاتهم ونظراتهم خارج السيطرة الكنسية، كما يحدث مثلًا في الصناعات والأعمال الحرفية، ولكن يصعب تخيل هذا الموقف المحايد؛ فالعلم لا يستطيع الحركة دون أن يكون هناك تصورات تظله وأسوار تحميه وأخلاقيات تحيطه وغايات كلية توجهه.
وقد وجد المبغضون للدين فرصتهم الثمينة في إعطاء هذه الأبعاد للعلم بعد أن كان الدين هو الذي يقدم للعلم تلك الأبعاد، وبدأ عملهم تدريجيًا، وبلغ ذروته في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر الميلادي في الطرح الوضعي، وله حديث في فقرة أخرى.
стр. 323
فتحول الحل المقترح وهو العلمنة من كونه عملية فصل مسالمة ذات منحى موضوعي في الظاهر، ليصبح مذهبًا فكريًا ورؤية بديلة عن الدين، نقف مع بعض معالمها وآثارها فيما تبقى من هذه الفقرة.
ربما يحرص بعض العارضين للعلمانية على عرضها وكأنها صنو العلم، كيف لا، وهي في نظرهم التي ناصرت العلماء ووقفت في صفهم، ولكن الحقيقة غير ذلك، فالعلمانية ما هي إلا مذهب من المذاهب التي ظهرت في أوروبا، وهي كغيرها تسابق على الظفر بالسلاح الجديد والفرس السريع وهو العلم. والدليل على أنها مذهب يستغل ثمار العلم كغيرها من المذاهب أن رواد الثورة العلمية لم يكونوا من الدهريين أو المحاربين للكنيسة وإن اختلفوا معها. وربما كانت دعوة بعض العلماء إلى الفصل بين الكنيسة والعلم مرادهم منها مجرد الفصل، بخلاف دعاة العلمانية الذين يدعون للفصل مع استبدال الرؤية الدينية برؤية دنيوية. وهذه المسألة قد وصل إليها أحد العلمانيين العرب، حيث يقول بعد تحليله للمسألة: "نستنتج من ذلك أن الكنيسة لم تكن على صورة منهجية ولا كانت بالضرورة عائقًا في وجه البحث العلمي، وأن العلمانية ليست بالشأن المرتبط ضرورة بالفاعلية العلمية" (١)، ومما يدل على ذلك أن أغلب علماء الطبيعة كانوا أهل تدين بدينهم.
العلمانية إذًا ليست موقفًا محايدًا تجاه الحياة تقصد الفصل فقط؛ بل هي رؤية للكون والحياة، ومذهب شامل ومتكامل، فالحيادية أمر مزعوم حتى في المظهر البسيط في ظل الجوّ العلماني، ولنضرب مثلًا عن صعوبة الحيادية في هذا الجوّ العلماني بجملة نجدها عادة في الكتب والوسائل الإعلامية العلمانية أو غيرها من مثل: "تعد نظرية التطور آخر ما قاله العلم عن وجود الحياة"، فاستخدام كلمات مثل: "آخر" و"العلم" رغم أن ظاهرها الحيادية والصيغة الإخبارية الموضوعية؛ إلا أنها في الجوّ العلمي العلماني محمّلة من الدماغ إلى أخمص القدم بالدعائية العلمانية لتلك النظرية، وتحمل أعلى درجات التحسين والمدح والتقويم والإيجابية؛ ذلك أن الأصل الثابت عند الناس في الغرب وأغلب بلاد العالم بأن العلم قوي ويقيني، وأنه "متقدم" و"متطور" نحو الأعلى
стр. 324
والأوثق والأصدق، فهو في خط صعود مستمر وليس خطًا متذبذبًا بين الأعلى والأسفل، هذا الأصل الثابت عند الكثير من الناس يمثل قالبًا من القوالب الصلبة والقابل للتعبئة باستمرار واستقبال النماذج المختلفة، وعندما تأتي كلمات مثل "آخر والعلم"؛ تنصرف الرؤية مباشرةً عند المتلقي إلى أن هذا يعني أنه أحسن ما وجد إلى الآن، لاسيّما مع عدم تقبل هذا القالب لأي مزاحمة دينية مهما كانت.
ويكذِبُ أولئك الداعون إلى علمنة العلم عندما يزعمون بأن العلمنة ما هي إلا فصل بين الدين والعلم؛ فهي تتجاوز الفصل إلى التأطير للعلم والإحاطة به وفق رؤيتها، فهي "في واقع الأمر إعادة صياغة للمجتمع ككل عن طريق تفكيكه واستبعاد سائر العناصر المركبة التي تستعصي على القياس، العناصر الإنسانية أو الربانية، التي يتركب منها، وإعادة تركيبه على هدي المعايير العقلية والعلمية الواحدية المادية، ومن ثم يتوافق هذا الواقع الاجتماعي مع القوانين العلمية الواحدية الصارمة، ويخضع للاختبارات والإجراءات الكمية وللقياس، فهو يمحو سائر الثنائيات التي تفترض وجود أكثر من جوهر وأكثر من قانون، ويستبعد كل الخصوصيات والمنحنيات الخاصة للظاهرة، التي تتحدى القانون العام، ويرفض كل المطلقات التي تشكل تجاوزًا للقانون المادي الواحد العام وخرقًا له وتشكل عدم استمرار في الكون، وينكر كل المعايير الأخلاقية الثابتة فهي خارجة عن الظاهرة المادية موضع الدراسة، ويتعامل مع المحدود ومع ما يقاس، فاللامحدود وغير المقيس لا يمكن تطبيق النماذج الكمية عليه" (١). فهي إذًا جهاز خطير له آلياته في التفكيك والتركيب وإعادة التشكيل وفق رؤاها وقواعدها، وهذا يعني أنها مذهب فعّال له آلياته التنفيذية، هي مذهب ذو أوجه مختلفة كما يوضحها لنا أحد أقطاب الفكر العلماني العربي -العظمة- فلها وجه معرفي "يتمثل في نفي الأسباب الخارجية على الظواهر الطبيعية أو التاريخية"، ومثل هذا النفي يتجاوز فكرة الفصل بين العلم والدين إلى إعطاء تفسير شامل غير ديني لتلك الظواهر، ولها وجه مؤسسي "يتمثل في عزل الدين عن
стр. 325
السياسي. ." (١)، فمن وقع من العلماء -وهم كثر- في أسرها لم يسلم من هذه الأبعاد المختلفة للعلمانية، ويظهر ذلك في نجاح العلمانية في توجيهها للنشاط العلمي لكي يقدّم تفسيرًا يختلف عن التصور الديني وربما يتعارض معه. فوجه العلمانية المعرفي الكالح النازع إلى استبعاد كل ما هو خارج الطبيعة المادية قد سيطر على العلماء المحدثين؛ مما دفعهم إلى النفور من كل تفسير يُلمس منه إيجاد صلة بين ظواهر الطبيعة وعالم الغيب، وبلغ ذروته كما رأينا في الفصل الأول إلى قول أحد أبرز علماء الغرب -لابلاس- عن علاقة الرب سبحانه بنظامه الكوني المقترح بأن تلك فرضية لا حاجة إليها. ومع نفورهم من التفسيرات الدينية فهم لا يمانعون من طرح تفسيرات جديدة حتى وإن اختلفت مع التفسيرات الدينية، مثل ما يطرحونه حول وجود العالم المادي، متى وجد وكيف وجد؟ أو عن وجود الحياة في هذا العالم، متى وجدت وكيف وجدت؟
ج - ظهور الدولة العلمانية القومية, وأثرها في الانحراف بمسيرة العلم:
ذهبت العلمانية خطوة أبعد بعد نجاحها في الوصول إلى السلطة بعد الثورة الفرنسية وقيام أنظمة سياسية علمانية، ومن ثمّ احتكار مؤسسات العلم والعلوم ومنع التصور الديني من الوصول إليها، ووضعها داخل أسوار قوية لا تسمح بدخول أي مفهوم ديني داخل أسوار تلك المؤسسات، فقد حرصت الأنظمة العلمانية الجديدة على علمنة العلم وعلمنة مؤسساته ومنع الدين من الاقتراب من تلك المؤسسات أو تلك المعارف، وكانت أوضح الصور في بلدين من بلدان أوروبا وهما (٢): فرنسا معقل أول علمانية حديثة، إلا أنها سمحت بالوجود الديني على هامش المجتمع والأكثرية من العوام لا شأن لهم في مسار الحياة، والبلد الثاني الاتحاد السوفيتي الذي سار بالعلمانية إلى مداها الأقصى، فحارب الدين ورفض الاعتراف به، ودعا إلى ما أسماه بالإلحاد العلمي. أما بقية الدول الأوروبية فهي وإن لم تصادم الكنيسة بعنف كحال التجربتين الفرنسية والسوفيتية إلا أنها كانت عمليًا وبصورة أدهى تطبق العلمانية بحذافيرها.
عندما قامت العلمانية قامت ضدّ الثنائية الطاغية القديمة بين الكنيسة
стр. 326
والسلطة السياسية لتستبدلهما بسلطتين جديدتين، فاستبدلت الكنيسة بمعرفة علمانية جديدة، واستبدلت السلطة السياسية القديمة بسلطة علمانية جديدة في ظل الدولة القومية العلمانية التي بدأت في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر واشتهرت في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، واتخذت الخيار العلماني كأفضل الخيارات المؤطِرة لمشروعها المؤسسي.
قامت الدولة القومية العلمانية بالمهمة نيابة عن العلمانية، وبدأت في إعادة صياغة المجتمع وفق المبادئ العلمانية، وكانت تعاني من عوائق أهمها: "الكنيسة والأسرة" (١)، فقامت بجهود كبيرة لضربهما، ونجحت في ذلك إلى حد بعيد، وجاءت مهمة علمنة الإنسان ذاته بما يعنيه من استبعاد كل بقايا الدين المؤثرة في مساره ونشاطه، فاصطدمت الدولة القومية العلمانية بصعوبة ذلك، ووجدت أن علمنته تحتاج إلى فكر يتغلغل في وجدانه، يستبطنه الفرد المقصود ثم يعيد إنتاج رؤية جديدة تتفق مع الرؤية العلمانية، فوجدت تلك الدول في فلسفات تدعي لنفسها: "العلمية والعالمية" طريقا مناسبًا لتغيير هؤلاء الناس وعلمنتهم بحسب الهدف المنشود، ومن ثم يتم استيعاب الإنسان في ظلّ علمانية مادية في عملية تدجين حقيقية تلغي إنسانية الإنسان وتنفي أي قيم عليا توجه مساره (٢).
ومما هو معلوم فإن مؤسسات العلم الحديث من معاهد ومراكز ومجامع إلى الكليات والجامعات قد نشأت جميعها في ظل الدولة القومية العلمانية، ذات الرسالة العلمانية، فتوجهت بتوجيهها؛ مما رمى بظلام كثيف من الوجهة الدينية على تلك المؤسسات وتمّ حرمانها حرمانًا تامًا من أي قبس ديني. وقد دفع هذا الوضع أصحاب الأديان الموجودة في تلك البلاد إلى فتح مدارس خاصة بهم تراعي في التعليم إبقاء الحد الأدنى من المفاهيم الدينية داخل الإطار العلمي، ولكنه يبقى محدودًا وهامشيًا (٣)، وهو يدلّ على الإقصاء الكبير الذي حل بالدين في المجتمع الغربي، والتحول الحاد من حياة يحكمها الدين النصراني إلى حياة مادية علمانية دهرية دنيوية يجاهد فيها أصحاب التدين على إيجاد هامش صغير
стр. 327
في ظل تلك الدول. وفي البلاد التي يمثل فيها المتدينون نسبة كبيرة فأقصى ما يستطيعون فعله هو إجبار المؤسسة التعليمية على قبول أصلهم الديني في المسألة مقترنًا بالنظرية العلمية، مثل ما نجده في بعض الولايات الأمريكية من تدريس نظرية "داروين" وغيره، وتقرنه بما ورد في الإنجيل من قصة خلق الرب سبحانه لآدم وزوجه ﵇ (١)، وهذا أقصى ما يستطيعه هؤلاء.
يظهر لنا في النهاية بأن العلمانية كانت رؤية وإطارًا أسهم في انحراف العلم بما تقترحه من توجيهات بصورة خفية إلى العلماء والحركة العلمية، وإن لم تنفع تلك التوجيهات الخفية فتمارس بصورة علنية وقاسية، والتقدم العلمي لا علاقة له بالعلمانية، فالعلم أصبح يحرك ذاته بآلياته الخاصة ولكن العلمانية لها علاقة بانحراف العلم، ونحن نشاهد في بلدان علمانية يعاني فيها العلماء من طغيان تلك البلاد العلمانية عليهم، مثل موقف دولة "هتلر" من العلماء الألمان، أو ما فعلته الدولة السوفيتية والدول الشيوعية عمومًا مع علمائهم مع أنها بلاد علمانية (٢). وهاهم علماء معاصرون في الغرب وإن اعترفوا بأن الفصل بين الكنيسة والعلم قد سمح بتطور العلم؛ إلا أنهم يفرقون بين الفصل من جهة وبين العلمانية من جهة أخرى، فينسبون للعلمانية من الصفات ما ينسبونه لموقف الكنيسة عندما كانت تمارس طغيانها، وهذا يعني بأن العلمانية إنما أثرها تمثل في إفساد مسيرة العلم، لاسيّما في علاقته بما فوق الطبيعة وبعالم الغيب والدين.
د - التيار العلمي في ظل السيطرة العلمانية:
كان التيار العلمي يتحرك في ظل المؤسسة الدينية الكنسية، العلماء الكبار هم من أتباع الكنيسة ومن طلابها رغم ما ظهر منهم من اعتراضات على كنيستهم، وقد توسع الخلاف بين الكنيسة وبين طلابها إلى درجة الصراع وانفصال الطلاب عن الكنيسة وهروبهم من إطارها والبحث عن مكان آخر يتحركون فيه بحرية. وقد وفرت العلمانية عبر مؤسستها الجديدة الدولة القومية
стр. 328
العلمانية ذلك المكان، ولكن لابد للعلماء أن يتنفسوا هواء ذلك المكان وأن ينظروا إلى الأشياء من خلال النور الذي يتيحه لهم، فوقعوا بإرادتهم أو بغير إرادتهم في الاحتواء العلماني، فتوجه نشاطهم العلمي فيما بعد وفق الغايات العلمانية وتصوراتها.
وتحول العلماء إلى فئة مشاركة في انحراف مسيرة العلم الآيديولوجية، وأسهموا في إفساد العلاقة بين الدين والعلم، لاسيّما بعد أن استهوى الإلحاد والمادية طائفة منهم، وبدؤوا في إنتاج علومهم ونظرياتهم وبحوثهم في ظل الرؤية العلمانية التي يتنفسون هواءها وينظرون إلى الأشياء بواسطة عدساتها، وقد رأينا نماذج من ذلك في الفصل الأول، وأذكر هنا ببعض الخلاصات المهمة حول الموضوع:
١ - أثر نشأة العلم في البيئة العلمانية:
إذا كانت العلمانية ذات وجه معرفي ينزع إلى الاكتفاء بالعالم المحسوس وعالم الظواهر وعالم الدنيا، ومنع البحث عما يتجاوز ذلك؛ فقد أثر هذا في العلماء، فأضافوا إلى نشاطهم في وصف الظواهر منع أي تفسير آخر يتجاوز الظواهر بحجة عدم دخوله ضمن المقاييس الكمية العلمية، وقد استنتج بعض العلماء الفلاسفة "أن الطبيعة نظام قائم في ذاته، يعمل وفق سببية آلية لا مكان للغايات فيها، الأمر الذي يعني، في نظرهم، تجريد الطبيعة من القداسة وبطلان القول بوجود الله" (١). وهو أمر مرتبط بالرؤية العلمانية الداعية إلى الاكتفاء بالدنيا والطبيعة وعدم النظر لما سواها، وتبعه تصور الطبيعة أيضًا مستقلة بذاتها غير مرتبطة بعالم آخر أو بغايات أخروية ومستقبلية. وقد كان لهذا أثره الكبير على نشاط العلماء، فما يقومون به إنما حدوده هذا العالم ولا علاقة له بأي عالم آخر.
٢ - قناعة التيار العلمي بأهمية الفصل بين الدين والعلم:
وهي قناعة لم تكن اختيارية؛ فهم من جهة قد لقوا معاناة كبيرة من رجال الكنيسة، وهم من جهة أخرى يتحركون في فضاء علماني يفرض عليهم إقصاء
стр. 329
الدين والهروب منه وعدم السماح له من الاقتراب من نشاطهم العلمي، حتى إنك تجد من العلماء من يحذر بصورة غير مباشرة ويقول: "أيتها الفيزياء إياك والميتافيزيقا" (١)، في وقت كانت الميتافيزيقا عندهم آنذاك الممثل العقلاني الأعلى للدين واللاهوت الديني. ومع أن المقولة صحيحة من وجهة نظرنا لو كانت الميتافيزيقا هي فقط أوهام الفلاسفة حول المسائل اللاهوتية، ولكن الأمر غير ذلك؛ لأنهم يدخلون فيها أيضًا ما يقره الدين.
وقد حرص "جاليليو" -وكذا من بعده من ممنهجي الفكر الغربى الحديث كبيكون وديكارت- على الدعوة للفصل بين الدين النصراني والعلم، ومما كان يخفيه -وإن لم يظهره- الفرار من الإطار الديني الذي يعرفونه رغم تصريحهم بالتزامهم بالعقائد، ولو كان ذلك صحيحًا لكانت مُقَدمة على غيرها ومعظمة في النفوس.
وربما كان الفصل بين الدين النصراني والعلم حلًا مناسبًا لوضعهم خاصة لو لم يكن هناك تيار عريض يتربص الدوائر بمفهوم الدين ذاته وهم المبغضون للدين أساسًا، الذين أحاطوا عملية الفصل بفسادهم، فبعد إنجاز الفصل؛ جاء تأطير العلم ووضع غاياته المناسبة للرؤية العلمانية الدنيوية والرافضة لكل رؤية دينية تؤمن بوجود خالق لهذا العلم يقوم على تدبيره ويستحق من خلقه أن يعرفوه ويعبدوه، والرافضة لكل الغيبيات والغايات الأخلاقية السماوية أو الغايات الأخروية.
٣ - ظهور طائفة من العلماء الماديين والملحدين وأثرهم:
أيضًا مما أسهم به التيار العلمي في إفساد مسيرة العلم ظهور علماء ملحدين، فهم من جهة قد أصبحوا قدوة خطيرة للراغبين في العلوم الجديدة، ففي مرحلة من مراحل الفكر الغربي أصبح من الاعتقادات الاجتماعية المشهورة أن طريق العلم؛ يعني: الإلحاد، بصورة آلية، وهم من جهة أخرى وبشعور وقصد حوّلوا مسيرة علمهم نحو الغايات الإلحادية، وهي صورة برزت في التيارات الوضعية والتيارات المادية، وسأفرد لها فقرات خاصة.
стр. 330
وخلاصة هذه الفقرة أن العلمنة بدأت كمشروع لتخفيف سلطة الكنيسة، ولكن العلم عندما انفصل عن الدين وجد نفسه دون إطار يحتويه، هنا جاءت العلمانية كإطار بديل بعد أن تشبعت بكراهية الدين وبالمادية فوجهت حركة العلم -سواء شعر العلماء بذلك أو لم يشعروا- نحو المادية ونحو الخصومة مع الدين. وقد أفرز لنا هذا الجو العلماني اتجاهات علمانية كثيرة، أهمها الاتجاه المادي والاتجاه الوضعي، وقد توليا بدورهما الانجراف بالعلم إلى أبواب خطيرة حول الدين والقيم، وحولوه إلى سند للإلحاد والمادية والدنيوية، والفقرة القادمة للمادي منهما.
الثالث: دور الفكر المادي في انحراف العلم
أ - ما المادية ؟
مما نعتقد بأن أهم مذهب فكري أسهم في انحراف مسيرة العلم الحديث أو استغل نجاحاته في الانحراف الفكري هو الاتجاه المادي، وأنه كان أقوى الأسباب في ذلك، ساعده في تلك المهمة الشهرة التي حظي بها المذهب في العصر الحديث وقت تطور العلم، مبديًا زعمه المتواصل بأنه الممثل الشرعي الحقيقي للعلم والمتحدث باسمه، فللنظر لحقيقة هذا الأثر:
المذهب المادي تيار عريض في الفكر الغربي، وعادة ما يقسم الفكر الغربي إلى قسمين: مثالي عقلاني وآخر مادي، والاتجاه المادي (١) مذهب يرى بأن المادة هي الحقيقة المطلقة، أزلية أبدية، "أزلية لم يخلقها أحد، ولا توجد في هذا العالم آية قوى غيبية لا تخضع لقوانين الطبيعة" (٢)، وهي الفاعلة وحدها لا تفتقر لسواها، ويفسر أصحاب المذهب المادي كل شيء بأسباب مادية. وهي مذهب قديم، وأقدم ما حفظ منه هو ما جاء عن بعض فلاسفة اليونان مثل "ديمقريطس" و"إبيقور" وغيرهما، تنتشر في فترات من التاريخ وتضعف في
стр. 331
أخرى، إلا أنه من المؤكد بأن المذاهب المادية قد ضعف شأنها في أوروبا بعد نجاح الفلسفات العقلية المثالية أو اعتناقها فيما بعد للنصرانية.
غالبًا ما يميز أصحابها المعاصرون بين مراحل تاريخيه لها، منها ما ذكره "روجيه غارودي" بأن للفكر المادي أربع مراحل (١)، وهي باختصار:
كانت الأولى في المادية اليونانية القديمة التي ترى بأن المادة هي الحقيقة الثابتة والجوهر الوحيد والمدبرة لكل شيء. ثم جاءت المرحلة الثانية -بعد الثورة العلمية- في القرنين الحادي عشر/ السابع عشر والثاني عشر/ الثامن عشر، وكان أهم ممثل لها "التيار المادي الفرنسي" الذي اشتهر كممثل لعصر التنوير من أمثال "ديدرو" و"دولباخ" و"لامتري" و"هيلفيتيوس" في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، وقد تميزوا عن أصحابهم في القرن الحادي عشر/ السابع عشر بالانفتاح على الجمهور (٢)، وبنشرهم الفكر المادي بلغة سهلة وجذابة يتشرّبها أكثر الناس، ولعبت صالونات الماديين دورًا كبيرًا في عملية النشر كأبرز وسيلة إعلامية ودعائية في تلك المرحلة كان أشهرها صالون "دولباخ" -هولباخ- الألماني والمقيم في باريس. وقد كانت "موسوعة ديدرو"، وكتاب "الآلة الإنسانية" لـ"لامتري"، وكتاب "نظام الطبيعة" لـ"دولباخ"، أشبه بالأناجيل الجديدة للتيار المادي، وتعد المرجع المهم للمادية آنذاك. وتبعهم فيما بعد أحد أهم رموز هذه المرحلة الفيلسوف المادي الألماني فيورباخ الذي تجمّع في فكره الإلحادي أغلب خلاصات الفكر المادي، وبقدر ما جعل مهمته الدعوة للإله الجديد "المادية" بقدر ما "اعتبر نقد الدين أجلّ قضية يكرس لها حياته" (٣)، ليؤصل رؤية جديدة لحركة الماديين؛ إذ لا يكفي إعلان المادية كدين جديد والدعوة لها، وإنما لابد من تحطيم الأديان. ومما يُلحظ بأن ألمانيا قد أخرجت كبار الملاحدة في العصر الحديث من دولباخ إلى ماركس ونيتشه.
ثم كانت المرحلة الثالثة بحسب تقسيم "غارودي" هي مادية الثوريين
стр. 332
الديمقراطيين الروس وما حولها، ومن أشهرهم "تشيرنيشيفسكي"، فقد طوروا "التقاليد المادية والإلحادية والديالكتيكية في روسيا" (١)، وربما كانوا الطليعة التي هيأت روسيا لتكون فيما بعد موطن أهم دولة تتبنى الفكر المادي الإلحادي الصرف.
أما المرحلة الرابعة -وهي الأشهر- فهي "الماركسية المادية الجدلية/ الديالكتيكية" التي أسسها "ماركس" في الأساس وبمشاركة صديقه "إنجلز"، لتصبح بعدهما أهم مذاهب القرن التاسع عشر وأغلب الرابع عشر/ العشرين، صاحبها في الوقت نفسه مذهب مادي يتشارك مع الماركسية في الطابع المادي وهو المذهب الداروني المنتسب للعلم، وتتميز الأخيرة عن المراحل الثلاث عند أصحابها كما يزعمون بأنها الوحيدة التي توصلت إلى مفهوم علمي للديالكتيك (الجدل)، فتحولت المادية كما يقولون بذلك الاكتشاف من مذهب فلسفي إلى مذهب علمي، فيقرنون ماديتهم بالعلم، بل هي العلمية الوحيدة.
لقد كان لكل مرحلة من مراحل تطور المذهب المادي صورة معينة للعلاقة مع العلوم الطبيعية؛ لاسيّما وأغلب تلك العلوم موضوعها المادة، وهذه العلاقة منها ما هو اشتغال بهذه العلوم وتطويرها وهو ما لا نقصده في هذا البحث، ومنها ما كان مفسدًا لصفاء تلك العلوم ونقائها حيث لعب المعتقد الإلحادي للمذهب المادي دورًا بارزًا في الانحراف بمسيرة العلم وتوجيه العلوم في غير بابها. فمن الطبيعي عناية المذهب المادي بالعلوم المادية لأنها تخدم معبوده؛ إلا أن الاعتقاد الإلحادي لهذا التيار قد صرف عنايته بتلك العلوم -ولو على مستوى الادعاء وهو الغالب- إلى ما يخدم ذلك الاعتقاد الإلحادي. فوظف المذهب المادي العلمَ بصورة كبيرة في خدمة الإلحاد، وأظهر ارتباطًا حتميًا مزعومًا بين التقدم بالعلم وبين دعم صحة الموقف الإلحادي، فشوّه بذلك حقيقة العلم، وتأثر بذلك الكثير بمن فيهم بعض العلماء المنشغلين بهذه العلوم لدرجة أن انتشر تصورٌ في المجتمعات الغربية مفاده بأن العالِم لابد أن يكون ملحدًا، وكثرة وصايا بعض العجائز لأبنائهم محذرة من هذه العلوم لما تورثه من الإلحاد، ومن رأوه مشتغلًا بها غسلوا أيديهم من إيمانه بمعتقداتهم أو
стр. 333
إقراره بمسلمات الدين (١). وبهذا حوّلوا العلم من دوره الشريف في نفع البشر، بل أهم من ذلك في هداية البشرية لمعرفة خالقها؛ إلى خدمة الدعاوى الإلحادية، وهذا التحويل وآثاره الخبيثة نجد توضيحها في الأسطر القادمة بإذن الله.
ب - التطور العلمي والتوسع في التصورات المادية:
منذ ظهور الثورة العلمية وما لحقها من نجاحات علمية والمذهب المادي عبر رموزه يعلن ويكرر بأنه الابن الشرعي للعلوم، ويدعي أيضًا أنه القادر في الوقت نفسه على فهمها ورعايتها وتوجيهها، ثم بدأ ينبّش في تلك العلوم باحثًا عن أدلة صدق دعواه، ولم يكتف أصحاب المادية بهذه الدعوى؛ ولكنهم أيضًا جعلوا العلم ماديًا إلحاديًا، فالعلم عندهم كما أنه رديف المادية فهو أيضًا رديف الإلحاد؛ وبقدر ما يحرصون على ربط المادية بالعلم وتعميم نتائج العلم لصالح المادية؛ بقدر ما يجعلونه في الوقت نفسه شاهدًا على بطلان الغيبيات كما يزعمون ودليلًا على عدم وجود الإله وداعمًا حقيقيًا للإلحاد، وبهذين الادعاءين الكبيرين: "أنهم الممثلون للعلم، وأن العلم على أيديهم قد أبطل الدين والربوبية والغيبيات"؛ نجحوا إلى حدٍ بعيدٍ في نشر الإلحاد، وأفسدوا بهما مسيرة العلم.
عندما يكون محور اهتمام العلم مركزًا على الأمور الدينية، فإنه يكبر حجم التصور الديني في حسّ الناس وفي واقعهم، وعندما يكون محور اهتمام العلم هو الأمور الدنيوية أو المادية؛ فإنها تكبر في أعينهم، وعندما يختل التوازن بين العناية بعلوم الدين من جهة وعلوم الدنيا من جهة أخرى تقع إشكالات كبيرة، فأوروبا في عصورها الوسطى اعتنت بالدين الجديد الذي اعتنقته بعد أن خلطته بوثنياتها عن طريق اليهودي المتنصر "بولس" وغيره، فتحول دين التوحيد إلى دين تثليث، وأقامت علومًا كبيرة على هذا الدين المحرف، وخلطته بتركتها اليونانية والرومانية وغيرها من الفلسفات، ولكن لم يتحقق لأوروبا أن عاشت دينًا صحيحًا ولا قامت لها دنيا سعيدة حقيقية، وهي ترى حولها أمة جديدة ذات دين
стр. 334
عظيم، وأقامت عليه حضارة مادية كبيرة لا تتعارض مع دينها. ومرت الأيام فأخذت أوروبا المنهج العلمي من المسلمين، ولكنهم بسبب آلية "المسموح والممنوع" أقفلوا أبوابهم أمام النور الحقيقي وهو الإسلام، فأخذوا السلاح دون اليد التي توجهه، والجسد دون روحه، فقامت لهم نهضة علمية محورها الطبيعة المادية، وانكشف لهم عالم من خلق الله مدهش وعجيب، ففتنوا بذلك، ورأوا أن هذا العلم الدنيوي لوحده هو الحق، ومادته وهي الطبيعة المادية هي التي تستحق العناية، وأن وظيفة العلم كما يُنظّر بيكون وغيره هي السيطرة على الطبيعة.
في مثل هذه الأجواء كان هناك تيار يتربص بهم، وينتظر الفرصة المناسبة للتغلغل وهو التيار المادي، الذي يرى البداية والنهاية في المادة وحدها، بيدها الخلق وعندها الحق، الفاعلة وغيرها من نتاجها. وعندما لاحظ المذهب المادي انصراف الناس إلى علوم الدنيا واهتمامهم بالمادة سواء كان ذلك في الفلك أو الفيزياء أو الكيمياء أو غيرها، ووجد أن هذه الدنيا في صورتها المادية قد كبرت في أعين الناس، عندها أظهر من جديد دعوته حول مذهبه، معلنًا بأن مادة هذه العلوم وهي المادة هي أساس كل شيء، وعليه فإن الرؤية والتصور والمنهج والعمل ينبغي أن يكون ماديًا أيضًا.
وقد نجد في كثير من الكتابات حول الفكر الغربي الربط بين التقدم العلمي وميلاد التصور المادي؛ وكأن التصور المادي نتيجة حتمية للتقدم العلمي الدنيوي، ولا شك أنه تصور مغلوط؛ لأنه يجعل مصير العناية بهذه العلوم هو المصير المادي وفي مسار حتمي لا رجعة فيه، مع أن الواقع التاريخي يكشف أن اشتهار التصور المادي وقت التقدم العلمي نابع من غفلة المجتمع وانغماسه في هذه العلوم؛ مما يسّر لأصحاب المذهب المادي استثمار الفرصة وتوجيه مسار التقدم العلمي لصالح مذهبهم. فالعلوم لا ذنب لها في اشتهار المذهب المادي، وإنما الذنب للمجتمعات التي لم تجمع بين الدين الحق والعلم النافع، وتقيم التوازن السليم بين إقامة الدين وإعمار الدنيا.
لقد أعلن المذهب المادي عن دعوته للمجتمع المنخرط في التطور العلمي: إنكم تعتنون بعلوم مادية؛ أي: بالعلوم التي تعتني بالمادة، والمادة هي أساس مذهبنا، فلِمَ لا تقبلون مذهبنا وهو أساس علمكم؟! مع العلم بأن الماديين
стр. 335
لهم جهودهم في الجوانب المادية الصحيحة والمفيدة؛ لأن الأمور المادية قد جعلها الله سبحانه للبرّ والفاجر، المؤمن والملحد، وهم قد اعتنوا بها وقدموا فيها أعمالًا مهمة يشاركون فيها غيرهم على المستوى المادي مما ضاعف من مكانتهم (١)، ولكنهم يعممون تلك النجاحات على أمور الدين والغيب والقيم ويحكمونها في أمور الحياة ليطبعوا كل شيء بطابع مادي. وفي هذه النقطة بالذات يبدأ عملهم التدميري، وهو الجانب الذي نجح فيه العمل الإفسادي للاتجاه المادي مستثمرًا في ذلك بعض ما شارك فيه غيره من نجاحات مادية من باب لبس الحق بالباطل قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢]، فكثيرًا ما يُلبس أهل الضلال الحق بالباطل، ليكون ذلك أقبل لباطلهم، مع العلم بأنهم على المستوى العلمي لم ينجحوا في إثبات صحة تطبيقات المادية على المسائل غير المادية وكل ما هنالك هو إقصاء ما لا يعجبهم ومصادرته، ولكن جانب الدعاية المادية ونشاط تياراتها قد نجح في التغطية على هذه الثغرة وتمرير دعوتهم على الكثير حتى أضحت الرؤية المادية هي "البنية الفكرية التحتية أو النموذج المعرفي الكامن للعديد من الفلسفات الحديثة" (٢) محققة في ذلك نجاحًا كبيرًا كان له آثاره إلى اليوم على العلم من جهة وعلى المجتمعات البشرية من جهة أخرى. على هذا المنوال وجدت التيارات المادية فرصتها بعد أن برعت الحضارة الغربية في الجانب المادي لتقوم هي بتغذية الجانب المعنوي من هذه الحضارة (٣)، لاسيّما بعد أن فقد الدين مكانته تاركًا مجاله لمثل تلك الفلسفات.
ج - صورة العلاقة بين المادية والعلم الحديث:
عرفنا فيما سبق بأن الاتجاه المادي قديم موجود قبل الثورة العلمية الحديثة، ولكنه بعد ظهورها بدأ يبحث عن حجج جديدة يدعم بها رؤيته المادية،
стр. 336
وبما أن العلم هو الحصان الأسرع في أوروبا فلابد من امتطائه؛ عندها اتجه الماديون إلى العلم يبحثون عن أدلة تدعم ماديتهم، فيجمعون بين الشبهات العقلية والاستغلال لثمار العلم، وعندما يدعمون مذهبهم بشواهد علمية فمن ذاك الذي يستطيع الاعتراض بعدها؟!
لكن رواد الثورة العلمية وعلماءها كانوا خلاف الماديين يرون علومهم لا تتعارض مع الدين، ويعلنون إيمانهم بالله سبحانه، ويقرّون بوجود حقائق دينية وغيبية غير المادية، وهذا الوضع قد عكّر الجوّ على الماديين فترة "كوبرنيكوس" و"كبلر" و"جاليليو" و"نيوتن"، فلم يظهر وقت الثورة العلمية عالم مادي المذهب يدعي بأن العلم يبطل الدين أو يصدق دعاوى المادية، بل نجد في أوائل الماديين المحدثين المصاحبين لتلك الثورة العلمية من يجمع بين تصوره المادي من جهة وبين إقراره بوجود الرب سبحانه، مثل الفيلسوف الفرنسي المادي والقسّ في الوقت نفسه "غاسندي" (١٥٩٢ - ١٦٥٥ م) المعاصر لـ"ديكارت" والمحيي لمادية "ديمقريطس" و"إبيقور" الذرية والمتأثر "بجاليليو" (١). ومع ذلك فقد حدثت تغيرات كبيرة في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر من جهتين: فبعض العلماء مالوا نحو المادية ووظفوا علومهم في خدمة التصور المادي، وفي الوقت نفسه بدأ الماديون يتخلصون من بقايا ما يعتقدونه من الدين وفي رأس ذلك مسألة الإيمان بالله سبحانه، ليجتمع الطرفان في إبراز صورة مادية ملحدة واحدة.
مادية القرن الثامن عشر والتاسع عشر:
كان القرن (الثاني عشر هـ - الثامن عشر م) قرن المخاض العسير، فهو أولًا من الناحية العلمية قرن فيزياء "نيوتن" وطبيعياته التي وجد فيها الماديون الأدلة العلمية الكافية كما يزعمون للتخلص من بقايا الدين، وهو أيضًا كان عصر التنوير الثائر فكريًا واجتماعيًا على الدين في صورته الكنسية الذي خُتم بالأعمال الخبيثة لـ"فيورباخ" معلنًا الحد النهائي للعلاقة بين المادية والدين، فالمادي في نظرهم لابد أن يعرف بأن الدين بما في ذلك الإقرار بوجود الله سبحانه إنما هو وهم بشري وخرافة لا يمكن استمرارها في زمن العلم المادي الذي سيعقبه القرن
стр. 337
التاسع عشر قرن المادية العلمية. وقام الماديون في هذه المرحلة بعمل جاد لتحوير فيزياء "نيوتن" على وجه يخدم الرؤية المادية، وما انقضى ذلك القرن إلا بعد أن تمّ لهم ما خططوا له، فنقلوا العلم المادي إلى المادية العلمية، تلك المادية التي ازدهرت بعد تراجع التيار المثالي وغياب فيلسوفها الألماني المشهور "هيجل" عن مسرح الفكر (١)، وتحول العلم المادي إلى مذهب مادي. فانتفشت المادية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر متدثرة بالعلوم الجديدة، ولكثرة تبجحها بالعلوم أصبح من الممكن "أن يطلق المرء بصفة عامة على مادية القرن التاسع عشر اسم مادية العلوم الطبيعية؛ لأنها كانت تستند على نتائج هذه العلوم التي كانت قد تطورت تطورًا كبيرًا. . . . وطغى التفسير المادي على كل الجوانب، وأصبحت كل الحقائق تفسر تفسيرًا ماديًا. . . ." (٢)، ولم يعد يسمى بالمذهب المادي بل يقال: المذهب العلمي أو المادية العلمية، وشاركها في القرن نفسه مذهب آخر يزعم لنفسه أيضًا العلمية وهو المذهب الوضعي، ويقصدون من كلمة الوضعي أي العلمي، كان ذلك مع الفيلسوف الفرنسي "كونت" (٣)، وقد كان المذهب "المادي والوضعي" أهم مذاهب القرن (١٣ هـ - ١٩ م)، وقد تعزز وتأيّد تأييدًا عظيمًا بمذهب تشارلز "داروين" (٤)، معطيًا للمادية سندًا علميًا مزعومًا وصريحًا في ماديته.
وهكذا شاع بين النُّخب في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تلك الدعوى المادية، واتسع تفسير كل شيء وفق منظور مادي، يستندون في ذلك على العلوم الحديثة ولاسيّما "فيزياء نيوتن -الكلاسيكية- ونظرية دالتون عن الذرة ثم نظرية داروين عن أصل الإنسان. وقد بدا للمراقب وكأن العلم وما يقدمه من اكتشافات مجرد وسيلة إثبات لمنظور مادي قديم" (٥) بلغة جديدة.
стр. 338
وتحولت هذه المذاهب المادية إلى تيارات عريضة في الغرب، سواء على مستوى الفكر كما في "الدارونية الاجتماعية"، أو على مستوى الفكر والمجتمع كما في "الماركسية الشيوعية" بما ظهر لها من أحزاب منتشرة في العالم، ممهدة الطريق للوصول إلى الحكم في كثير من بلدان العالم؛ ليصبح لدينا دولٌ -في القرن الرابع عشر/ العشرين- عقيدتها الأساسية تقوم على المادية، ودعوتها الأهم تتمثل في إخراج الناس من الدين والتبشير بالإلحاد تحت مظلّة العلم.
وكما دعمت الثورة الفرنسية الموقف العلماني وحققت فرصة ذهبية لليهود في أن يتغلغلوا في الفكر والمجتمع الأوروبي؛ فإن الثورة البلشفية (عام ١٩١٧ م) حققت فرصة نادرة لسيطرة الماديين السياسية واستثمار تزعمهم للدول التي يحكمونها في نشر المادية، ولا يخفى بأن "ماركس" أحد أهم دعاة المادية الحديثة ومؤسس الماركسية من أصل يهودي، وأضاف ليهوديته (١) الصورة المادية الجديدة التي وضعها بمشاركة "إنجلز" ممثلين في ذلك الطور الأول للماركسية، إلى أن جاء "لينين" بعد ثورة (١٩١٧ م) ليحقق الطور الثاني لها.
ومع أن الماركسية هي أهم ممثل للمادية في القرن الرابع عشر/ العشرين الميلادي؛ إلا أن هناك امتدادًا للفكر المادي في مذاهب أخرى قد ترفض التسمّي بالمادية مثل الوضعية الجديدة، أو نجد امتدادًا لها مع ماديين كبار مع رفضهم للصورة الماركسية، مثل أصحاب فلسفة التحليل وأهمهم الفيلسوف الإِنجليزي المعاصر راسل.
د - المنهجية المادية للانحراف بالعلم:
أهم دعوى يحرص الماديون على إبرازها دعوى ارتباطهم بالعلم، فهم يحققون من خلالها مجموعة مكاسب أهمها الاستناد إلى ركن شديد في إثبات دعواهم المادية، ثم يعقبها تبرير استغلالهم الخبيث لثمار العلم في مزاعمهم المادية؛ فهم يصورون مذهبهم كأنه نتيجة وثمرة للعلم، وبما أنهم أبناء العلم؛
стр. 339
فهم أحق الناس بخيراته ويجدون التبرير لأنفسهم في توظيفه لخدمة مبدئهم.
ويمكن أن نطلق على آليتهم في الاستغلال للعلم بآلية "الربط والتعميم"، فمن خلال آلية "الربط" يبحثون عن نقاط مشتركة بين المذهب المادي وبين العلم، يؤكدون من خلالها ارتباطهم المزعوم بالعلم. وأما "التعميم" فيأتي في باب استغلال العلم -الصحيح منه والملتبس- في دعم رؤيتهم المادية بعد التحوير اللازم له، ومقصدهم من التعميم إعطاء صورة علمية مزعومة لماديتهم.
وبما أن البحث يقوم على اختيار نماذج معبرة لصعوبة احتواء الكل، فسيكون النموذج المختار هو المذهب المادي في صورته الماركسية "المادية الجدلية - الديالكتيكية"؛ لأنها كانت آخر الصور شهرة، وحققت نجاحات كبيرة أوصلتها إلى تكوين دولة عُظمى كما يقال، وسأنظر لها من خلال آلية الربط والتعميم مع الأمثلة، وأثر ذلك في الانحراف بالعلم.
أولًا: آلية الربط للحصول على السند العلمي:
تعتمد هذه الآلية على إثبات دعوى لديهم مفادها أنهم أفضل صورة للعلم والعلمية، وأن مولد العلم الحقيقي قد تحقق في المادية الجدلية، بل إنهم أحيانًا يزعمون لأنفسهم أنهم أكثر علمية من العلماء أنفسهم. وعندما يظهر عالم من العلماء لينفي الرؤية المادية ويتجه نحو المثالية أو الدين -وما أكثرهم- ينهالون عليه بالسباب والتحقير وخيانة العلمية، خذ مثلًا ما يقوله أحد الماركسيين الفرنسيين في فترة ماركسيته "روجيه غارودي" حيث قال: "وهذه الفلسفة -أي: المادية- أمينة كل الأمانة لإرشادات العلوم" (١)، وقريبًا من ذلك وصْفُ أحدهم بأنها -أي المادية- "وجهة نظر تقدمية، علمية تجاه العالم. إنها تعطي لوحة صادقة عن العالم فتصوره كما هو في الواقع، وبذلك تكون حليفا أمينا للعلم. . . ." (٢)، وحسب المثل المشهور فقد كاد المريب -الأمين- أن يقول: خذوني؛ فهذا التأكيد منهم على أنهم لا يخرجون قيد أنملة عن إرشادات العلوم هي دعوى يكذبها حالهم في كل مكان ظهروا فيه، ولكنه الحرص والمنافسة على السلاح العصري الجديد وهو العلم ولو بالادعاء.
стр. 340
وحسب الاستعراض الماركسي لتاريخ الفلسفة في الكتاب الجماعي "موجز تاريخ الفلسفة"؛ تجد ذلك الإسفاف في الحرص على ربط كل موقف مادي بالعلم الحديث، وبعضها يصلح لباب الفكاهة الساذجة، فقد حوّلوا الثورة العلمية مع روادها الأوائل وكأنها ثورة مادية، وما كأن العلماء وُجِدُوا إلا من أجل إثبات صحة المادية، مع أنهم كانوا ضدّ المادية غالبًا، فيقولون: "وقد أعطت نجاحات الرياضيات النظرية والعلوم الطبيعية التجريبية دفعًا قويًا لتطور الاتجاهات المادية في الفلسفة" (١)، هكذا وكأن النتيجة المحتمة للعلم هي المادية. وفي المسار نفسه في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، حيث يقولون: "ومع الأفكار العلمية الجديدة، أفكار الرياضيات والفيزياء والميكانيك والفيزيولوجيا والطب، بدأت الآراء الفلسفية المادية تشق طريقها إلى أذهان الناس" (٢)، وكأن العلم مصيره هو المادية. وإن سألتهم عن أكبر انتصار للعلم فهو ليس ما حققه العلماء وإنما هو -بحسب رأي لينين- مادية ماركس فهي "أكبر انتصار أحرزه الفكر العلمي" (٣). وعندما خذلتهم الفيزياء المعاصرة -فيزياء ما بعد الذرة والكم والنسبية- انبرى "لينين" ليدافع عن تلك المادية قائلًا: "إن الفيزياء المعاصرة في حالة مخاض، إنها تلد المادية الديالكتيكية" (٤)، ويقول أيضًا في كلام يعرف كل العالم آنذاك كذبه: "أثبتت الاكتشافات الأحدث في علوم الطبيعة صحة مادية ماركس الديالكتيكية، وذلك رغم أنف الفلاسفة البرجوازيين وارتداداتهم الجديدة نحو المثالية القديمة العفنة" (٥)، فعلى هذا الشكل الآيديولوجي الفج كانت تتم عملية الارتباط بالعلم، عملية كاذبة في حقيقتها، فهي عبارة عن عملية استغلال بشعة للعلم، وكما رأينا في الفصل الأول فرواد الثورة العلمية غير ماديين وبعضهم من رجال الكنيسة واللاهوت، بل العلماء المشاهير الذين خدموا العلم وقدموا إضافات كبيرة لصالحه؛ كان أكثرهم
стр. 341
وأشهرهم من غير الماديين، وهذا أحد الماديين وصاحب أشهر كتاب عن تاريخ المادية يبطل مزاعم أصحابه في نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر "ألبرت لانجه" بعنوان "تاريخ المادية" وهو بحسب كلام "د. فؤاد زكريا": "موسوعة ضخمة تجمع كل ما عرف عن المادية" (١)، وبرغم من أنه يرى بأن المادية قد استفادت من تقدم العلوم الطبيعية "حتى إن الماديين الذين عرفهم لانجه حاولوا أن يربطوا مذهبهم بالعلم ربطًا نهائيًا، مؤكدين أنه لا مجال للبحث في أي موضوع ما عدا العلم الطبيعي، إذ لا يوجد خارج الطبيعة شيء" (٢)؛ إلا أنه ينكر زعم الماديين بأنهم الممثل المهم أو الوحيد للعلم، ودليله "أن الكشوف والانقلابات الكبرى في العلم قد تمت على أيدي علماء لم يكونوا من ذوي النزعة المادية" (٣)، فهذه الشهادة من أهلها كما يقال، وفيها دلالة بيّنة على أن دور الماديين لا يتجاوز الادعاء ومحاولة الالتصاق بالعلم لا ليخدموه أو يطوروه وينفعوا به البشرية؛ وإنما ليخدموا به مذهبهم المادي.
ثانيًا: آلية التعميم لاستغلال العلوم الحديثة:
من المهم بداية التفريق بين الاستثمار والاستغلال، فالاستثمار يوحي بموقفٍ حسن في الغالب بخلاف الاستغلال، فهو يدل على موقف خسيس ودنيء، والأصل في الاستثمار أن يقوم على النزاهة وخدمة الأغراض الحسنة؛ أما الاستغلال فيقوم على الكذب والخيانة وخدمة الأغراض السيئة. إذا علمنا ذلك -على الأقل بحسب ما أرتضيه هنا لتوضيح الفكرة- فإنه يحق لكل واحد أن ينتفع بالعلم ونجاحاته وثماره، لكن هناك من ينتفع به بصورة حسنة ولأغراض مشروعة، فهذا ما نسميه الاستثمار الحسن، وليس كل الناس بهذه الحال، وهناك أيضًا من ينتفع بالعلم على وجه سيئ ولأغراض باطلة، فهذا ما نسميه الاستغلال السيئ.
стр. 342
فمن صور الاستثمار الحسن ما يفعله بعض المسلمين من الاستدلال على عظمة الخالق سبحانه بالاكتشافات العلمية المهمة، أو يثبت عظمة القرآن في كشفه لحقائق ما علمها الناس إلا بعد قرون. وفي المقابل فمن أبشع صور الاستغلال ما قام به الاتجاه المادي في العصر الحديث من خلال استغلاله للعلم وثماره في الدعوة للمادية والإلحاد.
وعلى هذا فما قام به الاتجاه المادي نحو العلم هو الاستغلال والخداع وليس الاستثمار المشروع، انطلق في ذلك من خلال آليته المفضلة آلية "التعميم" لنتائج العلم على قضايا تدعم المذهب المادي، وهي من أعظم نقاط الانحراف بالعلم في العصر الحديث.
يرى أصحاب الاتجاه المادي بأن المادية قد انبثقت من العلم، وهي في الوقت نفسه الشرط الضروري لاستمراره ونجاحه، فالمادية بزعمهم تساعد العلم على التطور وتقدم له السلاح المناسب (١)، لينتقلوا بعد ذلك خطوة أخرى للقيام بعمليات كبيرة من أجل استغلال هذه العلوم لصالح المادية عن طريق التعميم لنتائج العلم بما يخدم المادية، ومن أبرز صور التعميم ما قام به مؤسسا الماركسية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر الميلادي، ثم ما قام به مجددها لينين في القرن اللاحق.
نجد في الطور الأول ادعاء أصحاب "موجز تاريخ الفلسفة" الماركسيين في قولهم: "برهن مؤسسا الماركسية أنها هي الفلسفة الوحيدة المؤهلة للقيام بالتعميم الخلاق لمنجزات العلوم الطبيعية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي الوقت نفسه هي ضرورية -أي: الماركسية- لهذه العلوم كأساس فلسفي لطورها اللاحق" (٢)، أتبعا هذا الإعلان بقيامهما في سبعينيات القرن التاسع عشر بعمل تطبيقي لذلك التعميم، ففي هذه المرحلة انصب اهتمامهما على تعميم معطيات العلوم الطبيعية على المادية لثلانة أسباب أعلنوها: أن الماركسية في تلك المرحلة ومع انتشارها تحتاج إلى دعم لإثبات صحة دعواها، وخير سند لذلك هو العلم. والثاني أن التطورات العلمية شارفت الكمال وبلغت درجة عالية من
стр. 343
النضج مما يجعلها مؤهلة للاستغلال. والثالث أن الماركسية تعاني من أعداء -إما من أصحابهم الماديين مثل الدارونيين الجدد، كـ"بوخنر" وغيره أو من ماخيين وضعيين أتباع "ماخ" أو من أعدائهم المثاليين واللاهوتيين (١) -, ولذا فهي محتاجة لسلاح العلم. ويتضح أن المقصود من تعميم العلم هو استخدامه كسلاح في وجه الخصوم مع ما في ذلك من القيام بكل الخدع اللازمة التي لا تستغني عنها حرب دائرة بين طرفين، وقد ينطلي ذلك على المعجبين بالمادية لظنهم أنها علمية في تصورها ومنهجها، وعلمية في حربها مع خصومها، دون الوعي بأن التعميم إنما هو صراع بكل ما يعنيه الصراع من استخدام للخداع والحيل وارتكاب كل ما يحقق الفوز وإن قبح.
ولكن حدث بعد إنجاز المؤسسين لعملهما ما لم يكن في الحسبان، إذ وقعت تطورات متسارعة ذات دويّ مجلجل ظن معه المهتمون بالعلم أنهم أمام انهيار كامل لكل ما مضى وميلاد عصر جديد للعلوم الفيزيائية (٢)، وتبع ذلك أزمة وقع فيها الماديون المعظمون لـ"ماركس"، فكيف يفعلون بتلك المقدسات الموروثة عن "ماركس"، وبقيت هذه الأزمة حتى جاء "لينين" من جديد ليمثل الطور الثاني للمادية الماركسية وليمارس عملية استغلال جديدة لثمار العلم الجديدة، ومثل البيان السابق لـ"ماركس" و"إنجلز" نجد بيانا آخر لـ"لينين" بأن: "المادية الديالكتيكية هي الفلسفة الوحيدة المؤهلة للقيام بالتعميم الفلسفي للاكتشافات الجديدة في علوم الطبيعة. . . ." (٣)، وكما قام المؤسسان بعمل تطبيقي للاستغلال فكذلك فعل "لينين"، فبعد بروز "المثالية والدين" إلى الساحة من جديد بسبب الثورة العلمية المعاصرة التي سحبت السلاح من أيدي الماديين
стр. 344
-وهي نفسها التي يزعم الماديون أنها أعطتهم إياه- وسلمته للمثاليين وأهل الدين، حيث حدث انقلاب هائل بين العلماء تمثل في ترك الإلحاد والإقرار على الأقل بوجود الرب سبحانه. صدم الماديون بهذه المستجدات، عندها قام "لينين" ورفاقه بمهمة التصدي لها والدفاع عن الماركسية وذلك يتطلب منه إعطاء إجابات علمية جديدة في عملية تعميم -استغلال- جديدة (١). ومع ذلك فالعلم يتطور بسرعة ويظهر من العلماء في كل مرحلة العشرات، وحدث لهم في القرن الرابع عشر/العشرين الميلادي ميول كبيرة نحو ترك الإلحاد والاعتراف بالخالق سبحانه، وأهم ما دعاهم لذلك؛ العلوم ذاتها التي بين أيديهم وذلك بشهاداتهم أنفسهم التي رأينا جزءًا منها في الفصل الأول، وهو تطور لم يستطع التيار المادي مجاراته على مستوى التنظير الفكري أو قل الاستغلال الفكري، كالذي رأيناه مع ماديي القرن الثالث عشر/ التاسع عشر أو السنوات الأولى من القرن الرابع عشر/ العشرين، ورغم أنهم كانوا سببًا في انحراف العلم وتعكير صفوه؛ إلا أننا نرى العلم ينتقم منهم في السنين الأخيرة، ويندر أن نسمع ماديًا دون أن يكون قد خفف من ماديته، وأغلب من بقي منهم قد ترك الاستغلال للعلم بعد الفشل في إقناع الجماهير، ومن ثمّ عادوا للمجال الفكري والفلسفي؛ لأنهم يجدونه أرضًا تحتمل التعمية والتلبيس.
ثالثًا: نماذج من انحرافات الاتجاه المادي بالعلم "الفيزياء - الأحياء - الرياضيات ":
١ - مفهوم القانون العلمي في الفيزياء:
نبدأ بنموذج من الفيزياء الحديثة، وهو نموذج يوضح بجلاء كيف يتم الانحراف بالعلم والاستغلال الخبيث له، مع أنهم يظهرون للناظر بأن عملهم ما هو إلا صورة للعلم التي قبلها كل العقلاء. وسبب الاعتماد على الفيزياء أنها أهم العلوم نجاحًا واكتمالًا في العلوم الطبيعية؛ فقد نجح جاليليو ثم نيوتن في إعطاء صورة بارعة للفيزياء فتنت أغلب المطلعين عليها، مما جعلها العلم المناسب للاستثمار أو الاستغلال، وهذا لينين أحد أبرز رموز المادية يقول:
стр. 345
كانت الفيزياء أهم العلوم الطبيعية في الصراع بين المادية والمثالية (١). فمن يتأمل واقع الفكر الغربي يعلم بأن الفيزياء كانت أهم العلوم في معاركهم الفكرية بما في ذلك موقفهم من الدين -ضدّه أو معه- من نيوتن إلى أينشتين. ومع ذلك فقد يُدرس هذا العلم في بلاد المسلمين دون الوعي بكل هذه الأبعاد التي خاضتها الفيزياء الحديثة والمعاصرة داخل الفكر الغربي بين تلك الأطراف المتصارعة.
وقد كان أهم ما قدمته الفيزياء الحديثة للعالم هو مفهوم القانون العلمي الذي يفسر أو يعبر عن السنن الكونية، فإن تاريخ الفكر البشري لم يجهل بأن العالم يسير وفق سنن مطردة، وهو أمر جاء به الدين وأثبته، ولكن لم يستطع أحد اكتشاف قوانين تعبر عن تلك السنن ويمكن بعد ذلك تطبيقها على كل الصور المشابهة، إلى أن جاء "كبلر" ليعلن قوانينه الثلاثة التي تشرح وتفسر حركة الكواكب، وأمكن -بعد تحسينها- التنبؤ بكل حركاتها، ومن ثمّ وضعها في جداول دقيقة. تبعها فيما بعد قوانين الميكانيكا عند جاليليو إلى أن جاءت أهم الصياغات مع نيوتن (٢). ولم تكن مثل هذه الاكتشافات لتتعارض مع الدين وما يثبته الوحي بقدر ما هي إعلان لسنة من سنن الله سبحانه في الكون برموز رياضية، وهي مدعاة حقيقية لتعظيم خالقها وموجدها وحافظها وهو الرب سبحانه، ولكن الماديين كان لهم رأي آخر؛ فهم يقولون لخصومهم المقرّين بوجود الرب سبحانه: إنكم تقرون بوجوده من أجل دعم حركة الكون وحفظه، ولكن هاهم علماء الكون والفيزياء قد اكتشفوا قوانين حركتها، وعلمنا أنها تتحرك وفق آلية واحدة، والعالم ما هو إلا مادة وحركة، والمادة يعرفها الجميع، أما الحركة فهاهي قوانين الفيزياء تفسرها تفسيرًا كاملًا، مما يعني أنها في غير حاجة لتدبير خارجي أو رعاية غيبية، وقد رأينا الصورة التي رسمها العالم والفيلسوف الفرنسي "لابلاس" في الفصل الأول. وقد كان أهم من خدم التصور الآلي من الناحية الفكرية والفلسفية ديكارت، ويعترف الماديون عادة بهذا الجميل له، حيث أخرج صورة آلية للكون مستفيدًا من الثورة العلمية في قالب فلسفي،
стр. 346
يُشبه ما رسمه عن الكون بعمل آلة في مصنع ما إن تشغلها حتى تبدأ لوحدها بالعمل، بينما مشغلها يتفرج عليها وهي تعمل إلى أن يوقفها، وبقدر ما تكون الآلة متقنة وتعمل وفق قواعد محددة؛ كلما قلّ تدخل الإنسان فيها، ومن المؤسف أن المقرين بالرب سبحانه زمن هذه الأحداث جعلوا دور الخالق سبحانه لا يتجاوز دور مشغل تلك الآلة في المصنع -تعالى الله عن ذلك-، حيث صنع الآلة وفق قواعد محددة ثم تركها لوحدها وفق تلك القواعد، وعند بعضهم أنه يقوم بتصحيح بعض الشذوذات الكونية، فوجدها الماديون فرصة للاستغناء عن رب هذا هو قدره ودوره عند المقرين به، فالعالم المادي في نظر الماديين أكبر من ذلك وأعقد، فله قوانينه الخاصة التي يتحرك بواسطتها دون الحاجة لتدبير خارجي، ومن المعلوم أن هذا الموقف المادي الإلحادي قديم، والجديد هنا هو استثمار مفهوم القانون العلمي الذي عرف في العلم الحديث لدعم مذهبهم المادي، مع أن العلم ذاته في باب الفيزياء سيخذلهم فيما بعد على أيدي علماء الطبيعة أنفسهم.
وما كان للدعوة المادية أن تنجح في صرف هذا الاكتشاف للقوانين العلمية إلى خدمة المادية وإعلان استقلال الطبيعة بذاتها؛ فهي برأيهم الموجدة لذاتها والفاعلة لجميع حركاتها وفق قوانينها الخاصة، ما كان لها لتنجح لولا استعداد المجتمع الأوروبي آنذاك لمثل هذا الأمر، فهو من جهة مجتمع مفتون بالعلم؛ مما جعل الكثير وفي سكرة الانبهار بالعلم يصدّقون بمثل هذه الدعوى، صاحبَ ذلك هوىً في نفوس الكثير المتمثل في رغبتهم بإضعاف سلطة الكنيسة ومنع تدخلها في حياة الناس، وشارك في إشعاله تيارات حاقدة داخل المجتمع الأوروبي ترى في انتشار المادية والإلحاد داخل أوروبا طريقًا لنجاحها وبروزها.
وقد كانت الصورة النيوتنية للفيزياء أو طبيعيات نيوتن (١) هي أحسن صورة للعلم وجدوها لبذر صورة جديدة للمادية، وقد كانت فيزياء نيوتن وروحها الفلسفية تساعد على ذلك كما سبق أن ألمحنا إليه في الفصل الأول، وبحسب رأي لايبنتز فإن نيوتن قد صور الرب سبحانه كعامل غير بارع يُحتفظ به كي يقوم
стр. 347
بتصحيح أخطائه، ومثل هذا التصور القاصر عن حقيقة الربوبية كوّن مدخلًا مناسبًا للماديين فيما بعد للاستغناء عنه والاكتفاء بالطبيعة ذاتها.
ومما ساعد في نجاح الماديين في الانحراف بهذا الكشف العلمي أن أغلب جهود اللاهوتيين والمثاليين الدينيين في باب الدين كانت منصبة على توحيد الربوبية القائم عندهم على أهمية إثبات وجود الرب بالأدلة العقلية أولًا، وإثبات خلقه للعالم ثانيًا وتدبيره للكون، وكانت أهم أدلتهم في ذلك معرضة للطعن والدحض، وتعززت المطاعن بالرؤية المادية للعلم مدعين بأن العلم ينقض تلك الأدلة على وجوده أو تدبيره للكون؛ فأما الكون فهو يتحرك لوحده بحسب زعم الماديين وفق قوانين عرفناها وفي ظل حتمية آلية صارمة لا يمكن أن تتغير، وإذا كان الأمر كذلك فلِمَ الإصرار على إدخال قوى غيبية في حركة الكون، وإذا تمّ تبرير عدم الحاجة إلى تدخل تلك القوى الغيبية؛ فما الحاجة إلى إثبات وجود عالم غيبي أصلًا؟!
ويصطدم مع التصور السابق أحد أهم الأسئلة المزعجة للماديين والمعكر لصفو دعوتهم، وهو تساؤل يطفو هنا وهناك: إذا كانت آلة الكون تسير وفق قوانين حتمية صارمة مما يعني الاستغناء عن وجود قوى غيبية، ولكن كيف وجد العالم أصلًا؟ وكيف ظهرت فيه هذه الآلية التي تضبط مساره دون الحاجة لرعاية غيبية؟ فالعلم لا يستطيع -كالعقل- أن يثبت أن الكون المادي أزلي أبدي، أو أنه الموجد لذاته والمتصرف في حركته والمستغني عن غيره، وهنا يظهر أحد أخطاء الثورة العلمية الحديثة عندما رسمت صورة للكون يسير وفق قوانين مستغنيًا عن موجده وخالقه، فأغلب علمائهم يرون بأن الله سبحانه في زمنٍ ما خلق هذا العالم، وأوجد فيه قوانينه، ولكنه تركه بعد ذلك يسير وفق هذه القوانين التي أوجدها في العالم، وبحسب رأي نيوتن فإن الرب يتدخل أحيانًا لتصحيح بعض الشذوذات الكونية، وكأنهم مطلعون على الرب سبحانه ويحددون ماذا عليه أن يفعل -تعالى الله عن ذلك-. وقد بقيت هذه الصورة هي السائدة عن علماء ومفكري القرن الحادي عشر/ السابع عشر والثاني عشر/ الثامن عشر، وهي ما يطلق عليه الماديون بـ "التأليه السببي" "الإله مجرد علّة أولى للعالم، خلق الكون، لكنه لا يتدخل في مجريات الحوادث فيه" (١)، وسمحت فكرة "التأليه السببي"
стр. 348
بالتعايش المؤقت بين الماديين ومعارضيهم؛ ولذا تجد أحيانًا من يُعرف بأنه فيلسوف مادي على مستوى الفكر والمنهج، ولكنه مؤمن؛ أي: يقرّ فقط بالتأليه السببي؛ لأنه لا يمكن إيجاد مادة وحركة دون علّة أولى تسببت في ذلك، ومع ذلك فإن المادية لن ترضى بمثل هذا المكسب دون أن يتحقق الهدف الأعلى "الإلحاد" وبسند مزعوم من العلم.
٢ - ظاهرة الحياة في الأحياء:
رغم نجاح اليسار الهيجلي الخبيث، لاسيّما "فيورباخ"، في دعم الإلحاد والقول بأبدية الطبيعة وأبدية عملها؛ إلا أن من بين المسائل المستعصية التي تقابلهم فوق المسألة السابقة -كيف وجد العالم المادي؟ - المسألة التالية: هي كيف -إذًا- خرجت الحياة من المادة؟ فإذا كانت المادة لها قوانينها التي تتحرك وفقها؛ فإن خروج الحياة منها أمر لم يصدقه أحد، إلى أن جاء أهم دعم للمادية من المجال العلمي ممثلًا في نظرية داروين. ورغم اتفاق الكثير بأن هذه النظرية تحوي في المستوى العلمي كثيرًا من الثغرات؛ إلا أن الجوّ المادي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر كان مهيأً لقبول أي شيء يدعم المادية، فهو قرن "الطبيعة" كما يقال الذي انتقل فيه المجتمع الغربي من عصر العقل والتنوير في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر إلى عصر الطبيعة في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر (١)، ومصطلح "الطبيعة" مصطلح مهذب للمادية القصد منه تخفيف شناعة مصطلح المادية وتيسير قبوله (٢). فانتشرت الدارونية بشكل ملفت، وكما وجد الماديون في فيزياء نيوتن مدخلًا للاستغلال الخبيث للقول بمادية الكون ونفي أي تدبير غيبي له؛ فقد وجدوا أيضًا في نظرية داروين الحل الأمثل لمادية الحياة ذاتها، أيضًا دعم داروين المادية بعنصر آخر أخرج المادية من تلك الصورة الثابتة التي رسمها كل الماديين قبل داروين لماديتهم ذات الوجه الواحد الكالح الثابت، فأخذوا من داروين فكرة التطور وجمّلوا بها ماديتهم، لتصبح مادية وفي الوقت نفسه تطورية، وظهرت في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر صور من المادية منها: صورة تقليدية وكان من ممثليها عالم الكيمياء "دالتون"، ومادية تطورية أدخلت مفهوم التطور على المادية، مثل:
стр. 349
"لامارك" و"سان هيلير" و"داروين" و"هكسلي" و"سبنسر" و"هيكل" وغيرهم (١)، وكان أشهرهم "داروين" ثم من بعده مدرسته "الدارونية الاجتماعية". وقد تحمس لهذه الدارونية المذهب المادي الجديد "الماركسي" وأدخلها كسند علمي لماديته. ومع أن ما أظهره الماديون هو غير الحقيقة؛ لأنهم أظهروا أثر الدارونية في إجابتها عن مصدر الحياة المادي مع إضافة مفهوم التطور عليها، لكن التساؤلات المحيرة عادت من جديد وبشكل أشدّ وأعمق: فإن المتسائلين يقولون للماديين: أنتم لم تحلّوا مشكلة كيف وجدت المادة بقوانينها؟ وإذا كانت القوانين تفسر حركة المادة الجامدة فمن يفسر لنا هذا التطور؟ من المحرك لعمليات التطور المعقدة التي يذكرها مثلًا علماء التطور؟ وكيف خرجت الحياة من مادة ميّتة؟.
عندما وجد الماديون مدخلًا لهم في علم آخر يتعلق بالكائنات الحية، انتقلوا إليه أيضًا من أجل تحويله بما يخدم ماديتهم، لاسيّما واحد أهم أعلامه يميل ميلًا واضحًا للمذهب المادي، ليضعوا أيديهم من البداية على هذا العلم الجديد. ولا يختلف الماديون الماركسيون عن الماديين الوضعيين، وهو أمر يجعل بيان موقف أحدهما يكفي عن عرض الآخر.
نجد في كتاب "فريدريك إنجلس" "ديالكتيك الطبيعة" عرضًا موسعًا لهذا الانحراف بالعلم تحت مسمى تطور الطبيعة التاريخي، نعرضه من خلال عرض أتباعه في كتاب: "موجز تاريخ الفلسفة"، لنرى صور هذا الاستغلال الخبيث وأثره في تشويه صورة العلم وتوظيفه فيما ليس من بابه.
عندما ظهر كتاب "داروين" "أصل الأنواع" (١٨٥٩ م)؛ بدأت فكرة التطور تتغلغل في أذهان العلماء والمفكرين، ولكن وبحسب أصحاب كتاب الموجز جاء مفهوم التطور عند العلماء والمفكرين ناقصًا بل مشوّهًا أحيانًا؛ والسبب في ذلك أن التساؤل الذي أسلفناه ما زال يتكرر وُيحلّ بالحلول القديمة نفسها "فأسباب تطور الطبيعة التاريخي ومصدر هذا التطور بقيت، عند اللاهوتيين والفلاسفة المثاليين والمتعاطفين معهم من علماء الطبيعة، قابعة في الظل، أو فسرت بالاستناد إلى "الدفعة الأولى" (٢)، وهو ما يطلقون عليه "التأليه السببي". ولكن
стр. 350
الماديين سيجدون الحل المزعوم في "المادية الجدلية" (الديالكتيكية)؛ فهي مادية؛ لأنه لا يوجد إلا المادة، ولكن حركتها جدلية، مما يفسر عمليات التطور بخلاف التفسير المادي القديم القائل بحركة سرمدية واحدية.
وبالادعاءات نفسها سيعالجون قضية خروج الحياة من المادة والتطور اللاحق بها من حياة محدودة في خلية إلى أن بلغت ذروتها في صورتها المعقدة في الإنسان، فيقولون عن إنجلز: بعد ظهور نظرية التطور ثابر المثاليون واللاهوتيون "على التأكيد بأن الكائنات الحية مخلوقة كلها للإله، الذي نفخ "قوة الحياة" في المادة العاطلة، الخاملة" (١)، وتدعمت آراء المثاليين واللاهوتيين بتجارب "باستور" التي دحضت مزاعم الماديين، فاستخدمها المثاليون كما يقول "إنجلز" في صراعهم ضد فكرة التولد الذاتي الكيميائي للحياة، حتى إن بعض الماديين حرصًا منه على سلامة المادية قال بفكرة أن الحياة أُدخلت على كوكبنا من الفضاء الكوني، أما "إنجلز" فكان يرى بأن حلّها هو في المادة ذاتها وسنكشف يومًا ما عن طريق علم الكيمياء لغز الحياة، وأنها انبثقت من المادة دون الحاجة لتدخل خارجي، وقوانين الجدل المادية تغنينا بزعمه عن التأليه السببي والقول بالدفعة الأولى الإلهية وغيرها (٢).
ولم يكتف "إنجلز" بهذا، بل قام -وكأنه عالم منغمس في مختبراته وبحوثه- بعرض آخر لنظرية التطور الدارونية حول ظهور الإنسان لكي تتوافق مع "المادية الماركسية" تحت عنوان: "دور العمل في تحول القرد إلى إنسان" (٣)، ساردًا خطًا جديدًا من الخلية إلى الإنسان، وبصورة سخيفة ودعائية يقول أصحاب "الموجز" عن هذه المقالة بأنها: "من أهم إسهامات إنجلس في بناء صرح النظرية الديالكتيكية عن تطور الطبيعة" (٤)، فيتحول "إنجلز" من مؤسس لمذهب فكري إلى أحد العلماء الكبار، وإن لم يدخل معاملهم ومختبراتهم ولم يمارس بحوثهم واستقراءاتهم ويعمل تجاربهم.
стр. 351
٣ - إقحام المادية في الرياضيات:
لم يكن الوضع الاستغلالي السيئ فقط في العلوم الطبيعية "الفيزياء والكيمياء والأحياء"، وإنما تم الادعاء أيضًا على مستوى العلوم الرياضية، فقد حدث للرياضيات في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تطورات مهمة، فأسرع إليها الماديون ينقبون فيها عمّا يدعم ماديتهم. وفي مظهر من مظاهر الاستغلال يشعرك وكأن كل علم ما ظهر إلا من أجل المادية، وكما يقول أصحاب الموجز: فقد اشتغل "ماركس" و"إنجلز" بالمسائل الفلسفية لعلم الرياضيات وما تعكسه عن عالم الواقع المادي وتمّ تسرب الديالكتيك إلى بعض فروعها، وإن كان انشغالهما بالرياضيات قبل ظهور التطورات الخاصة بالهندسة اللا إقليدية، ومع ذلك فقد عرض الماركسيون إنجازات ماركس وإنجلز وكأنها مبشر بالاكتشافات الرياضية الجديدة قبل ظهورها (١).
وفي النهاية لم يترك المذهب المادي فرصة لاستغلال العلم إلا وسلكها؛ موظفًا كل ذلك في دعم الرؤية الإلحادية، والمقصد هنا بيان الأثر الكبير الذي قام به الماديون في إفساد مسيرة العلم الحديث بتقويله ما لم يقله وتوظيفه فيما يعكر رسالته.
هـ - التوظيف المادي للعلم من أجل إلغاء الدين:
من أوضح ما ميّز المذهب المادي عن بقية المذاهب الفكرية هو حربه الضروس ضد الدين، واستغلال كل صغيرة منه أو كبيرة من أجل إزالة الدين عن وجه الأرض وأنّى لهم ذلك، ومن بين ما يميّز المادية الحديثة استنادها الكاذب إلى العلم في موقفها من الدين، فصوروا العلم على أنه لا يمكنه بحال من الأحوال أن يقبل الدين، وأن انتشار العلم كما يزعمون يعني تصفية الدين ومحوه من الوجود.
نلاحظ بأن أكثر المذاهب غير المذهب المادي -حتى وإن ظهر فيها الإلحاد- تُظهر نوعًا من التسامح مع الدين، فنجد العلمانية مثلًا قد سمحت ببقاء الدين في الكنيسة وترك مسألة الإيمان لاختيار الفرد، بخلاف الاتجاه المادي الذي يرى أن من واجبه إلغاء الدين تمامًا.
стр. 352
وقد قام الاتجاه الماركسي شرّ قيام بهذه المهمة؛ فهو يعلن بأن "الدين ما هو إلا عبارة عن نسيج من الأقوال الخاطئة والعجيبة، والتي يدينها العلم الطبيعي. إن العلم وحده هو الذي يسمح لنا بمعرفة الحقيقة" (١)، وكما يقول صاحب "أسس الفلسفة الماركسية" بأن المادية "عدو لا يعرف المهادنة للأفكار الغيبية: ففي العالم الذي لا وجود فيه لغير المادة المتحركة لا مكان لأي روح غيبية" (٢) بما في ذلك أعظم أصل جاء به الدين وهو الإيمان بالله سبحانه، فهي لا تقبل سوى المادة وترفض الإله رفضًا تامًا (٣). وعادة ما يضعون مقارنة جائرة القصد منها تشويه الدين، مقارنة بين الدين مع إلصاق كل الصور السلبية المتخيلة به، ثم يقابلونه بالمادية ذات الوجه العلمي، وهي مقارنة لا يخفى مقصدها على أي ناظر إليها، فنجد مثلًا في قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي: "إن العلم يساعد الإنسانية على التعمق أكثر فأكثر في القوانين الموضوعية لتطور الطبيعة. وبالعكس فإن الدين يعدم وعي الإنسان ويسلمه إلى السلبية أمام قوى الطبيعة. ." (٤)، وقد يصح جزء من كلامهم على أديانهم المحرفة التي عرفوها لولا أننا نعلم بأن المذهب المادي ليس في قصده البحث بعد ذلك عن الدين الحق؛ لأنه لا يقرّ بدين ولا غيب ولا رب، فالمقصد إذا هو تصوير الدين بكل الأوصاف السلبية مع مدح المادية، وإعطائها وجهًا علميًا.
وبعد نجاحهم في تشويه صورة الدين انتقلوا خطوة أخرى، فالدين لا يجوز التسامح معه وحاله هذه، فأخذوا عدتهم وأجلبوا بما لديهم، معلنين بأن واجبهم نحو معبودهم المادي لا يتحقق إلا بهدم الدين، فالمفكر منهم يمارس هدم الدين من خلال فكره، والعالم من خلال علمه، وهكذا بقية الفاعلين في المجتمع، ويجمع كل تلك الأدوار ويؤديها أحسن أداء تلك الأحزاب السياسية المادية والدول الناشئة على أكتافها لتمارس التنفيذ في الساحة بقوة السلطة، مع تذكيرهم المتواصل بأنهم يعملون كل ذلك باسم العلم ولصالح البشرية ليمثلوا بذلك أسوأ صور الاستغلال للعلم وأخطر دور بالانحراف به.
стр. 353
وبالنظر إلى موقف النموذج الماركسي العملي من القيم والدين نجده يرى أهمية تغيير وجهة القيم والأخلاق وفلسفة الجمال والفن لتخدم ماديتهم بخلاف الدين، فلا يوجد أي تسامح معه وإنما يجب إلغاؤه تمامًا (١)، القيم توجّه بما يخدم المادية، وأما الدين فلا يجتمع مع المادية، فليس هناك من خيار: إما الدين أو المادية.
يتحدد الواجب العملي عند الماركسيين نحو الدين بالكفاح ضدّه وذلك بواسطة الاستغلال الخبيث للعلم، ففي أحد قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي نجد: "إنه يتعين أن ينظر إلى الكفاح ضد المعتقدات الدينية في الوقت الحاضر على أنه كفاح أيديولوجي للمفهوم العلمي والمادي للعالم ضد المفهوم اللاعلمي والديني له" (٢)، ويدعون إلى أهمية مواصلة "الدعاية العلمية الإلحادية" ومهاجمة الدين باسم العلم وبالاستناد عليه (٣)، وبأسلوب خبيث وماكر، وهم عادة في غير حاجة لمن يدلّهم على الخبث والخسّة، ففي مجلة "العلم والدين" الماركسية -وعنوانها يُظهِر ما لا تحتوي عليه، وكان الأنسب وضع جملة شارحة العلم المادي المستغلّ في هدم الأديان- المخصصة لتحطيم الدين والشارحة للطرق المساعدة في ذلك، ومما نجده فيها: "ومكافحة الدين وروابطه لا يكون بنسف الدين ومعابده كليًا من حياة الناس. فلا يحطم الفأس ما في الضمير. ولكن مهمة الإلحاد العلمي أن تتركز الدعوة الاشتراكية على الترويج لشعار الثورة، والتركيز على خلق وعي مادي "كالدعوة إلى العلم" في نفوس الجماهير لينفروا من الدعوة الروحية التي في جعبة الأديان. وليس من الضروري أن نهزأ من قصص "الإنجيل والقرآن، والكتب الدينية التقليدية" وأن نقول بأن المواعظ والصلوات. . . . بضاعة لا تصلح إلا للأطفال. هذا النوع من الدعاية الاشتراكية ضد الأديان لا يفيد كثيرًا" (٤)، ويلخص الدكتور "المنجد" بعض أدوار هذه المجلة -الممثلة آنذاك عن أهم التيارات المادية-: ومن ذلك أنه "يجب الدعوة إلى المادة، عن طريق الدعوة إلى العلم لإبعاد النفوس عن المبادئ
стр. 354
الروحية" (١). ومما يلفت النظر في الكلام السابق بأن العلم لم يعد يوصف بالمادية بل أصبح يوصف بالإلحادية، فأصبح هناك علم إلحادي أو إلحاد علمي، فالعلم من جهة ينتج عنه الإلحاد ويوظف أيضًا لخدمة الإلحاد. ولا شك أن العلم الذي يتصورونه والموروث خاصة عن داروين وأمثاله، هو مما قد يستغلّ في الإلحاد، أما العلم الصلب والصحيح فما عُرف عن أهله مثل هذا الزعم بمن فيهم نيوتن الذي بنوا ماديتهم على طبيعياته؛ لأنه لا يرى رأيهم.
ونحن عندما نعرض لمثل هذه الأمور نتذكر دعوى يرددها رواد التغريب العربي مفادها بأن العلم أمره واضح وبيّن، ولا يمكن لأحد التلاعب به أو أن يحرفه عن مساره أو أنه يقبل التوظيف الخبيث ضدّ الدين، ولكننا نرى مع أحد أهم مذاهب الفكر الغربي شهرة ذلك التوظيف الخبيث للعلم بما يخدم الإلحاد بعيدًا عن مجال منافعه الخاصة، وفي الوقت نفسه قاموا بدور كبير في ملء الجانب المعنوي منه بكل القيم المادية والإلحادية، كما رأينا مثلًا في موقف الأطراف المختلفة من القوانين العلمية، فالقانون العلمي قد قبله الجميع لكن هناك من يضيف على صورته التفسيرية للوقائع المادية إضافات آيديولوجية ومذهبية من مثل القول بأن هذه القوانين تؤكد عدم الحاجة لتدبير الخالق سبحانه، أو أن القوانين العلمية دلّت على عدم وجوده أصلًا، أو غير ذلك من الدعاوى الإلحادية، مع أنهم يرون عدم خروجهم بهذه الدعاوى عن دائرة العلم. وهذه الحال تؤكد بأن الواجب الملقى على الأمة المسلمة في عصرها الحديث أكبر من إرسال البعثات لدراسة تلك العلوم وتلقيها والعودة بها إلى بلادهم؛ لأن هذه العلوم قد ملئت بمواد غير علمية، ووظفت في صراعات فكرية ضخمة، ولم تسلم من آثارها إلى الآن، وتبرز هنا قيمة التمحيص والأخذ العاقل لمثل هذه العلوم والتحليل النقدي لها، وإعادة النظر في مشروعات أسلمة العلوم.
كيف يمكن لمثل هذه العلوم أن تكون صافية وقد دخلت كل هذه الصراعات، واستثمرها مثل هؤلاء وحاولوا توجيهها لهدم الأديان والدعوة للإلحاد، انظر مثلًا إلى المهام الملحة التي صاغها "لينين" عام (١٩٢٢ م) واجبًا عمليًّا يجب على كل الماديين القيام به: "التعاون الماركسي مع كل الماديين
стр. 355
لمواجهة المثالية وهذا على المستوى الفكري، والتعاون مع ممثلي العلوم الطبيعية المعاصرة من أجل التعميم للاكتشافات الجديدة في علوم الطبيعة لما يخدم مبادئهم ويحقق مهمتهم، وهذا علة المستوى العلمي، وتطوير الديالكتيك على أساس المعطيات الجديدة للعلم -وكلامه هنا بعد الثورة الجديدة في الفيزياء- ليصل إلى المهمة الكبرى وهي "الدعاية الإلحادية" لمواجهة المثالية والبرجوازية واللاهوت" (١)، ويعقب أصحاب "الموجز" بالتالي: "تشكل الدعاية الإلحادية المنسجمة، والنضال ضد الآيدلوجية الغيبية، إحدى المهمات الملحة للمادية المقاتلة. وقد أشار لينين بهذه المناسبة، إلى ضرورة استخدام مؤلفات أواخر القرن الثامن عشر الإلحادية، بما فيها من حماس وحيوية وبراعة، في النضال ضد الأيدلوجية اللاهوتية" (٢)، وهم عادة عندما يجدون مخالفهم داعيًا للإلحاد يدعمونه وإن خالفهم في تفاصيل المنهج، وقد سبق إلى مثل هذا العمل قدوة لينين وهو إنجلز، ففي أثناء حديثه عن "بوخنر" الداروني والمادي الملحد ومع ذلك لم يعجب به إنجلز ويراه ممثلًا للمادية المبتذلة، ولكن "بوخنر" يقوم بنشاط مهم في نشر الإلحاد تحت مظلّة العلمية الدارونية فيقول إنجلز: "بالإمكان أن ندعهم وشأنهم، منشغلين بعملهم -غير السيئ رغم محدوديته الضيقة- نشر الإلحاد في الأوساط الألمانية غير المثقفة،. . . ." (٣)، فإذا وجد من ينشر الإلحاد فيمكن التغاضي عنه وإن لم يكن على المقاس الماركسي.
ولكن تبقى شوكة في حلوقهم وهي ميل أغلب العلماء نحو المثالية والدين وإنكار أغلب هؤلاء العلماء لتوسيع دائرة العلوم المادية لتشمل الحياة والنفس الإنسانية والروح ودعوتهم لإبقاء العلم في ميدانه المعهود. عندها ينبري التيار المادي لإزالة آثار هذه الشوكة، إما بتوجيه أقوال هؤلاء العلماء ونتائج أعمالهم نحو المادية وتأويلها بما يتلاءم مع مذهبهم أو الاكتفاء بمدح هؤلاء العلماء بما قدموه من خدمات للمذهب المادي وذمّهم على عدم تحويل نشاطهم العلمي إلى أهواء الماديين، ومن بين الأمثلة على ذلك موقفهم من علماء الثورة العلمية الأوائل وكذا موقفهم من الأحداث الجديدة مع الثورة المعاصرة في الفيزياء وغيرها.