← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

٣ - إقحام المادية في الرياضيات: لم يكن الوضع الاستغلالي السيئ فقط في العلوم الطبيعية "الفيزياء والكيمياء والأحياء"، وإنما تم الادعاء أيضًا على مستوى العلوم الرياضية، فقد حدث للرياضيات في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تطورات مهمة، فأسرع إليها الماديون ينقبون فيها عمّا يدعم ماديتهم. وفي مظهر من مظاهر الاستغلال يشعرك وكأن كل علم ما ظهر إلا من أجل المادية، وكما يقول أصحاب الموجز: فقد اشتغل "ماركس" و"إنجلز" بالمسائل الفلسفية لعلم الرياضيات وما تعكسه عن عالم الواقع المادي وتمّ تسرب الديالكتيك إلى بعض فروعها، وإن كان انشغالهما بالرياضيات قبل ظهور التطورات الخاصة بالهندسة اللا إقليدية، ومع ذلك فقد عرض الماركسيون إنجازات ماركس وإنجلز وكأنها مبشر بالاكتشافات الرياضية الجديدة قبل ظهورها (١). وفي النهاية لم يترك المذهب المادي فرصة لاستغلال العلم إلا وسلكها؛ موظفًا كل ذلك في دعم الرؤية الإلحادية، والمقصد هنا بيان الأثر الكبير الذي قام به الماديون في إفساد مسيرة العلم الحديث بتقويله ما لم يقله وتوظيفه فيما يعكر رسالته. هـ - التوظيف المادي للعلم من أجل إلغاء الدين: من أوضح ما ميّز المذهب المادي عن بقية المذاهب الفكرية هو حربه الضروس ضد الدين، واستغلال كل صغيرة منه أو كبيرة من أجل إزالة الدين عن وجه الأرض وأنّى لهم ذلك، ومن بين ما يميّز المادية الحديثة استنادها الكاذب إلى العلم في موقفها من الدين، فصوروا العلم على أنه لا يمكنه بحال من الأحوال أن يقبل الدين، وأن انتشار العلم كما يزعمون يعني تصفية الدين ومحوه من الوجود. نلاحظ بأن أكثر المذاهب غير المذهب المادي -حتى وإن ظهر فيها الإلحاد- تُظهر نوعًا من التسامح مع الدين، فنجد العلمانية مثلًا قد سمحت ببقاء الدين في الكنيسة وترك مسألة الإيمان لاختيار الفرد، بخلاف الاتجاه المادي الذي يرى أن من واجبه إلغاء الدين تمامًا.

стр. 352

وقد قام الاتجاه الماركسي شرّ قيام بهذه المهمة؛ فهو يعلن بأن "الدين ما هو إلا عبارة عن نسيج من الأقوال الخاطئة والعجيبة، والتي يدينها العلم الطبيعي. إن العلم وحده هو الذي يسمح لنا بمعرفة الحقيقة" (١)، وكما يقول صاحب "أسس الفلسفة الماركسية" بأن المادية "عدو لا يعرف المهادنة للأفكار الغيبية: ففي العالم الذي لا وجود فيه لغير المادة المتحركة لا مكان لأي روح غيبية" (٢) بما في ذلك أعظم أصل جاء به الدين وهو الإيمان بالله سبحانه، فهي لا تقبل سوى المادة وترفض الإله رفضًا تامًا (٣). وعادة ما يضعون مقارنة جائرة القصد منها تشويه الدين، مقارنة بين الدين مع إلصاق كل الصور السلبية المتخيلة به، ثم يقابلونه بالمادية ذات الوجه العلمي، وهي مقارنة لا يخفى مقصدها على أي ناظر إليها، فنجد مثلًا في قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي: "إن العلم يساعد الإنسانية على التعمق أكثر فأكثر في القوانين الموضوعية لتطور الطبيعة. وبالعكس فإن الدين يعدم وعي الإنسان ويسلمه إلى السلبية أمام قوى الطبيعة. ." (٤)، وقد يصح جزء من كلامهم على أديانهم المحرفة التي عرفوها لولا أننا نعلم بأن المذهب المادي ليس في قصده البحث بعد ذلك عن الدين الحق؛ لأنه لا يقرّ بدين ولا غيب ولا رب، فالمقصد إذا هو تصوير الدين بكل الأوصاف السلبية مع مدح المادية، وإعطائها وجهًا علميًا. وبعد نجاحهم في تشويه صورة الدين انتقلوا خطوة أخرى، فالدين لا يجوز التسامح معه وحاله هذه، فأخذوا عدتهم وأجلبوا بما لديهم، معلنين بأن واجبهم نحو معبودهم المادي لا يتحقق إلا بهدم الدين، فالمفكر منهم يمارس هدم الدين من خلال فكره، والعالم من خلال علمه، وهكذا بقية الفاعلين في المجتمع، ويجمع كل تلك الأدوار ويؤديها أحسن أداء تلك الأحزاب السياسية المادية والدول الناشئة على أكتافها لتمارس التنفيذ في الساحة بقوة السلطة، مع تذكيرهم المتواصل بأنهم يعملون كل ذلك باسم العلم ولصالح البشرية ليمثلوا بذلك أسوأ صور الاستغلال للعلم وأخطر دور بالانحراف به.

стр. 353

وبالنظر إلى موقف النموذج الماركسي العملي من القيم والدين نجده يرى أهمية تغيير وجهة القيم والأخلاق وفلسفة الجمال والفن لتخدم ماديتهم بخلاف الدين، فلا يوجد أي تسامح معه وإنما يجب إلغاؤه تمامًا (١)، القيم توجّه بما يخدم المادية، وأما الدين فلا يجتمع مع المادية، فليس هناك من خيار: إما الدين أو المادية. يتحدد الواجب العملي عند الماركسيين نحو الدين بالكفاح ضدّه وذلك بواسطة الاستغلال الخبيث للعلم، ففي أحد قرارات اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي نجد: "إنه يتعين أن ينظر إلى الكفاح ضد المعتقدات الدينية في الوقت الحاضر على أنه كفاح أيديولوجي للمفهوم العلمي والمادي للعالم ضد المفهوم اللاعلمي والديني له" (٢)، ويدعون إلى أهمية مواصلة "الدعاية العلمية الإلحادية" ومهاجمة الدين باسم العلم وبالاستناد عليه (٣)، وبأسلوب خبيث وماكر، وهم عادة في غير حاجة لمن يدلّهم على الخبث والخسّة، ففي مجلة "العلم والدين" الماركسية -وعنوانها يُظهِر ما لا تحتوي عليه، وكان الأنسب وضع جملة شارحة العلم المادي المستغلّ في هدم الأديان- المخصصة لتحطيم الدين والشارحة للطرق المساعدة في ذلك، ومما نجده فيها: "ومكافحة الدين وروابطه لا يكون بنسف الدين ومعابده كليًا من حياة الناس. فلا يحطم الفأس ما في الضمير. ولكن مهمة الإلحاد العلمي أن تتركز الدعوة الاشتراكية على الترويج لشعار الثورة، والتركيز على خلق وعي مادي "كالدعوة إلى العلم" في نفوس الجماهير لينفروا من الدعوة الروحية التي في جعبة الأديان. وليس من الضروري أن نهزأ من قصص "الإنجيل والقرآن، والكتب الدينية التقليدية" وأن نقول بأن المواعظ والصلوات. . . . بضاعة لا تصلح إلا للأطفال. هذا النوع من الدعاية الاشتراكية ضد الأديان لا يفيد كثيرًا" (٤)، ويلخص الدكتور "المنجد" بعض أدوار هذه المجلة -الممثلة آنذاك عن أهم التيارات المادية-: ومن ذلك أنه "يجب الدعوة إلى المادة، عن طريق الدعوة إلى العلم لإبعاد النفوس عن المبادئ

стр. 354

الروحية" (١). ومما يلفت النظر في الكلام السابق بأن العلم لم يعد يوصف بالمادية بل أصبح يوصف بالإلحادية، فأصبح هناك علم إلحادي أو إلحاد علمي، فالعلم من جهة ينتج عنه الإلحاد ويوظف أيضًا لخدمة الإلحاد. ولا شك أن العلم الذي يتصورونه والموروث خاصة عن داروين وأمثاله، هو مما قد يستغلّ في الإلحاد، أما العلم الصلب والصحيح فما عُرف عن أهله مثل هذا الزعم بمن فيهم نيوتن الذي بنوا ماديتهم على طبيعياته؛ لأنه لا يرى رأيهم. ونحن عندما نعرض لمثل هذه الأمور نتذكر دعوى يرددها رواد التغريب العربي مفادها بأن العلم أمره واضح وبيّن، ولا يمكن لأحد التلاعب به أو أن يحرفه عن مساره أو أنه يقبل التوظيف الخبيث ضدّ الدين، ولكننا نرى مع أحد أهم مذاهب الفكر الغربي شهرة ذلك التوظيف الخبيث للعلم بما يخدم الإلحاد بعيدًا عن مجال منافعه الخاصة، وفي الوقت نفسه قاموا بدور كبير في ملء الجانب المعنوي منه بكل القيم المادية والإلحادية، كما رأينا مثلًا في موقف الأطراف المختلفة من القوانين العلمية، فالقانون العلمي قد قبله الجميع لكن هناك من يضيف على صورته التفسيرية للوقائع المادية إضافات آيديولوجية ومذهبية من مثل القول بأن هذه القوانين تؤكد عدم الحاجة لتدبير الخالق سبحانه، أو أن القوانين العلمية دلّت على عدم وجوده أصلًا، أو غير ذلك من الدعاوى الإلحادية، مع أنهم يرون عدم خروجهم بهذه الدعاوى عن دائرة العلم. وهذه الحال تؤكد بأن الواجب الملقى على الأمة المسلمة في عصرها الحديث أكبر من إرسال البعثات لدراسة تلك العلوم وتلقيها والعودة بها إلى بلادهم؛ لأن هذه العلوم قد ملئت بمواد غير علمية، ووظفت في صراعات فكرية ضخمة، ولم تسلم من آثارها إلى الآن، وتبرز هنا قيمة التمحيص والأخذ العاقل لمثل هذه العلوم والتحليل النقدي لها، وإعادة النظر في مشروعات أسلمة العلوم. كيف يمكن لمثل هذه العلوم أن تكون صافية وقد دخلت كل هذه الصراعات، واستثمرها مثل هؤلاء وحاولوا توجيهها لهدم الأديان والدعوة للإلحاد، انظر مثلًا إلى المهام الملحة التي صاغها "لينين" عام (١٩٢٢ م) واجبًا عمليًّا يجب على كل الماديين القيام به: "التعاون الماركسي مع كل الماديين

стр. 355

لمواجهة المثالية وهذا على المستوى الفكري، والتعاون مع ممثلي العلوم الطبيعية المعاصرة من أجل التعميم للاكتشافات الجديدة في علوم الطبيعة لما يخدم مبادئهم ويحقق مهمتهم، وهذا علة المستوى العلمي، وتطوير الديالكتيك على أساس المعطيات الجديدة للعلم -وكلامه هنا بعد الثورة الجديدة في الفيزياء- ليصل إلى المهمة الكبرى وهي "الدعاية الإلحادية" لمواجهة المثالية والبرجوازية واللاهوت" (١)، ويعقب أصحاب "الموجز" بالتالي: "تشكل الدعاية الإلحادية المنسجمة، والنضال ضد الآيدلوجية الغيبية، إحدى المهمات الملحة للمادية المقاتلة. وقد أشار لينين بهذه المناسبة، إلى ضرورة استخدام مؤلفات أواخر القرن الثامن عشر الإلحادية، بما فيها من حماس وحيوية وبراعة، في النضال ضد الأيدلوجية اللاهوتية" (٢)، وهم عادة عندما يجدون مخالفهم داعيًا للإلحاد يدعمونه وإن خالفهم في تفاصيل المنهج، وقد سبق إلى مثل هذا العمل قدوة لينين وهو إنجلز، ففي أثناء حديثه عن "بوخنر" الداروني والمادي الملحد ومع ذلك لم يعجب به إنجلز ويراه ممثلًا للمادية المبتذلة، ولكن "بوخنر" يقوم بنشاط مهم في نشر الإلحاد تحت مظلّة العلمية الدارونية فيقول إنجلز: "بالإمكان أن ندعهم وشأنهم، منشغلين بعملهم -غير السيئ رغم محدوديته الضيقة- نشر الإلحاد في الأوساط الألمانية غير المثقفة،. . . ." (٣)، فإذا وجد من ينشر الإلحاد فيمكن التغاضي عنه وإن لم يكن على المقاس الماركسي. ولكن تبقى شوكة في حلوقهم وهي ميل أغلب العلماء نحو المثالية والدين وإنكار أغلب هؤلاء العلماء لتوسيع دائرة العلوم المادية لتشمل الحياة والنفس الإنسانية والروح ودعوتهم لإبقاء العلم في ميدانه المعهود. عندها ينبري التيار المادي لإزالة آثار هذه الشوكة، إما بتوجيه أقوال هؤلاء العلماء ونتائج أعمالهم نحو المادية وتأويلها بما يتلاءم مع مذهبهم أو الاكتفاء بمدح هؤلاء العلماء بما قدموه من خدمات للمذهب المادي وذمّهم على عدم تحويل نشاطهم العلمي إلى أهواء الماديين، ومن بين الأمثلة على ذلك موقفهم من علماء الثورة العلمية الأوائل وكذا موقفهم من الأحداث الجديدة مع الثورة المعاصرة في الفيزياء وغيرها.

стр. 356

نجد في أثناء استرجاعهم لرواد الحركة العلمية الحديثة انزعاجهم من بقايا الدين الموجودة عند أولئك الرواد، فـ"جاليليو" مثلًا رغم ما قدمه للعلم والمادية، إلا أنه -بحسب تعبيرهم- وبسبب عدم النضج الأيدلوجي بقي عمله ناقصًا ولم يتخلص عن اعتقاده بوجود الإله، فإن في نظامه ثغرات تجعله في حاجة للاستنجاد بالإله؛ لأنه ما زال يؤمن بأن الإله قد خلق العالم في زمن معين ووضع الشمس في مركزه وأعطى الكواكب حركتها ثمّ توقف الفعل الإلهي هنا (١)، فحتى هذا الدور القاصر الذي جعله جاليليو للرب سبحانه يريدون حذفه. ثمّ هم يضعون "بيكون" مؤسسًا للعلم التجريبي ومنهجه ورائدًا للفلسفة المادية الحديثة، ولكنه رغم ذلك -عندهم- لم يكن منسجمًا في ماديته إلى النهاية إذ تنازل أمام الفكر المثالي باعترافه ولو شكليًا بوجود علم خاص عن الإله (٢)، وبقيت أعماله مخلوطة في نظرهم بشوائب دينية إلى أن جاء "هوبس" فعمل على تنقية مادية "بيكون" من شوائبها الدينية (٣)، ليسلمها القرن الثاني عشر/ الثامن عشر وقد صُفّيت من كل أثر ديني. وفي السياق نفسه كان موقفهم من العلماء المعاصرين والفلسفات العلمية المخالفة للتيار المادي، فحسب رأي الماركسيين قد "شهد القرن العشرون ظهور عدد من التيارات الفلسفية، يحاول كل منها أن يضفي على نفسه صبغة العلمية، بينما يعالج أنصاره محتوى العلم المعاصر ومنهجه معالجة مثالية محضة، ويسعون إلى إسدال الستار على محتواه المادي، والتوفيق بين هذا المحتوى ومختلف النظرات المثالية والدينية" (٤)، مع أن بعض ما تعرضه هذه التيارات له أهميته من وجهة نظر الماركسيين إلا أن ما ينقصهم هو "استخلاص نتائج مادية من معطيات

стр. 357

العلوم، الأمر الذي يفرضه تطور العلوم ذاتها. . . ." (١). إذًا فالوظيفة الكبرى للمذهب المادي لم تتوقف وهي توجيه العلم لهدم الأديان وإبراز الإلحاد، والاستمرار في توظيف العلم لهذه المهمة وتلبيس العلم هذا اللبوس الإلحادي. وهذا النموذج الذي اخترته ما هو إلا واحد من بين عدّة مذاهب مادية وغير مادية، ترى أنها الصورة العلمية للعلم، وأن أهم مهمّة يجب عليهم القيام بها هي إثبات صحة الإلحاد من خلال العلم ذاته، مع أن العلم ذاته والعلماء في الجملة خلاف ما يدّعيه هؤلاء الماديون. وفي النهاية يتضح لنا بأن الفكر المادي قد قام بعملية كبيرة أوهم فيها الكثير من خلال وصفه لماديته بالعلمية، وقام بأكبر عملية استغلال، بل وخيانة للعلم ذاته، حيث جعلوا من وظيفة العلم إبطال الدين والغيب وإنكار وجود الخالق سبحانه، وصوروا كل فرع من فروع العلوم الحديثة بأن غايتها الإلحاد. ورغم أن هذا المذهب قد لقي ضربة تكذبه من العلم ذاته لاسيّما من سنده القديم الفيزياء ثم أعقب ذلك الضربة الموجعة لنظامهم السياسي بعد سقوط أشهر دولة تتبنى مذهبهم، ومع ذلك فهذا المذهب قد بدأ يتشكل بصورة جديدة ويمارس نشاطه القديم تحت مسميات جديدة تتناسب مع التحولات كعادته في التشكل ليواصل مسيرته الخبيثة. ويبقى هذا المذهب أحد أسوأ المذاهب انحرافًا برسالة العلم النبيلة، وتشويها لحقيقته لأنه قد جعل من العلم سلاحه المفضل للتبشير بالمادية وإنكار الخالق سبحانه والغيب والدين. الرابع: دور المذهب التجريبي الحسي والوضعي كانت العلوم المشهورة تؤخذ ضمن الفلسفة في الفكر الغربي القديم والوسيط ولم تحقق تلك العلوم ثورتها ونجاحها إلا بعد استقلالها عن الفلسفة. بدأ استقلال العلم الحديث في الفلك والفيزياء معتمدًا على المنهج المنقول عن المسلمين، وبعد أن حقق العلم ما حقق من تطور وتقدم تبعه ظهور حركة فلسفية جديدة انفصلت عن الدين وتريد الاتصال بهذه العلوم الجديدة، وكانت إحدى

стр. 358

منافذ العبور لذلك هي وضع فلسفات جديدة تقمص روح العلم الحديث أو المشاركة في رسم مناهج العلم، وكانت بداية ذلك مع مفكرَين مشهورَين هما "ديكارت" الفرنسي ممثل الاتجاه الفلسفي العقلاني الحديث و"بيكون" الإِنجليزي ممثل الاتجاه الفلسفي التجريبي الحديث، فافتتحا خطين فكريين جديدين في الفكر الغربي "العقلاني والتجريبي"، وقد كان للاتجاهين دورهما في خدمة العلم وتطويره مما لا ينكره أحد، وفي الوقت نفسه أسهما وفي مستويات أخرى في صياغة المناهج الجديدة المناسبة لحركة العلم والفكر الجديدة، ولكن كان للاتجاهين أيضًا الكثير من المساوئ على مسيرة العلم الحديث، وهذه المساوئ هي ما أحاول كشفه في هذا المبحث وبيان أثره على الانحراف بمسيرة العلم وعلى دوره في رسم علاقة سلبية بين العلم والدين مكتفيًا في ذلك بأهم الاتجاهين صلة بالعلم وهو الاتجاه التجريبي. ولنتذكر هنا بعض صور الانحراف بالعلم قبل بيان دور هذا الاتجاه، فيكون الانحراف بالعلم عندما يزعم المنحرفون به أنه سندهم في إبطال الدين أو إنكار الغيب أو القول بالإلحاد أو ما يدور في هذا الباب، ويكون الانحراف به أيضًا عندما يحاول البعض تطبيق مناهجه على ما لا يناسبه التطبيق من أمور الدين الغيبية، ويكون الانحراف بالعلم إذا ادُعي له الشمول والكفاية للبشر وعدم حاجة المجتمعات لغيره، ويكون الانحراف به أيضًا عندما تتولى مجموعات ملحدة الحديث باسمه وتتولى استغلال ثماره في دعم مبادئها المخفية والمعلنة، وقد قام بعض رواد الاتجاه التجريبي بكثير من هذه الأمور. الاتجاه التجريبي والعلم التجريبي -وهم التسمية وحقيقة الاتجاه: من بين الأوهام التي عرفها الفكر الغربي الحديث تلك الصلة على مستوى التسمية بين الاتجاه التجريبي والعلم التجريبي؛ إذ يُخيّل إلى البعض بما أنهما يشتركان في التجريب فهما من باب واحد، ويعني أنهما القوة والمتانة نفسها، وأن حقائقهما علمية بما فيه الكفاية، فإن الاتجاه التجريبي الحسي لم يشتهر بهذا الاسم إلا بعد النجاحات التي حققتها العلوم التجريبية، وإذا كانت نجاحات العلم قد وقعت في الدرجة الأولى بعد النجاح في استخدام المنهج التجريبي عصب العلوم الحديثة فإن الاتجاه الفلسفي التجريبي يدعي لنفسه أنه هو المؤهل

стр. 359

لرسم خطوات ذلك المنهج، وبيان أصوله وقواعده، ووضعه بصورة تصلح للتطبيق فيما بعد. وعندما يقوم الاتجاه التجريبي بهذه المهمة الفكرية لا يخلو من خلطها بأيدلوجيته الحسية، فاستأثر بالعلوم أو أخذ حصة الأسد منها، وأقام عليها فلسفة حسية مغالية أصبحت فيما بعد مرجعية لمن يتوهمون فيها العلمية. ترى "التجريبية" بأن المعرفة الحقيقية الموجودة في العقل هي ما طبعته الحواس فيه (١)، ولذا تسمى بالتجريبية الحسية مقابل "العقلية" التي ترى بأن للذهن أثرًا في تشكيل المعرفة من خلال مواده القبلية التي تتفاعل مع معطيات الحس، فيجعلون لتلك المواد القبلية دورًا في صناعة المعرفة، أما الاتجاه الحسي فلا أثر قبلي فيه وإنما العقل صفحة بيضاء تشكله الحواس وتطبع عليه المعرفة. وتبعًا لذلك يرى الاتجاه التجريبي بأن "العالم الطبيعي هو المجال الواقعي الوحيد، الذي يمكن معرفته عن طريق التجربة الحسية"؛ لأنّه الوحيد الذي يُحسّ ولا طريق لمعرفته إلا بمناهج العلم الطبيعي. والعلم الناتج عن ذلك هو العلم الحقيقي الذي يمكن التحقق منه بالتجربة الحسية. ويصبح العالم الطبيعي هو الحقيقة الوحيدة فقط فلا مكان لغيره، ولا يوجد عالم آخر غير العالم الطبيعي، والكون لا يعتمد على شيء خارج عنه (٢). وتبرز هنا أهم الإشكاليات المنهجية في هذا الاتجاه وذلك بحصره المعرفة الوحيدة المقبولة بتلك المعرفة الناتجة فقط عن طريق الحس واشتراط وجود مماثل لها في الواقع أو أن تكون انعكاسًا لما في الواقع، فهي تُخرج قضايا الغيب من حيّز المعرفة المقبولة، كما أن مصطلحي: الحق والوحيدة المخصصين عند الاتجاه التجريبي بالمحسوسات فقط يحملان في لحمتهما استبعاد كل معرفة حقة أخرى لا تأتي عن طريق الحس. وبسبب ذلك كان الاتجاه التجريبي الحسي والوضعي فيما بعد نافرًا كل النفور من الدين والغيب والوحي؛ لعدم خضوعها لميزانهم الحسي. ومن الطبيعي أن تكون المعرفة العلمية الحديثة مرتبطة بالمحسوسات؛ لأن عالمها هو عالم الحس، ولكن مشكلة المنهج التجريبي

стр. 360

تعميمه هذه القضية على كل معرفة، فما لم تكن تجريبية حسية مصدقة من الواقع المادي فهي معرفة لا تستحق العناية. المؤسسون للمنهج وتصورهم للعلم: اشتهر هذا التيار في القرن الحادي عشر/ السابع عشر مع "بيكون" وتلميذه "هوبز" و"جون لوك"، وفي القرن الثاني عشر/ الثامن عشر مع "ديفيد هيوم"، واشتهر في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تحت مسمى "الوضعية" و"المنفعة" عند "كونت" و"بنتام" و"مل" الأب والابن و"سبنسر"، وفي القرن الرابع عشر/ العشرين مع فلاسفة "التحليل"، وكذا أصحاب "الوضعية المنطقية". وقد اعتنوا كثيرًا برسم المنهج التجريبي وتمحيصه مع التركيز على لبّ التجريب وهو مفهوم الاستقراء ذاك الموضوع الأهم في المنهج التجريبي مقابل المنهج الاستنباطي الصوري في المنهج العقلي. كان التأسيس للمنهج التجريبي والحسي مع "بيكون" و"هوبز" و"لوك"، وضع "بيكون" الخطوط الأولية، وجاء تلميذه "هوبز" ليعزز اتجاه التجريبية نحو المادية مما جعله مقدمًا عند الماديين (١)، وفي المسار نفسه واصل جون لوك الطريق لاسيّما في كتابه المشهور: "مقالة في العقل البشري" وكان خلاصة مذهبه "أن معرفتنا مقصورة على التجربة الظاهرة والباطنة، فيتعين على الفلسفة أن تقنع بما يدرك بالملاحظة والاستقراء فحسب، وأن تعدل عن المسائل الميتافيزيقية وعن المناهج العقلية" (٢)، وقد كان لمذهبه الحسي أكبر الأثر على مفكري القرن الثاني عشر/ الثامن عشر في إنجلترا وفرنسا (٣). اهتم بالبحث في إمكانية العقل المعرفية وبحث إمكانية المعرفة عمومًا، واعتنى بما أطلق عليه فيما بعد "نظرية المعرفة" على أن هناك من يراه المؤسس الحقيقي لها (٤)، ليتم الانتقال في التيار من صناعة المنهج إلى وضع نظرية كاملة في المعرفة. ثمّ جاء هيوم الذي يعدّ بحسب المفكر الوضعي العربي "زكي نجيب" "أول

стр. 361

فيلسوف وضعي بالمعنى الشامل الدقيق" (١)، لتتحول التجريبية معه ومع غيره تحولًا صريحًا نحو المادية، وليضع لها الصياغة الفلسفية الكاملة (٢)، ويؤسس "العلوم بمنهج تجريبي في مقابل المنهج الهندسي عند سبينوزا. ويطبقه في شتى العلوم الإنسانية في الفلسفة والأخلاق، وعلم النفس، والدين، والتاريخ"، وذاعت شهرته بدراساته حول الدين الطبيعي (٣). وفي هذه المرحلة كان قد اشتهر عن التجريبيين الإِنجليز قضية يظهر فيها التناقض وهي "الجمع بين الحسية المادية بما تعنيه من رفض لما ليس ماديًا مع القول بوجود الله سبحانه"، وهي ملاحظة ذكرها "يوسف كرم" عند استعراضه للتجريبيين الإِنجليز إذ يقول: "ولم يكن هذا الجمع بين الإيمان وبين المادية شاذًا عند الماديين الإِنجليز" (٤)؛ لأن الأصل في النزعة الحسية المادية أن تؤدي للإلحاد، وهذا ما شعر به أحد أشهر فلاسفة الإِنجليز الموجود في تلك الفترة وهو "جورج باركلي"، وفي ذلك يقول "أديب صعب": "بينما احتفظ لوك بفكرة "الجوهر المادي" الذي يربط عناصر الشيء بعضها ببعض ويغدق على كل شيء هيئته وجد جورج باركلي (١٦٨٥ - ١٧٥٣ م) أنه لابد من التخلي عن فكرة الجوهر المادي لأنها تؤدي منطقيًا، في رأيه، إلى الإلحاد. . . ." (٥). ما بين الميتافيزيقا والعلم عند الاتجاه التجريبي: كان أحد منافذ الاتجاه التجريبي نحو الإلحاد منفذ نقد الميتافيزيقا، ومن خلال هذا المنفذ دخل الاتجاه التجريبي ميدان العلم الحديث لينحرف بالعلم في مجال الفكر والواقع، حيث ركز الاتجاه التجريبي على تنقية العلم والفكر من الميتافيزيقا تحت دعوى حماية العلم من آثارها، ولكن نقد الميتافيزيقا أوصلهم إلى رفض الدين ذاته والنبوات والغيب. يعد مفهوم الميتافيزيقا من المفاهيم الشائكة في دائرة الفكر الغربي، وقد

стр. 362

جُعل هذا المصطلح ستارًا تمّ من خلفه محاربة كل ماله صلة بالغيب بحجة اختلاطه بالميتافيزيقا التي تتنافى مع العلم والحس والتجريب. كانت البداية مع النقد الجذري الذي قام به ديفيد هيوم للميتافيزيقا، وله مقولة مشهورة أصبحت منهجًا لمن بعده، حيث يقول: "إننا إذا ما استعرضنا المكتبات مزودين بهذه المبادئ فيا لها من إبادة تلك التي نضطر إلى فعلها، فلو تناولنا بأيدينا كتابًا في اللاهوت أو في الميتافيزيقا المدرسية -مثلًا فلنسأل: هل يحتوي هذا الكتاب على تدليلات مجردة خاصة بالكم والعدد؟ لا. هل يحتوي على تدليلات تجريبية خاصة بأمور الواقع والوجود؟ لا. إذن فألق به في النار؛ لأنه يستحيل أن ينطوي على شيء غير السفسطة والوهم" (١). والنص واضح وبيّن في مراده، فالمعرفة الوحيدة الحقيقية والمقبولة في رأيه إما أن تكون رياضية وإما أن تكون طبيعية تجريبية، وما سواهما فسفسطة ووهم ويجب إحراقها. لقد مثل هذا الموقف الرافض لكل ما هو غير رياضي أو تجريبي أهم عمل لهيوم وكان أكثرها شهرة، وفي ذلك يقول "كانط": "منذ بداية الميتافيزيقا لم يحدث أمر حاسم لمصيرها مثل الهجوم الذي وجهه إليها ديفيد هيوم" (٢)، وعدّها "زكي نجيب محمود" "الضربة القاتلة الأولى للتفكير الميتافيزيقي" (٣). وأي باحث مسلم يعلم بأن اللاهوت والميتافيزيقا الفلسفية مليئة بالأوهام المخالفة لما في الوحي إن كان ما تعرضه دينيًا، أو لما في الطبيعة إن كان ما تعرضه علومًا طبيعية، إلا أن الاتجاه التجريبي في الوقت نفسه قد قام بإدخال كثير من المسلَّمات الدينية تحت مسمى الميتافيزيقا، فنُفيت من مجال المعرفة الحقة والصحيحة، وأدخلت في مجال الوجدان، وانتقص من قدرها العلمي بحجة عدم دخولها في المجال الرياضي أو الطبيعي، ولهذا نجدهم لا يقرون بالدين والنبوات والشرائع، ومن وُصف منهم بالإيمان فمقصدهم الإقرار بوجود الرب سبحانه، ومَنْ قَبِل منهم شيئًا من الدين فقبله مؤسسًا للضمير الأخلاقي فقط، وهذا هو مفهوم الدين الطبيعي عندهم.

стр. 363

انحصرت المعرفة الحقيقية عند "هيوم" في العلوم الرياضية وخرج ما سواها من دائرة العلم، وصوّر العلم على أنه الممثل الوحيد للحقيقة وكل ما عداه فيجب عدم قبوله، ليصل الحال بهم إلى تقديس العلم وإلغاء ما سواه حتى وإن كان دينًا، وقد وقع الاتجاه العقلي المنافس للتجريبي تحت تأثير هذه الرؤية عبر الفيلسوف الألماني المشهور كانط الذي أعلن تأثره بـ"هيوم" في الموقف من الميتافيزيقا، وكان مشروعه النقدي الكبير يدور حول الآتي: كيف يمكن أن نجعل من الميتافيزيقا علمًا يقينيًا تشبه في ذلك العلوم الرياضية والطبيعية (١)؟ حاول، ومع ذلك لم يصل إلى جواب، وما وصل إليه بعد مشواره الطويل هو ما سمِّيَ فيما بعد بالفلسفة النقدية التي حاول فيها الجمع بين المذهبين الكبيرين "العقلي والتجريبي"، إلا أن مشكلة الميتافيزيقا بموضوعاتها الكبيرة "الله والحرية الإنسانية وخلود الروح" (٢) كما هي عندهم لم تجد حلّها إلا في العقل العملي الأخلاقي (٣) في نوع من الاستسلام الضمني للموقف التجريبي الحسي. من أهم ما أورثته تجريبية القرن الحادي عشر/ السابع عشر والثاني عشر/ الثامن عشر لخلفائهم في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وكان له أثره في مسيرة العلم، ما يلي: الدعوة إلى الاكتفاء بما يقوله العلم والاستغناء به عما سواه بما في ذلك الاستغناء عن الدين واللاهوت والميتافيزيقا، والوقوف بقوّة ضدها؛ لأن الحقيقة بحسب زعمهم لا توجد إلا في العلم، ووضعهم للمعيار الحسي بوصفه أحدَ أهم المعايير في قبول الحقائق الموجودة الواقعية. ومما أورثته أيضًا ما تزعمه لنفسها من أنها العلم نفسه، وإن كان ذلك بلغة فلسفية فكرية، وتزعم لنفسها موقفًا عمليًا أخلاقيًا يتمثل في تطهير العلم من كل ما ليس بعلم على أن معيار ما ليس بعلم هو ما لا يحس، وهذا الواجب العملي الذي تبنوه وجه مسار التيار إلى إبعاد كل معنى ديني من العلم الحديث. فانطلق الاتجاه التجريبي في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر من مجموع

стр. 364

هذه النتائج ليواصل المسار مبتعدًا حتى عما يسمى بالدين الطبيعي؛ إذ هم لا يرون حاجة إليه في قرن انتشر فيه الإلحاد بصورة كبيرة تحت غطاء الفكر والعلم. وظهر الانحراف في تيارين كبيرين جديدين امتدادًا لتجريبية المرحلة الماضية وهما المادي والوضعي، والوضعي هو الأقرب صلة بالتجريبية، وقد قام مشروع التيار الوضعي على استبدال الأديان القديمة بدين جديد هو العلم فقط وتخليص هذا الدين الجديد من أي بقايا دينية أو لاهوتية أو غيبية أو ميتافيزيقية أو مثالية إلى آخر القائمة، وإن كان جهدهم الأكبر قد انصب غالبًا على المفاهيم الدينية واللاهوتية، فقد كان الوضعيون كما يقول عالم الفلك الفرنسي المعاصر "دولهاي": "يعتقدون بأن العلم سوف يحل كليًا محل الفكر الديني. . كانوا متحمسين جدًا وواثقين من أنفسهم إلى حد الغرور. ." (١)، وكل هذا يعزز الانحراف بالعلم والفكر العلمي. كونت والدعوة الوضعية: تمت النقلة الخطيرة في الفكر التجريبي الحسي هذه المرّة من فرنسا تاركة أرضها مؤقتًا -إنجلترا- وذلك بعد وقوع الثورة الفرنسية فجاء الفيلسوف الفرنسي "أوجست كونت" ليرسم خطًا جديدًا لمسار التيار، فأعلن أنه يريد تأسيس دين جديد بعد أن حطمت الثورة كل ما سبقها من عقائد وآيديولوجيات وميتافيزيقا، وبما أن العصر هو عصر العلم، فلابد أن يكون هذا البديل علميًا (٢). فقدم مشروعه الخاص بتصنيف العلوم، وأعلن في الوقت نفسه عن الفلسفة الوضعية، على أن الوضعية تعني العلمية. أهم المزاعم التي جاء بها "كونت" قانون المراحل الثلاث لتطور التاريخ البشري، وهو قانون عام فيما يزعم لابد أن تمّر به كل أمة من الأمم، ويراه قانونًا حتميًا في الوقت نفسه ذا مسار واحد. والحالات الثلاث هي: المرحلة اللاهوتية التي تعدّ عنده مرحلة الأديان، والمرحلة الميتافيزيقية مرحلة الفلسفات التأملية، وأخيرًا المرحلة الوضعية الممثلة لعصر العلم، وكما يقول داعية الوضعية العربي عن أثر "كونت": "وإذن فقد مضى عصر اللاهوت، وانقضى عصر الفلسفة

стр. 365

التأملية، وأصبح التفكير الوضعي من علم وفلسفة هو طريق النجاة" (١)، والمراحل الثلاث باختصار هي: المرحلة اللاهوتية، فمشاهدات الإنسان محدودة فيكملها بخياله ليصل به السير "إلى نقطة الإيمان بإله واحد على سائر الآلهة والقوى"، يعقبها مرحلة ميتافيزيقية تستبدل الإله بفكرة مجردة أو قوّة غير مشخصة تفسر كل الظواهر، على أنه يرى في المرحلة الميتافيزيقية "مرحلة انتقال مهمتها أن تفكك أوصال التفكير الروحاني الذي ساد المرحلة الأولى تمهيدًا للمرحلة العلمية التي هي نهاية الشوط"، هكذا تحددت وظيفتها في هدم المرحلة اللاهوتية لكنها لم تضع مكانها شيئًا، فساد خلالها الشك والاضطراب حتى جاءت المرحلة الوضعية "حيث حلت مشاهدات الحواس، وتجارب العلماء محل خيال اللاهوتي وحجاج الفيلسوف الميتافيزيقي" ولم يعد الإنسان "يبحث عن "علل أولى" يرد إليها الطبيعة وما فيها، بل يبحث عن "قوانين" تصور الاطراد الملحوظ في الظواهر الطبيعية؛ أي: أنه يبحث عن "العلاقات". . . ." (٢)، وهي المرحلة الوضعية العلمية. ومع أن الاعتراضات النقدية قد وجهت لقانون المراحل الثلاث، وبينت عدم صحته، إلا أن الهدف المنشود منه قد تحقق، حيث أظهر في الوسط الفكري والثقافي بأن الدين كان يناسب مرحلة من الزمن ثم تلاشى أثره، وجاء بعده الميتافيزيقا التي تناسب مرحلة أخرى تلاشى أثرها أيضًا بمجيء عصر العلم الذي أتى بالمرحلة الوضعية، ويختلف موقفه عن هيوم الذي يرى الدين والميتافيزيقا أوهامًا، فـ "كونت" يراها صحيحة ومناسبة في وقتها ولكنها لا تصلح لعصر العلم، ولكن النتيجة واحدة مفادها بأن الدين واللاهوت والميتافيزيقا قد ولّى زمنها مع ميلاد العلم وعصره الوضعي. وعندما يقرّ "كونت" عبر منهجيته التطورية بمناسبة الدين لمرحلة معينة في الزمن، لا يعني اعتقاده بصحة الدين أو إيمانه بوجود الرب سبحانه؛ لأنه يعلن إلحاده صراحة، ولكنه يقبل بها مرحلةَ من مراحل التفكير البشري هي ما يستطيعه

стр. 366

البشر آنذاك. وقد رأينا في الفصل الأول دعواه إلى وضع ديانة إنسانية جديدة تقوم على العلم، لا تؤمن بدين، ولا برب، ولا بغيب، وإنما تؤمن بالعلم فقط، وقامت لها كنائس في بعض بلاد العالم. أصبح العلم عند الوضعيين دليلًا على ميلاد عصر جديد، لا يقبل هذا العصر الدين والميتافيزيقا وما في بابهما، الدين الوحيد عندهم كما يزعمون هو العلم، وهم يرون أيضًا أهمية التخلص من بقايا الدين واللاهوت والميتافيزيقا، وإلا بقي الاضطراب في العقول؛ لأن العقل الذي يريد أن يجمع بين الدين الممثل لمرحلة تاريخية سابقة، وبين العلم الممثل للعصر الوضعي لابد أن يحدث له اضطراب، والجمع بين النظام اللاهوتي والنظام الوضعي غير ممكن، وتعميم اللاهوت في عصر العلم غير ممكن أيضًا، فما بقي إلا تعميم الوضعي والتخلي عما سواه (١). وقد قبلت جموع غفيرة هذه الدعوة، وانتشرت الوضعية الكونتية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وتخيلت تلك الجموع أنها وجدت التفسير العلمي المناسب لتبرير تخليها عن الدين والاكتفاء بالعلم وآيدلوجيته الوضعية. وقد مدّت وضعية "كونت" أطرافها حتى بلغت إنجلترا أرض المذهب التجريبي وترعرعت على أيدي "جون ستيورات مل" و"هربرت سبنسر" (٢)، وقد اشتهر الأول بوضعه تصورًا جديدًا لقواعد المنهج التجريبي الاستقرائي، واشتهر الثاني بجمعه بين الوضعية والتطورية، والجميع يزعم أنه يمثل في فلسفته وفكره روح العلم الجديدة بما في ذلك إصرارهم على رفض الدين والغيب (٣). . . . وانتهى القرن الثالث عشر/ التاسع عشر على وضعيات كثيرة ذات صلة بوضعية كونت، ومما يجمعها اعتماد الحس في المعرفة والإلحاد في الموقف من الدين وتنقية العلم كما يقولون مما يُدخله بعض الناس إليه من أوهام لاهوتية أو ميتافيزيقية، ومنهم من تفرغ لجمع "حجج تشير إلى أن العلم يؤدي ضرورة إلى

стр. 367

نبذ الدين بتشديده على أزلية المادة وانعدام الغائية في الطبيعة" (١). الوضعية المنطقية في القرن الرابع عشر/ العشرين: ظهرت التجريبية الحسية في القرن الرابع عشر/ العشرين بصورة جديدة وفي مدرسة مشهورة هي الوضعية المنطقية فأما الوضعية فبنفس دلالات المصطلح في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وأما المنطقية فلأنها جعلت مجال اهتمامها هو تحليل اللغة ذاتها، بالنظر إلى الكلام وتحليل ألفاظه وعباراته، هل هو علمي وضعي أم لا. وقد كانت إحدى أشهر فلسفات العلم، وبعض أعمالها ذات امتداد للمذهب التجريبي والوضعي السابق، وبعضها جديد يناسب المرحلة الجديدة، وهي مذهب ملحد على مستوى العقائد (٢)، ومذهبٌ عقيدته الإلحاد لن تعدم آثار هذا الاعتقاد على فلسفته، لاسيّما وهو يجعل من نفسه تابعًا للعلم وخادمًا له بما يقدمه من تحليلات منطقية، وهو مهموم في كل ذلك باستبعاد ما يشتم منه الدين أو اللاهوت أو الميتافيزيقا. تعد "الوضعية المنطقية" إحدى فلسفات القرن الرابع عشر/ العشرين المشهورة، وهم أشهر وريث للوضعية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، والأب الروحي لهذه الجماعة هو "إرنست ماخ" وقد كان من أهم نشاطاته الفكرية العمل "على تنقية النظريات العلمية من الميتافيزيقا"، وكان أستاذًا في جامعة فيينا، وخلَفه على كرسيه "شليك" الذي نجح في جذب مجموعة من المهتمين بالعلم وعندهم اطلاع على الفلسفة، ليشكلوا فيما بعد "جماعة فيينا"، وكان "شليك" على خط "ماخ" خاصة لجهة استبعاد الأفكار الميتافيزيقية من العلم. . . ." (٣) وقد أصدرت الجماعة بيانًا تزعم فيه تمثيلها للعلم، وعنايتها به، لاسيّما أن أعضاء الجماعة من المتخصصين في العلوم؛ فهم أدرى الناس بهذه العلوم وهم أحق الناس برسم فلسفتها واستخراج رسالتها. عنوان البيان "فهم علمي للعالم" ذكروا فيه أن ما يجمعهم "استبعاد

стр. 368

الميتافيزيقا من كل فرع من فروع المعرفة يُراد له أن يكون علمًا" (١)، وعرضوا العلوم الأساسية وما تحويه من إشكالات ميتافيزيقية تحتاج إلى استبعاد، وهذه العلوم هي: "الفيزياء والأحياء والسيكلوجيا والعلوم الاجتماعية" (٢). تقوم مهمة الفلسفة العلمية عند أصحاب الوضعية المنطقية على تحليل موضوعات العلوم وقضاياها، والقضية العلمية ذات المعنى هي المعبرة عن الواقع الحسي، ومن العبث عندهم إطلاق اسم العلم على ما يتجاوز موضوعه نطاق المعطيات الحسية (٣). والعلم بموضوعاته ومفاهيمه ونظرياته هو الخاضع لمبدئهم المشهور: " مبدأ التحقق " القائم على المطابقة بين الكلمة والمقابل الواقعي لها (٤)، بحسب آليات ومناهج مقترحة لذلك، فما قبله المبدأ كان علميًا وما لم يقبله لم يكن علمًا، ويكون هذا المبدأ أداة التنقية المفضلة لديهم. مبدأ التحقق: وقد لقي مبدأ التحقق نقدًا شديدًا من أطراف مختلفة كان أشهرها ما قام به فيلسوف العلم المعاصر والصديق لأعضاء الحلقة "كارل بوبر" مما دفع بـ"كارناب" أحد أهم ممثلي الجماعة إلى القيام بإجراء تغييرات لهذا المبدأ بين فترة وأخرى. ومع أن "الوضعية المنطقية" قد ضعف شأنها الآن إلا أن الدور الذي قامت به كان له أثره في تعكير مسيرة العلم المعاصر، ومثّل ذاك الدور استمرارًا للانحراف بالعلم حيث كانت ترى أن أهم الواجبات الفكرية المنوطة بها هو تخليص العلم والفكر من الميتافيزيقا والأفكار الدينية واللاهوتية، وبالرغم من الاختلافات المنهجية بين أعضاء الحلقة، إلا أن ما كان يجمعهم هو الحرص على إلغاء الميتافيزيقا، وبناء منهج عام يخلص الناس من الغيبيات والدين والميتافيزيقا. وكل عاقل لا يعترض على أهمية التنقية في أي باب من الأبواب، وكما

стр. 369

قلنا في التفريق بين مفهوم الاستثمار والاستغلال في أثناء الحديث عن التيار المادي، فإننا نفرق هنا بين التنقية النافعة ذات المقصد النبيل وبين التنقية الضارة التي قام بها هذا التيار الملحد، وكما أن هؤلاء الملاحدة قد دفعهم إلحادهم إلى الدفاع عن إلحادهم وتنقية أهم فعاليات المجتمعات المعاصرة من كل مفهوم ديني فإن الواجب على أهل الإِسلام عكس ذلك وأن يدفعهم دينهم إلى تنقية العلوم المعاصرة من أمراضها لصالحهم ولصالح المجتمعات المعاصرة. وإذا أردنا أن نعرف خطورة مرادهم من التنقية فعلينا النظر في بعض تحليلاتهم المنطقية، فمما أوصلهم إليه تحليلهم "الوضعي المنطقي" إلى أن ألفاظ: الدين، واللاهوت، والميتافيزيقا، تتصف بأمرين: أنها "تافهة" و"بدون معنى" (١). فإنك إن قلت كلمة مثل "الروح" فليس لها معنى عندهم، وبما أنه لا معنى لها فهي كلمة تافهة. ومن بين الكلمات التي ترى الوضعية بأنها ميتافيزيقية وغير علمية كلمة "الله" تعالى الله عن إلحاد الملحدين، فهي عندهم كلمة ميتافيزيقية لا تخضع لمعيار التحقق، ولذا فهي دون معنى ويجب استبعادها، وفي ذلك يقول برينتون عنهم: إنك "إذا قلت: "الله موجود" فإنك تكون قد صنعت قضية من النوع الذي يتعذر على الوضعيين المناطقة تصنيفها كقضية تدخل في إطار "المعرفة"، ويعتبرون هذا النوع وغيره مضيعة للوقت" (٢). نصل الآن إلى نهاية هذا المحور، وخلاصته بأن التيار التجريبي وعبر آليات مختلفة قد أسهم بدوره في الانحراف بمسيرة العلم، تمثّل أولًا في جعل الحسّ هو المعيار للمعرفة العلمية وللحقيقة والصدق مما ضخم من دور الحسّ في المعرفة على حساب الغيب. وتمثّل ثانيًا في استبعاد الدين تمامًا من مجال الحقائق فحرموا الفكر والعلم من الصلة بالدين؛ فإن العلوم والأفكار إن انطلقت دون الدين يكون فسادها أكثر من صلاحها كما سيأتي بيانه في مباحث قادمة، كما أنهم ربطوا السعادة والتقدم بالعلوم الدنيوية والسيطرة على الطبيعة، أما الدين والفن والأدب؛ ففي سلة واحدة، سلة الوجدان وبعضها يعطينا المتعة فقط.

стр. 370

وتمثّل أخيرًا في دور "التنقية" وهي آلية حرص من خلالها الوضعيون على استبعاد كل ما هو غيبي تحت شعار تنقية العلم، فقد كانت التنقية واحدة من وسائل الانحراف بالعلم، كما كانت آلية "الربط والتعميم" وسيلة الماديين في الانحراف بالعلم، وهما تياران متقاربان فعملية التنقية تخدم أصحاب التعميم؛ لأنها تبعد كل ما هو ديني أو مثالي من العلم ليبقي ماديًا صرفًا عندها يأتي دور الماديين لاستثماره عن طريق التعميم. الخامس: دور اليهود تتحدث أغلب الدراسات الحديثة عن دور الكنيسة في إفساد العلاقة بين الدين والعلم مع العلم بأن النصرانية لم تكن الدين الوحيد في أوروبا آنذاك وقت المستجدات العلمية في أوروبا، بل كان هناك أيضًا اليهودية واليهود، وتساؤل هذا الفقرة: يا ترى ما الدور الذي قام به اليهود في مسيرة العلم الحديث؟ وبما أن مهمة هذا الفصل هي البحث في أسباب انحراف مسيرة العلم دون البحث في أسباب تقدمه، فإن هذه المهمة تحصرني في حقيقة الجانب السلبي من أتباع هذه الديانة، ومقارنة ذلك الأثر بما قامت به الكنيسة. وحتى نحقق ذلك فنحن في حاجة لبحث طبيعة الوجود اليهودي في أوروبا النصرانية. عندما اعتنقت أوروبا الدين النصراني المحرف دخلها اليهود في ظل التشريد الذي ظلّ يلاحقهم سنين كثيرة، وكانوا ينقسمون إلى قسمين (١): "الإشكناز" في شمال وشرق أوروبا وكان من معاقلهم ألمانيا وما حولها، والقسم الآخر "السفارديم" في حوض البحر الأبيض المتوسط، وكان أهم مركز لهم بلاد الأندلس، أما وسط وغرب أوروبا فكان وجودهم فيها محدودًا، وفي بعض المراحل يحدث لهم إجلاء لدرجة أن كلًا من بريطانيا وفرنسا كانتا خاليتين منهم نهايات الرابع عشر الميلادي "٨ هـ" (٢)، ولكن بعد سقوط بلاد الأندلس المسلمة

стр. 371

بيد النصارى، وظهور محاكم التفتيش هرب أكثر السفارديم إلى داخل أوروبا أو إلى أجزاء من تركيا الحالية، أو إلى شمال أفريقيا ومصر وغيرها، ولأسباب كثيرة من بينها حاجة ملوك أوروبا للمال أُعيد الاعتبار لبعض اليهود لقدرتهم في تحصيل المال. وقد حمل الهاربون من الأندلس إلى داخل أوروبا ثروة علمية حصلوها من عيشهم داخل الحضارة الإِسلامية، وثروة مالية جمعوها من حاضرة الأندلس، وبهاتين الثروتين أسس اليهود قاعدة تغلغلهم في المجتمعات الأوروبية (١). وبدأت عندها أوروبا النصرانية تتعرف بصورة أوضح على اليهود مع العلم بأن الاحتكاك بين الديانتين قديم، ويكفي أن نتذكر بأن النصرانية الموجودة في أوروبا يعود أمرها إلى صياغة "بولس" اليهودي الذي تحول كما يزعم إلى النصرانية وكوّن صورة جديدة للنصرانية قبلها فيما بعد القادة الدينيون للنصرانية (٢). ظهر اليهود على السطح الأوروبي في مرحلة المخاض الأوروبي العسير، الذي انتهى بحركة الإصلاح الديني -وهو في الحقيقة محاولة فقط لإصلاح طغيان الكنيسة، أما الدين فلم تُصلحه تلك الحركة- وقد تأثر اليهود بهذه الحركة أيضًا، فظهرت حركة إصلاح يهودية مشابهة لتلك النصرانية (٣)، وبدأت بعدها تلك الجماعات اليهودية تنخرط في المجتمع الأوروبي، ولم تتغير الصفات المعهودة عنهم من التعالي على الآخرين كونهم يرون أنفسهم شعب الله المختار، ومن انهماكهم في جمع المال وحرصهم على المادة واستحلال استغلال الشعوب المخالفة لهم مما جعلهم مبغضين في المجتمعات التي يعيشون فيها، إلا أن المال الذي بين أيديهم قد جذب الناس إليهم. وقد كان هذا من بين أهم الأسباب للنكبات التي تحلّ بهم ما بين فترة وأخرى (٤). في وضع كهذا فلا يتصور أن يكون لليهود أثر ظاهر في حركة المجتمع

стр. 372

الغربي بما في ذلك تلك المستجدات على مستوى الحركة العلمية، فهم في وضع غير مستقر، وقد كان رواد الاتجاهات العلمية الجديدة من معتنقي الدين النصراني، وبعضهم من رجال الكنيسة من "كوبرنيكوس" و"كوبر" و"جاليليو" إلى "نيوتن"، ولذا سيتأخر أثرهم في العلاقة بالعلم إلى وقت لاحق عند تقبل المجتمع الأوروبي لهم فيما بعد. الأحداث الثلاثة التي مكنت لليهود في الفكر الحديث: أثناء فترة الثورة العلمية وقعت ثلاثة أحداث مهمة ساعدت في بروز اليهود كطائفة فاعلة في المجتمع الأوروبي على مستوى الفكر والعلم وحياة المجتمع الغربي، هذه الأحداث الثلاثة هي: أولًا: النقد الجذري للتوراة كتاب اليهود المحرف الذي قام به الفيلسوف اليهودي "إسبينوزا"، وثانيًا: الدعوة الجديدة التي أطلقها "موسى مندلسون" حول خروج اليهود من الجيتو، والاختلاط والتعايش مع مجتمعات البلدان التي يعيشون فيها، وأخيرًا: الثورة الفرنسية. ١ - الحدث الأول: ما قام به إسبينوزا (١٦٣٢ - ١٦٧٧ م) فهو أحد أشهر فلاسفة العصر الحديث، تأثر بديكارت، من أسرة مهاجرة من الأندلس بعد سقوطها، كان والده يُعدّه ليكون رجل دين، لكنه انصرف عن ذلك لدرجة أن طُرد من طائفته اليهودية، بسبب أفكاره الجديدة ونقده الشديد للتوراة. ويعدّ إلى الآن أحد الرموز التي يرجع إليها فلاسفة اليهود وعلماؤهم، فضلًا عن تأثيره في الفكر الغربي الحديث عمومًا. الشيء الجديد الذي قام به إسبينوزا وصدم أوروبا كاملة هي صورة النقد التي طبقها على كتب مقدسة عندهم، ممهدًا بذلك لمدارس النقد الديني، ونزع بذلك قداسة تلك الكتب، وأثبت بطلان نسبتها إلى موسى ﵊، وبيّن ما فيها من إضافات أو تناقض أو أخطاء في كتابه المشهور: "رسالة في اللاهوت والسياسة" (١). وإذا كانت الثورة العلمية قد شككت في بعض ما يرد في كتبهم المقدسة فإن عمل إسبينوزا يشكك في تلك الكتب جملة، وليس في بعض معلوماتها فقط، وقد بين تعاقب الأيدي في تشكيلها وكتابتها. ومنذ أن اعتنقت

стр. 373

أوروبا النصرانية وتعرفت على اليهودية، إلا أنها لم تعرف في تاريخها مثل هذا النقد الذي قدمه إسبينوزا. ومن المفيد هنا أن نتذكر بأن ما أصاب فيه "إسبينوزا" لم يكن مجهولًا في البلاد الإسلامية؛ فإن أسرته قد كانت من أهل الأندلس، وكتاب "الفصل" لـ"ابن حزم" بنقده التاريخي، مما هو مبثوث في فضاء الأندلس الثقافي والعلمي (١)، وقد كان ذلك النقد وغيره مما يعرفه اليهود، وربما تناقله بعضهم وكوّن ذلك منطلقًا مهما للعمل الذي حققه إسبينوزا بعد إضافة المنهج الديكارتي عليه. هذا ويُعد "إسبينوزا" أحد الديكارتيين الكبار نسبة إلى "ديكارت" أحد أشهر صانعي الخط المنهجي في الفكر الغربي الحديث (٢)، إلا أن ما أضافه على أستاذه ديكارت، وبقي ذلك ممتدًا إلى عصرنا الحاضر مذهبه في وحدة الوجود، والذي يرى فيه بأن الطبيعة هي الجوهر الوحيد، إلا أن هناك طبيعة طابعة خالقة وطبيعة مطبوعة مخلوقة، والطبيعة علّة ذاتها لا تفتقر في وجودها إلى كائن آخر، وبهذا يحلّ الإله في الطبيعة (٣). وهذا الاعتقاد بوحدة الوجود نراه في بعض علماء أوروبا المعاصرين كعالم الفيزياء اليهودي إينشتين (٤) الذي يعيد صلته باسبينوزا، وكذا نجده مع عالم النفس اليهودي فرويد. وكأن اليهود قد وجدوا لهم مرجعية يهودية كبيرة داخل الفكر الغربي الحديث ينتسبون إليها.

стр. 374

لقد مثلت صورة "إسبينوزا" في المخيلة اليهودية الحديثة مرجعية للثورة ونبذ الماضي والدعوة للإلحاد، وتجاوز أثره إلى الفكر الغربي الحديث عمومًا، وحوّل إسبينوزا اليهود من أقلية لا شأن لها في مجال الفلسفة والفكر إلى أقلية فاعلة فكريًا، إلا أن هناك عائقًا يمنع تواصل اليهود مع غيرهم، تمثل من جهة في حرص اليهود على الاستقلال الذاتي في مجمعات خاصة بهم، وفي الوقت نفسه كانت أوروبا تبغض اليهود وتحتقرهم وتقصيهم؛ بسبب بعض أعمالهم وأخلاقهم فزاد ذلك من عزلتهم الذاتية والشعورية، إلى أن جاء موسى بن مندلسون بدعوته لفك هذه العزلة. ٢ - الحدث الثاني: دور الإصلاحيين أو المجددين "موسى مندلسون" (١٧٢٩ - ١٧٨٦ م): ترتبط حركة الإصلاحيين بحركة قديمة تتمثل في التصوف اليهودي "الحسيديم" التي انتعشت في أوروبا "منتصف القرن الثامن عشر على يد حاخامين من المتبحرين في الطرق الصوفية السرية الباطنية "القبالة". .". وفي هذا الوقت ومع التحولات الكبيرة في العلم والفكر في أوروبا بدأ بعض الشباب اليهودي يأخذ نصيبه من العلوم الحديثة والأفكار الجديدة، ليكونوا تيارًا جديدًا أطلق عليه "الهسكالاه" أي التفهم واليقظة والنهضة. ومن داخل الهسكالاه انبثقت حركة الإصلاحيين على يد "موسى مندلسون" وكان من بين آرائه التي أسهمت في دمج بعض اليهود بالمجتمع الأوروبي: يجب على اليهود الاندماج والخروج من الجيتو، فكن يهوديًا في بيتك وإنسانًا خارج بيتك، وعُدَّ نفسك مواطنًا في البلد الذي تعيش فيه، وتحدث بلغة ذلك البلد (١) وقد قام أتباعه ومريدوه بتغييرات كثيرة على الشرائع والطقوس القديمة، لكي يعطوا للدين اليهودي صورة إنسانية ووطنية تساعدهم في الاندماج بغيرهم (٢). ومع أن هذه الدعوة نجحت في دمج طوائف من اليهود باللحمة الغربية، إلا أن انتماءَها للفكر الباطني الصوفي جعل منهم فئة أقرب للإلحاد والزندقة

стр. 375

والانحلال والتفلت من شرائع الأديان وتلونها عند الحاجة، وكما يقول "دافيد باكان": "مهدت الساباتية في بداياتها، التي كان من المفروض أن تتحول إلى حركة إصلاح وليبرالية، ليهود الغيتو طريقًا أوليًا إلى التيارات الكبرى في الحضارة الغربية. فرض هذا الطريق على اليهود قطعًا سريعًا ودراماتيكيًا مع تراثهم القديم، ورفضًا ليهوديتهم. أما مع الهاسيدية فكان الانتقال أكثر بُطءًا وانتظامًا، مما سمح للتراث اليهودي بالتكامل مع الحضارة الغربية" (١)، وهكذا كان التيار اليهودي المنفتح على أوروبا مغرقًا في انحرافاته الذاتية قبل أن ينفتح على غيره؛ ليسهم بانحرافاته في توسيع دائرة الانحراف في الفكر الغربي الحديث وبنية مجتمعه، كما أن هذه التيارات المنفتحة ستكون مصدر التلقي لعلماء يهود يبرزون فيما بعد، تؤطر وجهة نظرهم للوجود والحياة والعلاقة مع العلم والفكر. ٣ - الحدث الثالث: الثورة الفرنسية (١٧٨٩ م): جاءت الثورة الفرنسية بعد حركة التنوير المشهورة التي أثرت في فرنسا، وفي الفكر الغربي عمومًا، وممن تأثر بحركة التنوير طائفة من اليهود مثل جماعة "الهكسالا"، واخترقهم خيار العلمنة مشاركين في ذلك الأوروبيين المتأثرين بالعلمنة. على أن العلمانية تُعدّ مدخلًا مهمًا لتغلغل اليهود في المجتمعات الأوروبية، وسيكون لهذا الجيل اليهودي العلماني دورٌ كبيرٌ في مستقبل اليهود ليس في أوروبا فقط، بل في العالم كله، مع أن هذا التيار العلماني سيفتح مشكلة شائكة داخل اليهود تمثل ذلك في انقسامهم إلى اتجاهين كبيرين (٢)، وهما الاتجاه المتدين الرافض للعلمانية، والاتجاه العلماني الرافض لسيادة الدين والداعي إلى قيام نظام علماني لا ديني وهو الذي نجح في النهاية بعد أن ساند

стр. 376

الثورة الفرنسية. لقد قامت الثورة الفرنسية على شعارات "الحرية والمساواة والإخاء"، ونتج عنها إعلان وثيقة حقوق الإنسان، ونجحت في تحقيق أهدافها السياسية، وفي الوقت نفسه حققت الثورة لليهود مبتغاهم في التغلغل داخل المجتمع الغربي من خلال مبدأ المساواة وحقوق الإنسان. لقد موّل يهود فرنسا الثورة بواسطة الاستعانة بأغنيائهم من خارج فرنسا (١)، وأسهم مجموعة من أعضاء "الماسونية" وجمعية "بناي برث" اليهوديتين في صياغة الدستور الجديد "ففي الاجتماع الذي عقد في (٢٣) أغسطس سنة (١٧٨٩ م) لوضع الدستور الجديد كان هناك ٣٠٠ عضو ماسوني أغلبهم من جمعية بناي برث اليهودية" (٢). وبهذا أصبح لليهود حق الوجود والنشاط الحر كغيرهم من الشعب الأصلي، ثم امتدت آثار هذه الثورة إلى بقية بلدان أوروبا، في مدّ وجزر، ما بين انفتاح على اليهود وفتح المجال لهم وما بين فترات تضييق، كالذي حدث في ألمانيا بداية القرن العشرين، إلا أنه في الجملة قد أصبح لليهود شأن كبير في الغرب بكامله، وبمقارنة أحوالهم من بدايات تشردهم من الأندلس بحالهم اليوم، وهم يمثلون قوّة فاعلة في العالم، ولهم دولة معترف بها من قبل الأمم المتحدة، ندرك مدى النجاح الكبير الذي حققه اليهود لأنفسهم في العالم. ولا شك أن طائفة كهذه صنعت لنفسها وجودًا عالميًا، لابد أن يكون لها مشاركة في مسارات أخرى كالفكر والعلم والأدب والفن وغير ذلك، ومن المعلوم بأن المجموعات المتدينة فيهم لم تصنع هذا الوجود الفعلي القوي لليهود بقدر ما صنعته طوائفهم العلمانية، وبمشاركة جمعياتهم العالمية المشهورة كالماسونية وبناي برث والصهيونية والروتاري وغيرها. فإن بحثنا عن نقطة الانعطاف الحقيقية وجدناها "الثورة الفرنسية" التي كانت "حدثًا ضخمًا في حياة أوروبا دون شك، لا للأسباب التي يدرسونها للأولاد في المدارس، ولكن لأسباب أخرى أخطر وأهم. . فقد أطلقت يد اليهود لتحقيق مخططاتهم الشريرة بصورة لم تكن متاحة لهم من قبل في عهد الإقطاع. . فقد ولد من جراء الثورة

стр. 377

الفرنسية، والثورة الصناعية التي كانت الأولى تحضيرًا وتمهيدًا لها، مجتمع جديد كل الجدة عن المجتمع الإقطاعي، استطاع اليهود أن يعيثوا فيه فسادًا بكل قوتهم؛ لأنه ولد في أيديهم من اللحظة الأولى، فاستطاعوا أن يشكلوه على النحو الذي يريدون" (١)، وأن يتسلموا قيادة المجتمع الأوروبي مع أمثالهم، ووضعوا هذا المجتمع بين "ذراعي كماشة هائلة تعصره عصرًا وتفتت كيانه وتحيله كيانًا ممسوخًا مشوهًا بلا قوام! إحدى ذراعي الكماشة كانت نظريات "علمية! " زائفة، تحارب الدين والأخلاق والتقاليد من كل زاوية مستطاعة، تحتوى -لا شك- على شيء من الحق، ولكنها تلبس الحق بالباطل على ديدن يهود من أول التاريخ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢] ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧١] وكان أبرز "الأبطال" في هذه المعركة ثلاثة من "أساطين" اليهود هم ماركس وفرويد ودركايم. ." (٢)، حيث تفننوا في استخدام هذه النظريات العلمية في الاعتراض على الدين والقيم والأخلاق، ونشر مفاهيم جديدة خدمت الإلحاد والفساد القيمي والأخلاقي. يهودي دون ديانة يهودية ! من المفارقات حول طبيعة مشاركة اليهود الأوروبيين في الفكر الحديث أنه كيف يجمع مثل هؤلاء بين يهوديتهم من جهة، وبين تمثلهم للروح العلمانية اللادينية، بل قيادة بعضهم لدعوات إلحادية صريحة! فأغلب الجمعيات اليهودية الكبرى في الغرب، التي حمت اليهود وساعدتهم على التغلغل في أوروبا هي جمعيات ظاهرة العلمنة واللادينية، ولا تحرص على العقائد اليهودية بقدر ما تظهر الحرص على حماية ودعم اليهود؛ أي: أن ما يهمها هو الانتماء لشعب اليهود لا الديانة اليهودية، وازداد ذلك مع انتشار الفكر القومي في النصف الثاني من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر في أوروبا. وبسبب ذلك فإنك لا تستغرب وجود ملحد، ولكنه حريص على انتمائه

стр. 378

اليهودي ودفاعه عن اليهود ومحاولاته استثمار أي مدخل لإضعاف خصوم اليهود من الأميين (١)، ويظهر ذلك في جمعياتهم العلمانية، إذ هي تسعى إلى استثمار كل فرصة لإضعاف المجتمعات الأخرى أو محاولة السيطرة عليها، وفي الوقت نفسه تدفع باليهود إلى مقدمة الصفوف، وهو أمر غير مستغرب لطائفة متماسكة نوعًا ما، وترى أن ذلك حقٌ مشروعٌ لها كغيرها من الطوائف. وقد ساعدهم على ذلك تخلي أوروبا تدريجيًا عن دينها، مما جعل اليهود يستثمرون انصراف طوائف كثيرة من المجتمع الغربي عن النصرانية؛ ليمكنوا لأنفسهم في الغرب، يضاف لذلك أن قدرات اليهود المالية غير مجهولة عبر أثريائهم المرابين والجامعين للمال بكل صوره غير المشروعة، وهو أمر يشترك فيه متدينهم وملحدهم، إذ لا يرون في ذلك بأسًا مع غير اليهود، وهم أيضًا مغرقون في المادية وأخلاق الطامعين بالدنيا لاسيّما وعقيدة اليوم الآخر عندهم ضعيفة (٢). وقد أثارت هذه المسألة صراعًا عند اليهود، بين المتدينين منهم والعلمانيين، بدأ داخل أوروبا وما زال موجودًا في دولتهم التي أقاموها (٣)، لاسيّما إذا كان العلمانيون هم من أقام دولتهم اليهودية، وأحد رؤساء دولتهم كان ملحدًا "بن غوريون" (٤)، ويظهر أنه لضعف القيمة الحقيقية للمبادئ منذ القدم عند اليهود قد وجد أكثرهم المخرج من ذلك التناقض في التفريق بين الانتماء اليهودي، وهو المهم، والاعتقاد الديني الذي يسلكه اليهودي حتى وإن كان مذهبه الإلحاد، فيقدم الانتماء على الاعتقاد، وهو أمر غير مستغرب في قتلة الأنبياء، وعباد الذهب والمال أن يكونوا قابلين للتشكل بحسب الوضع الاجتماعي الذي هم فيه، ولكن يبقى المهم عندهم أن الجميع يخدم الوجود اليهودي وفي الوقت نفسه يدمر خصوم اليهود.

стр. 379

لقد سمح هذا المخرج لجميع أو أغلب طوائف اليهود بالنشاط والعمل من أجل خدمة الوجود اليهودي دون أن يصل ذلك إلى صدام وتشتت للجهود، ولا شك أن وجود جمعيات كبرى في العالم تخدم هذا الغرض هو مما سهل جمع مثل هذه الجهود المتناقضة لخدمة هدف واحد. ومما يلفت النظر هنا بأن أهم علماء القرن الرابع عشر/ العشرين وأشهرهم "أينشتين" كان رغم مذهبه اللاأدري تجده "يطوف الولايات المتحدة ليجمع التبرعات لإسرائيل سنة (١٩٤٨ م)، والذي ظل يتحدث في إذاعات أمريكا مدة أربع سنوات داعيًا إلى فكرة الصهيونية، وركب القطار قاطعًا المسافة عبر الولايات المتحدة ليجمع التبرعات والتأييد لإسرائيل، ملقيًا الخطب ومؤثرًا في سياسة أمريكا الخارجية، وضاغطًا على رؤسائها كي يساعدوا إسرائيل، حتى رأى قومه أن يعرضوا عليه رئاسة دولتها بعد وفاة حاييم وايزمان. ." (١)، وهو أهم ممثل للعلوم الطبيعية في القرن الرابع عشر/ العشرين، بينما نجد "فرويد"، بمثل العلوم الاجتماعية وبرغم إعلانه لإلحاده، لا يجد نفسه كما سيأتي إلا مع جماعة التحليل النفسي اليهودية أو مع جمعية "بناي بريث" إحدى أهم جمعيات اليهود في العصر الحديث. لقد كانت النشاطات الكبرى في مجالي الفكر والعلم بيد النصارى أو من كان ذا أصل نصراني إلى منتصف القرن التاسع عشر باستثناء "إسبينوزا"، ولكن بعد ظهور نظرية "داروين" التطورية وما تحويه من إيحاءات كبيرة حول مادية الإنسان وحيوانيته، انفتح الباب واسعًا لدخول قيادات فكرية وعلمية من الأصل اليهودي، وبدأت ثمار النشاط اليهودي تؤتي أكلها في نهايات القرن التاسع عشر وأغلب القرن العشرين. فإذا نظرنا في جانب الفكر والمذاهب الفكرية فإن أشهر تيارات الفكر كانت تتكئ على قيادات يهودية، ومن أهمها الماركسية نسبة إلى "ماركس" اليهودي، وقد كان لليهود نشاط كبير في الثورات الشيوعية التي قامت على الفكر الماركسي (٢)، وبعده بقليل نجد الفرويدية، ونجد البرغسونية نسبة إلى الفرنسي

стр. 380

اليهودي "برغسون". وأما في القرن الرابع عشر/ العشرين فنجد الفمنولوجيا مع "هوسرل" والوجودية مع "سارتر" وغيرهما من اليهود، ثم تأتي مدارس معاصرة مثل مدرسة فرانكفورت النقدية وأهم شخصياتها من اليهود، وفي البنيوية وما بعدها نجد "جاك دريدا" و"ألتوسير" و"شتراوس" وغيرهم من اليهود، ونجد في فلسفة العلم "كارل بوبر" وغيره، ونجد في العلوم الطبيعية والاجتماعية قيادات كبيرة مثل "أينشتين" و"فرويد" و"دوركايم" وغيرهم، ولولا خشية المبالغة لقلنا بأنه مع نهايات القرن التاسع عشر ومنتصف العشرين كانت القيادة الفكرية بيد اليهود (١). ورغم تباين اتجاهاتهم وإعلان أغلبهم لموقفهم الإلحادي الصريح، ومن ثمّ كانوا رأس حربة في إنكار الدين إلا في حالات نادرة، إلا أنه مع كل ذلك تجد هذه الهوية اليهودية التي تجمعهم، تلك التي يورّثها الأبوان (٢) ويستنشقها الطفل اليهودي من بيئته اليهودية في طفولته وشبابه، وتبقى حيّة في وجدانه سواء أعلنها أم لم يعلنها. وبما أن أثر اليهود معلوم في مجال الفكر والأدب والفن وفي مجال

стр. 381

الاقتصاد والسياسة والإعلام والسينما والمسرح، فإن مما يعنينا في هذه الفقرة: هل كان لهذا التغلغل اليهودي في الحياة الغربية أثر في الانحراف بالعلم عن مساره الطبيعي؛ لاسيّما ونحن نجد رموزًا علمية كبيرة مثل أينشتين وفرويد ودوركايم في آخرين أقل شهرة وإن كانوا ذا مكانة في مجال تخصصاتهم العلمية، هل كان لمثل هؤلاء أثر في الانحراف بالعلم كأثرهم في تطوره، وما نوعه؟ وما صورته؟ وما حجمه؟ لو كان يكفي الاعتبار بدورهم في مجالات الفكر والأدب والفن والإعلام والاقتصاد والسياسة لما أشكل علينا إثبات انحرافهم وتأثيرهم؛ لأن حجم الفساد والانحراف الذي برز منهم في تلك المجالات أوضح من أن يُشكك فيه، وهم وإن شاركوا منحرفي أوروبا من النصارى والملحدين، إلا أنهم يزيدون درجة. ولكن في ميدان العلم قد يقال عنه بأنه من العسير عبث اليهود به، وحتى نرفع مثل هذا الوهم فسأختار نموذجًا علميًا يبين أثر يهودية العالم في توجيه علمه ونظرياته -فضلًا عن توجيه نظريات سابقة عليه- بما يخدم يهوديته الدينية أو القومية، وهذا النموذج سيكون أحد أشهر شخصيات القرن الرابع عشر/ العشرين في الغرب وهو عالم النفس اليهودي فرويد. نموذج للدور اليهودي في الانحراف بمسيرة العلم الحديث: إذا كانت أوروبا الوثنية قد اعتنقت من الأديان ذات الأصل السماوي النصرانية بعد أن تحرفت على أيدي أتباعها، ثم دخلتها الديانة اليهودية المحرفة وانتشر اليهود بكثافة في كثير من بلدان أوروبا، فإن لكل أتباع دين طريقتهم في التعامل مع العلم الحديث، تمثلت أولًا مع النصارى إبّان الثورة العلمية من خلال المواجهة التاريخية بين الكنيسة وأنصار العلم الحديث مما جعل الذاكرة الغربية الحديثة تربط عادة التخلف ومعاداة العلم بالكنيسة، في وقت كان أتباع الديانة اليهودية أقلية غير فاعلة، ولكن في نهايات القرن الثالث عشر/ التاسع عشر تحولت هذه الأقلية إلى مجموعة فاعلة ولكنها لم تتصادم مع العلم، بل حاولت الانخراط فيه واستثماره على مستوى الجماعة اليهودية بما يخدم وجودهم ومصالحهم، لاسيّما في الطائفة العلمانية منهم، وهذا أحد الفوارق المهمة بين أتباع الديانتين في الغرب.

стр. 382

وقد جاءت المشاركة اليهودية -سواء كان الانتماء لليهودية ديانة أو هوية قومية- بعد خروج نظرية "داروين" التطورية في علم الأحياء وامتدادها إلى مجالات أوسع من مجالات النشاط الاجتماعي، مما يمكن الحديث عن وجود جوّ ثقافي وفكري وعلمي عام مختلط بروح دارونية ذات الأصل المادي والنافية لكل ما هو غيبي والتي حولت الإنسان إلى صورة حيوانية تمارس صراع البقاء للحفاظ على نوعها (١). وقد كان هناك ثلاثة يهود -ماركس وفرويد ودوركايم- عاشوا في هذا الجوّ الداروني، واعتنوا بإيحاءات نظريته المصادمة للدين وبنوا عليها نظرياتهم الخاصة في مجال تخصصهم واهتماماتهم، وكونوا بذلك مذاهب فكرية مشهورة ما زالت آثارها قائمة إلى اليوم. كان من أهم ما تقرره النظرية الدارونية "حيوانية الإنسان وماديته"، وشيء كهذا يعطي إيحاءات خطيرة لمن أراد توجيهها في جانب الضلال، وتلك الإيحاءات الخطيرة تجاوزت الجماهير إلى العلماء من زمن داروين إلى وقتنا الحاضر (٢). وأهم من أظهر الإيحاءات الخطيرة واستثمرها هم اليهود، فقد أنشؤوا "منها نظريات "علمية" اقتصادية ونفسية واجتماعية. . . . إلخ موجهة كلها لمحاربة الدين والأخلاق والتقاليد. ." (٣)، وقد كان أبرز من استثمرها من اليهود واستغلها أبشع استغلال "ثلاثة من أكبر علمائها. . قاموا بصياغة الفكر الأوروبي كله في ميدان الاقتصاد وعلم النفس والاجتماع. . أخطر ميادين ثلاثة في عالم الفكر. . على أساس معاد للدين، بل محطم لكل مفاهيمه. أولئك هم: ماركس -فرويد- ودوركايم" (٤)، ومن أهم ما ميّز هؤلاء الثلاثة على من سبقهم بأنهم جعلوا الابتعاد عن الدين "نظرية يسندها العلم ويعطيها سند "الحقيقة العلمية" في أنظار الجماهير" عندها يصبح الابتعاد عن الدين وإهماله واجبًا يقتضيه التقدم العلمي (٥). والتقى نشاط هؤلاء الثلاثة "عند نقطة رئيسية، متصلة ومتصاحبة:

стр. 383

الحملة على الدين والأخلاق والتقاليد، ونفي القداسة عنها، وتشويه سمعتها أو التشكيك في قيمتها. والقيام بهذه الحملة باسم "العلم" والبحث العلمي" (١). فيتحول النشاط العلمي والنظريات العلمية معهم -من الاستثمار الأمثل لما أوجده الخالق في الدنيا ولتفسير المظاهر المختلفة في العالم المادي- إلى خدمة الإلحاد والكفر، فظهر الإلحاد والكفر باسم العلم وتحت مظلّته، فقد "كفر الناس في هذا الجيل على ضوء "العلم"! فقد أفهمتهم شياطين الأرض أن العلم ينافي الإيمان بالله. وأن العلم قد قضى على الخرافة التي كانت تملأ ضمائر الناس في العصور الوسطى: خرافة "الله"! ومن ثم كان تقدم العلم وسيلة من أخبث الوسائل في أيدي الشياطين! كلما تقدم العلم أوغلوا في إبعاد البشرية عن الله" (٢)، فهذه صورة من الانحراف اليهودي بمسيرة العلم. نموذج فرويد ونظرياته في علم النفس: سأختار من الثلاثة السابقين أحدهم نموذجًا عن الأثر اليهودي في الانحراف بمسيرة العلم والنظريات العلمية، وهو "سيغموند فرويد"، أحد أهم المستثمرين لنظرية داروين من جهة، والواضع لنظرية في علم النفس ذات شهرة عالمية من جهة أخرى. سأبحث عن قضايا مختلفة حول هذه الشخصية أجدها مهمة، وتفيدنا في حالات كثيرة مشابهة لها وتوضح لنا مسائل كثيرة قد تثار هنا أو هناك. ولد "فرويد" لأسرة يهودية عام (١٨٥٦ م)، وعاش أول حياته في المجتمع اليهودي المغلق في فيينا، وهي مدينة عاش فيها معظم حياته منذ كان عمره خمس سنوات حتى أصبح عمره (٨٢) سنة، لينتقل بعد الحظر النازي إلى لندن وبقي فيها حتى انتحر على يد طبيبه عام (١٩٣٩ م). وقد عانى أول حياته كغيره من اليهود من الاضطهاد والإقصاء في وقت بلغ الكره الأوروبي لليهود مبلغه، وظهرت المعاداة للسامية كما يُقال بأبشع صورها، وربما تكون هذه الذكريات محفورة في ذاكرة فرويد وغيره من اليهود، وبحسب قول "مارغريت" فقد "تركت خلفية فرويد اليهودية ملامح عميقة على كل من تطوره المعرفي وعلى حياته في

стр. 384

المجتمع" (١). وقد توجه في مساره العلمي بعد تجارب شتى إلى ميدان علم النفس ليكون أحد أوائل المؤسسين لعلم النفس الحديث والمنشئ لميدان التحليل النفسي أحد أهم مذاهب علم النفس المعاصرة، وأما في ميدان النشاط الاجتماعي فقد كان أحد الناشطين في الدفاع عن المشروعات اليهودية بصورة فكرية وعلمية. أ- من داروين إلى فرويد: عاش "فرويد" في فترة انتشار الدارونية، حيث كان الجوّ السائد يتنفس الدارونية، وأحب فرويد داروين كما يقول الدكتور "الحفني" (٢)، وأعجب بنظريته التطورية وذكر أنها جذبته بقوة، ومن المرجح فرحه بها لمخالفتها الفكر الديني، وقد تعرف عليها في أثناء دخوله جامعة فيينا في وقت كان أساتذة الأحياء يبحثون عن أدلة تؤيد نظرية التطور في كل مكان (٣). وربما لهذا السبب كان انتشار الرأي القائل بأن "التحليل النفسي" فرع من علم الأحياء وفي ذلك يقول الدكتور "توفيق الطويل": "شاع القول في عصرنا هذا بأن علم النفس فرع من فروع علم الأحياء "البيولوجيا" وأنه يستند إلى مناهج ونظريات علم وظائف الأعضاء "والفسيولوجيا" ومن ثمّ فهو فرع من العلم الطبيعي، ويؤكد "فرويد ١٩٢٩ م" بأن مناهج علم النفس هي بالضرورة مناهج علم الطبيعة، وإن ساوره الشك في قيمة التجربة في الدراسات النفسية" (٤). فهذا الربط إما أن مقصده الارتباط بداروين بصورة غير مباشرة أو الارتباط بعلم الأحياء في نهاية القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وعالمها آنذاك هو داروين. بعد معرفة صلة فرويد بداروين ننتقل إلى فرضية المبحث "أن فرويد لا يمثل فقط استمرارًا للصورة الدارونية، بل هو -تحت تأثير هويته اليهودية- قد مارس أثرًا خطيرًا في العلم المعاصر انحرف به عن مساره العلمي"، وهو لا

стр. 385

يختلف كثيرًا عن اليهودي الآخر ماركس فيما قدماه لصالح اليهود تحت ستار العلم رغم التباين بينهما في الخطوات التي سارا عليها لتحقيق أهدافهما (١). والإشكال الذي يواجه هذه الفرضية أن أغلب علماء اليهود يعلنون إلحادهم أو على الأقل يرفضون الصورة المعروفة من أديانهم ويتخذون موقفا لاأدريًا من قضية الإيمان بالله، فمنْ ذاك الذي يشك في إلحاد "ماركس" أو "فرويد" أو "دوركايم" أو توقف "أينشتين" عن إعلان موقفه الديني وتصريحه بموقفه اللاأدري؟ فكيف يمكن الجمع بين القول بأنهم ملحدون وفي الوقت نفسه يقعون تحت تأثير هويتهم اليهودية! فلنبحث القضية من خلال نموذجنا المقترح وهو "فرويد". ب- فرويد وظاهرة "اليهودي الملحد ": المقصود بالإلحاد هنا إنكار وجود الله سبحانه وما يتبع ذلك من إنكار الدين والنبوات، وبمثل هذا المعنى يصعب الجمع بين وصفين من مثل "يهودي ملحد" أو "نصراني ملحد" أو ما شابههما، ومع صعوبة ذلك، فإننا نجد ذلك ممكنًا مع بعض اليهود في العصر الحديث مما يجعلنا أمام "حالة يهودية" (٢) بتعبير الدكتور "طلال عتريسي" تحتاج فعلًا إلى التأمل والبحث العميق. أما إلحاد فرويد فيرجع إلى الجو الفكري السائد نهايات القرن التاسع عشر المبني من الناحية العلمية على نظرية داروين، ويرجع من الناحية الفلسفية إلى أشهر منظري الإلحاد في العصر الحديث وهو "فيورباخ"، ومصدرية فيورباخ لفرويد واضحة في كتابيه: "مستقبل الوهم" و"الطوطم والتابو".ويسعى كماركس إلى تجاوز الإلحاد الذاتي الشخصي ليتحول إلى داعية للإلحاد يسعى لنشره

стр. 386

وتعميمه وتحطيم الدين، وهذا ما كشفه أهم تلامذة فرويد ونائبه "كارل يونغ" في كتابه: "ذكرياتي عن فرويد" ومن ذكرياته: "لقد قال لي فرويد: إننا ينبغي أن نحطم كل العقائد الدينية"، وقال لي: "ينبغي أن نجعل من الجنس عقيدة" (١)، ولا شك أن مثل هذا الموقف المعلن قد يشكل عائقًا أمام فرضيتنا إلا إذا كان موقفه الإلحادي يخص كل الأديان، ما عدا دينه وهو ما يميل له بعض الباحثين. كان يمكن تجاهل أثر يهودية فرويد على نشاطه العلمي، لولا قضايا تجمعت في حياته كونت شواهد للشك في نشاطه العلمي ونظرياته العلمية، وزادت هذه الشواهد في الظهور بعد موته وانتشار مدرسته اليهودية، كلها تؤكد بأن فرويد كان واعيًا بيهوديته وكان يعمل من أجلها الكثير، فأفسد مسيرة العلم. ورغم ظهور دراسات عن فرويد في الغرب تناقش أثر يهوديته على نشاطه إلا أن ما ينقل إلى العالم الإِسلامي غير ذلك، وما ظهرت الدراسات النقدية باللغة العربية إلا بعد سنين من نشر الفكر الفرويدي، وربما لو تم نقل النوعين -الفكر الفرويدي مع الدراسات النقدية حوله- لخفف من وقوع الكثير تحت الآثار السلبية لنظريته، وربما أحدثت شيئًا من التوازن في التعامل مع الفكر الوافد وأوجدت شيئًا من الفهم الناقد لحركة العلم المعاصرة. لقد ذكر الدكتور طلال عتريسي مجموعة دراسات غربية تناقش مسألة الصلة بين اليهودية ومدرسة التحليل النفسي (٢)، ومع ذلك لم يُتحدث عنها في أثناء نقل مدرسة التحليل النفسي وترجمة فرويد إلى العربية "طويت عمدًا أو جهلًا زمنًا غير يسير وأرغمت قراء العربية على الاطلاع على نهج أحادي الجانب، في ترجمة وتعليم وفهم المؤلفات الفرويدية. وقد تكون علّة هذه الأحادية خشية القلق من تبدل مألوف ظن من اعتاد عليه أنه حقيقة لا تناقش أو يقين لا يرد" (٣)، وما زال هذا الإغفال

стр. 387

بارزًا في مكتبة علم النفس العربية، ويكفي إلقاء نظرة على الكتب العامة في علم النفس في أثناء حديثها عن المؤسسين لعلم النفس ونظرياته، فيتم الحديث عن فرويد ونظرياته والتحليل النفسي مع إغفال الحديث عن أثر يهوديته ويهودية مدرسة التحليل النفسي. ج- علاقة فرويد باليهود واليهودية: إن هذه العلاقة هي أهم ما لفت الباحثين حول أثرها في نظرياته العلمية ونشاطه العلمي، إذ هي علاقة من نوع غريب تكشف قيادة يهودية فكرية وعلمية وسياسية غير عادية. أولًا: العلاقة باليهود: العلاقات الفعلية لفرويد كانت مع اليهود، وعندما تقوم علاقة بغير اليهود، فغالبًا ما يكون هدفها مصلحة ما، مثل علاقته بتلميذه ونائبه يونغ ابن القسّ النصراني، أو علاقته بمرضاه من مشاهير أوروبا وأمريكا من أجل الحصول على الجاه أو المال. كان من أسرة يهودية تعيش في أحياء اليهود في أوروبا، وهذه محطته الأولى، ووالده حريص على قراءة التوراة. وأهم أستاذ أثر في مسيرته هو اليهودي الفرنسي "شاركو" (١)، وأهم صديق تحاور معه وقادته تلك المحاورات إلى إنشائه لنظريته العلمية المشهورة هو اليهودي "جوزيف" (٢). وبعد أن قدّم نظريته العلمية في التحليل النفسي أنشأ جماعة التحليل النفسي، وهذه الجماعة كانت يهودية، رغم محاولته تطعيمها برجل نصراني مثل "يونغ" من أجل أن يتقبلها المجتمع النصراني وحتى لا تُتهم تلك الجماعة بأنها يهودية غير علمية. ولم يكتف بهذا، إذ انضم إلى أشهر منظمة يهودية هي "بناي بريث" وحافظ على اجتماعاتها، وهي المنظمة التي وجد نفسه فيها كما يقول. ومنظمة بناي

стр. 388

بريث جمعية يهودية عضويتها مقصورة على أبناء اليهود، وخدمتها موجهة أساسًا لدعم الصهيونية في العالم، قامت بعمل مهم في أثناء قيام دولة إسرائيل، تُظهر الجانب الإنساني إلا أن عملها في خدمة اليهود (١)، فمهمتها "العمل على رفع المكانة النفسية والأخلاقية للشخصية لدى الناس الذين ينتمون إلى ديننا" (٢)، وفي خطابه -أي: فرويد- الذي ألقاه في بناي بريث "في فيينا بمناسبة عيد ميلاده السبعين -يقول: في الأعوام التي تلت (١٨٩٥ م) -: "بدا لي أنني خارج عن القانون يتهرب منه الجميع. رغبت في عزلتي هذه، بحلقة مختارة من الرجال، ذوي فكر واسع، لا يقلقون من جرأة أفكاري، ويقبلون صداقتي. فأشير عليّ بأن جمعيتكم هي المكان الذي أجد فيه مثل هؤلاء الرجال. كما كان أكثر ملاءَمة لي أنكم يهود وأنني أيضًا كذلك، قد بدا لي أن نفي هذا الأمر ليس مخجلًا وحسب، بل عملٌ أحمق أيضًا""، وفي هذه الجماعة عرض أهم أعماله قبل إخراجها مثل أفكاره حول تفسير الأحلام، وعرض أفكارًا أكثر انحرافًا عن "الله والشيطان" (٣)، إلى غير ذلك من المحاضرات. وقد ذكر سعادته وفرحه بالدعم الذي وجده من هذه الجماعة (٤)، مما يشعرنا بدعم يهودي لنشاط فرويد العلمي الذي لم يتقبله الناس زمن إخراجه لنظرياته. وكانت صداقاته البارزة مع يهود مشهورين مثل "أينشتين" عالم الفيزياء المشهور، و"هرتزل" مؤسس الصهيونية الحديثة والمخطط لإقامة دولة لليهود في فلسطين، فهو "منذ أيامه الأولى كان مؤيدًا للحركة الصهيونية، وعرف هرتزل شخصيًا وأعجب به كثيرًا، كما أرسل له نسخة من أحد كتبه عليها إهداء شخصي"، وكان ابنه عضوًا في منظمة صهيونية، كما كان هو -فرويد- عضوًا فخريًا فيها (٥).

стр. 389

أما يدل هذا الحرص الفرويدي على علاقاته اليهودية عن حالة يهودية تعمل من أجل اليهود وتتأثر في الوقت نفسه بالروح اليهودية والثقافة اليهودية رغم إعلانه لإلحاده، ومن ثم توجيه نشاطه العلمي لصالح اليهود، وهذا الأمر هو ما شجع مجموعة من الباحثين لدراسة علاقة فرويد ليس باليهود فقط، بل علاقته بالتراث اليهودي ومحاولته لنشر اليهودية بثوب عصري من خلال أعماله وجماعة التحليل النفسي وخدمة اليهودية بمثل ذلك، وهذا التحليل يوصلنا لبيت القصيد موضوع الفقرة القادمة. ثانيًا: علاقته باليهودية: رغم إلحاده الذي يصرح به إلا أن هناك أقوالًا له توحي بغير ذلك أو تجعل أمره ملتبسًا، ومن هذه الأقوال مثلًا: اعترافه بأنه تأثر بقصص الكتاب المقدس، وأنها ذات أثر دائم في توجيه اهتماماته، وذكر "جونز" كاتب سيرة فرويد: تباهيه بيهوديته عندما كتب إلى المعهد العلمي اليهودي في لندن: "إنني أعتز بيهوديتي بفخر"، وذكر جونز عنه أيضًا إحساسه المرهف بيهوديته (١). وقوله: "كان أهلي يهودًا، وأنا نفسي بقيت يهوديًا". ويذكر "ماكس غراف": "كنا نناقش أحيانًا، خلال الزيارات، المسألة اليهودية. كان فرويد فخورًا بانتمائه إلى الشعب اليهودي الذي أعطى التوراة للعالم" إلى أن قال: عندما استشاره في وضع ولده، فقال له فرويد: "إذا لم تدع ابنك يكبر في ظل اليهودية، فإنك ستحرمه من مصادر الطاقة التي لا يمكن لأي شيء أن يحل محلها. إن يهوديته تدفعه للصراع، وعليك أن تدع الطاقة الضرورية لهذا الصراع تنمو في ذاته. فلا تحرمه من هذه الميزة" (٢). وقد سبب ذلك الغموض في موقفه من اليهودية اختلاف الباحثين في حقيقة إلحاده: فمنهم من يرى إلحاده زائفًا وإنما هو يهودي متمسك بيهوديته، ومن هؤلاء "شويزي": "وهي محللة من خاصة فرويد وذات معرفة به وصلة وثيقة"؛ إذ

стр. 390

اعتبرت "أن إلحاد فرويد لم يكن إلا إلحادًا زائفًا؛ لأنه تركه بعد ذلك متشبثًا باليهودية الصهيونية، وفيًّا لها، سائرًا في طريقها. . . ."، ويذكر الميداني عن أحد الكتاب الراصدين لمسيرة فرويد تأكيده بأنه "ليس في حياة فرويد ما يومئ بأنه قد تخلى يومًا عن يهوديته، بل إن فيها ما يؤكد تمسكه بها، واستغراقه فيها إلى درجة غير مألوفة" (١)، ورغم وجاهة هذا القول إلا أنني لا أميل إليه؛ وذلك أن صلة فرويد كانت بتيارات علمانية يهودية لا يعنيها كثيرًا الدين اليهودي الموروث بقدر ما يهمها الشعب اليهودي، ووضع هوية جديدة له وفق تطور العصر. ومنهم من يرى بأن فرويد كان حريصًا على يهوديته في مستوى الهوية، أما الدين اليهودي الموروث وعقائده وطقوسه المتوارثة، فقد كان ضدّه ومبغضًا له وغير مؤمن به، وكما يقول عن نفسه بأنه: "يهودي غير مؤمن" (٢)، وهذا ما توصل إليه أحد الباحثين في الفكر الفرويدي حيث يقول: "كان لفرويد، كما سنرى فيما بعد، ميلٌ قويٌّ للهرطقة، لكنه لم يتخل عن يهوديته. أما مشاحناته مع الدين فلم تتناول إلا الأشكال الأرثوذكسية القديمة لليهودية. لقد ظن أن بإمكانه الاحتفاظ بهويته اليهودية رغم مهاجمته للأرثوذكسية" (٣)، ولذا كان موقفه: "يجب أن نرفض العقيدة، ولكننا لا نستطيع أن نرفض الانتماء اليهودي" (٤). وهذا القول هو الأقرب للقبول؛ لأننا نجد إنسانًا مستهترًا بالأديان ولكنه في الوقت نفسه منخرط في النشاط اليهودي العلماني القائم في أوروبا. ورجل بهذه الحال لابد -شعر أو لم يشعر- أن يوجه على الأقل جزءًا من نشاطه العلمي في خدمة مبدئه ونصرة الهوية التي ينتمي إليها، وقد كانت الذراع في ذلك هي جماعة "التحليل النفسي" اليهودية. د- جماعة التحليل النفسي: جماعة علمية أم جماعة يهودية !: عاش فرويد شبابه فترة اشتهار النظرية التطورية الدارونية كما سبق بيانه. وعندما قرر أن يسلك باب علم النفس، وأن يجعله ميدانه بدأ يفكر في تقديم
следующие страницы →