← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وتعميمه وتحطيم الدين، وهذا ما كشفه أهم تلامذة فرويد ونائبه "كارل يونغ" في كتابه: "ذكرياتي عن فرويد" ومن ذكرياته: "لقد قال لي فرويد: إننا ينبغي أن نحطم كل العقائد الدينية"، وقال لي: "ينبغي أن نجعل من الجنس عقيدة" (١)، ولا شك أن مثل هذا الموقف المعلن قد يشكل عائقًا أمام فرضيتنا إلا إذا كان موقفه الإلحادي يخص كل الأديان، ما عدا دينه وهو ما يميل له بعض الباحثين. كان يمكن تجاهل أثر يهودية فرويد على نشاطه العلمي، لولا قضايا تجمعت في حياته كونت شواهد للشك في نشاطه العلمي ونظرياته العلمية، وزادت هذه الشواهد في الظهور بعد موته وانتشار مدرسته اليهودية، كلها تؤكد بأن فرويد كان واعيًا بيهوديته وكان يعمل من أجلها الكثير، فأفسد مسيرة العلم. ورغم ظهور دراسات عن فرويد في الغرب تناقش أثر يهوديته على نشاطه إلا أن ما ينقل إلى العالم الإِسلامي غير ذلك، وما ظهرت الدراسات النقدية باللغة العربية إلا بعد سنين من نشر الفكر الفرويدي، وربما لو تم نقل النوعين -الفكر الفرويدي مع الدراسات النقدية حوله- لخفف من وقوع الكثير تحت الآثار السلبية لنظريته، وربما أحدثت شيئًا من التوازن في التعامل مع الفكر الوافد وأوجدت شيئًا من الفهم الناقد لحركة العلم المعاصرة. لقد ذكر الدكتور طلال عتريسي مجموعة دراسات غربية تناقش مسألة الصلة بين اليهودية ومدرسة التحليل النفسي (٢)، ومع ذلك لم يُتحدث عنها في أثناء نقل مدرسة التحليل النفسي وترجمة فرويد إلى العربية "طويت عمدًا أو جهلًا زمنًا غير يسير وأرغمت قراء العربية على الاطلاع على نهج أحادي الجانب، في ترجمة وتعليم وفهم المؤلفات الفرويدية. وقد تكون علّة هذه الأحادية خشية القلق من تبدل مألوف ظن من اعتاد عليه أنه حقيقة لا تناقش أو يقين لا يرد" (٣)، وما زال هذا الإغفال

стр. 387

بارزًا في مكتبة علم النفس العربية، ويكفي إلقاء نظرة على الكتب العامة في علم النفس في أثناء حديثها عن المؤسسين لعلم النفس ونظرياته، فيتم الحديث عن فرويد ونظرياته والتحليل النفسي مع إغفال الحديث عن أثر يهوديته ويهودية مدرسة التحليل النفسي. ج- علاقة فرويد باليهود واليهودية: إن هذه العلاقة هي أهم ما لفت الباحثين حول أثرها في نظرياته العلمية ونشاطه العلمي، إذ هي علاقة من نوع غريب تكشف قيادة يهودية فكرية وعلمية وسياسية غير عادية. أولًا: العلاقة باليهود: العلاقات الفعلية لفرويد كانت مع اليهود، وعندما تقوم علاقة بغير اليهود، فغالبًا ما يكون هدفها مصلحة ما، مثل علاقته بتلميذه ونائبه يونغ ابن القسّ النصراني، أو علاقته بمرضاه من مشاهير أوروبا وأمريكا من أجل الحصول على الجاه أو المال. كان من أسرة يهودية تعيش في أحياء اليهود في أوروبا، وهذه محطته الأولى، ووالده حريص على قراءة التوراة. وأهم أستاذ أثر في مسيرته هو اليهودي الفرنسي "شاركو" (١)، وأهم صديق تحاور معه وقادته تلك المحاورات إلى إنشائه لنظريته العلمية المشهورة هو اليهودي "جوزيف" (٢). وبعد أن قدّم نظريته العلمية في التحليل النفسي أنشأ جماعة التحليل النفسي، وهذه الجماعة كانت يهودية، رغم محاولته تطعيمها برجل نصراني مثل "يونغ" من أجل أن يتقبلها المجتمع النصراني وحتى لا تُتهم تلك الجماعة بأنها يهودية غير علمية. ولم يكتف بهذا، إذ انضم إلى أشهر منظمة يهودية هي "بناي بريث" وحافظ على اجتماعاتها، وهي المنظمة التي وجد نفسه فيها كما يقول. ومنظمة بناي

стр. 388

بريث جمعية يهودية عضويتها مقصورة على أبناء اليهود، وخدمتها موجهة أساسًا لدعم الصهيونية في العالم، قامت بعمل مهم في أثناء قيام دولة إسرائيل، تُظهر الجانب الإنساني إلا أن عملها في خدمة اليهود (١)، فمهمتها "العمل على رفع المكانة النفسية والأخلاقية للشخصية لدى الناس الذين ينتمون إلى ديننا" (٢)، وفي خطابه -أي: فرويد- الذي ألقاه في بناي بريث "في فيينا بمناسبة عيد ميلاده السبعين -يقول: في الأعوام التي تلت (١٨٩٥ م) -: "بدا لي أنني خارج عن القانون يتهرب منه الجميع. رغبت في عزلتي هذه، بحلقة مختارة من الرجال، ذوي فكر واسع، لا يقلقون من جرأة أفكاري، ويقبلون صداقتي. فأشير عليّ بأن جمعيتكم هي المكان الذي أجد فيه مثل هؤلاء الرجال. كما كان أكثر ملاءَمة لي أنكم يهود وأنني أيضًا كذلك، قد بدا لي أن نفي هذا الأمر ليس مخجلًا وحسب، بل عملٌ أحمق أيضًا""، وفي هذه الجماعة عرض أهم أعماله قبل إخراجها مثل أفكاره حول تفسير الأحلام، وعرض أفكارًا أكثر انحرافًا عن "الله والشيطان" (٣)، إلى غير ذلك من المحاضرات. وقد ذكر سعادته وفرحه بالدعم الذي وجده من هذه الجماعة (٤)، مما يشعرنا بدعم يهودي لنشاط فرويد العلمي الذي لم يتقبله الناس زمن إخراجه لنظرياته. وكانت صداقاته البارزة مع يهود مشهورين مثل "أينشتين" عالم الفيزياء المشهور، و"هرتزل" مؤسس الصهيونية الحديثة والمخطط لإقامة دولة لليهود في فلسطين، فهو "منذ أيامه الأولى كان مؤيدًا للحركة الصهيونية، وعرف هرتزل شخصيًا وأعجب به كثيرًا، كما أرسل له نسخة من أحد كتبه عليها إهداء شخصي"، وكان ابنه عضوًا في منظمة صهيونية، كما كان هو -فرويد- عضوًا فخريًا فيها (٥).

стр. 389

أما يدل هذا الحرص الفرويدي على علاقاته اليهودية عن حالة يهودية تعمل من أجل اليهود وتتأثر في الوقت نفسه بالروح اليهودية والثقافة اليهودية رغم إعلانه لإلحاده، ومن ثم توجيه نشاطه العلمي لصالح اليهود، وهذا الأمر هو ما شجع مجموعة من الباحثين لدراسة علاقة فرويد ليس باليهود فقط، بل علاقته بالتراث اليهودي ومحاولته لنشر اليهودية بثوب عصري من خلال أعماله وجماعة التحليل النفسي وخدمة اليهودية بمثل ذلك، وهذا التحليل يوصلنا لبيت القصيد موضوع الفقرة القادمة. ثانيًا: علاقته باليهودية: رغم إلحاده الذي يصرح به إلا أن هناك أقوالًا له توحي بغير ذلك أو تجعل أمره ملتبسًا، ومن هذه الأقوال مثلًا: اعترافه بأنه تأثر بقصص الكتاب المقدس، وأنها ذات أثر دائم في توجيه اهتماماته، وذكر "جونز" كاتب سيرة فرويد: تباهيه بيهوديته عندما كتب إلى المعهد العلمي اليهودي في لندن: "إنني أعتز بيهوديتي بفخر"، وذكر جونز عنه أيضًا إحساسه المرهف بيهوديته (١). وقوله: "كان أهلي يهودًا، وأنا نفسي بقيت يهوديًا". ويذكر "ماكس غراف": "كنا نناقش أحيانًا، خلال الزيارات، المسألة اليهودية. كان فرويد فخورًا بانتمائه إلى الشعب اليهودي الذي أعطى التوراة للعالم" إلى أن قال: عندما استشاره في وضع ولده، فقال له فرويد: "إذا لم تدع ابنك يكبر في ظل اليهودية، فإنك ستحرمه من مصادر الطاقة التي لا يمكن لأي شيء أن يحل محلها. إن يهوديته تدفعه للصراع، وعليك أن تدع الطاقة الضرورية لهذا الصراع تنمو في ذاته. فلا تحرمه من هذه الميزة" (٢). وقد سبب ذلك الغموض في موقفه من اليهودية اختلاف الباحثين في حقيقة إلحاده: فمنهم من يرى إلحاده زائفًا وإنما هو يهودي متمسك بيهوديته، ومن هؤلاء "شويزي": "وهي محللة من خاصة فرويد وذات معرفة به وصلة وثيقة"؛ إذ

стр. 390

اعتبرت "أن إلحاد فرويد لم يكن إلا إلحادًا زائفًا؛ لأنه تركه بعد ذلك متشبثًا باليهودية الصهيونية، وفيًّا لها، سائرًا في طريقها. . . ."، ويذكر الميداني عن أحد الكتاب الراصدين لمسيرة فرويد تأكيده بأنه "ليس في حياة فرويد ما يومئ بأنه قد تخلى يومًا عن يهوديته، بل إن فيها ما يؤكد تمسكه بها، واستغراقه فيها إلى درجة غير مألوفة" (١)، ورغم وجاهة هذا القول إلا أنني لا أميل إليه؛ وذلك أن صلة فرويد كانت بتيارات علمانية يهودية لا يعنيها كثيرًا الدين اليهودي الموروث بقدر ما يهمها الشعب اليهودي، ووضع هوية جديدة له وفق تطور العصر. ومنهم من يرى بأن فرويد كان حريصًا على يهوديته في مستوى الهوية، أما الدين اليهودي الموروث وعقائده وطقوسه المتوارثة، فقد كان ضدّه ومبغضًا له وغير مؤمن به، وكما يقول عن نفسه بأنه: "يهودي غير مؤمن" (٢)، وهذا ما توصل إليه أحد الباحثين في الفكر الفرويدي حيث يقول: "كان لفرويد، كما سنرى فيما بعد، ميلٌ قويٌّ للهرطقة، لكنه لم يتخل عن يهوديته. أما مشاحناته مع الدين فلم تتناول إلا الأشكال الأرثوذكسية القديمة لليهودية. لقد ظن أن بإمكانه الاحتفاظ بهويته اليهودية رغم مهاجمته للأرثوذكسية" (٣)، ولذا كان موقفه: "يجب أن نرفض العقيدة، ولكننا لا نستطيع أن نرفض الانتماء اليهودي" (٤). وهذا القول هو الأقرب للقبول؛ لأننا نجد إنسانًا مستهترًا بالأديان ولكنه في الوقت نفسه منخرط في النشاط اليهودي العلماني القائم في أوروبا. ورجل بهذه الحال لابد -شعر أو لم يشعر- أن يوجه على الأقل جزءًا من نشاطه العلمي في خدمة مبدئه ونصرة الهوية التي ينتمي إليها، وقد كانت الذراع في ذلك هي جماعة "التحليل النفسي" اليهودية. د- جماعة التحليل النفسي: جماعة علمية أم جماعة يهودية !: عاش فرويد شبابه فترة اشتهار النظرية التطورية الدارونية كما سبق بيانه. وعندما قرر أن يسلك باب علم النفس، وأن يجعله ميدانه بدأ يفكر في تقديم

стр. 391

نظرية علمية في تخصصه على منوال نظريات العلوم الأخرى، وعبر محاولات ودراسات توصل إلى إخراج نظريته في ميدان علم النفس كما فعل كوبر من قبل في ميدان الفلك أو نيوتن في الطبيعة أو داروين في الأحياء وغيرهم، وهي تعد إلى اليوم من أشهر النظريات في علم النفس، ورغم ما حدث لها من تعديلات معه وبعده فهىِ ما زالت ركنًا مهمًا من علم النفس المعاصر وأصبحت أصلًا من أصول التحليل النفسي. وقد كان من أهم النتائج التي توصل إليها في نظريته بعد تأمله في الحالات المرضية المختلفة، هو دور اللاشعور في حياة الإنسان، وتأكيده أن هناك جزءًا من الإنسان هو "اللاشعور" وأنه يقوم بتأثيرات أقوى من تأثيرات الشعور، ومما أوصلته إليه تأملاته أيضًا بأن الطاقة الجنسية هي الطاقة العظمى المسيطرة على كل الطاقات والموجهة لها. يلعب الجنس في نظريته دورًا أساسيًا، بل نظريته كلها تقوم على تصوره للجنس، فالطفل يولد بطاقة جنسية تحرك جميع نشاطاته من رضاع وتبول وغير ذلك. في أثناء نمو الطفل يشعر تلقاء أمه بشهوة وكذا البنت تلقاء أبيها، ولكن الولد يجد أباه عائقًا، فيكره أباه الذي يحبه في الوقت نفسه، فيصطرعان في نفسه، فيكبت الكره في اللاشعور، واللاشعور هو موطن دفن كل الرغبات المكبوتة، ولكنها هي الموجهة لسلوك الإنسان دون وعي. ومع النمو يتقمص الابن شخصية الأب فينهى ويأمر كما يفعل به والده، فينشأ الضمير، ومنه القيم الأخلاقية، وينشأ الدين، وبقية القيم العليا. وتتركب النفس في نظريته من ثلاث طبقات: الذات السفلى الشهوانية، مخزن المكبوتات، والموجهة للسلوك دون وعي، والذات وهي الوسطى مركز الوعي وأفعال الإنسان الواعية، والذات العليا مركز الكوابت الصادرة عن الدين والأخلاق والقيم وهي لاشعورية أيضًا. . . . إلخ (١).

стр. 392

وقد حدث لهذه النظرية تحديثات وتحسينات على يد صاحبها أو أتباعه أو المنشقين عنه، كما أن هذه النظرية قد طبقت في مجالات شتى -خارج المعالجة للمرضى- فدرست من خلالها الأديان والتاريخ والحضارات وطبقت في ميادين الاجتماع والسياسة والحروب وغيرها، بل طبقت في الآداب والفنون كما سبق إيضاح شيء من ذلك في الفصل الأول. ولكن أفكار فرويد لم تقبل في البداية بسهولة لاسيّما ومصدرها يهودي في بيئة نصرانية، مما دفع فرويد إلى تكوين جماعة أُعجبت بنظريته وأفكاره، أغلبهم كانوا من اليهود هي جماعة التحليل النفسي، لتقوم بالمحافظة على فكره ونشر نظرياته في المجتمع. ظهرت هذه الجماعة عام (١٩٠٢ م) بعد اقتراح قدمه أحدهم إلى فرويد كانت أولًا تسمى "جمعية الأربعاء النفسية"، وفي عام (١٩٠٨ م) أُعيد تنظيمها تحت مسمى "جمعية فيينا للتحليل النفسي" (١)، وأبرز من فيها كانوا من اليهود باستثناء "إرنست جونز" المؤرخ للجماعة ولحياة فرويد و"كارل يونغ" عالم النفس والفيلسوف المشهور، وقد "كتب جونز معلقًا على ذلك بأنهم جميعًا كانوا يهودًا يحسون بيهوديتهم بشكل حاد، وكان إيتنجتون مثلًا من أشدّ هؤلاء الحواريين إحساسًا بيهوديته. . . ." (٢). وقد كان مجمل نشاط الجماعة يدور حول إنجاز فرويد "نظريته والتحليل النفسي"، مما جعل البعض يرى في أن التحليل النفسي "حركة فكرية تاريخية شبه دينية تقوم على النظرية السيكلوجية حاول به التنظير لأخلاق دنيوية علمانية متحررة هي في جوهرها الدين اليهودي" (٣)، وقريبًا من هذا قول أحد أقطاب هذا المجال "أريك فروم" في كتابه "مهمة فرويد -تحليل لشخصيته وتأثيره": "لقد حاولت أن أبين أن التحليل النفسي قد تطور كحركة شبه دينية، قامت على نظرية نفسية" (٤)، ومشبهًا نضال تلك المجموعة بزعماء حركات شبه دينية، لها مصطلحاتها واجتماعاتها السرية، تهاجم وتهادن، لا يملكون سمة

стр. 393

العلماء الذين يعيشون هاجس مناقشة نظرياتهم (١). ولذا فإن دراسة مثل هذه الجماعة أو نقدها يتطلب الرجوع إلى مصدرها وهذا ما ألمح إليه "باكان" حيث قال: "إن محاكمة التحليل النفسي بشكل سليم يجب أن تتم ضمن إطار تاريخ اليهودية وخصوصًا تاريخ الفكر الصوفي اليهودي" (٢). وهكذا ظهرت هذه الجماعة وهذا المجال الجديد وكأنه علم يهودي، وممن شعر بذلك فرويد نفسه إذ خشي أن يُنظر إلى التحليل النفسي على أنه علم يهم اليهود، عندها "عمل بكل ما أوتي من قوة على أن يشجع غير اليهود على نشر التحليل النفسي في أوساط المجتمع"، إلا أن أشهر تلك المحاولات تمثلت في القصة المشهورة مع "كارل يونغ". حادثة انشقاق كارل يونغ: تشكل علاقة فرويد بتلميذه "يونغ" ونائبه فيما بعد حالة فريدة في تاريخ العلم، تمثل تلك العلاقة ما يشبه المعركة السياسية والعسكرية التي يبحث فيها المحارب عن ثغرة في خصومه ليدخل عليهم من خلالها، وكان يونغ هو الصيد الثمين للمحارب فرويد، وقراءة هذه العلاقة تفتح الباب لأسئلة كثيرة عن معارك النظريات العلمية عندما تكون خليطًا من الأهواء والانحرافات والعلم؛ لأنها لو كانت علمًا خالصًا واضحًا لما وجدت مشكلة من ناحية القبول. تعرّف فرويد على الطبيب النفسي السويسري والفيلسوف عام (١٩٠٤ م) بعد أن أرسل له "يونغ" بحثًا طبق فيه الأفكار الفرويدية على مرض الفصام، وإن كانا لم يلتقيا إلا في عام (١٩٠٧ م). في هذه الفترة ما بين (١٩٠٦ و ١٩١٠ م) بدأت شهرة فرويد العالمية لكنه وجد مشكلته بأن أغلب أتباعه هم من اليهود (٣)، وقد مثّل ذلك عائقًا من القبول التام به، فكان فرويد يبحث عن أحد الأذكياء المقبولين من النصارى الذي يأخذ بدعوته وينشرها بين قومه. قرر "فرويد" أن يكون "كارل يونغ" هو ممثله في عالم الأمميين ولم يكن قبول ذلك سهلًا بين الأتباع اليهود لاسيّما عندما قرر فرويد أن يجعل يونغ رئيسًا

стр. 394

للجمعية الدولية للتحليل النفسي، عندها احتج اليهود، فقال لهم: "إن أغلبكم يهود. وبالتالي غير قادرين على اكتساب الأصدقاء للعقيدة الجديدة: على اليهود أن يكتفوا يفتح الطريق. من الضروري أن أنسج علاقات مع الوسط العلمي؛ لأنني أتقدم في السن, وقد تعبت من الهجمات المتواصلة عليّ. جميعنا في خطر. ثم أمسك سترته، وقال: "لن يتركوا لي ما أستر به ظهري. السويسريون سينقذوننا جميعًا"" (١)، وكتب فرويد إلى أحدهم يدافع "عن انتساب يونغ إلى حركة التحليل النفسي بطريقة معبرة جدًا، قائلًا: "تذكر أيضًا، بأن يونغ مسيحي وابن كاهن. . . . وأكاد أقول بأن دخوله إلى ساحة التحليل النفسي أبعَدَ خطر رؤية تحول هذا العلم إلى قضية يهودية قومية" (٢). وهكذا -وتحت إشراف فرويد وفي عملية تاريخية عسيرة- تم نقل قيادة التحليل النفسي "من أيدي يهود فيينا إلى أيدي المسيحيين السويسريين. ووفقًا لذلك سيصبح يونغ، القديس بول، للدين الجديد. . . ." (٣)، ولم يرض أتباعه بسهوله إلا بعد مساومات على أن يرأس يونغ الجمعية الدولية ويتنازل فرويد عن جمعية فيينا لأحد اليهود المشاكسين وهو ألفريد أدلر، وتمّ اقتناع الأغلب بأهمية إنقاذ التحليل النفسي "عن طريق توظيف المزيد من الأميين غير اليهود" (٤)، فتحقق لهم بذلك الانتشار العالمي. هذا الوضع يشعرنا أننا أمام محارب لا عالم، قائد سياسي أو ديني لا صاحب نظريات وأبحاث، كوّن نظريته ثم الجماعة التي ترعاها، ثم الدعاة من الديانات الأخرى، والخصومات الداخلية ليست حول مسائل علمية بقدر ما هي حول المكاسب في هذا الصراع، وهذه الحال أحد أهم ما لفت أنظار العقلاء حول الاشتباه بجماعة التحليل النفسي لاسيّما وهي ما زالت تخدم طائفة بعينها. ومما زاد الأمر وضوحًا ما حدث عند انشقاق "كارل يونغ" وتركه لجماعة

стр. 395

التحليل النفسي رغم المكانة العالية التي حظي بها من قبلهم ومن قبل الأب الروحي فرويد. فقد مثّل انشقاقه مشكلة شائكة، وقد اقترح "جونز" على فرويد تكوين جمعية سرية تسهر على رعاية الجماعة، فرد عليه فرويد: "إن ما أسر خيالي في الحال، ما ذكرته بصدد مجلس سري مؤلف من خيرة أصدقائنا وأوثقهم للعناية بالتطور اللاحق للتحليل النفسي"، إلى أن قال: "يجب أن تحافظ هذه اللجنة على سرية وجودها وأعمالها. . . ." (١)، ولا أدري -لم- كل هذه السرية حول عمل علمي؛ إذ لو كان علميًا لجاهر أصحابه بما عندهم، وقبلوا التحدي والتمحيص من الآخرين، ككل النظريات العلمية، ولكن كل هذه الدلائل تشير على أن جماعة التحليل الفرويدية لديها ما هو أبعد من العلم، وعمومًا فقد تم "تشكيل لجنة دولية سرية مؤلفة من سبعة أشخاص -بينهم فرويد نفسه- للسهر والتأثير على مسيرة الحركة" (٢)، وقد كانوا جميعًا من اليهود باستثناء جونز. وربما كان من بين ما أزعج "فرويد" حول المنشق "كارل يونغ" عناية "يونغ" بموضوع الدين وإعجابه به ومحاولته وضع تصور جديد عن قيمة الدين تخالف تلك التي تبناها فرويد وأعلنها ليونغ من إرادته تحطيم الأديان وجعل الجنس عقيدة جديدة مكان الدين كما ذكر ذلك "يونغ" في مذكراته (٣)، ومع حرص فرويد على الهوية اليهودية، فهو لا يريدها للآخرين وهناك من يرى (٤) بأن كتاب فرويد "الطوطم والتابو" هو في جزء منه يعدّ "ردًا على انبهار يونغ بالدين والإيمان الروحي". هـ - النظرية العلمية -صورة للاستثمار اليهودي: رأينا فيما سبق بأن النظرية العلمية الخاصة بمدرسة التحليل النفسي قد وُلدت برعاية يهودية خالصة، وكوّن لها مؤسسها جماعة ترعاها كانوا من اليهود، وبعد فترة الاشتهار بدأ البحث عن دعاة من خارج اليهود وكان المرشح لذلك هو كارل يونغ الذي اختلف معهم فيما بعد وانشق عنهم وقد كان من أهم نقاط

стр. 396

الاختلاف بينهم وبينه: اعتراضه على الدور العظيم الذي جعله فرويد للجنس وعلى موقف فرويد من الدين. وكون النظرية العلمية قد جاءت من يهودي لا يضيرها، فالعلم الدنيوي قد يأتي من أي إنسان، وهو مما أعطاه الله لكل الخلق دون استثناء، فقد تظهر تلك المعارف من يهودي أو نصراني أو مشرك أو ملحد، ولكن الإشكال معها ومع غيرها من النظريات العلمية يتمثل في الآتي: هل كان ليهودية اليهودي أثر في انحراف تلك النظريات عن مسارها؟ يمكن التأكد من ذلك بالوقوف مع قضيتين؛ الأولى: بحث الصلات القائمة بين النظرية العلمية ومعتقدات صاحبها، وفي نموذجنا هذا سيكون البحث عن العلاقة بين النظرية الفرويدية والديانة اليهودية، والثانية: عن أثر النظرية أو إيحاءاتها في إفساد الدين والقيم. يتم التحليل إذًا على مستويين، مستوى التأكد من المصادر ومستوى النظر عن أثرها في إفساد الدين والإيمان والقيم، ودائمًا نذكر بأن هدف البحث هو النظر في أسباب الانحراف بالعلم وليس أسباب تقدمه؛ لأن مسيرة العلم ونظرياته تحوي هذا وذاك. ١ - علاقة الفرويدية باليهودية وكتبها المقدسة: اليهودية هي ديانة محرفة يتبع أهلها النبي موسى ﵊ وكتابهم هو التوراة، ولكن اليهود بعد ذهاب نبيهم انحرفوا انحرافًا كبيرًا، وحرفوا كثيرًا في كتبهم وأضافوا عليها، وكتبهم هي: "التوراة والأسفار الملحقة والتلمود"، وببعثة نبي الإِسلام محمد ﷺ انكشف لنا من انحرافاتهم وتحريفاتهم الشيء الكثير، على مستوى العقيدة وعلى مستوى الشريعة، وظهر انهماكهم على الدنيا والاستحلال للمحرمات لاسيّما مع الأميين، قال -تعالى-: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾ [آل عمران: ٧٥]. وقد ابتدأ الظهور الحديث لليهود في أوروبا بالنقد القاسي الذي قام به "إسبينوزا" -كما سبق أول المبحث- مما فتح لعلاقة جديدة لليهود مع تراثهم

стр. 397

اليهودي لاسيّما الجيل العلماني منهم، جوهر تلك العلاقة هي في اعتبارهم التراث مرجعًا للهوية فقط، ويولد الطاقة في اليهودي دون أن يصل إلى الاعتقاد الحرفي بما فيه، وقد كان من بين هؤلاء فرويد، الذي يذكر بأن التوراة تمدّه بطاقة عجيبة، ومارس الدور نفسه الذي قام به "إسبينوزا" وإن كان بأسلوب آخر في كتابه المشهور: "موسى والتوحيد"، وكان ما يقلقه نفس ما كان يقلق إسبينوزا وهو: كيف يتلقى المجتمع اليهودي كتابه عن موسى والتوحيد، إذ قال في رسالة له: "لا داعي للتذكير، بأنني لا أحب أن أجرح مشاعر شعبي. . . ." (١)، وهو كتاب يثبت أن فرويد على علاقة قوية بالتراث اليهودي وإن زعم إلحاده، وفي فرويد وأمثاله يقول الدكتور "الحفني" -وهو أحد المترجمين لأعمال فرويد وأعمال يهود آخرين مثل: "ماركس" و"كامي" و"سارتر" وأعمال في علم النفس والتحليل النفسي مشهورة-: "ففرويد أو غيره من اليهود يظهر أنه علماني وموضوعي ويتصدى للظاهرة الدينية تصدي العلماء الموضوعيين، ولكنه في نفسه يضمر الإيمان باليهودية وبإله اليهود. وكان ذلك نفسه شأن كافكا وتوماس مان وغيرهما كثيرون. ومع ذلك يشجعون غيرهم على الإلحاد وانتقاد دياناتهم ومعتقداتهم" (٢)، ومن ذلك كتاب فرويد "موسى والتوحيد" فكما يقول "الحفني" أيضًا -في الجزء الأول منه-: "يبدو فيه فرويد كما لو كان ملحدًا وعلمانيًا ومجرد دارس لليهودية، وفي الجزء الأخير يتحدث فرويد بإيمان شديد بالله ويدافع عن اليهودية في استماتة ويستخدم كل أسلحة التحليل النفسي ليحقق الغاية التي ترسّمها مسبقًا بتأليفه لهذا الكتاب" (٣)، ويظهر "الحفني" كتاب فرويد وكأنه خدمة لدعاوى اليهودية بالتفوق على البشرية وخدمة لدعاوى الصهيونية الجديدة (٤)، ويبقى ما يهمنا أن فرويد بدأ يستثمر مجاله العلمي لخدمة هويته اليهودية من جهة والانتقاص من الأديان الأخرى من جهة أخرى. وقد ظهرت مجموعة كتب تبحث عن أوجه التشابه بين نصوص توراتية

стр. 398

وأفكار فرويدية مثل كتاب "بريمير": "فرويد قارئ التوراة" الذي جمع أربعمئة نص توراتي من كتب فرويد، وأخرى تبحث عن الأصول التلمودية مثل كتاب "جيرارد": "الطفل غير الشرعي" المصادر التلمودية للتحليل النفسي" (١)، ومن الكتب المشهورة التي اعتمد عليها أكثر من باحث عربي كتاب "باكان": "فرويد والتراث الصوفي اليهودي" الذي بحث علاقة فرويد بالمأثور "الكابالي" وهو تيار يهودي صوفي باطني، حيث خصص القسم الخامس من كتابه عبر ثلاثة فصول ليعرض فيها "بالتفصيل بعض التشابه بين التحليل النفسي، كما وصفه فرويد، وبين المأثور الكابالي" (٢)، ومثلها ما قام به باحث عربي "نزيه الحسن" في رسالة علمية: "الجذور التوراتية للمذهب الفرويدي -دراسة جديدة لمذهب فرويد في أصوله". ٢ - استثمار النظرية العلمية في إنكار العقائد والقيم: نحن نعلم بأن التوراة والموروث العقدي اليهودي يحمل في طياته انحرافات شنيعة في قائمتها وصف الرب سبحانه بما لا يليق به، ووصف الأنبياء كذلك بما لا يليق بهم على أن منهم قتلة الأنبياء، وعدم التورع من نسبة الفاحشة إلى نبي من أنبياء الله، وقيامهم بأعمال محرمة في رأسها المعاملات المالية المحرمة وارتكاب الفواحش، والقائمة في ذلك كبيرة مما أخبرنا الله به في القرآن الكريم أو ما هو متداول في كتبهم. فمثل هذه المرجعية تؤتي ثمارها السيئة على أتباعها، وهذا ما نجده في نظرية فرويد عند تطبيقها على الدين والقيم، فهي تعتمد في التأصيل والتنظير على جزء كبير من الموروث اليهودي من جهة وعلى خلاصة الفكر الإلحادي القائم في الغرب من جهة أخرى، فصورة الدين في نظريته العلمية بكل أصوله العقدية والروحية والغيبية والعلمية والأخلاقية إنما هو وليد "العقدة الأوديبية" الناتجة عن الصراع النفسي داخل الطفل بما في ذلك الاعتقاد بوجود الله سبحانه. ويقترب تصوره للدين من تصور "فيورباخ" الإلحادي -على أن فرويد يمتن كثيرًا بالفضل لفيورباخ- فهو يرى بأن عقيدة الإيمان بالله المنتشرة بين البشر، إنما

стр. 399

سببها عجز الإنسان أمام الطبيعة وخوفه منها، فيتخيل وجود رب يحميه، فحوله فرويد إلى نوع آخر هو نوع من الضمير ينشأ عند الطفل بسبب الصراع الكبير داخله، ثم حدث نوع من التخيل الواسع لإخراج هذا الضمير في صورة إله، فهو يرى "أن علاقة البشر مع الطبيعة شبيهة بعلاقة الطفل مع أبويه، إذ يعيش الأطفال تحت رحمة آبائهم الأقوياء الذين يفترض منهم حماية أطفالهم. وحينما يكبر الأطفال يحولون صلتهم مع آبائهم إلى صلة مع الله لكي يرضوا نفس الحاجات الطفولية التي كان يلبيها الآباء حينما كان الأطفال في المرحلة المبكرة يؤمنون بقدرة آبائهم. فالدين كما كان يراه فرويد بإيجاز هو وهم يعبر عن الرغبة في الحصول على حماية أبوية سرمدية" (١)، وقد عرض هذا الكلام في كتابه: "مستقبل الوهم" الذي يتقصّى فيه أصل الدين على أن ذلك التقصي يتم كما يدعي وفق المنهجية العلمية. وهكذا نجد كيف ترعرعت النظرية في الوسط اليهودي وتغذت في جزء منها على الموروث اليهودي، ثم بدأت تمارس دورها باسم العلم في تحطيم المعتقدات الدينية وأصبحت مقولات فرويد مرجعًا لملاحدة العصر بحجة علميتها، فقد بدأ بعض العلماء والمفكرين يكتفون في نفي الدين بالاعتماد على الحجة الفرويدية على أنها حجة علمية، وعلى سبيل المثال فهذا أحد أشهر فلاسفة العلم في القرن الرابع عشر/ العشرين وأحد أعضاء الوضعية المنطقية لا يجد مشكلة في تصريحه بإلحاده، إلا أنه عندما واجهته مشكلة -تواجهه وتواجه كل ملحد- وهي أن البشرية تقرّ بوجود الله ولا يستطيع الناس التخلص من هذا الشعور، فتجده ينظر إليها على أنها مشكلة كانت تعتني بها الفلسفات تحت مسمى مشكلة انتشار الاعتقاد بوجود الله، وأن الفلسفة كانت تجيب عليها بمثل أجوبة فيورباخ وغيره، إلا أن كارناب لا ينظر "إلى مشكلة انتشار الاعتقاد بوجود إله كمشكلة فلسفية بل كمشكلة تفسرها أبحاث فرويد التي أظهرت أن أصل تصورنا للإله يعود إلى حاجتنا إلى بديل عن الأب. . . ." (٢). وهكذا أصبحت استدلالات بعض الملحدين المعاصرين العلمية تعتمد على نظريات فرويد، وأصبح ما يسمى علمًا ونظريات علمية يوظف في الاستدلال على الإلحاد (٣).

стр. 400

وعلى منوال ما حدث مع الدين والعقائد يتم أيضًا مع القيم، وأبرز نموذج قدمه فرويد بقوة تلك القيم المرتبطة بالجنس، لاسيّما مع الأثر الأساسي الذي جعله للجنس في نظريته العلمية. ومن أهم كتبه التي عرض فيها تطبيقه لنظريته العلمية على القيم كتاب "الطوطم والتابو"، وفيه يعرض قصة حدثت في أول تاريخ البشرية وما زالت آثار تلك الحادثة مؤثرة في حياة البشرية إلى اليوم -وعلى القارئ أن لا يسأل عن سنده لتلك القصة- ذلك أن الأولاد شعروا برغبة جنسية تجاه أمهم، ولكن هناك حائل وهو الأب فقتلوه، وهي أول جريمة في البشرية، ثم أحس الأولاد بالندم فقدسوا ذكرى الأب، فنشأت من ذلك عبادة الأب كأول عبادة ظهرت في البشرية، ولكن وجدوا أنهم لو تقاتلوا على الأم لهلكوا، فاتفقوا على عدم اقترابها، فنشأ بذلك أول تحريم في العلاقات الجنسية ومنه بقية المحرمات، وهكذا ظهرت العبادات والمحرمات والقيم المكونة للدين (١). وعادة ما يُربط بين الإباحية التي ظهرت في القرن الرابع عشر/ العشرين، وبين نظريات فرويد وذلك بسبب المكانة الخاصة للجنس في نظريته، وتم ذلك باسم العلم أيضًا وتحت طاغوت النظريات العلمية، وفي ذلك يقول "فروم": "فالحياة الجنسية لم تعد أمرًا محرّمًا، ولم يعد الحديث عن رغبات تتعلق بغشيان المحارم أو عن انحرافات جنسية يعتبر أمرًا مهولًا يدعو إلى الاستنكار. فكل هذه الموضوعات التي ما كان الإنسان العادي "العفيف" ليجرؤ على التفكير بها لم تعد الآن أمورًا محرّمة واعتبرت آخر نتائج "العلم" التي لا تثير إثارة خاصة" (٢). وقد وجدها رواد الرأسمالية -وغالبًا ما كانوا يهودًا- فرصة للاستثمار، فهم يروجون للاستهلاك في كل شيء بما في ذلك الجنس، وزمن المحرمات والحشمة قد أسقطته النظرة العلمية، مستثمرين في ذلك كلام فرويد، فإن كبت الحاجات الجنسية يمكن أن يؤدي إلى العصاب، ولتلافيه فلابد من الانعتاق من

стр. 401

حرمان النفس شهواتها "وهذا ما حث عليه المعلنون! وهكذا اكتسب التحليل النفسي هذه الشعبية بين الناس، بما هو "وسيلة" للحرية الجنسية التي تنشط الاستهلاك الجديد. . . ." (١)، وهكذا تتصاحب النظرية العلمية الداعية إلى الانفلات، والإباحية مع صعود مصاصي الدماء من الرأسماليين وفي قائمتهم أصحاب التجارات الكبيرة من اليهود. وعندما تصطدم نظريته مع ذاته أو أسرته فإنه يوقف العمل بها، فمع أنه يفضل المعاشرة الجنسية الحرة بين الشبان ويتحسر لعدم وجود وسائل فعالة لمنع الحمل، ومع ذلك فإنه عند عتبة باب منزل فرويد توقف تلك الدعوات وتمنع من الدخول للمنزل (٢). وقد كان من بين نظرياته التي تخلى عنها نظرية الإغواء وأثرها في الهستيريا التي تصيب النساء، إذ إن من مكوناتها أن الأب في الأسرة هو الذي جلب على المريض فيما بعد الهستيريا بسبب الاعتداء الجنسي، ولكنه صُدِم عندما بدت أعراض هستيرية على شقيقاته ولم يستطع تصديق فكرة اعتداء أبيه على شقيقاته (٣)، ووجد أنها غير مناسبة لتفسير سبب المرض وحاول البحث عن مخرج آخر لمشكلة الإغراء. مع العلم بأن التراث اليهودي حول الجنس مملوء بالفجور والإغراء وكتبهم تعج بمثل هذه القصص (٤)، وإذا كان هذا في تراثهم الديني فإن الشأن مع ملاحدتهم يكون أبعد انحرافًا. وإذا تجاوزنا مشكلة تحطيم المحرمات وفتح باب الإباحية تحت دعوى النظريات العلمية، نجد أيضًا شخصًا ضعيف القيم وصاحب أخلاق نفعية، فعندما وجد صعوبة في الترقية في جامعة فيينا فعل ما أشار به عليه أحد أصحابه حيث قام بمعالجة زوجات وبنات وأرامل الطبقة الحاكمة والثرية، وكانت الثمرة سريعة إذ أقنعت إحدى البارونات وزارة التربية بمنح لقب الأستاذية لطبيبها (٥). وفي فترة

стр. 402

اشتداد الحرب في وقت كان يمكنه أن يشارك في تخفيف ويلاتها فيساعد المحتاجين، إلا أنه في هذه المرحلة قصر معالجته على مرضى من إنكلترا والولايات المتحدة؛ لأنهم يستطيعون تسديد رسوم العلاج بعملة لا تعاني من التضخم (١)، ثم هرب بعدها تاركًا خلفه بعض أهله، منهم من مات في المعسكرات النازية. أما هو فتوجه إلى لندن وبقي فيها إلى أن اشتد مرضه بسبب السرطان، فطلب من طبيبه الشخصي أن يساعده قائلًا: "الآن أصبح الأمر لا شيء إلا عذاب ولم يعد له معنى" فحقنه عدّة جرعات من المورفين حتى مات (٢). ونتيجة هذا المبحث أو السبب، بأن مفكري اليهود وعلماءهم في العصر الحديث لاسيّما في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر وما بعده قد مارسوا دورًا سيئًا في مسيرة العلم، وانحرفوا بنظرياته نحو تحطيم الدين والقيم مستهدفين في ذلك المجتمع الأوروبي في البداية الذي أقصاهم فترة طويلة من الزمن وقد حان الانتقام من ذلك الإقصاء. وهذا النموذج يغنينا عن النظر في نموذجين كبيرين آخرين قام بهما يهوديان آخران هما "ماركس" و"دوركايم"، على أن بعض أعمالهما ستأتي في مباحث أخرى، مما يكشف أننا أمام عمل يهودي قوي ومنظم في القرنين الأخيرين في جميع الميادين، ومنها ميدان العلم والنظريات العلمية (٣). وبموقف اليهود يصل هذا الفصل إلى نهايته، توقفت مع مجموعة من

стр. 403

الأسباب المهمة، انحراف الكنيسة ودوره، والعلمانية ودورها، ودور الاتجاه المادي والاتجاه الوضعي، وأخيرًا الدور اليهودي، تسببت الكنيسة في ضعف ثقة النخب بالدين، وتسببت العلمانية في إبعاد العلم عن الدين ووضع رؤية جديدة له، دنيوية لا علاقة لها بالآخرة، وجاءت التيارات الفكرية لتكمل المشروع العلماني، فانساقت المادية مع الإلحاد الصريح والوضعية مع الحسية، ووجد اليهود فرصتهم في العلم.

стр. 404

الفصل الثالث تاريخ تكون الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث في العالم الإسلامي وتأثيرها في الفكر التغريبي العربي المعاصر

стр. 405

الفصل الثالث تاريخ تكون الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث في العالم الإِسلامي وتأثيرها في الفكر التغريبي العربي المعاصر مدخل: قرر العالم الإِسلامي بعد زمن طويل من الضعف والتخلف أن يبحث عن مخرج، ظهرت دعوات إصلاحية مشهورة ومحاولات سياسية معروفة، تنوعت مشاربها واختلفت مصائرها، منها ما نجح ومنها ما أخفق، وقد كان من بين أشهر ما استُعين به في النهوض: العلوم العصرية، ونظرًا لأن الأمة الإِسلامية -غالبًا- قد أهملت هذه العلوم وأخرجتها من دائرة التعليم سنين طويلة فقد نسيتها ونسيت أنها أبدعت فيها وعلّمتها العالم يومًا ما، مما جعلها تبحث عنها من جديد، لكن ليس في تراثها وإنما في تراث أمة أخرى حولنا. جاء طلب هذه العلوم في فترة عسيرة وخطيرة في الجهتين: جهة العالم الإِسلامي الطالب لهذه العلوم، وجهة الغرب المالك لمطلبنا. فالجهة الأولى كانت ضعيفة مما يسّر تسرب الانحرافات، وسمح بتحرك أهل الأهواء أثناء

стр. 406

تحقيق هذا المشروع. كما أن الجهة الثانية كانت تموج بعواصف فكرية واجتماعية خطيرة تأثر بها كل شيء في الغرب، بما في ذلك النجم الصاعد "العلوم العصرية"، وأخطر تلك العواصف: التيارات المادية والعلمانية. يبحث هذا الفصل "تاريخ تكوّن الانحرافات المصاحبة لطلبنا العلوم العصرية"؛ وذلك أن طلب العلوم العصرية كما أنه أسهم في النفع والتقدم، فقد تخلل ذلك أيضًا بعض الانحرافات الخطيرة، تأثر بها كثير من طلابها وأثّروا بها, ولأن الكثير قد لا يتصورون ارتباط الانحراف بعلوم حيادية موضوعية، نبعت أهمية البحث في تاريخ الأفكار من خلال تاريخ الأحداث لنكتشف الفرق بين العلم النافع والانحرافات التي قد ترتبط به ويقع في أسرها بعض الناس أو يجدها آخرون فرصة للطعن في دين الأمة وعقيدتها وشريعتها وهويتها. ولا شك أن الأمة لو كانت قوية في دينها وعلمها وفكرها لما وقع مثل هذه الانحرافات؛ ولكن مع ضعفنا من جهة ومع العواصف الغربية من جهة أخرى لم يتحقق لتجربتنا الحديثة في تحصيل العلوم النجاح والسلامة. ستكون فقرات هذا الفصل بإذن الله على الشكل الآتي: أولًا، الحديث عن حال العالم قبل الإِسلام، ثم حاله بعد بعثة النبي ﷺ لنشاهد ذلك الانقلاب الهائل الذي حدث في العالم بظهور الإِسلام. ثم نشاهد -ثانيًا- أثر الإِسلام في توجيه أهله نحو العلم ونتائج ذلك: في ظهور "العِلم الإِسلامي" الذي أشرق بنوره على العالم كلّه، واستفادت منه البشرية، وهذا يمثل خط الصعود الإِسلامي. ولكن خط الصعود قد ضعف بسبب مؤثرات داخلية وخارجية، فهبط الخط كثيرًا عن الوضع الذي كان عليه، لنصل إلى حالة من الضعف والانحراف في العصور الأخيرة، فتأتي -الفقرة الثالثة- للنظر في هذا الضعف، وما تبع ذلك من دعوات الإصلاح التي كانت في بدايتها دينية سلفية، فانفتح الباب للأمل في إمكانية النهوض من جديد، فانطلقت التجارب المتنوعة لطلب النهوض، ومن ذلك طلب العلوم العصرية التي نتج عنها حضارة أوروبية مدهشة ومخيفة في الوقت نفسه، تحاول تلك التجارب نقلها إلى العالم الإِسلامي لعلّه يحدث لنا بسببها ما حدث للأوروبيين من تقدم وقوّة، تناقش -الفقرة الرابعة- هذه التجارب المختلفة، أقف مع أشهرها، وأبحث مشكلة فشلها من جهة، ومشكلة تسببها في دخول انحرافات فكرية من جهة أخرى؛ وذلك أن أغلب هذه التجارب

стр. 407

جاءت في وقت ضعفٍ شديدٍ مما مكّن لخصوم الأمة وأعدائها -في الداخل أو الخارج- من إفساد مسيرة هذه التجارب، ولاسيّما أن أغلبها قد تهاون في الإصلاح الذاتي نقطة الانطلاق الصحيحة لكل نهضة أو إصلاح، ومن تلك التجارب: تجربة الدولة العثمانية والهند الإِسلامية كبدايات مشهورة في الباب. وتأتي الفقرة الخامسة للتجارب العربية، أبدؤها بحادثة الحملة الفرنسية وأثرها، ثم التجربة المصرية، وعهد التنظيمات العثماني. والفقرة السادسة عن تجربة بعض بلاد المغرب -تونس والمغرب- مع توقف سريع في الفقرة السابعة مع التجربة الفارسية. أختم ذلك بالفقرة الثامنة حول صور تعرّف المجتمع على العلوم العصرية، وما يرتبط بها من مناهج ونظريات.

стр. 408

أولًا: تغير العالم ببعثة الرسول محمَّد ﷺ - كان العالم بأجمعه قبل بعثة الرسول ﷺ يعيش في ظلام دامس، يمرّ بأزمات عميقة، أحدّها وأشدّها الانحراف الديني الذي غطى وجه الأرض باستثناء بقايا قليلة من الحنفاء، ويتفرع عنه مجموعة من صور الانحرافات تطبع أغلب مجالات الحياة (١)، وقد كان العرب جزءًا من هذا العالم المأزوم. كانت أمَّتَا الروم وفارس أقوى الأمم آنذاك، على أن فارس تربط العرب بشرق الأرض والروم بغربها، وكانت الروم في عصرها الهيليني بروحه الثقافية المعروفة، وارثةً آنذاك فلسفات اليونان وعلومهم، وخلطتها بالدين الجديد الذي اعتنقته بعد أن تحرّف على أيدي أتباعه وهو النصرانية (٢). أما فارس فهي ذات دين وثني تختلف صوره وأشكاله، وهي محيطة بعلوم الشرق أو على علاقة بها كفلسفات الهند والصين وعلومها. فالأديان القائمة إما كتابية محرفة -اليهودية والنصرانية- أو وثنيات كثيرة ذات جوهر واحد (٣)، أما العلوم والمعارف والفلسفات والآداب والفنون والصناعات فقد كانت موجودة في هاتين

стр. 409

الإمبراطوريتين، ومع ذلك فقد كانت في وضع ضعيف أو فاسد. وكما انحرفت تلك الأمم في الجانب الديني، فقد انتقل ذلك الانحراف ليطبع الحياة الفكرية والعلمية والاجتماعية بطابعه، فحتى الحسن منها لم يسلم من آثار الانحراف الديني. وقد كان الحنفاء من بقايا أهل الكتاب يشعرون بهذا الظلام المحيط بالعالم بعد أن غاب الدين الحق، وكانت الأمم تعيش حياة صعبة بعد أن غابت عنها روح الرسالات السماوية، وانتشر الظلم والجهل في العالم، وهما رأس الشرور ومنبعا الانحراف قال -تعالى-: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢] (١)، فالجهل في كل مكان، الجهل بمعناه الأهم وهو جهل الدين والواجب نحو الرب سبحانه، والجهل بمعناه العرفي من انحطاط في المعارف والعلوم. الظلم في كل مكان، الظلم بمعناه الأخطر وهو الوقوع في الشرك الذي غلب على العالم آنذاك، قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، والظلم بين الناس، عندما يظلم بعضهم بعضًا، وهي حالة غلبت على أهل المعمورة، فالقوي يظلم من دونه. ويشعر من أوقف نظره عند تلك المرحلة وكأن تاريخ البشرية يسير نحو الحضيض، وأنه لا أمل من ارتفاع جديد للبشر، وأن الانحدار أمر حتمي لا مجال لتغييره، وكما ورد في الحديث قال رسول الله ﷺ : "ألا إن ربي أمرني أن أعلّمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا: كل مالٍ نحلته عبدًا حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانًا، وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب،. . ." (٢)، يطلعنا هذا العلم السماوي على الحال السيئ للبشرية قبل بعثة الرسول ﷺ ، وأنه كان عامًا للعرب

стр. 410

والعجم، وإذا كان حال الأمم القوية من الجهل والظلم؛ فما بالك بالأمم الضعيفة ومنها حال العرب، وحال الجزيرة ذاتها حيث نجد دركات من الجهل والظلم. وإذا كان الأمل في إنقاذ البشرية مستبعدًا من الدول العظمى آنذاك، فهو أكثر استبعادًا من الأمم الضعيفة لاسيّما أهل مكة والمدينة، التي لم تكن طموحات أهلها آنذاك تتجاوز السماح لهم من قبل الإمبراطوريتين فارس والروم بممارسة البيع والشراء وتركهم في حالهم يعمهون. ولكن ربك عليم حكيم، يعلم سبحانه أين يضع رسالته ومن يصطفي من عباده للقيام بمهمة إعادة الناس للتوحيد، وتصحيح مسار التاريخ، وإعادة الأمل إلى الأمم، ورفع الجهل والظلم عنها، وجاءت دعوة الإنقاذ من أضعف الأماكن وأبعدها عن التصور، وكما قال -تعالى-: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨] (١)، فاختار الله سبحانه رجلًا لم يكن من المتطلعين لتلك المهمة، ولكنه هو في علم الله سبحانه صاحبها، قال -تعالى-: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (٨٦)﴾ [القصص: ٨٦]. وفي ربع قرن نجحت دعوة الرسول ﷺ ، وقامت دولة الإِسلام، وبدأت تمدّ ظلّها الوارف على كل من يدخل في الإِسلام، وجاءت مهمة مواجهة الراعين للضلال في العالم "فارس والروم"، فنجح المسلمون في وقت قصير من إقصائهما عن سيادة العالم، وانكمشت الروم إلى أوروبا وعادت الوثنية للخلف لتبقى في أقصى الشرق. وتولّت الأمة الإِسلامية منذ ذلك الوقت قيادة العالم وإدارة مسؤولية تقدمه، ويتفق عقلاء العالم بأن الأرض قد تغير حالها وحسُنَ أمرها بعد بعثة رسول الله ﵊ وظهور الإِسلام وانتشاره في العالم، وأنهم أيضًا ولأكثر من عشرة قرون كانوا القوة الأشهر على مستوى العالم والأنفع له. ولا يعني ذلك سلامة كل أجزاء العالم الإِسلامي من الضعف أو الانحراف، ولا سلامة كل الفترات التاريخية منهما؛ فإن أسباب ضعف الأمة وقوتها يتجاوران ويتصارعان، وبحسب حال الأمة يميل الميزان لصالح أحدهما.

стр. 411

ظهور أمة الإِسلام ودورها في إنقاذ العالم: جاءت رسالة الإِسلام بالخير للبشرية، فعاد الدين الحق وظهر التوحيد في الأرض وقامت شريعة السماء في حياة الناس، ومن بين ما حملته رسالة الإِسلام واعتنت به أيما عناية: موضوع العلم، وأهمية العلم المصحوب بالعمل النافع، والدعوة للتفكر والنظر والعقل والبصيرة والتعلم وعدم التقليد (١)، ويأتي في أعلى درجاتها تحقيق الجانب الديني؛ فإذا صلح الدين صلح ما سواه. لهذا يصح أن يقال عن الأمة المسلمة: إنها أمة علم، وقد شعر أهل الإِسلام بذلك فتحولوا إلى أمة علم، وكوّنوا تراثًا علميًا لا مثيل له، وكان في رأس ما اهتموا به من علوم: العلوم الدينية فأبدعوا فيها إبداعًا عظيمًا، مما يجعل الأمة المسلمة قادرة في كل زمن على إيصال دين الإِسلام للناس، وهو الواجب الأهم على الأمة المسلمة. وأمة أبدعت كل ذلك الإبداع في العلوم الدينية، وخرجت من كونها أمة أمية إلى أمة العلم والعلماء لا يصعب عليها الإبداع في أي باب من أبواب العلوم؛ لأن القضية الجوهرية هي قدرة تلك الأمة على إبداع العلم ذاته، وإبداع مناهجه، وأمة تستطيع إبداع جانب من جوانب العلم لا يصعب عليها الجانب الآخر. إلا أن الأمة المسلمة كانت في أول أمرها مهمومة بتقوية وجود الإِسلام ونشر علومه بين الناس؛ ولذا كان أهم ما يُعتنى به في القرون الأولى هو تشييد العلوم الإِسلامية، أما العلوم الدنيوية فهي متروكة لحاجات الناس وحاجة الدولة المسلمة، كما أن أمرها يترك لمن يرغب الاشتغال بها دون حظر عليه، بل يُحث الراغب فيها على نفع الناس، وقد وجد أهل هذه العلوم في ظل الدولة الإِسلامية دعمًا لا مثيل له، فالإِسلام يدعو للعلم النافع ويحث أهله على تحصيل ما ينفعهم. لقد أصبح مفهوم العلم أحد أهم مكونات الأمة الإِسلامية، وقد أعطى الإِسلام للعلماء درجة عالية ومكانة رفيعة لا يصلها أحد من الناس، وقد شجع

стр. 412

على التعلم وحث عليه بصور متنوعة من أساليب الترغيب والترهيب، وحمّل العلماء مسؤوليات كبيرة. يشعر المسلم بأن أول الواجبات عليه هي أمور لا تتحقق إلا بالعلم والتعلم؛ ولذا تجد بعض كتب السنة المشهورة تبدأ كتبها بأبواب عن العلم، فهذا صحيح البخاري يُفتتح بكتاب العلم بعد كتابي بدء الوحي والإيمان (١)، مما يجعل كل مسلم يشعر بأن أهم أعماله تنطلق من العلم والتعلم. ليس المقصود هنا بيان ما العلم الذي يُراد (٢)، وإنما المقصود بأن العلم قد أصبح له شأن في الأمة الإِسلامية، ولمعرفة ذلك علينا أن ننظر في حال العربي في الجاهلية في مكة أو الجزيرة: ماذا كان يعني له العلم؟ وما الجهد الذي كان يبذله لتحقيق ذلك المفهوم؟ ثم نقارن ذلك بحال المسلم والبيت المسلم والأسرة المسلمة والأمة الإِسلامية، عندها نجد الفرق الكبير. فهاهي أغلب الأسر توجه أبناءها للعلم، وتحتسب فقدهم والمال المنفق عليهم في سبيل أن يكونوا علماء، ودخل العلم مشروعًا أساسيًا للأسرة المسلمة، ربما تفقد الزوجة زوجها وما معها إلا الولد فتضحي برغبتها حول بقائه قريبًا منها وتبعثه لمجالس العلم، وربما تنفق عليه كل ما تملك، وتتحمل بُعده وسفره وغيبته وغربته من أجل أن يتعلم. وإذا كان هذا في واقع الأسرة الصغيرة، فهو أيضًا حال الدولة المسلمة، وهو أيضًا الهمّ الأكبر عند ورثة الأنبياء من العلماء الذين نذروا حياتهم للعلم تعلمًا وتعليمًا. ولنقارن حال العرب قبل الإِسلام في الجزيرة حول ما قدموه من العلم بحال الأمة المسلمة بعد ذلك: كم كتابًا ورّثوه -غير تلك القصائد-؟ كم من العلماء عرف منهم؟ كم من المعاهد والحلقات العلمية؟ كم من العلوم؟ كم

стр. 413

وكم. . . .؟؟ ثم انظر لحال هذه الأمة بعد الإِسلام، وما ذاك إلا بفضل المولى سبحانه بما منّ علينا من إرساله لهذا النبي الكريم ﷺ ، وبما أنعم علينا من بركات هذا الدين العظيم. ولم تكن الأمة الإِسلامية تجد حرجًا في أن تستفيد من العلوم البشرية التي حولها إذا كانت علومًا صحيحة ونافعة، فهذا الدين الذي حوّل أهله إلى أمة علم قد شعر أهلها بقيمة العلم ومكانته فانصرفوا إليه بكل همّة وقوّة، كل فئة اهتمت بباب من أبوابه، وكان أعلاها علوم الدين، التي يُحفظ بها الدين ويفهم، فأقاموها على أحسن مثال وأتمّه، أما العلوم الدنيوية، لاسيّما تلك التي تُبنى على التراكم المعرفي، بحيث يضيف اللاحق على السابق، فما وجد المسلمون غضاضة في أخذها عن الأمم التي حولهم، فقام بعض المسلمين بطلب المعارف من أهلها وترجمتها إلى اللسان العربي، ثم أعقب حركة الترجمة والتعليم الأولى حركة التصحيح والتقويم ثم الإبداع والابتكار. صحيح أن حركة الترجمة والاستفادة مما عند الآخرين أو حركة الإبداع الذاتية لم تسلم من الأخطاء أو الانحرافات؛ فإنها كانت في بداياتها مخصصة لما ينفع الأمة وعمرانها من علوم الطب (١) والطبيعة والرياضة والصناعة والهندسة وغيرها (٢)، وهي علوم مهمة لقيام العمران ولا يمنع منها الشرع، بل يحثّ على النافع منها, ولكن المترجمين وجدوا مع تلك العلوم النافعة أفكارًا وفلسفات وآدابًا وفنونًا وإلهيات فأغرت بعضهم أو ناسبت أهواءَهم، فقاموا بترجمتها ونشرها بين المسلمين، وتأثر بها الكثير وفتنوا بموادها (٣)، فانشغلوا بها وخلطوها

стр. 414

بعلوم الإِسلام؛ فأدخلوا بعملهم هذا أعظم الضرر على الأمة الإِسلامية. ويمكن القول بأن أحد أسباب الانحراف في الدين والتخلف في الدنيا الذي وقع فيه المسلمون راجع إلى النزاع والصراع الذي حصل بسبب تلك الترجمات لما ليس من العلوم؛ لأنه لو اكتفي بترجمة العلوم الدنيوية، وانشغل بعد ذلك بعض المسلمين بتطويرها، وسلمنا من غيرها, لربما صفا الجو الثقافي وانطلقت الأمة في تقدمها, ولسلمنا بإذن الله من الصراعات الداخلية المريرة التي تسببت في بروز الانحرافات العقدية وما ترتب عنها من تأخر الأمة.

стр. 415

ثانيًا: موجز لصورة العلوم في الحضارة الإِسلامية سأعرض باختصار صورة العلم في الأمة الإِسلامية كما عرضها "ابن خلدون" في القرن الثامن الهجري عرضًا مجملًا، وهي صورة تكشف تلك النقلة الكبيرة التي أحدثها الإِسلام في أهله، وتكشف أثره في دفع الأمة المسلمة نحو العلم، وهذه المرحلة التي كتب فيها ابن خلدون قد تكون آخر مراحل تقدم العالم الإِسلامي؛ إذ حدث بعده التقهقر والضعف في وقت كانت أمة منافسة للمسلمين تحاول اكتساب معارف المسلمين وعلومهم لتزاحم أمتنا من جديد. فيقول ابن خلدون: "اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلًا وتعليمًا هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هي العلوم الحِكْمِيّة الفلسفية، وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يَقِفَهُ نظره وبحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر"، ويدخل في هذا القسم -كما هو معلوم- العلوم الطبيعية والرياضية وغيرها، "والثاني هي العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الوضع الشرعي،. . . ."، إلى أن قال: "وأصل هذه العلوم النقلية الوضعية كلها هي الشرعيات من الكتاب والسنة التي هي مشروعة لنا من الله ورسوله، وما يتعلق بذلك من العلوم التي تهيئها للإفادة. ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملّة وبه نزل القرآن. وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة" (١). ثم قام بعرض النوعين النقلي

стр. 416

والعقلي؛ على أن المقصود بالعقلي هنا علوم تركها الشارع لعقول البشر يبدعون فيها بما يناسب احتياجاتهم في العمران، وكان في عرضه لتلك العلوم إنما يعرض صورة لما يُعرف غالبًا في معاهد المسلمين شرقًا وغربًا، وكأنه يعطينا وصفًا شاملًا لمنهج الدراسة في معهد من معاهد المسلمين أو جامعة من جامعاتهم آنذاك. عرّفَ بكل علم من العلوم من بدايات نشأته إلى الحال التي استقرّ عليها في عصر المؤلف، وعرض أهم كتب ذلك العلم وأهله وطرق تصنيفهم، فبدأها بالآتي: القسم الأول: العلوم النقلية: علوم القرآن من التفسير والقراءات، ثم علوم الحديث، ثم علم الفقه وما يتبعه من الفرائض (١) وأصول الفقه وما يتعلق به من الجدل والخلافيات (٢)، ثم ذكر منها على طريقة كثير من المتأخرين علم الكلام (٣)، وبرغم ملحوظاته النقدية المهمة على ذلك العلم؛ إلا أنه لم يتكلم بصورة ترضي الباحث عن علم العقيدة أو التوحيد رغم كثرة المصنفات فيه لأهل السنة والجماعة، ويظهر أن ابن خلدون كان يصف في الغالب ما يُدرس في كثير من بلاد المسلمين آنذاك، وقد كانت كتب المتكلمين، لاسيّما علماء الأشاعرة من بين أشهر الكتب التي لقيت عناية من قبل المتعلمين، إلى أن جاء النقد الموسع لها مع شيخ الإِسلام ابن تيمية في نهاية القرن السابع وأول الثامن، مما أعاد المكانة لعلم العقيدة والتوحيد كما هو عند السلف وأئمة أهل السنة والجماعة. وذكر أيضًا من العلوم التي اشتهرت في زمنه وقبله "علم التصوف" (٤) بعلمائه وكتبهم وطرقهم، وقد ألحقه بصور من النقد الحسن والتحليل المميز، ثم تحدث عن "علم التعبير والرؤيا" (٥) وما في بابها، وما يرتبط منها بالشرع وما ليس منه.

стр. 417

ثم عرض وإن كان في موضع متأخر -بعد العلوم العقلية- علوم اللسان العربي: النحو واللغة والبيان والأدب، وعلماء كل باب وكتبهم (١). فهذه صورة موجزة عن القسم الأول؛ أي: العلوم النقلية، وكل هذه العلوم لم تكن معروفة عند العرب، وما كان معروفًا فعلى وجهٍ لا يصح أن يقال عنه علم، فانظر إلى الأثر الكبير لهذا الدين العظيم في هذه الأمة، ولا ننسى بأن كل علم من تلك العلوم تحته علوم أخرى وفروع وأقسام، ولكل نوع منها علماؤه وكتبه، ومناهجه وطرقه، ومدارسه، وهو أمر يدعو للدهشة والإعجاب. القسم الثاني: العلوم الحكمية: لقد لقي النوع السابق عناية كبيرة من قبل العلماء والباحثين في الكتابة عن تاريخه ومدارسه ومناهجه وعلمائه ومؤلفاتهم، وبما أنها غير مقصودة لنا في البحث؛ فلم أطل فيها وسأنتقل إلى العلوم العقلية، تلك التي تركها الشارع لاحتياجات الناس بعد أن وضع لها المنطلقات والأصول ورسم لها الأهداف والغايات، فننظر كيف كان حالها داخل العالم الإِسلامي، وماذا كان يُدرس منها أو يقرأ أو يبحث في المعاهد والمراكز العلمية، وذلك بحسب العرض الخلدوني في مقدمته الشهيرة. إذا أردنا أن نعرف المقصود بالعلوم العقلية؛ فلا بأس من التعرف عليها من خلال حاضرنا العلمي والتعليمي، فهناك الآن في مدارسنا وجامعاتنا علوم الشريعة، وهناك علوم اللغة، وهناك العلوم الاجتماعية، وهناك العلوم الرياضية والطبيعية من: هندسة وحساب وفيزياء وكيمياء وأحياء وعلم الأرض وعلم الفلك وعلم الطب وما في بابها. فإذا عدنا إلى الماضي فأغلب هذه العلوم باستثناء علوم الشريعة واللغة كانت داخلة في العلوم العقلية أو الحكمية، إلا أن مما أفسد مسارها قديمًا هو دخول المنطق والفلسفة والإلهيات الفاسدة والميتافيزيقا على تلك العلوم، بل وضع مثل تلك الفلسفات أساسًا لتعلم تلك العلوم، فانشغل بعض المسلمين بما لا فائدة ترجى من ورائه، وهذا كان أحد الآثار السلبية لانحراف مسيرة الترجمة لاسيّما في القرن الثالث الهجري وجزء من الرابع؛

стр. 418

حيث كان الجهد في الترجمة "منصبًا أكثر على الكتابات الفلسفية والإلهيات، خاصة ترجمات وشروح أرسطو" (١)، فتسبب هذا الانحراف بالترجمة إلى إدخال الأمة الإِسلامية في متاهات لم تتعاف منها إلى الآن. فإذا تركنا هذا الجانب، ونظرنا إلى حجم المعارف النافعة مما أخذه المسلمون عن غيرهم، وما ألحقوه عليها من تهذيب وتطوير، ثم ما أضافه المسلمون في هذا الباب من مناهج وعلوم ومكتشفات لوجدنا في ذلك عجبًا. ويمكن تلخيص بعض أدوار الحضارة الإِسلامية حول هذه العلوم في مجموعة نقاط أهمها: ١ - ترتيب تلك العلوم المترجمة وتنقيحها. ٢ - إيجاد البيئة المناسبة لحركة تلك العلوم وتحولها إلى ما ينفع الناس. ٣ - التطوير للمنقول والمترجم، أو الإبداعات والاكتشافات الجديدة. ٤ - بداية رسم منهج جديد يساعد على تطور العلوم، وهو من أهم ما أبدعته الحضارة الإِسلامية، وقد كان من أهم المناهج "المنهج التجريبي" الذي عُرف مع كثير من علماء الطب أو الفيزياء أو الكيمياء وغيرها (٢). مع ما صاحب ذلك من نقد علمي وعقلي للمناهج اليونانية لاسيّما المنطق الأرسطي؛ الذي ثبت فيما بعد أنه كان عائقًا في وجه تقدم العلم فضلًا عن الضرر من تطبيقه على المعارف الدينية. ولم تكن عملية استيعاب العلوم الإنسانية ثم الإبداع فيها بعملية سهلة؛ فإن التعرف على تلك العلوم، وإصلاح شأنها بما يلبي حاجات الأمة المسلمة ثم الانتقال إلى مجال التطوير والإبداع كان عملية عسيرة؛ فالمترجمون لم يكونوا عادة من الأمناء بدرجة كافية، لاسيّما مع تنوع مشاربهم الدينية، والعلوم تحتاج إلى استقرار وعمران، وهو ما لم يتركه أعداء الأمة الإِسلامية لنا، فما إن يستقرّ

стр. 419

وضعها في مكان حتى يظهر من أعدائها من يسعى إلى خرابها. بدأت مع التتار والمغول وختمت قبل العصر الحديث بالحروب الصليبية، ومع كل تلك الصعوبات فقد نجح المسلمون في الارتقاء بهذه العلوم ومناهجها، وإعطائها صورة جديدة عملية ونافعة (١). عرض ابن خلدون ما عُرف منها إلى زمنه، وعرض واقعها الموجود، وكما عرض ضمن العلوم النقلية بعض العلوم التي يحسبها أهلها من علوم الشريعة، وهي ليست كذلك وبيّن هو بنفسه ذلك؛ فكذلك هنا عرض كل ما يدخل تحت دائرة العلوم العقلية: الصحيح منها والفاسد، وإن كان يُتبع الفاسد منها بالنقد والتحذير، وهذه العلوم عددها سبعة وهي: "المنطق ثم التعاليم وهي أربعة علوم: الأرتماطيقي والهندسة والهيئة والموسيقى. ثم الطبيعيات، ثم الإلهيات"، و"لكل واحد منها فروع تتفرع عنه: فمن فروع الطبيعيات الطب، ومن فروع علم العدد علم الحساب والفرائض والمعاملات، ومن فروع الهيئة الأزياح. ." (٢). ثم تحدث عن كل واحد منها، وتصنيف أهل الأمم السابقة فيها لاسيّما اليونان، ثم حالها بعد أن أخذها المسلمون وما أضافوه إليها وما أبدعوه فيها، وأوضح دور المنصور، ثم المأمون في جلب هذه العلوم، وبين أنهم نقلوا أيضًا ما لا نفع فيه، وبين الآثار السلبية لها، ومما قاله: "ودخل على الملة من هذه العلوم وأهلها داخلة، واستهوت الكثير من الناس بما جنحوا إليها وقلدوا آراءها، والذنب في ذلك لمن ارتكبه. ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام: ١٣٧] " (٣)،

стр. 420

وهذه الآثار التي يتحدث عنها علّامة المغرب هي نفس ما كشفه علماء المشرق واجتهدوا في نقده وبيان باطله وعملوا على تنقية التراث الإِسلامي وتصفيته مما خالطه من تلك الأهواء، لاسيّما شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم وأتباعهما. وفي ذلك يقول شيخ الإِسلام ابن تيمية عن دخولها مع العلوم النافعة: "فإن هذه التعاليم -من المنطق وما بعد الطبيعة وغيرها- لما اتصلت بالمسلمين وعربت كتبها مع ما عرب من كتب الطب والحساب والهيئة وغير ذلك، وكان انتشار تعريبها في دولة الخليفة أبي العباس الملقب بالمأمون؛ أخذها المسلمون فحرروها لفظًا ومعنى. لكن فيها من الباطل والضلال شيء كثير" (١)، وهو يريد هنا بالتعاليم -والله أعلم- تلك المناهج والإلهيات والميتافيزيقا التي لبعضها علاقة بأمور الدين، أما ما لا علاقة له بالدين "مثل مسائل الطب والحساب المحض" فهذا جائز، فغايته الانتفاع بآثارهم في أمور الدنيا (٢)، ثم عرض شيخ الإِسلام مواقف الناس من تلك التعاليم الباطلة في ثلاثة مواقف: ١ - الفلاسفة، حيث اتبعوها وجمعوها مع ما ينتحلونه من الإِسلام. ٢ - المعتزلة، لم يقصدوا اتباعها لكن تلقوا عنهم أشياء يظنون أنها جميعها توافق الإِسلام وتنصره، مع أن كثيرًا منها تخالفه وتخذله. ٣ - حال كثير من أهل الحديث والفقه وغيرهم، حيث أعرضوا عنها إعراضًا مجملًا، ولم يتبع أهل هذا الموقف من القرآن والإِسلام ما يغني عن كل حقها ويدفع باطلها ولم يجاهدهم الجهاد المشروع (٣). نؤكد هنا بأن علماء الإِسلام وأهل السنة خصوصًا لم يكن لهم اعتراض على العلوم النافعة؛ وإنما كان اعتراضهم على تلك الإلهيات الفلسفية التي تتعارض مع ميراث النبوة، ونؤكد بأن علماء المسلمين وإن قبلوا من متفلسفي المسلمين العلوم النافعة التي بين أيديهم من الطب والحساب وغيره مما هو معروف في زمنهم؛ فإنهم في المقابل قد وقفوا ضدّ انحرافاتهم العقدية وحذروا الأمة منها، وهو يوضح وسطية أهل السنة في موقفهم من المخالفين وعلومهم.

стр. 421

والمقصود من هذه الوقفة كشف بعض الدعاوى الزائفة من قبل المتغربين في عصرنا؛ حيث يتهمون علماء الإِسلام بأنهم حاربوا العلوم وأهلها، وربما وجدوا نصًا من عالم حول أحد الفلاسفة ممن اعتنى بالعلوم المنقولة عن أمم أخرى، فما فرّقوا بين الموقف من علمهِ الذي بين يديه وبين الموقف من عقيدته التي يسعى لنشرها وينتقص في الوقت نفسه من الإِسلام؛ فإن علماء الإِسلام قبلوا علمه النافع ورفضوا فلسفته الفاسدة، وهذا ابن القيم ﵀ من علماء الإِسلام الكبار مع كثرة نقده للفلاسفة وأمثالهم كابن سينا مثلًا، لا يجد مانعًا من الاستفادة من جهوده الطبية، فينقل عنه ويستفيد من معلوماته (١). إذًا، لم تكن الأمة الإِسلامية تجد حرجًا من الانتفاع بعلوم الأمم الأخرى، بل قامت بنقلها إلى العربية، ثم أعادت بناءها من جديد، وسأعرض الآن صورتها كما استقرت عليه بعد الترتيب ويتعلمها الكثير ضمن ما يمكن أن نطلق عليه بالمناهج التعليمية المدرسية كما عرضها ابن خلدون بصورة مجملة: العلوم السبعة: سبق أن عرفنا أن ابن خلدون حصرها في سبعة علوم هي: "المنطق، وعلوم التعاليم الأربعة: الإرتماطيقي والهندسة والهيئة والموسيقى، ثم الطبيعيات والإلهيات"، وبما أن المنهج يسبق العلوم فقد كانت البداية بالمنطق، ورغم تلميحات ابن خلدون النقدية حول المنطق، فهي لم تصل إلى النقد الجذري والنافع الذي قدمه شيخ الإِسلام ابن تيمية في أول القرن الثامن الهجري، ومن باب التذكير بما ورد في الفصل الأول؛ فإن أوروبا في القرن التاسع/ الخامس عشر وما بعده بدأت تقتنع بأن أحد أسباب تخلفها العلمي هو ثباتها على المنطق الأرسطي، فبدأت محاولات تخلصها منه ونقدها له بعد قرون من نقد شيخ الإِسلام ابن تيمية. وإذا كان ابن خلدون قد يتسامح مع المنطق لما يرى فيه من خدمة للعلوم البشرية؛ فإن ابن تيمية قد أثبت بأن تلك العلوم لم تنتفع بالمنطق، وأن حذاق أهل العلوم تقدموا بعلومهم مع جهلهم بصناعة المنطق. فإذا أخرجنا المنطق وأخرجنا معه الموسيقى والإلهيات وهي موطن نقد من

стр. 422

ابن خلدون، فيبقى معنا صورة العلوم النافعة أو الصحيحة وهي: "الإرتماطيقي والهندسة والهيئة والطبيعيات". فأما الإرتماطيقي فهو علم العد أو الحساب، فهو أول أجزاء التعاليم وأثبتها، وفيها مسائل الجمع والطرح والضرب القسمة، وقد كانوا يحرصون أثناء تعلمه بعد معرفته على الآثار التربوية، لما يرون من أثرها في نشوء عقل مضيء غالبًا متدرب على الصواب، وأنه قد يغلب على صاحبه الصدق لما في الحساب من صحة المباني فيصير ذلك خلقًا للمتعلم (١). يقول ابن تيمية: "ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا الصحيحة الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك، وتعود النفس أنها تعلم الحق وتقوله، لنستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك، ولهذا يقال: إنه كان أوائل الفلاسفة، أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي، وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك؛ لأنه لما نظر في طرقهم وطرق من عارضهم من أهل الكلام الباطل، ولم يجد في ذلك ما هو حق؛ أخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي، كما كان يتحرى مثل ذلك من هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل وغيره. وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك؛ لأن فيه تفريحًا للنفس، وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط. وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض؛ فإن حساب الفرائض علم معقول مبني على أصل مشروع، فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع. لكن ليس هو علمًا يطلب لذاته، ولا تكمل به النفس" (٢). فهذا هو كلام علمائنا في مثل هذا النوع، مع حرصهم على الأبعاد التربوية المهمة فيه. وبالعودة لابن خلدون: فهو يذكر من هذا العلم أيضًا الجبر والمقابلة وإبداعات الخوارزمي، وأحسن شروحاته، وإضافات العلماء عليها في المشرق والمغرب، ومنها الانتفاع به في الحياة العملية في فرع المعاملات "وهو تصريف

стр. 423

الحساب في معاملات المدن في البياعات والمساحات والزكوات وسائر ما يعرض فيه العدد من المعاملات"، وهو يُظهر كيف يُستفاد من هذا العلم في حياتنا العملية، وذكر أحسن المؤلفات في ذلك. ومنه أيضًا الفرائض وهو علم يعرفه أهل العلم الشرعي لاتصاله بتقسيم الإرث (١). انتهينا من العلم الأول، والغرض فقط الإلماح إلى مدى عناية المسلمين به، وأنه أصبح أحد مكونات مفهوم العلم لديهم، وكيف صرفوه فيما ينفع من معاملاتهم أو وجهوه الوجهة التربوية. العلم الثاني علم الهندسة، فأوضح ابن خلدون أن الكتاب المترجم عن اليونان هو كتاب "أوقليدس"، وأنه أول ما ترجم في الملة أيام أبي جعفر المنصور، ونُسَخه كما يقول مختلفة باختلاف المترجمين، ولا يغفل عن التوجيه التربوي فيقول: "واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بينة الانتظام، جلية الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها، فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ"، إلى أن قال: "وكان شيوخنا ﵏ يقولون: ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقيه من الأوضار والأدران؛ وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه" (٢)، ثم تحدث عن فروعها، والكتب المعتمدة في كل فرع، وأدخل فيها المناظر وإبداعات ابن الهيثم، وإن كان الآن من فروع الطبيعة (٣). العلم الثالث علم الهيئة وهو ما يُسمى اليوم بعلم الفلك، ويذكر أن أحسن التآليف فيه كتاب المجسطي المنسوب لـ "بطليموس"، مع ما أضافه بعض المسلمين في هذا الباب (٤)، وقد سبق الحديث عن هذا العلم في الفصل الأول. العلم الرابع الطبيعيات وما زال هذا الاسم قائمًا إلى اليوم وإن تغيرت بعض أسماء فروعه، وكانت عمدتهم في الباب إجمالًا على كتب "أرسطو"،

стр. 424

وأعمال "ابن سينا" و"ابن رشد" حولها، حيث اجتهد الأول في عمل بعض التغييرات فيها؛ بينما حافظ الثاني على صورتها الأرسطية كما هي (١). ومن فروعه علم الطب (٢) سواء المترجم عن "جالنيوس" أو كتب "الرازي" و"ابن سينا" وغيرهم، وهي التي كانت ضمن مواد التعلم في هذا الباب. ومن فروعه الفلاحة (٣) وهي تدخل في يومنا هذا في باب الأحياء وفي أقسام الزراعة والنباتات، وهي من الأبواب التي اختلط فيها العلم بالسحر، وعلى المنوال نفسه الفرع اللاحق وهو: ومن فروعه الكيمياء (٤) إلا أنها رغم الجوانب العلمية التي فيها كانت تختلط عند الكثير بالسحر والطلسمات؛ ولذا جعلها ابن خلدون بهذا العنوان "السحر والطلسمات". وهذا الرصد الإجمالي من ابن خلدون كما اختصرته المقصود منه -كما كُرر ذلك- بيان حال الساحة العلمية، فهي ساحة قد فتحت قلبها للعلوم النافعة، وانتشرت في الأمة الإِسلامية، وأصبحت إحدى مكونات أمة العلم، وقد جاء من الباحثين فيما بعد من تفرغ لهذه العلوم يرصد دخولها إلى العالم الإِسلامي، ثم ما لحق ذلك من تحسين أو تطوير أو إبداع أو بناء مناهج أو وضع تصورات جديدة حولها. خلاصة صورة التعرف الأولي علي علوم الأمم السابقة: يُظهر لنا العرض الموجز السابق أثر هذا الدين العظيم في تحويل أمة أمية إلى أمة علم، فبنت علومها الذاتية بنفسها، ثم انتقلت إلى العلوم النافعة في الأمم حولها لتأخذ ما تحتاجه منها، وهي صورة تختلف عند المقارنة عن صورة حديثة وقعت للأمة، ومن ذلك مثلًا: ١ - لم تبتعث الأمة آنذاك أبناءها لطلب تلك العلوم؛ وإنما طُلبت كتب العلوم ثم ترجمت، وأوجدت من يدرّسها داخل الأمة، فتفاعلت الأمة معها

стр. 425

ذاتيًا، ولا شك أن ذلك كان أسلم لأبناء الأمة، مع العلم بأن طبيعة تلك المرحلة لم تكن تسمح بفكرة الابتعاث ذاتها. ٢ - أن الأمة الإِسلامية عندما أخذت علوم الأقوام الآخرين، أخذتها من موطن قوّة وعلوّ وعزّة، لذا كان بيدها أن تختار ما تريد وأن ترفض ما لا تريده، وقد منحتها قوتها أيضًا القدرة على احتواء تلك العلوم دون الانبهار بأحوال أهلها، وأعطتها أيضًا القدرة على الإبداع فيها والمجيء بما لم تصنعه الأوائل، بخلاف الأخذ الأخير، إذ كان من موطن الضعف وترتب على ذلك آثاره السلبية. ٣ - كانت علوم الأمم الأخرى في حالة توقفها عن التطور، وهي مع ذلك كانت محدودة، ويغلب عليها الصورة التي وصلت إليها عند أرسطو، كمنهج ومحتوى، مع شروحات وإضافات محدودة لمن بعده، مما سهّل عملية التعرف عليها، بخلاف الاتصال الحديث، فقد كان في وقت تطورها، وهو تطور مستمر لم يتوقف إلى الآن، وفي وقت تكاثرها الذي يُصعّب من عملية احتوائها ويوقع ربما طالبها في ما تحويه من إشكالات. ٤ - كان للخلط في الترجمة بين ما نفعه مؤكد وبين ما هو غير مؤكد أو ذو ضرر؛ أثره في إعاقة مسيرة الأمة، فانفتحت صراعات كان يمكن السلامة منها، وانشغلت الأمة بآثارها على حساب النافع، وهو دَرْسٌ لم تستوعبه الأمة؛ فمع عملية النقل الحديثة رجعنا للمشكلة نفسها، فترجِم الكثير من المشغل للأمة عن الأهم، أو ترجم الضار والمعيق لمسيرتها، وإلى يومنا هذا لا مقارنة مثلًا بين ترجمة الأعمال الأدبية والفنية الكثيرة مع ترجمة الأعمال العلمية النافعة.
следующие страницы →