← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

والمقصود من هذه الوقفة كشف بعض الدعاوى الزائفة من قبل المتغربين في عصرنا؛ حيث يتهمون علماء الإِسلام بأنهم حاربوا العلوم وأهلها، وربما وجدوا نصًا من عالم حول أحد الفلاسفة ممن اعتنى بالعلوم المنقولة عن أمم أخرى، فما فرّقوا بين الموقف من علمهِ الذي بين يديه وبين الموقف من عقيدته التي يسعى لنشرها وينتقص في الوقت نفسه من الإِسلام؛ فإن علماء الإِسلام قبلوا علمه النافع ورفضوا فلسفته الفاسدة، وهذا ابن القيم ﵀ من علماء الإِسلام الكبار مع كثرة نقده للفلاسفة وأمثالهم كابن سينا مثلًا، لا يجد مانعًا من الاستفادة من جهوده الطبية، فينقل عنه ويستفيد من معلوماته (١). إذًا، لم تكن الأمة الإِسلامية تجد حرجًا من الانتفاع بعلوم الأمم الأخرى، بل قامت بنقلها إلى العربية، ثم أعادت بناءها من جديد، وسأعرض الآن صورتها كما استقرت عليه بعد الترتيب ويتعلمها الكثير ضمن ما يمكن أن نطلق عليه بالمناهج التعليمية المدرسية كما عرضها ابن خلدون بصورة مجملة: العلوم السبعة: سبق أن عرفنا أن ابن خلدون حصرها في سبعة علوم هي: "المنطق، وعلوم التعاليم الأربعة: الإرتماطيقي والهندسة والهيئة والموسيقى، ثم الطبيعيات والإلهيات"، وبما أن المنهج يسبق العلوم فقد كانت البداية بالمنطق، ورغم تلميحات ابن خلدون النقدية حول المنطق، فهي لم تصل إلى النقد الجذري والنافع الذي قدمه شيخ الإِسلام ابن تيمية في أول القرن الثامن الهجري، ومن باب التذكير بما ورد في الفصل الأول؛ فإن أوروبا في القرن التاسع/ الخامس عشر وما بعده بدأت تقتنع بأن أحد أسباب تخلفها العلمي هو ثباتها على المنطق الأرسطي، فبدأت محاولات تخلصها منه ونقدها له بعد قرون من نقد شيخ الإِسلام ابن تيمية. وإذا كان ابن خلدون قد يتسامح مع المنطق لما يرى فيه من خدمة للعلوم البشرية؛ فإن ابن تيمية قد أثبت بأن تلك العلوم لم تنتفع بالمنطق، وأن حذاق أهل العلوم تقدموا بعلومهم مع جهلهم بصناعة المنطق. فإذا أخرجنا المنطق وأخرجنا معه الموسيقى والإلهيات وهي موطن نقد من

стр. 422

ابن خلدون، فيبقى معنا صورة العلوم النافعة أو الصحيحة وهي: "الإرتماطيقي والهندسة والهيئة والطبيعيات". فأما الإرتماطيقي فهو علم العد أو الحساب، فهو أول أجزاء التعاليم وأثبتها، وفيها مسائل الجمع والطرح والضرب القسمة، وقد كانوا يحرصون أثناء تعلمه بعد معرفته على الآثار التربوية، لما يرون من أثرها في نشوء عقل مضيء غالبًا متدرب على الصواب، وأنه قد يغلب على صاحبه الصدق لما في الحساب من صحة المباني فيصير ذلك خلقًا للمتعلم (١). يقول ابن تيمية: "ففي الإدمان على معرفة ذلك تعتاد النفس العلم الصحيح والقضايا الصحيحة الصادقة والقياس المستقيم فيكون في ذلك تصحيح الذهن والإدراك، وتعود النفس أنها تعلم الحق وتقوله، لنستعين بذلك على المعرفة التي هي فوق ذلك، ولهذا يقال: إنه كان أوائل الفلاسفة، أول ما يعلمون أولادهم العلم الرياضي، وكثير من شيوخهم في آخر أمره إنما يشتغل بذلك؛ لأنه لما نظر في طرقهم وطرق من عارضهم من أهل الكلام الباطل، ولم يجد في ذلك ما هو حق؛ أخذ يشغل نفسه بالعلم الرياضي، كما كان يتحرى مثل ذلك من هو من أئمة الفلاسفة كابن واصل وغيره. وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك؛ لأن فيه تفريحًا للنفس، وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط. وقد جاء عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا لهوتم فالهوا بالرمي، وإذا تحدثتم فتحدثوا بالفرائض؛ فإن حساب الفرائض علم معقول مبني على أصل مشروع، فتبقى فيه رياضة العقل وحفظ الشرع. لكن ليس هو علمًا يطلب لذاته، ولا تكمل به النفس" (٢). فهذا هو كلام علمائنا في مثل هذا النوع، مع حرصهم على الأبعاد التربوية المهمة فيه. وبالعودة لابن خلدون: فهو يذكر من هذا العلم أيضًا الجبر والمقابلة وإبداعات الخوارزمي، وأحسن شروحاته، وإضافات العلماء عليها في المشرق والمغرب، ومنها الانتفاع به في الحياة العملية في فرع المعاملات "وهو تصريف

стр. 423

الحساب في معاملات المدن في البياعات والمساحات والزكوات وسائر ما يعرض فيه العدد من المعاملات"، وهو يُظهر كيف يُستفاد من هذا العلم في حياتنا العملية، وذكر أحسن المؤلفات في ذلك. ومنه أيضًا الفرائض وهو علم يعرفه أهل العلم الشرعي لاتصاله بتقسيم الإرث (١). انتهينا من العلم الأول، والغرض فقط الإلماح إلى مدى عناية المسلمين به، وأنه أصبح أحد مكونات مفهوم العلم لديهم، وكيف صرفوه فيما ينفع من معاملاتهم أو وجهوه الوجهة التربوية. العلم الثاني علم الهندسة، فأوضح ابن خلدون أن الكتاب المترجم عن اليونان هو كتاب "أوقليدس"، وأنه أول ما ترجم في الملة أيام أبي جعفر المنصور، ونُسَخه كما يقول مختلفة باختلاف المترجمين، ولا يغفل عن التوجيه التربوي فيقول: "واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بينة الانتظام، جلية الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها لترتيبها وانتظامها، فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ"، إلى أن قال: "وكان شيوخنا ﵏ يقولون: ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينقيه من الأوضار والأدران؛ وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه" (٢)، ثم تحدث عن فروعها، والكتب المعتمدة في كل فرع، وأدخل فيها المناظر وإبداعات ابن الهيثم، وإن كان الآن من فروع الطبيعة (٣). العلم الثالث علم الهيئة وهو ما يُسمى اليوم بعلم الفلك، ويذكر أن أحسن التآليف فيه كتاب المجسطي المنسوب لـ "بطليموس"، مع ما أضافه بعض المسلمين في هذا الباب (٤)، وقد سبق الحديث عن هذا العلم في الفصل الأول. العلم الرابع الطبيعيات وما زال هذا الاسم قائمًا إلى اليوم وإن تغيرت بعض أسماء فروعه، وكانت عمدتهم في الباب إجمالًا على كتب "أرسطو"،

стр. 424

وأعمال "ابن سينا" و"ابن رشد" حولها، حيث اجتهد الأول في عمل بعض التغييرات فيها؛ بينما حافظ الثاني على صورتها الأرسطية كما هي (١). ومن فروعه علم الطب (٢) سواء المترجم عن "جالنيوس" أو كتب "الرازي" و"ابن سينا" وغيرهم، وهي التي كانت ضمن مواد التعلم في هذا الباب. ومن فروعه الفلاحة (٣) وهي تدخل في يومنا هذا في باب الأحياء وفي أقسام الزراعة والنباتات، وهي من الأبواب التي اختلط فيها العلم بالسحر، وعلى المنوال نفسه الفرع اللاحق وهو: ومن فروعه الكيمياء (٤) إلا أنها رغم الجوانب العلمية التي فيها كانت تختلط عند الكثير بالسحر والطلسمات؛ ولذا جعلها ابن خلدون بهذا العنوان "السحر والطلسمات". وهذا الرصد الإجمالي من ابن خلدون كما اختصرته المقصود منه -كما كُرر ذلك- بيان حال الساحة العلمية، فهي ساحة قد فتحت قلبها للعلوم النافعة، وانتشرت في الأمة الإِسلامية، وأصبحت إحدى مكونات أمة العلم، وقد جاء من الباحثين فيما بعد من تفرغ لهذه العلوم يرصد دخولها إلى العالم الإِسلامي، ثم ما لحق ذلك من تحسين أو تطوير أو إبداع أو بناء مناهج أو وضع تصورات جديدة حولها. خلاصة صورة التعرف الأولي علي علوم الأمم السابقة: يُظهر لنا العرض الموجز السابق أثر هذا الدين العظيم في تحويل أمة أمية إلى أمة علم، فبنت علومها الذاتية بنفسها، ثم انتقلت إلى العلوم النافعة في الأمم حولها لتأخذ ما تحتاجه منها، وهي صورة تختلف عند المقارنة عن صورة حديثة وقعت للأمة، ومن ذلك مثلًا: ١ - لم تبتعث الأمة آنذاك أبناءها لطلب تلك العلوم؛ وإنما طُلبت كتب العلوم ثم ترجمت، وأوجدت من يدرّسها داخل الأمة، فتفاعلت الأمة معها

стр. 425

ذاتيًا، ولا شك أن ذلك كان أسلم لأبناء الأمة، مع العلم بأن طبيعة تلك المرحلة لم تكن تسمح بفكرة الابتعاث ذاتها. ٢ - أن الأمة الإِسلامية عندما أخذت علوم الأقوام الآخرين، أخذتها من موطن قوّة وعلوّ وعزّة، لذا كان بيدها أن تختار ما تريد وأن ترفض ما لا تريده، وقد منحتها قوتها أيضًا القدرة على احتواء تلك العلوم دون الانبهار بأحوال أهلها، وأعطتها أيضًا القدرة على الإبداع فيها والمجيء بما لم تصنعه الأوائل، بخلاف الأخذ الأخير، إذ كان من موطن الضعف وترتب على ذلك آثاره السلبية. ٣ - كانت علوم الأمم الأخرى في حالة توقفها عن التطور، وهي مع ذلك كانت محدودة، ويغلب عليها الصورة التي وصلت إليها عند أرسطو، كمنهج ومحتوى، مع شروحات وإضافات محدودة لمن بعده، مما سهّل عملية التعرف عليها، بخلاف الاتصال الحديث، فقد كان في وقت تطورها، وهو تطور مستمر لم يتوقف إلى الآن، وفي وقت تكاثرها الذي يُصعّب من عملية احتوائها ويوقع ربما طالبها في ما تحويه من إشكالات. ٤ - كان للخلط في الترجمة بين ما نفعه مؤكد وبين ما هو غير مؤكد أو ذو ضرر؛ أثره في إعاقة مسيرة الأمة، فانفتحت صراعات كان يمكن السلامة منها، وانشغلت الأمة بآثارها على حساب النافع، وهو دَرْسٌ لم تستوعبه الأمة؛ فمع عملية النقل الحديثة رجعنا للمشكلة نفسها، فترجِم الكثير من المشغل للأمة عن الأهم، أو ترجم الضار والمعيق لمسيرتها، وإلى يومنا هذا لا مقارنة مثلًا بين ترجمة الأعمال الأدبية والفنية الكثيرة مع ترجمة الأعمال العلمية النافعة.

стр. 426

ثالثًا: الضعف والتخلف وانحسار مفهوم أمة العلم وظهور الدعوات الإصلاحية ١ - الانكسار في خط المسار: لم تواصل الأمة الإِسلامية صعودها وتفوقها، فقد تعرضت لمشاكل ذاتية أضعفت من أمرها وتحديات خارجية أنهكت مسيرتها، وهو موضوع يطول الحديث عنه وليس مقصودنا البحث فيه (١)، فالكل يعرف بأن الأمة الإِسلامية قد وقعت في ضعف خطير سهّل مهمة الأعداء من الداخل والخارج، ودخلت نفق التخلف بعد أن كانت أمة العلم والمعرفة لتتحول من جديد إلى أمة يغلب على أهلها الجهل والأمية. وقد تأثرتْ كل مناشط الأمة من جراء هذا الضعف بما في ذلك العلم ذاته، سواء كان العلم الشرعي أو العلوم الدنيوية. فهذه العلوم ترتبط عادة بالأمم القوية وبحواضرها ومدنها العامرة، فإذا ضعفت وانهار عمرانها وتسلط عليها أعداؤها؛ انحسر العلم عنها إلى أن تعود للأمة قوتها وعمرانها. وقد صاحب هذا الضعف وانحسار العلم بروز قوّةٍ لأمم أخرى من حولنا، وتطورت فيها العلوم الدنيوية تطورًا كبيرًا وظهرت ثمارها في دنياهم، وأعطتهم سلاحًا يستطيعون من خلاله احتلال البلاد الأخرى. ولكن أمة الإِسلام باقية بحفظ الله لها, ولذا يظهر فيها من يستنهض أهلها

стр. 427

ويبث الروح فيهم من جديد، ومن أهم ما رصده لنا التاريخ من محاولات مؤثرة وأجمع عليها أغلب من كتب عن العصر الحديث، الدعوتان التجديديتان والإصلاحيتان: الأولى كانت في القرن الثامن الهجري مع شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، والثانية كانت أول القرن الثاني عشر الهجري مع الإِمام محمَّد بن عبد الوهاب ﵀ (١)، وكان حاصل دعوتهما بأن ضعف الأمة وتخلّفها وانحرافها يرجع إلى تفريطها في دينها الذي قد أعطاها قوتها في زمنها الأول، وأنه لا نجاة للناس ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بالعودة الصادقة إلى هذا الدين، وأن ذلك يُحتّم على الأمة تطهير الذات من البدع والانحرافات العقدية والالتزام بالاعتقاد على منهج خير القرون والعمل بما شرع الله سبحانه والانتهاء عما نهى عنه. وهم في ذلك يرون بأنه من الواجب على الأمة الأخذ بأسباب القوة والإعداد والانتفاع بالعلوم المفيدة، وإن كانت عند أعدائنا، فالحكمة ضالة المؤمن، والانتفاع بتلك العلوم من الأمور الجائزة. إلا أنهما -وذلك مما تميزًا به عن غيرهما- حذرًا من أخذ كل ما عند الأمم الأخرى، فليس كله حقًّا أو نافعًا، وعلينا الاكتفاء بما نحتاجه من العلوم النافعة لدنيانا على أن يهتم بها بعض أبناء أمتنا بما يغنينا عن الاحتياج للآخرين. وبقدر ما نفع الله بهذه الدعوة التجديدية والإصلاحية؛ إلا أن الضعف والانحراف قد كان كبيرًا، ولذا لقيت هذه الدعوة من المواقف الصادّة والرافضة الشيء الكثير، إلا أن ذلك لم يمنع من تأثرِ الكثير بها وسعيهم إلى العودة بالأمة إلى قوتها، والارتقاء بها إلى مكانتها العالية. ٢ - المخاض العسير لدخول العصر الحديث: دخلت البلاد الإِسلامية عصرها الحديث باعتبارها جزءًا من الدولة العثمانية، والتي لم تكن جزءًا منها فهي تراها على الأقل الدولة الأم للعالم

стр. 428

الإِسلامي، ولذا فالنظر في حالها يُعبّر عن حال أغلب بلاد المسلمين، ويكشف كيف بدأت جميع الولايات الإِسلامية تفكر في التحديث، ومن ذلك البحث من جديد عن العلوم الدنيوية التي فقدتها، وأهملتها في ظل التهاون العام بأمر ديننا. فكيف كانت حالنا في المرحلة التي تسبق طلب التحديث والإصلاح بما في ذلك طلب العلوم العصرية؟ صورتان أو إحداهما تعمّ العالم الإِسلامي آنذاك أجمعت عليها كتب التاريخ إما بلسان حالها أو بلسان مقالها، والصورتان هما: الانحراف والضعف؛ الانحراف في باب الدين ويتبع ذلك ما يرتبط به من تصورات وأعمال، والضعف في أبواب الدنيا من أمية وفقر وتخلف وضعف (١)، وإن سلم جزء من العالم الإِسلامي من إحدى الصورتين لم يسلم من الأخرى. فأما الصورة الأولى: الانحراف في الدين، فقد انتشرت البدع في بلاد المسلمين، وعلى رأسها تلك المرتبطة بالتصوف وطرقه التي لقيت دعمًا من السلطنة وانتشرت انتشارًا كبيرًا (٢)، وارتبط بها إهمال طلب العلم وعدم الحرص عليه، كما ارتبط بها عقيدة التواكل وعدم السعي في الأرض وإهمال إعمارها، وزهّدت هذه الحال أتباعها من طلب العلم الشرعي فضلًا عن العلوم الدنيوية وعلوم العمران. ليس بإمكاننا البحث عن أسباب انتشار ظاهرة التصوف في القرون الأخيرة، إلا أن الضعف الخطير الذي دبّ في الأمة الإِسلامية ربما كان أحد أخطر الأسباب في انسحاب الكثير خلف الطرق الصوفية بما تمثله من مسهلات للخمول والكسل وعدم الحرص على بذل الجهد في طلب أسباب القوة. ومما يلفت النظر بأن التصوف قد انتشر في المناطق التي احتكت مباشرة بالحضارة الغربية، مثل عاصمة الدولة العثمانية ومصر وبلاد المغرب، وقل مثل

стр. 429

ذلك في شرق العالم الإِسلامي في الهند وما جاورها، وهي المناطق الأولى في الاحتكاك بالغرب لاسيّما مصر وتونس وتركيا، مما ولّد علاقة غير سليمة مع الحضارة الغربية، فهذه الحضارة فيها الكفر والإلحاد والانحلال، وفيها أيضًا العلوم النافعة والصناعة والتقنية والإدارة. لم يظهر من الطرق الصوفية ما يكشف لنا انتباههم لخطورة الموقف واتخاذ القرار المنهجي الصحيح؛ وإنما كان موقفهم السائد من الغرب هو رفض كل ما عنده وتزهيد الناس في ذلك، وهو لا يخرج عن الروح العامة للتصوف من عدم الحرص على العلوم ما لم تكن علوم التصوف ومن التواكل وعدم الانتباه لبذل الأسباب وإعداد العدّة والقوة (١). وإذا كان الكثير من أتباع الطرق الصوفية يحتقرون العلوم الشرعية أو لا يحرصون على تعلمها اكتفاءً بعلوم التصوف؛ فمن باب أولى العلوم الدنيوية وعلوم العمران، والكلام هنا عن الأغلب؛ وإلا ففيهم من كان من أهل العلم ودعا الأمة إلى طلب أسباب القوة، ولو كان من علومٍ عند الكفار إذا كانت نافعة، ولكن هذا يغلب على المتكلمين منهم -أتباع أهل الكلام- بخلاف الموغلين في التصوف (٢). أما الصورة الثانية: فهي الضعف، فمن سلم من بدع التصوف أو ما شابهها لم يسلم من الضعف العام وما ارتبط به من انتشار الأمية والفقر والمرض والخوف، ساعد في استمرار هذه الحال ضعف الزعامات العلمية والسياسية والاجتماعية، حيث لا تحرص على رفع الأمة عما هي عليه، أو هي مشغولة بصراعات وفتن متتالية. ٣ - البحث عن مخرج لأزمتي الانحراف والتخلف: يرجع مجموع ما اقتُرح من مخارج إلى اثنين: إما ديني وهو ما ركز عليه أغلب قواد الفكر الإِسلامي، أو دنيوي (٣) وقد غلب على رجال السياسة، مع

стр. 430

أنهما يتكاملان في المنهج الإِسلامي الوسطي، والأول هو أساس الثاني. المخرج الأول "الديني": المخرج النظري لهذه الأزمة -أزمة الانحراف الديني والضعف الدنيوي- هو إصلاح الذات أولًا، هكذا يقول المنطق الصحيح، وقد حدث ذلك فعلًا بظهور دعوة الإِمام محمَّد بن عبد الوهاب ﵀، فقد كانت دعوته بحق أهم حدث تاريخي في العصر الحديث، ووفق الله صاحبها إلى الابتداء من الجزء المناسب في إصلاح شأن الأمة الإِسلامية، وذلك بدعوته إلى العودة للدين الصافي بعيدًا عن انحرافات المنحرفين، ذلك الدين كما جاء به الرسول ﷺ وتحقق في سلف الأمة، ذلك الدين الذي بتحققه تحصل النجاة الحقيقية والقوة والتمكين. بدأ ﵀ بالدعوة للتوحيد ونبذ الشرك وإحياء الإِسلام في النفوس والمجتمع، ودعا إلى التخلص من البدع والانحرافات والأمراض الدينية، ومن الطبيعي لعالم مثله ومصلح كبير أن يدرك أمراض واقعه فيبدأ بها، فنشر التوحيد وحارب بدع الشركيات والقبوريات والتصوف والتشيع وما في حكمها من الأمراض المعروفة في واقعه، ونشر العلم وحثّ على تعلمه وتعليمه. انتشر أمره في العالم الإِسلامي، وأصبح الحديث عن دعوته في كل مكان، فأما العقلاء فقد استفادوا من دعوته أمورًا، أهمها: - أهمية الابتداء بما ابتدأ به الرسول ﷺ وأمر به دعاته من الصحابة وهو التوحيد ونبذ الشرك والبدع وإقامة الدين في العبادة والمعاملة والسلوك. - أن الأمة قادرة على النهوض من جديد، وهاهو النموذج أمامهم، فهو في بيئة ذات إمكانيات محدودة، ومع ذلك فقد قام التوحيد، وازدهر بين أهلها العلم، وعاد الناس للعبودية الصافية، وتخلصوا من البدع والضلالات، وتحقق لأهلها من القوة والتمكين في وقت قصير ما لم يتحقق لغيرهم. - إحياؤه لمنهج السلف الصالح ومذهبهم في الدين "عقيدة وشريعة"، فقد كان المنهج غريبًا بعد انتشار التصوف والكلام والتشيع، وانتشار القبورية والشركيات بين العوام، أما بعد دعوته ﵀ فقد خرج ذاك المذهب العظيم للناس، فتعرفوا على حقيقته الغائبة عنهم وعلى أعلامه البارزين ولاسيّما شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم وعلماء كبار في القرن الثامن الهجري.

стр. 431

أما موقف الإِمام محمَّد بن عبد الوهاب ﵀ من العلوم العصرية المعروفة في الغرب، فلم يتحدث عنها الشيخ بحسب ما اطلعت عليه من كتبه (١)، ولكننا إن أردنا معرفة موقفه فلنا طريقان: إما الذهاب إلى المدرسة التي نهل منها الإِمام، وهي مدرسة شيخ الإِسلام ابن تيمية، أو الذهاب إلى من جاء بعده من أتباع دعوته ممن أحيا مذهب السلف من العلماء الذين احتكوا بهذه العلوم وتعرفوا عليها وأعلنوا موقفهم منها، فعند الطرف الأول نجد التأصيل المهم للعلاقة بهذه العلوم، وعند المعاصرين نماذج من بيان الموقف مما استجد منها في حياة الناس، وهو موقف يخالف بالطبع الموقف الذي عُرف من علماء الدين من أتباع الطرق الصوفية وغيرها، على أن الحديث عن ذلك سيُؤجل إلى مبحث يتعلق بموقف الاتجاه السلفي من العلوم العصرية. أما لماذا لم يتحدث الشيخ عن العلوم العصرية والحضارة الغربية؟ فإن الشيخ ﵀ بدأ بالأساس وهو الإصلاح والتجديد والدعوة للتوحيد وحماية جنابهِ ومحاربة الشركيات والبدع ومظاهر الانحراف في المجتمع، وهي دون شك المهمة العظمى التي فرط فيها أصحاب مشروعات عرفها المسلمون دعت للارتقاء بحال الأمة دون أن تعتني بهذا الجانب. أيضًا فإن موطن دعوة الشيخ ﵀ كان بعيدًا عن الاحتكاك بأوروبا وحضارتها الحديثة، فلم تكن وسائل المواصلات ولا الاتصالات آنذاك متيسرة، وكانت الجزيرة لاسيّما وسطها بعيدة عن الاتصال بالغرب، وكان البناء الداخلي متواصلًا لم يكتمل حتى نبحث عن المفيد عند غيرنا إن احتجنا له، وهو ما سيظهر عند علماء أتوا بعد الشيخ أصّلوا للعلاقة المناسبة بالعلوم العصرية. إذًا لم تكن من أولويات دعوته آنذاك، ولم تكن بيئته قريبة من تلك الأمور، وقد كان من الممكن أن يُكمل المسلمون الذين هم على صلة بأوروبا ما نحتاجه مما ينقصنا في أمور الدنيا من العلوم النافعة من طب وصناعة وإدارة وغيرها، بحيث يحدث التعاون المطلوب شرعًا بين المسلمين، وتقوم فئة من

стр. 432

المسلمين بتحصيل ما يحتاجه الناس ونقلهِ إليهم؛ لكن الذي وقع في تاريخنا المعاصر غير ذلك. فإن المرحلة التي ظهر فيها الشيخ بدعوته الإصلاحية في الجزيرة هي المرحلة نفسها التي بدأت مصر والسلطنة العثمانية بالتعرف على علوم الغرب وطلبها، وقد كان يمكن حدوث التعاون الذي تكلمنا عنه؛ إلا أن الأهواء السياسية والبدعية قد أفسدت الأمر، وتكفل "محمَّد علي" -نيابة عن الدولة العثمانية مع طمعه في توسيع أملاك ولايته- بمحاربة الدعوة السلفية، ومحاولته القضاء على تلك الدعوة التجديدية الإصلاحية العظيمة، فخسر المسلمون بسبب ذلك الصراع شيئًا كثيرًا. ومع ذلك فقد تحقق المكسب الحقيقي ولله الحمد بإحياء مذهب السلف، فتعرّف الكثير عليه وعادوا إليه، وبدأت آثارها تظهر في كل مكان بفضل من الله سبحانه. هكذا كان المشروع الأهم والأعظم قد انطلق بفضل الله دينيًا وسلفيًا، فحرك العالم الإِسلامي بأكمله، ومثّل أصحابه أهم الصور التجديدية والإصلاحية في العصر الحديث، رغم ما تعرضت له الدعوة أول أمرها من حرب فكرية (١) وإعلامية وسياسية وعسكرية إلا أنها أيقظت الأمة. ويحسن التوقف مع مقولة خاطئة نجدها في الكتب الفكرية المعاصرة من الحديث عن دعوة الشيخ ﵀، ومنها قول "أحمد أمين" عن أتباع الإِمام بأنهم: "قد اهتموا بالناحية الدينية وتقوية العقيدة وبالناحية الخلقية كما صورها الدين؛ ولذلك حيث سادوا قلت السرقة والفجور وشرب الخمور وأُمِّنَ الطريق وما إلى ذلك، ولكنهم لم يمسُّوا الحياة العقلية ولم يعملوا على ترقيتها إلا في دائرة التعليم الديني، ولم ينظروا إلى مشاكل المدنية الحاضرة ومطالبها. . . ." (٢)،

стр. 433

والجواب -على ما بعد لكن- بأنه لا أعظم من ترقية العقول في دائرة التعليم الديني بما يمنحها من هداية ورشد ومنهج سليم؛ ولذا لم ينشغلوا بما انشغل به غيرهم من علوم فلسفية وكلامية أرهقت المتعلمين في بلاد المسلمين دون ثمرة في الدنيا أو الدين، أما مشاكل المدنية الحاضرة ومطالبها فقد عرفنا بأن واقعهم آنذاك، الزماني والمكاني، والظروف المحيطة بهم قد أجّلت احتكاكهم بمشاكل المدنية الحاضرة، ولكنهم عندما احتكوا بها كانوا من فرسان الميدان، فأصّلوا ونظروا وبينوا الواجب والممنوع، وأجابوا عن الإشكاليات، ودعوا إلى تأصيل إسلامي حضاري للمدنية الحديثة، ولا شك أن الواجب الكفائي على الأمة المسلمة يختلف من مكان إلى آخر، وأمور المدنية الحاضرة إن كان المقصود بها الترقي بأحوال الناس المادية في الطب والصناعة والإدارة والعلوم الدنيوية النافعة، فلا أحد يختلف في أهمية توفيرها وتمكين الناس منها, ولكن هل ترك أعداء الدعوة لها المجال في فعل ذلك، فقد جيّشوا الجيوش وأثاروا عليها الفتن وألّبوا عليها الناس؛ مما عطل البناء وأشغل الدعوة في الدفاع عن نفسها من الحروب المتتابعة عليها. ومما سجله لنا التاريخ تلك الصفحة السوداء لرسل الحضارة الغربية والمدنية الحديثة -محمَّد علي وأبناؤه- حيث مارسوا القتل والإفساد في الأرض بالتواطؤ مع الإِنجليز آنذاك في الباطن وإظهار الدفاع عن الدولة العثمانية، فضربوا الدعوة السلفية وشردوا العلماء أو قتلوهم (١). المخرج الثاني: هو طلب إصلاح الدنيا، وكان من بين أهم ما يعنيه ذلك عند أهل تلك المرحلة: الإقبال على أوروبا التي عرفت تقدمًا كبيرًا في دنياها. ولا شك أن إصلاح دنيا الناس أمر مطلوب شرعًا، ولكن قد حدثت أخطاء في أثناء تلك المحاولات تسببت في فشل مثل تلك التجارب أو انحرافها.

стр. 434

وقد كان أحد أخطر ما وقعت فيه تلك التجارب هو الابتداء بطلب إصلاح الدنيا قبل إصلاح أمر الدين، فدخلوا مشاريع الاحتكاك بذات ضعيفة أمام التحديات؛ مما جعل ذلك الاحتكاك جسرًا لعبور الصحيح والفاسد إلى الأمة الإسلامية. بدأت تلك المحاولات تحت مصطلح التحديث والمدنية وغيرهما (١)، فطلب التحديث أصبح ملحًا في ظلّ الضعف الذي انتشر في الأمة مع ما يصاحب ذلك من تحديات تتهددها من هنا أو هناك. وقد كان المضمون الغالب لهذا المصطلح هو التحديث المادي بالاعتماد مباشرة على أوروبا بسبب ما حدث فيها من تقدم دنيوي بارز. ولكن أوروبا كانت في الوقت نفسه قد بدأت تتأهب للانقضاض على العالم الإِسلامي، مما يجعل من طلب مساعدتهم في التحديث وهم يريدون لنا الشرّ أمرًا في غاية الإشكال والخطورة. كانت الدولة العثمانية هي الممثل الأهم للعالم الإِسلامي في تلك المرحلة، وأغلب بلاد المسلمين تدين لها بالولاء ولو بالاسم كما يقال، وقد جعل ذلك المهمة عليها أكبر من غيرها، وفي الوقت نفسه هي تلاقي تحديات لا يلاقيها غيرها لكونها المسؤولة عن حماية بلاد المسلمين لاسيّما من أوروبا الطامعة، ويتبعها في المسؤولية بعض ولاياتها المهمة ذات الاحتكاك المباشر بأوروبا، وأهمها آنذاك مصر التي مثلت نقطة البداية لأطماع الأوروبيين، ثم تونس وما حولها من بلاد المغرب لقربها من دول أوروبا القوية لاسيّما فرنسا، وقد كانت إيران ذات الحكم الشيعي -أسرة القاجار- قد احتكت بأوروبا عبر صراعها المرير مع روسيا الصاعدة آنذاك، وكذا الهند الإِسلامية التي تغلغل فيها الإِنجليز عبر شركاتهم أولًا، ثم تحولت هذه الشركات إلى قوة احتلال مما جعلها على اتصال بأوروبا (٢). لا شك أن التحديات الخارجية على هذه النقاط الخمس: عاصمة الخلافة ومصر وتونس وإيران والهند أكثر وضوحًا، وقد كانت بلاد الشام والعراق

стр. 435

والحجاز تبعًا لعاصمة الخلافة في طلبها التحديث؛ لذا فالحديث عن عاصمة الخلافة يتبعه إلى حد ما الشام والعراق والحجاز، وقد جاء وقت الحديث الموجز عن خطوات التحديث في تلك المراكز مع توجهها نحو أوروبا لطلبه، وكيف كان -تبعًا لذلك- طلبها للعلوم العصرية؟ نظرًا لأن التحديات في المقام الأول كانت عسكرية، تتمثل في تهديد الجيوش الأوروبية العصرية لما يجاورها من بلاد المسلمين، فقد بدأ التحديث لدينا أيضًا -في تلك البلدان- عسكريًا، من أجل تكوين جيش حديث مزود بأسلحة عصرية ويتّبع ترتيبًا إداريًا حديثًا يستطيع مواجهة التحدي الخارجي، ونظرًا لاستفادة الجيوش الأوروبية من ثمرات العلوم العصرية كالجغرافيا والهندسة وعلوم الصناعة الحديثة، وما اعتمدت عليه من رياضيات وفيزياء وكيمياء وغيرها، فقد ارتبط ذلك أيضًا بطموحات بعض ولاة المسلمين في إعداد جيوشهم الجديدة عبر تزويدهم بالمعارف الحديثة العلمية والعسكرية، كان هذا هو مدخل طلب العلوم العصرية من أوروبا ولم يكن من المداخل المناسبة؛ بل ربما أضرّ بحركة العلم العصري في العالم الإِسلامي؛ لأن حركة العلم الحديثة في أوروبا كانت حركة علمية مرتبطة بالمجتمع لا بالجيش، وعندما يكون العلم مؤسسة مستقلة، فإنه ينمو ويتطور ويستفيد المجتمع منه، كل جهة تأخذ ما يناسبها، أما في العالم الإِسلامي فقد كانت مؤسسات تعليم العلوم العصرية أول أمرها غالبًا ما تكون لخدمة الجيش ولم تكن للمجتمع، كانت الجامعات في أوروبا مفتوحة للجميع يدرس فيها الجميع، أما المعاهد العصرية لدينا أول نشأتها فكانت خاصة بفئة من المجتمع ولاسيّما الجيش. وبهذا تكون المؤسسات العلمية الجديدة محكومة بالخطأ والفشل، الخطأ: في مقابل الدين، لعدم ارتباطها بمعاهد المسلمين العلمية التي يُفرق فيها بين الصواب والخطأ، الجائز والممنوع، وكانت العلاقة فقط عبر استفتاء لهيئة العلماء وفي حالات معينة، ولذا نشأ العلم العصري بعيدًا عن علوم الإِسلام وأهلها مما سبب فيما بعد الخصومات بين المجالين، وسهل تسرب الانحرافات الفكرية دون أن تجد النقد الجيد. والفشل: في تجربة تحصيل العلوم العصرية؛ لأن ارتباطها بالمؤسسة العسكرية لا يهيئ لها النمو والتطور الصحيح، وتبقى معاهدها للتدريس فقط،

стр. 436

وما إن يتطور العلم في الغرب حتى نكون في حاجة للابتعاث من جديد أو لاستقدام الخبراء، بخلاف ما لو تكونت مؤسسة علمية مستقلة للعلوم العصرية، تتطور بذاتها ويلتحق بها عند الحاجة بعض أفراد الجيش على أن لا يتحكموا في مصيرها، في وقت ربما كان بالإمكان الإمساك بزمام هذه العلوم قبل أن يحدث فيها تلك التطورات البعيدة الشأن، مما عمق الفجوة بين المسلمين وبين غيرهم من الأمم. هكذا وقعت تجربتنا في تحصيل العلوم العصرية في مشكلتين خطيرتين، مشكلة نشأة تلك العلوم منفصلة عن العلوم الإِسلامية؛ مما سمح بتسرب الانحرافات المعارضة للدين، ومشكلة نشأتها كمؤسسة تخدم المجال العسكري فقط؛ مما عطّل تطورها الذاتي، فبقينا مرتهنين إلى الآن للغرب، وما زال الابتعاث الأداة الأهم إلى الآن في تحصيل هذه العلوم، وتعمقت المشكلة في عصرنا، حيث أصبحت الدول الغربية تفتح جامعاتها في بلداننا وتدرّس فيها ما يتلاءم مع احتياجاتهم هم لا تدريس ما يسهم في استقلالنا المعرفي في باب العلوم العصرية، ونظرًا لأن العلوم العصرية طلبت من خلال تجارب السياسيين في النهوض بالأمة؛ فسأقف مع أشهر تلك التجارب، وما لحق بها من آثار في الفقرات القادمة بإذن الله.

стр. 437

رابعًا: تجارب الولايات الإِسلامية للتحديث وطلب العلوم العصرية "المرحلة الأولى " نبدأ الآن في تتبع التجارب الإِسلامية في طلب العلوم العصرية وما لحق تلك التجارب من إخفاقات أو إشكالات، وأثر ذلك في الانحراف بمسيرة العلوم العصرية، حيث كان الأصل أن تساعدنا تلك العلوم في التقدم والقوة، فجاء من انحرف بها عن مجالها فوظفها بما يربك مسيرة الأمة الحديثة ويعكر صفو تجربتها، وسأقسمها لمرحلتين: تكون المرحلة الأولى خاصة بالتجارب العثمانية الأولى وبالتجربة الهندية، والثانية تكون خاصة ببقية تجارب القرن الثالث عشر الهجري. ١ - تجربة الدولة العثمانية: كانت الدولة العثمانية سباقة في طلب التحديث المادي بعد أن دبّ فيها الضعف ورأت عبر حروبها مع أوروبا التطورات الجديدة في الجيوش الأوروبية، فما سبب تلك التطورات؟ وهل يمكن الحصول عليها؟ كان مثل هذا التساؤل هو بداية الاتصال بأوروبا التي هي في الوقت نفسه العدوّ لنا والطامعة فينا. ونظرًا لارتباط تطور الجيوش الأوروبية بالعلوم الجديدة؛ فإن هذا يستدعي من الدولة العثمانية التعرف على هذه العلوم ومعرفة كيفية تحويلها إلى واقع عملي يزيد من قوة الجيش والدولة، وانطلقت تجارب السلاطين العثمانيين التي انزلقت مع الأيام نحو التغريب. ونجد أولى المحاولات ما حدث زمن السلطان أحمد الثالث (١١١٥ -

стр. 438

١١٤٣ هـ / ١٧٠٣ - ١٧٣٠ م) في النصف الأول من القرن الثاني عشر الهجري/ الثامن عشر الميلادي، حيث بدأ الحديث عند بعض الناس عن أهمية الإصلاح للوصول إلى الوسائل التي حققت بها أوروبا قوتها، وكان "الدّاماد إبراهيم باشا الذي تولى الصدارة العظمى في عهد السلطان أحمد. . . . أول مسؤول عثماني يعترف بأهمية التعرف على أوروبة. . . ."، وأرسل السلطان مبعوثين إلى فرنسا للاطلاع على مصانعها ومنجزات الحضارة الفرنسية (١) وبدأت الترجمة، وفي عهد هذا السلطان أُدخلت المطبعة، "وأفتت مشيخة الإِسلام بجوازها، إلا أنه بقي طبع المصحف الشريف ممنوعًا"، وأول ما طبع كتب في التاريخ والجغرافيا وكتاب عن المغناطيس "الفيوضات المغناطيسية"، ثم أهملت أربعين سنة إلى عهد محمود الأول (٢). كانت هذه بدايات التعرف الأولية على حضارة أوروبا الحديثة (٣)، وهي بدايات ضعيفة، ولم تُخرج لنا رؤية واضحة حول كيفية التفاعل الإيجابي النافع مع علومهم وصناعاتهم واكتشافاتهم، ولنا أن نتخيل أمة عظيمة ودولة كبيرة ذات موقف غامض من آلة نافعة وهي المطبعة فكيف بغيرها!! هذا يكشف لنا بأن بدايات الاحتكاك لم تكن وفق رؤية مدروسة، ثم تضاعفت المشكلة بانصراف السلطنة إلى تقليد أوروبا في مظاهر سطحية (٤) كالمباني الفارهة والقصور والعادات وترك اتخاذ القرارات المهمة حول طلب النافع من علوم وصناعات.

стр. 439

كان السلطان الثاني الذي انفتح على أوروبا محمود الأول (١١٤٣ - ١١٦٨ هـ / ١٧٣٠ - ١٧٥٤ م) فتابع مسيرة سلفه، واستقدم مستشارًا فرنسيًا في الأمور العسكرية وصناعاتها، وقد عارض ذلك طائفة الإنكشارية (١) التي ستصبح فيما بعد قوة معارضة مزعجة في السلطنة دون امتلاكها رؤية صحيحة فيما تعارض أو تقبل. وساد النفوذ الفرنسي زمنه "في الأستانة، إلى أن صار كلُّ شيء بيد فرنسة تقريبًا، وطلبت فرنسة تعديلات في الامتيازات الأجنبية. . . . فأجيبت إليها. ." (٢)، فبدأ التغلغل الأوروبي في المركز السياسي للعالم الإِسلامي تحت مظلة الرغبة في التحديث لاسيّما العسكري منه. جاءت المحاولة الثالثة من السلطان سليم الثالث (١٢٠٤ - ١٢٢٢ هـ/ ١٧٨٩ - ١٨٠٧ م)، فبعد خوضه معارك داخل أوروبا ثم خسارته فيها، تعزز عنده أهمية تطوير الجيش وتحديثه على شاكلة الجيوش الأوروبية، وكانت السلطنة في أسوأ ما تكون وكان نموذج إصلاحها المتخيل هو أوروبا، فكان "مقتنعًا بوجوب إصلاحها، والأخذِ في إدارتها بالطرق العلمية الأوروبية، وكانت هذه الفكرة قد ملأت دماغه، فتجشّم مشقة إجرائها، وأنفذ كثيرًا منها" (٣). طغى نموذج التقدم المادي الأوروبي على القيادة السياسية، ورأت الحلّ في مجاراة تلك الدول دون انتباه للإصلاح الذاتي أولًا، ودون إخراج مشروع واضح المعالم في طبيعة العلاقة بالغرب. بدأ السلطان بطلب معرفة حال أوروبا عن طريق أعوانه، وفي سنة (١٧٩١ م) طلب من اثنين وعشرين من الأعيان رفع توصيات من أجل إدخال الإصلاحات على السلطنة، كما راسل أوروبا لمزيد من المعلومات، وأبدى رغبته في استخدام مستشارين، ولاسيّما من فرنسا، وفتح سفارات في أوروبا فاطلع مجموعة من السفراء على أوروبا عن قرب (٤)، وكلف "إبراهيم باشا" الصدر الأعظم "سعيد أفندي" بكتابة بحث عن أسباب تقدم

стр. 440

الأوروبيين وسبل الأخذ عنهم (١). وهو بحث مهم دون شك، إلا أنه كُتب بعيدًا عن مراكز العلم الداخلية وعن مشيخة الإِسلام في السلطنة، ومع ذلك فلم تحقق هذه الجهود ثمرة واضحة، بل فتحت الباب للأجانب "مهام إرساء الأنظمة التعليمية الغربية في قلب الإمبراطورية العثمانية"، ولاسيّما الفرنسيين حيث كان يوجد منهم العشرات زمن السلطان سليم، فأقاموا المعاهد والمدارس، وأدخلوا أنظمة تعليمية جديدة، وأصبح تدريس الفرنسية إلزاميا (٢)، ثم انقلبت "الإنكشارية" على تلك القرارات وعُزل السلطان ثم قُتل، ومما قيل في سبب عزله "أنه أدخل أساليب الفرنجة وعوائدهم إلى الجيش، ولم يقف عند الاستفادة بالتقنية الحديثة؛ مما يشكل خطرًا على عقائد الأمة. . . ." (٣)، وحسب رأي المستشرق "مالكولم ياب": فإن صلته بفرنسا أعطت أعداءه فرصة في تصوير الإصلاحات التي أدخلها أنها من بدع الكفار (٤). نلاحظ أنه لأكثر من مئة عام لم تحسم المشكلة، استمرت منذ (١١١٥ هـ - ١٧٠٣ م) زمن تولي السلطان أحمد الثالث إلى نهاية ولاية السلطان سليم الثالث (١٢٢٢ هـ -١٨٠٧ م)، وعادة ما يُلقى اللوم على "الإنكشارية"؛ وهي فرقة قوية من فرق الجيش متأثرة كثيرًا بطريقة مبتدعة تدعى "البكتاشية" خلطت بين التشيع والتصوف (٥) , فبقي الاضطراب قائمًا، فمطالب السلطنة غير مدروسة، مع وجود فئة متحكمة كالإنكشارية ترى في نفسها الأحقية في تحديد المقبول والمرفوض وفرض مصالحها دون أن تكون أهلًا لذلك، فتُرك الموقف مما عند الغرب مضطربًا، فالرؤية الدينية عادة ما تُمثل بموقف الإنكشارية البكتاشية، ولم تخرج رؤية شرعية وثقافية واضحة حول الموقف من الغرب، ولا الموقف السياسي

стр. 441

واضحًا في اختيار الأنسب للأمة. ولا أدلّ على ذلك من ذهاب أكثر من مئة عام دون الخروج بحل يحفظ للأمة دينها ويساعدها في دنياها, ولم نحصل على شيء من العلوم النافعة التي أضعناها فيما مضى، ولم تقم نهضة تحديثية حقيقية؛ بل تمكن الأعداء من الأمة وضعفت دولة المسلمين، ووصل الحال بنا أن أغرى الحليف التقليدي للسلطنة -فرنسا- لتتجرأ باحتلال قطعة مهمة من بلاد المسلمين وهي مصر. وللحديث عن بقية تجارب الدولة العثمانية موضع آخر سيأتي في فقرة المرحلة الثانية، وينتقل البحث الآن إلى تجربة أخرى شرق العالم الإِسلامي للنظر في حسناتها وعثراتها وهي تجربة الهند الإِسلامية. ٢ - تجربة الهند الإِسلامية: كانت الهند الإِسلامية من كبريات البلاد الإِسلامية، وفيها آنذاك -القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري- ملايين المسلمين، وقد تعاقب على حكمها مجموعة من السلاطين، كان آخر دولهم الدولة المغولية (١) التي عرفت تسرب الأوروبيين إليها عبر شركاتهم، وكان أشهرها الشركة الإِنجليزية التي أخذت الإذن من سلطانها، ودخلت وتوسعت بدرجة كبيرة حتى امتلكت أغلب الأماكن الحساسة في الهند، لتصبح الهند دمية في يد الشركة الإِنجليزية. وقد حرص الإِنجليز آنذاك على نشر حضارتهم وثقافتهم بما يمكّن لهم من ولادة جيل جديد يتشربها فيكون خادمًا لمصالح الاستعمار بعد ذلك. شاهدت الهند هؤلاء الإِنجليز بمدارسهم ومعاهدهم وآلاتهم وشركاتهم وإدارتهم ومدنهم الخاصة داخل الهند؛ مما وسع عندهم دائرة الاحتكاك بالغرب، كان بداية تسلل الإِنجليز عبر التغلغل السلمي، حتى أصبحوا قوّة داخل الهند ففرضوا أنفسهم على تلك البلاد، فثار أهل الهند وقام المسلمون بجهاد الإِنجليز في معارك شتى، ولكن مقاومة المسلمين للإنجليز لم تكن سهلة ولاسيّما مع وجود أهل ديانات مختلفة ومذاهب متنافرة التي تُمكّن العدو من اختراق حصون المسلمين، ففشلت ثورة (١٢٧٤ هـ -١٨٥٧ م)، وبعدها بعام أعلنت بريطانيا تولي التاج البريطاني لحكومة الهند ونفي سلطانها "بهادور" إلى بورما، فانتهت السيادة

стр. 442

الإِسلامية على شبه القارة الهندية (١). وبقي الاستعمار جاثمًا على تلك البلاد حتى تاريخ الاستقلال سنة (١٣٦٧ هـ -١٩٤٧ م)؛ والذي يقضي بتقسيم الهند إلى: دولة هندوسية هي الهند الحالية، ودولة للمسلمين هي باكستان مع بقاء بعض المناطق دون حلّ نهائي (٢). فخلاصة العصر الحديث للهند الإِسلامية أنها كانت أول أمرها ضمن الدولة المغولية بسلطانها الضعيف، لاسيّما بعد تغلغل الشركات الأوروبية ولاسيّما الإِنجليزية، وفي أول الربع الأخير من القرن الثالث عشر الهجري استولى الإِنجليز على تلك البلاد لتستمر هذه الحال ما يقرب من مئة سنة، فخرج المستعمر بعد أن أعطى الهندوس الغنيمة الكبرى في منتصف القرن الرابع عشر الهجري. وما نبحث عنه هو كيف كانت علاقة المسلمين في هذه البلاد بالعلوم الحديثة؟ كيف كان التعرف؟ وماذا كانت آثاره؟ وإن كان من بين الصعوبات التي تواجه بحث هذا الجزء من بلاد المسلمين هو الوجود الكبير لغير المسلمين ولاسيّما الهندوس، ولكنها كانت تجربة مهمة بسبب الوجود الأوروبي المباشر فيها، مما سرّع من الاحتكاك بالغرب وأنتج مدارس واتجاهات حول العلاقة بالحضارة الغربية عمومًا، وكان يمكن أن يستفيد منها المسلمون الذين تعرضوا لمثل تلك التجارب لاحقًا. كان الإِنجليز هم رسل الحضارة الغربية إلى الهند، وبئس الرسل، فهم قد تغلغلوا في الهند واحتكوا بأهلها وفتحوا مصانعهم وشركاتهم ومراكزهم، ورأى المسلمون نموذجًا أمام أعينهم أغرى البعض ونفّر آخرين، ولم يظهر الموقف المعتدل الوسطي إلا متأخرًا، وربما كان لمفاجأة الأحداث أثرها في خروج المواقف الضعيفة أو الناقصة أو الشاذة. كان الاستغلال المادي هو الطابع الظاهر بداية وجود الإِنجليز، ولذا لم يظهر الاحتكاك الثقافي المؤثر، ولكن توسعت طموحات الإِنجليز مع أول القرن التاسع عشر الميلادي وتوسع عملهم داخل المجتمع، فبدأت عندها الأحاديث عن الموقف من الإِنجليز، ثم اتسع إلى الحديث عن الموقف من حضارتهم؛ لأن

стр. 443

الناس يرون تقدمهم وغناهم وعلومهم، وبرز -كما يقول أبو الحسن الندوي- الصراع بين الشرق والغرب بعد أن تمكنت بريطانيا من الهند زعيمة "الحضارة الغربية في الشرق، وزحفت إليها العلوم الحديثة والتنظيمات الجديدة، وما تستتبعها من آلات ومصنوعات وآراء وفلسفات" (١)، وبرزت مواقف بسبب هذا الصراع، أهمها موقفان (٢): الأول: موقف من لم ير في الحضارة الغربية إلا الضلال، فأقفل بابه أمام النافع منها، مما مكّن الأعداء الداخليين من الانتفاع بها وحدهم، وتمكنهم فيما بعد من أهل الرأي الأول. والثاني: موقف من رأى الخير كلّه في الحضارة الغربية، وأن إسلامنا وحضارتنا لابد أن نكيفها مع مقتضيات الحضارة الغربية حتى نستطيع التفاعل معها، مما مكّن من انتشار الأفكار المنحرفة بين صفوف المسلمين بيسر وسهولة دون أن تجد الحسّ النقدي والموقف الواعي. وقام لأصحاب الموقفين مدارسهم وأتباعهم، وانشقت لحمة المسلمين في ذاك المكان واتسع الخلاف بينهم، وكان المستفيد الأكبر آنذاك هو المستعمر. الموقف الأول: الموقف المحافظ كان أهم ممثل للموقف الأول مجموعة من علماء الدين الذين هالهم ضياع أبناء المسلمين وانخراطهم في تيار الأفكار الوافدة؛ فدفعهم ذلك للدعوة إلى التمسك بالدين ونبذ الحضارة الوافدة مطلقًا، وكان فيهم العلماء في الحديث والتفسير والفقه وأبواب العلم الشرعي الأخرى، ولكنهم كانوا متمسكين ببعض الطرق الكلامية بحسب صورتها عند المتأخرين مع اتِّباع الكثير منهم لطرق التصوف، وربما كان لذلك أثره في عدم صفاء الموقف من الموروث الإِسلامي من جهة، ومن الوافد الغربي من جهة أخرى. أشهر ممثل لهذا الموقف هم أصحاب معهد "ديوبند"، ومن مشاهيرهم الشيخ محمَّد قاسم النانوتوي (١٢٤٨ - ١٢٩٨ هـ)، شارك في ثورة (١٨٥٧ م)،

стр. 444

وأسس مع آخرين معهد ديوبند سنة (١٢٨٣ هـ) (١)، وكان للمعهد أثر كبير في حفظ علوم الإِسلام في تلك البلاد؛ وإن وقع أصحابه في الكلام والتصوف التي قلّما يسلم منها أحد في تلك المرحلة (٢)، فدخل مع تلك العلوم العناية بالفلسفة القديمة والكلام والتصوف، ولكنها -ولاسيّما في ظلّ غياب الدولة الإِسلامية- لم تُدخل تعليمًا يساعد الناس على العيش في عصرهم ومواجهة تحدياته من العلوم النافعة الجديدة؛ مما جعلهم غرباء عن مجتمعهم. ومما نأخذه على أصحاب هذا الموقف -فضلًا عن مشكلة الكلام والتصوف- في تعاملها مع الوافد الغربي: أنها كانت تمثل المسلمين في تلك البلاد، فليست دعوة دينية فقط للاهتمام بعلوم الشريعة، بل هي تمثل المسلمين، فكان الأصل أن تجمع مع علوم الشرع ما يحتاج إليه المسلمون من علوم العصر، فلا تترك أبناء المسلمين ينخرطون في معاهد ومدارس المستعمرين والمبشرين والهندوس ليتعلموا تلك العلوم. فإن لم تستطع فلا أقلّ من بيان الموقف الصحيح المعتدل من حضارة الغرب: فتسمح بالنافع وتؤصل لكيفية أخذه، وتبين عدم معارضته لديننا كما يزعم المتغربون أو المستعمرون، بل إنها كانت في يوم من الأيام من صلب حضارتنا الإِسلامية. وإن كنا في الوقت نفسه نعلم سهولة النقد الآن لابتعادنا عن تلك المرحلة التي كانت دون شك مرحلة صعبة، ربما تفسر لنا صعوبتها السبب في وقوعهم في مثل تلك النواقص، لكنه لا ينبغي أن يكون دليلًا للبعض في تكرير الأخطاء. الموقف الثاني: موقف دعاة الانخراط في الحضارة الغربية: كان من أبرز ممثلي هذا الموقف "سيد أحمد خان" (١٢٣٢ - ١٣١٥ هـ/ ١٨١٧ - ١٨٩٨ م)، فقد صادق المستعمرين وعارض الثورة عليهم وانبهر بحضارتهم؛ فتحول إلى داعية لتلك الحضارة.

стр. 445

كان المستعمر يرى عقبته الحقيقية هي في المسلمين، وألف الإِنجليزي "هانتر" كتابًا بعنوان "مسلمو الهند"، ومما فيه "أن المسلمين لم يكونوا رعية صالحة لأية حكومة ما داموا على القرآن" (١). فأثرت مثل هذه المواقف وغيرها في "سيد أحمد" فقام بالرد عليها, ولكن معالجته لمثل هذه الدعوات تمثلت بمزيد من الانغماس في الحضارة الغربية، فكانت معالجة سلبية انهزامية في جوهرها. أراد زيارة إنجلترا، فهندس له الإِنجليز رحلة مؤثرة إلى أوروبا، واحتُفي به احتفاءً كبيرًا أثّر فيه كثيرًا (٢)، فعاد إلى بلاده متحمسًا لتقليد الغرب والاستكانة التامة للمستعمر، وفي بابنا حول العلاقة بالعلم الحديث قام بأمور منها: أ- إنشاء "جمعية الترجمة": وهدفها "تقريب علوم الغربيين وآدابهم من أذهان الشرقيين. فآنست تلك الجمعية تنشيطًا من الحكومة -أي: الاستعمارية- فجعلها دوق أركيل تحت حمايته فتمكنت من نقل كثير من المؤلفات الإنكليزية إلى اللسان الهندي ونشرها بين العامة" (٣). ولم تكن الترجمة بعيدةً عن أصابع التلاعب، فلا صاحب الجمعية بخالٍ من ضبابية المنهج، ولا الحكومة الراعية لتلك الجمعية وصاحبها خالية من مصالحها ومطامعها، وقد بقيت الترجمة في كل مكان، ظهرت فيه من بلاد المسلمين متأثرة بمثل هذه الأجواء الملتبسة. ب- إنشاؤه مجلة تهذيب الأخلاق وكلية عليكرة: كان أهم ما تعرضه المجلّة هو التعريف بحضارة الغرب وأهمية تحصيل العلوم الجديدة، وإعادة تفسير النصوص وفق تلك النظريات الجديدة، وإثبات أن

стр. 446

الإِسلام والقرآن يقبل التوافق مع العلوم العصرية؛ وذلك عبر تأويله تأويلًا غير مستساغ حتى عند بعض العصرانيين (١). وكذا الحال عبر كليته "كلية عليكرة" المشهورة التي أراد من خلالها تعليم العلوم العصرية لمن استجاب لدعوته من المسلمين، مع العلم بأن مطلبه من العلوم العصرية بحسب اجتهاده ينحصر "بتعليم اللغة والآداب فقط، ولم يعن بتعليم الفنون والعلوم التطبيقية العملية العناية التي تستحقها، مع أنها هي ثمرة العلم الجديد اليانعة، وسر قوة الأمم الغربية وسيادتها، وهي التي يجب أن تستفاد من الغرب ويحرص على دراستها والبراعة فيها، بل إنه -سامحه الله- عارض في بعض الأحيان تعليم الصنائع والعلوم معارضة شديدة، وكتب في هذا الموضوع مقالات شديدة اللهجة، مريرة النقد"، ومن ذلك مقالة له سنة (١٨٩٨ م) يقول فيها: "إن الهند نظرًا إلى حالتها الراهنة ليست في حاجة إلى تعليم الصنائع، إن الأهم المقدم هو الثقافة الفكرية" (٢)؛ فاتجهت كليته إلى اتجاه علمي أدبي، وخرّجت خطباء وأدباء وإداريين وقضاة وموظفين كبارًا، ولم تخرج مبرزًا أو مبتكرًا في "علوم الهندسة والميكانيكا، والطبيعية والكيمياء والصناعات المفيدة، والعلوم التي كان الشعب الإِسلامي الهندي في فقر شديد إليها، وكان ذلك من أسباب تخلفه واقتصاره على الوظائف الحكومية والمراكز الإدارية المحدودة دائمًا" (٣)، ولا شك أن هذا الاجتهاد لسيد أحمد خان يخالف ما نجده في بعض التراجم عنه من كونه داعية للعلم الحديث مطلقًا، فالذي يظهر الآن أنه ركز على الفكر وما يدور في فلكه، وربما يفسر لنا ذلك سبب كثرة ورود الاعتراض على الدين بأفكار تنتسب إلى العلم ومحاولته التأويل ليطوّع النص لمثل تلك الأفكار؛ لأنه لو ابتدأ بالنافع من علوم العصر وأخر المشتبه حتى يتبين المسلمون حقيقته؛ لخفّ الإشكال داخل المسلمين، وكان المسلمون في ميدان الفكر أحوج إلى الإصلاح الذاتي بالرجوع إلى الإِسلام في صفائه وبعيدًا عن البدع

стр. 447

والمحدثات الملحقة به، ثم الانطلاق بعد ذلك في مجالات العصر المختلفة. ج- المؤتمر السنوي: حيث دعا إلى عقد مؤتمر سنوي لمسلمي الهند، وترأس خمسة منه، ويظهر في أوراق المؤتمر -بحسب ما عُرض في جريدة المؤيد المصرية- إلحاح القوم على طلب العلوم العصرية للخروج من الضعف واللحاق بركب العالم القوي المتقدم، مع مبالغة بعضهم في إعلان التبعية للغرب من مثل: "إن النور اليوم يأتي من الغرب بعد أن كان يشرق من الشرق، فيجب أن نأخذ من أوروبا علومها ومدنيتها"، إلى غيرها من المقالات (١). وخلاصة هذا الموقف: أنه موقف أراد أن يمثل صورة جديدة للإسلام في الهند، وجعل من صلب مشروعه: الدعوة للعلوم العصرية والحضارة الغربية الحديثة، ومن أجل استجلابها فلا بأس في منهجهم من إعادة النظر في الإِسلام ونصوصه التي تتعارض مع تلك الحضارة لتأويلها تأويلًا يسمح بأخذنا كل تلك الحضارة، ولم يفرق القوم فيما يظهر بين حسنات الحضارة الغربية وسلبياتها، وهم وإن تفوقوا على أصحاب الاتجاه الأول في التعرف على العلوم الجديدة؛ وفهم بعضها فإنهم فقدوا شخصيتهم وهويتهم، ونشأ منهم "جيل مثقف إسلامي الاسم، غربي التفكير، إنجليزي الطراز، مضطرب العقيدة في بعض الأحيان. . . ." (٢)، وهذا ما كان يريده المستعمر آنذاك. انقضى القرن الثالث عشر/ نهايات التاسع عشر على هاتين المدرستين، مدرسة الديوبندية، ومدرسة سيد خان، كل منهما مصرّ على موقفه، فجاءت جماعة من العلماء بمحاولة لتدارك الوضع، وأسسوا جمعية "ندوة العلماء" سنة ١٣٠٠ هـ -١٨٩٣ م، وكان هدفها إصلاح مناهج التعليم في المعاهد الدينية؛ "حتى تجمع بين علوم الكتاب والسنة والعلوم العصرية"؛ ليتخرج منها من يجمع بين الثقافتين الجديدة والقديمة، ويتقدم إلى ميدان العلم مستنيرًا بكتاب الله وسنة رسوله، ويأخذ بالصالح من العلوم الحديثة والمعارف الجديدة (٣)، وبحسب قول

стр. 448

أحد علمائها -شبلي النعماني-: لقد "أصبح من الضروري أن يطلع علماؤنا على الأبحاث الجديدة والعلوم العصرية المفيدة ليقدموا حلولًا للمعضلات الحديثة، وليردوا على الشبهات ردًا علميًا مؤسسًا على الدراسة والتحقيق" (١)، وهي تريد تحقيق نوع من التوازن بين التيارين السابقين وفتح رؤية جديدة، مع العلم بأن الجيل الجديد أصبح أكثر توازنًا عند نظره في الحضارة الغربية، بعد أن خفّت صدمة اللقاء بين الشرق والغرب في الهند المسلمة. ومع ذلك فقد كانت تجربة المسلمين في هذا الجزء من العالم الإِسلامي عسيرة ومؤلمة، وهي تجربة لم تحقق كل آمالها المرجوة، ولذلك أسباب داخلية وأخرى خارجة، ومن بين أهم الأسباب الخارجية: التغلغل المؤثر للمستعمر، ومن الأسباب الداخلية: التنوع المذهبي داخل المسلمين وعدم الابتداء برسم رؤية واضحة وصحيحة ونافعة للعلاقة مع الغرب ولاسيّما مع تيارات العصرنة، وقد سمح كل ذلك بانحراف التجربة وتسرب أصابع التغريب إليها فيما بعد.

стр. 449

خامسًا: تجارب الولايات الإِسلامية "المرحلة الثانية " ثلاثة شباب لعبوا أدوارًا خطيرة في العالم الإِسلامي أفسد عملهم التطور الطبيعي للعالم الإِسلامي، وتسبب في خلط مفهوم التغريب بمفهوم التحديث؛ مما سبب فيما بعد وجود صراع واختلاف داخل البلاد الإِسلامية للخلط بين التحديث النافع والتغريب الضارّ. أحدهم نصراني الأصل علماني المذهب لا يقرّ في الظاهر بأي دين، والآخران من المسلمين، وهم بحسب الترتيب التاريخي: "نابليون" ثم "محمَّد علي" ثم السلطان "محمود الثاني"، الأولان عسكريان، أحدهما جاء قائدًا للحملة الفرنسية على مصر، وهو جنرال في التاسعة والعشرين من العمر، ثم أعقب خروجه مجيء محمَّد علي وهو في الثانية والثلاثين (١)، أما السلطان محمود الثاني فتولى الحكم سنة (١٢٢٣ هـ -١٨٠٨ م) وعمره أربع وعشرون سنة (٢). كانت حملة "نابليون" ومجيء "محمد علي" زمن السلطان العثماني "سليم الثالث" الذي فشل مشروعه التحديثي وعُزل عن الخلافة، فكان زمن الثلاثة هو زمن البحث عن التحديث، وتفاجأ المسلمون بتجرؤ دولة أوروبية على احتلال قطعة من بلدهم بعد أن كانت محصنة قرونًا أمامهم، ونظرًا للأدوار الخطيرة

стр. 450

لهؤلاء الثلاثة في تعكير صورة العلاقة بما نريده من الغرب وفتح نوافذ التغريب والتفاعل السلبي مع العلوم، فسأخصص فقرة لكل واحد منهم. ١ - الحملة الاستعمارية الحديثة الأولى لبلاد المسلمين "الحملة الفرنسية ": ظهرت رغبة غربية نهايات القرن الثاني عشر/ الثامن عشر في غزو بلاد المسلمين لتحقيق مصالح مادية وأيديولوجية، وساعده في ذلك تقدمه الدنيوي وقوته الحربية، مع ما لاحظه من ضعف في الدولة الحامية لبلاد المسلمين -الدولة العثمانية- بعد معاركه الأخيرة معها، مما أطمع الدول الأوروبية في تركة هذه الدولة العظيمة، وصارت كل دولة أوروبية تتحفز للاستئثار بقطعة منها (١)، وإن كانت الرغبة يُخطط لها من فترة أقدم من ذلك (٢). قام "نابليون" قائد الحملة الفرنسية بأول مغامرة، وعلينا أن نتذكر بأن هذه الحملة بنت الثورة الفرنسية الشهيرة التي مهد لها عصر التنوير ودعاته والجمعيات المختلفة وأهمها الجمعيات الماسونية، وهذه الحملة كانت موجهة لخدمة مصالح الجمهورية العلمانية الجديدة، ومحمّلة بأفكار تلك الثورة وعلى رأسها الموقف الرافض للدين والاستهانة به بل محاربته فكريًا وثقافيًا، مع دعوى ومزاعم الإقبال على العلم والعقلانية والإنسانية، فإن الثورة التي أعلنت وثيقة حقوق الإنسان هي التي أرسلت جنودها لاحتلال بلد مسلم لاستغلال أهله ونهب خيراته وإضعاف شأنه، وقد كان قائد الحملة هو من شارك بفعالية في الثورة الفرنسية؛ مما حوّله إلى بطل من أبطالها وكُلّف بأصعب مهمة كانت أوروبا تحلم بها وهي احتلال قطعة من بلاد المسلمين. ونظرًا لمبالغة التغريبيين في دور هذه الحملة الإنساني والمعرفي على المسلمين، وأنها كانت وراء يقظتنا العلمية وتحولنا إلى العلوم الحديثة والنهضة الفكرية، وأنها بحسب الكثير من غُلاتهم ذات هدف إنساني وتطويري، نظرًا لمثل هذه الدعاوى نقف بعض الشيء مع رسول الحضارة الغربية إلى الشرق الإِسلامي، لنتأمل فيها تأمل العاقل الذي يُذكّر الناس بالحقائق ويزيل الكثير من الأوهام حولها.

стр. 451

على أن وقفتنا تركز أكثر ما تركز على ما جلبته الحملة من العلوم الحديثة إلى العالم الإِسلامي، فهل كان لذلك أثر إيجابي أم سلبي؟ مع العلم بأن ما جلبه المستعمر من نظامه التعليمي بعلومه الحديثة سيناقش من جهة الآثار في الفصل القادم، لوجود ظاهرة استعمارية خطيرة عصفت بالمسلمين، بما في ذلك ما أدارته من تعليم استمر في بعض بلاد المسلمين لأكثر من قرن ونصف. الحملة العلمية المصاحبة لجيش بونابرت ومجمعها العلمي: وقعت الثورة الفرنسية التي حولت فرنسا لدولة علمانية سنة (١٧٨٩ م)، وبعدها بسنوات قليلة قررت فرنسا احتلال مصر، فجهزت جيشها ورسمت خطتها وشنت غارتها، ووقع ذلك سنة (١٧٩٨ م) (١)، وكانت الحملة تختلف عن حروب فرنسا مع جيرانها في أوروبا واحتلالها لأجزاء منها، فهي حملة معلمنة من جهة، وفي الوقت نفسه يوجد فيها مجموعة من العلماء على خلاف الحملات الصليبية القديمة التي يصحبهم فيها رجال دينهم (٢) لعمليات التنصير، وإذا كان غياب الدين ولو ظاهرًا من الحملة مفسرًا بسبب الانتشاء العلماني مع الثورة الفرنسية العلمانية؛ فإن استبدالهم رجال الدين بالبعثة العلمية أو بفريق العلماء المتخصصين في العلوم الحديثة هو الغريب في الحملة، وسبب الغرابة أنها أول مغامرة لهم داخل البلاد الإِسلامية، والعادة جلب قيادات إدارية وسياسية وكذا طبية وخدمات لا علماء، على الأقلّ حتى يستقرّ الوضع لمجيء العلماء. والذي يظهر أن هذه المغامرة قد دُرست جيدًا وخطط لها كثيرًا (٣)، وأن

стр. 452

هناك عملًا مُلحًّا ينبغي الابتداء به منذ أول الوصول، واستغلال الوقت قبل تغير الأوضاع، وهو احتمال وارد تؤكده مجريات الأحداث، ويحرص بعض التغريبيين على وصف هؤلاء العلماء بأنهم أصحاب رسالة علمية إنسانية وإن كانوا ضمن حملة عسكرية -وكأن لسان مقاله أنه لا ذنب لهم، فما وجدوا فرصة للوصول إلا بهذه الطريقة- وهذا يدفعنا إلى الوقوف مع الحملة العلمية. يذكر باحث فرنسي بعض أسرار هذه البعثة العلمية وعلاقتها بأحلام "بونابرت"، فقد كان بونابرت يحلم بصنع إمبراطورية في مصر، فإن لم؛ فلا أقلّ من مستعمرة ذهبية لفرنسا, ولتحقيق هذا الهدف فلم تكن اللجنة العلمية أقل أهمية من الجيش (١)، فالحلم الأكبر أو الأصغر يحتاج إلى علماء لتحقيق هدفه. أنشأ بونابرت لهذه المجموعة العلمية "المجمع العلمي المصري"، وجعله على غرار "المجمع العلمي الفرنسي، واختار لهم أفضل الأماكن عنوة من أهلها، واغتصب للعلماء أفضل المنازل، حتى إن أحدهم قال: "إن بيوتنا تتيح لنا راحة أكثر مما تجده في اللوفر (٢)، وترفًا يعادل على الأقل ترف اللوفر"، وكوّنوا مجتمعًا علميًا مصغرًا من مكتبة ومختبرات وكل ما يخدم عملهم. قُسم المجمع إلى أربع شعب (٣)، الأولى: شعبة الرياضيات؛ وكان فيها مع

стр. 453

الرياضيين الفلكي والمهندس البحري، والثانية: شعبة الطبيعة؛ وكان فيها مع علماء الطبيعة الجراح والحشري والكيميائي والنباتي والمهندس، والثالثة: شعبة الاقتصاد السياسي، والرابعة: شعبة الآداب والفنون؛ وفيها الشاعر واللغوي والملحن والمعماري والرسام، والقسيس (١)، فتكشف هذه الشعب والتخصصات والمتخصصين بأن حلمهم كان كبيرًا، وأن البقاء كان يراد له أن يكون طويلًا، وأن "بونابرت" يحلم بما يخلد حملته، "ومصر تصلح معملًا تجريبيًا لتحقيق هذه الغايات". وهذه التخصصات المتنوعة تساعده في "ارتياد كل جانب من جوانب هذا البلد الأسطوري"، وكان أصرح من عبر عن أهم أهداف المجمع هو رئيسه "مونج" حول تهيئة مصر للاستعمار وليس المقصود نهضتها، فقد كتب لزوجته "أنه لو استوطن مصر ٢٠،٠٠٠ أسرة فرنسية ليشتغل أفرادها بالمشروعات التجارية والمؤسسات الصناعية. . . . إلخ؛ لغدا هذا البلد أجمل مستعمراتنا وألمعها وأفضلها موقعًا" (٢)، وقارن كلام رئيس المجمع بكلام جرجي زيدان عنهم حيث قال: "وكان في جملة تلك الحملة جماعة من العلماء الذين اشتهروا في العلم، ولا تزال أسماؤهم مشهورة في سائر أنحاء العالم، جاء بهم بونابرت إتمامًا لمعدات الاستعمار ظنًا منه بطول مكثه واستعماره الديار المصرية. وقد بحثت هذه الجمعية في الآثار المصرية وتربة البلاد وحللوها ودرسوا طبائع الحيوان والنبات فيها"، ثم أعقبه بقوله: "وكان في عزمهم أن ينشروا لواء العلم بين أهلها لو لم تفاجئهم طوارئ الحدثان بالانسحاب إلى ديارهم بعد ثلاث سنوات. . . ." (٣)، ومثل هذه الدعوى تكرر دائمًا بما ظاهره تبرئة العلماء من كونهم عملاء لا علماء؛ لذا نجد بعضهم يقبل بسبب مهارته في الرياضيات أن يعمل جابيًا للأموال التي تؤخذ من أثرياء مصر والمماليك وغيرهم دون حق (٤). وإن منهم من تفرغ لخدمة الصناعة الحربية وتقديم ما يساعد الجيش في

стр. 454

حربه على المسلمين؛ أي: أنهم يصنعون للجيش آلات الموت والتدمير، ومع ذلك تغفله تلك المراجع التغريبية بخلاف بعض بني جنسهم، حيث وصف فعل هؤلاء العلماء "كرستوفر" بـ "الحمير العلميين" للجيش الفرنسي (١). هكذا ظهر المجمع أنه لخدمة الحملة لا لخدمة المسلمين، فلماذا لا تصرح تلك الكتابات التغريبية بأن هذه البعثة العلمية، ما كانت إلا أداة في يد الاستعمار إن لم يكونوا من رواد الاستعمار، وحتى إنجازهم الذي تتسابق بمدحه أقلامهم وهو كتاب: "وصف مصر" بأجزائه العشرة من النصوص وأربعة عشر مجلدًا من اللوحات في ثلاثة أعوام، فإن مثل هذا الكتاب الذي ظهر في فترة ازدهار الاستشراق الاستعماري يجعله موطن اشتباه، هل هو دراسة علمية خالصة لوجه العلم، أو هو كتاب يفحص تلك المستعمرة المأمولة لمعرفة جوانب القوة والضعف فيها؟! لابد في هذا المقام أن نفرق بين نوعين من الأثر، نوع يركز عليه دعاة التغريب وكثير من كتاب نصارى العرب: وهو أن الحملة كانت خيرًا على هذه الأمة، وأنها قصدت نفعنا، وأنها أيقظتنا بما فرضته علينا من منافع ودراستنا من علوم وأفكار، فهذا النوع هو من تعاطف القوم مع بني جنسهم، أو مع من هم على هواهم وشاكلتهم (٢)، وإلا فالاستعمار ما كان هدفه يومًا إنقاذ أمة وترقيتها. وأما النوع الآخر من الأثر: فهو صدمة المسلمين بجرأة بلد كافر يُقْدِم على احتلالهم؛ ثم يجدون عدّتهم المادية في مواجهته ضعيفة، ويجدونه قد تقدم ماديًا في قوته العسكرية والصناعية والدنيوية، وأنّ خلْف هذا التقدم أسبابًا بذلوها ترجع في أغلبها إلى الاستثمار للعلوم الرياضية والطبيعية، هذه الصدمة ورؤية حال القوم المحتلين لبلادهم أيقظت في الأمة جوانب التحدي والقوة، وهذه حال الأمم القوية وإن هزمت في معارك عسكرية؛ فإنها لا تستسلم بسهولة، بل تحاول تصحيح وضعها، أما الأمم الضعيفة فإنها تسحق أو تتلاشى في أحشاء الغالب.

стр. 455

فهذا القسم هو الذي تؤيده حقائق التاريخ الحديث، فالأمة الإِسلامية آلمها جُرأة دولة باقتحام أسوارها متسلحة بأسلحة جديدة، عندها وجدت أن واجبها ليس الاستسلام، وإنما البحث عن سبب ضعفنا، وتحصيل أسباب قوتنا بأنفسنا دون انتظارها من عدونا، فلن يرضى أبدًا ذلك العدو بمنحنا أسباب قوتنا. وأسباب قوتنا منها ما هو داخلي وهو الأهم، ومنها ما هو بتحصيل الأسباب المادية، ومن ذلك اقتباسها وأخذها من تلك الأمم وإن كانت عدوّة لنا، مع أن هذه العلوم كانت من صلب حضارتنا وأبدع فيها المسلمون يومًا ما، فهم لا يأخذون شيئًا غريبًا عنهم؛ بل يعيدون النظر في جزء من حضارتهم فرطوا فيه وأهملوه نتيجة الضعف العام الذي أصاب الأمة، والضعف قد يصيب الأمم، إلا أن أمة الإِسلام وإن ضعفت فعندها مصدر قوتها ولديها إمكانية العودة إلى الصدارة من جديد. مواقف جديدة لبعض شيوخ الأزهر من العلوم العصرية: وفي هذا الإطار يمكننا إدخال بعض مواقف فضلاء ذلك العصر مثل المؤرخ المشهور "عبد الرحمن الجبرتي"، وكذا الشيخ "حسن العطار" أحد شيوخ الأزهر وغيرهما، ممن عاصر تلك الحملة واطلع على ما عند القوم من ترتيب جيد للعلوم المادية وما بني عليها من ثمار صناعية مختلفة، ومن ثم حرصهم على حث المسلمين في تحصيلها، أو حرصهم بأنفسهم على التعرف عليها، وسنقف مع هذين العلمين، لنرى حقيقة علاقتهما بالحملة الفرنسية لاسيّما البعثة العلمية. أما موقفهما من الحملة فهو موقف كل مسلم، حيث يراها احتلالًا يجب إزالته، وأن أهلها يقصدون إضعاف الأمة ونشر مفاسدهم بين المسلمين مع نهب خيرات البلاد، وهذا خلاف مواقف الكثير من نصارى العرب والقبط ممن يراها فرصة لطرد المسلمين أو إضعاف سلطتهم. بقي النظر في طريقة تعرفهم على النشاط العلمي داخل الحملة ودورهما في حثّ المسلمين على تحصيل العلم النافع منها. أ - عبد الرحمن الجبرتي: حرص الشيخ "الجبرتي" -كأي مؤرخ- على وصف ما شاهده في المجمع العلمي وصفًا دقيقًا بحسب الظاهر منه، ولا شك أن هذا الوصف يغري كل من

стр. 456

اطلع على كتابه بمعرفة ما عند القوم، فمن ذلك وصفه لمكتبة المجمع, ففيها جملة كبيرة من كتبهم، وذكر اجتماعهم اليومي قبل الظهر بساعتين، فيتصفحون ويراجعون ويكتبون حتى أسافلهم من العساكر، ثم يصف موقفهم ممن يزورهم من المسلمين بأن من يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم، وخصوصًا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعًا للنظر في المعارف؛ بذلوا له مودتهم ومحبتهم، وذكر أنه زارهم مرارًا وأطلعوه على ما عندهم من كتب وخرائط، ومن ذلك كتب إسلامية مترجمة بلغتهم مثل كتاب البردة للبوصيري، ثم ذكر الأقسام الموجودة فبدأ بـ "توت" الفلكي وأدواته العجيبة، ثم قسم خاص بالمصورين يصوّرون الحيوانات والنباتات وغيرها؛ وذلك تبعًا لترتيب العلوم الجديدة: الجيولوجيا والأحياء وغيرها. ثم قسم أفردوه للمهندسين وصناع الدقائق، ثم قسم "الحكيم رويا" الكيميائي بآلاته ومساحيقه وقدوره العظيمة، ثم وصف بعض العمليات الكيميائية التي أجريت أمامه واندهش منها الحضور (١) ولاسيّما تجربة إصدار التيار الكهربائي. لا شك أن هذه الزيارات من قبل بعض المشايخ قد تفيدهم في معرفة حقيقة الغزاة، بخلاف من زعم أنهم حصّلوا منها معارف، فهذه غير ممكنة إلا بتعلم، وسماح الفرنسيين بتلك الزيارات ربما كان هدفها استمالة الأعيان والمشاهير لاسيّما وهم يطلعون الزوار على أمور الغاية منها في الظاهر الفرجة على دهشة المتفرجين، وفي ذلك يقول الفرنسي "كريستوفر": "لقد توقع الفرنسيون بالغرور المعهود في الغربيين أن يستجيب الشيوخ لعجائب الصناعة بدهشة صبيانية كدهشة الشعوب المتوحشة. ولعله لم يخطر لهؤلاء الصناعيين أنهم هم السذج الأقل بصرًا بشؤون الدنيا من الشيوخ الذين لم يبد عليهم التأثر بما شهدوا. لقد تأثر الشيوخ ما في ذلك ريب، ولقد أعجبوا، إن كان بين الجبرتي وبينهم شبه ولو قليل، بهذا الانقطاع للعلم، أكثر من إعجابهم بعرض الألاعيب والحيل الرخيصة، ولكنهم أبوا الخضوع لسيطرة الغريب. وبعد قرن من الزمان تعلمت آسيا وأفريقيا كل هذه الحيل ونفضت عنها هذه السيطرة. فأي

стр. 457

الرجلين كان أكثر سذاجة؟ أهذا الشرقي الذي لم يسمع من قبل بالكهرباء، أم الأوروبي الذي ظن أن اكتشاف الكهرباء يعطيه حقًا أبديًا في السيادة على غيره" (١). ربما كان سبب تهاون المسلمين في العلوم المادية ذلك الضعف الذي نزل بهم، مما جعلهم يركزون على العلوم النظرية لسهولتها بخلاف العلوم المادية، فهي تحتاج إلى مال ومعامل ومعاهد ومصانع وأدوات واستقرار، وهو ما فقدته الأمة نتيجة أحداث داخلية وخارجية، ثم طال الأمد علينا إلى أن نسينا هذه العلوم، ونسينا أنها كانت معلومة ومألوفة في الحضارة الإِسلامية، حتى بدأت الأطماع الغربية تطوف بحمانا معتمدين على ثمرات العلوم بعد أن حولوها إلى منافع صناعية ومدنية دنيوية، وربما كان هذا أهم ما رصده الجبرتي ودوّنه في تاريخه ونبّه المسلمين إليه وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة، كما أن ما دونه في تاريخه يُعد النموذج الأول في اطِّلاع الجمهور على حال هذه العلوم بعد أن كانت معرفتها محصورة في دوائر عليا في السلطة العثمانية؛ لأن كتاب التاريخ يقرؤه طلاب العلم والعلماء ويتداولون حكاياته وأحداثه. ب- حسن العطار: الشخصية الأخرى التي نراها استفادت من الحملة الفرنسية بالمعنى الثاني للاستفادة -أي: أنه يعلم بأنهم أعداء يمتلكون قوّة يجب علينا تحصيلها لإعادة قوة أمتنا والوقوف أمام هذا العدو الغاشم- هو الشيخ "حسن العطار" (١١٨٠ - ١٢٥٠ هـ/ ١٧٦٦ - ١٨٣٥ م) صاحب الجبرتي وشيخ الأزهر (١٢٤٦ - ١٢٥٠ هـ)، كان مهتمًا بالفلك والطب مع تحصيله للعلم الشرعي قبل مجيء الفرنسيين، ثم اتصل بهم "إبان الحملة ليعلم أحدهم اللغة العربية، فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم فيما يقول علي مبارك. ." (٢)، وقد كان له "ولع بقراءة الكتب المترجمة عن اللغات الأوروبية، خاصة في علمي التاريخ والجغرافيا حتى اشتهر عنه ذلك"، وفيها يقول: "وقع في زمننا أن جلبت كتب من بلاد الإفرنج،

стр. 458

وترجمت باللغة التركية والعربية، وفيها أعمال كثيرة وأفعال دقيقة أطَّلعنا على بعضها، وقد تتحول تلك الأعمال بواسطة الأصول الهندسية والعلوم الطبيعية من القوة إلى الفعل. ." (١)، وبعدها تحول من المُحصّل إلى المعلم، فاهتم بالتعليم وحث الأزهريين على إدراك حقيقة واقعهم الثقافي والعلمي، ورأى "ضرورة إدخالهم المواد الممنوعة كالفلسفة والأدب والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية"، ونبههم إلى ضرورة إقلاعهم عن أساليبهم في التدريس، وقام بنفسه بتدريس الجغرافيا والتاريخ, وكتب في المنطق والفلك والطب والطبيعة والكيمياء والهندسة، مع إعلانه إعجابه بتحويل الفرنسيين علومهم إلى عمل (٢)، وهو الذي كان فيما بعد صاحب فكرة إرسال تلميذه المشهور رفاعة الطهطاوي في البعثة العلمية إلى فرنسا. يمثل "العطار" أول نموذج واضح لرجل من علماء الأزهر والعارف بعلوم الشريعة وأحد أساتذتها، وفي الوقت نفسه على معرفة ببعض العلوم الأخرى كالفلك والطب كما هي في تراثنا ليضيف إلى ذلك اطلاعه على ما حدث لتلك العلوم في أوروبا ويدعو إلى تحصيلها والانتفاع بها، والأمر في الجملة لا غبار عليه بل هو الأفضل لمن قدر على ذلك، فإن تاريخ المسلمين ما فتئ يحفظ لنا من علماء الشريعة من كان عنده إلمام واطلاع وثقافة بالعلوم الأخرى كالفلك والطب والحساب وما في بابها، فهذا "الرازي" أحد علماء الأشاعرة المشهورين الذي جمع إلى معرفته بالتفسير وأبواب شرعية أخرى؛ اطلاعه على ما عُرف في زمانه من علوم، وهذا "ابن تيمية" و"ابن القيم"، أبرز أعلام أهل السنة في القرون الأخيرة، مع كونهما من أهل الاجتهاد والإمامة في الدين؛ فلديهما أيضًا اطلاع واسع على كثير من علوم عصرهم، ويكفي النظر لفهرس فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية لنعرف مدى معرفته بمناهج تلك العلوم وأهلها وكتبهم وتقديمه بعض مسائلهم، وكذا بالنظر في جزء من كتاب زاد المعاد لابن القيم المتعلق بالطب لنرى كيف جمع مع الطب النبوي ما هو معروف في زمانه من المسائل الطبية من "جالينوس" إلى طبيب العرب "ابن كلدة"، إلى طبيب فلاسفة المسلمين "ابن سينا"،

стр. 459

مما هو ممكن حدًّا أدنى لعالم في الشريعة مثله، فلم تمنعه إمامته في علوم الشرع من اطلاعه على كتب الطب وتصنيفه في ذلك الباب وترتيبه لمسائل طبية مع بيان ما دل عليه الشرع في كل باب وما قاله الأطباء فيها. فدعوة الشيخ "العطار" إلى الاهتمام بمثل هذه العلوم وممارسته لذلك بنفسه دعوة صحيحة وإن كان فيها ما ينقصها، وربما يشفع له البدايات في الأمر، فإن أهم ما ينقصها هو عدم وضع تصور إسلامي حول هذه العلوم بعد أن تغير حالها عما كانت عند المسلمين، فإن أوروبا بعد أن نقلتها عن المسلمين قد أحدثت فيها أمورًا خطيرة، زاد خطرها بعد ظاهرة العلمانية والمادية في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر وما بعده، كما أنه كان ينقصها التفكير في الأولويات، ماذا نقدم وماذا نؤخر، فإن العناية بعلومهم في التاريخ ليس في أهمية العناية بالطب مثلًا أو العلوم ذات النفع الصناعي والرقي المادي، وقس على هذا غيره. لم تظهر مشكلة في زمن العطار بين الدين والعلوم التي تعرّفَ عليها في الكتب المترجمة، وبقي السائد إلى زمنه أن السابق إلى تحصيل هذه العلوم العصرية هو أحد المتخصصين في علوم الشريعة، فما علم عن غيرهم ذاك الاهتمام، فجمع بين علم الشريعة وبين علوم العصر دون أن تظهر مشكلة في ذلك. وربما لو بقي التطور ذاتيًا وعلى هذه الوتيرة نفسها، وبهذا النموذج نفسه الذي مثله العطار؛ لما وقعت كثير من مشاكل مزعومة بين الدين والعلوم العصرية، ولكن التطور بعد ذلك قد تدخلت فيه أطراف أخرى أعاقت هذا النمو الطبيعي، أخطرها جهود الغربيين في فتح مدارس لهم بعيدًا عن علماء الشريعة يُدرّس فيها تلك العلوم بما اختلط بها من فلسفات ومذاهب وأيديولوجيات، ويأتي بعدها ما حدث للمبتعثين الأوائل من صدمة، وربما أخطر من ذلك تمكن بعض التيارات العلمانية الناشطة في أوروبا من التغلغل داخل المجتمع الإِسلامي، وأشهرها في تلك المرحلة -وقت الحملة وبعدها لما يقرب من قرن- "الجمعيات الماسونية" التي ما زالت تشعر بنشوة انتصارها في أوروبا، فتسرب بعض أعضائها عبر الحملة، ثم انتشرت وبقيت إلى سقوط الدولة العثمانية. وأقل منها شهرة "مجموعة السان السيميون" أتباع "سان سيمون" المفكر الفرنسي الاشتراكي، وهو شخص عاش أزمة المجتمع الفرنسي بعد أن ضُربت الكنيسة، والأزمة العنيفة التي عصفت بكل من كان يدين بدينها، فدعا إلى وضع العلم

стр. 460

مكان الدين، وكانت الحملة الفرنسية مفتاح دخولهم إلى أهم بلاد المسلمين آنذاك وهي مصر، وقد دخل بقية الماسون وأتباع سيمون بقوة في إدارة الدولة الجديدة دولة محمَّد علي باشا فيما بعد، وكذا مع أحفاده من بعده وتوجيه بعض من يستطيعون من نخبها، فضلًا عن استثمارهم للأقليات الدينية الموجودة، فهذه التطورات المختلفة انحرفت بمقترحات الشيخين فيما بعد، وأفسدت المسار الصحيح للأمة. ٢ - ولاية محمَّد علي باشا، ثم أولاده من بعده: فشل الشاب العسكري الأول في جزء كبير من مهمته، وهو نابليون، إذ لقي مقاومة جهادية داخلية رغم كثرة ادعاءاته عن إسلامه وحرصه على ادعاء رفع الظلم عن المسلمين ورفع الجهل عنهم، وفي الوقت نفسه فإن الأوضاع في فرنسا لم تستقر بعد الثورة ولا في أوروبا عمومًا؛ مما أضعف رغبتهم في البقاء في مصر، فانهزموا من مصر سنة (١٨٠١ م)؛ أي: بداية القرن التاسع عشر، وبقيت الأوضاع في مصر مضطربة إلى أن جاء الشاب العسكري الثاني قائد فرقة ألبانية شاركت في محاربة الفرنسيين وبقيت ترابط هناك. تضافرت مجموعة أحداث، منها ما يرجع إلى شخصية محمَّد علي، ومنها ما يرجع إلى أوضاع مصر آنذاك، ومنها ربما ما هو مجهول، لتهيئ لمحمد علي الحصول على ولاية مصر من السلطان العثماني سليم الثالث، وكان من بين من تحمس له علماء الأزهر وكثير من وجهاء مصر وكان من شروطهم أن يحكم فيهم بشرع الله ويمنع الظلم ويحفظ الأمن ويقيم العدل (١). وقد كان يملك مجموعة عسكرية مهمة "الألبانية" ساندته في عمله، وقابلته القوة الأساسية في مصر وهم "المماليك"، الصالح منهم والطالح، فدبر لهم مكيدة، فجمعهم وقتلهم فيها (٢)، فتخلّص عند ذلك من مجموعة قد تنافسه على طلب السلطة أو تعارض مشروعاته، وقد سببت هذه الحادثة الرعب في مصر من محمَّد علي وجيشه، وضعفت مقاومة الناس له في الحق أو غيره، وأخطر ما في الأمر هو إهماله لشأن الأزهر وعلمائه رغم أنهم كانوا أول من سانده للوصول
следующие страницы →