← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

اطلع على كتابه بمعرفة ما عند القوم، فمن ذلك وصفه لمكتبة المجمع, ففيها جملة كبيرة من كتبهم، وذكر اجتماعهم اليومي قبل الظهر بساعتين، فيتصفحون ويراجعون ويكتبون حتى أسافلهم من العساكر، ثم يصف موقفهم ممن يزورهم من المسلمين بأن من يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم، ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور بمجيئه إليهم، وخصوصًا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعًا للنظر في المعارف؛ بذلوا له مودتهم ومحبتهم، وذكر أنه زارهم مرارًا وأطلعوه على ما عندهم من كتب وخرائط، ومن ذلك كتب إسلامية مترجمة بلغتهم مثل كتاب البردة للبوصيري، ثم ذكر الأقسام الموجودة فبدأ بـ "توت" الفلكي وأدواته العجيبة، ثم قسم خاص بالمصورين يصوّرون الحيوانات والنباتات وغيرها؛ وذلك تبعًا لترتيب العلوم الجديدة: الجيولوجيا والأحياء وغيرها. ثم قسم أفردوه للمهندسين وصناع الدقائق، ثم قسم "الحكيم رويا" الكيميائي بآلاته ومساحيقه وقدوره العظيمة، ثم وصف بعض العمليات الكيميائية التي أجريت أمامه واندهش منها الحضور (١) ولاسيّما تجربة إصدار التيار الكهربائي. لا شك أن هذه الزيارات من قبل بعض المشايخ قد تفيدهم في معرفة حقيقة الغزاة، بخلاف من زعم أنهم حصّلوا منها معارف، فهذه غير ممكنة إلا بتعلم، وسماح الفرنسيين بتلك الزيارات ربما كان هدفها استمالة الأعيان والمشاهير لاسيّما وهم يطلعون الزوار على أمور الغاية منها في الظاهر الفرجة على دهشة المتفرجين، وفي ذلك يقول الفرنسي "كريستوفر": "لقد توقع الفرنسيون بالغرور المعهود في الغربيين أن يستجيب الشيوخ لعجائب الصناعة بدهشة صبيانية كدهشة الشعوب المتوحشة. ولعله لم يخطر لهؤلاء الصناعيين أنهم هم السذج الأقل بصرًا بشؤون الدنيا من الشيوخ الذين لم يبد عليهم التأثر بما شهدوا. لقد تأثر الشيوخ ما في ذلك ريب، ولقد أعجبوا، إن كان بين الجبرتي وبينهم شبه ولو قليل، بهذا الانقطاع للعلم، أكثر من إعجابهم بعرض الألاعيب والحيل الرخيصة، ولكنهم أبوا الخضوع لسيطرة الغريب. وبعد قرن من الزمان تعلمت آسيا وأفريقيا كل هذه الحيل ونفضت عنها هذه السيطرة. فأي

стр. 457

الرجلين كان أكثر سذاجة؟ أهذا الشرقي الذي لم يسمع من قبل بالكهرباء، أم الأوروبي الذي ظن أن اكتشاف الكهرباء يعطيه حقًا أبديًا في السيادة على غيره" (١). ربما كان سبب تهاون المسلمين في العلوم المادية ذلك الضعف الذي نزل بهم، مما جعلهم يركزون على العلوم النظرية لسهولتها بخلاف العلوم المادية، فهي تحتاج إلى مال ومعامل ومعاهد ومصانع وأدوات واستقرار، وهو ما فقدته الأمة نتيجة أحداث داخلية وخارجية، ثم طال الأمد علينا إلى أن نسينا هذه العلوم، ونسينا أنها كانت معلومة ومألوفة في الحضارة الإِسلامية، حتى بدأت الأطماع الغربية تطوف بحمانا معتمدين على ثمرات العلوم بعد أن حولوها إلى منافع صناعية ومدنية دنيوية، وربما كان هذا أهم ما رصده الجبرتي ودوّنه في تاريخه ونبّه المسلمين إليه وإن كان ذلك بصورة غير مباشرة، كما أن ما دونه في تاريخه يُعد النموذج الأول في اطِّلاع الجمهور على حال هذه العلوم بعد أن كانت معرفتها محصورة في دوائر عليا في السلطة العثمانية؛ لأن كتاب التاريخ يقرؤه طلاب العلم والعلماء ويتداولون حكاياته وأحداثه. ب- حسن العطار: الشخصية الأخرى التي نراها استفادت من الحملة الفرنسية بالمعنى الثاني للاستفادة -أي: أنه يعلم بأنهم أعداء يمتلكون قوّة يجب علينا تحصيلها لإعادة قوة أمتنا والوقوف أمام هذا العدو الغاشم- هو الشيخ "حسن العطار" (١١٨٠ - ١٢٥٠ هـ/ ١٧٦٦ - ١٨٣٥ م) صاحب الجبرتي وشيخ الأزهر (١٢٤٦ - ١٢٥٠ هـ)، كان مهتمًا بالفلك والطب مع تحصيله للعلم الشرعي قبل مجيء الفرنسيين، ثم اتصل بهم "إبان الحملة ليعلم أحدهم اللغة العربية، فكان يستفيد منهم الفنون المستعملة في بلادهم فيما يقول علي مبارك. ." (٢)، وقد كان له "ولع بقراءة الكتب المترجمة عن اللغات الأوروبية، خاصة في علمي التاريخ والجغرافيا حتى اشتهر عنه ذلك"، وفيها يقول: "وقع في زمننا أن جلبت كتب من بلاد الإفرنج،

стр. 458

وترجمت باللغة التركية والعربية، وفيها أعمال كثيرة وأفعال دقيقة أطَّلعنا على بعضها، وقد تتحول تلك الأعمال بواسطة الأصول الهندسية والعلوم الطبيعية من القوة إلى الفعل. ." (١)، وبعدها تحول من المُحصّل إلى المعلم، فاهتم بالتعليم وحث الأزهريين على إدراك حقيقة واقعهم الثقافي والعلمي، ورأى "ضرورة إدخالهم المواد الممنوعة كالفلسفة والأدب والجغرافيا والتاريخ والعلوم الطبيعية"، ونبههم إلى ضرورة إقلاعهم عن أساليبهم في التدريس، وقام بنفسه بتدريس الجغرافيا والتاريخ, وكتب في المنطق والفلك والطب والطبيعة والكيمياء والهندسة، مع إعلانه إعجابه بتحويل الفرنسيين علومهم إلى عمل (٢)، وهو الذي كان فيما بعد صاحب فكرة إرسال تلميذه المشهور رفاعة الطهطاوي في البعثة العلمية إلى فرنسا. يمثل "العطار" أول نموذج واضح لرجل من علماء الأزهر والعارف بعلوم الشريعة وأحد أساتذتها، وفي الوقت نفسه على معرفة ببعض العلوم الأخرى كالفلك والطب كما هي في تراثنا ليضيف إلى ذلك اطلاعه على ما حدث لتلك العلوم في أوروبا ويدعو إلى تحصيلها والانتفاع بها، والأمر في الجملة لا غبار عليه بل هو الأفضل لمن قدر على ذلك، فإن تاريخ المسلمين ما فتئ يحفظ لنا من علماء الشريعة من كان عنده إلمام واطلاع وثقافة بالعلوم الأخرى كالفلك والطب والحساب وما في بابها، فهذا "الرازي" أحد علماء الأشاعرة المشهورين الذي جمع إلى معرفته بالتفسير وأبواب شرعية أخرى؛ اطلاعه على ما عُرف في زمانه من علوم، وهذا "ابن تيمية" و"ابن القيم"، أبرز أعلام أهل السنة في القرون الأخيرة، مع كونهما من أهل الاجتهاد والإمامة في الدين؛ فلديهما أيضًا اطلاع واسع على كثير من علوم عصرهم، ويكفي النظر لفهرس فتاوى شيخ الإِسلام ابن تيمية لنعرف مدى معرفته بمناهج تلك العلوم وأهلها وكتبهم وتقديمه بعض مسائلهم، وكذا بالنظر في جزء من كتاب زاد المعاد لابن القيم المتعلق بالطب لنرى كيف جمع مع الطب النبوي ما هو معروف في زمانه من المسائل الطبية من "جالينوس" إلى طبيب العرب "ابن كلدة"، إلى طبيب فلاسفة المسلمين "ابن سينا"،

стр. 459

مما هو ممكن حدًّا أدنى لعالم في الشريعة مثله، فلم تمنعه إمامته في علوم الشرع من اطلاعه على كتب الطب وتصنيفه في ذلك الباب وترتيبه لمسائل طبية مع بيان ما دل عليه الشرع في كل باب وما قاله الأطباء فيها. فدعوة الشيخ "العطار" إلى الاهتمام بمثل هذه العلوم وممارسته لذلك بنفسه دعوة صحيحة وإن كان فيها ما ينقصها، وربما يشفع له البدايات في الأمر، فإن أهم ما ينقصها هو عدم وضع تصور إسلامي حول هذه العلوم بعد أن تغير حالها عما كانت عند المسلمين، فإن أوروبا بعد أن نقلتها عن المسلمين قد أحدثت فيها أمورًا خطيرة، زاد خطرها بعد ظاهرة العلمانية والمادية في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر وما بعده، كما أنه كان ينقصها التفكير في الأولويات، ماذا نقدم وماذا نؤخر، فإن العناية بعلومهم في التاريخ ليس في أهمية العناية بالطب مثلًا أو العلوم ذات النفع الصناعي والرقي المادي، وقس على هذا غيره. لم تظهر مشكلة في زمن العطار بين الدين والعلوم التي تعرّفَ عليها في الكتب المترجمة، وبقي السائد إلى زمنه أن السابق إلى تحصيل هذه العلوم العصرية هو أحد المتخصصين في علوم الشريعة، فما علم عن غيرهم ذاك الاهتمام، فجمع بين علم الشريعة وبين علوم العصر دون أن تظهر مشكلة في ذلك. وربما لو بقي التطور ذاتيًا وعلى هذه الوتيرة نفسها، وبهذا النموذج نفسه الذي مثله العطار؛ لما وقعت كثير من مشاكل مزعومة بين الدين والعلوم العصرية، ولكن التطور بعد ذلك قد تدخلت فيه أطراف أخرى أعاقت هذا النمو الطبيعي، أخطرها جهود الغربيين في فتح مدارس لهم بعيدًا عن علماء الشريعة يُدرّس فيها تلك العلوم بما اختلط بها من فلسفات ومذاهب وأيديولوجيات، ويأتي بعدها ما حدث للمبتعثين الأوائل من صدمة، وربما أخطر من ذلك تمكن بعض التيارات العلمانية الناشطة في أوروبا من التغلغل داخل المجتمع الإِسلامي، وأشهرها في تلك المرحلة -وقت الحملة وبعدها لما يقرب من قرن- "الجمعيات الماسونية" التي ما زالت تشعر بنشوة انتصارها في أوروبا، فتسرب بعض أعضائها عبر الحملة، ثم انتشرت وبقيت إلى سقوط الدولة العثمانية. وأقل منها شهرة "مجموعة السان السيميون" أتباع "سان سيمون" المفكر الفرنسي الاشتراكي، وهو شخص عاش أزمة المجتمع الفرنسي بعد أن ضُربت الكنيسة، والأزمة العنيفة التي عصفت بكل من كان يدين بدينها، فدعا إلى وضع العلم

стр. 460

مكان الدين، وكانت الحملة الفرنسية مفتاح دخولهم إلى أهم بلاد المسلمين آنذاك وهي مصر، وقد دخل بقية الماسون وأتباع سيمون بقوة في إدارة الدولة الجديدة دولة محمَّد علي باشا فيما بعد، وكذا مع أحفاده من بعده وتوجيه بعض من يستطيعون من نخبها، فضلًا عن استثمارهم للأقليات الدينية الموجودة، فهذه التطورات المختلفة انحرفت بمقترحات الشيخين فيما بعد، وأفسدت المسار الصحيح للأمة. ٢ - ولاية محمَّد علي باشا، ثم أولاده من بعده: فشل الشاب العسكري الأول في جزء كبير من مهمته، وهو نابليون، إذ لقي مقاومة جهادية داخلية رغم كثرة ادعاءاته عن إسلامه وحرصه على ادعاء رفع الظلم عن المسلمين ورفع الجهل عنهم، وفي الوقت نفسه فإن الأوضاع في فرنسا لم تستقر بعد الثورة ولا في أوروبا عمومًا؛ مما أضعف رغبتهم في البقاء في مصر، فانهزموا من مصر سنة (١٨٠١ م)؛ أي: بداية القرن التاسع عشر، وبقيت الأوضاع في مصر مضطربة إلى أن جاء الشاب العسكري الثاني قائد فرقة ألبانية شاركت في محاربة الفرنسيين وبقيت ترابط هناك. تضافرت مجموعة أحداث، منها ما يرجع إلى شخصية محمَّد علي، ومنها ما يرجع إلى أوضاع مصر آنذاك، ومنها ربما ما هو مجهول، لتهيئ لمحمد علي الحصول على ولاية مصر من السلطان العثماني سليم الثالث، وكان من بين من تحمس له علماء الأزهر وكثير من وجهاء مصر وكان من شروطهم أن يحكم فيهم بشرع الله ويمنع الظلم ويحفظ الأمن ويقيم العدل (١). وقد كان يملك مجموعة عسكرية مهمة "الألبانية" ساندته في عمله، وقابلته القوة الأساسية في مصر وهم "المماليك"، الصالح منهم والطالح، فدبر لهم مكيدة، فجمعهم وقتلهم فيها (٢)، فتخلّص عند ذلك من مجموعة قد تنافسه على طلب السلطة أو تعارض مشروعاته، وقد سببت هذه الحادثة الرعب في مصر من محمَّد علي وجيشه، وضعفت مقاومة الناس له في الحق أو غيره، وأخطر ما في الأمر هو إهماله لشأن الأزهر وعلمائه رغم أنهم كانوا أول من سانده للوصول

стр. 461

إلى الولاية، وسيكون لهذا الإهمال أثره فيما بعد على كثير من أحداث مصر وربما العالم الإِسلامي. يعد "محمَّد علي" أول والٍ مسلم يتجه إلى الغرب بقوة من أجل طلب ما عندهم خارج السلاطين العثمانيين، وأتبع تلك الرغبة بعمل جاد رغم ضبابية الغاية المرجوة، والذي يظهر أن شهوة الزعامة كانت أقوى من مقصد إنقاذ الأمة ورفع التخلف عنها وإخراجها من الضعف الذي هي فيه، فإن الهدف المعلن من توجهه للغرب هو بناء جيش قوي يحمي حكمه ويساعده في توسيع مملكته، حتى وإن كان على حساب السلطنة التي يدين لها بالولاء، كما حدث من رغبته في التوسع ليضم بلاد الشام إلى ولايته ثم قيامه بذلك، ثم حصل ما حصل مما هو مدون في التاريخ فعاد ليكتفي بمصر. وتبقى تجربة محمَّد علي إحدى أشهر التجارب في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وكانت نموذجًا للقسم العربي من العالم الإِسلامي، ولكنها كانت في الوقت نفسه -بسبب ما حوته من مشاكل- تجربة مربكة لمسيرة العالم الإِسلامي الحديثة، وتسببت في توتير العلاقة بين الدين والعلوم العصرية، وما زالت آثار تلك التجربة -للأسف- حاضرة في مجتمعنا المعاصر، وتبقى الوقفة هدفها استفادة الدروس والعبر من التاريخ القريب حول هذه المسألة الشائكة. عمل "محمَّد علي" على مجموعة مستويات، منها ما هو من نشاطه ونشاط دولته، ومنها ما كان تدخلًا سافرًا من أطراف أجنبية وجدت منفذًا خطيرًا لها في مصر، وكان من أبرزها: ظهور فكرة الابتعاث لتحصيل العلوم الحديثة وفنون الصناعات والمدنية، وبناء تعليم جديد مستقل ومنفصل عن التعليم الموجود، وظاهرة فتح الباب لغير المسلمين في إدارة البلاد وإدارة التعليم الجديد وإدارة الجيش والنشاط التجاري، وحرية الحركة والنشاط، واستغلال ضعف المسلمين وفقرهم لتحقيق مصالحهم، وافتتاح المدارس الصناعية، وانتشار واسع للتعليم الأجنبي الموجه أساسًا لأبناء الطوائف الأخرى، كما أن تلك الدولة عرفت المطبعة والترجمة والصحافة، كما أن هناك بعثات رسمية؛ فهناك رحلات خاصة قام بها البعض إلى الغرب خارج دائرة الابتعاث العلمي، وعرفت تلك المرحلة نفوذًا غربيًا عبر بعض تياراته الخطيرة الجديدة، وكان أشهرها حضورًا الماسونية والسيمونية.

стр. 462

ومن خلال هذه الشبكة المعقدة تم استقبال الوافد الغربي بما فيه العلوم الجديدة والصناعات وأمور المدنية، ومن الطبيعي لوضعٍ معقد كهذا أن يُفسِد مسيرة حضور العلوم العصرية في بلاد المسلمين ولاسيّما في مثل هذه التجربة التي استبعدت إلى حد كبير أي تدخل من قبل أشهر مؤسسة علمية آنذاك وهي الجامع الأزهر. أدوات محمَّد علي في تحصيل العلوم العصرية: سنقف الآن مع الأدوات التي استعان بها محمَّد علي في تحصيل العلوم الحديثة من أجل تكوين دولة أو ولاية قوية تسند حكمه، وهذه الأدوات أصبحت نموذجًا فيما بعد لكثير من التجارب في بلاد المسلمين بما في ذلك مركز الخلافة، وأهم الأدوات ما يأتي: أ- الاستعانة بالأجانب . ب- مشروع الابتعاث لأوروبا. ج- فتح المدارس الفنية غير المعهودة في بلاد المسلمين آنذاك إلا في النادر. د- المدارس الأجنبية "مدارس الإرساليات". هـ - مشروع الترجمة. و- المطبعة وما ارتبط بها من ظهور صحافة علمية وفكرية. لقد كانت هذه المنافذ من أشهر ما سلكه "محمَّد علي" لطلب المدنية الغربية أو استفاد منها, ولنتذكر هنا بأن هذه المنافذ جاءت بعد قضائه على المماليك وإقصائه للأزهر وعلمائه، ومما طلب عبر هذه المنافذ العلوم الحديثة بما يترتب عليها من إدارة وصناعة ومدنية. أ- الإستعانة بالأجانب: من أخطر الظواهر التي عُرفت في زمن "محمَّد علي"؛ فتحه الباب لغير المسلمين ممن هم داخل البلاد الإِسلامية أو من الأوروبيين، وقدّمهم -وكذا بعض أبنائه- على المسلمين، بل إنه في أحيان كثيرة يفتح صدره لهم بينما يمارس الظلم والطغيان على المسلمين (١). وعندما استولى ابنه "إبراهيم" على

стр. 463

بلاد الشام؛ قمع أهل الدين وفتح الباب للنصارى ومكنهم من المسلمين واستعان بهم (١)، واستمرت هذه الحال مع أبناء محمَّد علي حتى تمكن المستعمر فيما بعد من احتلال بلاد المسلمين. وإذا كان الأجانب قد فشلوا في مشروعهم النابليوني؛ فقد وجدوا في ولاية محمَّد علي وأبنائه ما يعوّض ذلك الفشل، فما فقدوه برحيل بونابرت عوّضه محمَّد علي، حتى بعض أعضاء حملة بونابرت من خبراء وضباط قد وجدوها فرصة لمواصلة الدور، وكان منهم على سبيل المثال "جومار" عضو المجمع العلمي والجغرافي المعروف والمشرف على الكتاب الذي أخرجه الفريق العلمي حول مصر المصاحب لحملة بونابرت، الذي أصبح المشرف على مبتعثي محمَّد علي إلى فرنسا (٢)، وأحد مستشاريه في التعليم. وكذا أحد ضباط جيش بونابرت الذي فقد عمله في غزوات بونابرت بعد عزل بونابرت ليجد فرصته في تأسيس جيش محمَّد علي الجديد (٣)، وهكذا تغلغل الأجانب في هذه الدولة الناشئة. صحيح أن "محمَّد علي" القادم من ألبانيا -وهي جزء من القارة الأوروبية- على علم بما في أوروبا من تقدم دنيوي ومادي حيث كان قريبًا من تلك البلاد، ولكن الغريب من أحد الولاة المسلمين فتحه الباب على مصراعيه -وبهذه الطريقة المحزنة- للأجانب ليتمكنوا من بلاد المسلمين رغم حساسية الوضع، وتَهيُّؤ الغرب لمعركة خطيرة مع الأمة الإِسلامية. لقد كان من بين الأمور المعلنة حول استعانته بهم وفتحه الباب لهم أنهم أهل الحضارة المادية، وكان الأجنبي أيضًا يسوق نفسه عند "محمَّد علي" عبر إغرائه ببناء دولته على نمط دول أوروبا، ومن ذلك وعده بنشر العلوم الحديثة في ربوع مصر، ولكن إذا صح بأن هؤلاء الأجانب على دراية بالعلوم الحديثة؛ فإن

стр. 464

طريقة طلبها كانت سيئة للغاية، وهذا مما يجعل تجربة محمَّد علي تجربة مشبوهة أو تثار حولها الأسئلة. كان هذا المسلك السيئ واحدًا من طرق تعرفنا على العلوم الحديثة، حيث كان يقدمها لنا من كان يريد الانقضاض علينا واحتلالنا. ومن وقت قصير خرج ذاك العدوّ من تجربة فاشلة مؤلمة لكنه يريد أن يعوضها بمثل هذا التغلغل الخطير تحت مظلة تسويق العلوم الحديثة. لا يمكن بأية حال أن نتوقع من هؤلاء الأجانب تحمسًا منهم لنفع المسلمين أو إعطائهم ما يرفع من شأن المسلمين ويزيد من قوتهم، وكان يمكن أن يُقال بأننا سنأخذ منهم ما ينفعنا -فهم أشبه بالأجير- لولا ما حدث من تمكينهم في إدارة الوضع في مقابل الإقصاء الواضح لمن لا يعجبه من أهل الإِسلام. كان الأسلوب في تعريف المسلمين بعلوم العصر مستفزًا للغاية، فكيف يمكن تقبل مثل هذا المسلك؟! وكيف يستساغ من العامة فضلًا عن العلماء؟! فرق بين جلب الأجانب وأخذ ما عندهم من علم نافع أو صناعة أو حرفة أو مهارة، وبين أن يمكنوا كل هذا التمكين بينما يُبعد أهل الدين والعلم الشرعي، وقد كان هذا من أسباب تعكر العلاقة مع العلوم الجديدة؛ فقد شعر البعض أننا أخذناها بمهانة وذلة، ووضعت عند أطراف منفصلين عن جسد الأمة، أو وضعت عند من فقدوا هويتهم. قد يقول البعض -وما أكثر ما نقرؤه- بأن هؤلاء الأجانب نشروا معارف انتفع بها الناس، فهذا مستشار التعليم "كلوت" الذي نشر التعليم في مصر وأسس مدارس طبية (١). . . .، فكيف ننكر أثره وأثر من جاء به؟! وهؤلاء لا يفرقون بين الاستفادة مما عند الكافر وبين أن يمكنوا من المسلمين، فتغافلوا عن التساؤل: هل كانت الطرق مقفلة إلا من هذه الطريقة؟ وهل كان الأمر يستحق هذه الخسائر الفادحة من كرامة المسلمين؟ من الصعب محاكمة التاريخ, ولكن هذا الكلام يقال لما نشاهده من تضليل فكري سائد في كثير من الكتابات المعاصرة. ب- مشروع الابتعاث لأوروبا: أشهر قرار اتخذ في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر لتحصيل العلوم

стр. 465

العصرية وأدوات صناعة المدينة الحديثة هو قرار أو مشروع الابتعاث، والذي يظهر أن مثل هذا العمل لم يحدث في تاريخ الأمة الإِسلامية، فالمعهود هو إرسال شخص أو أن يتحمس أحد الناس لطلب ما عند الأمم الأخرى من علوم فيذهب إليهم، أو طلب أحد الماهرين من أبناء تلك الأمم ليعلم بعض أبناء المسلمين مثل هذه العلوم، أو نقل كتبهم ودراستها دراسة ذاتية، أما أن يتم إرسال طلبة يدرسون في مدارس الأمم الأخرى، ثم يعودون لنقل ما درسوه؛ فما اشتهر إلا مع هذه التجربة التي قام بها محمَّد علي، وقد سار على هذه الطريقة فيما بعد مركز الخلافة (١)، ثم أغلب ولاة المسلمين في ذلك القرن، واستمر هذا في القرن اللاحق بعد سقوط دولة الخلافة والوقوع في فخّ الاستعمار، واستمر أيضًا مع ولادة دول ما بعد الاستعمار، حيث يعدّ الابتعاث -وإلى الآن- السياسة المتبعة في تحصيل العلوم والصنائع والفنون من الغرب. لقد أصبح مصطلح "الابتعاث" مكونًا من مكونات التعليم في العالم الإِسلامي، ولا تجد إلى الآن مؤسسة تعليمية إلا وفيها إدارة خاصة للعناية بالابتعاث، ومع أننا لما يقرب من قرنين نبتعث؛ إلا أن ذلك لم يحقق لنا الاستقلال المعرفي، ربما لأننا لم نراجع مثل هذا المصطلح، ولم نبحث عن إمكانية التخلص منه والبحث عن طريق آخر للخروج من مأزق التبعية المعرفية. بعد أربعة أعوام من تولي "محمَّد علي" السلطة أرسل البعثة الأولى إلى إيطاليا سنة (١٨٠٩ م) لدراسة العلوم العسكرية وبناء السفن والطباعة وفنون الهندسة، تحولت بعد ذلك البعثات إلى فرنسا، وكانت بعثة سنة (١٨٢٦ م) أشهرها بسبب شهرة واعظ البعثة الشيخ "رفاعة رافع الطهطاوي"، وتختلف التقديرات حول نوعية التخصصات؛ إلا أن العلوم العسكرية أخذت حصة الأسد، أما العلوم العصرية الحديثة فهي وإن كان أغلب المبتعثين يطلعون عليها إلا أن هناك قلة (٢) تخصصت فيها.

стр. 466

ويعتبر مجموع هؤلاء المبتعثين أول طائفة من المسلمين تنظر بتوسع في "العلم" بصورته التي وصل إليها في الغرب، ولاسيّما أن مفهوم العلم قد تغير عندهم، وفي ذلك يقول أحد أشهر المبتعثين رفاعة الطهطاوي: "ولا نتوهم أن علماء الفرنسيس هم القسوس؛ لأن القسوس إنما هم علماء في الدين فقط، وقد يوجد من القسوس من هو عالم أيضًا، وأما من يطلق عليه اسم العالم فهو من له معرفة في العلوم العقلية. ." (١)، فإن مفهوم العلم يطلق عادة على العلوم الدنيوية، بينما ضَعُف إطلاقه عندهم على العلوم الدينية. كان هؤلاء الشباب نواة المسلمين الأولى في التعرف على العلوم العصرية؛ لأن الأمر قبلهم كان محصورًا في الملّيين من يهود ونصارى الذين يتولون أمور الطب والحساب والصنائع، وهذه المجموعة قد وصلت أوروبا ولاسيّما فرنسا وهي تموج بأوضاع مثيرة أخطرها تحديد الموقف من الدين؛ إذ كانت آنذاك فترة القرار العلماني المتطرف النازع لرفض الدين تمامًا وتأسيس مستقبل جديد لا علاقة له بالدين، وغير المتطرف منهم يسمح بوجود الدين كمؤسسة على هامش المجتمع لبعض الأفراد الذين لا يستغنون عنها، وأخطر ما في ذلك: التوجه إلى تأسيس العلوم منفصلة عن الدين، بل توظف كثيرًا في ضرب المفاهيم الدينية، ففي هذا الجو الصاخب رمي بهؤلاء الشباب في أتون تلك المعركة التي حيرت أهلها فكيف بغيرهم!! فهل يستطيع هؤلاء الشباب استخلاص النافع من علوم الغرب وعدم التأثر بظاهرة العلمنة العلمية (٢)؟ لا نريد أن نُحمّل أولئك المبتعثين وحدهم ضعف الثمرة المرجوة وظهور بعض المشاكل المرتبطة بهم؛ فإنهم رغم كل ما يقال قد اجتهدوا رغم ضعف إمكانياتهم وصعوبة مغامرتهم في تلقي ما استطاعوا من معارف ونقلها بحسب المستطاع إلى بلادهم، ولكن الذي يتحمل التبعة أكثر من غيره هو صاحب المشروع وصاحب سياسة الابتعاث، فإن الابتعاث لم يوضع في صلب رؤية واضحة المعالم يُقصد بها تقدم الأمة الإِسلامية ولو في ذاك الجزء من بلاد

стр. 467

المسلمين، فهنالك فرق بين من يريد تأسيس حكم خاص وقوى لمصالح ذاتية، وبين من يريد النهوض بالأمة وإحيائها ورفع الضعف عنها، يتأثر كثيرًا مشروع الابتعاث باختلاف الرؤيتين أو المقصدين؛ فالمشروع الأول تذهب ثمرته سريعًا لارتباطه بهوى الأشخاص، أما الثاني فيبقى؛ لأن الأمة قائمة وباقية بأمر الله سبحانه. ج- إنشاء المدارس الفنية في مختلف التخصصات: كان هذا العمل من أهم ما قام به "محمَّد علي" لإيجاد موظفين ومتخصصين في شؤون ولايته، ورغم مهنية أغلب هذه المدارس؛ إلا أنها تلامس بعض العلوم الحديثة، وقد كان المدرسون فيها هم غالبًا من النصارى وكان أغلب أهدافها خدمة الجيش الجديد الذي أنشأه. وقد يمكن أن تكون هذه المدارس نواة مشروع صناعي وتقني لا يخدم مصر وحسب بل العالم الإِسلامي فيما بعد لولا أن هذه المدارس قد ارتبطت كغيرها بالمصالح الشخصية لا بمصالح الأمة؛ لذا كانت عرضة للتقلب والتغير والإقفال. كانت هذه المدارس بعيدة عن مشاكل العلوم العصرية؛ لأن ما يُطلب فيها هو العلم العملي لوحده دون العلم النظري ونظرياته؛ فالنظري ميدانه الدوائر العلمية والجامعات والمعاهد المتخصصة في العلوم وهذا أقرب إلى مؤسسة شبيهة بالأزهر، أما العملي فيُكتفى فيه غالبًا بأخذ الجانب التطبيقي من العلوم القابلة للتوظيف المادي. فالتركيز على هذا الجانب العملي الوظيفي كان سيبعدنا عن المشاكل المرتبطة بالعلم النظري ونظرياته، كما ظهرت في أوروبا من نظريات الفلك إلى "نيوتن"؛ أي: إلى الفترة التي وقع فيها الاحتكاك الأول مع الغرب، ويُؤخر بحثنا فيها حتى نستطيع تحصيل المهم والنافع البيّن نفعه، ويتمكن البعض من تحصيل الأدوات المعرفية والمنهجية التي تساعدنا في التعامل الجيد مع الجانب النظري منها. إلا أن هذا الجانب لم يسلم من المعوقات التي وأدته وأفرغته من ثمرته؛ فإن "محمَّد علي" فتح باب المعاهد الصناعية وبدأ في فتح بعض المشروعات الصناعية، وفي الوقت نفسه فتح السوق أمام الصناعات الأجنبية؛ مما أعاق تطور

стр. 468

مثل هذا المجال (١). ليس المقصود تقييم هذه التجربة بقدر ما هو بيان صورة من صور البحث عن العلوم العصرية ذات الثمرة في دنيا الناس، وأنها كانت من الأفكار المهمة آنذاك ولكنها فشلت في تحقيق هدفها، وهي وإن فشلت في تحقيق حركة علمية تطبيقية نافعة؛ فإنها فتحت الباب لفكرة "المدرسة الفنية"؛ وهي التي كانت غائبة في أكثر بلاد المسلمين فترة الضعف والتخلف، ولقد انتشرت هذه "المدرسة" في كثير من بلاد المسلمين فيما بعد، واحتوت على مواد علمية جديدة يدرسها الطالب ما كانت معهودة من قبل، ولكن هذه "المدرسة" رغم ما قدمته فهي دون المقصود والمرجو منها، كما أن طلابها لم يكونوا مؤهلين للتعامل الإيجابي مع العلوم الجديدة، كما أن اختراق أهل الأهواء قد أثّر فيها (٢). د- المدارس الأجنبية "مدارس الإرساليات ": كان من بين الأدوات التي استفاد منها "محمَّد علي" مدارس الإرساليات التي انتشرت في زمنه؛ حيث شهدت هذه المرحلة التاريخية عناية الغربيين بالملل الموجودة داخل العالم الإِسلامي ولاسيّما اليهود والنصارى، ولذلك صلة بما يخطط له في الغرب آنذاك للانقضاض على العالم الإِسلامي بإيجاد قوة داخلية تساعدهم عند تنفيذ المهمة، وقد لاقى هذا النشاط قبولًا من قبل "محمَّد علي" وغيره (٣)، وغالب ذلك نتيجة ضعف واضحة في ولاة ذلك العصر مع آمال مبنية على وعود غربية من جراء السماح لمثل هذه الأمور. فتكونت مثلًا الإرساليات الغربية وبدأت تجوب العالم الإِسلامي، ولصعوبة تنصير المسلمين فقد توجه أكثرها لتقوية بني ملتهم ليكونوا هم من يقوم بتلك المهمة، وكان من بين عملهم فتح مدارس حديثة بمناهج مختلفة لم يعهدها هؤلاء

стр. 469

اليهود أو النصارى من قبل، حيث عملت المدارس بطريقة مقاربة لما في الغرب، وأدخلت مواد جديدة كان من أهمها العلوم الحديثة، ووجدت دعمًا ماليًا وماديًا وعلميًا من قبل قوى غربية مختلفة؛ مما هيأها للنجاح ولاسيّما مع وجود سماح ودعم من قبل الوالي المسلم (١). لقد مثل هذا التعليم المجاور للمسلمين خطورة على التطور الحديث للعالم الإِسلامي، فالمسلمون يرون هذه المدارس حولهم وفيها علوم جديدة، ويحصل المتخرج منها على وظائف مهمة في الدولة أو المجتمع، ولاسيّما من كان منهم يتعلم لغة أخرى أو يدرس الطب أو الحساب فيجد فرصته. ولكن هذه المدارس الأجنبية قد غرس مؤسسوها فيها مشاكلهم المعهودة في أوروبا "الصراع بين الدين والعلم بخلفيته في الغرب"، فكانت المشكلة تظهر أولًا في طلابها، ثم تخرج من خلالها إلى المجتمع المسلم الذي يعيشون فيه. أيضًا فقد كانت هذه المدارس نواة مهمة للعلوم العصرية، ولكن أهلها يختلفون عن المجتمع الذي يعيشون فيه من جهة دينهم وقيمهم، فقامت مشكلة شائكة استمرت سنين، فهل يدرس فيها أبناء المسلمين أم لا؟ هناك من ضَعُف أمام الإغراءات وأرسل أبناءه إليها بحجة الحصول على العلوم الجديدة، ولكن تلك المدارس كانت دينية في المقام الأول، فيقع التلميذ المسلم في بحر متلاطم من المصائب؛ فإما أن يمسخ هويته ويندمج في تلك البيئة وينسلخ عن أمته، أو يبقى مشتتًا متمزقًا بين إسلامه وبين دين غيره. قد يعتذر البعض بأن "محمَّد علي" والخليفة العثماني "محمود الثاني" صاحب التنظيمات وكذا باي تونس ما كان بوسعهم إلا السماح للملّيين بفتح مدارسهم وحصولهم على دعم مباشر من إخوانهم اليهود والنصارى في الغرب، وهو وإن كان عذرًا غير مقبول ولكن لِمَ سُمح لهم بتصدير مشاكلهم إلى المسلمين؟ ولِمَ لم تظهر "المدرسة الإِسلامية" التي يُصاغ فيها التلميذ المسلم وفق

стр. 470

إسلامه ويكتسب فيها من المعارف ما يحتاجه أو تحتاجه أمته؟ لِمَ بقيت مدارس الإرساليات هي قبلة الأذكياء من أبناء المسلمين ولم يوفر لهم بيئة مأمونة يتلقون فيها هذه المعارف الجديدة دون اصطناع لمشاكل لا حقيقة لها بين الدين والعلوم النافعة؟ لقد استفاد "محمَّد علي" من مدارس العلوم العصرية التي كانت للملّيين والإرساليات فمكّن خريجيها من العمل في دولته، ولكن ذلك يسّر لهم القيام بمناشطهم فيما بعد. وللأسف بقيت هذه العلوم المهمة لفترة طويلة داخل مدارسهم، وبسبب بقاء هذه العلوم داخل مدارس النصارى في وقت كانت تلك المدارس دينية تبشيرية صرفة جعلها موضع إشكال للمسلمين، وكان من الطبيعي ألا يتقبل الكثير من المسلمين هذه العلوم بسبب ما أحيط بها من أوضاع. هـ - مشروع الترجمة: لم تحتج الأمة إلى الترجمة من قرون، لقد كانت أمة عالمة وتُصدر العلم لغيرها، إذ إن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز ﵀ قد سمح بترجمة النافع في زمنه من كتب الطب، وتوسع بعض الولاة بعده في ترجمة ما لا نفع فيه أو ما ضرره أكثر من نفعه، ولكن الأمة توقفت عن الترجمة بعد ذلك. شعرت الدولة العثمانية بضعفها في حروبها الأخيرة مما دفعها للتفكير في تحصيل بعض ما عند الأوروبيين، وكانت "الترجمة" من المنافذ أو الأدوات المهمة التي تستخدمها أغلب الأمم في نقل معرفة تحتاجها ولكنها بغير لسانها، وكذا بدأ التفكير في ذلك مع والي مصر الجديد والدوافع هنا أكثر؛ إذ قد شاهد بعض أهل مصر ما مع الحملة الفرنسية من أدوات وعلوم، ومن هنا بدأ التفكير في الترجمة ليُفتتح عصرها الحديث. ولا شك أن "محمَّد علي" قد انتبه لأهمية "الترجمة" أو نبّه لها، وهي عمل مشروع لتحصيل النافع من العلوم عند الأمم الأخرى، ولكن الظروف المحيطة بهذا المشروع قد انحرفت بمساره وأضعفت من أثره النافع وحولته في كثير من الأحيان إلى أداة هدم. ذكر الدكتور "سعيد إسماعيل" بأن "محمَّد علي" اتجه أولًا إلى استخدام الأجانب، بيد أنه وجد ذلك مكلفًا "بالإضافة إلى عدم وثوقه بالكثير منهم،

стр. 471

وخاصة وقد كشفت الوقائع عن أن بعضهم كان من الأفاقين الجهلة مدعي العلم"؛ فانتقل إلى الترجمة، فنشأت حركة ترجمة، لاسيّما ترجمة "الكتب المدرسية"، وكان الاعتماد في الترجمة على مجموعة من الشوام -وأغلبهم من النصارى- ثم شاركهم بعد ذلك بعض خريجي الأزهر العائدين من بعثات أوروبا (١). عرف عصر محمَّد علي طلبًا لكتب العلوم الحديثة، وكان هناك جمع لها من إستانبول وأوروبا، وكان هناك حث على ترجمتها وتوفيرها، وكثر عند ذلك المترجمون (٢)، وقد عرفت الترجمة منعطفًا مهمًا مع عودة المبتعث رفاعة الطهطاوي بخاصة، الذي جعل من الترجمة مشروعًا له وهدفًا من أهدافه، حيث قام بنفسه على مشروع الترجمة وأسس معهدًا لتخريج المترجمين، وأنشأ "قلم الترجمة" سنة (١٨٤١ م) بوصفه مجمعًا متخصصًا في الترجمة (٣)، وقسمه إلى أربعة أقسام: "قسم لترجمة الرياضيات، وقسم لترجمة العلوم الطبية والطبيعية، وقسم لترجمة العلوم الاجتماعية، وقسم للترجمة التركية". تعدّ المؤسستان اللتان أقامهما "رفاعة": "مدرسة الألسن" و"قلم الترجمة"؛ من أهم المؤسسات في تحصيل العلوم العصرية بكل أقسامها المعروفة في أوروبا، فاتسعت دائرة تعرّف المجتمع على العلوم الحديثة وزاد عدد العارفين بها, لا شك أنهما مشروعان مهمان؛ فالأول يمكّن الطالب من امتلاك لغة الآخرين، والثاني يمارس العارف بلغة الآخرين عمله في ترجمة ما تحتاجه الأمة، وعلى هذا فالنقطة الحساسة هي الترجمة؛ لأن ما يترجم سيصبح مادة دراسة أو قراءة لكثير من الناس وقطعًا سينشغل بها الكثير، وسيكون فيها المفيد والمؤثر، والمفيد لا اعتراض عليه ولكن التوقف هو مع المؤثر: ما هو؟ وما أثره؟ إنها المعادلة الصعبة، وإذا لم يُنتبه لها فربما يفقد المشروع مساره ولاسيّما

стр. 472

عندما يقع الانبهار بالمادة المترجمة غير النافعة فتؤثر في المجتمع وتعطل الاهتمام بالمفيد، مع العلم بأن المفيد قد يكون عسيرًا وغير محبوب للنفوس، وعلى سبيل المثال فإن النفوس تستريح إلى الآداب والفنون وتستلذ بها، وربما تتأثر بها بخلاف العلوم الرياضية والهندسية والفيزيائية، فهي صعبة وعسيرة ولا تجلب المتعة إلا لقليل من الناس ولكنها هي المفيدة، أما الأولى فهي ممتعة ومؤثرة ولكنها تشغل أمتنا عن المهم، وربما تؤثر فيهم وتنشئ فيهم من الشبهات ما يعطل المسار الصحيح للأمة. والسؤال: هل سلمت تلك التجربة من الانزلاق في خطر المؤثر واكتفت بالمفيد؟ الباحث يعرف أنها تجربة خلطت هذا بذاك، فترجمت المفيد ولكنها لم تواصل فيه، وفتحت بابها لمشاكل المؤثر (١)، وللأسف فهو ما نجح في باب الترجمة إلى اليوم، وإلى اليوم يندر أن تجد كتابًا طبيًا مترجمًا، بينما ما إن تنزل رواية غربية؛ إلا وتترجم للعربية. و- المطبعة وما ارتبط بها من ظهور الصحافة العلمية والفكرية: أول من عرّف أهل مصر بالمطبعة هو "نابليون" الذي جلب معه مطبعة تنشر بياناته، ولا شك أن بلدًا فيها مثل الأزهر قد تأخرت كثيرًا في الاستفادة من المطبعة، وقد خرج نابليون وجاء بعده محمَّد علي وكان من أهم مشروعاته إيجاد المطبعة. تُيسر المطبعة انتشار الكتاب، ومن ثم انتشار المعرفة، وإذا عرفنا حركة المدارس والترجمة عرفنا أيضًا أهمية وجود المطبعة, ولكن كانت الصحافة من أهم ما ارتبط بالمطبعة، فإذا كان جمهور الكتاب محدودًا؛ فإن الصحافة لعامة الجمهور فتكون دائرتها أوسع. كانت الصحيفة الرسمية والوحيدة هي: "الوقائع المصرية"، وما كانت تهتم بالأمور العلمية، أما أول صحيفة رسمية توجهت لهذا المجال فهي مجلة: "روضة المدارس"، ففي سنة (١٢٨٧ هـ -١٨٧٠ م) قرر "ديوان المدارس" وناظره "علي مبارك" إصدار مجلة فكرية وثقافية وأدبية يرأسها "رفاعة الطهطاوي"، قسمها الطهطاوي إلى أقسام، ويرأس كل قسم أكبر المتخصصين فيه، ومن أولئك:

стр. 473

١ - صالح مجدي المتخصص في ترجمة الرياضيات والعلوم الهندسية والعسكرية. ٢ - محمود الفلكي أبرز علماء الفلك يومئذ. ٣ - إسماعيل الفلكي، ناظر الرصدخانة، وناظر مدرسة المهندسخانة في عصر إسماعيل. ٤ - عبد الله فكري، أديب وشاعر. ٥ - محمَّد قدري، قانوني. ٦ - محمَّد ندا، الكيماوي، والأستاذ بمدارس الطب وغيرها، وصاحب الترجمات العديدة في الزراعة وعلم الحيوان. ٧ - محمَّد بدر، الطبيب، وغيرهم من مشاهير ذلك العصر (١). تعتبر هذه المجلة إذًا أول نافذة للجمهور القارئ على العلوم العصرية، وإن كان القراء آنذاك هم من النخبة، إلا أنها أخرجت الأفكار الجديدة والعلوم العصرية من دائرة المدارس الخاصة إلى عموم القراء، فيلتقي الجمهور على صفحاتها بمسائل كثيرة ما عهدوها من قبل، ومن ذلك صورة مبسطة لبعض المعارف الجديدة التي تعرّفَ عليها كتاب المجلة في الغرب، ومن ذلك مثلًا (٢): "حقائق الأخبار في أوصاف البحار"، و"المباحث البينات فيما يتعلق بالنبات"، و"بهجة المطالب في علم الكواكب"، وهكذا. خلاصة التجربة: لقد ظهرت في عهد "محمَّد علي" وأبنائه حركة معقدة في طلب العلوم العصرية، ومحاولة لزراعتها من جديد داخل ولاية مصر وإيجاد المتخصصين فيها والمدارس الخاصة بها، وظهرت أدوات تحصيلها وكان أهمها الابتعاث والترجمة، وأدوات تنشرها وكان أهمها المدارس والتأليف والأعمال المترجمة والصحافة، وهكذا بدأت تدخل مواد جديدة، فبعد أن كانت المواد المعهودة هي

стр. 474

التفسير والحديث وعلم الكلام والفقه وغيرها من علوم الملة؛ بدأت تظهر مواد أخرى كالفلك والكيمياء والحساب والهندسة والفيزياء والأحياء والطب والصيدلة وغيرها وتنافس العلوم الشرعية، ولكن سلك كل قسم منهما طريقه بعيدًا عن الآخر، فقد اصطُنعت بعض العداوات بينهما، بعضها نشأ بسبب الجهل، وبعضها نشأ بسبب مقاصد خطيرة أدخلها الأعداء، وهذه العلاقة وآثارها نتركها للفصل القادم. استمرت هذه المنافذ والأدوات في طلب العلوم العصرية في عهد أبناء محمَّد علي، وربما هيأ الاستقرار لهذه الأسرة مواصلة طريق والدهم من إبراهيم الذي تولى الأمر بعد مرض أبيه، ثم عباس الأول، ثم سعيد، ثم إسماعيل إبراهيم، ثم محمَّد بن إسماعيل (١). وفي عهده وقعت الثورة العرابية وما صاحب ذلك من احتلال الإِنجليز لمصر سنة (١٨٨٢ م)، وبهذا الاحتلال الخطير يدخل العالم مرحلة جديدة هي بداية الاستعمار الأوروبي للعالم الإِسلامي وإسقاط الخلافة. ولا يختلف أحد في خطورة التجربة وضخامتها ولكنها كانت تجربة بعيدة عن ضمير الأمة؛ فسمحت منافذه لطلب العلوم العصرية بتغلغل الأعداء في مراكز العلم والثقافة ووسائلها الحديثة، وزاد الأمر سوءًا إبعاد الأزهر وغيره من مؤسسات الأمة عن المشاركة الفعلية في هذه التجربة، فكانت رغم ضخامتها محمّلة بأخطاء صاحبها. ٣ - السلاطين الشباب في الدولة العثمانية ومغامرات الإصلاح: كانت الدولة العثمانية تمر بمنعطف حاسم في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وقد عرفت الدولة ما بين "سليم الثالث" و"عبد الحميد" مجموعة من السلاطين الشباب الذين خاضوا معركة عسيرة ما بين التحديث والتغريب، وسبّب اختلاط الأمر بينهما مشاكل كثيرة، وربما كان لصغر سنهم أثر في تحكم بعض الوزراء في توجيه دفة المجتمع نحو التغريب بدل الإصلاح والتحديث والتجديد. والسلاطين هم: "محمود الثاني" (١٢٢٣ - ١٢٥٥ هـ / ١٨٠٨ - ١٨٣٩ م)، "عبد المجيد الأول" (١٢٢٥ - ١٢٧٧ هـ / ١٨٣٩ - ١٨٦٠ م)، "عبد العزيز"

стр. 475

(١٢٧٧ - ١٢٩٣ هـ / ١٨٦١ - ١٨٧٦ م)، وثلاثةُ أشهرٍ لـ "مراد الخامس" (١)، الأول تولى الحكم وعمره (٢٤) سنة وفي زمنه وقع الصراع مع الدعوة السلفية في نجد، والثاني تولى الحكم وعمره ست عشرة سنة وهو أول سلطان يُضفي على حركة تغريب الدولة صفة الرسمية وعرف ذلك بفرمان التنظيمات، وأما عبد العزيز ومراد فيُذكر عنهما انتماؤهما للماسونية، وقد وقعا في فتن ذهبا ضحيتها، وما استقرت الأمور إلا بمجيء السلطان عبد الحميد، وإن كانت الأمور في عهده قد تعقدت فوقع الاستعمار وحدث انقلاب الاتحاديين وسقطت دولة الخلافة (٢). ورغم كثرة المتغيرات التي وقعت زمنهم وآثارها الكبيرة على العالم الإِسلامي؛ إلا أن ما يهمنا في هذا المقام أمران: موقفهم من العلوم العصرية، والثاني الأحداث الفكرية التي أسهمت في بروز تيارات فكرية أساءت التعامل مع هذه العلوم، على أن الثاني سيوضع في الفصل القادم. يعدّ طلب العلوم العصرية من أكثر الأمور التي حرص هؤلاء السلاطين على طلبها، وقامت من أجلها أحداث كبيرة ونزاعات مشهورة؛ مما يدل على ضخامة الحدث، وتعقد المشكلة، مما يدعو إلى استغرابنا نحن الذين نعيش في ثلاثينيات القرن الخامس عشر الهجري. ١ - السلطان محمود الثاني: كما قام محمَّد علي بالقضاء على المماليك وتقليص أثر الأزهر وعلمائه؛ كذلك افتتح السلطان محمود عهده بالقضاء على الإنكشارية -القوة العسكرية الأساسية في السلطنة- ثم تحول إلى العلماء فقلص سلطة شيخ الإِسلام (٣) وولّى الصدارة العظمى "البيرقدار"، الذي بدأ عمله بالقضاء على أعوان الخليفة السابق. وكعادة أغلب الولاة في العصر الحديث يتصدر إنشاء جيش جديد المهمات

стр. 476

الأخرى، فأعلن "البيرقدار" عزم السلطان تأسيس جيش جديد، يضارع الجيوش الأوروبية "في تعليمه ومعداته" وأن السلطان أمره بإصلاحه "واتباع الطرق العصرية الأوروبية، التي أفتى العلماء بوجوب اتباعها" (١). بدأ العمل على إنشاء جيش جديد، وأفراد هذا الجيش هم في الغالب من يحتك بالعلوم العصرية، وكان يدربه ضباط أوروبيون، وأضاف السلطان محمود إلى مدارس الهندسة البحرية والعسكرية "مدرسة طبية لتخريج أطباء عسكريين، ومدرسة موسيقية لتأهيل الفرق الموسيقية العسكرية. . . . ومدرسة للعلوم العسكرية. . . . وكانت الفرنسية لغة التدريب في هذه المدارس وكان القائمون عليها مدربين فرنسيين" (٢)، فدخلت العلوم الجديدة بلغة جديدة تختلف عن لغة العلم في البلاد؛ فـ "للمرة الأولى تم تشجيع العثمانيين المسلمين على تعلم اللغات الأوروبية" (٣)، وبدأ بعد ذلك الابتعاث إلى أوروبا من سنة (١٨٢٧ م)، وافتتح مكتب الترجمة سنة (١٨٣٣ م) (٤)، وربما حملت مجموعة هذه الأعمال مؤرخًا غربيًا "توينبي" إلى القول بأن ما وقع في عصر محمود الثاني: أول تأثير غربي حقيقي على تركيا (٥). وقد نبه باحث على هذه المرحلة بأن جمود العلماء وعدم اجتهادهم بما يناسب المرحلة؛ قد أعطى السياسيين والتغريبيين حجة في تشتيت أثرهم وتحجيمه، فهم وقفوا ضد العلوم النافعة التي تزيد من قوة الجيش والدولة "بحجة أنها من علوم الكفار" دون تفريق بين ما هو نافع يجوز أخذه وما هو ضار يجب رفضه، فاتجه القادة إلى الغرب بعيدًا عن العلماء، فأفلت الزمام من أيديهم، واستولى عليه "دعاة التغريب بسبب موقفهم الجامد والرافض لهذه العلوم" (٦). وربما يصدق هذا على طائفة من العلماء مرتبطة بالتصوف، وهي تُزهّد أصلًا في

стр. 477

علوم الشرع المعهودة فضلًا عن علوم العصر، ولكن الذي يظهر بأن الأمر أعقد من ذلك، فإن اختلاط التحديث بالتغريب (١) وغموض الأهداف عند دعاة طلب العلوم الجديدة؛ قد أوجد موقفًا متحفظًا عند العلماء والقادة الدينيين، ولاسيّما مع ارتفاع أصوات دعاة التغريب ودعوتهم إلى ما هو أوسع من الحصول على علوم نافعة وصناعة متقدمة؛ ليتجاوزوا ذلك إلى طلب أفكار وقيم وقوانين ورؤية جديدة عن الحياة، وقد برزت بوضوح في عهد السلطان عبد المجيد. ٢ - السلطان عبد المجيد: تولى الحكم في سن صغير -عمره ست عشرة سنة- بعد وفاة أبيه مما مكن بعض الوزراء من التأثير عليه؛ وكان أشهرهم "مصطفى رشيد باشا"، وقد عاش "رشيد" في أوروبا وتأثر بها (٢)، وكان السلطان عبد المجيد "خاضعًا لتأثير" هذا الوزير "الذي وجد في الغرب مثله وفي الماسونية فلسفته. ورشيد باشا هو الذي أعدّ الجيل التالي له من الوزراء ورجال الدولة، وبمساعدته أسهم هؤلاء في دفع عجلة التغريب التي بدأها. ." (٣)، لذا كان عبد المجيد يُعدّ "أول سلطان في آل عثمان يُضفي على حركة تغريب الدولة العثمانية صفة الرسمية، إذ إنه أمر بتبني الدولة لهذه الحركة وأمر بإصدار فرمانَيْ التنظيمات عامي (١٨٥٤ و ١٨٥٦ م)، وبهما بدأ في الدولة العثمانية ما سمّي بعهد التنظيمات، وهو اصطلاح؛ يعني: تنظيم شؤون الدولة وفق المنهج الغربي. . . ." (٤)، وبذلك يفتح لإدارة الدولة وفق منظور غربي في الأساس، فلننظر إلى التعليم: لقد أظهر أصحاب التنظيمات حرصًا على وضع التعليم؛ "ففي (١٨٣٨ م) ذكر مجلس "الشؤون الناجعة" أن اكتساب العلوم والمهارات يتصدر جميع الأهداف والطموحات الأخرى للدولة"، وأن الدين أهميته عظيمة للآخرة، أما

стр. 478

العلوم فهي تسهل وصول الإنسان إلى درجة الكمال في الدنيا، ولهذا "أقروا بالحاجة إلى توفير تعليم عصري للمسلمين؛ لتمكينهم من اللحاق بركب التعليم المسيحي الذي كان يدرس في مدارس الطوائف، التي أعيد تنظيمها، وفي مدارس البعثات التبشيرية الأخرى. وقد أدركوا الرغبة لإيجاد نظام عام للتعليم العلماني من أجل إنجاح الهدف الرامي إلى الجامعة العثمانية. وقد أدى إنشاء وزارة التعليم عام (١٨٤٧ م) إلى سحب التعليم من هيمنة رجال الدين. .". وبحسب رأي "مالكولم" فقد كان "ما أنجزته التنظيمات في مجال التعليم محدودًا جدًا" (١)، وعلينا أن نتخيل دولة عظيمة كالدولة العثمانية ينحط بها الضعف لدرجة أنها تأمل في تعليم يوازي تعليم أقليات ضعيفة تحت سيادتها. لأكثر من خمسين سنة، فترة ولاية محمود الثاني وابنه عبد المجيد؛ وقعت متغيرات خطيرة على مستوى دولة الخلافة، أهمها الاختراق الغربي الواضح لدولة الخلافة، فأصبحت المؤسسات الجديدة معتمدة إلى حد بعيد على الخبير الأجنبي أو الفكر الأجنبي، ويفقد بذلك مركز الخلافة استقلاله الحقيقي ويبقى رهينة للغرب، ليس على المستوى المالي والصناعي والمادي فحسب، بل العلمي والفكري أيضًا، وكان ذلك مما مهد للتيارات الفكرية الجديدة من الظهور والتأثير، وأسهم في عودة القوة للأقليات الدينية وربط إدارتها بالخارج مع فتح أبواب الدولة للإرساليات الدينية والعلمانية بالدخول إلى دولة الخلافة، وعندما صدر فرمان التنظيمات (١٨٣٩ م) فرح به المنصِّرون، وبعد أيام من صدوره كانت الإرسالية الأولى تغادر مرسيلية (٢) باتجاه العاصمة العثمانية، والأسوأ من ذلك أن قادتها -وهم يدعون للنصرانية- يروجون لمقولة: إن القرآن يحرم التعليم، وبذلك يربطون التعليم العصري بالكنيسة فقط (٣). لقد كان الأمر خطيرًا؛ أي: وجود قوى غير إسلامية أو تغريبية تقود مسيرة المجتمع في جميع مجالاته، وكان من أخطرها قيادتهم لمؤسسة العلم العصري

стр. 479

ذاتها ورسم صورة العلاقة بالعلوم الحديثة، فالدولة قد ربطت إصلاحاتها الجديدة بإصلاح التعليم، فهي ترى أن سبب ضعف الدولة راجع إلى ضعف المؤسسة العلمية، وأن قوتها ستكون عبر التركيز على نوع معين من التعليم هو المعروف في أوروبا الذي تسبب بقوتها، وفي الوقت نفسه سيتولى إدارة هذا "العلم" طلبًا ونشرًا وبناءً من هم أصلًا من أعداء الأمة أو أصحاب ميول تغريبية، فالنتائج المتوقعة لا تخفى على المتأمل. وكون هذه التجربة وقعت باللغة التركية؛ فإن ذلك أبعدها نسبيًا -ولا سيّما في التفاصيل- عن الجزء العربي من العالم الإِسلامي، ولذا كانت التجربة المصرية أقرب في التأثير على هذا الجزء من العالم الإِسلامي؛ لأنها كانت غالبًا باللغة العربية، ولكن مجمل الصورة أثرت كثيرًا على مستقبل العالم الإِسلامي السياسي والعلمي؛ لارتباط أغلب بلاد المسلمين بالدولة العثمانية. وسيظهر تيار سياسي وفكري خطير في مقر السلطنة، وسيؤثر في الدولة العثمانية وفي البلاد التي ظهر فيها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وهذا التيار هو التيار الماسوني الذي نجح تحت الضغط الغربي من فتح محافله في مقر السلطنة وفي الشام ومصر، وقد كان لهذا التيار شأنه في عهد الإصلاحات المذكورة فترة محمود الثاني وابنه عبد المجيد، وظهر على السطح زمن السلطان عبد العزيز. ٣ - السلطان عبد العزيز: سبق أن رأينا نجاح أوروبا في التدخل وفرض مطالبها ومن ذلك دعوى الإصلاح بالصورة التي تريدها، وقد كان لها منافذ خطيرة أشهرها اليهود والنصارى الموجودون في الدولة، ولاسيّما الجزء الأوروبي من الدولة العثمانية، فدخل الغرب من خلالهم، كما أن اليهود الذين هربوا من الأندلس في أثناء سيطرة النصارى عليها وسلبها من المسلمين، قد أقام أكثرهم في منطقة سالونيك، وهناك تكونت جمعيات يهودية وأخطرها الماسونية، وبعض من أسلم منهم بقي مرتبطًا في الباطن بهذا الدين، ومنهم الوزير المشهور مدحت باشا (١)

стр. 480

الذي أصبح الصدر الأعظم زمن السلطان عبد العزيز بن محمود الثاني الذي تولى السلطنة بعد موت أخيه. استمر الوضع السابق مع السلطان عبد العزيز، وفي ميدان التعليم أسست مدرسة ثانوية (١٢٨٥ هـ - ١٨٦٨ م) هي "غلطة سراي" جميع موادها باللغة الفرنسية مع اللغة التركية، الغاية منها: "تخريج طائفة من الشباب القادر على حمل عبء الوظائف العامة"، وكان طلابها من مختلف الديانات وإن كان أكثرهم من المسلمين (١) ويُهيئ هؤلاء لقيادة الدولة. وقد وقعت في زمنه حادثة مشهورة في دار الفنون -الجامعة- فقد أقيم حفل وألقى فيه جمال الدين الأفغاني كلمة أثارت اللغط حوله وحول دار الفنون، وحول هذه الجامعة وفي سياق الحديث عن قصة الأفغاني يقول أحد الماركسيين: "وقد كانت في تركيا مدارس عليا تدرس فيها العلوم والتكنولوجيا، ولكن هذه المدارس كالعادة كانت معاهد فنية بحتة تفصل العلم عن الفكر والقيم الاجتماعية؛ ولذا فقد كان ميلاد هذه الجامعة غصة في حلوق المحافظين الأتراك الذين كانت تعبر عنهم "هيئة كبار العلماء" بقيادة شيخ الإِسلام حسن أفندي فهمي"، فصورها على أنها النموذج الأكاديمي الجديد الذي يحذو حذو النماذج الغربية، وقد أُغلقت الجامعة بعد هذه الحادثة (٢). وفي ميدان التيارات الفكرية والمذاهب السياسية والعمل الحربي؛ ظهرت "تركيا الفتاة"، ولم تكن بعيدة عن الجمعيات الماسونية السالفة، وتزعمت بقوة دعوة التغريب "تتألف من مجموعة صغيرة من الشباب جلهم من رجال الدولة الذين درسوا اللغات الأوروبية" (٣)، وقد كان لهذه الجمعية أثر كبير في مستقبل الدولة العثمانية والعالم الإِسلامي فيما بعد، وقبل مقتل الخليفة بعام أعلنت الدولة سنة (١٨٧٥ م) إفلاسها (٤)، وبرزت مشكلة الديون الكبيرة، وأسهم ذلك مع

стр. 481

أسباب أخرى في توفير قاعدة أساسية لتدخل أوروبا وإرغام الدولة على اعتماد خطة تحت إشراف أوروبي، فإذا كانت هذه حال الدولة الأم في العالم الإِسلامي فكيف هي الحال بغيرها؟! خُتمت مرحلة السلاطين الشباب ببروز تيار التغريب، وقد كان سنده الخلفي الداخلي من اليهود داخل السلطنة وعلى مقربة من العاصمة، وكان أهم ممثل لتيار التغريب هو "تركيا الفتاة"، وأهم سند خلفي يهودي منظم آنذاك هم "الماسون"، وقد نجح هؤلاء -في ظروف غامضة- في إقصاء السلطان عبد العزيز ثم قتله، والمجيء بمراد الخامس ابن عبد المجيد الأكبر وهو ممن انخرط في الماسونية، وكان بسببهم قد تشبع بالأفكار العلمانية والفلسفة الغربية، ولكن حكمه لم يطل؛ فبعد ثلاثة أشهر أصيب بمرض عقلي فأقيل (١)، لندخل في عهد ولاية عبد الحميد الطويلة والخطيرة في الوقت نفسه. وعند الرجوع إلى هذه المرحلة التي تسمى أحيانًا فترة الإصلاح وعهد التنظيمات؛ نجد نتيجة محزنة للغاية، كان أخطرها: تدخل الغرب، وقوة الأقليات وسعيها للانتقام، وتمكن تياراتها من التغلغل والتأثير، وبروز تيار التغريب بقوة، وقد وقع العلم والتعليم فريسة لهذه المستجدات، فضُرب التعليم الديني، وانهمكت الدولة في طلب العلوم العصرية، مع أن أغلب ذلك كان مزاعم لا حقيقة لها؛ حيث لم يظهر هناك ما يثبت حصول الدولة على معارف نافعة تَبِعها تقدم دنيوي كما حصل في تجربة موازية لتجربتنا وهي تجربة اليابان مثلًا أو تجربة الروس، وإنما الذي حدث هو تقليد أعمى في المظاهر والفنون والآداب والأفكار، وعن هذه الإصلاحات يتحدث رجل قريب من تلك المرحلة وخبير بها -الشيخ محمَّد رشيد رضا- فيقول: "وأما رجال السياسة والإدارة فكانوا مفتونين بتقليد الإفرنج في معيشتهم وحريتهم وظواهر نظمهم، وإنما كانوا يقلدونهم فيما يسهل فيه التقليد كتقليد الطفل لمن يعظم في عينه من الرجال، وتقليد الأصاغر لمن فوقهم من الأكابر، كالأزياء والعادات وشكل المدارس والدواوين، وقد ترجموا أكثر القوانين فلم يقيموا منها شيئًا، وأما العلوم والفنون

стр. 482

والصناعات وطرق الثروة والنظم المالية فلم يتقنوا منها شيئًا" (١). لقد طغى النموذج الغربي على مفهوم الإصلاح والتحديث؛ مما جعله يتحول إلى عملية تغريب، وأوصلهم في النهاية إلى استبدال الإنكشارية بنظام عسكري جديد على نمط الجيوش الأوروبية، وأبعدت الشريعة رويدًا رويدًا وطبق مكانها القوانين، "كما أن نظام التعليم الحديث حورب ثم ألغي نظام المعارف الإِسلامي" (٢)، وهي نهايات أليمة. لم تكن هذه التجربة خاصة بعاصمة الدولة العثمانية؛ بل هي كذلك ممتدة بآثارها إلى البلاد التي تحت ولايتها المباشرة وأشهرها بلاد الشام "فلسطين والأردن وسوريا ولبنان" وكذا العراق، فضلًا عن أن هذه البلاد لم يُعرف عنها تجارب من قبل ولاتها، وإنما جاءت صلتها بالعلوم العصرية من خلال المدارس الأهلية ولاسيّما مدارس الإرساليات التنصيرية، فلم تكن تجربة قمنا نحن بها وإنما غيرنا قام بها, لذا سنؤجلها للفصل القادم بإذن الله، أما هنا فيكفي التذكير بأن تجربة الشام لم تخرج عن تجربة الدولة العثمانية.

стр. 483

سادسًا: تجربة بلاد المغرب رأينا فيما سبق بأن القرن الثالث عشر/ التاسع عشر هو نقطة تحول في العالم الإِسلامي، وقد كان من أهم مرتكزات هذا التحول طلب العلوم العصرية على حالها في أوروبا، وتتبعت باختصار حال طلبها في أهم أجزاء العالم الإِسلامي: مركز الخلافة وبلاد الهند وولاية مصر زمن محمَّد علي وأبنائه من بعده، كانت الهند أهم جزء اشتبك في هذه القضية في الشرق الأقصى من العالم الإِسلامي، وكانت مصر أهم جزء عربي، ومن الطبيعي أن يكون مركز الخلافة أول الجهات أو أكثرها اهتمامًا بهذه القضية، إلا أن تجربة مركز الخلافة كانت باللغة التركية؛ مما أعاق انتفاع غير الأتراك بها ولاسيّما أهل اللسان العربي، وقيل مثل ذلك في التجربة الهندية إضافة إلى بعدها عن المراكز الحضارية التاريخية للعالم الإِسلامي. والآن نتأمل في جزء مهم من العالم الإِسلامي دخل أيضًا في هذه المعركة وهي بلاد المغرب، وقد كانت في الغالب رغم تبعيتها للدولة العثمانية تتمتع بحكم شبه ذاتي، وكان من الطبيعي أن تكون هذه البلاد أول من يحتك بأوروبا بسبب جغرافيتها، والطريف في علاقة هذا الجزء من العالم الإِسلامي بأوروبا: أنه كان من زمن قريب مقصد الأوروبيين في طلب العلم، وإذا بنا بعد زمن نصل من الضعف لدرجة مذلة ومهينة عند طلبها منهم. لم يستطع هذا الجزء من العالم الإِسلامي طلب ما يحتاجه من أوروبا طلب الند من الند أو القوي من القوي وإنما جاء في وقت صعب، وجاء طلبها من ضعيف خائف من غدرة القوي، بينما أوروبا آنذاك تتأهب لاستعمار البلاد

стр. 484

الإِسلامية، وما أخّرها إلا اختلافهم الشديد حول الغنيمة، وقد أسهم بُعدها عن مقرّ الخلافة في سهولة اختراقها واحتلالها، وعندما احتلت فرنسا الجزائر سنة (١٨٣٠ م) لم تستطع الدولة العثمانية فعل الكثير، فما كان باستطاعتها فعل شيء، وكانت الحال أصعب فيما بعد. كانت تونس والمغرب من الحواضر الإِسلامية المهمة، وكان في تونس جامع الزيتونة وفي المغرب جامع القرويين يلتحق بهما طلبة العلم، ويتخرج منهما العلماء فضلًا عن مراكز أخرى هنا أو هناك، وقد كان الجامعان أشبه بالجامعتين، ولكنهما كغيرهما من جوامع المسلمين العلمية قد أخرجت الكثير من العلوم من دائرة اهتمامها في وقت الضعف الذي خيّم على العالم الإِسلامي، ومن ذلك العلوم الدنيوية النافعة، ولكن بالقرب منهما يرون بوضوح ثمار هذه العلوم في حياة الناس من تطور طبي وصناعي وعمراني وحربي. ولوجود الجامعين (الجامعتين) في تونس والمغرب؛ فسنركز عليهما أكثر من غيرهما، مع أن كل ذلك يرد على سبيل الاختصار بما يكفي لإبراز صورة طلب هذه العلوم، وما يكفي لإبراز أهم المشكلات التي ارتبطت بهذا الحدث. بعد فقد المسلمين لبلاد الأندلس وقعت قطيعة بين أوروبا وبلاد المغرب رغم تقاربهما، بدأت أوروبا تستمتع بالمكاسب، وطورت نفسها دنيويًا بما حصلت عليه من علوم من بلاد المسلمين، بينما كان فقد الأندلس فترة انحدار وضعف لبلاد المغرب كغالب العالم الإِسلامي، وبدأ الاتصال يعود عبر التجار والرحّالة، وكثرت كتب الرحلات من قبل المغاربة حول ما رأوه في أوروبا، وكان الوجود اليهودي في المغرب نافذة للعلاقة بالغرب، حيث كان سفرهم للغرب أيسر من سفر المسلمين، كما أن أوروبا اتخذت من هؤلاء اليهود فرصة للتدخل في بلاد المغرب. عند ذلك بدأ التفكير عند بعض الولاة بطلب بعض هذه العلوم من أوروبا، كل بحسب استطاعته وقدرته على المناورة والحركة مع دول تتأهب لاحتلال بلاد المسلمين، وقد مرّ ذلك بمراحل: أولها ما قبل الاستعمار، حيث كان الولاة يطلبون ما يدعم سلطتهم، فظهرت محاولتهم أولًا لإعداد جيش عصري وإنشاء مدارس حديثة تلبي احتياجات الجيش والولاية، وتمّ ذلك في فترة تدخّل غربي خطير وإن لم يكن هناك احتلال فعلي إلا أنه أشبه بالاحتلال، وثاني هذه

стр. 485

المحاولات كانت في فترة الاستعمار الذي بدأ بالجزائر سنة (١٨٣٠ م) ثم تونس ثم المغرب وهكذا، وثالث هذه المراحل جاءت بعد الاستعمار. يمثل احتلال الجزائر سنة (١٨٣٠ م) مرحلة حساسة في بلاد المغرب، حيث أوجدت الخوف الشديد من مصير الجزائر ومن ثم قناعة النخب بأن الحلّ هو في بناء دولة قوية تستطيع مواجهة أطماع أوروبا (١)، وكان من صور القوة المتخيلة: الحصول على العلوم والمعارف الحديثة المعروفة في أوروبا لما يترتب عليها من أمور صناعية وعمرانية، أما الجزائر فقد أُوقف خط تطورها الذاتي وتمّ إنهاكها من قبل المحتل وفُرض عليها سياسة الفرنسة، فلننظر ماذا وقع في هذه البلاد؟ وكيف خاضت التجربة من خلال تجربتي تونس والمغرب؟ ١ - تجربة تونس: منذ احتلال الجزائر دخلت تونس طورًا جديدًا من الاتصال مع الغرب ولاسيّما فرنسا، وبدا أثر ذلك في كثير من المظاهر العامة، كما بدا واضحًا في الوجود الأجنبي المكثف "الذين صبغوا الحياة العامة بالعادات الغربية"، وبرز التدخل الأجنبي كحقيقة لا يمكن تجاهلها (٢). وقد كانت تونس ولاية عثمانية إلا أنها كانت في شبه استقلال لاسيّما مع الحكام "المراديين"، ويُسمى الوالي فيها "الباي" المرتبط عادة بالسلطة العثمانية (٣)، وكان أشهر الولاة الذين عاصروا فترة التحولات: المشير أحمد باشا (٤)، حيث كان في زمن محمود الثاني صاحب النشاط التحديثي في السلطنة، وفي زمن محمَّد علي صاحب النشاط البارز في مصر، وكان في الوقت نفسه

стр. 486

معجبًا بأوروبا ونابليون فاتجه نحو فرنسا (١). وكانت هموم أغلب الولاة آنذاك تبدأ من الجيش، بإعداد جيش عصري حاصل على المعارف الحديثة ولابد من ضباط جدد على الطراز الأوروبي، وقد كان من أبرز منافذ تونس على العلوم العصرية: المدرسة الحربية، ثم ما قام به وزير تونس المشهور خير الدين. أ- المدرسة الحربية والصادقية: كان باي تونس يريد إنشاء جيش عصري على معرفة بالأمور الحديثة، فقرر إنشاء مدرسة حربية بـ "باردو" سنة (١٨٤٠ م) التي عرفت بمدرسة باردو "المدرسة الحربية" (٢)، أما من جهة الإدارة والمدربين: فقد أشرف عليها أول الأمر كولونيل إيطالي وكان مدربًا للجيش التركي، ثم القبطان كامبنون الذي سيصبح وزيرًا للحربية الفرنسية فيما بعد، وجلب إليها مدرسين من إيطاليا وإنجلترا وفرنسا (٣)، وكان إلى جانب هؤلاء الشيخ محمود قبادو (١٨١٢ - ١٨٧١ م) ليدرس الطلاب التربية الإِسلامية واللغة العربية، يتميز بحثّهِ الطلاب على تحصيل العلوم الجديدة، مع أنه متصوف مشهور (٤). أما من جهة المحتوى فقد كانت أول "مؤسسة تعليمية درست إلى جانب العلوم الحربية، علومًا أخرى: كالرياضيات والهندسة، والجغرافيا، كما درست اللغتين الفرنسية والإيطالية. . . ." (٥). وبعد أكثر من ثلاثين سنة من مدرسة "باردو" أسس "خير الدين التونسي" "المدرسة الصادقية" سنة (١٨٧٤ م) لتتولى تدريس علومٍ عصرية خارج المدرسة الحربية لتنشئة الشباب التونسي للمهن الحرة، واشتمل "برنامج التعليم فيها

стр. 487

فضلًا عن العربية على: الرياضيات والعلوم والتاريخ والجغرافيا، واللغات: الفرنسية والإيطالية والتركية، أما مدة الدراسة فيها فكانت سبع سنوات، يرسل بعدها المتفوقون من الطلبة إلى مدرسة "سان لويس" بباريس لاستكمال تخصصهم" (١)، وكانت هيئة التدريس فيها "مؤلفة من نخبة من الأساتذة الأوروبيين" (٢). اطلع أهل تونس على العلوم العصرية من خلال هاتين المدرستين: "المدرسة الحربية"، و"الصادقية"، مع منافذ أخرى، ولكن السيطرة في هذه المدارس كانت للأوروبيين، ورغم أهمية التجربة إلا أن المتوقع في مثل هذه الحال هو عرض العلوم بالروح التي تعرض عليها في أوروبا ولاسيّما أوروبا ما بعد عصر التنوير وما بعد الثورة الفرنسية. ولا ننسى بأن تونس تحتوي على الجامع الشهير والمركز العلمي الكبير "جامع الزيتونة" (٣) الذي كان يدرس العلوم الإِسلامية على طريقة كثير من المعاهد الإِسلامية آنذاك ولاسيّما الجامع الأزهر في مصر، وإن كان هذا الجامع يعاني مما يعاني منه التعليم الإِسلامي في عصوره المتأخرة من غلبة العلوم الكلامية والتعصبات المذهبية التي تعطل نفعه وتضعف ثمرته. ونجد في هذه التجربة كما في التجربة المصرية والعثمانية: أن نقطة الانطلاق في طلب العلوم العصرية ابتدأت من خارج المركز العلمي المعهود "جامع الزيتونة" مكونة بذلك نقطة علمية منافسة للعلم التقليدي، وهي نقطة ستكبر إلى درجة قضائها على المركز العلمي الإِسلامي، كما أن هذه النقطة الجديدة كانت من البداية تحت إدارة غربية مباشرة، وكانت أيضًا مهتمة بالجيش مع أن اطلاع الجيش على العلوم العصرية لا يجعل من ذلك فرصة لتطور هذه العلوم واستنباتها النبات الصحيح.

стр. 488

ب- خير الدين التونسي: وكما عرفت التجربة المصرية مجموعة من المفكرين والمنظرين للعلاقة بالغرب ودعوتهم للحصول على ما عنده من معارف وعلوم ونظم من أمثال: العطار والطهطاوي وغيرهما؛ فقد عرفت تونس أمثال هؤلاء وكان أشهرهم خير الدين التونسي المعاصر للطهطاوي الذي قام بأدوار مهمة في التجربة التونسية، وبعدها الدكتور فهمي جدعان (١) "أكثر نضجًا" من تجربة الطهطاوي وأقرب إلى المحيط العربي الإِسلامي. التحق خير الدين التونسي بالمدرسة الحربية بـ "باردو" سنة (١٨٤٠ م) (٢)؛ أي: بالمدرسة التي يطلع فيها الطلاب على العلوم العصرية ويختلطون فيها بالأجانب، وقد تولى في حياته الكثير من المناصب وانشغل في كثير من أعماله بكيفية إحراز التقدم والقوة بالصورة التي أحرزتها أوروبا (٣)، وقد سبق أن من بين أعماله مدرسة الصادقية. استقال من منصبه سنة (١٨٦٤ م) إثر وشايات حوله، زار بعدها عددًا من الدول الأوروبية، وألف بعدها كتابه المشهور: "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" (٤)، وقدمه بمقدمة شهيرة يرى البعض بأنها أهم ما فيه (٥)، وكان كتابه سنة (١٨٦٧ م)؛ أي: بعد ثلاث وثلاثين سنة من كتاب الطهطاوي: "تخليص الإبريز" (٦)، إلا أن كتاب الطهطاوي جاء في بداية تجربته ومرحلة الشباب، أما كتاب خير الدين فجاء بعد تجربة طويلة، وإن كانت عناصر الكتابين متقاربة في الأفكار. من بين ما عرضه في كتابه: - مطلب ذَكَر فيه من اشتهر من الأوروبيين بالمعارف والاختراعات، وفيه

стр. 489

عرضٌ موجز للتطور الفكري والعلمي والصناعي والأدبي من القرن الثالث عشر الميلادي إلى التاسع عشر (١). - تلخيص للمكتشفات والمخترعات، حيث ذكر أهم ما اكتشفوه أو اخترعوه من القرن الرابع عشر الميلادي إلى عصر المؤلف (٢). - مطلب ترتيب التعلم والتعليم بفرنسا، وفيه عرض مراحل التعليم الثلاث، ومواد كل مرحلة، ثم ذكر التخصصات الخمسة للطبقة الثالثة، وذكر أحوال الأكاديميات وسائر منابر التعلم، وأعقبها بأحوال المكتبات عندهم (٣). فعرض صورة العلوم والمعارف في تاريخه الحديث، ثم توقف مع نموذج خاص للدراسة وهو النموذج الفرنسي، بعد ذلك بزمن تولى منصب رئيس الوزراء (١٨٧٣ - ١٨٧٧ م) وأسس سنة (١٨٧٤ م) مدرسة الصادقية (٤)، ربما ليحقق شيئًا من رغبته. ولم يواصل مشواره هناك؛ فقد رحل بطلب من السلطنة إلى مقرها في تركيا سنة (١٨٧٨ م)، وتولى فيها الصدارة العظمى، ولكن بعد رحيله بأربع سنوات احتلت فرنسا أرض تونس، وبهذا لم تحقق كل تلك الإصلاحات حلم تونس في القوة والمنعة والتقدم. ٢ - تجربة المغرب: كانت المغرب مستقلة عن الدولة العثمانية بخلاف بلاد المغرب الأخرى، ويحكمها أسرة "بني فلال" منذ (١٦٤٤ م)، وكان أولهم "الرشيد" (٥)، ثم أخوه "إسماعيل بن الحسن" (١٦٧٢ - ١٧٢٧ م) لفترة حكم طويلة، ضبطا فيها الأوضاع، وفي الوقت نفسه عزلا المغرب عن تطورات أوروبا بسبب خوفهما

стр. 490

منها فيما يظهر بخلاف من سبقهما على حكم الغرب مثل "عبد الملك" وأخيه "أحمد المنصور" (١٥٧٨ - ١٦٠٣ م)، ويُعد أحمد أول من فكر في الاستفادة من أوروبا ووظف الكثير من الإسبانيين في جيشه الجديد، ولكن الفوضى التي حدثت بعد المنصور ثم وصول إسماعيل للحكم؛ جعله يوقف هذه العلاقة خوفًا من آثارها، واستمر ذلك لأكثر من مئة سنة، وكذلك الحال مع "محمَّد بن عبد الله ابن إسماعيل" (١٧٥٧ - ١٧٩٠ م) ليواصل حذره في العلاقة بأوروبا، وهو الذي عاصر التقلبات الكبيرة داخل أوروبا وما ختمت به من الثورة الفرنسية (١). وقعت مستجدات خطيرة بعد وفاة محمَّد تُنبئ عن مؤشرات خطيرة حول توجه أوروبا ولاسيّما فرنسا وإسبانيا لاحتلال بعض بلاد المغرب، ومنها حملة نابليون على مصر سنة (١٧٩٨ م)، ثم احتلال الجزائر سنة (١٨٣٠ م)، ولكن الحدث الذي وضع المغرب مكشوفًا للأعداء وضعيفًا أمامهم هي معركة "إيسلي" سنة (١٨٤٤ م)، حيث انتصر الجيش الفرنسي بعدده القليل وبأدواته الحديثة وجيشه العصري على الجيش المغربي غير المنظم وصاحب الأدوات التقليدية، وأعقبها هزيمة أخرى في تطوان مع الإسبان سنة (١٨٦٠ م)، وهنا يقع السؤال والبحث عن الحل (٢)؟ لقد رأينا بأن أغلب الدوافع وأهمها لأغلب التجارب التحديثية جاءت بعد انكسار عسكري، كان ذلك في التجربة المصرية أمام حملة نابليون، والتجربة العثمانية أمام الروس وجيوش أوروبا، والتجربة الهندية أمام الإِنجليز، والتجربة التونسية بمشاهدة ما حدث لجيرانهم، وهنا المغرب أمام فرنسا وإسبانيا. قاد هذه المرحلة من الناحية السياسية السلطان "محمَّد الرابع بن عبد الرحمن" (١٨٥٩ - ١٨٧٤ م) وابنه "الحسن" (١٨٧٤ - ١٨٩٤ م) (٣)، واتجهت

стр. 491

الأنظار إلى التجارب الإِسلامية في الإصلاح والتحديث ولاسيّما تجربة محمَّد علي في مصر، وذلك أن المغرب فيها المقومات نفسها وتواجه التحديات نفسها، وعندها مركز علمي مهم وهو جامع القرويين، فكيف كانت التجربة المغربية في البحث عن أساليب التحديث بما في ذلك طلب العلوم العصرية؟ لم تنقطع العلاقة بين السلطة وجامع القرويين كما حدث في التجربة المصرية بين السلطة والأزهر، ولكن جامع القرويين لم يستطع معالجة مشكلة "العلوم العصرية" كحال الأزهر والزيتونة، فهذه المراكز العلمية المهمة لم تستطع استنبات العلوم العصرية التي تحتاجها الأمة وتعتمد عليها الدولة في إعداد العدّة وبناء القوة ونفع الناس، وقد كانت الموانع ذاتية وخارجية، فإن تلك الجوامع العلمية لم تكن تخلو من معوقات التقدم، من جهة المناهج المنتشرة فيها وطرق التدريس، وكذا علماؤها الذين جمعوا بين علوم الكلام والتصوف مع العلوم الشرعية الأصيلة، تسببت هذه التناقضات في إعاقة أثرها الحقيقي في إنتاج المعرفة النافعة في الدين والدنيا. كما أن هناك معوقات خارجية منها ما يتعلق بالسلطة كما رأينا في التجربة المصرية أو ما يتعلق بالعلاقة مع الغرب ذاته، فأوروبا لا يمكن أن تعطينا علمًا ينفعنا ويزيد من قوتنا؛ لأن في ذلك من التهديد لها مستقبلًا، وفيه من تخفيف قوتها وسلطتها وتفوقها وهو أمر يمكن فهمه وعدم استغرابه. فهذه المعوقات الذاتية والخارجية منعت انطلاقة جامع القرويين وغيره، مع العلم بأن جامع القرويين لم يكن يجهل العلوم المادية النافعة، ففي ترجمة أحد طلابه "ابن السنوسي المتوفى سنة ١٢٧٦ هـ" الذي قدم إليه لأخذ العلم عن رجاله، حيث وصف العلوم التي تدرس فيه ذلك العهد، "وذكر منها علم الفرائض والحساب والإسطرلابَيْن وصناعتهما، والرياضيات والهندسة والهيئة، والطبيعية، والأرثماطيقي، وأصول قواعد الموسيقى، والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الأحكام والينس "بكسر النون" والوقف والقواعد الجفرية، وأصول الزايرجية، والبسط والتكسير، والجبر والمقابلة، وغيرها" (١)، وكان هذا في عهد السلطان

стр. 492

المولى سليمان، وفي هذه الفترة زار مؤرخ إسباني مدينة فاس وأعجب بحيويتها العلمية، وذكر عنها أنها تحاكي "أثينا أوروبا" وأن باستطاعة "المرء أن ينظر على أنها "أثينا" إفريقيا، لكثرة أساتذتها، وكثرة الذين ينتسبون إلى العلم فيها، وبالتالي لوفرة مدارسها التي تكتظ بالطلبة" (١). والذي يظهر أن هذه المعرفة النظرية لم تتحول إلى واقع عملي تطبيقي يستفيد منه المجتمع، ولذا لم يظهر الطب والصناعة والإدارة والتنظيم الذي هو ثمرة مثل هذه المعارف، كما أن فيها ما لا نفع فيه. تشارك المغرب التجارب الأخرى في تجربة التحديث، ولكنها كانت في وضع أصعب وأخطر، فإذا كانت الجزائر الولاية العثمانية قد تم احتلالها ولم تستطع الدولة العثمانية مساعدتها؛ فمن باب أولى لدولة في آخر جزء من غرب العالم الإِسلامي أن تكون أكثر تعرضًا للخطر، ومن ثمّ عليها المسارعة في الاستعداد للمواجهة الصعبة. كحال التجارب السابقة التي ركزت على الإصلاح والتحديث المادي. كانت الطرق المقترحة لتحصيل العلوم العصرية والأنظمة الحديثة إما بجلب بعض الأجانب أو بالابتعاث، وكانت فرنسا في أغلب التجارب هي صاحبة الحظ الأوفر في هذا الباب. أ- تنبيه النخبة بأهمية العلوم العصرية: شعر الكثير أن من بين أسباب الهزيمة أمام فرنسا وإسبانيا في "إيسلي وتطوان" هو تخلف الجيوش المغربية مقابل تقدم الجيوش الأوروبية، فالجيوش الأوروبية تملك من النظام والإدارة وكذا من الأسلحة ما يجعلها متفوقة ماديًا على الجيش المغربي، وأن هذا النظام وهذه الأسلحة راجعة إلى التقدم العلمي الذي عرفته أوروبا (٢)، لذا فطريق النهضة يكون من باب العلوم والمعارف، وأن

стр. 493

هناك تلازمًا بين القوة والعلم، فإنهم -أي: الأوروبيين- عند طلبهم للقوة "هرعوا إلى تدريس العلوم الرياضية والطبيعية، أدتهم إلى الاختراعات الوقتية والمستنبطات الصناعية. حتى قال بعض علمائهم: الجاهل الآن كالأعزل في القرون الماضية. فمن كان الآن أكثر علمًا، كان أشد قوة" (١)، ومثل هذه النبرة تفيد أن هناك تحولًا في مفهوم العلم (٢) أو توسيعًا لدائرته ليشمل العلوم الإنسانية التي تساعد الناس في دنياهم من طب وصناعة وإدارة وغيرها, ولاسيّما "العلوم الرياضية والطبيعية". كانت أخبار هذه العلوم الجديدة وثمارها الدنيوية تصلهم عن طريق الأجانب الذين يصلون للمغرب أو عبر الأقليات الدينية التي تجد رعاية خاصة من الأوروبيين من اليهود والنصارى، وأهم من ذلك عن طريق الرحلات الاستكشافية من بعض المغاربة لبلاد أوروبا، ومنها مثلًا رحلة ابن الصفار الدبلوماسية لبلاد فرنسا سنة (١٨٤٥ م)؛ أي: بعد عشر سنوات تقريبًا من صدور كتاب الطهطاوي: "تخليص الإبريز" (٣)، وقد وصف ابن الصفار المجتمع العلمي والثقافي في فرنسا ولكنه ليس كوصف الطهطاوي؛ لأن الطهطاوي كان أطول مكوثًا وأكثر اطلاعًا، ومع ذلك فقد كشف ابن الصفار وغيره من أهل الرحلات حال التعليم والعلوم والمدارس والكليات والمعاهد والمختبرات (٤). ب- إصلاح التعليم أو توسيع دائرته: عندما شعر أهل المغرب بحاجتهم لعلوم أخرى تساعدهم في التقدم الدنيوي وتعطيهم قوة يواجهوا بها أعداءهم شرعوا في العمل على تحصيلها وتعليمها، وكان ذلك واضحًا مع "محمد الرابع ابن عبد الرحمن" (١٨٥٩ -

стр. 494

١٨٧٤ م) وابنه "الحسن الأول" (١٨٧٤ - ١٨٩٤ م)، وفي ذلك يقول الدكتور عبد الهادي التازي: "ولقد فتحت الأحداث عيون المغرب على بعض الحقائق التي كان عليه أن يعرفها فقد توالت الأطماع في الأرض المغربية"، إلى أن قال: "وكل ذلك كان يقتضي أن نتعرف عن كثب أولئك الذين يحاولون السطو علينا، ولن يتم ذلك إلا عن طريق المدرسة. لم تكن الرحلات العلمية، ولا البعثات السياسية المغربية التي ظلت تنتقل من الخارج، كافية وحدها لتنقل بواطن الأمور ودواخلها. ولذلك أصبح من المتحتم أن تتطور البلاد بالتفتح على الخارج، وكان من الحكمة أن تتم التجربة الأولى بالبعثات إلى مصر. . . ."، فوجه السلطان محمد الرابع طائفة لتلقي العلوم الرياضية، ثم "وجد السلطان المولى الحسن نفسه أمام أعباء جدّ ثقال في أعقاب الكبوة التي حلت بالمغرب بسطو إسبانية على تطوان، فكان يشعر أتمّ الشعور بضرورة الدفع بالبلاد إلى الأمام. وقد اقتفى الملك الحسن الأول خطوات والده في توجيه البعثات إلى الخارج، وأعرب عن رغبته لبعض رؤساء البعثات الأجنبية المعتمدة بالمغرب، وكان أن توجهت بعثة مهمة من الشباب إلى إنكلترة وفرنسة وإيطالية وإسبانية" (١)، ويقول ابن زيدان عبد الرحمن عن عمل السلطان الحسن الأول: "ولما نظر إلى الأمم الراقية وما أفادها العلم الرياضي والطبيعي من القوة والسلطان والشفوف على الأقران في معترك الحياة؛ أراد أن يزج ببلاده في ذلك الميدان الواسع، فعضد إرسال الشبان المتخرجين من مدرسة والده، وتوجهوا لعواصم أوروبا لتتميم دروسهم، فعين لكل فريق رجلًا من أهل الدين والعلم لمرافقتهم وصيانتهم، وأجرى عليهم النفقات الكافية. ولما زاولوا دروسهم وملؤوا بكل نافع حقائبهم، يمّموا بلادهم ليثبتوا فيها ما ينفع مستقبلهم. فلم يعدموا معاكسًا وقف سبيلهم، وحرم البلاد والعباد ما كان يرجى من فوائد معارفهم بفتح المدارس وسلوك هذا السبيل كما سلكه أهل اليابان لذلك العهد الذي رافقوهم في دروسهم. فكانت النتيجة أن تقدم اليابانيون وتأخرنا. ولله في خلقه شؤون" (٢).

стр. 495

ويتفق الكثير على فشل التجربة مع الاختلاف في الأسباب، فهناك من يرى السبب يرجع إلى نخبة من الفقهاء ورجال المخزن ناهضوا التحديث العلمي، أو أنه تم إغفال المبتعثين ورمي بهم في زاوية الإهمال (١)، أو أن ذلك بسبب الضغط الخارجي وهو أقرب للتصور، وفي ذلك يقول عبد الكريم غلاب: "وكثير من هؤلاء الطلبة تخصصوا في الفنون العسكرية. وكثير منهم عادوا إلى المغرب مهندسين وأطباء وضباطًا عسكريين. ثم واجهتهم بوادر الحماية ونهاية عهد الاستقلال فضاعوا في ثنايا النظام الجديد" (٢). وأما تحفظ بعض العلماء تجاه أوروبا فإن الاتصال قديمًا كان "اتصال الند بنده والنظير بنظيره، وإنه أمسى هذه الأيام مشوبًا بنوع من الخطر الذي يهدد البلاد"، وقد استشعر العلماء هذه الحالة، وقد "كانوا في حيرة، فالجميع كانوا يخافون من الغزو الأجنبي في أي مظهر كان، ويرون بعين الشك كل بادرة من بوادر الأجنبي، فإذا طلب منا مواد خفنا أن يكون فيها عنصر يكسبه قوة علينا! وإذا اقترح الأجنبي إنشاء القطار أو التلغراف شككنا في مقاصده. وهكذا فمن شدّة الغيرة على استقلال البلاد كان بعض العلماء يتمسكون بسياسة إغلاق الباب، في حين كان فيه آخرون يرون أن الحفاظ على الاستقلال يقتضي التفتح على الدنيا" (٣). وهكذا لحقت التجربة المغربية أخواتها في حظها من الفشل كحال مصر وتونس والسلطنة وغيرها، وختمت باحتلال الأجنبي لبلاد المسلمين وتعطيل كل تلك الجهود التحديثية.
следующие страницы →