← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الأنظار إلى التجارب الإِسلامية في الإصلاح والتحديث ولاسيّما تجربة محمَّد علي في مصر، وذلك أن المغرب فيها المقومات نفسها وتواجه التحديات نفسها، وعندها مركز علمي مهم وهو جامع القرويين، فكيف كانت التجربة المغربية في البحث عن أساليب التحديث بما في ذلك طلب العلوم العصرية؟ لم تنقطع العلاقة بين السلطة وجامع القرويين كما حدث في التجربة المصرية بين السلطة والأزهر، ولكن جامع القرويين لم يستطع معالجة مشكلة "العلوم العصرية" كحال الأزهر والزيتونة، فهذه المراكز العلمية المهمة لم تستطع استنبات العلوم العصرية التي تحتاجها الأمة وتعتمد عليها الدولة في إعداد العدّة وبناء القوة ونفع الناس، وقد كانت الموانع ذاتية وخارجية، فإن تلك الجوامع العلمية لم تكن تخلو من معوقات التقدم، من جهة المناهج المنتشرة فيها وطرق التدريس، وكذا علماؤها الذين جمعوا بين علوم الكلام والتصوف مع العلوم الشرعية الأصيلة، تسببت هذه التناقضات في إعاقة أثرها الحقيقي في إنتاج المعرفة النافعة في الدين والدنيا. كما أن هناك معوقات خارجية منها ما يتعلق بالسلطة كما رأينا في التجربة المصرية أو ما يتعلق بالعلاقة مع الغرب ذاته، فأوروبا لا يمكن أن تعطينا علمًا ينفعنا ويزيد من قوتنا؛ لأن في ذلك من التهديد لها مستقبلًا، وفيه من تخفيف قوتها وسلطتها وتفوقها وهو أمر يمكن فهمه وعدم استغرابه. فهذه المعوقات الذاتية والخارجية منعت انطلاقة جامع القرويين وغيره، مع العلم بأن جامع القرويين لم يكن يجهل العلوم المادية النافعة، ففي ترجمة أحد طلابه "ابن السنوسي المتوفى سنة ١٢٧٦ هـ" الذي قدم إليه لأخذ العلم عن رجاله، حيث وصف العلوم التي تدرس فيه ذلك العهد، "وذكر منها علم الفرائض والحساب والإسطرلابَيْن وصناعتهما، والرياضيات والهندسة والهيئة، والطبيعية، والأرثماطيقي، وأصول قواعد الموسيقى، والمساحة والتعديل والتقويم وعلم الأحكام والينس "بكسر النون" والوقف والقواعد الجفرية، وأصول الزايرجية، والبسط والتكسير، والجبر والمقابلة، وغيرها" (١)، وكان هذا في عهد السلطان

стр. 492

المولى سليمان، وفي هذه الفترة زار مؤرخ إسباني مدينة فاس وأعجب بحيويتها العلمية، وذكر عنها أنها تحاكي "أثينا أوروبا" وأن باستطاعة "المرء أن ينظر على أنها "أثينا" إفريقيا، لكثرة أساتذتها، وكثرة الذين ينتسبون إلى العلم فيها، وبالتالي لوفرة مدارسها التي تكتظ بالطلبة" (١). والذي يظهر أن هذه المعرفة النظرية لم تتحول إلى واقع عملي تطبيقي يستفيد منه المجتمع، ولذا لم يظهر الطب والصناعة والإدارة والتنظيم الذي هو ثمرة مثل هذه المعارف، كما أن فيها ما لا نفع فيه. تشارك المغرب التجارب الأخرى في تجربة التحديث، ولكنها كانت في وضع أصعب وأخطر، فإذا كانت الجزائر الولاية العثمانية قد تم احتلالها ولم تستطع الدولة العثمانية مساعدتها؛ فمن باب أولى لدولة في آخر جزء من غرب العالم الإِسلامي أن تكون أكثر تعرضًا للخطر، ومن ثمّ عليها المسارعة في الاستعداد للمواجهة الصعبة. كحال التجارب السابقة التي ركزت على الإصلاح والتحديث المادي. كانت الطرق المقترحة لتحصيل العلوم العصرية والأنظمة الحديثة إما بجلب بعض الأجانب أو بالابتعاث، وكانت فرنسا في أغلب التجارب هي صاحبة الحظ الأوفر في هذا الباب. أ- تنبيه النخبة بأهمية العلوم العصرية: شعر الكثير أن من بين أسباب الهزيمة أمام فرنسا وإسبانيا في "إيسلي وتطوان" هو تخلف الجيوش المغربية مقابل تقدم الجيوش الأوروبية، فالجيوش الأوروبية تملك من النظام والإدارة وكذا من الأسلحة ما يجعلها متفوقة ماديًا على الجيش المغربي، وأن هذا النظام وهذه الأسلحة راجعة إلى التقدم العلمي الذي عرفته أوروبا (٢)، لذا فطريق النهضة يكون من باب العلوم والمعارف، وأن

стр. 493

هناك تلازمًا بين القوة والعلم، فإنهم -أي: الأوروبيين- عند طلبهم للقوة "هرعوا إلى تدريس العلوم الرياضية والطبيعية، أدتهم إلى الاختراعات الوقتية والمستنبطات الصناعية. حتى قال بعض علمائهم: الجاهل الآن كالأعزل في القرون الماضية. فمن كان الآن أكثر علمًا، كان أشد قوة" (١)، ومثل هذه النبرة تفيد أن هناك تحولًا في مفهوم العلم (٢) أو توسيعًا لدائرته ليشمل العلوم الإنسانية التي تساعد الناس في دنياهم من طب وصناعة وإدارة وغيرها, ولاسيّما "العلوم الرياضية والطبيعية". كانت أخبار هذه العلوم الجديدة وثمارها الدنيوية تصلهم عن طريق الأجانب الذين يصلون للمغرب أو عبر الأقليات الدينية التي تجد رعاية خاصة من الأوروبيين من اليهود والنصارى، وأهم من ذلك عن طريق الرحلات الاستكشافية من بعض المغاربة لبلاد أوروبا، ومنها مثلًا رحلة ابن الصفار الدبلوماسية لبلاد فرنسا سنة (١٨٤٥ م)؛ أي: بعد عشر سنوات تقريبًا من صدور كتاب الطهطاوي: "تخليص الإبريز" (٣)، وقد وصف ابن الصفار المجتمع العلمي والثقافي في فرنسا ولكنه ليس كوصف الطهطاوي؛ لأن الطهطاوي كان أطول مكوثًا وأكثر اطلاعًا، ومع ذلك فقد كشف ابن الصفار وغيره من أهل الرحلات حال التعليم والعلوم والمدارس والكليات والمعاهد والمختبرات (٤). ب- إصلاح التعليم أو توسيع دائرته: عندما شعر أهل المغرب بحاجتهم لعلوم أخرى تساعدهم في التقدم الدنيوي وتعطيهم قوة يواجهوا بها أعداءهم شرعوا في العمل على تحصيلها وتعليمها، وكان ذلك واضحًا مع "محمد الرابع ابن عبد الرحمن" (١٨٥٩ -

стр. 494

١٨٧٤ م) وابنه "الحسن الأول" (١٨٧٤ - ١٨٩٤ م)، وفي ذلك يقول الدكتور عبد الهادي التازي: "ولقد فتحت الأحداث عيون المغرب على بعض الحقائق التي كان عليه أن يعرفها فقد توالت الأطماع في الأرض المغربية"، إلى أن قال: "وكل ذلك كان يقتضي أن نتعرف عن كثب أولئك الذين يحاولون السطو علينا، ولن يتم ذلك إلا عن طريق المدرسة. لم تكن الرحلات العلمية، ولا البعثات السياسية المغربية التي ظلت تنتقل من الخارج، كافية وحدها لتنقل بواطن الأمور ودواخلها. ولذلك أصبح من المتحتم أن تتطور البلاد بالتفتح على الخارج، وكان من الحكمة أن تتم التجربة الأولى بالبعثات إلى مصر. . . ."، فوجه السلطان محمد الرابع طائفة لتلقي العلوم الرياضية، ثم "وجد السلطان المولى الحسن نفسه أمام أعباء جدّ ثقال في أعقاب الكبوة التي حلت بالمغرب بسطو إسبانية على تطوان، فكان يشعر أتمّ الشعور بضرورة الدفع بالبلاد إلى الأمام. وقد اقتفى الملك الحسن الأول خطوات والده في توجيه البعثات إلى الخارج، وأعرب عن رغبته لبعض رؤساء البعثات الأجنبية المعتمدة بالمغرب، وكان أن توجهت بعثة مهمة من الشباب إلى إنكلترة وفرنسة وإيطالية وإسبانية" (١)، ويقول ابن زيدان عبد الرحمن عن عمل السلطان الحسن الأول: "ولما نظر إلى الأمم الراقية وما أفادها العلم الرياضي والطبيعي من القوة والسلطان والشفوف على الأقران في معترك الحياة؛ أراد أن يزج ببلاده في ذلك الميدان الواسع، فعضد إرسال الشبان المتخرجين من مدرسة والده، وتوجهوا لعواصم أوروبا لتتميم دروسهم، فعين لكل فريق رجلًا من أهل الدين والعلم لمرافقتهم وصيانتهم، وأجرى عليهم النفقات الكافية. ولما زاولوا دروسهم وملؤوا بكل نافع حقائبهم، يمّموا بلادهم ليثبتوا فيها ما ينفع مستقبلهم. فلم يعدموا معاكسًا وقف سبيلهم، وحرم البلاد والعباد ما كان يرجى من فوائد معارفهم بفتح المدارس وسلوك هذا السبيل كما سلكه أهل اليابان لذلك العهد الذي رافقوهم في دروسهم. فكانت النتيجة أن تقدم اليابانيون وتأخرنا. ولله في خلقه شؤون" (٢).

стр. 495

ويتفق الكثير على فشل التجربة مع الاختلاف في الأسباب، فهناك من يرى السبب يرجع إلى نخبة من الفقهاء ورجال المخزن ناهضوا التحديث العلمي، أو أنه تم إغفال المبتعثين ورمي بهم في زاوية الإهمال (١)، أو أن ذلك بسبب الضغط الخارجي وهو أقرب للتصور، وفي ذلك يقول عبد الكريم غلاب: "وكثير من هؤلاء الطلبة تخصصوا في الفنون العسكرية. وكثير منهم عادوا إلى المغرب مهندسين وأطباء وضباطًا عسكريين. ثم واجهتهم بوادر الحماية ونهاية عهد الاستقلال فضاعوا في ثنايا النظام الجديد" (٢). وأما تحفظ بعض العلماء تجاه أوروبا فإن الاتصال قديمًا كان "اتصال الند بنده والنظير بنظيره، وإنه أمسى هذه الأيام مشوبًا بنوع من الخطر الذي يهدد البلاد"، وقد استشعر العلماء هذه الحالة، وقد "كانوا في حيرة، فالجميع كانوا يخافون من الغزو الأجنبي في أي مظهر كان، ويرون بعين الشك كل بادرة من بوادر الأجنبي، فإذا طلب منا مواد خفنا أن يكون فيها عنصر يكسبه قوة علينا! وإذا اقترح الأجنبي إنشاء القطار أو التلغراف شككنا في مقاصده. وهكذا فمن شدّة الغيرة على استقلال البلاد كان بعض العلماء يتمسكون بسياسة إغلاق الباب، في حين كان فيه آخرون يرون أن الحفاظ على الاستقلال يقتضي التفتح على الدنيا" (٣). وهكذا لحقت التجربة المغربية أخواتها في حظها من الفشل كحال مصر وتونس والسلطنة وغيرها، وختمت باحتلال الأجنبي لبلاد المسلمين وتعطيل كل تلك الجهود التحديثية.

стр. 496

سابعًا: تجربة فارس كانت فارس من بين بلاد العالم الإسلامي التي سعت إلى الاتصال بالحضارة الأوروبية وطلب العلوم العصرية، وتختلف فارس عن غيرها من بلاد المسلمين بانتشار المذهب الشيعي بين أهلها, لذا كان أغلب ولاتها على هذا المذهب وفي نزاع مستمر مع بقية العالم الإسلامي السني. وكانت فارس -المنحصرة في إيران حاليًا- قد احتكت بأوروبا الصاعدة ماديًا واطلعت على أحوالهم وعرفت أمورهم، وكانت نقطة صراع بين أقطاب أوروبية متنافسة ولاسيّما روسيا وبريطانيا وفرنسا، وكان أوسع صراع وقع لفارس مع الغرب هو مع روسيا سواء القيصرية أو الماركسية، وبسبب هذا الاحتكاك انفتحت النخب السياسية والثقافية على أوروبا؛ وإن كانت لم تعدم المعارضة الشديدة من قبل المراجع الشيعية الدينية في قم والنجف وغيرهما. وقد توالت أسر مختلفة على الحكم في تلك المنطقة آخرها الأسرة القاجارية، وكان أشهرهم "ناصر الدين شاه ابن محمد شاه" (١٨٣٠ - ١٨٩٦ م)، وقد تولى الحكم وعمره ست عشرة سنة و (١٨٤٨ م) (١)، مما يذكرنا بمغامرات الحكام الشباب من نابليون إلى محمد علي إلى السلاطين العثمانيين الذين قادوا مغامرات التحديث، وهو الذي عرف عصره بظهور فرقة باطنية جديدة "البابية" وكان لهم صراع طويل معها، واحتك بجمال الدين الأفغاني صاحب المشروعات الإصلاحية الغامضة (٢).

стр. 497

بدأ تقليد أوروبا في نظام الجند، وكان ذلك قبل ناصر الدين، حيث سمع فتح علي شاه بنظام الجند الفرنساوي على ما وضعه بونابرت، فبعث إلى فرنسا واستقدم أحد مشاهير قوادها ومعه عشرون ضابطًا فدربوا الجند على النظام الفرنسي سنة (١٢٢٨ هـ - ١٨١٣ م)، أما طلب العلوم العصرية فكان في عصر ناصر الدين. تكوين نظام علمي موازي للنظام القديم: كان النظام العلمي القديم يقوم على دروس الفقهاء في المساجد والجوامع، وكان يتركز على العقائد الشيعية والفقه الشيعي، وهؤلاء هم علماء العلوم الدينية، وإلى جانبهم "الحكماء" نسبة إلى الحكمة؛ أي: الفلسفة وكانوا كثرًا في تلك المرحلة (١). ومع الاحتكاك بالغرب توجه الرأي إلى إنشاء مركز علمي تُدرس فيه العلوم العصرية، قام المشروع على الابتعاث -كما في التجربة المصرية- على أن يقوم المبتعثون بعد عودتهم بتأسيس هذا المركز الجديد. كانت أول بعثة سنة (١٢٧٠ هـ- ١٨٥٤ م)، حيث أرسل "ناصر الدين" أربعين شابًا إلى فرنسا لدراسة الطب والرياضيات والطبيعيات، وبعد عودة البعثة سنة (١٢٧٧ هـ) أنشئت مدارس على النمط الأوروبي في طهران وتبريز، وتسمى مدارس طهران بـ "دار الفنون" وفيها سبع مدارس: مدرسة الطب، المهندسخانة، الميكانيك، المعادن "الطبيعيات"، الصنائع، المبتديان، التجهيزية. ومثلها مدرسة كبيرة في تبريز تُدرس فيها العلوم العصرية واللغات، وكانت جميعها تحت رئاسة عالم فرنسي، وأكثر أساتذتها ورؤسائها من متخرجي مدارس فرنسا (٢). أقام مدرسة سماها دار الترجمة لترجمة الكتب العلمية من اللغات الأجنبية (٣)، كما أن فارس عرفت المطبعة مبكرًا مما أسهم في حركة الطباعة والتأليف (٤).

стр. 498

والتجربة الفارسية ككثير من التجارب في العالم الإِسلامي كان مصيرها الفشل ولاسيّما مع وقوع إيران في دائرة صراع استعماري -كغيرها من بلاد المسلمين- بين روسيا وبريطانيا مع فتن داخلية حولتها إلى بلاد ضعيفة، ثم جاء التدخل الأجنبي بسبب مشكلة ظاهرة الديون التي استغلت للتدخل الأجنبي في كثير من بلاد المسلمين لرغبة الاحتلال التي كانت أبعد من طلب المستحقات المالية، حيث ظهر بوجهه الكالح كصراع ديني وثقافي يراد منه تعميم النموذج الغربي على شرط أن تكون البلاد الإسلامية تابعة لذلك النموذج.

стр. 499

ثامنًا: تعرّف المجتمع الإسلامي على العلوم العصرية ونظرياتها كان اتصال المجتمع أولًا بالعلوم البحتة؛ ففي أغلب المعاهد الجديدة يدرس الطلاب العلوم الرياضية أو الطبيعية أو الصناعية أو التقنية أو غيرها دون اتصال بأبعادها الفكرية والفلسفية ومشاكلها التي عُرفت في أوروبا في أثناء الصراع بين الكنيسة والعلم الحديث، ولا يمنع ذلك أن يسمع الطلاب من أساتذتهم بعض الأخبار؛ ولكن ذلك سيكون على هامش الدراسة ولن يكون من صلبها؛ لأن مثل هذه النظريات وأبعادها إنما تدرس في الدراسات العليا، وهذه لم تكن موجودة، وأول ما وجد من المعاهد العليا لمثل هذه العلوم هو ما فتحه المنصرون في بلاد الشام وأشهرها: "الكلية اليسوعية السورية" -الجامعة الأمريكية لاحقًا-، ثم "دار الفنون" في إستانبول التي أشرف على فتحها دعاة التحديث والتنظيمات في تركيا, ولكنها لم تستمر طويلًا إذ أقفلت بعدما أثارته من مشكلات، وبقيت معاهد المسلمين التاريخية محصنة من دخول مثل هذه النظريات حتى من جهة معرفة حقيقتها، ومن ثمّ إمكانية التعامل النقدي معها. ولكن هذه النظريات إن لم تدخل عن طريق المؤسسات العلمية؛ فقد وجدت طريقها عبر منفذ آخر وهو الصحافة -المولود الجديد في القرن الثالث عشر- فبعد أن ظهرت المطبعة وانتشرت في المدن الكبيرة جاء ميلاد الصحافة لتستحوذ على النخب المثقفة كونها بلا منافس آنذاك، وقد استولى على أغلبها من لا صلة لهم بالأمة إلا صلة العداوة، فنشروا تلك المشكلة -النظريات العلمية ومشاكلها- التي عرفتها أوروبا داخل المجتمع الإسلامي. كما أن النشاط الأوروبي داخل

стр. 500

العالم الإسلامي قد نجح في تكوين تيار من اليهود والنصارى، وبعض من تأثر بهم من المسلمين يتبنى الرؤية العلمانية الجديدة في أوروبا بكل أبعادها، ومن ذلك ما له صلة بالعلوم العصرية، وقد اجتهد هذا التيار في نشر مثل هذه المشاكل داخل العالم الإسلامي عبر كل وسيلة يتمكن منها. نقف الآن وقفة مختصرة مع أشهر الطرق التي تعرف المجتمع من خلالها على المشكلات المرتبطة بحركة العلم داخل أوروبا، ومع أول النظريات التي أحدثت المشاكل داخل النخب الإسلامية، وكان أول النظريات نظريتي "الفلك والتطور"، ونذكر هنا بأن ما يعرض في هذا القسم إنما هو الجانب التاريخي لنشاهد كيف عاش المجتمع المسلم هذه التجربة علّنا نكتشف ما يفيدنا في التعامل المعاصر مع مثل هذه الظواهر، وسأجعلها بإذن الله في فقرتين: الفقرة الأولى: طرق تعرف المجتمع على العلوم العصرية وما ارتبط بها من مشكلات. الفقرة الثانية: تاريخ دخول النظريات المشكلة للعالم الإسلامي. ١ - طُرق تعرف المجتمع على العلوم العصرية وما ارتبط بها من مشكلات: طريق تعرّف المجتمع على العلوم العصرية يختلف عن طريق تعرف الدولة ونخبها كما أنه جاء متأخرًا، فالدولة العثمانية مثلًا كان بعض أجزائها من قارة أوروبا، فهي تسيطر على البلقان واليونان وغيرها من البلاد الأوروبية؛ مما يعني اطلاعها على ما في أوروبا، أيضًا عبر اتصالهم ببعض السفراء والتجار الأوروبيين، ولكنها لم تتخذ القرار المناسب في كيفية التعامل مع العلوم العصرية التي طورها الأوروبيون، أما المجتمع -ففي وقت لا اتصال فيه مع أوروبا- لم يكن قادرًا على معرفة ما يحدث فيها، بمن في ذلك علماؤهم ومفكروهم وعقلاؤهم، ولكن حدثت أمور أدخلت المجتمع في صلب التفكير بهذه المستجدات والاطلاع عليها (١)، وأهمها الصور الآتية: الصورة الأولى: حملة نابليون على مصر، فهذه الحملة وإن نجح المسلمون في مقاومتها عسكريًا إلا أن فيهم من ضَعُف أمامها فكريًا؛ إذ كانت

стр. 501

طريقة علماء الحملة أذكى من طرق نابليون، وإذا كان ما حرك الولاة في البلاد الإِسلامية هو نابليون بسياسته وإدارته وجيشه؛ فإن ما حرك علماء المسلمين وأذكياءهم هو حال علماء الحملة بعلومهم ومختبراتهم وصناعاتهم، لذا كانت حوارات العلماء حول هذه الحملة هو كيفية التخلص منها عسكريًا من جهة، وكيفية التعرف على ما عند علماء الحملة من علوم مكنتهم وزادت من قوتهم من جهة أخرى، وهذه كانت أهم نقطة اتصال لأهم شريحة من المجتمع الإسلامي بالعلوم العصرية، ولكن لم يُترك لها الأمر في تحديد الطريق المناسب لإدخال هذه العلوم إلى بلاد المسلمين، فبقي الأمر بينهم يدور على وصف ما شاهدوه من عجائب هذه العلوم، والذي يظهر أن الولاة آنذاك لم يكونوا حريصين على الانطلاق من هؤلاء المشايخ المحبين لمثل هذه العلوم؛ لذا أبعدوا الأزهر عن مثل هذا الباب، وحتى البعثة المشهورة التي عرفت بالطهطاوي وهو من الشيوخ المتخرجين من الأزهر إنما أُدخل في البعثة كإمام لها, ولكنه بعد أن فاق مجموعته وعاد -وهو العارف بالأزهر وعلومه- قام بعمل نقطة الوصل بين المجتمع وهذه العلوم العصرية لاسيّما في النخبة المهمة وهم الأزهريون. هكذا كانت نقاط التعرف الأولى للمجتمع عبر احتكاك بعض الفضلاء بعلماء الحملة من جهة ولسماعهم أحاديث المبتعثين العائدين أو اطلاعهم على كتاباتهم من جهة أخرى ولاسيّما في نخب مصر وزوارها لاسيّما من قاصدي مجاورة الأزهر. الصورة الثانية: مدارس الأقليات: وهي المدارس النصرانية واليهودية الجديدة المفتوحة للأقليات في بلاد المسلمين، إذ حدث توجه كبير في الغرب -توافق مع مرحلة التهيؤ الاستعماري- تمثّل في حملة واسعة لتعليم إخوانهم العلوم العصرية، وللأسف فقد بقيت هذه المدارس لسنوات تُخرّج الماهرين بالعلوم العصرية ليتسلموا الوظائف المهمة عند أغلب الولاة المسلمين لسنين كثيرة، بينما أهمل هؤلاء الولاة فتح ما يحتاجونه من مدارس للمجتمع ليتخرج منها من يسد حاجتنا في تلك الأبواب (١)، وكان ظهور تلك المدارس وقت توجّه الغرب بإرسال الإرساليات الهائلة إلى بلاد المسلمين بعد أن جاءتهم الفرصة،

стр. 502

وجَمعت مدارسهم بين تعليم الدين النصراني والعلوم العصرية، فكانت طريقًا آخر لتعرف المجتمع الإسلامي على تلك العلوم، وبسبب تأخر الأنظمة السياسية في معالجة الوضع؛ فقد انخرط كثير من أبناء المسلمين في تلك المدارس بعد أن وجدوا أن الوظائف والمراكز المهمة يتولاها الخريجون منها. الصورة الثالثة: مدارس الولاة: بعض ما فتحه الولاة من مدارس في مصر والأستانة وتونس وإيران تهتم بالعلوم العصرية، عيبها أنها كانت في الغالب موجهة لخدمة الجيش، ولكنها لا شك قد كانت منفذًا لتعرف -ولو بنسبة قليلة- بعض المجتمع على هذه العلوم، وقد كان بعض معلمي الأزهر يُدرّسون بعض المواد في تلك المدارس الجديدة، مما يعني اطلاعهم على مثل هذه العلوم. وكان الأصل أن تكون هذه المدارس المنفذ الجيد لاطلاع المجتمع على حقيقة هذه المعارف وعلى ما نحتاجه منها، وأن تكون نواة تطور تلك العلوم؛ ولكن ربما بسبب ارتهانها لخدمة الجيش؛ صيرها ذلك الحال مدرسة عسكرية؛ مما قلّل من انفتاحها على المجتمع وأبعدها عنه، لذا لم تكن موطنًا اختياريًا لطلبة العلوم ولا كانت قادرة على تطوير العلوم (١). الصورة الرابعة: الصحافة الأهلية: لاسيّما في الربع الأول من القرن الرابع عشر تقريبًا/ الربع الأخير من التاسع عشر، ولاسيّما تلك التي يحررها النصارى الشوام في مصر، فقد كانت بطبيعتها موجهة للرأي العام، يقرؤها الجميع بخلاف الكتب العلمية وما في بابها، وكان أشهرها آنذاك: "المقتطف" و"الهلال"، حيث كانت الأولى تركز على العلوم الطبيعية، بينما الثانية تركز على الفكر والعلوم الاجتماعية والإنسانية، في وقت كانت الصحافة هي الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام الجمهور المتعلم، فلا يوجد آنذاك وسائل أخرى تنافسها مما يجعلها ذات مكانة في المجتمع، كما أن المشغلات للناس كانت قليلة مما يزيد من تأثير تلك الوسائل.

стр. 503

ومما يميز هذا المعبر هو انفتاحه على الجميع، فالجميع يطالع الصحافة ويقرأ ما فيها، ويزيد من شعبيتها وعمق تأثيرها أنها الوحيدة في الساحة، ولكن الخطير فيها أن أصحابها هم من الفئة النصرانية المصنوعة في مدارس الإرساليات الغربية للتأثير من الداخل في الأمة الإسلامية، وربما كان سبب قوتها واستمرارها الطويل هو ما تتلقاه من دعم غربي، ودعم مالي وسياسي، ودعم معنوي من خلال إمدادها بالمعلومات والمعارف والأفكار. الصورة الخامسة: المنتدبون من العالم الإسلامي إلى أوروبا لتحصيل العلوم العصرية ودخول جامعاتها ومعاهدها والنظر فيها والتعرف عليها, ليُطلع العالم الإسلامي عند العودة على ما حصّله، وقد كان هؤلاء المندوبون إما دبلوماسيين أو رحالة أو -وهو الأهم- طلابًا مبتعثين لتحصيل تلك العلوم، وهم بقدر ما نجحوا في إطلاع المجتمع على أن هذه العلوم قد حدث لها تطوير كبير في أوروبا بعد أن أهملها المسلمون، ولكنهم لم ينجحوا في تكوين نواة علمية إسلامية تسهم في استقلالنا المعرفي. كانت هذه المعابر هي صور تعرفنا -أو إعادة اهتمامنا- بالعلوم الرياضية والطبيعية والاجتماعية، ولكن هذه المعابر قد نشأت في ظروف غير طبيعية للمسلمين، لاسيّما مع ما أسلفنا من الحديث عن الابتداع في الدين والضعف الدنيوي وعدم الانطلاق من نقطة صحيحة، فقد وقع من تلك المعابر آثار خطيرة على الأمة الإِسلامية، حيث اكتسب كل معبر من ظروفه المحيطة به ما يعكر مساره -لاسيّما في ظل غياب الإصلاح الديني- وتحولَ إلى طريق يسمح بتسرب الانحرافات في أثناء طلب النافع من العلوم العصرية. يمكن إهمال الحديث عن تلك المعابر بعد أن تجاوزنا تاريخيًا تلك المرحلة لولا أن هذه المعابر ما زالت تواصل دورها إلى الآن وبالإشكالات نفسها، وفيما يظهر للمتأمل في حال أمتنا أن ذلك باق إلى سنين قادمة، مما يعني أهمية تحليل تلك المعابر ومراجعة حقيقة دورها في تعريفنا بعلوم العصر، وكيف نستطع عبر الاستفادة من التاريخ إصلاح الوضع الحالي من جهة ونقد الصور التغريبية أو السلبية من جهة أخرى. ٢ - تاريخ دخول النظريات العلمية ذات الإشكالات للعالم الإسلامي: أول ما كان يصل المجتمع من النظريات العلمية هو من العموميات، مع

стр. 504

العلم أنه حتى داخل أوروبا لم يصل انتشار التعليم فيها درجةً تحقق استيعاب المجتمع لها، ومن هنا استمرّ الصراع داخل فرنسا إلى نهايات القرن التاسع عشر، والحال أعقد داخل العالم الإسلامي، فالمحيطون بشيء من هذه العلوم قلّة بل إن أهل العلم الشرعي قلّة فكيف بغيره من العلوم؟! لذا كانت تثار مثل هذه القضايا دون أن يكون هناك واقع ثقافي حقيقي لفهمها والتعامل الحسن معها، وهذا ما سمح بتضخيم القضايا دون أن تكون عن علم يقيني بالشرع والعلوم العصرية. وصلت أشياء كثيرة من قضايا العلوم العصرية، وهناك قصص كثيرة تدار حول موقف علماء الدين منها، ووصفهم لكثير من المخترعات أنها من السحر وعمل الشياطين، ويصرّ التيار التغريبي على إظهارها وكأنها تمثل موقف علماء الشرع، والحقيقة أنها كانت تمثل مواقف فردية لبعض من تدين مع جهل بالعلم الشرعي، وأمرهم مشهور في تاريخ المسلمين، وربما تكون لهم شهرة وأتباع ولكنهم لا يُحسبون على علماء الشريعة، ومن ذلك مثلًا ما يتكرر في كتابات تغريبية عن تحريم وسائل الاتصال الحديثة وغيرها من قبل بعض علماء الدين، فإذا جاء الباحث لينظر من هم علماء الدين فلا يجد عالمًا، وإنما قد يجد أحد شيوخ الصوفية أو بعض المقلدين المتعصبين دون فقه حقيقي في الدين؛ ولكن أهل التغريب يصرّون على إظهار ذلك على أنه موقف علماء الشريعة، بينما هي حالات فردية لغير المحسوبين على العلم الشرعي، وما عرف عن عالم حقيقي في الشرع مثل هذه المزاعم (١). فلنترك الأمور الصناعية التقنية وما يدار حولها، مع أن الكثير منها دخل إلى العالم الإسلامي في وقت متأخر، ولننتقل إلى النظريات العلمية التي كانت أسبق في الحضور، كما أن ما تثيره من مشاكل أوضح؛ لكونها تحمل في طياتها رؤى فلسفية وثقافية تختلط بالجانب العلمي منها، وهذا ما يجعلها مثار إشكال، ومن ثمّ لا يستغرب أن نجد من يحترز منها أو يحتاط في موقفه منها، فهذا هو عين العلم والعقل في مثل هذه الأبواب بخلاف من ظنّ أن العلم هو في تقليد كل ما جاء من الغرب بحجة انتسابه للعلم.

стр. 505

قد يكون هناك مسائل كثيرة اطّلع عليها المسلمون في القرن الثالث عشر، إلا أن أهم ما اطلع عليه المسلمون من نظريات مؤثرة في الوسط الاجتماعي -وإلى الآن آثارها قائمة- نظريتان، هما: "نظرية الفلك، ونظرية التطور"، وسنرى الآن باختصار كيف وقع ذلك التعرف للمجتمع: النظرية الأولى: نظرية الفلك الحديثة: فمن أهم العموميات التي تناولها الناس واختلفوا حولها ثلاثة أشياء: كروية الأرض، ودورانها حول نفسها، ودورانها حول الشمس، لا أن الشمس هي التي تدور حول الأرض. هذه العموميات هي من نتائج نظرية يقبع خلفها كثير من الحسابات الرياضية والرصد الفلكي الدقيق والاستنباطات العقلية؛ مما لا يسع لغير المتخصص إدراكها بخلاف العموميات، ولذا فإن اعتراضات كثير من المعترضين هي على النتائج العامة وليست على الأدلة وطرق التحقق والاستنباط، ومن هنا كانت الاعتراضات ضعيفة لأنها لا تواجه العلم ذاته وإنما تواجه بعض نتائجه، والحقيقة أن المعترضين آنذاك ليس باستطاعتهم منافسة أهل النظرية الحديثة لما يتطلبه من معرفة رياضية عميقة ورصد طويل وحسابات فلكية معقدة وممارسة فلكية طويلة تؤهل للاستقراء والاستنباط، فكانت الساحة غير متكافئة، وقد كان السائد في البلدان الإسلامية التي احتكت أولًا بهذه النظرية أن الأرض مسطحة مع وجود القول بكرويتها عند آخرين، وأنها ثابتة، وأن الشمس تدور حولها, ولا شك أن دخول النظرية الحديثة على مثل هذا الجوّ السائد سيصنع توترًا شديدًا في المجتمع ما لم ينجح أهل العلم في رفع الإشكال؛ لأن السائد هنا يرتبط باعتقاد ديني، فكثير من الكتب الكلامية تتناول هذه المسألة كما أن بعض علماء التفسير قد أدخلوا بعض الآراء الفلكية القديمة أثناء مرورهم على الآيات الكونية مما حولها إلى مسألة دينية خبرية. يعود السبب في أسبقية دخول نظرية الفلك إلى كونها أوّل النظريات شهرة في أوروبا وحدث بسببها صراع مشهور، كما أنها تدخل في مادة الجغرافيا وقد كانت من أول ما اهتُم به في العالم الإسلامي؛ وذلك أن التعليم العصري طُلب أول ما طُلب لتكوين الجيش الحديث، ومن أهم ما يحتاجه الجيش هو دراسة جُغرافيّةِ العالم. وتبدأ كتب الجغرافيا عادة بدراسة الأرض، من جهة: كرويتها

стр. 506

وأدلة ذلك، وحركتها ثم بقية التفاصيل، أضف إلى ذلك أن علم الفلك كان من أشهر العلوم الحكمية في التراث الإسلامي؛ مما يجعله أقرب إلى الفهم عند غالبية المثقفين المسلمين وأمثالهم عندما يعاد الاهتمام ببعض قضاياه. نقف الآن مع الصور الواضحة المشهورة حول دخول النظرية، وقد كان أولها ما ذكره "الطهطاوي" في كتابه: "تخليص الإبريز في تلخيص باريز" في المقالة الثانية، الفصل الأول: [في مدة إقامتنا في مدينة مرسيليا]، فبمناسبة حديثه عنها استطرد لذكر مجادلات بين علماء المغرب ومحاورات منها ما دار حول كروية الأرض وحركتها بين الشيخين: "محمد المناعي التونسي" و"محمد البيرم"، فالمناعي كان يرى بسط الأرض وبيرم يرى كرويتها، ثم قال: "وممن قال من علماء المغرب بأن الأرض مستديرة، وأنها سائرة، العلامة الشيخ مختار الكنتاوي بأرض أزوات، بقرب بلاد "تمبكتو". . . . وقد ألف كتابًا وسماه: "النزهة"، جمع فيه جملة علوم، فذكر بالمناسبة علم الهيئة، فتكلم على كروية الأرض، وعلى سيرها، ووضح ذلك، فتلخص من كلامه أن الأرض كرة، ولا يضر اعتقاد تحركها أو سكونها" (١). ولكن هذا الحوار الذي ذكره الطهطاوي كان موجودًا في التراث الإسلامي وقبل الاطلاع على مستجدات علم الفلك، والذي يظهر أن الطهطاوي كان يستحضرها وهو على علم بالمستجدات الفلكية، فيكون ذلك تمهيدًا لما يعرضه، فقد ذكر في كتابه ما يدرسه المبتعثون من علوم وفنون في فرنسا، ومن ذلك الجغرافيا فقال: "فقد تقدم منها نبذة في مقدمة الكتاب، وإنما ينبغي لنا هنا أن نذكر أقسامها، فنقول: إنه تارة ينظر إلى الأرض من جهة سكونها أو تحركها، أو نسبتها لما عداها من الأجرام الفلكية، فتسمى الجغرافيا الرياضية أو علم هيئة الدنيا"، ثم تحدث عن أربعة أقسام أخرى ثم قال: "غير أنه ينبغي لنا هنا الكلام على مسألة من مسائل علم الجغرافيا الرياضية التي هي علم الهيئة، فنقول: الإفرنج قسموا الكواكب الفلكية إلى ثوابت إلى سيارة، وإلى سيارة السيارة، وإلى ذوات الذنب، وعدوا الشمس من الثوابت، والأرض من السيارة، والقمر من سيارة السيارة؛ أي: التابعة في السير للكواكب السيارة، وهذا المذهب يسمى عندهم مذهب "كبرنيق النيمساوي"، وقد كشف المتأخرون

стр. 507

منهم عدة كواكب سيارة لم يظفر بها المتقدمون، لفقد الآلات عندهم، ووجودها لهؤلاء الإفرنج، فبذلك بلغت السيارات المعروفة عندهم أحد عشر، غير الشمس والقمر، فإن الأولى من الثوابت على رأيهم، والثانى من سيارة السيارة، ولنذكرها لك على حسب قربها من الشمس، فنقول هي: عطارد، والزهرة، والأرض، والمريخ"، وبعد تعدادها قال: "وهذه الكواكب الجديدة لا يمكن رصد دورانها على نفسها إلا بصعوبة، لصغر بعضها في رأي العين، وبعد البعض الآخر، بل لا يمكن رصد ما عدا "أورانوس" إلا بالنظارات الفلكية، ولهذا سميت عند الإفرنج بالسيارات النظارية، ويؤمل الإفرنج كشف غيرها من السيارات" (١)، وقد ذكر أنه سيتفرغ لترجمة التاريخ والجغرافيا من الفرنسية إلى العربية: "وبالجملة فقد تكفلنا بترجمة علمي التاريخ والجغرافيا بمصر السعيدة بمشيئته تعالى" (٢). وإذا كان قد عرّف بالنظرية فإنه في الوقت نفسه كان منتبهًا إلى مشكلاتها أو مشكلات الفكر الأوروبي عمومًا التي ترتبط به، ففي الفصل الثالث عشر عن تقدم أهل باريس في العلوم والفنون والصنائع. . . . يقول: "وأما أغلب العلوم والفنون النظرية فإنها معروفة لهم غاية المعرفة، ولكن لهم بعض اعتقادات فلسفية، خارجة عن قانون العقل، بالنسبة لغيرهم من الأمم، غير أنهم يموهونها، ويقوونها، حتى يظهر للإنسان صدقها وصحتها، كما في علم الهيئة مثلًا، فإنهم محققون فيه وأعلم ممن عداهم بسبب معرفتهم بأسرار الآلات المعروفة من قديم الزمان، والمخترعة له. ومن المعلوم أن المعرفة بأسرار الآلات أقوى معين على الصناعات، غير أن لهم في العلوم الحكمية حشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية، ويقيمون على ذلك أدلة يعسر على الإنسان ردها، وسيأتي لنا كثير من بدعهم، وننبه عليها في محالها إن شاء الله تعالى" (٣)، وقد ذكر محققو (٤) كتابه بأنه حذف

стр. 508

"كالقول بدوران الأرض ونحوه" جملة كانت بعد قوله: "السماوية" حيث كانت في المخطوط قبل تسليمه للمطبعة، ومما حذفه أيضًا بحسب زعم محققي الكتاب نص له علاقة بالنظرية: "وقال بعض علماء الإفرنج: إن القول بدوران الأرض واستدارتها لا يخالف ما وردت به الكتب السماوية، وذلك لأن الكتب السماوية قد ذكرت هذه الأشياء في معرض ونحوه جريًا على ما يظهر للعامة لا تدقيقًا فلسفيًا، مثلًا: ورد في الشرع أن الله تعالى وقف الشمس، فالمراد بوقف الشمس تأخير غيابها عن الأعين وهذا يحصل بتوقيف الأرض، وإنما أوقع الله الوقوف على الشمس؛ لأنها هي التي يظهر في رأي الأعين سيرها. انتهى. فظاهر كلامه أنه ارتكب غاية التأويل" (١). قد يتعرض الطهطاوي لمثل هذه الأمور في الكتب التي ترجمها, ولكن تلك الكتب المترجمة بطبيعتها تكون محدودة الاطلاع، يدرسها فقط طلاب المدارس الجديدة، أما هذا الكتاب فهو للجمهور، وقد حظي الكتاب وكاتبه بشهرة كبيرة داخل مصر وخارجها، فصاغ في كتابه باختصار الحركة الفكرية والعلمية والاجتماعية في باريس، فإذا جاءت مسألة حساسة توقف معها، ومنها وقفاته مع نظرية الفلك الجديدة لارتباطها بأحد العلوم المفضلة عنده وهو الجغرافيا، كما أن ذلك يدل على أصداء المشكلة داخل العالم الإسلامي ومحاولته ملامستها من بعيد. وبما أن الكتاب هو كتاب تعريف ورحلات؛ فمن غير المتوقع أن نجد فيه معالجة للمشكلة، لذا اكتفى الطهطاوي بالإجابات المجملة، وقد كان يفترض في من جاء بعده البدء في رسم الرؤية حول الموقف من هذه المشكلات، وهو ما لم يظهر بالشكل الكافي والمقنع. ومع مثل هذه الآراء الجديدة التي ولدت في البداية على شكل نقل أخبار؛ جاء الإرباك للواقع العلمي والثقافي والفكري في العالم الإسلام في القرنين الثالث عشر والرابع عشر، وربما هي تواصل في القرن الخامس عشر الهجري، وذلك أن المعالجة الحقيقية تؤجل عادة كلما ظهر مثل هذا الإشكال، أو يتولاها من ليس من المؤهلين في العلمين. كانت الطبعة الأولى من كتاب الطهطاوي سنة (١٢٥٠ هـ-١٨٣٤ م)؛ أي:

стр. 509

منتصف القرن الثالث عشر، وبعد ما يقرب من ثلاثين سنة جاء كتاب آخر حظي بشهرة قريبة من كتاب الطهطاوي، وهو كتاب "خير الدين التونسي" "أقوم المسالك في معرفة أحوال الممالك" سنة (١٢٨٣ هـ-١٨٦٧ م)، ونجد عنده أيضًا أصداء هذه النظرية وإن كان بأسلوب التعريف بأحوال الممالك، ففي [مطلب ذكر من اشتهر من الأوروبيين بالمعارف والاختراعات]، يقول: "وأما أهل شمال أوروبا فلم يشتهروا إلى ذلك الوقت بشيء من أعمال الفكر، غير أن منهم من لا تنكر منته على العرفان، مثل كبرنيك من أهل بولونيا، المولود سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة وألف، وهو الذي حرر القول بأن الشمس في مركز العالم، وأن الأرض والكواكب تدور حولها. قيل: وليس هو أول قائل بذلك، وإنما الأول فيلولاوس أحد تلامذة فيثاغورس، وذلك قبل وجود كبرنيك المذكور بألفي عام، لكن وقع الانفصال على أن كبرنيك هو الذي ينبغي أن تنسب إليه مزية الابتكار لهذا القول، وإن انتفع في الاهتداء إليه بقول فيلولاوس المذكور. ومن حرر الدليل على تلك الدعوى، بما يقرب من المشاهدة، غليلاو الطلياني، وأعانه على ذلك ما اخترعه مسيوس من أهل هولاند من آلة البلور التي تكبر الأشياء، فكانت مرآته تكبر الشيء مائة وستين مرة زيادة على مقدار حجمه، ثم تهذبت تلك الآلة حتى صارت تكبره من ألفين إلى ثلاثة آلاف وأكثر. ولم تزل تلك الدعوى تترجح عند أهل أوروبا إلى أن صارت مسلمة لديهم" (١). كانت هذه من الصور الأولية لطرح النظرية عبر كتابين للجمهور وإن كانت غير مفروضة عليهم وإنما وردت على سبيل التعريف، ولكن ستتحول عبر الصحافة -التي يتولاها غالبًا النصارى- إلى مشكلة داخل الساحة الإسلامية، قامت الصحافة بالإثارة المتكررة للموضوع عارضة ذلك في إطارٍ مشكل يختلف عن عرض الطهطاوي والتونسي، فقد عرضت ذلك قضيةً تحتك بالمجال الديني، ومن ثمّ تفتح مناقشة مشكلة العلاقة بين الدين والعلم من خلال نظرية الفلك. فبعد تسع سنوات تقريبًا من كتاب التونسي فتحت مجلة المقتطف جدلًا واسعًا حول الموضوع، بدأ ذلك سنة (١٢٩٢ هـ-١٨٧٦ م)، بدأ كمناقشات بين طائفة النصارى، بين الفريق المؤيد لنظرية بطليموس والآخر الرافض لها والمدافع عن

стр. 510

النظرية الحديثة، وقد كان صراعًا حادًا استُثمرت فيه كل الأدلة، ومن الطبيعي أن يطّلع المسلمون على هذا الصراع ففيهم جمهور لهذه المجلة، وجاءت مشاركتهم الرسمية من أعلى المستويات في مصر، الإدارية والفكرية، حيث اطلع وزير المعارف على الموضوع، فكلف عالمًا شهيرًا في الوزارة هو عبد الله بك فكري، لتكون إحدى أولى المشاركات العامة الجماهيرية التي تحاول إعطاء رؤية إسلامية حول الموقف من هذه النظرية، والذي يظهر بأن هذه الرؤية هي ما استقر عليه الرأي في الأوساط الجديدة، التي درست في الغرب ونظرت في اجتهادات دينية سابقة -لاسيّما الإمام الغزالي- وأخرجتها للطلاب الذين يدرسون مثل هذه الأمور أو أخرجتها للوسط الثقافي عمومًا، كما أن المشاركة الإسلامية ليست من مصر فقط، بل أثبت صاحب المقال استفادته أيضًا من كتاب ظهر بالتركية وأنه على الرأي نفسه. والمقال يكشف لنا أبعاد دخول النظرية بين المسلمين أو بين أهل الكتاب، والذي يظهر أنها لم تثر إشكالًا كبيرًا بين المسلمين مثل الذي أثارته داخل طائفة النصارى، وذلك عبر ما رصدته لنا صحافة تلك المرحلة، بل إن المقتطف بإدارتها النصرانية العلمانية قد أخذت المشاركة الإسلامية كدليل على تقبل الإسلام للعلم، فاستثمروها في الرد على طائفة منهم (١). عندما اتسع الأمر وتحولت النظرية إلى مشكلة بسبب ما فعلته الصحافة؛ جاءت مشاركات علماء ومفكرين مسلمين حول الموضوع، وقد كان لجهودهم أثر كبير في تخفيف حدّة المشكلة، كما أنها قرّبت الموضوع من البيئة العلمية الشرعية في البلاد العربية من العالم الإسلامي، من ذلك مثلًا كتابات الشيخ "الألوسي" من العراق (٢)، و"القاسمي" (٣) و"الجسر" من الشام (٤)، و"محمد رشيد

стр. 511

رضا" في مصر (١)، و"الحجوي" في المغرب (٢)، أو غيرهم، فضلًا عن كتابات "الأفغاني" (٣) و"محمد عبده" في مصر (٤). وقد استقرّ الوضع بعد ذلك على تدريس هذه النظرية في كل البلاد الإسلامية، حيث يدرسها الطالب ضمن التعليم الأولي ضمن كثير من المواد الحديثة وأهمها مادة الجغرافيا (٥). النظرية الثانية: نظرية التطور الدارونية: وهي تختلف كثيرًا عن النظرية الأولى، فهي في الغرب قد تجاوزت مجال العلم لتصل إلى الفكر والحياة بعامة، ولاسيّما بعد استثمار التيارات المادية لهذه النظرية في صراعها ضدّ الدين ودفاعها عن الإلحاد، مما يجعلها في نظر كثير من البشر نظرية إلحادية أو تكاد، كما أنها نظرية لا تمثل ثمرة واضحة للدول الباحثة عن النهضة والتقدم، فهي تحوي في طياتها ما يتعارض مع الدين، كما أنها لا تحوي ثمرة دنيوية، ومع ذلك جاء من حمل هذه النظرية ورمى بها في الساحة الإسلامية، فأشغلت الفكر الإسلامي ما يقرب من نصف قرن، وبشكل أكثر حدّة مقارنة بنظرية الفلك السابقة. والفرق بين النظريتين، أن الأولى جاء التعريف بها من قبل علماء ومفكرين مسلمين، بخلاف نظرية التطور فقد انطلقت من دائرة نصرانية علمانية، بدأت من داخل كليتهم التبشيرية الأمريكية، ثم عبر صحافتهم، ثم من خلال رموزهم الفكرية ولاسيّما تلك المتأثرة بالتيارات المادية الأوروبية من دارونية وماركسية.

стр. 512

جاءت (١) شرارة الموضوع من كلمة ألقاها أحد أساتذة الكلية في خريجي سنة (١٨٨٢ م)، أشاد فيها بداروين ونظريته، وعرضتها مجلة المقتطف، فبدأ الصراع داخل النصارى: تيار يؤيد وآخر يعارض، ثم تدخل المسلمون عبر بعض كتابهم. وفي هذه المرحلة أيضًا كانت الهند الكبرى قد سبق إليها من تعرف على هذا المذهب وتأثر به وسعى لنشره في الأجيال الجديدة، مما جعل المفكر المشهور جمال الدين الأفغاني يؤلف كتابه المشهور: "الرد على الدهريين"، ترجمه محمد عبده عن الفارسية بمساعدة من له معرفة بتلك اللغة سنة (١٨٨٤ م)، وقد ذكر في مقدمته أثر تلك النظرية على أناس في المشرق الإسلامي وإلحاد البعض مما جعله يؤلف في الرد عليهم؛ أي: أنها نظرية تجاوزت حدود العلم مما دفع الأفغاني للكتابة عن أهمية الدين وأنه لا غنى للعالم عنه مع نقده بحسب استطاعته لتلك النظرية (٢). وقد نشأ تيار فكري نصراني الأصل ماركسي المذهب يتبنى هذه النظرية داخل مصر، وحظي بدعم وحماية من المستعمر، من أبرزهم "شبلي شميل" و"سلامة موسى"، نشر الأول مقالاته في المقتطف، وألف كتابه "فلسفة النشوء والارتقاء"، ثم "كتاب شرح بخنر على مذهب دارون"، كما أنه أصدر مجلة الشفاء فضلًا عن كتابته في صحافة مصر ولبنان آنذاك (٣). أما "سلامة موسى" الذي انتصر لهذه النظرية ومذهبها فقد ألَّف فيها "نظرية التطور وأصل الإنسان" سنة (١٩٢٨ م)، وفي السنة التالية أصدر مجلته "المجلة الجديدة" التي بقيت حوالي أربع عشرة سنة، فضلًا عن نشاطه الصحفي والفكري (٤)، ولا شك أن بقاءها في هذا الإطار النصراني الماركسي جعلها تفقد كل صلة لها بالعلم وتحولت معهم إلى أداة لمحاربة الإسلام. لم تدخل هذه النظرية نطاق التعليم إلا في وقت متأخر ولاسيّما في البلاد

стр. 513

التي يتحكم بها الاستعمار ضمن التعليم العالي، ولكنها كانت على عكس ذلك في الساحة الفكرية حيث كان السجال حولها كبيرًا، يمكن تصور ذلك من خلال الاطلاع على صحافة تلك المرحلة "انظر مثلًا: المقتطف والمجلة الجديدة من جهة، والمنار من جهة أخرى"، حيث نجد إنشغال عامة المفكرين بهذه النظرية. نظريات تعرف عليها المسلمون في القرن الرابع عشر/ العشرون: تعد "نظرية الفلك والتطورية الدارونية" أشهر ما ظهر من نظريات في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وقد استمرتا في القرن اللاحق مع تحول كبير عرفه القرن الجديد؛ فهناك مستجدات كبيرة، منها: وقوع أغلب بلاد المسلمين في قبضة الاستعمار، ومن ثمّ توجيه النشاط العلمي والثقافي والفكري والاجتماعي وفق منظور غربي، كما أن المستعمر سعى إلى صناعة تيارات فكرية متغربة تساعده في المهمة أو تقوم بها بعد خروجه. ومع هذه المستجدات انهمرت على الساحة الإسلامية الكثير من الأفكار والمذاهب الغربية، ومن التحولات البارزة في الصعيد العلمي فتح الباب لكل النظريات في جميع الأبواب العلمية وغير العلمية، كما أنه انفتح الباب لنظريات علوم الاجتماع، وأهمها في تلك المرحلة: نظريات علم الاجتماع ونظريات علم النفس ونظريات اللغة، أما في العلوم الطبيعية فقد بدأت النظريات توغل في العلمية مما جعلها بعيدة عن المجتمع باستثناء النظرية النسبية، بما نجده من صدى لها في الكتابات العربية عن فلسفة العلم، بينما شهدت نظريات العلوم الاجتماعية شهرة كبيرة في القرن الرابع عشر الهجري، وكان أشهرها نظريات "دوركايم" و"ماركس" و"ماكس فيبر" في علم الاجتماع (١)، و"فرويد" في علم النفس (٢)، و"سوسير" في اللغة، وبعضها نشأ عنها مذاهب عالمية كالماركسية نسبة إلى ماركس والبنيوية المعتمدة على أفكار سوسير (٣)، فضلًا عن مذاهب فلسفية تدّعي ارتباطها بالعلم مثل الوضعية المنطقية وفلسفة التحليل (٤).

стр. 514

كل هذه وغيرها مما ظهر في بلاد المسلمين نتيجة الاحتكاك المكثّف بالغرب ولاسيّما في ظل الاستعمار وما تبعه من تطور كبير في المواصلات والاتصالات. وقد مكّن الاستعمار للتيارات التغريبية في البلاد الإسلامية، ونظرًا لتبعيتها الفكرية للغرب فقد نشطت في بثّ ما يتعارض مع الإسلام، كان ذلك في أثناء وجود الاستعمار، وازداد بعد خروجه في إثر تمكنها من مفاصل الدول الوليدة ولاسيّما من مؤسسات التعليم والثقافة والإعلام والاتصال الحديثة، وقد كان يغلب على تلك التيارات التغريبية الاستغلال الخبيث للعلم ونظرياته ومناهجه في عدائها للدين وطعنها في هوية الأمة الإسلامية، ولكن في المقابل قد شهد القرن الرابع عشر الهجري حيوية إسلامية كبيرة، تمثل ذلك في دعوات إصلاحية استوعب أصحابها العلوم العصرية؛ مما جعلهم قادرين ولله الحمد على ردّ هجمات التغريبيين خاسئة حسيرة. هكذا ظهرت معالم التجارب تاريخيًا، وما بقي لنا الآن إلا البحث في الأسباب التي انحرفت بمسيرة العلم الحديث وفتحت الباب نحو توظيفه فيما يتعارض مع هوية الأمة ودينها ولاسيّما من قبل المتغربين بتياراتهم المختلفة.

стр. 515

الفصل الرابع أسباب دخول الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث إلى البلاد الإسلامية

стр. 516

الفصل الرابع أسباب دخول الانحرافات المصاحبة لحركة العلم الحديث إلى البلاد الإسلامية سبق التفريق في الفصل الثاني بين أسباب تقدم العلوم وأسباب الانحراف بها، وأنهما يرتبطان عادة بالتطورات الثقافية في الحضارات البشرية، فهناك أسباب تحقق أهدافًا سامية وهناك أخرى تهوي في دركات مظلمة لوجود أهواء مذمومة علِقت بأهلها، ومع ذلك فإنه في هذا المبحث قد تختلف الحال بين الانحراف في البيئة الغربية عنه في البيئة الإسلامية، ومن بين أبرز الاختلافات أنهم في الغرب صنعوا تلك الانحرافات، بينما قلّدها بعض المسلمين في الشرق، فهناك إنتاج وهنا تقليد، مع ما يصاحب ذلك من عُقد يصعب حلّها مع المقلد، فإن المُنتِج يعرف حدود مُنتَجه، ويسهل عليه تغييره وتصحيحه, بخلاف المقلد الذي يُقفل عقله عن النقد لشعوره بالعجز والضعف أمام من قلدهم والانبهار بهم (١). وقطعًا هناك مجموعة كبيرة من المبتعثين لتعلم تلك العلوم

стр. 517

وهدفهم نقلها لبلادهم، ويشكرون على تلك التضحيات والجهود والتعب والمشقة والسهر والمعاناة، عندما نتكلم على تلك الثلة التي غامرت نيابة عن العالم الإسلامي، فإنه لا يسع الباحث إلا تذكر الصعوبات والمعاناة التي واجهوها، ولكن قدَرهم أنهم كانوا في وقتٍ صعب، وعكّر تلك المسيرة أن بعضهم قد اخترقه التغريب والبعض حول جهده ليكون أداةً لمشاريع لا تخدم تقدم الأمة أو قوتها ورقيها. ولا شك أننا بعد سنوات من جهدهم نجد العلوم النافعة منتشرة في الأمة، وأصبحت معروفة غير مستغرَبة، وهو أمر ليس بالسهل لمن تأمل البدايات والصعوبات التي قابلت تلك التجربة حتى وصلت إلى الحال التي نراها. وبما أن هدف البحث هو النظر في مجال الانحراف بالعلم وكشف من جعله أداة في الصراع مع الدين، فسأحاول تحليل التجربة التاريخية الحديثة للبحث في أسباب الانحراف بالعلم من أجل الوعي بها والانتباه لخطرها. قد تختلف صور تحليل الموضوع ورصد الأسباب، وقد رأيت من الأنسب في تحليل إشكالية البحث وكشف أسباب الانحراف بالعلم ورصد البيئة الفكرية والاجتماعية المنتجة لذلك، أن تكون من خلال الأسباب الآتية: ١ - ضعف مؤسسات الأمة العلمية.

стр. 518

٢ - ضعف المدرسة الحديثة ومشكلة مدارس الأقليات. ٣ - دور الصحافة "نشأتها وتمكن النصارى منها وتوجيههم التغريبي لها". ٤ - دور التيارات الفكرية الوافدة وتنظيماتها كالماسونية والسيمونية. ٥ - دور الاستعمار. ٦ - أثر مشاركة التيار التغريبي في البيئة الثقافية الجديدة. فقد أسهم "ضعف المؤسسة العلمية الداخلية" في إعطاء مساحة خطيرة للمخالف بحيث يتحرك فيها بأهدافه وأهوائه، وتعود أهمية تحليله للوعي بالمشكلة الذاتية وكيفية تجاوزها. أما "المدرسة العصرية" التي اهتمت بالعلوم الجديدة فقد كانت ضعيفة في تحقيق الاحتياج ومقاومة الانحراف، فما سبب ضعفها عن مقاومة الانحراف بالعلم، بل مشاركتها أحيانًا في ذلك؟ أما وسيلة الرأي العام "الصحافة" ولاسيّما تلك التي كان لها دور في التعريف بالعلوم العصرية، فسنبحث عن دورها الخطير في تعميم المشكلة. ثم ننظر بعدها في دور أول التيارات الفكرية ظهورًا وتنظيماتها الاجتماعية التي استثمرت مدخل العلم العصري، وأشهرها "الماسونية والسيمونية"، وما تبعها من ظهور تيارات فكرية تغريبية علمانية. ويأتي "الاستعمار" الذي حلّ بالمسلمين كأخطر الأحداث التي وقعت بالمسلمين ودوره في المشكلة، ومنه إلى الأخير من الأسباب وهو "البيئة الجديدة أو الجو الثقافي الجديد" الذي كان أرضًا خصبة لنمو ظاهرة الانحراف بالعلم.

стр. 519

أولًا: ضعف مؤسسات الأمة العلمية ألمّ بالأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة ضعف شديد، عمق منه انتشار التصوف والإرجاء وغيرهما، ومدّ هذا الضعف بأطرافه إلى جميع المؤسسات بما في ذلك أهمها وهو الجانب العلمي (١) بعلمائه وعلومه ومعاهده. وعندما ضعف الجانب العلمي لم يستطع تلبية احتياجات الأمة كما كانت حاله قديمًا فترة قوته، وتتسع احتياجات الأمة يومًا بعد يوم الاحتياجات الدينية والدنيوية، وفي مقابل هذا الاتساع جاء تخلّف الجانب العلمي، وضعْف أمره فلم يستطع سدّ ذلك العجز وتلبية الحاجة فضلًا عن قيادة الأمة كما هو المأمول من أهل العلم. ويغلب على المؤسسة الضعيفة الخوف من الاعتداء والهروب من مواجهة الصعوبات، وقد تلجأ إلى حيل مختلفة لعدم القيام بالواجب، وقد كان هذا حال الجانب العلمي في عصور المسلمين الأخيرة. وزاد من سوء الموقف انتشار التصوف (٢) والإرجاء والكلام والتقليد والتعصب المذهبي بين كثير من العلماء وداخل المحاضن العلمية (٣). وقد عُرض في الفصل السابق كيف ضَعُفَ حال

стр. 520

العلوم الشرعية داخل المؤسسات التعليمية، ورأينا كيف أدى هذا الضعف إلى إخراج العلوم الدنيوية النافعة للأمة من إطار العلم والتعلم، فأهمل تعلمها وتحصيلها والانتفاع بها إلا من حالات فردية لا أثر لها. تُركز هذه الفقرة على المشكلة الذاتية التي فتحت الباب للمتغربين وأمثالهم ليفرضوا رؤيتهم على جزء من حركة العلم الحديث ويوجهوه بما يخدم أهدافهم، تركز على الخلل الموجود فينا، وتسبب في فتح المجال لهم؛ لأنهم يفرحون بكل فرصة يجدونها. وسنلاحظ بأن الخلل الذاتي له خطره مما سمح باتساع المشكلة وعقّد فيما بعد من قيمة المعالجات المطروحة. الاحتياجات المعرفية الجديدة وعدم قدرة المؤسسات التعليمية على تلبيتها: مع بزوغ العصر الحديث ظهرت احتياجات خطيرة لم تكن المؤسسات العلمية الموجودة قادرة على تلبيتها: سواء كان ذلك على مستوى الأمة في تحسين معايشها الحياتية، من صناعة أو عمارة أو طب أو غيرها، أو على مستوى التحديات الخارجية من خلال تلك التهديدات الخطيرة التي بدأت تطلّ بشرورها على المسلمين وتحتاج إلى قوّة مختلفة تمام الاختلاف عما كُنّا نعهده ونعرفه. ظهرت المؤسسات التعليمية ضعيفة وعاجزة أمام هذه التحديات، وقد فتح هذا الضعف الباب لمجموعة مشكلات: منها أن المجال أصبح مفتوحًا للقوى الخطيرة ذات الأهداف المشبوهة أن تدخل الساحة وتوجه المسار لصالحها بحجة سدّ النقص عند المسلمين، ومن ذلك انتشار المدارس الأجنبية ومدرسيها داخل العالم الإسلامي وتوجيههم العلم وفق أهدافهم، ومن آثار ذلك تلك الازدواجية التي ما زال التعليم يعاني منها في كثير من بلاد المسلمين بين تعليمين، ذاتي وأجنبي. ومنها صناعة مشكلات نظرية ومنهجية في أثناء الاحتكاك بالتعليم الغازي لبلاد المسلمين أثّرت كثيرًا في مستقبل العلاقة بين العلوم الدينية والدنيوية، وذلك

стр. 521

أن المؤسسات الإسلامية لم تكن في حجم التحدي، فأخرجت مواقف دفاعية أو تبنت سياسة الهروب من المشكلة دون مواجهتها، فجاء اللاحق وأتمّ المشوار، فاتسع الخرق على الراقع. نموذج الأزهر: عُرفت المؤسسات العلمية داخل المساجد الكبيرة أو بجوارها، مثل الحرمين: "مكة والمدينة" أو الجامع الأموي بدمشق أو جامع القرويين بالمغرب أو جامع الزيتونة بتونس أو جامع محمد الفاتح في مركز الدولة العثمانية في إستانبول، وغيرها. ويبقى من أشهرها وأهمها في العصور الأخيرة جامع الأزهر بمصر؛ والذي كان من أهم مؤسسات التعليم الإسلامية، حافظ علوم المسلمين ووجهة طالبي العلم من كل مكان. والطريف في هذا البحث أن مشروع طلب العلوم العصرية انطلقت من أرض الأزهر، مما يجعله نموذجًا ممتازًا للدارسة والبحث والتحليل، فضلًا عن كونه مركزًا عربيًا إسلاميًا عاصر المشكلة بخلاف التجارب الأخرى الإسلامية، فقد كانت غير عربية، مثل مركز السلطنة العثمانية أو تجربة المسلمين في الهند أو التجربة الفارسية في إيران. والغرض من بحث هذه الفقرة التأمل في المشكلات المرتبطة بالعلوم العصرية: كيف ولدت؟ وكيف ظهرت المعالجات في مؤسساتنا الإسلامية؟ وما جوانب القوة والضعف فيها؟ حتى نستفيد منها لمستقبل أمرنا، وهي وقفة عسيرة على النفس؛ لأنها وقفة مع مؤسسة عزيزة على النفس، ومع ذلك فهو أمر مهم. برغم الضعف الذي أصاب مؤسسات المسلمين العلمية، بما في ذلك أشهرها "الأزهر"، وعدم قدرته على قيادة الأمة وتقديم الحلول، إلا أن ذلك لا ينسينا الحسنات الكثيرة لهذا المعلم البارز، ولعل من أهمها لمن يقرأ في تاريخه ما يأتي: - أنه من بين أهم المؤسسات العلمية التي نجحت في الحفاظ على وجودها رغم كل الأحداث التي عصفت بالمسلمين. - أنه من أعظم الحصون التي حفظت لنا علوم الشريعة، من تفسير وحديث بعلومهما العظيمة، ومن فقه وعلومه، واللغة العربية وعلومها، وغيرها من العلوم

стр. 522

الإسلامية، والأزهر إلى اليوم هو أحد أهم مراكز العالم العلمية في هذه العلوم. - أن علماءه كانوا عبر السنين سندًا للعامة والفقراء -بعد الله -سبحانه وتعالي-- من ظلم الولاة وأمثالهم، وما إن يتجاوز الولاة ومن تحت إمرتهم الحدود ويتضرر العامة بذلك حتى يلجؤوا إلى علماء الأزهر، فيذهبون بأنفسهم لينكروا على ذاك الوالي ويرفعوا المظالم عن الناس. كما أنه كان مركزًا لانطلاقة الجهاد ومدافعة الأعداء (١). ولكن الأزهر رغم مكانته الشامخة لم يسلم من آثار الضعف والتخلف التي نزلت بأرض المسلمين، وكان أمل الأمة في مثل هذه المؤسسات أن ترفع الضعف عن نفسها وعن غيرها، ومع ذلك فالضعف كان أثقل وطأة، والمؤسسات العلمية مشغولة بأمور لم تكن هي الأنسب بمقامها، وهذا ما نحاول استبصاره الآن. قصة الوالي العثماني مع الأزهر ودلالاتها: يذكر المؤرخ المشهور "عبد الرحمن الجبرتي" قصة طالما ترددت في الكتابات المعاصرة وإن كنتُ قد استنبطت منها ما لم تُركز عليه تلك الكتابات، ففي حوادث سنة (١١٦٢ هـ)؛ أي: قبل الحملة الفرنسية على مصر بخمسين سنة "كانت ١٢١٢ هـ" -أنه تم تولية "أحمد باشا" على مصر، فوصل القلعة بالقاهرة غرة المحرم سنة (١١٦٢ هـ) (٢)، "وكان من أرباب الفضائل، وله رغبة في العلوم الرياضية، ولما وصل إلى مصر واستقر بالقلعة وقابله صدور العلماء في ذلك الوقت، وهم الشيخ عبد الله الشبراوي شيخ جامع الأزهر، والشيخ سالم النفراوي، والشيخ سليمان المنصوري، فتكلم معهم وناقشهم وباحثهم، ثم تكلم معهم في الرياضيات، فأحجموا، وقالوا: لا نعرف هذه العلوم، فتعجب وسكت". وكان الشيخ الشبراوي ممن يتردد على الوالي، وفي إحدى الجلسات قال له الباشا: "المسموع عندنا بالديار الرومية أن مصر منبع الفضائل والعلوم، وكنت في غاية الشوق إلى المجيء إليها، فلما جئتها وجدتها كما قيل: تسمع

стр. 523

بالمعيدي خير من أن تراه. فقال له الشيخ: هي يا مولانا كما سمعتم معدن العلوم والمعارف. فقال: وأين هي وأنتم أعظم علمائها، وقد سألتكم عن مطلوبي من العلوم، فلم أجد عندكم منها شيئًا، وغاية تحصيلكم الفقه والمعقول والوسائل، ونبذتم المقاصد؟! فقال له: نحن لسنا أعظم علمائها، وإنما نحن المتصدرون لخدمتهم وقضاء حوائجهم عند أرباب الدولة والحكام، وغالب أهل الأزهر لا يشتغلون بشيء من العلوم الرياضية إلا بقدر الحاجة الموصلة لعلم الفرائض والمواريث، كعلم الحساب والغبار. فقال له: وعلم الوقت واستقبال القبلة وأوقات الصوم والأهلة وغير ذلك؟ فقال: نعم معرفة ذلك من فروض الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، وهذه العلوم تحتاج إلى لوازم وشروط وآلات وصناعات وأمور ذوقية، كرقة الطبيعة وحسن الوضع والخط والرسم والتشكيل والأمور العطاردية، وأهل الأزهر بخلاف ذلك، غالبهم فقراء وأخلاط مجتمعة من القرى والآفاق فيندر فيهم القابلية لذلك، فقال: وأين البعض؟ فقال موجودون في بيوتهم يسعى إليهم" (١). يقول الجبرتي: إن الشيخ دلّ الوالي على والد المؤرخ، فأرسل له الوالي وسرّ برؤيته، وكان يتردد إليه يومين في الأسبوع السبت والأربعاء، وكان الوالي يقول: "لو لم أغنم من مصر إلا اجتماعي بهذا الأستاذ لكفاني"، وتلقى على يديه بعض الأمور الرياضية (٢). [وقفات مع الحدث]: وهنا مع هذا النص المهم بعض الوقفات: أولها: مكانة الأزهر ومصر حتى في مركز الخلافة، وهذا يؤهل الأزهر وما حوله ليكون النموذج المناسب للبحث، فالوالي يقول: "المسموع عندنا. . . . إلخ". ثانيها: الانفصال بين السلطة والمؤسسة العلمية. تعمل المؤسسة العلمية -الأزهر هنا- بعيدًا عن السلطة، فصحيح أن شيخ الأزهر يأتي التصديق على تعيينه من قبل الوالي بعد عملية الترشيح التي يقوم بها

стр. 524

أهل الأزهر، إلا أن الأزهر يستقل بعد ذلك بعمله، ويواصل عمله في التعليم وتخريج من يقوم بالقضاء والفتيا والإمامة والخطابة وما في بابها، وكل ذلك دون تدخل ظاهر من الوالي، ولاسيّما أن الولاة في تلك المرحلة يتمّ تغييرهم سريعًا. ولا شك أن أي مؤسسة علمية ترغب في الاستقلال عن أهواء السياسة والسياسيين حتى تستطيع القيام بدورها العلمي أحسن قيام، ولكن الاستقلال إذا لم يصحبه دعم ورعاية من قبل السلطة ومن قبل قيادات المجتمع يتحول إلى مشكلة من جهة إمكانيات المؤسسة العلمية؛ لأن المؤسسة العلمية لا يمكنها القيام بنفسها إلا في ظل دعم معنوي ومادي كبير، ولاسيّما في تلك المجالات الدنيوية التي تحتاج إلى تجريب وأدوات وأماكن خاصة، وهذه كلها تتطلب الكثير من الدعم. قد لا يحرص الوالي على دعم الأزهر؛ لأن بقاءه في الولاية محدود بزمن قصير، والأزهر اكتفى بحاله التي هو عليها، في خدمة جانب من العلوم على الضعف الذي لحق بها. وإذا جاء أحد الولاة ممن له رغبة في العلوم والمعارف فلا يتجاوز ذلك حد الرغبة الشخصية والاستمتاع الذاتي كما حصل من الوالي السالف الذكر، فبعد أن حصل على مطلوبه الشخصي لم يتجاوزه إلى تحقيق حاجة الأمة، وهو نوع من الأنانية وعدم استشعار المسؤولية، وهذا من والٍ مدحه الجبرتي فكيف بغيره، كما أن الأخطر أن الوالي جعل علاقته بالمؤسسة العلمية علاقة مصالح، محتاجًا إلى دعمها فقط وضبطها للجمهور، وهذا مما أضعف مثل تلك المؤسسات. ثالثها: عدم تجاهل المؤسسة العلمية أهمية بعض العلوم الدنيوية فالوالي هنا كان محبًا للعلوم الرياضية فسأل عنها, ولكن هناك علوم في الأهمية نفسها وربما أكثر لم يسأل عنها، مثل الطب والعلوم الطبيعية النافعة في الصناعة وغيرها، مما يدل بأن ما يبحث عنه هو ما يلبي حاجته لا ما ينفع الأمة، وقد لفت شيخ الأزهر انتباه الوالي بأسلوب لطيف إلى أمور: أ- أنه بيّن حكم تعلمها، وجعلها من فروض الكفاية؛ أي: أن المؤسسة التعليمية لا تمنعها، بل هي تراها من الواجبات على الأمة، إذا قام بها البعض وتحقق وجودها سقط الوجوب والإثم، ويبقى عندئذ في دائرة الإباحة، فكيف

стр. 525

يصح قول من يتهم المؤسسات الإسلامية برفضها لمثل هذه العلوم ومنع تعلمها أو تحريم تعلمها؟! ولكن إذا كان ذلك من فروض الكفايات فلماذا لم تظهر في الأزهر؟! هنا ننتقل إلى الأمر الآخر الذي لفت شيخ الأزهر الوالي إليه. ب- أنه بيّن سبب غيابها عن الأزهر، وذلك يعود إلى الضعف المادي، والأزهر لا يستطيع القيام بذلك، فهذه العلوم تحتاج "لوازم وشروطًا وآلات وصناعات"، وهذه تحتاج إلى الدعم المالي الذي يوفر تلك الأمور، وهي إلى يومنا هذا مكلفة للغاية، وكذلك الباحث أو المشتغل فيها يحتاج إلى المال لتطوير مهاراته وشراء ما يحتاجه لتكرير تجاربه التي قد تفشل مرارًا حتى يصل إلى مراده، ولكن طلاب الأزهر أغلبهم من الفقراء، فلا يمكنهم القيام بهذه الأمور، بخلاف الجبرتي (١) الذي تعرّف عليه الوالي؛ فقد كان محبًا لمثل هذه العلوم، وكان ثريًا بحيث يستطيع توفير ما يحتاجه بنفسه. وكان يمكن أن يكون هذا التنبيه من شيخ الأزهر للوالي دافعًا لقيام الوالي بواجبه نحو فروض الكفايات، ولكن أيامه محدودة كغيره، ولذا كانت المسؤولية أكبر على المؤسسة العلمية -الأزهر-؛ لأنه مؤسسة مستقرة الحال ومن شأنها العناية بمثل هذا الأمر، وقد يكون اعتذار شيخ الأزهر أشبه بالحيلة النفسية؛ للخروج من المساءلة بأعذار ترفع الحرج عن الأزهر، وإن كان الباحث المدقق لا يُغفل الأثر السياسي وخطره في عدم تحقق فروض الكفايات، ومن خلال المقارنة بتاريخ الأمة القديم أو بالمقارنة بغيرنا من الأمم كما حدث في أوروبا الحديثة نجد الصلة البارزة في باب العلوم الدنيوية بين السلطة والمؤسسات العلمية، حيث نجد الدعم السخي والحث والجوائز والتشجيع والحماية والرعاية من قبل السلطة للمؤسسات العلمية والعلماء، والعتب هنا على مؤسسة كالأزهر، أنه كان قائمًا بنفسه وعنده بعض الأوقاف، مما يجعله قادرًا على تحقيق شيء من الأمر. ومع ذلك فعلينا أن نتذكر بأن "العلوم الدنيوية" مرتبطة في تلك المرحلة بحاجات الدولة، والدولة قد دخلها الضعف والتخلف، بخلاف "العلوم الدينية"؛ فهي مرتبطة بهوية الأمة وواجبها العالمي، ولذا سيبقى هذا الدين محفوظًا بأمر الله سبحانه، ويظهر كل فترة من يجدد للأمة أمر دينها، وعلى هذا فإن مساءلة الأزهر

стр. 526

تنصب أولًا عن أثره في حفظ العلوم الدينية، أما العلوم الدنيوية، فتُسأل عنها الدولة ويُعاتب الأزهر في تأخره عن إعطاء التصور والرؤية حول العلاقة بالعلوم العصرية الموجودة في أوروبا، وتأخره عن وضع المعالجة الشاملة القوية للمشاكل الناجمة عن إدخال مثل تلك العلوم أو المتوقعة. والرؤية الشاملة لا يعبر عنها بفتوى فقط، كما أن باب طلب العلوم النافعة ليس محصورًا بباب إعداد القوة الحربية، بل هناك أبواب أخرى يحتاجها المجتمع المسلم كالطب وأنواع من الصناعات والهندسة والإدارة وبناء المدن وأدوات ذلك وغيرها, ولا يكتفي في المعالجة الصحيحة للمشكلات برمي المشكلة على حلول قديمة قدمت ما يناسب عصرها من علماء مجددين وأئمة في الدين، إلا إذا تشابهت الحاجات، فعلى مثل هذا النقص كان يأتي العتب على الأزهر وغيره. ولذا عندما تأخر الأزهر وغيره عن تقديم المعالجات الشاملة للمشكلات جاءت الإجابات من خارجه، وتُرك المجال لغير علماء الشرع ليتحدثوا في مثل هذه الأمور. مشكلات ذاتية للمؤسسات العلمية الإِسلامية: يوصلنا التحليل السابق إلى نتائج مهمة في سياق المشكلة، فالأزهر كمؤسسة علمية لم يكن يعترض على العلوم الطبيعية والرياضية النافعة، بل يرى أنها من فروض الكفايات، ولكنه في الوقت نفسه لم يحقق هذا الفرض الكفائي بما يحوله إلى علم نافع للناس في حياتهم الدنيوية، ويعتذر الأزهر بضعف دعم السلطة له، أي: أنه أحال مشكلته إلى السلطة، والذي يظهر بأن هناك مشكلة أعمق لم يذكرها الشيخ، تتمثل بنوع العلم السائد في الأزهر وأثره في أهله وفي المجتمع فيما بعد، فمع اختراق التصوف والكلام والتقليد والتعصب المذهبي والجمود العلمي لحقل العلوم الدينية، امتد أثره إلى حقل العلوم الدنيوية رغم الاعتراف بأنها من فروض الكفايات، وهذا ما أجده أكثر ضررًا على المؤسسة العلمية؛ إذ انشغلت بعلوم التصوف والكلام، وظهر التعصب المذهبي مما عطل العلم النافع الديني والدنيوي. فلم يُفَرق مثلًا بين النصوص التي تذمّ الدنيا والانشغال بها، وبين واجب القيام بتحقيق العلم الدنيوي النافع الذي يُحسّن من حياة الناس، وكذا يصنع منهم قوة أمام أعدائهم، ففي الجانب الأول -مما يُحسن حياة الناس- مثل علوم

стр. 527

الطب والعمران والمدنية من بناء وطرق ومستشفيات وزراعة وصناعة وغيرها، وفي الجانب الثاني مثل الإدارة والصناعة الحربية، وما تعتمد عليه من معارف رياضية وفيزيائية وكيمائية، فكان المتسرب إلى الأذهان أن هذه العلوم هي من الدنيا المذمومة، فتُهمل عند الكثير، ولا يُحرص في المؤسسات العلمية على تحصيلها, ولا يدفع بعض الناس لمعرفتها وتعلمها، وقد كانت هذه من المفاهيم الخاطئة التي تسربت من خلال انتشار التصوف والجهل وإهمال علوم الدين بصورتها النقية كما هي عليه في عهد السلف الصالح (١). أي: أنه يمكن التسليم مع نص الجبرتي بأن السبب الظاهر حول ضعف الأزهر في تحقيق علوم الكفايات هو ضعف الدعم المادي، وما يُضاف إليه هنا هو السبب الخفي وهو عميق الجذور في المؤسسات العلمية المتأخرة، وهو تسرب مفاهيم غير صحيحة إلى روح تلك المؤسسات أسهمت فيما بعد، ولو بشكل خفي وغير مباشر في ضعفنا في المجالين الديني والدنيوي. الاحتلال الفرنسي ثم ولاية محمَّد علي وآثار ذلك على الأزهر: وقع الدرس الأقسى للأزهر -كنموذج لمؤسسة علمية- بعد خمسين سنة بالاحتلال الفرنسي سنة (١٢١٢ هـ -١٨٩٨ م)، فقد أُدخل الأزهر بالقوة في إدارات سلطة الاحتلال، وكان الديوان الذي أقامه بونابرت مُشكّلًا من قيادات المجتمع وأهمهم علماء الأزهر، وكانوا يحضرون الاجتماعات واتصلوا في الوقت نفسه بعلماء الحملة، منهم حسن العطار الذي تولى مشيخة الأزهر فيما بعد ومنهم المؤرخ الجبرتي الذي جُعل مفتيًا للمذهب الحنفي فيما بعد، فضلًا عن علماء آخرين وإن لم يُذكر احتكاكهم المباشر بعلماء الحملة الفرنسية. ولا شك أن الأزهر قام بأعمال بطولية في مواجهة الاحتلال بحسب استطاعته، فهو في النهاية مؤسسة غير عسكرية، ومع ذلك قاد المقاومة والجهاد مما عرّضه لأكثر من مرّة للضرب بالمدافع والاقتحام من قبل جيوش المحتل (٢).

стр. 528

من الطبيعي خلال الاحتلال أن يتفرغ الأزهر لدفع هذه النازلة، وقد كشف الله سبحانه الغمة عن الأمة بعد معاناة لما يقرب من خمس سنوات، وقد شارك الأزهر في دفعها، بل كان المحرك لها، وبعد خروج المحتل تدخلُ مصر في دوامة من الصراعات، التي لم تهدأ إلا بعد أن قام مجموعة من علماء الأزهر بتشجيع "محمد علي"، وحثه أن يمسك بزمام الأمر على أن يحكم بالشرع ويقيم العدل ويرفع أسباب الفتن، وتوصل محمَّد علي عبر الأزهر إلى ولاية مصر، فاستقر الأمر لهذا الوالي (١)، ولكن تلك الولاية فتحت شهية محمَّد علي نحو السلطة والتوسع، وقد نجح في ذلك (٢) وتحول الأمر في مصر إليه وإلى أبنائه من بعده. بالرغم من الدور الحسن للأزهر في وصول الوالي إلى ولايته وتمكنه من الحكم، إلا أنه لم يرد الجميل، فبعد أن تمكن الوالي من الحكم قام بإقصاء الأزهر عن مكانته العلمية، وذلك بإيجاد تعليم آخر منافس للمؤسسة القديمة، يُدرِّس فيها الأجانب ويحصل الخريجون منها على أعلى المناصب وأعلى المكاسب، واتسعت هذه الحال مع الأيام، فالتعليم الجديد يتسع على حساب التعليم القديم ويقتطع رويدًا رويدًا من أرض التعليم القديم مساحات أوسع (٣)، وقد وجد الوالي أن سلطته تتعزز بالتعليم الجديد ولاسيّما أنه انصرف إلى ما يخدم الجيش، فالطب والهندسة والإدارة ترجع في النهاية لخدمة جيشه الذي يعطيه السلطة والنفوذ والقوة، فلم يكن تعليمًا يخرج الأمة من ضعفها. فنشأ التعليم الحديث بعيدًا عن التعليم القديم ومستقلًا عنه وبإدارة أجنبية، مع العلم أن هناك مشاركة أزهرية، فالطلاب للمعاهد الجديدة من أذكياء الأزهر وهناك بعض الأساتذة من الأزهر، ولكن هذه المشاركة تقتصر على التغذية فقط بالطلاب والمعلمين في بعض المواد دون أن تكون الصلة صلة معرفية وعلمية توجيهية (٤).

стр. 529

وقد تحولت هذه التجربة -وللأسف- إلى نموذج يحتذى في أغلب المتطلعين للصدارة في العالم الإِسلامي، حيث قام كل والٍ بإيجاد نموذج تعليمي مواز ومنافس للتعليم القديم (١) مع أنهما كانا في الحضارة الإِسلامية صنوان لا يفترقان، فعلوم الدنيا هي من العلوم المطلوبة شرعًا إذا احتاجتها الأمة فلِمَ تُفصل عن معاهد المسلمين العريقة بحيث يتحكم فيها الأجانب لفترة طويلة من الزمن؟! المهم بأن هذا النموذج السائد قد أضرّ بالعِلْمين وبمؤسستيهما مع الزمن: أما التعليم الجديد وعلومه، فقد أضرّها نموّها داخل المحيط العسكري ولأهداف عسكرية، فخرجت بذلك عن دائرة المؤسسات العلمية بما تعنيه تلك المؤسسات من توفر التصور والمناهج والعلماء والبحوث والمكتبات والحركة العلمية، وما يصاحب ذلك من نُموّ علمي ومعرفي يخدم العلم ذاته، فلم تنمُ كعلم وإنما كانت معاهد للوظائف لا للعلوم، بخلاف الأزهر فهو معهد للعلم، حتى وإن لم يجد الخريج من الأزهر وظيفة، فالمهم هو العلم: تعليمه ونشره وتحصيله ويأتي ما سوى ذلك تبعًا، ولذا كان طلاب العلم يأتون إليه من شرق الأرض وغربها دون أن تكون عندهم آمال سوى العلم ذاته. أيضًا تضررت العلوم الحديثة قيميًا، فكل علم لا يتحرك إلا في أجواء قيمية وثقافية وتصورية، وهذه القيم من روح الإِسلام، فهو الذي يعطيها الجانب المعنوي ويغذيها بالروح ويعطيها الأطر العامة والتصورات الكلية، ولكن هذه العلوم قد ارتبطت من جهة بالأجانب: إدارة وتدريسًا، وارتبطت بحضارة تنزع للمادية والعلمانية داخل التصور الغربي الحديث، ومن هذا الخليط نشأت مثل هذه العلوم بعيدًا عن المؤسسات العلمية الإِسلامية، ونشأت جسمًا غريبًا داخل جسد الأمة، مما صعّب تقبله وفتح الشبهات حوله والريبة فيه والخوف منه. أما التعليم القديم، فقد أضرته التجربة -أو النموذج الجديد- بعملية الإقصاء له وإهماله ووضع منافس له يستقطب الطلاب، ويستحوذ عليهم ويحولهم مع الأيام إلى منافسين للعلم المورث، بل رافضين له ونابذين، مع أن الأصل هو وجود التعاون والتكامل بين العلوم الدينية والدنيوية.

стр. 530

أيضًا تسببت هذه الحالة في إهمال المؤسسات العلمية الإِسلامية لطلب العلوم الدنيوية بحجة وجود معاهد خاصة بها، وإهمال اقتراح الرؤى والتصورات حول العلاقة بين علوم الأمة وبين العلوم الجديدة الموجودة في تلك المعاهد، إن غياب الرؤية يتضح من كثرة التأكيدات التي نجدها عند متزعمي تدريس العلوم الجديدة مثل "الطهطاوي" و"خير الدين التونسي" (١) وغيرهما، فهم يكثرون من الأدلة والتوضيح وذكر التجارب الإِسلامية وتكرير أقوال علماء سابقين في كونها من فروض الكفايات وغير ذلك. وقد كان الأولى أن يقدم الأزهر مثل هذه الأمور، فتخرج مؤلفات ومواقف توضح الحق في الباب والتصور الإِسلامي في الموضوع، فذاك آنذاك هو فريضة الوقت، ومما يؤسف له أننا لا نجد من ذلك شيئًا مشهورًا، ورغم طول الفترة الزمنية فلم يخرج شيء حول هذا الموضوع من داخل الأزهر، لم تقدم الرؤية ولم يظهر تبنيه لبعض المشروعات حول التأصيل الإِسلامي للموقف من هذه العلوم وماذا نفعل مع هذه العلوم بعد أن حدث لها ما حدث داخل الحضارة الأوروبية الحديثة، ولم يناقش بجدية هل يمكن فتح أقسام خاصة داخل الأزهر لبحثها وإيجاد المتخصص الأزهري فيها؟ على الأقل في الجانب النظري منها، إذا كان أهله يعتذرون بعدم الإمكانيات في جانبها العملي. ولم ينجح العطار والطهطاوي -وغيرهما- رغم كونهما من أهل الأزهر، ومن المتحمسين في الوقت نفسه للعلوم الموجودة في أوروبا، لم ينجحا في معالجة العلاقة بين الجديد والقديم، ولم ينجحا في إقناع الأزهر -المؤسسة العلمية الكبرى في العالم الإِسلامي- في تبني هذه العلوم والقيام على شأنها، أو على الأقل قيام الأزهر بوضع مخطط عام وتصور واضح حول موقف الأمة من هذه العلوم، كيف نأخذها؟ ولماذا نترك الأجانب يتولون تدريسها؟ ولماذا نتركها لهم ولأهل ملتهم ويتخلى المسلمون عن مهمتهم؟ إلى غير ذلك من الأسئلة. بوادر الاختلاف داخل الأزهر ومطلب التحديث: بدأت معالم الاختلاف داخل الأزهر، ففي الربع الأخير من القرن الرابع
следующие страницы →