← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

تنصب أولًا عن أثره في حفظ العلوم الدينية، أما العلوم الدنيوية، فتُسأل عنها الدولة ويُعاتب الأزهر في تأخره عن إعطاء التصور والرؤية حول العلاقة بالعلوم العصرية الموجودة في أوروبا، وتأخره عن وضع المعالجة الشاملة القوية للمشاكل الناجمة عن إدخال مثل تلك العلوم أو المتوقعة. والرؤية الشاملة لا يعبر عنها بفتوى فقط، كما أن باب طلب العلوم النافعة ليس محصورًا بباب إعداد القوة الحربية، بل هناك أبواب أخرى يحتاجها المجتمع المسلم كالطب وأنواع من الصناعات والهندسة والإدارة وبناء المدن وأدوات ذلك وغيرها, ولا يكتفي في المعالجة الصحيحة للمشكلات برمي المشكلة على حلول قديمة قدمت ما يناسب عصرها من علماء مجددين وأئمة في الدين، إلا إذا تشابهت الحاجات، فعلى مثل هذا النقص كان يأتي العتب على الأزهر وغيره. ولذا عندما تأخر الأزهر وغيره عن تقديم المعالجات الشاملة للمشكلات جاءت الإجابات من خارجه، وتُرك المجال لغير علماء الشرع ليتحدثوا في مثل هذه الأمور. مشكلات ذاتية للمؤسسات العلمية الإِسلامية: يوصلنا التحليل السابق إلى نتائج مهمة في سياق المشكلة، فالأزهر كمؤسسة علمية لم يكن يعترض على العلوم الطبيعية والرياضية النافعة، بل يرى أنها من فروض الكفايات، ولكنه في الوقت نفسه لم يحقق هذا الفرض الكفائي بما يحوله إلى علم نافع للناس في حياتهم الدنيوية، ويعتذر الأزهر بضعف دعم السلطة له، أي: أنه أحال مشكلته إلى السلطة، والذي يظهر بأن هناك مشكلة أعمق لم يذكرها الشيخ، تتمثل بنوع العلم السائد في الأزهر وأثره في أهله وفي المجتمع فيما بعد، فمع اختراق التصوف والكلام والتقليد والتعصب المذهبي والجمود العلمي لحقل العلوم الدينية، امتد أثره إلى حقل العلوم الدنيوية رغم الاعتراف بأنها من فروض الكفايات، وهذا ما أجده أكثر ضررًا على المؤسسة العلمية؛ إذ انشغلت بعلوم التصوف والكلام، وظهر التعصب المذهبي مما عطل العلم النافع الديني والدنيوي. فلم يُفَرق مثلًا بين النصوص التي تذمّ الدنيا والانشغال بها، وبين واجب القيام بتحقيق العلم الدنيوي النافع الذي يُحسّن من حياة الناس، وكذا يصنع منهم قوة أمام أعدائهم، ففي الجانب الأول -مما يُحسن حياة الناس- مثل علوم

стр. 527

الطب والعمران والمدنية من بناء وطرق ومستشفيات وزراعة وصناعة وغيرها، وفي الجانب الثاني مثل الإدارة والصناعة الحربية، وما تعتمد عليه من معارف رياضية وفيزيائية وكيمائية، فكان المتسرب إلى الأذهان أن هذه العلوم هي من الدنيا المذمومة، فتُهمل عند الكثير، ولا يُحرص في المؤسسات العلمية على تحصيلها, ولا يدفع بعض الناس لمعرفتها وتعلمها، وقد كانت هذه من المفاهيم الخاطئة التي تسربت من خلال انتشار التصوف والجهل وإهمال علوم الدين بصورتها النقية كما هي عليه في عهد السلف الصالح (١). أي: أنه يمكن التسليم مع نص الجبرتي بأن السبب الظاهر حول ضعف الأزهر في تحقيق علوم الكفايات هو ضعف الدعم المادي، وما يُضاف إليه هنا هو السبب الخفي وهو عميق الجذور في المؤسسات العلمية المتأخرة، وهو تسرب مفاهيم غير صحيحة إلى روح تلك المؤسسات أسهمت فيما بعد، ولو بشكل خفي وغير مباشر في ضعفنا في المجالين الديني والدنيوي. الاحتلال الفرنسي ثم ولاية محمَّد علي وآثار ذلك على الأزهر: وقع الدرس الأقسى للأزهر -كنموذج لمؤسسة علمية- بعد خمسين سنة بالاحتلال الفرنسي سنة (١٢١٢ هـ -١٨٩٨ م)، فقد أُدخل الأزهر بالقوة في إدارات سلطة الاحتلال، وكان الديوان الذي أقامه بونابرت مُشكّلًا من قيادات المجتمع وأهمهم علماء الأزهر، وكانوا يحضرون الاجتماعات واتصلوا في الوقت نفسه بعلماء الحملة، منهم حسن العطار الذي تولى مشيخة الأزهر فيما بعد ومنهم المؤرخ الجبرتي الذي جُعل مفتيًا للمذهب الحنفي فيما بعد، فضلًا عن علماء آخرين وإن لم يُذكر احتكاكهم المباشر بعلماء الحملة الفرنسية. ولا شك أن الأزهر قام بأعمال بطولية في مواجهة الاحتلال بحسب استطاعته، فهو في النهاية مؤسسة غير عسكرية، ومع ذلك قاد المقاومة والجهاد مما عرّضه لأكثر من مرّة للضرب بالمدافع والاقتحام من قبل جيوش المحتل (٢).

стр. 528

من الطبيعي خلال الاحتلال أن يتفرغ الأزهر لدفع هذه النازلة، وقد كشف الله سبحانه الغمة عن الأمة بعد معاناة لما يقرب من خمس سنوات، وقد شارك الأزهر في دفعها، بل كان المحرك لها، وبعد خروج المحتل تدخلُ مصر في دوامة من الصراعات، التي لم تهدأ إلا بعد أن قام مجموعة من علماء الأزهر بتشجيع "محمد علي"، وحثه أن يمسك بزمام الأمر على أن يحكم بالشرع ويقيم العدل ويرفع أسباب الفتن، وتوصل محمَّد علي عبر الأزهر إلى ولاية مصر، فاستقر الأمر لهذا الوالي (١)، ولكن تلك الولاية فتحت شهية محمَّد علي نحو السلطة والتوسع، وقد نجح في ذلك (٢) وتحول الأمر في مصر إليه وإلى أبنائه من بعده. بالرغم من الدور الحسن للأزهر في وصول الوالي إلى ولايته وتمكنه من الحكم، إلا أنه لم يرد الجميل، فبعد أن تمكن الوالي من الحكم قام بإقصاء الأزهر عن مكانته العلمية، وذلك بإيجاد تعليم آخر منافس للمؤسسة القديمة، يُدرِّس فيها الأجانب ويحصل الخريجون منها على أعلى المناصب وأعلى المكاسب، واتسعت هذه الحال مع الأيام، فالتعليم الجديد يتسع على حساب التعليم القديم ويقتطع رويدًا رويدًا من أرض التعليم القديم مساحات أوسع (٣)، وقد وجد الوالي أن سلطته تتعزز بالتعليم الجديد ولاسيّما أنه انصرف إلى ما يخدم الجيش، فالطب والهندسة والإدارة ترجع في النهاية لخدمة جيشه الذي يعطيه السلطة والنفوذ والقوة، فلم يكن تعليمًا يخرج الأمة من ضعفها. فنشأ التعليم الحديث بعيدًا عن التعليم القديم ومستقلًا عنه وبإدارة أجنبية، مع العلم أن هناك مشاركة أزهرية، فالطلاب للمعاهد الجديدة من أذكياء الأزهر وهناك بعض الأساتذة من الأزهر، ولكن هذه المشاركة تقتصر على التغذية فقط بالطلاب والمعلمين في بعض المواد دون أن تكون الصلة صلة معرفية وعلمية توجيهية (٤).

стр. 529

وقد تحولت هذه التجربة -وللأسف- إلى نموذج يحتذى في أغلب المتطلعين للصدارة في العالم الإِسلامي، حيث قام كل والٍ بإيجاد نموذج تعليمي مواز ومنافس للتعليم القديم (١) مع أنهما كانا في الحضارة الإِسلامية صنوان لا يفترقان، فعلوم الدنيا هي من العلوم المطلوبة شرعًا إذا احتاجتها الأمة فلِمَ تُفصل عن معاهد المسلمين العريقة بحيث يتحكم فيها الأجانب لفترة طويلة من الزمن؟! المهم بأن هذا النموذج السائد قد أضرّ بالعِلْمين وبمؤسستيهما مع الزمن: أما التعليم الجديد وعلومه، فقد أضرّها نموّها داخل المحيط العسكري ولأهداف عسكرية، فخرجت بذلك عن دائرة المؤسسات العلمية بما تعنيه تلك المؤسسات من توفر التصور والمناهج والعلماء والبحوث والمكتبات والحركة العلمية، وما يصاحب ذلك من نُموّ علمي ومعرفي يخدم العلم ذاته، فلم تنمُ كعلم وإنما كانت معاهد للوظائف لا للعلوم، بخلاف الأزهر فهو معهد للعلم، حتى وإن لم يجد الخريج من الأزهر وظيفة، فالمهم هو العلم: تعليمه ونشره وتحصيله ويأتي ما سوى ذلك تبعًا، ولذا كان طلاب العلم يأتون إليه من شرق الأرض وغربها دون أن تكون عندهم آمال سوى العلم ذاته. أيضًا تضررت العلوم الحديثة قيميًا، فكل علم لا يتحرك إلا في أجواء قيمية وثقافية وتصورية، وهذه القيم من روح الإِسلام، فهو الذي يعطيها الجانب المعنوي ويغذيها بالروح ويعطيها الأطر العامة والتصورات الكلية، ولكن هذه العلوم قد ارتبطت من جهة بالأجانب: إدارة وتدريسًا، وارتبطت بحضارة تنزع للمادية والعلمانية داخل التصور الغربي الحديث، ومن هذا الخليط نشأت مثل هذه العلوم بعيدًا عن المؤسسات العلمية الإِسلامية، ونشأت جسمًا غريبًا داخل جسد الأمة، مما صعّب تقبله وفتح الشبهات حوله والريبة فيه والخوف منه. أما التعليم القديم، فقد أضرته التجربة -أو النموذج الجديد- بعملية الإقصاء له وإهماله ووضع منافس له يستقطب الطلاب، ويستحوذ عليهم ويحولهم مع الأيام إلى منافسين للعلم المورث، بل رافضين له ونابذين، مع أن الأصل هو وجود التعاون والتكامل بين العلوم الدينية والدنيوية.

стр. 530

أيضًا تسببت هذه الحالة في إهمال المؤسسات العلمية الإِسلامية لطلب العلوم الدنيوية بحجة وجود معاهد خاصة بها، وإهمال اقتراح الرؤى والتصورات حول العلاقة بين علوم الأمة وبين العلوم الجديدة الموجودة في تلك المعاهد، إن غياب الرؤية يتضح من كثرة التأكيدات التي نجدها عند متزعمي تدريس العلوم الجديدة مثل "الطهطاوي" و"خير الدين التونسي" (١) وغيرهما، فهم يكثرون من الأدلة والتوضيح وذكر التجارب الإِسلامية وتكرير أقوال علماء سابقين في كونها من فروض الكفايات وغير ذلك. وقد كان الأولى أن يقدم الأزهر مثل هذه الأمور، فتخرج مؤلفات ومواقف توضح الحق في الباب والتصور الإِسلامي في الموضوع، فذاك آنذاك هو فريضة الوقت، ومما يؤسف له أننا لا نجد من ذلك شيئًا مشهورًا، ورغم طول الفترة الزمنية فلم يخرج شيء حول هذا الموضوع من داخل الأزهر، لم تقدم الرؤية ولم يظهر تبنيه لبعض المشروعات حول التأصيل الإِسلامي للموقف من هذه العلوم وماذا نفعل مع هذه العلوم بعد أن حدث لها ما حدث داخل الحضارة الأوروبية الحديثة، ولم يناقش بجدية هل يمكن فتح أقسام خاصة داخل الأزهر لبحثها وإيجاد المتخصص الأزهري فيها؟ على الأقل في الجانب النظري منها، إذا كان أهله يعتذرون بعدم الإمكانيات في جانبها العملي. ولم ينجح العطار والطهطاوي -وغيرهما- رغم كونهما من أهل الأزهر، ومن المتحمسين في الوقت نفسه للعلوم الموجودة في أوروبا، لم ينجحا في معالجة العلاقة بين الجديد والقديم، ولم ينجحا في إقناع الأزهر -المؤسسة العلمية الكبرى في العالم الإِسلامي- في تبني هذه العلوم والقيام على شأنها، أو على الأقل قيام الأزهر بوضع مخطط عام وتصور واضح حول موقف الأمة من هذه العلوم، كيف نأخذها؟ ولماذا نترك الأجانب يتولون تدريسها؟ ولماذا نتركها لهم ولأهل ملتهم ويتخلى المسلمون عن مهمتهم؟ إلى غير ذلك من الأسئلة. بوادر الاختلاف داخل الأزهر ومطلب التحديث: بدأت معالم الاختلاف داخل الأزهر، ففي الربع الأخير من القرن الرابع

стр. 531

عشر/ النصف الثاني من التاسع عشر "كان بالأزهر يومئذ حزبان: شرعي محافظ. . وحزب صوفي أقل في محافظته من الشرعيين. . وحضر محمَّد عبده دروس كل من الحزبين، فسمع من الحزب الشرعي المحافظ دروس المشايخ: عليش، والرفاعي، والجيزاوي، والطرابلسي، والبحراوي. . ولكنه انتمى إلى الحزب الصوفي، وكان رائده الشيخ حسن رضوان. . . . وكان من هذا الحزب الشيخ حسن الطويل، والشيخ محمَّد البسيوني" (١)، وسيتحول الأمر بحسب رأي "العقاد" إلى "صراع خفي بين طلاب الإصلاح المجددين وبين شيعة الجمود والتقليد من المحافظين على القديم" (٢)، وسيظهر أن أهم أسباب هذا الصراع هو الموقف من علوم الأزهر من جهة، فهل هي كلها تستحق التقدير، والموقف من العلوم العصرية من جهة أخرى، لماذا تبقى بعيدة عن الأزهر. لقد ابتعد النموذج الجديد الذي وضعه محمَّد علي عن أهدافه (٣)، فذاك التعليم الموازي للأزهر والمعارض له أحيانًا قد انحرف مساره كثيرًا مع التحكم الأجنبي وتدخل أهواء السلطة، ومن أيام محمَّد علي إلى حفيده إسماعيل باشا وهناك طموح في إيجاد مجتمع على شاكلة المجتمعات الأوروبية، وظهرت بارزة عند إسماعيل في رغبته تحويل مصر إلى قطعة من أوروبا، ففتح الباب للأجانب من اليهود والنصارى بشكل لا مثيل له، وارتفع شأنهم، وتولوا من المناصب أعلاها، واستأثروا بإدارة التعليم وتوجيهه مستغلين طموحات الوالي في تغريب المجتمع (٤). وبرغم ما حدث للتعليم مع الأجانب فلم يتحرك الأزهر الحركة المرجوة منه، بأن يتولى هو التعليم ويحاول سحبه منهم أو يوجد المشروع البديل، وربما لم يكن في مقدوره فعل ذلك وهو في الأصل واقع في مشكلاته الخاصة التي تُعطّل قيامه بالدور المطلوب. سأعرض الآن شهادة لأحد من عاصر تلك المرحلة وعاش معاناتها وهو "أحمد تيمور باشا"، فيذكر معاناته بين المؤسستين، المؤسسة الأزهرية والمؤسسة

стр. 532

العصرية، فيقول: "فإني كنت خرجت من المدارس بعد تلقي ما يتلقى بها من العلوم المعروفة وأنا في سن العشرين. وقد علق بالعقيدة شيء من آثار التربية بهذه المدارس". مما يدلّ على نشاطها الذي يتجاوز تقديم العلوم والمعارف إلى هدمها العقائد والدين، ثم يقول: "إلا أني كنت مولعًا منذ الصغر بالإِسلام ومحاسنه، والمطالعة في السيرة النبوية، ومناقب الأصحاب والخلفاء الراشدين، فكان ينشرح صدري لأشياء، وينقبض من أشياء تعرض لي فيها شبهات، ثم كنت أعرض ما يظهر لي من مكارم الشريعة ومقاصدها على ما عليه الناس من البدع والمحدثات التي تمسكوا بها، وجعلوها من الأصول الدينية، فأجد التناقض والتصادم". يعترف "تيمور" بأنه وإن تأثر بدراسته، إلا أن تربيته الخاصة وحبه للإسلام وجهده الذاتي حماه بفضل الله من الابتعاد عن الدين، ولكنه في المقابل يشاهد في مجتمعه مظاهر يزعم أصحابها أنها من الدين، وفي مثل هذا الوضع فالمرجع لتوضيح الأمر هو الأزهر الذي يقابل تلك المدرسة التي أثّرت فيه، وهذا هو الأصل أن يعالج تلك المظاهر السلبية في المجتمع، فيقول: "فصرت أتردد على كثير من كبار علماء الأزهر وغيرهم، لعلي أجد عندهم مفرجًا، فأراهم أحرص من العامة على هذه الخزعبلات، حتى كدت أحكم بأنها من الدين، وأن الأمر دائر بين شيئين، فإما أن يكون الدين دين خرافات وخزعبلات تنفر منها الطباع السليمة، وإما أن يكون ما نراه حقًا، ولكن يمنعنا من قبوله إلحاد تأصل في النفس" (١). يكشف هذا الاعتراف عن عمق الأزمة التي عاشها بعض أبناء تلك المرحلة بين جهتين، جهة تشكك في العقيدة، وأخرى تحرص على الخزعبلات، ويقف الشاب حائرًا بينهما، وأبقاه حبه للإسلام داخل دائرة الدين وأوصلته الحيرة والتناقضات التي أمامه إلى حالة من اختلاط المفاهيم، إما أن الدين خزعبلات

стр. 533

وربما هذا ما تحرص على زرعه المدارس الأخرى، وإما أن هذه الخزعبلات هي الدين فعلًا، ولكن الإلحاد المتسرب إلى النفس منع من الراحة إليها والاطمئنان بها. وإذا كان هذا الشاب الباحث عن الحقيقة والباذل لأسبابها قد وفق بأمثال الشيخ "حسن الطويل" (١٢٥٠ - ١٣١٥ هـ) حيث كان من العلماء الذين خرجوا عن التقليد والتعصب وفتح قلبه وعقله للحق (١)، وعنه يقول تلميذه -ذاك الشاب المحتار-: "وكان ﵀ سني العقيدة، صوفي المشرب، لا يحيد عن الشرع قيد إصبع، آخذًا بمذهب الإِمام ابن تيمية بمسألة الاستغاثة بالقبور والاستشفاء بالموتى، منكرًا على المبتدعة أشد إنكار. آية من آيات الله في معرفة التفسير وحل مشكلات الكتاب المبين، متضلعًا من الحديث، متحصنًا بالشريعة في كل علم يقرؤه من كلام أو حكمة أو تصوف أو رياضيات أو طبيعيات"، إلى أن قال: "ومع انحراف علماء الأزهر عنه؛ لإنكاره عليهم بدعهم وما درجوا عليه، فإنهم كانوا مقرّين بفضله، وكثيرًا ما كانوا يحتاجون إليه في معرفة أسرار الشريعة، وحل مشكلاتها، والرد على الطاعنين عليها من أرباب النِّحَل الأخرى والمرتدين" (٢). فعند هذا الشيخ -العالم بالشريعة العارف بالعلوم الرياضية والطبيعية والمطلع على الأفكار والفلسفات- وجد الشاب حاجته، وما يروي غليله، وما يعالج ما اعتلج بصدره من خواطر حول العلاقة بين المدرستين وأهلها وموضوعاتها. لم يتحرر حسن الطويل من كل أحمال تركة العصور المتأخرة، ورغم اتصاله وانتفاعه بتراث ابن تيمية فإنه بقي على صلة بالتصوف والكلام وبعض ما يُثقل السائر الثائر، وهذا مما يجعل مادته مهدئة لما ينتاب أنفس الشباب دون أن تكون العلاج الناجع. بقيت أوضاع الأزهر على هذه الحال حتى جاء الزلزال الثاني لأرض مصر وهو الاحتلال البريطاني، حيث كان الأول مع الاحتلال الفرنسي وكان الثاني وهو الأطول مع الاحتلال البريطاني، وحسب كلام العقاد (٣): فإن سلطات الاحتلال قد سحبت كل الإدارات من الباشا، وما أبقت له إلا المؤسسات الدينية

стр. 534

حتى لا تثير حساسية الناس ومنها الأزهر، بينما تصرفت في بقية الإدارات تحت دعوى إصلاحها وتحديثها وتطويرها، وعندما لم يجد الباشا إلا تلك الوسائل الدينية وحتى لا يكون متخلفًا عن دعوات التحديث، فقد أراد أن يمارس سلطته عليها, ولكنه أراد -مع من حوله- مدخلًا مناسبًا وحيلة يحتالون بها، فكانت هذه الواقعة المهمة: تم الاتفاق "على استفتاء شيخ الجامع الأزهر، ومفتي الديار المصرية، في مسألة العلوم التي يجوز تدريسها في الجامع، ولا تعتبر العناية بها في أماكن العبادة مخالفةً للتقاليد الإِسلامية، وكلفوا عالمًا تونسيًا فاضلًا -هو الأستاذ محمَّد بيرم أشهر علماء جامع الزيتونة في عصره- أن يتوجه بهذا الاستفتاء إلى الشيخ محمَّد الإنبابي (١) شيخ الجامع يومذاك (١٣٠٥ هـ -١٨٨٧ م) فكتب إليه بعد تمهيد وجيز: ". . ما قولكم رضي الله عنكم: هل يجوز تعلم المسلمين للعلوم الرياضية، مثل: الهندسة والحساب والهيئة والطبيعيات، وتركيب الأجزاء المعبر عنها بالكيمياء، وغيرها من سائر المعارف، لاسيّما ما ينبني عليه منها في زيادة القوة في الأمة بما تجاري به الأمم المعاصرين لها في كل ما يشمله الأمر بالاستعداد؟ بل هل يجب بعض تلك العلوم على طائفة من الأمة بمعنى أن يكون واجبًا وجوبًا كفائيًا على نحو التفصيل الذي ذكره فيها الإِمام حجة الإِسلام الغزالي في إحياء العلوم ونقله علماء الحنفية أيضًا وأقروه، وإذا كان الحكم فيها كذلك فهل يجوز قراءتها مثل ما تجوز قراءة العلوم الآلية من نحو وغيره الرائجة الآن بالجامع الأزهر والزيتونة والقرويين. . أفيدوا الجواب لا زلتم مقصدًا لأولي الألباب"" (٢). وقعت هذه الفتوى بعد ما يقرب من قرن ونصف من الحادثة المشهورة التي وقعت بين الوالي المحب لعلم الرياضيات وبين شيخ الأزهر، وسبق فيها إقرار

стр. 535

شيخ الأزهر بكلام الغزالي والأعذار التي قدمها, ولكن هاهي السنين تمضي ومع ذلك لم تعالج المشكلة، ويبقى السؤال يتكرر، إما للجهل بالحكم أو للتعجب من عدم بذل المطلوب في تحقيق فروض الكفايات -لا بمعنى وجود من يعلمها وإنما وجود ثمرتها في الأمة، فالنقص حاصل والحاجة ملحّة ومع ذلك لم يقم الأزهر بدوره المطلوب- مما يجعل السؤال يتكرر والفتوى تتكرر، ومع ذلك فالحال كما هي عليه في الوقت الذي غزتنا فيه المدارس الأجنبية والتعليم الأجنبي ثم احتلنا الأجنبي ذاته، والمعالجة لا تتجاوز تكرير الفتوى دون عمل واقعي يصدقها، فلننظر إلى الجواب: ذكر "العقاد" بأن الشيخ الأنبابي كان يعلم مصدر الاستفتاء، فلم يهمله كما أشار عليه بعض أعوانه، وكتب في جوابه ما يأتي: ". . . . يجوز تعلم العلوم الرياضية مثل الحساب والهندسة، والجغرافيا؛ لأنه لا تعرض فيها لشيء من الأمور الدينية، بل يجب منها ما تتوقف عليه مصلحة دينية أو دنيوية وجوبًا كفائيًا، كما يجب علم الطب لذلك -كما أفاده الغزالي في مواضع من الإحياء- وأن ما زاد على الواجب من تلك العلوم مما يحصل به زيادة في القدر الواجب، فتعلمه فضيلة"، إلى هنا الفتوى عما لا يتعرض منها للدين، ثم جاء الكلام عما له تعرض بالدين، وهما "علم الهيئة والطبيعيات"، فقال الشيخ: "ولا يدخل في علم الهيئة الباحث عن أشكال الأفلاك والكواكب وسيرها علم التنجيم، المسمى بعلم أحكام النجوم -وهو الباحث عن الاستدلال بالتشكلات الفلكية على الحوادث السفلية- فإنه حرام كما قال الغزالي، وعلل ذلك بما محصله أنه يخشى من ممارسته نسبة التأثير للكواكب، والتعرض للأخبار بالمغيبات، مع كون الناظر قد يخطئ لخفاء بعض الشروط". ففرق الشيخ بين نوعين في علم الهيئة: نوع يدخل في الدراسات الطبيعية العلمية وآخر له صلة بالأمور الدينية، ولاسيّما مسألة الغيب، والملاحظ هنا أنه ينقل تصوره عن هذا العلم كما كان معهودًا في القرن الخامس الهجري. ثم انتقل في فتواه إلى العلم الثاني المُشْكل وهو الطبيعيات، فقال: "وأما الطبيعيات -وهي الباحثة عن صفات الأجسام وخواصها وكيفية استحالتها وتغيرها، كما في الإحياء في الباب الثاني من كتاب العلم- فإن كان ذلك البحث عن طريق أهل الشرع فلا مانع منها كما أفاده العلامة شهاب الدين أحمد بن

стр. 536

حجر الهيتمي في جزء الفتاوى الجامع للمسائل المنتشرة، بل لها حينئذٍ أهمية بحسب أهمية ثمرتها، كالوقوف على خواص المعدن والنبات المحصل للتمكن في علم الطب، وكمعرفة عمل الآلات النافعة في مصلحة العباد، وإن كان على طريقة الفلاسفة فالاشتغال بها حرام؛ لأنه يؤدي للوقوع في العقائد المخالفة للشرع كما أفاده العلامة المذكور. نعم يظهر تجويزه لكامل القريحة الممارس للكتاب والسنة للأمن عليه مما ذكرنا، قياسًا على المنطق المختلط بالفلسفة على ما هو المعتمد فيه من أقوال ثلاثة، ثانيها: الجواز مطلقًا، ونسبه الملوي في شرح السلم للجمهور، وثالثها: المنع مطلقًا، ونسبه صاحب السلم لابن الصلاح والنووي. قال الملوي: ووافقهما على ذلك كثير من العلماء. . . ."، إلى آخر الفتوى (١). اعتمد الشيخ في فتواه في باب الطبيعيات على عَلَم من علماء المسلمين في القرن العاشر، ولا شك أن الهيئة التي يتكلم عليها الغزالي في القرن الخامس أو الطبيعيات التي يتكلم عليها ابن حجر الهيتمي (٢) في القرن العاشر قد تغيرت كثيرًا عمّا هو معهود في عصريهما، ومن الواضح أن التصور السائد عنها أنها علوم نظرية، والنافع منها محدود، بينما هي في حقيقتها وبعد التحولات الكبيرة التي عصفت بها قد أصبح لها فوائدها العملية وأصبحت عصب الحياة المادية، كما أن الإشكال يبقى قائمًا، فإذا كانت الطبيعيات مثار الجدل رغم أهميتها فلِمَ لم يتبن الأزهر أو غيره من المؤسسات العلمية الإِسلامية مثل هذه العلوم بحيث تكون تحت مظلته، فيؤخذ نافعها وتصفى من الملحقات المضرّة بها، أو يتبنى مشروع تصفيتها؟! إن ظهور هذه الفتوى المفصلة في وقت متأخر مع النقص الحاصل فيها، ليدل على أن الأزهر -فضلًا عن بقية معاهد المسلمين- قد سوّف كثيرًا في إخراج رؤية كاملة نابعة عن تشاور بين العلماء وتمحيص للموقف ودراسة متأنية للقضية، ثم تخرج تلك الرؤية بحيث تقطع الاضطراب، فإذا كانت المحاولات

стр. 537

في إعادة الاهتمام بالعلوم الدنيوية تعود لعشرات السنين، ومعاهد الأجانب تغزو بلاد المسلمين، وتجتذب أبناءهم، ومع ذلك لم يُحسم الأمر إلى تلك المرحلة، بل دخلنا القرن الرابع عشر -إذْ كانت الفتوى المشهورة سنة (١٣٠٥ هـ) والحال على ما هي عليه. وقد فتح هذا التأخر والتسويف المجال لغيرنا، فملؤوا الفراغ بما يريدون حتى إذا جئنا بعد ذلك احتجنا إلى سنين لإزالة الترسبات الفاسدة المرتبطة بالعلوم العصرية. بعد أسبوعين من فتوى شيخ الأزهر صدرت الموافقة عليها من مفتي الديار المصرية، فقال: "إن ما أفاده حضرة الأستاذ شيخ الإِسلام موافق لمذهبنا، وما استظهره من أن الخلاف البخاري في علم المنطق يجري في علم الطبيعة أيضًا وجيه، والله أعلم" (١). نلاحظ ذاك التخوف في الخطاب الأزهري، فهو لم ينجح في تجاوز عقبة الخوف، وهي عقدة ترجع أحيانًا إلى الجهل بالشيء، ويتضح هنا في أن الحكم على هذه العلوم يستند إلى رؤية عرضها الغزالي ﵀ في القرن الخامس، وما جاء بعده مما يعتمد عليه الأزهر هو فتاوى تعتمد أساسًا على مشروع الغزالي الذي ذكره في "إحياء علوم الدين" و"مقاصد الفلاسفة" و"المنقذ من الضلال" وغيرها. ولكن موقف الغزالي ومشروعه يتعلق بما عاصره وعرفه من علوم وأفكار وفلسفات، بينما هي قد تغيرت كثيرًا في القرون الأخيرة، وأصبح للعلوم الطبيعية والرياضية شأن مختلف في حياة الأمم، وتحول جزء كبير منها إلى محيط العلم وتخففت من الأبعاد الفلسفية في التطبيقات المباشرة، وما يتصل بالجانب الأيديولوجي والثقافي المصاحب لتلك العلوم فهو مما يتجاوز الجانب التطبيقي منها، وهنا كان من المهم لمؤسسات المسلمين العلمية الأخذ بزمام المبادرة لمعالجته، فَتُحقق الفرض الكفائي الذي تنص عليه فتاوى علماء تلك المؤسسات بأن يتم تحصيل تلك العلوم تحت إشرافها ويتم تطويرها في محيط ثقافي يختلف عن الأوروبي الذي تطورت فيه.

стр. 538

أثر جمال الدين الأفغاني: وبينما الأزهر على هذه الحال، وكذا النشاط الديني والعلمي والفكري في مصر، إذ اقتحمها من زلزل واقعها، وقال مسارها الفكري وأحدث صدمة كبيرة داخل الأزهر، ذاك الشخص هو جمال الدين الأفغاني، ومع أن إقامته في مصر لم تكمل عشر سنوات، إلا أنه كان من بين أهم الشخصيات الإِسلامية أثرًا في تلك المرحلة، وأخطرها على مسيرة الفكر الإِسلامي فيما بعد. وقد كان الشباب الجدد يلتفون حول حسن الطويل لعلّه يخفف عنهم ما ألمّ بهم، ويحقق لهم ما يبحثون عنه، ولكن بعد مجيء الأفغاني تحولوا إليه فأدهشتهم دروسه وفهمه وعقله (١)، فوجدوه ملمًا بالتراث الإِسلامي، وجدوا عنده فوق ما عندهم مع أنهم طلاب الأزهر، وكذا وجدوه مطلعًا على الأفكار الجديدة: يجيد فهمها وتحليلها ونقدها, ولكن الرجل كان أميل إلى الفلسفة، وربما كان لهذا أثره في الأتباع، ولاسيّما الظن بأن طريق التعامل مع الواقع، ومع الأفكار الوافدة ومع التحديث ومع النهضة، هو أن يكون الشخص فيلسوفًا، أما علماء الدين والشريعة، فليسوا على قدرة في ذلك، مع أن تاريخ الإِسلام القريب منهم يثبت أن علمًا في الشريعة وإمامًا في الدين -كابن تيمية- أقدر على فهم العلوم والفلسفات والمناهج وتحليلها ونقدها وقيادة الأمة في المجال العلمي والفكري. والخطير أن الجيل الجديد زهد في الأزهر وفقد الأمل فيه، وكان الأمر أوضح ما يكون وأشدّ مع تلميذه الأشهر وهو الشيخ "محمد عبده". ومنذ مجيء الأفغاني ثم بروزه مع تلميذه الشيخ محمَّد عبده كرموز تقود الفكر الإِسلامي في كثير من بلدان العالم الإِسلامي، بدأ بعض طلاب العلم يدرسون خارج الأزهر، يأخذون عن الأفغاني وعبده وأمثالهما، مما صرف الأذكياء عن الأزهر، وهذا الشيخ محمَّد رشيد رضا يترك بلاده ويطلب أرض مصر لا ليلتحق بالأزهر، بل ليلتحق بحلقة الأفغاني، وعندما لم يجده تحول إلى تلميذه الشيخ محمَّد عبده (٢)، ومع كل هذه المستجدات فلم يتحرك الأزهر

стр. 539

ليتبنى معالجة أوضاعه، ولاسيّما في مواجهة الأفكار الغازية. عندما تأخر الأزهر -فضلًا عن غيره- عن المواجهة الفكرية والعلمية حول الموقف من العلوم الدنيوية رغم اتساع دائرة الاعتناء بها، ومع الضعف في اتخاذ الموقف الصحيح والضعف في بيان الموقف الصحيح والمناسب، عندما لم ينجح الأزهر في ذلك تولى إدارة الموقف رجل من خارجه، جاء ليستقطب في تسع سنوات خيرة الشباب، واستطاع أن يفرض رؤية جديدة وتصورًا جديدًا أذهل الشباب آنذاك، حملهم على اتِّباعه فيما أصاب وفيما أخطأ، وذاك الرجل هو جمال الدين الأفغاني. يتميز الأفغاني عن علماء الأزهر بإدراكه لطبيعة التحدي وإن لم ينجح في تقديم العلاج، فهو الذي ردّ على الدهريين والماديين والدارونيين، وهو الذي رد على رينان، وهو الذي تكلم على العلاقة بين الدين والعلم بصورة أوسع مدركًا لتفاصيل المشكلات القائمة بينهما والتحديات الناجمة عن احتكاكهما، لقد تجاوز التردد في الفتوى أو الاعتماد على رؤية الغزالي؛ لأن العلوم والأفكار والفلسفات قد تغيرت كثيرًا. كما أنه تجاوز مشكلة الموقف السلبي، فإذا كانت الفتاوى السابقة لا تتعدى تجويز البعض، وتحريم البعض، والتوقف في البعض، لكنها لم تتجاوز ذلك إلى المشكلات التي تعصف بعقول المتعلمين والمطلعين على الأفكار الجديدة، فكانت حال أحدهم تتذبذب بين الاستسلام لتلك الأفكار أو رفضها مع حيرة في العقل وصراع في الصدر، فجاء الأفغاني وتعامل مع مشكلاتهم ولمس أوجاعهم، فنظر ونقد، وكشف لهم الصحيح منها وغير الصحيح -بحسب اجتهاده- ودفع بمن حوله إلى تجاوز مسألة التعلم إلى التفاعل والنقد، بل الهجوم على تلك الأفكار التي تخالف الدين ولا سند لها من عقل أو علم. وقد نجح "الأفغاني" في استقطاب خيرة الشباب آنذاك والذين كان لهم شأن لا يُجهل في العالم الإِسلامي، وكان أميزهم الشيخ "محمد عبده"، الذي تولى إكمال مسيرة شيخه، فحاول معالجة التوتر الحاصل في نفوس الأجيال حول العلاقة بين الدين والعلم في أثناء تفسيره للقرآن وغيره، ورد على الهجوم الكاسح الذي اتهم المسلمين، بل اتهم الإِسلام بأنه عدو العلم والعلماء، فردّ على "فرح أنطون" وردّ على "هانوتو"، وقام بجهود كثيرة لإصلاح الأزهر.

стр. 540

وقد أُعجب الكثير من المسلمين بهذه المدرسة الناشئة بسبب مواجهتها للمشكلات الثقافية النازلة، واستقطبت أغلب العلماء والمفكرين والقيادات الإِسلامية في مصر والشام وبلاد المغرب فضلًا عن بلاد غير عربية كالهند ومسلمي جنوب شرق آسيا، وقد كان للشيخ "محمَّد رشيد رضا" أثره المشهود في إبراز هذه المدرسة عبر مجلته المشهورة "المنار" حيث كان لسان حالهم الإعلامي أول القرن الرابع عشر، وأصبحت البديل عن الأزهر على الأقل في باب التعامل مع العصر ومع الوافد الفكري والثقافي والعلمي. وكل متأمل لتاريخ الفتن والمشكلات التي تعصف بالأمة يلاحظ وجود تيار يتحاشى المواجهة؛ ويعود السبب غالبًا إلى عدم القدرة، وهو وإن آثر السلامة، إلا أنه فشل في معالجة المشكلة مما جعل المصطلين بنارها يفقدون ثقتهم بمثل هؤلاء ويبحثون عن غيرهم، عندها يظهر تيار آخر يواجه المشكلة، وهو مشكور على شجاعته ومبادرته، والمهم بعد ذلك التأكد من سلامة موقفه؛ لأنه في الغالب لا تأتي المواجهة بشكل سليم أو كامل، فأي معركة قد يصاحبها في بدايتها بعض الأخطاء، فلا يصح من اللاحق متابعة السابق في ذلك. ومن ذلك حال هذه المدرسة "مدرسة الأفغاني ومحمد عبده"، فإن المسلمين وإن فرحوا بها في وقتها, ولقيت الترحيب والإشادة من أغلب قيادات الفكر الإِسلامي، فإنها تحتاج إلى فحص وتحليل، فنستثمر مواقفها الإيجابية ونتجاوز أخطاءها، وقد ظهر لكثير من أهل العلم والفكر فيما بعد بأن هذه المدرسة قد وقعت في أخطاء جسيمة في التصور والمنهج والتطبيق، وأن واجب من بعدهم يتحقق بتجاوز تلك الأخطاء، وسنتعرف عليها في الفصل القادم بإذن الله. نعود إلى وضع المؤسسات العلمية مع ظهور الهزة التي أحدثتها المدرسة الجديدة والتي يطلق عليها البعض فيما بعد بالمدرسة العصرانية، حيث كانت العلاقة بينها وبين الأزهر علاقة متوترة؛ فإن المدرسة قد شكلت مرتكزًا جديدًا للعلم والفكر، ومصدرًا آخر غير الأزهر، ومع أن الشيخ محمَّد عبده كان يُدرّس في الأزهر، ألا أنه كان يتخذه كموقع للعمل دون انتماء حقيقي للأزهر (١)، ومع

стр. 541

بروز أحداث سياسية دخلت على المنطقة سواء داخل الأسرة الخديوية أو مع وجود تيارات متنافسة أو مع ظاهرة الاستعمار المتحكم فعلًا بإدارة البلاد تحول معها الأزهر إلى إحدى الساحات للمعارك، داخل الأزهر بين التيارين القديم والجديد، أو بين الأزهر وبين المؤسسات العلمية الجديدة المنافسة له ومنها دار العلوم التي تُدرس فيها العلوم العصرية فضلًا عن علوم الشريعة واللغة، أو بين الأزهر والسياسة سواء كانت السياسة الخديوية أو سياسة المستعمر، فمثل هذه الأحداث جعلت التوتر هو سيد المعالجة، والمعالجات النابعة عن صراعات لا تكون عادة مكتملة أو سليمة لخضوعها لمشكلة الصراع والمساومات (١). ربما لم يكن ما جذب الناس إلى مدرسة الأفغاني هو مقدرتهم العلمية؛ فإن في الأزهر مِنَ المتبحرين في علوم الشريعة واللغة مَنْ هو أكثر منهم علمًا، ولكن ما جذب الناس لهم هو مقدرتهم على مواجهة المشكلات وخوض غمار التحديات، وتسكين اضطراب الشباب وتهدئة عقولهم بعد أن أصابها ما أصابها، مع ما يحملون من دعوة إلى إصلاح أحوال المسلمين واقتناعهم وإقناعهم للآخرين بقدرتنا على ذلك، ولكنهم شكلوا بذلك خطًا منافسًا للأزهر، وإن كان سينجح فيما بعد في اقتحام الأزهر وكثير من مؤسسات العلم الإِسلامي كجامع الزيتونة وجامع القرويين وقيادات علمية وفكرية في الشام وغيرها. فإذا كان الأزهر قد تحاشى مواجهة المشكلة واكتفى بتكرير الفتوى، فإن مدرسة "الأفغاني". واجهت المشكلة، ولكنها كانت مواجهة ناقصة من جهة وخاطئة في بعض جوانبها من جهة أخرى. فهي وإن أثبتت قدرتنا على التفاعل الحضاري ومواجهة العالم المغازي لنا بفكره وعلمه وثقافته وحضارته، فإنها -وربما بسبب ظهورها وسط المشكلات- قد أُخذ عليها المبالغة في استخدام التأويل من أجل إثبات التوافق بين الدين والعلوم الجديدة، مما حولها في نظر الناقدين إلى مدرسة تحاول تطويع النصوص لمستجدات العصر الفكرية والعلمية. وخلاصة التطورات حول ما سبق أنه أصبح هناك مصدران للتوجيه، مصدر

стр. 542

قديم مُمثل في الأزهر، وموقف جديد على هامشه، ولكنه الأكثر شعبية عند الجيل الجديد، فتشكل موقفان: أ- موقف محافظ في الأزهر، اكتفى بالمنع، ولم ينتبه لمشكلات المجتمع الذي يغرق في شبهات الأفكار الوافدة دون أن يسعى لكشفها وبيان حقيقتها. ب- موقف مدرسة "الأفغاني وعبده"، حيث واجه أصحابه مشكلات المجتمع وسعوا لتخفيف آثار الشبهات على عقول المثقفين، ولكن الوسيلة المستخدمة كانت ضعيفة؛ لأنها تخفي في طياتها إعلان الاستسلام أمام الشبهات والعبور فوقها بواسطة جسر التأويل، بينما القوة الحقيقية تتمثل في البعد عن منهج التأويل الذي هو بمعنى العدول عن المعنى الظاهر إلى معنى غير ظاهر لقرينة ما، وإثبات الحقائق كما هي، فالحق إذا ثبت فلا حاجة إلى تأويل؛ لأن التأويل إنما هو لمعالجة التعارض والحقائق لا تتعارض. الطريق الثالث: جاءت بوادر طريق ثالث يحاول معالجة مشكلة العلاقة بالأفكار والعلوم الجديدة ويسعى لإنشاء مؤسسات علمية تخدم ذلك، تمثل في أول القرن الرابع عشر الهجري مع أصحاب المنهج السلفي، وهم وإن كانوا موجودين قبل هذه المرحلة، إلا أن موطن شهرتهم لم يحتك بهذه المشكلات، فلم يبرز لنا موقفه منها في القرن الثاني عشر والثالث عشر الهجري، بينما لم يوجد شخصيات علمية سلفية مشهورة في مناطق الاحتكاك بالحضارة الغربية. بدأ الاتجاه السلفي يظهر في بلدان الاحتكاك بالحضارة الغربية نهاية القرن الثالث عشر وأول الرابع عشر الهجري، وقد كان لدعوة الشيخ "محمد بن عبد الوهاب" أثرها، كما كان لإخراج كتب شيخ الإِسلام "ابن تيمية" آثار كبيرة على نفوس وعقول نخبة من أهل العلم في العلم الإِسلامي، برز منهم مجموعة في مناطق الاحتكاك فكانوا أصحاب موقف جديد في التعامل مع الوافد الغربي، ظهر ذلك في أعلام من أمثال الشيخ "جمال الدين القاسمي" في الشام والشيخ "الألوسي" من العراق والشيخ "محمد رشيد رضا" في مصر في المرحلة الأخيرة من حياته، وغيرهم ممن تأثر بهم وسار في ركبهم. وقد اجتهد هؤلاء العلماء في نشر العلم الشرعي والدعوة للإصلاح الإِسلامي، كما أن لبعضهم جهوده في مناصحة الأزهر ودعوته للإصلاح، كما

стр. 543

أن هؤلاء العلماء قد اطلعوا على العلوم الوافدة ودرسوها واطلعوا على المشكلات المثارة فشاركوا في علاجها بمنهجية جديدة تبتعد عن طريقة أهل الموقف الأول المحافظ السلبي أو الموقف الثاني المتساهل في إعمال منهجية التأويل، وليس الآن موطن بيان طريقتهم فموضعها الفصل القادم بإذن الله، ولكن جاء ذكرهم هنا لننظر إلى مشكلة المؤسسات العلمية. فإذا كان الأزهر قد أصرّ على موقف سلبي إلى حدٍ ما فإن مدرسة محمد عبده قد نجحت في اقتحام الأزهر وفرض إصلاحات عليه، منها إدخال بعض العلوم العصرية فيه، كما أن أصحاب المنهج السلفي أو المتأثرين بعلمائه، ولاسيّما شيخ الإِسلام ابن تيمية قد حاول أحدهم وهو الشيخ محمد رشيد رضا تأسيس مدرسة جديدة لم تستطع التخلص من الجو المحيط بها، إلا أنها حاولت قدر الاستطاعة تجاوز أكثره. وهكذا سار الوضع أغلب القرن الرابع عشر الهجري في مراكز العلم الإِسلامي، فإذا كان نموذج محمد عبده قد نجح في الأزهر، وكذا في كثير من المعاهد التاريخية المشهودة كالقرويين والزيتونة وكذا مدارس الشام فنجد الشيخ "الحجوي" في جامع القرويين (١)، والشيخ "الطاهر بن عاشور" في الزيتونة (٢)، وغيرهما، والحق يقال بأن هؤلاء، وإن كان "الأفغاني وعبده" مرجعية مهمة لأغلبهم؛ إلا أنهم قد أضافوا إلى ذلك تأثرهم واستفادتهم من أعلام سلفيين، ولاسيّما شيخ الإِسلام ابن تيمية وكذا ابن القيم وغيرهما، مما جعل طلاب تلك المعاهد يألفون منهج أعلام السلفيين ويستفيدون من علمهم وكتبهم ومنهجهم بعد أن كانت كتب ابن تيمية من المزهود فيها وغالب ذلك من جهلهم بهذا العالم (٣).

стр. 544

نقف الآن مع النموذج الجديد المعروض لمعالجة مشكلة التعليم، وهو نموذج مدرسة الشيخ محمد رشيد رضا، فالشيخ قد سبق له أن درس في مدرسة الشيخ حسين الجسر "المدرسة الوطنية الإِسلامية" (١)، التي تجمع بين العلوم الشرعية وبعض المعارف العصرية فتؤهل طلابها لمواجهة عصرهم، كما أنه رأى مدارس ومعاهد وكليات الإرساليات في الشام وخطورتها وما تعطيه لطلابها من معارف (٢) تمكنهم من النفوذ داخل المجتمع الإسلامي، كما أن الشيخ كان مقتنعًا بضعف معاهد المسلمين العلمية وعدم قدرتها على أداء الواجب، وهو في الوقت نفسه كان مقتنعًا بأهمية العناية بالتعليم وإيجاد مؤسسات جديدة تخدمه للارتقاء بالأمة (٣). كشَفَ خطورة المدارس الأجنبية ونقَدَ وضع التعليم في الأزهر أو التعليم في المدارس الأميرية أو في نظارة المعارف أو في المدارس الأهلية، تناول ذلك في كثير من أعداد مجلته المنار، ثم تحول من النقد إلى البناء، ليحاول إنشاء جمعية ومدرسة تابعة لها تتبنى النهضة العلمية.

стр. 545

بدأت محاولته في مصر ولم تنجح وكذا في عهد السلطان عبد الحميد، ثم بعد انقلاب الاتحاديين تحمس لعرض المشروع على وزارتهم قبل أن تنكشف حقيقتهم للعالم الإسلامي، ثم عاد إلى مصر -بعد عام كامل من المحاولات داخل إستانبول فشلت في النهاية- عاد إليها، وتفاجأ بقبول الحكومة لمشروعه فبدأ فيه (١)، ولا شك أن هذه المقاومة من قبل السلطة لفتح مدارس نافعة تدلّ على عمق الأزمة وخطورتها. دار الدعوة والإرشاد والمشاريع الجديدة: أسس الشيخ "محمد رضا" وبعض فضلاء عصره "جماعة الدعوة والإرشاد" وكان أهم مقاصدها إنشاء "دار الدعوة والإرشاد" مدرسةً أو كلية من أجل تخريج علماء قادرين على الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه، كانت مدتها ست سنوات، ووضعت مناهجها، وقد كان يجمع فيها بين العلوم الإسلامية والعلوم العصرية، وافتتحت رسميًا سنة (١٩١٢ م)، وبعد معاناة تتصاعد يومًا بعد يوم توقفت تلك المدرسة، ولاسيّما مع دخول مصر أحداث الحرب العالمية الأولى، وقد حاول بعد ذلك إعادتها ولم يتيسر له (٢). عرض الشيخ العلوم والفنون التى ستدرس في "دار الدعوة والإرشاد"، والأهم من ذلك طريقة تدريس كل علم منها، فالمواد أكثرها مما هو معلوم في الأزهر، ولكن الطريقة التى ستعرض بها والروح التي تتخللها مختلفة، كما أن هناك شروطًا تحدد نوعية الطالب وأخرى تحدد الأستاذ، واهتم الشيخ بأن تُدرَّس بعيدًا عن المذهبية المتعصبة والتعقيد في الألفاظ أو المعاني، فهناك: "التجويد، والتفسير، والحديث، وأصول الحديث والمصطلح، والتوحيد، والكلام، والفقه، والفرائض، وحكمة التشريع، وأصول الفقه، وعلم الأخلاق والتصوف والتربية العلمية والعملية، وعلم الإرشاد والدعوة والدعاة والمرشدون، وتاريخ الإسلام ودوله، والتاريخ العام قديمه وحديثه وتاريخ الأديان، والملل والنحل والجمعيات الدينية، وتقويم البلدان. .، وحفظ الصحة، والاقتصاد -أو- تدبير الثروة،

стр. 546

وأصول القوانين وحقوق الدولة وضروب النظام، والمنطق، والمناظرة وآداب البحث، وعلم النفس والحكمة العقلية، وعلم سنن الاجتماع، وعلوم سنن الكائنات في المواليد وسائر الموجودات والعلوم الرياضية، واللغة العربية وفنونها وتاريخ آدابها، وفقه اللغة ومفرداتها وأساليبها، والنحو والصرف والعروض، والمعاني والبيان والبديع، والإنشاء والشعر والخطابة، وآداب اللغة العربية وتاريخها، والمطالعة والحفظ، والإملاء والخط والرسم، واللغات" (١). ومن الملاحظ بأن أغلب المواد هي مما يدرس في الأزهر وغيره إلا أن طريقة عرضها تختلف إلى حد ما عما هو معهود، ونعرض مثالًا على ذلك إحدى المواد (١) وهي مادة التفسير (٢)، فقد قسمها الشيخ إلى ثلاثة أقسام: قسم يؤخذ في جميع سنين الدراسة بحيث يتم التفسير فيه "على طريقة الوعظ والخطابة بلغة فصيحة"، فهو يفيد الطالب لذاته ويمكنه أيضًا من إيصال معاني الآيات إلى الناس. والقسم الثاني لصنف المرشدين: يأخذون التفسير كاملًا باختصار وسهولة، مع اجتناب اصطلاحات العلوم والفنون العربية والشرعية، ويتوخى فيه فهم الآيات كما يعطيه أسلوب اللغة، ويفسر القرآن بعضه ببعض ويصحح المأثور "وينبه فيه على أجوبة الشبهات عن بعض الآيات التي يعترض عليها المبطلون، أو يشتبه فيها الجاهلون من غير شرح للشبهة، بحيث إذا أوردت على الطالب يفطن لجوابها وإلا بقي غافلًا عنها"، ولا شك أن هذه الطريقة مفيدة في تركيزها على إدراك معنى الآيات بعيدًا عن كل ما ألحق بها مع إدراك بعض الأجوبة المساعدة للمتعلم للرد على أصحاب الشبهات أو إجابة صاحب الاشتباه. والقسم الثالث لصنف الدعاة: فيقرأ فيها "تفسير الآيات التي ترد عليها الشبهات، ويجادل فيها الكافرون أو أصحاب المقالات، مع شرح الشبهات المتعلقة بالعلوم الكونية والفلسفة والتاريخ والقوانين ومجادلة أهل الأديان، والجواب عنها بطريق المناظرة" وفيه الجديد عما هو معهود في زمن الشيخ؛ لأنه

стр. 547

انتبه لمشكلات عصره وآثارِها على عقليات المثقفين والمتعلمين، ولاسيّما تلك المتعلقة بالعلوم والفلسفة والاجتماعيات، وإن كان قد أُخذ على هذه الطريقة فيما بعد أنها تضعنا عادة في موقف الدفاع، وهي طريقة تجاوزها الفكر الإسلامي فيما بعد إلى اتخاذ طريقة الهجوم وربما القسم الأخير يؤدي إليها: ففي هذا القسم يُقرأ تفسير "الآيات الدالة على ما امتاز به الإسلام على جميع الأديان، وبيان حقائق العلوم التي لم تكن معروفة في زمن التنزيل، ولاسيّما للعرب سواء كان ذلك في علوم الكون أو علوم الاجتماع والشرائع والآداب"، فقد أدخل في هذا القسم عرض حقائق العلوم التي كشفها البشر وهداهم الله إليها ومع ذلك فنجد في الآيات ما يدل عليها، أو بيان عدم وجود التعارض بين الحقائق الشرعية وحقائق العلوم المختلفة، ولكن ليس على سبيل التنظير بالقواعد بل عبر التطبيق العملي، ولا شك أن الشيخ كان يستحضر أزمة عصره وزمنه على تلك العقول الحائرة التي لم تجد جوابًا في تعليم الأزهر، وفي الوقت نفسه تزلزلهم تلك المدارس المختلفة التي لا تعتني بالدين، بل كما يقول الشيخ عنها: "يدخلها الطالب بدين ويخرج منها بدين". نجد هذا واضحًا أيضًا في (٢) الكلام (١) وهو العلم الذي يقصد به الشيخ "علم حماية العقائد الإِسلامية والدفاع عنها ورد ما يورده الملاحدة والمبتدعة من الشبهات عليها والتحريف فيها، بالدلائل الحقيقية، والإلزامية وقد تجدد في هذا العصر شبهات لم تكن معروفة في عصر المتكلمين السابقين، وبطل كثير من تلك الشبهات التي كانت رائجة في عصرهم، المستنبطة من العلوم اليونانية وغيرها، فتجب العناية في هذا العلم بما يحتاج في هذا الزمن على الطريقة التي ترجى فائدتها فيه". ثم ذكر الجزء المخصص للدعاة فقال: "يتوسع لهذا الصنف في رد

стр. 548

الشبهات المتولدة من العلوم الرائجة في هذا العصر؛ كالفلسفة والهيئة والتاريخ والقوانين أو غيرها على النحو الذي ذكر في الكلام على التفسير". وكذا الحال في مادة (٣) حكمة التشريع، وهي مادة ذات فكرة مميزة في عصرنا لكثرة ما أثاره المبطلون من شبهات حول الشريعة. وكذا في تقويم البلدان والأهداف المرجوة من تعلمها، أو حفظ الصحة أو الاقتصاد أو القانون والعلاقات الدولية، فكلها مما له أهمية في عصرنا، ولاسيّما لعلماء الأمة والمتصدرين لقيادتها. وكذا انتباهه لصياغة إسلامية لعلمي النفس والاجتماع وكذا لعلمي الرياضة والطبيعيات، وإدخال كل ذلك ضمن مواد الدراسة حتى تصاغ في "دائرة ثقافة إسلامية بعد تصفيتها من أوشال الثقافة الغربية. كما اهتم الشيخ باللغة كونها أداة من أهم أدوات التعلم وبإصلاحها يتم إصلاح التعلم؛ ولذا نجد كثافة في مواد اللغة والأدب، وكذا لغة القطر الذي سيذهب إليه الداعية، وكذا تعلم اللغات الأوروبية. فنحن أمام أول مشروع تعليمي ضخم في وقته، وكان يمكن أن يواصل مشواره ويتحسن مع الأيام ويكمل نقصه ويصحح خطأه، ولكن هذا المشروع حُوصر وحرم من النجاح (١) بخلاف الدعم الذي تجده مدارس المنصرين والمتغربين، لدرجة أنه في فترة من الفترات أنفق الوالي المسلم على مدارسهم ما حيّر كُتّاب التاريخ كما رأينا في بعض الحالات المزرية من تاريخنا المعاصر في الفصل السابق، بينما نجد المدارس الإِسلامية تُحرم من أجواء النجاح وشروط البقاء كمدرسة الشيخ الجسر في الشام أو مدرسة الشيخ محمد رشيد رضا في مصر (٢).

стр. 549

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 550

وقد كان كل واحد من طلاب هذه المدرسة التي لم يتجاوز عمرها أربع سنوات إمامًا في مجاله ورمزًا وعلمًا في الباب الذي عمل فيه، فكيف لو استمرت هذه الكلية وتطورت وقويت! وكيف لو كان مثل هذا المشروع عامًا في كل بلد مسلم وليس مشروع رجل واحد! يوصلنا هذا المبحث إلى نتيجة حزينة، فالمؤسسات العلمية الإسلامية لم تنجح في مواجهة التحدي العلمي الحضاري، فما كان منها في نقاط الاحتكاك بالوافد الأوروبي لم يستطع عرض مشروع النجاة وقيادة الحركة العلمية نحو شاطئ الأمان، وكان الأزهر أعظم معاهد المسلمين في العصور الأخيرة وأمل المسلمين ولكنه ضعف -أو أُضعف بالأصح- عن تحقيق أثره، وتأخر حتى جاء من يفرض عليه وعلى غيره ما لا يريده، بل وضعت المؤسسات العلمية المنافسة وأصبح لها الصدارة في المجتمعات المعاصرة، وما أعظمها من خسارة خسرها العالم الإِسلامي عندما نشأ التعليم الحديث بعيدًا عن المؤسسات التاريخية الإسلامية العريقة، وقد ضاعف من المأساة أن مراكز معاهد المسلمين التاريخية صُدمت باحتلال بلدانها لتدخل في صراع ديني وثقافي وعلمي رهيب مع سياسة المستعمر الذي كان من أهدافه تحطيم هذه المؤسسات، وعندما خرج المستعمر كان المؤمل أن تسترجع تلك المؤسسات العلمية مكانتها التاريخية ولكن العالم الإسلامي وقع فريسة تجارب لسياسات تغريبية كان من أبرز ضحاياها مؤسسات التعليم الإسلامية. كما أن التجارب اليتيمة لإيجاد تعليم يلبي حاجة الأمة ويعيد لها شيئًا من كرامتها تمت محاصرته وإضعاف شروط بقائه فوُئِد سريعًا. ومع ذلك فهناك محاولات جادة عبر الجامعات الإسلامية المعاصرة لتجاوز آثار تلك المرحلة التاريخية الحرجة، من جهة التأصيل الإسلامي للعلوم العصرية أو من جهة العناية بها وهي وإن كانت في أول الطريق، إلا أن الأمل معقود بها وبأهلها لتحقق لنا الإصلاح المنشود والاستقلال العلمي والمعرفي.

стр. 551

ثانيًا: المدرسة الحديثة ومدارس الأقليات كان من أهم أهداف "المدرسة الحديثة" التي ظهرت في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر هو طلب العلوم العصرية، حتى إنها -تلك العلوم- تكاد تكون الهدف الأساسي وعند البعض الوحيد. لقد عُرض الكثير من التجارب في الفصل السابق، تجربة الدولة العثمانية ووالي مصر وتجارب الهند والمغرب وغيرها. كانت بداية التجارب بفتح معاهد متخصصة لدراسة تلك العلوم، أغلبها كان بإدارة الأجانب، ولاسيّما الفرنسيين، وصاحب ذلك انتشار نموذج مواز لمدارس الولاة يهتم بهذه العلوم، وهو "المدارس الأجنبية" التي غزت البلاد الإسلامية آنذاك مع الإرساليات التنصيرية، حيث كانت المدرسة والعيادة والمطبعة والصحافة من أهم ما استثمرته تلك الإرساليات أول دخولها الحديث إلى بلاد المسلمين، وشارك الإرساليات قوى غربية لا دينية تطمح في احتلال بلاد المسلمين؛ لأن الدول الغربية (١) ما طمعت في الاستيلاء على بلد إلا وسبقت إليها بافتتاح المدارس، فتُهيئ الجيل الجديد لقبول الاستعمار، فالدخول بغطاء المدرسة وتعليم العلوم العصرية يخفف المعارضة لها ويُسهل قبول المجتمع بها. وُلدت "المدرسة الحديثة" والتى ستصبح النموذج الأهم للتعليم في ظل ظروف صعبة، إما ولاة يطمعون بالقوة والسلطة وأوكلوا أمرها للأجانب، أو مدارس الإرساليات وطلائع الاستعمار بإدارة أجنبية مستقلة تمامًا، النموذج الأول

стр. 552

مشروع طموح للحصول على السلطة وليس مشروع إنقاذ أمة، والثاني مشروع تنصير أو احتلال يرغب في اختراق الأمة عبر التعليم ليهيئها لقبول دين آخر أو قبول سلطة أخرى (١)، فلا يُستغرب في مثل هذه الظروف أن تقدم العلوم العصرية بصورة سلبية وبما يتلاءم مع أهداف مؤسسيها. عاشت "المدرسة الحديثة" -بعد ولادتها- أطوارًا مختلفة، ففي طورها الأول كان الأجنبي يتحكم بإدارتها والتدريس فيها ويزرع ما يريد فيها في ظل ضعفنا في تجارب الولاة العثمانيين، وفي طور لاحق كانت المدرسة تحت إدارة المستعمر مباشرة -بعد الاحتلال الواسع لبلاد المسلمين- ووضع أشخاصًا على هرم السلطة التعليمية لتوجيه "المدرسة" وما يتبعها وفق أغراضه، وعندما انقشع الاستعمار عن بلاد المسلمين نشأت خلفه تيارات فكرية استولت على السلطة ذات توجه تغريبي واضح، نحو الشرق الشيوعي أو الغرب الرأسمالي، ووجهت تبعًا لذلك "المدرسة"، فكانت المدرسة في جميع هذه الأطوار مشتتة المسار بين تحقيق رسالتها الشريفة وبين تحقيق أهواء موجهيها. وبما أنها المسؤول الأول عن تعليم العلوم العصرية ومناهجها ونظرياتها وفلسفتها وتطبيقاتها؛ فهي بحاجة لأن ننظر في قيمة دورها، حيث كان المؤمل أن تفتح لنا "المدرسة العصرية" أبواب التقدم والتطور والنهضة فهل حققت ذلك؟ وهل نجحت تلك المدرسة في استيعاب الجديد من العلوم دون أن تصنع إشكالات مع المجتمع وثقافته؟ بما أن هناك مشكلة ظهرت في العلوم العصرية حيث ظهر من يحاول إقناع

стр. 553

المجتمع بأنها تدل على ما يضاد الدين أو يغير من حقائقه، فلابد من تحليل أثر "المدرسة الحديثة" المسؤولة عن تعلم هذه العلوم فنبحث طريقتها في التعامل مع هذه المشكلة. الفصل والانفصال: الفصل بين المجالين الديني والدنيوي، والانفصال عن هوية الأمة: تبرز أولى المشاكل وضوحًا وأخطرها طوال دراسة هذه العلوم وهي مشكلة الفصل، فإذا تجاوزنا مشكلة الفشل في تحقيق استقلال معرفي في هذه العلوم إلى الآن فضلًا على المنافسة فيها، إذا تجاوزنا ذلك إلى إحدى المشاكل التي رافقت المدرسة من ولادتها وتكرّست مع الأيام فسنجدها واضحة في عملية الفصل بين العلوم العصرية وبين العلوم الشرعية، وما ترتب على ذلك مع الزمن من قطيعة وربما تصادم ما زلنا نعاني منه إلى اليوم (١). وقد بدأ الفصل بينهما كعملية إدارية وفنية، ولكنه تحول فيما بعد إلى عملية ثقافية خطيرة، فقد وصل الأمر في بعض الأماكن وبعض الفترات التاريخية المعاصرة إلى إهمال العلوم الشرعية وانتقاصها ونسب ضعفنا وتخلفنا إليها، ومن ثم تقليص حجمها في التعليم وتقليص مكانتها في المجتمع، والاستهانة بقيمتها العلمية والعملية حتى في المجال الديني، وتقديم النظريات العلمية وما ينتسب للعلم على الأصول الدينية عند توهم التعارض وغير ذلك مما نتج عن عملية الفصل. ربما كان للاحتكاك بالغرب وطلب العلم الحديث منه الأثر الأخطر؛ فقد كان الاحتكاك الأول بفرنسا، وهي التي نجحت فيها الثورة العلمانية، فخُصصت المدرسة للعلوم المادية الدنيوية والاجتماعية والإنسانية بشرط إخراج الدين منها ليتبع الكنيسة والأسرة، وقد تم تأسيس المدرسة العصرية في البلاد الإسلامية عبر الاستعانة بفرنسا، فنشأت تحت تأثيرهم بعلمانية مقنعة؛ لأن المدارس الأولى كانت معاهد للعلوم النافعة من طب وهندسة وما في بابها، وهي علوم تنفع صاحبها ولا تضر بدينه، ولكن وجد بعد ذلك أنه لابد من دراسة سابقة لعلوم

стр. 554

أخرى: "رياضية وطبيعية واجتماعية" فظهرت المدرسة التي تهتم بتحقيق الحد المطلوب منها، وكان أغلب مدرسيها آنذاك من الأجانب ومن غير المسلمين، وهؤلاء إن سلموا من قصد التأثير السلبي في المسلمين فلن يسلموا من اختراق العلمنة والمذاهب المادية الجديدة لأدمغتهم وأثر ذلك في هوية المدرسة التي يؤسسونها. لقد أوجدت المدرسة الحديثة مشكلة الازدواجية عند الطالب والمجتمع المتعلم دون إرث تاريخي يمكن من خلاله فهم مشكلة وجود الازدواجية وتخفيف تبعاتها كما حدث مثلًا في فرنسا العلمانية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، فهي ذات إرث في المشكلة تعود إلى القرن العاشر/ السادس عشر منذ الصراع المشهور بين نظرية الفلك الجديدة والمجتمع، أما في بلاد المسلمين فالأمر يختلف حيث أُقحمت العلوم الجديدة عبر المدرسة دون تصفيتها من جهة مما ليس علمًا ودون مواءمتها من جهة أخرى مع ثقافة المجتمع، فولدت الازدواجية والانفصال والانقسام بين تعليمين ومدرستين. أصبح الطالب يتلقى صورتين عن العالم من حوله، صورة من مجتمعه عبر الوسائل التقليدية وصورة من المدرسة الأجنبية، قيمٌ من هنا وقيمٌ من هناك، حقائق من هنا وحقائق من هناك، وحتى عندما أُدخلت مواد من تراثنا وعلومنا، فهي لم تدخل دائمًا بقناعة تامة بها بقدر ما كانت تحت ظروف سياسية، والدليل على ذلك تلك المعاناة (١) التي تلحق بها عادة من تقليص حجم وقتها ووضعها في أوقات غير عملية وعدم العناية بمناهجها ومدرسيها مقارنة بمواد العلوم الأخرى. لم تؤخذ العلوم الجديدة وتدرس بروح التكامل مع علوم الأمة، بدأ الفصل فنيًا بين علوم الدين وعلوم الدنيا، ولكنه تحول إلى تقسيم ثقافي واجتماعي، وإلا فالمسلم لا يعرف هذه القسمة في أثناء التطبيق؛ لأن كل علم نافع يدخل عنده في طلب الأجر وقصد الآخرة وابتغاء وجه الله سبحانه، فهو وسيلة للفهم والانتفاع، ولكن المدرسة العصرية فصلت بينهما فصلًا يتجاوز العمل الفني ليرسخ عند الطالب والمجتمع قضايا أخرى، فتحول الفصل من فني إلى الفصل

стр. 555

بين عالمين مستقلين وربما متصادمين مما يجعل الطالب مجبرًا على الاختيار إما هذا أو هذا، وتقديم أحدهما على الآخر. وهذا التقسيم هو السائد إلى الآن بما يوحي به من خلفيات، فنجد مثلًا التقسيم في المدرسة بين "علمي وأدبي" ويدخل في العلمي مواد العلوم المختلفة من رياضية وطبيعية واجتماعية، بينما الأدبي يدخل فيها الدين واللغة، وهناك كليات العلوم والكليات العلمية وهناك الكليات الأدبية، وترسّخ في وعي الأفراد والمجتمع ما هو أوسع من التقسيم الفني: ترسخت أمور على مستوى التصور ومستوى النفع، ففي مستوى التصور -وهو المهم للبحث- نجد المسائل العلمية تقبل دون جدال حتى وإن كانت من باب الفرضيات والنظريات بينما الدينية لا تؤخذ بمثل تلك الروح، وفي مستوى الانتفاع يعدّ الدارس في الكليات العلمية من المحظوظين، ويتميز بقبول اجتماعي وتجده مفتخرًا بهذا المكان، والمستقبل الوظيفي واعد بخلاف الدارس لعلوم الأمة، مع أن العلم في المجال الإسلامي لا يعرف هذه القسمة، فكل علم صحيح ونافع تقبله الأمة ويصبح جزءًا من العلم الممدوح والمطلوب، ويمدح صاحبه، ولكن المدرسة بسبب ولادتها الخاطئة قد فصمت هذه العلاقة الحسنة بين المجالين وقدمت أحدهما على الآخر. قد يعتذر البعض للمدرسة الحديثة بأنها ولدت في ظروف صعبة، ولكن السؤال: لِمَ أُبقي على هذه المشاكل كل هذه السنين؟ هل المراد بقاء المشكلة دون حل ليبقى التوتر، أم أن الحل كان عسيرًا على أمتنا كل هذه السنين؟ الأقرب مع "المدرسة الأجنبية" ثم "الاستعمار" ثم "أحزاب تغريبية تولت السلطة وإدارة التعليم" أن الهدف كان إبقاء المشكلة قصد إبعاد العلوم الإسلامية، علينا فقط مراجعة دور الاستعمار في مصر أو بلاد المغرب أو الشام، أو مراجعة الأحزاب العلمانية، مثل: "تركيا الفتاة" و"جماعة الاتحاد والترقي" التي وصلت للسلطة في مقر الخلافة، وعند مراجعة هذه الأحوال وأشباهها نعلم بأن المدرسة حُرمت من الحل الإسلامي قصد تغريب المجتمع عبر أهم المؤسسات الاجتماعية وهي "المدرسة" (١).

стр. 556

وقد يعتذر البعض للمدرسة الحديثة بعذر شائع طالما كُرر هنا وهناك، بأن سبب الإصرار على الفصل والعناية بالعلوم العصرية بعيدًا عن النظام التعليمي الإِسلامي هو جمود علماء الشريعة، وإصرارهم على أقوال لا يقبلها العلم. ويُردّ على هذه الدعوى الكاذبة بأن علماء الإسلام في كل تاريخهم ما اعترضوا على علم نافع وصحيح (١)، وإن وجد بعض من اشتبه عليه الأمر في هذه العلوم أو أُلْبِس عليه أو أخطأ، فإن الصحيح عبر تحليل المشكلة أن هؤلاء المعترضين لم يكونوا السبب في صناعة الفصل وإنشاء مدرسة عصرية للعلوم الجديدة لا ترتبط بالأمة، وإنما كانوا ذريعة لمآرب أخرى، فإن وضع المدرسة الحديثة أعقد من ذلك بكثير: إذ كيف يتصور وجود انسجام بين علماء الشريعة وبين مدرسة وضعها الأجنبي عبر إرسالياته أو عبر نفوذه السياسي ثم رعاها الاستعمار بعد احتلاله لبلاد المسلمين ثم بعد استيلاء مذاهب تغريبية على السلطة والتعليم؟ إن الوعي بمدرسة تُدار بهذه الصورة لا يمكن أن تلقى القبول عند الأمة إلا بعد تحويلها إلى مشروع للأمة وليس مشروعًا للأجنبي وأتباعه، ويصح التوقف مع العذر لو كانت المدرسة مشروعًا للأمة، ثم جاء بعض أبنائها ليعترض عليها، أما وهي مشروعٌ يبحث عن المصالح الشخصية أو مشروعٌ يرغب في اختراق الأمة فلا يمكن اعتبار ذلك العذر حقيقيًا، ويؤكد ذلك أن المدارس الإسلامية التي تبناها بعض فضلاء الأمة وجمعوا فيها بين العلم الموروث والعلم العصري تمَّ حصارها حتى أُقفلت، مثل مدرسة الشيخ حسين الجسر في بلاد الشام أو مشروع الشيخ محمد رشيد رضا في مصر، والحصار هنا بحرمانها من شروط الاستمرار وله صور وأشكال مختلفة، وقد كان يمكن لهذا النموذج أن يعالج الإشكال الناتج عن الفصل ويقضي على الازدواجية ويجعل العلوم في ذهن الطالب -وكذا تصور المجتمع- ذات طابع تكاملي، ولكن المشروع في ظل الأهواء الأجنبية حُرِم من الاستمرار، وبقيت المدرسة المغروسة بأيدي أجنبية دون حرص لمعالجة المشكلة.

стр. 557

إذًا فقد كرّست المدرسة الحديثة الفصل بين العلم الموروث بما فيه العلم الشرعي وبين العلوم الحديثة، كرستها على مستوى الإدارة ثم على مستوى المفهوم والثقافة والمصطلحات، فاتسعت الهوّة بينهما، فيما كان الأصل حدوث التعاون والتكامل بينهما، وقد تحول الفصل مع الأيام إلى عداء واستبعاد، فاستبعدت المدرسة في بعض فتراتها العلوم الإسلامية وعرضت ما ينافيها ورفعت من شأن العصري على حساب العلوم الإسلامية. كانت المدرسة الحديثة منفصلة عن الأمة الإسلامية، عن همومها وآمالها، عن ثقافتها وموروثها، فلم تكن مشروع الأمة، بل كانت مشروع سلطة عند البعض ومشروعات تنصير أو اختراق عند آخرين، وفي كل الأحوال تولى إدارتها الأجنبي غالبًا، وعندما برزت حكومات مستقلة كادت المدرسة أن تتحول إلى مشروع تغريب، ولهذه الأسباب لم تراع المدرسة أول أمرها ثقافة الأمة ولم تهتم بمعالجة المشكلات المتوقعة من علومها ومعارفها ومناهجها، واستمرت في تقديم العلوم العصرية بخلفياتها الحضارية الغربية دون مراعاة لهوية الأمة (١)، وإن كان هناك بعض الجهات أخف من غيرها. والكتاب المدرسي (٢) حاله كحال المدرس الأجنبي أو الإدارة الأجنبية، لقد كان طموح المبتعثين الأوائل اختيار بعض كتب الأوروبيين وترجمتها، وتكوّن منها ومن عمل بعض الغربيين التابعين لمدارس التنصير الكتاب المدرسي، وهؤلاء لم ينتبهوا إلى اختلاف البيئات الدينية والثقافية، فلم تراع عند وضع الكتب المدرسية. لقد كان السائد في فرنسا بعد الثورة العلمانية والاجتماعية مذاهب علمانية ومادية تُؤلَف في ظلها الكتب المدرسية؛ ولذا تتوافق كتبهم المدرسية مع المبادئ والتصورات السائدة في بيئتهم، وكمثال فعندما نقرأ كتاب ربنا سبحانه حول الآيات الكونية من تعاقب الليل والنهار والحرّ والبرد والفصول وحركات النجوم والكواكب وأحوال الأرض وما يحيط بها من مطر وريح وغير ذلك، نجد كل ذلك مرتبطًا بالإيمان بالله سبحانه، فهذه الأمور يُغفِلها الكتاب

стр. 558

المدرسي في الغرب؛ لأنه قد فصل بين العلم والدين، بين العلم والإيمان (١)، وعزز في ظل تنامي المذاهب المادية الاستقلال التام للطبيعة بأمورها والاكتفاء في أحسن أحوالهم بما يطلقون عليه: "التأليه السببي" القائل بأن الله أوجد هذا العلم بقوانينه التي يتطور ويتحرك في ظلها ثم تركه، وبهذا يكون الكتاب المدرسي عندهم متوافقًا مع المبادئ والتصورات والرؤى السائدة عندهم، وإن كان أهل الدين منهم يعارضون ذلك ويحاولون في المدارس التابعة للكنيسة تخفيف تلك الرؤى المادية الحسية الوضعية. عندما وضع الكتاب المدرسي في بلاد المسلمين وقع في أسر تقليد الكتاب المدرسي هناك؛ لأنه في الغالب ما هو إلا ترجمة عن ذلك الكتاب، ويكفي دليلًا على ذلك استعراض أي كتاب مدرسي في عدد من مناهج التعليم في البلاد الإسلامية لتجد ذلك الاختفاء -أو الظهور على استحياء- لكل ما يدل على تدبير الله سبحانه لهذا الكون وكل ما فيه، واختفاء بيان غاية مهمة من معرفة أسرار هذا الكون وهي زيادة المعرفة بالله سبحانه وما يلزم من ذلك من تحقيق التوحيد والعبادة له سبحانه، واستثمار هذه العلوم فيما يرضيه ويعود بالنفع على الأمة (٢)، ولكن لا يعني أن المدرسة لم تحقق النفع في العلوم العصرية فما يقول ذلك باحث موضوعي، نعم لم تنجح نجاح مثيلاتها في الغرب في باب العلوم العصرية في تحقيق استقلال علمي والارتقاء بالعلم إلى باب المنافسة، ولكن المقصود أن المدرسة العصرية منذ نشأتها لم تمنع مشكلة الانحراف بالعلم

стр. 559

الحديث وكان الأصل لو كانت قوية برؤية ورسالة تتفق مع هويتنا لمُنع ذلك الانحراف أو خفف منه، ولذا أجدها مشارِكة في الانحراف بالعلم بما تطبعه في عقول طلابها من أخطاء ارتبطت بالتيارات العلمانية ولا علاقة لها بالعلم في ذاته. دور مدارس الأقليات: عُرض فيما سبق تجارب العالم الإسلامي في طلب العلوم العصرية وفتح مدارسها في "مقر الخلافة - مصر - الهند - بلاد المغرب - فارس" ولم أتطرق للشام والعراق (١)؛ لأنهما كانا تحت النفوذ العثماني المباشر، ولذا كان ولاتها غير مستقلين كما هو الحال في مصر وغيرها، وكانت تجربة مركز السلطنة تغني عنهما، ولم تُشتهر تجارب خاصة تولاها ولاتها (٢). ولكن بلاد الشام شهدت أمرًا آخر كان واضحًا فيها مقارنة بغيرها ألا وهو النشاط التنصيري، فبعد أن شعر الغرب بضعف العالم الإسلامي وإمكانية اختراقه تجهزت الإرساليات النصرانية لدخول الشرق من أجل نشر النصرانية بين أهلها، وكان القرن الثالث عشر/ التاسع عشر أشهر فترات نشاطها الحديث، فضغطت الدول الأوروبية على الدولة العثمانية حول الأقليات الدينية من يهود ونصارى فحصلوا على امتيازات خطيرة جعلتهم أحيانًا في وضع أفضل مما عليه المسلمون، بل ناسب ذلك أحيانًا أهواء بعض الولاة، فقدمهم وأخر المسلمين كما حصل مع إبراهيم باشا في بلاد الشام. ومع فشل الإرساليات في تحقيق هدفها بين المسلمين فقد تحولت للنصارى، كل طائفة في أوروبا تتنافس على أتباعها في العالم الإسلامي، فيمدونهم بالمال والدعم ويستعينون بهم في أمور التجارة والصلة بالمسلمين ويفتحون لهم أبواب أوروبا وينشئون لهم الكنائس والمدارس في موطن سكنهم.

стр. 560

ولوجود طائفة لا بأس بها على سواحل الشام فقد انصب نشاط الإرساليات الأوروبية والأمريكية إلى تلك الجهة، وتنافست الإرساليات في بناء الكنائس والمكتبات والمستشفيات والمدارس، وهو نشاط واسع وخطير وفي حاجة إلى دراسة مستقلة، وأكتفي هنا بما له علاقة بمشكلة الاضطراب حول العلوم العصرية، وقد كان ذلك من خلال مدارسهم الكثيرة. لقد شكل وجود الأقليات الدينية "اليهودية والنصرانية" داخل الدولة العثمانية عامل جذب للقوى الغربية المختلفة (١)، ومع الضعف الشديد للدولة العثمانية مارس الغربيون ضغوطهم عليها من أجل رعايتهم لأهل الملل داخل الدولة العثمانية بسبب الروابط الدينية والثقافية التي بينهم، ووصل الأمر أنه بحلول عام (١٩١٤ م) "كان هناك سبع عشرة ملة معترفًا بها من قبل الحكومة العثمانية تقع كلها تحت الحماية الأجنبية"، كما أن هذه الملل ذاتها بدأت تعرف الانقسام الداخلي، فمنذ ستينات القرن التاسع عشر بدأت تلوح تحديات لكبار رجال الدين في تلك الأقليات ظهرت بين صفوف صغار رجال الدين والعلمانيين منهم (٢)، وسيكون للانقسام الداخلي وما يصحب ذلك من رعاية أوروبية للطرفين أثره فيهم وفي المجتمع المحيط بهم، ولاسيّما عندما يتخذهم الغرب جسرًا لاختراق الأمة الإسلامية. حظيت سوريا بعناية أكبر (٣) ومما مهد لذلك حكم محمد علي لسوريا، إذ

стр. 561

لم يعتمد حكمه هناك على المسلمين السنة بسبب بقاء صلتهم في الغالب بالسلطة العثمانية، ومن أجل ذلك استخدم النصارى واليهود بصورة خاصة، ولم يكن توظيفهم آنذاك شيئًا جديدًا وإنما "الجديد في الأمر يتمثل في درجة توظيف أفرادها والمميزات التي منحت لهذه الأقليات"، وهي أمور ظاهرها السياسة ولكنها مكنت لهذه الأقليات في الدولة المسلمة (١)، وقد أخذ النصارى عند ذلك يُحسّنون من أوضاعهم من خلال التعلم الذي جعلهم مؤهلين لملء الوظائف التي تحتاج إلى مهارات خاصة (٢)، ولم يكن حركة من تلك الأقليات فقط إذ صاحبها الرعاية المتصاعدة من قبل الأوروبيين لمثل هذه الأقليات. يتحدث أيضًا "مالكولم" عن بلاد الشام في الفترة (١٨٨٠ - ١٩١٤ م) فيقول: "أما بالنسبة للنصارى فقد أتيحت لهم فرص جديدة في التعليم في المدارس التبشيرية التي أنشئت لأول مرة خلال الاحتلال المصري لسورية، ثم تنامت حتى أصبحت تشكل شبكة ضخمة" (٣)، وتعبيره بشبكة ضخمة يدل على حركة منظمة لتعليم النصارى تعليمًا قويًا في الشام، قامت به عدد من دول الغرب عبر تنافس كبير بينهم، وإذا علمنا بأن دول غربية قوية بكنائسها ودولها تتنافس على تعليم طائفة صغيرة، فالنتيجة هي وجود مجموعة قوية قادرة على اختراق

стр. 562

النهضة الإسلامية الناشئة والمشاركة في إدارتها، ومن ثم توجيهها بما يخدم أهدافهم. ثم يتحدث الكاتب عن أثر كل جهة غربية، فالإرساليات التبشيرية الكاثوليكية الفرنسية تركز على تعليم المسيحيين الكاثوليك والروم والموارنة، وفي عام (١٩١٤ م) بلغ عدد مدارسها ما يقرب من (٥٠٠) مدرسة في وقت يندر فيه وجود المدرسة في بعض بلاد المسلمين، وقد أنشؤوا بعدها جامعتهم (جامعة القديس يوسف) سنة (١٨٧٥ م). وفي مقابل الكاثوليك كانت للإرساليات التبشيرية البروتستانتية البريطانية والألمانية ولاسيّما الأمريكية جهودٌ مماثلة، مع حرصها على تأهيل المعلمين المسيحيين لاستخدامهم يومًا ما في تنصير المسلمين، ثم تحولوا عن هدفهم هذا إلى التعليم عمومًا وفتحوا ما يمكن أن يقال عنه: أول تعليم عالي في البلاد الإسلامية وهو الكلية البروتستانتية السورية سنة (١٨٦٦ م) نواة الجامعة الأمريكية فيما بعد. وجاءت مدارس طائفة ثالثة وهم الأرثوذكس عبر الرعاية الروسية لتؤسس شبكة واسعة من المدارس (١). طائفة صغيرة يخترقها التعليم الأوروبي الحديث بخلفياته الغريبة وأهمها العلمنة والرؤى المذهبية الجديدة وفي قائمتها المادية، فتمتلك الأقليات من خلال التعليم قوة داخل العالم الإسلامي تؤهلها للمشاركة والتأثير، ولكن هذه الطائفة أصيبت بانقسام بين القدامى والجدد عبر اختراق العلمنة ومذاهبها للجيل الجديد منهم. وقد أعقب هذه المدارس التبشيرية ولادة التعليم العالي ولاسيّما الكلية البروتستانتية السورية -الجامعة الأمريكية حاليًا- التي حصلت على دعم غربي كبير كونها تمثل أداة صناعة لبني جلدتهم وأداة اختراق مهمة لذلك العالم المغلق أمامهم عبر وسيلة سلمية، ومما يشهد لذلك أن مجموعة كبيرة من قيادات التيارات الفكرية العلمانية تخرجت من هذه الكلية. وقد يُستغرب كيف تكون كلية ذات أساس ديني تبشيري مرتعًا لتيارات عُرف عنها معاداة الدين في الغرب! ويزول الاستغراب إذا علمنا التواطؤ الموجود بين التيارات الغربية المختلفة حول

стр. 563

أهمية اختراق العالم الإسلامي، ولذا كانت القوى السياسية العلمانية توفر الغطاء اللازم لعمل المبشرين علّه يخدمهم في عملهم، وهكذا العكس، ويزول الاستغراب أيضًا إذا علمنا أن القوى العلمانية الغربية وجدت في الكلية فرصة للحركة، فاخترقتها حتى وإن لم يرغب قادة التنصير منهم في ذلك الاختراق. جُمعت تبرعات إنشاء الكلية البروتستانتية في أمريكا، وفي أثناء وجود فان ديك (١) -أحد أهم قادة التنصير في الشام- في أمريكا ليتولى طباعة "كتابهم المقدس" بعد أن تمت ترجمته للعربية على يديه وأصحابه، عُرض عليه إدارة تلك الكلية فوافق، وعاد ليباشر تأسيسها مع مبشر آخر صديق له (يوحنا ورتبات، ١٨٢٧ - ١٩٠٨ م) (٢)، ووضعا وحدهما نظامها ودروسها، وقاما بتأليف الكتب العلمية وتدريسها في الباثولوجيا والكيمياء والفلك والتشريح والفسيولوجيا وغيرها (٣). وقد سبب هذا الاختراق الغربي -العلمي والفكري والسياسي- لنصارى الشام انقسامًا فيما بينهم من جهة، ودخول أفكار جديدة عليهم من جهة أخرى، ولاسيّما في طائفة المتعلمين منهم، وأخطرها ما كان ضد الدين؛ لأنهم حملوا تلك الأفكار ضد دينهم أولًا، ثم تعمم ذلك ليكون ضد دين الإسلام، ومن هذه الأفكار ما كان منتسبًا لتيارات "التنوير" و"الوضعية" و"المادية" الأوروبية مثل: "الماسونية" و"فولتير" و"كونت" إلى "الدارونية"، وفيها ما يمثل زعزعة فكرية، ولاسيّما أفكار "فولتير" و"رينان" (٤) أصحاب الحملة القوية على الكنيسة والفكر الديني ممن عرفوا في تلك المرحلة، وفيها ما يمثل نشاطًا ميدانيًا مثل الماسونية.

стр. 564

وقد كانت المدارس والكليات وما اتصل بها من مطابع وجمعيات وصحافة موطن تسرب تلك الأفكار والنشاطات، وأصبح أفرادها مادة ممتازة للنشاط في مصر كأهم مركز إسلامي آنذاك بعد هجرتهم إليها، ولاسيّما فترة حكم إسماعيل باشا. يقول أصحاب التقرير الأمريكي عن التربية في الشرق الأوسط عن أثر المدارس: "لقد قامت المدارس الأجنبية بدور هام في حياة كل من سوريا ولبنان وفلسطين الثقافية في خلال ثلاثة أرباع جيل مضى، وكذلك في مصر إلى درجة محدودة. . . . وقد كانت المدارس الأجنبية طيلة هذه الفترة، ولاسيّما قبل قيام التعليم العام في تلك البلدان، في الطليعة فيما يختص بنشر التعليم في كل من الحضر والريف. . . . ورغم أن أثرها كان بالغًا في الأقليات على الأخص من مسيحيين ويهود، فإنها فضلًا عن ذلك قد امتد أثرها إلى المسلمين إلى حد كبير. فإلى سنة (١٩٢٠ م) لم يكن هناك تعليم عال في سوريا وفلسطين والعراق، سوى الجامعة الأمريكية ببيروت، وجامعة سان جوزيف الفرنسية، ببيروت أيضًا. وقد عنيت الرسالات الأجنبية عناية خاصة بتعليم البنات، بل كثيرًا ما آثرتها على تعليم البنين،. . . . وفضلًا عن ذلك فإن عددًا كبيرًا من زعماء البلدان العربية في السياسة والأعمال والطب، من خريجي المعاهد الأجنبية. وحتى الحركة الوطنية، يمكن أن يقال: إن إذكاء روح الحماسة فيها، يرجع إلى حد كبير إلى بعض المدارس الأجنبية المتصفة بحرية الرأي. وفي مقدمة زعماء الحركة الوطنية في تلك البلدان تخرجوا في الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد حازت المدارس الأجنبية في العالم العربي منذ عهد طويل شهرة واسعة ومركزًا ممتازًا" (١). ثم ذكر التقرير بعض سهام النقد التي وجهت إلى تلك المدارس وهي باختصار: ا- إجبار الكثير من تلك المدارس طلابها من غير النصارى على حضور الدروس الدينية والعبادات الخاصة بهم.

стр. 565

٢ - تقوم تلك المدارس بزرع الولاء لبلدان أجنبية على حساب الولاء للوطن، وتصبح ميول الطالب إلى بلد "المدرسة الإرسالية" ويتعلق بها. ٣ - فرّقت الشباب إلى جماعات، تُكنّ كل مجموعة الولاء لبلد أوروبي مثلًا، ويحدث التحزب ثم التنازع بينهم، ففرقوا الأمة، وأصبح كل فريق يدعو للولاء لبلد ما أو منهج أو طريقة. ٤ - كانت المدارس الأجنبية مستقلة تمامًا وتعمل ما تشاء، وذلك أنها في فترة الحكم العثماني محمية بنظام "الامتيازات الأجنبية" بل كانت متمتعة بقوانينها الذاتية إلى حد كبير (١). كانت مدارس الأقليات والمدارس الأجنبية عمومًا أحد أهم مراكز تحصيل العلوم العصرية، لقد صيغ فيها المنهج والمواد وطريقة العرض والعلاقة بين العلم والدين، وجاء المدرس الأجنبي بخلفياته العلمية والثقافية وبأهوائه الدينية والسياسية، فشكلت بذلك النموذج الجديد بكل مكوناته الذي سيتصدر كنموذج للتعليم في البلاد الإسلامية، فانتقل ذلك النموذج بحسناته وسيئاته إلى "المدرسة الوطنية" الحديثة. يظهر الغياب الكامل لدور الدولة نحو التعليم العصري في بلاد الشام، والبعض يعيد السبب إلى عدم استقرار الوضع السياسي -الإداري فيها، إذ ما إن يُنصب والٍ عليها إلا ويعقب ذلك قرار سريع بتغييره، وهو سبب مفهوم في ظل الأوضاع الإدارية المزرية التي عرفتها الولايات العثمانية آنذاك، ومع هذا الغياب جاء البديل الخطير عبر المدارس الأجنبية بأهوائها المختلفة.
следующие страницы →