← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

لم يعتمد حكمه هناك على المسلمين السنة بسبب بقاء صلتهم في الغالب بالسلطة العثمانية، ومن أجل ذلك استخدم النصارى واليهود بصورة خاصة، ولم يكن توظيفهم آنذاك شيئًا جديدًا وإنما "الجديد في الأمر يتمثل في درجة توظيف أفرادها والمميزات التي منحت لهذه الأقليات"، وهي أمور ظاهرها السياسة ولكنها مكنت لهذه الأقليات في الدولة المسلمة (١)، وقد أخذ النصارى عند ذلك يُحسّنون من أوضاعهم من خلال التعلم الذي جعلهم مؤهلين لملء الوظائف التي تحتاج إلى مهارات خاصة (٢)، ولم يكن حركة من تلك الأقليات فقط إذ صاحبها الرعاية المتصاعدة من قبل الأوروبيين لمثل هذه الأقليات. يتحدث أيضًا "مالكولم" عن بلاد الشام في الفترة (١٨٨٠ - ١٩١٤ م) فيقول: "أما بالنسبة للنصارى فقد أتيحت لهم فرص جديدة في التعليم في المدارس التبشيرية التي أنشئت لأول مرة خلال الاحتلال المصري لسورية، ثم تنامت حتى أصبحت تشكل شبكة ضخمة" (٣)، وتعبيره بشبكة ضخمة يدل على حركة منظمة لتعليم النصارى تعليمًا قويًا في الشام، قامت به عدد من دول الغرب عبر تنافس كبير بينهم، وإذا علمنا بأن دول غربية قوية بكنائسها ودولها تتنافس على تعليم طائفة صغيرة، فالنتيجة هي وجود مجموعة قوية قادرة على اختراق

стр. 562

النهضة الإسلامية الناشئة والمشاركة في إدارتها، ومن ثم توجيهها بما يخدم أهدافهم. ثم يتحدث الكاتب عن أثر كل جهة غربية، فالإرساليات التبشيرية الكاثوليكية الفرنسية تركز على تعليم المسيحيين الكاثوليك والروم والموارنة، وفي عام (١٩١٤ م) بلغ عدد مدارسها ما يقرب من (٥٠٠) مدرسة في وقت يندر فيه وجود المدرسة في بعض بلاد المسلمين، وقد أنشؤوا بعدها جامعتهم (جامعة القديس يوسف) سنة (١٨٧٥ م). وفي مقابل الكاثوليك كانت للإرساليات التبشيرية البروتستانتية البريطانية والألمانية ولاسيّما الأمريكية جهودٌ مماثلة، مع حرصها على تأهيل المعلمين المسيحيين لاستخدامهم يومًا ما في تنصير المسلمين، ثم تحولوا عن هدفهم هذا إلى التعليم عمومًا وفتحوا ما يمكن أن يقال عنه: أول تعليم عالي في البلاد الإسلامية وهو الكلية البروتستانتية السورية سنة (١٨٦٦ م) نواة الجامعة الأمريكية فيما بعد. وجاءت مدارس طائفة ثالثة وهم الأرثوذكس عبر الرعاية الروسية لتؤسس شبكة واسعة من المدارس (١). طائفة صغيرة يخترقها التعليم الأوروبي الحديث بخلفياته الغريبة وأهمها العلمنة والرؤى المذهبية الجديدة وفي قائمتها المادية، فتمتلك الأقليات من خلال التعليم قوة داخل العالم الإسلامي تؤهلها للمشاركة والتأثير، ولكن هذه الطائفة أصيبت بانقسام بين القدامى والجدد عبر اختراق العلمنة ومذاهبها للجيل الجديد منهم. وقد أعقب هذه المدارس التبشيرية ولادة التعليم العالي ولاسيّما الكلية البروتستانتية السورية -الجامعة الأمريكية حاليًا- التي حصلت على دعم غربي كبير كونها تمثل أداة صناعة لبني جلدتهم وأداة اختراق مهمة لذلك العالم المغلق أمامهم عبر وسيلة سلمية، ومما يشهد لذلك أن مجموعة كبيرة من قيادات التيارات الفكرية العلمانية تخرجت من هذه الكلية. وقد يُستغرب كيف تكون كلية ذات أساس ديني تبشيري مرتعًا لتيارات عُرف عنها معاداة الدين في الغرب! ويزول الاستغراب إذا علمنا التواطؤ الموجود بين التيارات الغربية المختلفة حول

стр. 563

أهمية اختراق العالم الإسلامي، ولذا كانت القوى السياسية العلمانية توفر الغطاء اللازم لعمل المبشرين علّه يخدمهم في عملهم، وهكذا العكس، ويزول الاستغراب أيضًا إذا علمنا أن القوى العلمانية الغربية وجدت في الكلية فرصة للحركة، فاخترقتها حتى وإن لم يرغب قادة التنصير منهم في ذلك الاختراق. جُمعت تبرعات إنشاء الكلية البروتستانتية في أمريكا، وفي أثناء وجود فان ديك (١) -أحد أهم قادة التنصير في الشام- في أمريكا ليتولى طباعة "كتابهم المقدس" بعد أن تمت ترجمته للعربية على يديه وأصحابه، عُرض عليه إدارة تلك الكلية فوافق، وعاد ليباشر تأسيسها مع مبشر آخر صديق له (يوحنا ورتبات، ١٨٢٧ - ١٩٠٨ م) (٢)، ووضعا وحدهما نظامها ودروسها، وقاما بتأليف الكتب العلمية وتدريسها في الباثولوجيا والكيمياء والفلك والتشريح والفسيولوجيا وغيرها (٣). وقد سبب هذا الاختراق الغربي -العلمي والفكري والسياسي- لنصارى الشام انقسامًا فيما بينهم من جهة، ودخول أفكار جديدة عليهم من جهة أخرى، ولاسيّما في طائفة المتعلمين منهم، وأخطرها ما كان ضد الدين؛ لأنهم حملوا تلك الأفكار ضد دينهم أولًا، ثم تعمم ذلك ليكون ضد دين الإسلام، ومن هذه الأفكار ما كان منتسبًا لتيارات "التنوير" و"الوضعية" و"المادية" الأوروبية مثل: "الماسونية" و"فولتير" و"كونت" إلى "الدارونية"، وفيها ما يمثل زعزعة فكرية، ولاسيّما أفكار "فولتير" و"رينان" (٤) أصحاب الحملة القوية على الكنيسة والفكر الديني ممن عرفوا في تلك المرحلة، وفيها ما يمثل نشاطًا ميدانيًا مثل الماسونية.

стр. 564

وقد كانت المدارس والكليات وما اتصل بها من مطابع وجمعيات وصحافة موطن تسرب تلك الأفكار والنشاطات، وأصبح أفرادها مادة ممتازة للنشاط في مصر كأهم مركز إسلامي آنذاك بعد هجرتهم إليها، ولاسيّما فترة حكم إسماعيل باشا. يقول أصحاب التقرير الأمريكي عن التربية في الشرق الأوسط عن أثر المدارس: "لقد قامت المدارس الأجنبية بدور هام في حياة كل من سوريا ولبنان وفلسطين الثقافية في خلال ثلاثة أرباع جيل مضى، وكذلك في مصر إلى درجة محدودة. . . . وقد كانت المدارس الأجنبية طيلة هذه الفترة، ولاسيّما قبل قيام التعليم العام في تلك البلدان، في الطليعة فيما يختص بنشر التعليم في كل من الحضر والريف. . . . ورغم أن أثرها كان بالغًا في الأقليات على الأخص من مسيحيين ويهود، فإنها فضلًا عن ذلك قد امتد أثرها إلى المسلمين إلى حد كبير. فإلى سنة (١٩٢٠ م) لم يكن هناك تعليم عال في سوريا وفلسطين والعراق، سوى الجامعة الأمريكية ببيروت، وجامعة سان جوزيف الفرنسية، ببيروت أيضًا. وقد عنيت الرسالات الأجنبية عناية خاصة بتعليم البنات، بل كثيرًا ما آثرتها على تعليم البنين،. . . . وفضلًا عن ذلك فإن عددًا كبيرًا من زعماء البلدان العربية في السياسة والأعمال والطب، من خريجي المعاهد الأجنبية. وحتى الحركة الوطنية، يمكن أن يقال: إن إذكاء روح الحماسة فيها، يرجع إلى حد كبير إلى بعض المدارس الأجنبية المتصفة بحرية الرأي. وفي مقدمة زعماء الحركة الوطنية في تلك البلدان تخرجوا في الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد حازت المدارس الأجنبية في العالم العربي منذ عهد طويل شهرة واسعة ومركزًا ممتازًا" (١). ثم ذكر التقرير بعض سهام النقد التي وجهت إلى تلك المدارس وهي باختصار: ا- إجبار الكثير من تلك المدارس طلابها من غير النصارى على حضور الدروس الدينية والعبادات الخاصة بهم.

стр. 565

٢ - تقوم تلك المدارس بزرع الولاء لبلدان أجنبية على حساب الولاء للوطن، وتصبح ميول الطالب إلى بلد "المدرسة الإرسالية" ويتعلق بها. ٣ - فرّقت الشباب إلى جماعات، تُكنّ كل مجموعة الولاء لبلد أوروبي مثلًا، ويحدث التحزب ثم التنازع بينهم، ففرقوا الأمة، وأصبح كل فريق يدعو للولاء لبلد ما أو منهج أو طريقة. ٤ - كانت المدارس الأجنبية مستقلة تمامًا وتعمل ما تشاء، وذلك أنها في فترة الحكم العثماني محمية بنظام "الامتيازات الأجنبية" بل كانت متمتعة بقوانينها الذاتية إلى حد كبير (١). كانت مدارس الأقليات والمدارس الأجنبية عمومًا أحد أهم مراكز تحصيل العلوم العصرية، لقد صيغ فيها المنهج والمواد وطريقة العرض والعلاقة بين العلم والدين، وجاء المدرس الأجنبي بخلفياته العلمية والثقافية وبأهوائه الدينية والسياسية، فشكلت بذلك النموذج الجديد بكل مكوناته الذي سيتصدر كنموذج للتعليم في البلاد الإسلامية، فانتقل ذلك النموذج بحسناته وسيئاته إلى "المدرسة الوطنية" الحديثة. يظهر الغياب الكامل لدور الدولة نحو التعليم العصري في بلاد الشام، والبعض يعيد السبب إلى عدم استقرار الوضع السياسي -الإداري فيها، إذ ما إن يُنصب والٍ عليها إلا ويعقب ذلك قرار سريع بتغييره، وهو سبب مفهوم في ظل الأوضاع الإدارية المزرية التي عرفتها الولايات العثمانية آنذاك، ومع هذا الغياب جاء البديل الخطير عبر المدارس الأجنبية بأهوائها المختلفة.

стр. 566

ولم تكن الحال أحسن في الولايات الأكثر استقرارًا، مثل مصر في ظل حكم محمد علي وأبنائه، فقد كان لطول حكمه وتعاونه مع الغرب وتحالفه معهم، ثم نجاحه في توريث الحكم في أبنائه، كان لكل ذلك أثرٌ كبيرٌ في الاستقرار، ومن ثم إمكاننا رؤية عملية التحديث دون انقطاع ورؤية آثارها. ومع ذلك فلم يكن الحال بأحسن في نظام التعليم الحديث فيها؛ إذ سيطر الأجانب على إدارته والتدريس فيه ووضع المناهج واستثماره بما يخدم مصالحهم، وبما أنه خدم طائفة النصارى أكثر من غيرهم، فإننا نجد ثناءً كبيرًا من قبل الكتاب النصارى على دور محمد علي وأبنائه باستثناء عباس باشا الأول (١)، وهذا ما لم يكن يوافق عليه قادة الفكر الإِسلامي المشهورون في تلك البلاد كالأفغاني ومحمد عبده ومحمد رشيد رضا، إذ انتقدوا بشدة ذلك التعليم (٢). كان التعليم في ولاية مصر يخضع في الغالب لإدارة "ديوان المدارس" الذي أنشئ في سنة (١٨٣٦ م) وناظره الأول "مصطفى مختار" وأعضاء الديوان هم: "كلوت بك" مدير مدرسة الطب، والكولونيل "كياني بك"، و"يعقوب أرتين بك" مدير مدرسة الإدارة، و"أسطفان أفندي" مدرسة الإدارة، "فاران" مدير مدرسة الفرسان، "هيكيكان" مدرسة المهندسخانة، "رفاعة الطهطاوي" مدير مدرسة الألسن، "بيومي أفندي" مدرسة المهندسخانة، "لامبير" مدير مدرسة المناجم، "هامون" مدير مدرسة الطب البيطري، "دورول" سكرتيرًا، وكان أربعة منهم أدخلوا الديوان بطلب الوالي "مختار وأرتين وأسطفان ورفاعة"، ويبدو -بحسب كتاب أنور- أن فكرة الديوان ترجع إلى تأثير كل من "السيمونيين" و"المبتعثين العائدين من أوروبا" (٣)، وقد كان "كلوت بك" (٤) الدينمو الأساسي

стр. 567

في صياغة التعليم الموازي الجديد للنظام القديم المتمثل في الأزهر، وقد كان طلاب هذا النوع يُخطفون من أسرهم ويُدخلون مدارس أشبه بمعسكرات الاعتقال أو الجندية الشديدة فينفر الناس منها (١)، بخلاف الأزهر ومدارسه، فمع ضعفه إلا أن النفوس تشتاق للدراسة فيه وتفتخر الأسر بوجود أبنائها في حلقاته. طلبت الحكومة الفرنسية من "بيليسييه" منتصف القرن التاسع عشر (١٨٤٩ م) أن يعطيها دراسة عن حال مصر ولاسيّما بعد الانتكاسة التي وقعت لتجربة محمد علي بسبب العدوان الأوروبي عليه في أثناء محاولته التوسع، فذكر انهيار التعليم وتدهوره، ولكن العجب هو ما ذكره من أسباب ومنها: ١ - ضعف المكانة التي أعطيت للفرنسيين في التعليم العالي. ٢ - عدم ترقي الطلاب الفلاحين بسبب بقاء اتصالهم بغير المتعلمين من ذوويهم. ٣ - أن استظهار القرآن في سن مبكرة قد أفسد عقول التلاميذ (٢). بمثل هذا المكر تُكتب التقارير، والمقصود بالتعليم هنا "العلوم الحديثة" حيث جعل أسباب الضعف هو ما يريد الوصول إليه من أهداف أو يريده الاستعمار، فمرادهم تمكين أكثر للأجانب في إدارة التعليم، وعزل تام للفئة الدارسة عن مجتمعها، وإبعادها تمامًا عن مصدر دينها وعقيدتها وقوتها وهو القرآن الكريم، ومن غير المستغرب تغرب هذه التجارب ما دامت تتحرك بإدارة أجنبية، وبرغبات دينية أو سياسية تتعارض تمامًا مع دين الأمة ونظامها، ومن الطبيعي أيضًا أن ينجح على مستوى الفكر في غرس بعض أفكار العدو من خلال مدارسه الخاصة أو المدارس التي أوكلت إليه من مدارس المسلمين. جاءت مرحلة خطيرة من جهة تمكين الأجانب ومدارسهم من أرض مصر زمن الوالي سعيد ثم إسماعيل، في ظاهرة تُعد من أغرب الظواهر في تاريخ الأمة الإِسلامية -ولاسيّما زمن سعيد- وكأن هناك قناعة بعدم قدرتنا على فتح المدارس، وأن الأولى تركها للأجانب، فيذكر صاحب كتاب نهضة مصر بأنه

стр. 568

"مع مجيء سعيد كان قيام مدارس البعثات الأجنبية يمثل أكبر ظاهرة سائدة في السياسة التعليمية. ولم يحاول الحاكم الجديد المنفتح على النفوذ الفرنسي أن يفعل شيئًا لإعادة فتح المدارس الابتدائية والإعدادية، مفضلًا ترك هذه المهمة للمدارس الأجنبية"، إلى أن قال: "وكانت المدارس الأجنبية في ذلك العقد تتكون من نوعين من المؤسسات"، ثم ذكر مدارس كل نوع من النوعين: ١ - مدارس الجاليات والطوائف الأجنبية من نصرانية ويهودية، وما يعود لدول لها أتباع في مصر، وقد بدأ ظهورها من زمن محمد علي واستمرت مع أبنائه. ٢ - مدارس البعثات الدينية الأجنبية، وهذه بدأت من سوريا التى سبق وجودهم فيها، فبعد أن حصلوا على موافقة محمد علي فتحوا مدارسهم في مصر، وتحول التنافس بين كنائس أوروبا إلى مصر ما بين الكاثوليك الفرنسيين والبروتستانت البريطانيين، "وبينما كانت المدارس الدينية الفرنسية تتمتع بمساندة حكوماتها المباشرة، وخاصة "جيزو"، استهدفت المدارس البروتستانتية الأنجلو -أمريكية تحويل الأقباط إلى بروتستانت وكانوا يعتمدون في ذلك على أموال المنظمات التبشيرية"، وكان الهدف التنصيري لهذه المدارس هو الهدف الأول، واهتمت بالنصارى واليهود (١). والعجيب أن هذه المدارس قد حظيت بدعم من قبل الوالي أكثر من دعمه لمدارس المسلمين، لدرجة أن عددًا من المدارس الأوروبية استمرت بفضل المساعدات الأميرية، وأن المبالغ التي صرفها الوالي لمدارس "الفرير" وغيرها تفوق على الأرجح ما صرفه على ميزانية التعليم العمومي خلال حكمه كله، فضلًا عن المباني الحكومية التي تنازل عنها لصالح أعمالهم. لقد نفض يديه فعلًا من مسئولياته كوالي فيما يتعلق بالتعليم العمومي (٢)، ولا ندري كيف يتحول بعضهم إلى مُحسن للأجانب والأعداء، بينما هو مسيء ومتجاهل وربما طاغية على أهل ولايته وملَّته.

стр. 569

تعدّ فترة ولاية إسماعيل مشهورة في تاريخ مصر الحديث، فمن جهة طغت عليه رغبة في تحويل مصر إلى قطعة أوروبية (١)، في محاولة استئصال لها من جغرافية الشرق وإلحاقها بالغرب، وإذا كان الوالي بمثل هذا التفكير فمن الطبيعي أن يفتح صدره للوجود الأجنبي بكل مؤسساته ومنها التعليم، وقد وقع الكثير من ذلك لدرجة أن كاتبًا متسامحًا مثل شكيب أرسلان (٢) يتحدث عن نفوذ للأجانب لا يتصوره العقل، وأن أهل البلد أصبحوا كالعبيد للأجانب. ومع ذلك فقد عرفت هذه المرحلة رجلًا مهتمًا بالتعليم وتطويره أعقل من رجل السياسة صاحب الأوهام وهو "علي مبارك"، الذي اعتمد عليه إسماعيل كما اعتمد جده ومن بعده على الطهطاوي ولكن ذلك لم يعطل نشاط المدارس الأجنبية فقد استمر وضعها (٣) على حاله وربما أقوى. قام "علي مبارك" بإعادة تشكيل التعليم الحكومي، وخفف من عسكرته السابقة، وفتح المدارس المختلفة، وأدخل بعض المواد الحديثة، واهتم بالمدارس العليا التي كانت نواة الجامعة المصرية فيما بعد، وقد كان من أهم مشروعاته "دار العلوم" التي أسست سنة (١٨٧١ م) هدفها إعداد المعلمين بعد تخرجهم من الأزهر، وأدخل فيها الأدب العربي والفلك والطبيعة والعمارة والميكانيكا والتاريخ العام والفقه على مذهب أبي حنيفة وعلم النبات وغيرها (٤)، ولا شك أن جهود علي مبارك رغم المآخذ التي عليها أفضل من ترك الساحة للمدارس الأجنبية التي فرضت نفسها وأوجدت لها حماية أجنبية وأتباعًا لا يتخلون عنها. ومع ذلك فقد أثرت تلك النماذج الأجنبية على التعليم في مصر وغيرها، أثرت في تكوين مدرسة جديدة تختلف عن "المدرسة المعروفة" عند المسلمين، ولاسيّما في عصور الضعف الأخيرة، حيث كانت مهمة المدرسة الموروثة لا تتجاوز تعليم قراءة القرآن بأساليب غير مناسبة مع القراءة والكتابة والحساب، ثم

стр. 570

يخرج منها الطالب ليلتحق بحلق العلم وقليل من يفعل ذلك، بينما الدولة الحديثة تريد الجيش العصري والأطباء والمهندسين والإداريين والصناع وغيرهم، وكان النموذج المقترح لذلك هو المدرسة الأجنبية، ولاسيّما أن خريجيها هم من يتولى المناصب العليا في دولة محمد علي وبنيه، فأُخِذَت نموذجًا يُحتذى مع تعديلات لم تؤثر في جوهرها، وبتعبير -ربما يكون صحيحًا- لأصحاب التقرير الأمريكي عن التربية في الشرق الأوسط "ولذا جاز لنا القول: إن التقدم التعليمي في العالم العربي يدل على الانسلاخ من الماضي والاتجاه إلى ناحية جديدة" (١)، وكان ذلك عبر تأسيس المدارس الحديثة المغايرة للمدارس القديمة، وذكروا أن من العوامل التي دفعت إلى هذا الاتجاه "تأثير الأجانب من أفراد وجماعات، في الشرق الأدنى والعالم العربي. فمجلس التعليم الأول الذي أنشأ في سنة (١٨٣٧ م)، كان يتألف برمته إما من أعضاء أجانب من موظفي الحكومة المصرية، أو من طلبة مصريين ممن تلقوا علومهم من الخارج، لاسيّما فرنسا. وعقب ذلك تعيين مفتش أجنبي ظل في وظيفته زهاء العشرين عامًا، وبعد الاحتلال البريطاني قام البريطانيون بدور هام في وضع السياسات التعليمية إلى سنة (١٩٢٢ م)، أما في غير مصر من الأقطار العربية، وعلى الأخص سوريا ولبنان وفلسطين، فقد سبقت مدارس الرسالات الأجنبية، أية مدارس منظمة حديثة حكومية أنشأها الأتراك. وقد أصبحت هذه المدارس بطبيعة الحال نموذجًا تنسج على منواله المدارس الحكومية والأهلية بعد ذلك" (٢). وكذا كان النظام العثماني الذي تأسس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر متأثرًا بالطابع الغربي، ولما دخل الانتداب -الاحتلال- إلى سوريا ولبنان وفلسطين، أصبحت اليد العليا في رسم خطط التعليم للبريطانيين والفرنسيين، ثم بعدها في العراق (١٩١٥ م) وضعت بريطانيا أساس النظام التعليمي في العراق (٣). لو كان التعليم الأجنبي داخل الأقليات الدينية فقط في ظل حقوقهم لما كان هناك إشكال، ولكن التعليم الأجنبي الموجه أولًا للأقليات الدينية أصبح هو

стр. 571

التعليم المرغوب فيه عند ولاة المسلمين، وخريجو تلك المدارس هم المؤهلون لمناصب الدولة وأعمالها المختلفة، بخلاف الأزهر ومؤسساته فالمتخرجون منه يُؤهلون لأعمال خاصة بالمجتمع من إمامة مسجد أو خطيبه أو عاقد أنكحة أو فقيه للإفتاء أو مدرس للعلوم الإسلامية أو اللغوية، فتوجهت الدولة أولًا لخريجي المدارس الأجنبية فولّتهم الأعمال الخطيرة، ثم قامت في مرحلة تالية بتأسيس مدرسة تابعة للدولة على النموذج الأجنبي نفسه ومنعزلة في الوقت نفسه عن النموذج الإسلامي، بل منافسة له ومتصارعة معه. فنشأ التوتر من البداية بين نموذجين، واتسع ذلك ليشمل المدرس هنا وهناك، والمنهج هنا وهناك، والرؤية هنا وهناك، والنتائج هنا وهناك، فالمدرس في الأجنبية للأجنبي بخلاف الإسلامية فهو من أهل العلم الشرعي، والمنهج في الأجنبية ما بين علوم لغوية أو عصرية من رياضة وطبيعة واجتماع والإسلامية كما هي على العلوم الشرعية واللغوية، والرؤية في الأجنبية ما بين هوى التنصير وهوى العلمنة بحسب إدارتها وملكيتها فهي إما عائدة للكنائس أو لتيارات علمانية والرؤية في الإسلامية لا تخرج عن الإسلام، والنتائج في الأجنبية أن خريجيها يحصلون على أفضل الوظائف والتقدير الاجتماعي والاحتفاء الرسمي بينما الإسلامية لا وظائف لهم إلا ما هو معلوم من قبل ولا يمثل وظيفة حقيقية فهي أقرب لعمل التطوع ولا تقدير اجتماعي إلا للنخبة منهم ممن برز في العلم الشرعي وقليل ما هم. وقد كان يمكن تلافي هذه الازدواجية وهذا التوازي غير المعتدل مما يؤدي إلى التصادم كثيرًا، وبالرغم من الأفكار الداعية للتقريب بين المدرستين التي رفعها الطهطاوي في المرحلة الأولى أو علي مبارك في كتابه: "علم الدين" في المرحلة الثانية إلا أن ذلك التقارب لم يقع، أو لم يُرَد له أن يقع، حتى حَلّ ما حل ببلاد المسلمين من الاحتلال الخطير -الذي بدأ بالجزائر وتونس ثم مصر، ثم عم العالم الإسلامي بعد الحرب العالمية الأولى-؛ ليصبح التعارض حقيقة، وتظهر محاولات خطيرة صريحة جادة إلى حسمه لصالح التعليم الوافد برؤيته ومنهجه وأهدافه على حساب دين الأمة وهويتها وتاريخها. وخلاصة القول: إن مدارس الأقليات الموازية للمدرسة الإسلامية قد أسهمت بنشاطها في الانحراف بمسيرة العلم العصري؛ حيث تم اختراقها من

стр. 572

التيارات العلمانية الغربية، ولاسيّما مع موجة الاستعمار، ثم تحولت إلى نموذج يحتذى أول نهضتنا الحديثة، وسارت بالجنب مع التعليم الوطني، وما زالت إلى اليوم منافسًا خطيرًا للتعليم الوطني في البلاد الإسلامية، وأغلب رموز الفكر التغريبي قد مرّوا بها، ولا يعني أنها لا تقدم علومًا نافعة ولكن ذلك كان ثانويًا مقارنة بما تفعله من أثر تغريبي خطير في المجتمع المسلم، فضلًا عما تقوم به من تطبيق الرؤية العلمانية على العلوم العصرية بعد اختراقها من تيارات الفكر العلمانية الغربية، وهي بهذا قد أسهمت في توسيع البيئة القابلة للانحراف بالعلم، ولاسيّما أن العلوم النافعة لم تقدمها بقوة تقديم العلوم القابلة للأدلجة والانحراف. لقد ظهر من العرض السابق أن المدرسة العصرية "الإسلامية أو مدرسة الأقليات" التي تهتم بالعلوم العصرية قد وقعت في مشكلات ولاسيّما في جانب الرؤية العامة والإطار المعرفي الموجّه لها؛ ويرجع ذلك في الغالب إلى تحكم الأجنبي بإدارتها ووضع محتواها، وهو رجل من اثنين: إما أنه من رجال التنصير أو أنه من رجال العلمنة، وبسبب ذلك غابت المدرسة العصرية الإسلامية، التي تأخذ رؤيتها وتصورها من الإسلام وتختار من المحتوى العصري: النافع المفيد الصحيح، وسيكون لذلك أثره في العلاقة بين الدين والعلوم العصرية.

стр. 573

ثالثًا: دور الصحافة (نشأتها وتمكن النصارى منها وتوجيههم التغريبي لها) لعبت ثلاثة عناصر دورًا خطيرًا في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، وهي: "المحافل الماسونية، والمدارس الأجنبية، والصحافة"، حيث شاركت في توجيه الأفكار وصناعة المشاكل، ومن ذلك أثرها في إفساد مسيرة العلوم العصرية في مجتمعنا الإسلامي، بسبب ما بثته فيها مما لا يخدم التطور العلمي الصحيح. كانت الصحافة من أخطر أدوات التعبير والتأثير في تلك المرحلة (١٣/ ١٩) كونها تتمتع بجاذبية خاصة، فهي الوسيلة الإعلامية الوحيدة آنذاك دون منافس، فلا إذاعة ولا شاشة، وكانت المنفذ إلى النخبة والجمهور، ومن الطبيعي أن تنشر ما يريده أصحابها. والصحافة بنت المطبعة، وعندما جُلبت المطبعة إلى البلاد الإسلامية بدأت مشروعات الصحافة، وقد ظهرت أول ما ظهرت في بلاد الشام وفي مصر، أما في مصر فكانت أول ما ظهرت في أثناء حملة "بونابرت" على مصر، وأما في الشام فكانت عبر الإرساليات التنصيرية ولاسيّما الأمريكية (١). وعندما نجح "محمد علي" في تثبيت سلطته في مصر وابتعث من ابتعث -ومنهم "الطهطاوي" الذي تحدث في كتابه عن صحافة باريس- واهتم بالمطبعة، أُسست عندها صحيفة رسمية تولى الإشراف عليها فيما بعد رفاعة

стр. 574

الطهطاوي (١)، بعدها بدأت الصحافة في حضورها على السطح الثقافي. أما في الشام فمن المعلوم أن الإرسالية الأمريكية نقلت مطبعتها من مالطة إلى بيروت من أجل نشر كتبهم الدينية، ثم تطور الأمر إلى ظهور المطابع بإدارة نصارى تلك البلاد، وما تبع ذلك من ظهور صحافة يديرونها وتنتشر بينهم وبين المسلمين (٢). وبما أن الصحافة منها الخاص بالأخبار والمعلومات ومنها ما هو خاص بالفكر والرأي، وغالبًا ما تخلط هذا بذاك، فإنها لابد ستنشر شيئًا من المعارف الجديدة والآراء والأفكار المصاحبة لها. وقد كان من بين ما اعتنت به حركة الصحافة آنذاك تعريف المجتمع بالعلوم العصرية وبعض ما ارتبط بها، ثم تحول التعريف إلى تأثير في بعض القراء وبدأت تبرز المذاهب والأفكار الجديدة، ثم ما لبثت أن اتسع تأثيرها ليصل لجمهور القراء الذين يمثلون آنذاك قادة المجتمع والنخبة المهمة فيه. أبحثُ في هذه الفقرة عن الأثر السلبي للصحافة بداية ظهورها في طرحها للعلوم العصرية وآثار ذلك في: الانحراف بمسيرة تلك العلوم، أو إعاقة نمو النافع منها نموًا صحيحًا مفيدًا للأمة. وتختلف (المدرسة) عن (الصحيفة) بأن (المدرسة) خاصة بفئة معينة من المجتمع، أمّا (الصحيفة) فهي موجهة لكل قارئ، مما يعني أن فعل الصحيفة أوسع من أثر المدرسة، وإن كانت المدرسة ربما أعمق، كما أن الصحيفة آنذاك كانت تُطلب ويُعتنى بها من قبل النخب المتنوعة، وقد لا يتأتى ذلك في المدرسة. أما (المحافل) فهي أداة استقطاب للنوعيات المميزة وإدارتهم وتوجيههم فيما بعد بما يخدم أهداف الماسونية. لا يكاد يقع اختلاف بين الباحثين بأن القرن الثالث عشر/ التاسع عشر قد شهد طلبًا واضحًا للنهضة والتحديث، وأن عمدة ذلك يتأكد في طلب العلوم العصرية ذات الثمرات المدنية المشهودة، عبر الابتعاث أو طلب المدرسين الأجانب وفتح المدارس الخاصة بذلك، وأن ذلك أعاد الاعتبار لمثل هذه

стр. 575

العلوم، ولكنها بقيت بعيدة عن الجمهور لاسيّما والمدارس محدودة العدد وكذا المبتعثين، فجاءت الصحافة الناشئة لتعمم هذه الفكرة، ولكنها بسبب انحيازها لاتجاه معين وفكر معين أوقعت قرائها في شَرَك أهوائها، وبدل أن تكون أداة نهضة للأمة تحولت إلى أداة إشكال وتوتر. كانت فترة ازدهار الصحافة في الربع الأخير من القرن التاسع عشر وأول العشرين (١٣ - ١٤ هـ) إلى بداية الحرب العالمية الأولى، ولاسيّما في ظلّ غياب منافس إعلامي لها، حيث صاحب تطور الطباعة تطور الصحافة وظهرت الصحف والمجلات لأول مرة في العالم الإسلامي، وقد كان للصحفيين السوريين نشاطًا قياديًا في كل من سوريا ومصر وأوروبا، ومن خلال صحفهم "تسربت الأفكار الأوروبية الجديدة إلى القراء العرب" (١)، وفي مصر مثلًا -الأشهر في هذا الميدان وقبل الاحتلال البريطاني- كان يوجد فيها سنة (١٨٧٩ م) "ست عشرة صحيفة، عشر منها تصدر باللغة العربية" وبحسب رأي "مالكولم" فقد "كان الكثير منهم متأثرًا بالأفكار الفرنسية بصورة كبيرة: إذ كانت المدارس والصحف الفرنسية قوية في مصر، كما انتقل العديد من الكتاب الذين بدؤوا مهنتهم في مصر إلى باريس فيما بعد، حيث كانت تسود الآراء والأفكار المعادية لبريطانيا"، ومما يميزها الحضور البارز للمهاجرين الشوام (٢) ولاسيّما النصارى. جاءت الصحافة بعد أن بدأت تجارب التحديث في بعض البلدان الإسلامية وكان أشهرها تجربة والي مصر محمد علي، ومن ذلك فتح المدارس المتخصصة في تحصيل العلوم العصرية، وأصبحت مصر نموذج التجارب الأخرى ومدارسها ربما تتلقى طلبًا من هنا أو هناك للالتحاق بها، ولكن هذه العلوم بقيت محصورة في فئة وبعيدة عن عموم المجتمع، وكان هناك نوع من القطيعة بين الأزهر -وهو المركز العلمي الأقرب للناس- وبين هذا المركز الجديد للعلم، وقد كان من المفترض أن تلعب الصحافة دورًا مهمًا في ردم الفجوة بين الأزهر كنموذج وبين مؤسسات العلوم العصرية، وبين المجتمع عمومًا وبين ما أُدخل عليه دون تهيئة مناسبة من مدارس ومدرسين أجانب أو طلب العلم في بلاد الكفار، وكان يمكن

стр. 576

أن تُعرّف المجتمع بالنافع، وتقدم مشروعات لمعالجة الإشكال الناجم عن سوء الفهم، هكذا يفترض في صحافة أمة تحاول النهوض بعد مرحلة ضعف خطيرة. ولكن بالرجوع إلى أشهر مجلات تلك المرحلة أو صحفها نجد أنها رغم أهميتها وخطورة دورها تاهت عن الواجب التنويري والتثقيفي الذي كان يمكن أن تقدمه للأمة، وأنها بدل أن تعالج المشكلات فاقمت منها، وأن ذلك ازداد حدّة -ولا غرابة- مع ما حصل من الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين، فانساق الكثير من صحف ذلك الزمان مع رغبات المستعمر وتنفيذ مشروعاته، ثم ازداد الأمر سوءًا مع بروز التيارات الفكرية المتغربة والأحزاب العلمانية، ولكن ضرورات البحث تجعلني أقف مع بداية الإشكال بذكر النماذج الموضحة له، وآثارها حول "الانحراف بالعلوم العصرية بدل الاستفادة منها" مع الإلماح لما جاء بعدها مواصلًا المسار نفسه، فنحلل هذا الموقف ونكشف القضية المهمة في هذا المبحث بالذات، وهي أن مشكلة الانحراف بالعلم كان يمكن أن تبقى محصورة في نطاق النخبة وتعالج بصورة أيسر، إلا أن جزءًا من صحافة العصر عممت المشكلة، وكونت جمهورًا ورأيًا عامًا، كان له آثاره السلبية على مجريات الأمور فيما بعد. ظروف نشأة الصحافة وأثر ذلك على الانحراف بمسيرة العلم الحديث: من بين أشهر النماذج الصحفية لتلك المرحلة: "المقتطف" و"الجامعة" و"الهلال" بما تمثله من تركيز على الجوانب الفكرية والعلمية والأدبية الحديثة مما هو شائع آنذاك في أوروبا، وهنا يظهر سؤال: ما السبب في أن أغلب صحف تلك المرحلة بإشراف النصارى ولاسيّما الشوام؟ وما الذي أعطاها القدرة للحديث عن كثير من الأمور -من بينها العلوم العصرية من مناهج ومعارف ونظريات- وهي في غير مقدور أهل تلك المرحلة؟ إن فهْم هذه الأمور يساعد على فهم أثر الصحافة في نشر تصور معين عن "العلوم العصرية" أسهم في تعكير الجوّ الثقافي، وفتح المجال لثغرات خطيرة نعاني منها إلى اليوم. أما حول إشراف نصارى الشام على الصحافة، فالافتراض العام أن الإرساليات التي ركزت العمل في بلاد الشام نجحت في صناعة جيل يتولى إدارة الصحافة فيما بعد، فإن تلك الإرساليات التنصيرية كانت تعي أهمية "المدرسة"

стр. 577

و"الصحيفة"، وكان من بين أول المتأثرين بها "بطرس البستاني" بعد أن ترك منصبه ليعتنق مذهب إحدى المدارس النصرانية (١)، فاعتنى بفتح أول مدرسة تقدم إلى جانب العلوم العربية العلوم العصرية، وأتبع ذلك بفتح أول صحيفة أهلية، وتوالت على يده صحف أخرى (٢)، وما كان ذلك سيتم بسهولة لولا الدعم المعنوي والمادي والثقافي الذي سيتلقاه من تلك الإرساليات، ومن المعلوم أن رواد الصحافة فيما بعد كـ"الأهرام" و"المقطم" و"المقتطف" و"الهلال" وغيرها كانوا من خريجي معاهد هذه الإرساليات، وهو دعم طبيعي لا يستغرب في ظل ضعف الأمة وغفلتها، بل بتسامح بعض الولاة مع تلك الظاهرة تحت الضغط الأجنبي (٣)، وقد كانت رغبة "إسماعيل" والي مصر أن يحولها قطعة من أوروبا، ولذا فتح الباب للأجانب بشكل كبير، فدخلوا بكل قواهم ووجدت صحافتهم آنذاك دعمًا قويًا (٤). ولم يطل الأمر إذ فُجع المسلمون باحتلال مصر الذي قد سبق شبحه إلى الهند والجزائر، ثم وقع بمصر وتونس، وهكذا دواليك، وبدل أن يكون الدعم بصورة خفية عبر الإرساليات أصبح ظاهرًا عبر الاحتلال المباشر. ولم تكن هذه الحال مع الصحافة الإسلامية، فهي لا تجد الدعم المادي ولا الثقافي ولا السياسي، وتواجه معاناة في الاستمرار باستثناء القليل منها مثل: "المؤيد" و"المنار" وغيرهما. إذا عرفنا على الإجمال سبب اشتهار صحافة الشوام النصارى، بما حصلوا عليه من إعداد مكنهم من النشاط ومن دعم مكنهم من مواصلة مشروعهم، فيبقى

стр. 578

أن هذه الصحافة في غالبها قد اعتنت بالجانب العلمي الحديث، ولاسيّما "المقتطف" ذات الصيت الذائع آنذاك، وهي تنشر ذلك بين المسلمين، فما الذي أهلها لهذا العمل؟ ثم أليس من الأصح شكرها على هذا العمل ولاسيّما أنها تنشره بين الناس عامة فلم تخص به طائفتها! أما الذي أهلها لذلك فهو الدراسة -التي حصل عليها مشرفو تلك الصحافة- في مدارس الإرساليات، وقطعًا لم يكن هدف الإرساليات نشر تلك العلوم للمسلمين، فإن هدفهم الأساسي هو نشر النصرانية، وإضعاف أي قوة تعيق تقدم النصارى، هذا ما يقوله منطق العقل وحقائق التاريخ البعيدة والقريبة. فهل أصحاب هذه المجلات قد تنكروا لتلك الإرساليات بعد أن علمتهم وتحولوا إلى خدمة ونفع المسلمين؟ أهذا ممكن! يمكن أن يكون عملهم ذلك طلبًا للمال من خلال العمل التجاري الإعلامي، ويمكن أن يكون ذلك حبًا في الشهرة والجاه، وهي احتمالات واردة، ولكن يضعفها أن السياق التاريخي يجبرنا على افتراضات أخرى، فقد بدأ الأمر بإرساليات، ففتحت مدارسها وأنشأت مطبعة في وقت تغلي قدور المطامع الأوروبية بأهلها، وما أخرهم إلا بقايا خوف من دولة الخلافة ونزاع حول الغنائم. أعقب ما حصلوه في مدارس تلك الإرساليات انتقالهم إلى مركز إسلامي مهم، وما إن بدأ نشاطهم فيه حتى وقع الاحتلال البغيض لذاك المركز سنة (١٨٨٢ م) ومن تلك الفترة وهم في قوة ونفوذ. قد يستعرض مستعرض مجلاتهم آنذاك "المقتطف والهلال و. ." فلا يشعر فيها بوضوح قصد خدمة النصرانية -وقد استعرضت بنفسي مجلدات تلك المجلات- ويجد المستعرض لها تظاهرها بالموضوعية وقصد عموم النفع، ولكن أليس من الطبيعي أن تجتهد في إخفاء الأغراض الخاصة إن كانت ذات مقاصد معينة وتُسرب ما تريد بأسلوب غير مباشر؟ هل يمكن أن تستمر تلك الصحافة لو صرحت بمقاصد تنصيرية أو تغريبية أو استعمارية كما حدث من صحف ظهرت فيما بعد؛ خلعت غطاء الحياء وأعلنت أهدافها علانية فترة الاستعمار الصريح وبروز التيارات الفكرية التغريبية؟ ومع اعتقادي بأن تلك الصحافة كانت مشاركة في لعبة كبيرة ضد المسلمين إلا أنها كانت في الوقت نفسه منبرًا استفاد منه الكثير حول المعارف الجديدة،

стр. 579

وهو أمر لم يكن يمنعه الشرع ولا يعارضه العقل، فالمنفعة الدنيوية وإن جاءت من كافر أخذناها منه إذا لم نجدها عند غيره، ولكنها في الوقت نفسه صنعت في أثناء تقديمها هذه المعارف بعض المشكلات الخطيرة في وقتٍ كانت لوحدها تتربع على منصة الإعلام. يذكر المفكر والمؤرخ الأردني، "د. علي المحافظة" إقبال خريجي المعاهد والجامعات الغربية من العرب على إصدار مجلات "تعنى بالعلوم بشكل عام والعلوم التطبيقية أو التجريبية منها بوجه خاص. ولعل أقدم هذه المجلات وأكثرها أهمية وشهرة هي مجلة "المقتطف" التي أصدرها عام (١٨٧٦ م) في بيروت السيدان يعقوب صروف ونمر فارس. وقد أفردت أبوابًا دائمة للزراعة والصناعة والهندسة والطب والمسائل الرياضية". إلى أن قال: "واعتادت المجلة أن تستعرض مختلف الصناعات المتطورة في أوروبا وتلك المنتشرة في البلاد العربية. وبقيت المجلة في بيروت حتى عام (١٨٨٤ م) إذ نقلت بعد ذلك إلى القاهرة". ثم قال: "ويلي مجلة المقتطف في الشهرة مجلة "الهلال" التي أصدرها جرجي زيدان في القاهرة عام (١٨٩٢ م). وكانت تتولى نقل الكثير من الأخبار والمكتشفات العلمية. واعتادت مجلة المشرق التي كان يصدرها منذ عام (١٨٩٨ م) الآباء اليسوعيون في بيروت، أن تنشر ملخصًا للمنجزات العلمية والمخترعات كل عام"، ثم تكلم على أخرى ظهرت بعد (١٩٠٠ م) وأغلبها لنصارى (١). وفي السياق نفسه يذكر الباحث الإسلامي المشهور، "د. محمد حسين" عن "كرومر" -الحاكم الاستعماري في مصر- بأن نصارى الشام كانوا ممن أعان السياسة الاستعمارية في تحقيق أهدافها، ثم تكلم على كونهم أسبق إلى تأسيس الصحف، منها اليومية الخبرية كـ"الأهرام" و"المقطم"، ومنها الأدبي والعلمي الذي "ينشر أخبار التطورات الحضارية والثقافية الغربية في العلوم والمخترعات، وفي المذاهب الاجتماعية، وفي الأدب والفلسفة والفن" مثل "المقتطف"

стр. 580

و"الهلال"، "وهذا النوع الأخير الذي تمثله هاتان الصحيفتان هو الذي يعنينا في هذا المكان؛ لأن أصحابه هم الذين تزعموا الدعوة إلى العلمانية والتحررية في الفكر العربي الحديث. وخطورة هذه الصحف لا ترجع إلى ما كانت تذيعه من آراء فحسب، ولكن أهميتها الكبرى ترجع إلى أنها كانت مركزًا لتنشئة الجيل التالي من الصحفيين على هذه المبادئ العلمانية، وهو الجيل الذي ربى بدوره جيلًا آخر، جاءت وتجيء من بعده أجيال على شاكلته، فلم نبلغ منتصف القرن العشرين، حتى كانت الصحافة كُلها في أيدي العلمانيين" (١). وفي موطن آخر ذكر بأن مؤسسيها وغيرها ممن تعلم في الكلية البروتستانتية السورية، الجامعة الأمريكية فيما بعد، ثم قال: "واهتمت مجلة "المقتطف" بالعلوم الطبيعية وبالكشوف العلمية والصناعية الحديثة، بينما اتجهت "الهلال" إلى الدراسات الإنسانية، من أخلاق واجتماع وتاريخ ولغة وأدب وآثار"، واشتركتا في نشر روح علمانية بصورتها "التي سادت أوروبا في القرن التاسع عشر، التي تعتبر العلم بمعناه الغربي الحديث الذي يقوم على التجربة وعلى منطق البحث العقلي، لونًا من العبادة التي تستحق أن يُكرّس لها الإنسان عمره، والتي يجب أن تقوم مقام الدين في التمييز بين الخير والشر، بناءً على نُظُم إنسانية "عالمية" يلتقي عندها أفراد البشر جميعًا، بإقرار العقل لما تتضمنه من الأفكار ومن المبادئ الخلقية. وقد تجنبت المجلتان كل ما يتصل اتصالًا مباشرًا بالسياسة المحلية أو الدين، ولكنهما كانتا تسيران على تخطيط ثابت مدروس تَخْفى آثارُه على غير المدقق البصير، وتعملان في بطءٍ دَؤوب على الوصول إلى أهدافهما. فكان كلُّ ما ينشرانه يُقِرّ في أذهان القراء وُيعمِّق في وعيهم تصورًا جديدًا للحق: ما هو؟ وكيف ينبغي أن نبحث عنه؟ وماذا يجب على القارئ العربي أن يعرف لكي يصل إليه؟ هذا التصور الجديد يقوم على أن العلوم أساس الحضارة "الصحيحة" وأن العلوم والمذاهب التي تتضمنها الحضارة الغربية ذات قيمة عالمية"، وأنه يمكن إيجاد نظم اجتماعية تستند إليها، وأن النظم والتصورات القديمة "التي تقوم على الإيمان وعلى الدين، أو ما يسمونه "الميتافيزيقا" أو "العقلية الغيبية"، ليست إلا طورًا من أطوار البشرية في طفولتها الأولى، لا تلبث

стр. 581

أن تتخطاه، حين تستقل بنفسها وتستغني بعقلها" (١). ولطول هذا النص ما يبرره؛ لأنه يكشف لنا مجموعة قضايا حول دور الصحافة، ولاسيّما النصراني منها في خدمة أهداف الاستعمار، وفي نشر تصور علماني عن العلم، وفي تربية أجيال متعاقبة تسير على الخط نفسه وتُوسِع فيه، وتوزيع الأدوار: فاعتنت إحداهما بالعلوم الطبيعية والرياضية والصناعات، والأخرى بالعلوم الاجتماعية والإنسانية، ووضعها العلم بديلًا عن الدين في التقويم، ووضع تصور جديد عن مفهوم الحق، وأن مكان البحث عنه في العلم لا في الدين، وإمكانية إقامة الحياة على العلم والاستغناء عن الدين. وهي قضايا خطيرة تفرغت تلك الصحف والمجلات لسنين طويلة تغرسها وترعاها في وقت -كما ذكر مرارًا- كانت الوحيدة في الميدان مع ما تحظى به من قبول وبما تتمتع به من جاذبية. يقول أحد كتاب مجلة "المقتطف": "أما قصورنا في المعرفة فهو في اقتصارنا على العلوم اللغوية والمعارف الدينية في نقص طرق التحصيل. . . . فهذه العلوم وحدها لا تغنينا في جيلنا فتيلًا، ولا نباع بها شروى نقير، فهذا عصر العلوم الطبيعية والرياضية، أسس الصناعة والزراعة والتجارة والاكتشافات. فما يمنعنا، يا أبناء الشرق، اتخاذ هذه الفنون اليوم من الغربيين؟ " (٢)، ولا أحد في الحقيقة يمنعنا، ولولا أن هناك ملابسات سلبية أثّرت في طلبها لم يظهر من يمنعها، على أن هذه الدعوة -وهو ما نريد الانتباه إليه- تركز على دعوة المجتمع إلى عصر جديد، هو "عصر العلوم الطبيعية والرياضية" وعدم الاقتصار على "العلوم اللغوية والمعارف الدينية" التي لا تغني فتيلًا ولا تساوي نقيرًا بحسب رأيه، فإذا كانت هذه المفاضلة هي ما يثار، فإن القارئ سيتوجه بعقله وقلبه إلى العلوم النافعة، وهو يوهم القارئ بأن هذه العلوم ذاتها لم تنفع الأمة، مع أن تاريخنا ما قام إلا بجعلها في صلب مشروعنا الحضاري ثم تأتي العلوم الأخرى مكملة ومتممة. والآن أعرض بعض الأمثلة من مجلات تلك المرحلة، وما أثارته من مشاكل:

стр. 582

النموذج الأول، مجلة المقتطف -النظريات الجديدة: صدرت المجلة أولًا في بيروت، ويطلعنا أصحابها في مقدمتهم القصيرة حول بعض القضايا ومنها: - بيان أهمية الجريدة في تسهيل الوصول إلى العلم والصناعة. - وبيان مصدر الدعم "وقد أصبحنا مديونين لأساتيذ المدرسة الكلية السورية بالمساعدات التي وعدنا بها". - وبيان هدفها: "ترغب الطلاب في إحراز العلم وإتقان الصناعة. . . . لشدة افتقارنا إليهما كليهما". - وأوضحت منهج العرض وأنه يقوم على تسهيل تلك المعارف حتى يمكن تحصيلها. - وبنص غامض ذكرت العلاقة مع الديني والسياسي: "ولما كانت مواضيعنا لا تتداخل في المباحث الدينية ولا السياسية إلا من باب العلم فكل ما يرد إلينا خارجًا عن هذا الباب غير مقبول" (١). فأما السياسة فنتجاوز الكلام عنها، ولكن لكثير من المباحث العلمية علاقة بأصول دينية، قد لا يكون هناك كبير إشكال في الإطار النصراني؛ لأن المجلة ومصدر دعمها كلية الإرساليات الأمريكية ذات إطار نصراني، ولكن القوم كانوا على ثقافة جيدة بمحيطهم الإسلامي، فللنص وجهان: إما أنه لن يقبل ما يتعارض مع الدين، أو أنه يعرض الرأي العلمي دون قصد النظر إلى الجانب الديني منه حتى وإن وقع الاختلاف بينهما وهو الأقرب من خلال التأمل في موضوعاتها، فإنه باستعراض المجلدات الأولى، ولاسيّما ما كان قبل عملها في ظل الاحتلال، نجدها تعرض مسائل علمية وصناعية بحتة كما يقال، وهي مما لا يثير الإشكال، ويطلبها من أرادها ولو من باب العلم بالشيء، مثل موضوع "عمل الزجاج" وهو أول موضوع في أول عدد (٢)، ولكن

стр. 583

هناك موضوعات غيرها كانت مثيرة للجدل، وهي عادة ما تكون موضع الاهتمام والأكثر قراءة ومتابعة. إلا أن المجلة تُظهر انتباهها لمشكلة العلاقة المتوترة بين الدين والعلوم العصرية، فهم من خلال اطلاعهم على وضعها في الغرب يعرفون تلك المشكلة، ولاسيّما أن من بين أهم المستهدفين طائفتهم النصرانية، وهذه الطائفة متخوفة من بعض أبنائها الذين اتبعوا طوائف أخرى غير مذهبهم، أو تغلغلت فيهم دعوات المذاهب الفكرية العلمانية، وإذا كان أهلها يعيشون هذه الأجواء فإن للمسلمين الحق في كونهم أكثر تحفظًا عندما تأتي المبادرة من مجموعة نصرانية تريد الانتشار عن طريق المعرفة والعلم بين المسلمين بواسطة الصحافة. من باب الأمثلة على انتباههم لطائفتهم ما نراه عندما تتحدث المجلة عن عقائد علماء أوروبيين، فأبطال المجلة هم علماء أوروبا الجدد في الفلك والفيزياء والكيمياء والأحياء وغيرها، وأصحاب المجلة لا يرون رموز العلم وأهله إلا هؤلاء، ولا يستغرب من مجلة متخصصة في الموضوع، ولكن عندما تعرض مواقف مختلفة من حياة هؤلاء العلماء، فإن القارئ السلبي قد يعدّها كلها صحيحة، ومن ذلك مثلًا مواقف هؤلاء العلماء من الدين، فما الاختيارات الدينية والمذهبية والأيديولوجية لهؤلاء العلماء؟ مع أن هذه الاختيارات قد تكون نموذج القدوة للقارئين والمحبين لمثل هذه العلوم، ولا شك أن الجانب الإيجابي منها سيكون حسن الأثر على القارئ، والخطورة هو من السلبي فيها؛ لأن العالم في العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية لا يعني أن يكون عالمًا في الأمور الدينية فضلًا عن أن يكون قدوة فيها. من بين أشهر من عرضوه من علماء أوروبا: "نيوتن"، فعندما يعرضون موقفه الديني، فهم يعرضونه أولًا لطائفتهم ثم للمسلمين، فيقولون عنه: "وكان لاهوتيًا فاضلًا طويل الباع في المعارف الدينية كتب فيها كتبًا وشروحًا وتفاسير، وكتب أيضًا في وجوب الاعتقاد بوجود الله ضد الكفرة" (١)، وقالوا في وصفه: "كان تقيًا ورعًا كثير المطالعة في الكتب المنزلة، حتى اقتصر عليها في آخر أيامه، وجعل أكثر أحاديثه فيها"، وقالوا في معتقده: "والظاهر أنهُ لم يكن يعتقد

стр. 584

بالثالوث في اللاهوت، وقال بعضهم: بل كان يعتقد به" (١). وهكذا يُعرّفون بمثل هؤلاء العلماء مع مراعاة حساسية ما يخالف مذهب أتباع المجلة. ولكن إن كان العالم المحتفى به ممن أعلن الإلحاد، أو أظهر موقفًا لا مباليًا من الدين، مثل "داروين"، فإنهم يُبرزون وسيلة أخرى للخروج من المشكلة بقولهم: إن الدين شأن شخصي بين العبد وربه، وسواء أعلن الإلحاد أو الإقرار فما علاقة ذلك بعلمه (٢)؟ والآن أذكر مثالين من بين ما طرحته مجلة المقتطف، عن نظريتين علميتين، وآثار ذلك. المثال الأول: نظرية الفلك الجديدة ومسألة دوران الأرض: من بين معالم النظرية الجديدة في الفلك إثبات دوران الأرض، وهي مسألة لم يكن يترتب عليها آنذاك كبير أثر، وليس لديهم آنذاك سوى تقليد علماء أوروبا، فلم يكن بين المسلمين ولا نصارى العرب من كان عالمًا في الفلك حتى يكون في منزلة الندّ لهم فيكشف لنا عن يقين المسائل المختلف حولها في تلك النظرية، ولم تكن المسألة بتلك الأهمية حتى يتكلم عليها علماء الإسلام، فتركت لأهل الفلك، وأغلبهم قديمًا يقلد اليونان في ذلك، مع أنه قد ذُكر في بعض كتب العقائد الإسلامية الكلامية كروية الأرض وحركتها (٣)، وكان السائد عند النصارى هو ثبات الأرض، هذا هو ظاهر النصوص التي بين أيديهم، مع أن في النصوص الإسلامية ما يحتمل ذلك، ومعلوم أن الظاهر ليس بقطعي الدلالة وإن كان الصحيح منه قطعي الثبوت، ومن ثم يبقى النص على ظاهره ما لم يثبت خلاف ذلك بدليل قطعي، عندها نذهب إلى القطعي، وسيأتي لذلك مزيد كلام لاحقًا بإذن الله. ففي مثل هذا السياق الثقافي والتاريخي لم تكن الأمة مستعجلة على هذه المعرفة، فهناك ما هو أولى منها وأصح وأنفع، والأمة لا تملك من علماء الفلك من يستطيع الفصل في المسائل، والأجواء التي تُستقبل فيها مثل هذه المعلومات

стр. 585

ليست مناسبة للتعامل السليم معها، فقد توجد أطراف توظف هذه المعلومات ضد الدين بحجة التعارض بين الدين والعلم. لقد كان عرض الموضوع في البداية مسألة نصرانية، أي: بين النصارى في بلاد الشام بعد أن فُتحت المدارس التنصيرية في تلك البلاد ودُرِّست فيها العلوم الحديثة، واطلعوا على النظرية الجديدة في الفلك وإثباتها لدوران الأرض، فكتبت مجلة "الجنان" ما يدل على ثبات الأرض، فأخرجت المقتطف رأيها المعارض، ولاسيّما أن "المقتطف" كانت أقرب إلى الصحافة العلمانية، فكتبت المقتطف في الجزء الأول حول الموضوع بعنوان "دوران الأرض" وقالت: "لولا كثرة السائلين، ولجاجة الطالبين، وتعهدنا لحضرة الجمهور بالإجابة عن كل ما نُسأل عنه بقصد الفائدة، ما تركنا الإجابة عن بعض المسائل الصناعية في هذا الجزء، ولا تكلفنا الآن الكتابة في إثبات موضوع قد صار أشهر من نارٍ على علم، وأوضح من الصبح لذي عينين، وقد أجمع عليه سائر علماء المشرق والمغرب، وتحققت صحته لكل ذي عقل سليم يطالع ويفهم. ولما كان الأمر كذلك فقد دعتنا الحال إلى وضع مقالة مختصرة في دوران الأرض لمجرد الفائدة، وإجابة لطلب السائلين. وأما الذين طلبوا منا الرد على الأمالي الفلكية التي صدرت في الجزء العشرين من الجنان لهذه السنة فنرجوهم أن يعفونا من ذلك. وهل يُردُّ في علمٍ على من يجهلهُ كل الجهل" (١)، ثم ساقوا القول القديم بثباتها والقول الجديد والأدلة المختصرة على صحته، والتوقف مع الاعتراض التاريخي الذي اعترض به على "كوبرنيكوس" كطيران الطيور وغيره (٢). افتتحت المجلة بهذا المقال معركة طويلة شكلت نموذجًا لكثير من المعارك فيما بعد حول قضايا لا يمكن الفصل فيها، وعمدة المجلة هو فقط الإحالة على النتائج المعروفة آنذاك في أوروبا، فكانت تمثل إشغال المجتمع دون أن تظهر الثمرة الواضحة، ولا أن تثبت مناسبة عرض هذه القضايا في تلك الأوقات،

стр. 586

وهم من ألمح إلى أنهم تركوا المهم مثل "المسائل الصناعية" والانشغال بموضوع ليس من عرضه في ذاك الوقت كبير فائدة، مع أنه لو عرض بموضوعية وعلمية دون استفزاز للقارئ واصطناع المشاكل لما وقع من عرض هذه القضايا مشاكل واختلاف، فإذا كان الموضوع "أشهر من نار على علم، وأوضح من الصبح لذي عينين، وقد أجمع عليه سائر علماء المشرق والمغرب، وتحققت صحته لكل ذي عقل سليم يطالع ويفهم"، فهل يستحق كل هذا الصراع والإشكال؟ لا شك أن في المقال مبالغة في موضوع القضية، فإن الاعتراضات ما زالت تظهر هنا وهناك، فهناك من لم يتقبلها، وحال بلاد المسلمين آنذاك لم يكن يُمكّنهم من إثبات صحة هذه المسألة أو نفيها، وليست الإحالة على الغرب آنذاك في مثل هذه المسائل بحجة لإثبات المسائل، وقد كان المطلعون على الغرب عادة ما يعرضونها بصيغة التمريض (١) ويكلون علم ذلك إلى رب العالمين حتى يظهر في المسلمين من نثق بعلمه وصدقه وعدالته. كان يمكن أن تكون مسألة يسيرة لولا ما نجده من نصوص دينية ظاهرها -ونركز على مسألة الظاهر- يتعارض مع هذه المسألة العلمية الفلكية، فإن تعظيم المسلم لكلام الله سبحانه وما أُخبرنا به هو فوق كل ما يقوله البشر، فلا يجوز التهاون في خبر السماء لقولٍ جاءنا ما لم يكن لدينا من العلماء العدول الثقات من يوضح حقيقته، هكذا كانت حال أهل العلم في الجملة آنذاك، وهنا بالذات تظهر حساسية إبراز مثل هذه المسائل من قوم دون أن يكون لديهم أو لدينا من يستطيع الجزم بصحته أو خطئه. نعود الآن إلى وضع هذه المسألة في أعداد المجلد الأول من مجلة المقتطف لنتلمس طبيعة الإشكال الذي أوجدته هذه المجلة حول الموضوع، ففي مقال "العلوم الطبيعية" افتتحت ببيان أهميتها، ثم قالت: "يزعم البعض أن العلوم الطبيعية مضرة تشكك في ما أوحي به في الكتب المنزلة وينكرون منافعها، ويزعم غيرهم أنها تشكك في الدين ويقرون بمنافعها، وغيرهم أنها صادقة نافعة ويكذبون الوحي لأجلها، ويقول الباقون: إنها مصداق الوحي، بهجة العقول،

стр. 587

ومعدن الرفاهة، وهؤلاء لا ريب هم المصيبون" (١). فهذه أربعة اتجاهات رأى أصحاب المقال وجودها حول الموقف من العلوم الطبيعية مع ترجيح أحدها، وناقشت المقالة بقية المواقف، وعرضت الاتجاه الثاني عرضًا حسنًا: بأن هذه العلوم إذا ثبت نفعها فلا يمكن أن تعارض الدين، وأن المعارضة وقعت بسبب خطأ ما، ثم تكلموا بمثال عما يُعترض به وهو مسألة دوران الأرض "فإذا قيل: كيف لا يكون ذلك والعلم يثبت دوران الأرض حول الشمس، وثبوت الشمس غير متحركة، مع أن الوحي يذكر دوران الشمس، وثبوت الأرض صريحًا، قائلًا شرقت الشمس وغربت، والأرض مؤسسة، ونحو ذلك من العبارات؟ " (٢)، فأصبحت المسألة نموذجًا -والمشكلة هنا أن أصحاب المقال يخاطبون فئتين: أهل ملتهم والمسلمين، بخلاف الوضع في أوروبا- وقد أجاب المقال عن السؤال: بأن الوحي خاطب الناس بما كانوا يعرفونه ويفهمونه من كون الأرض ثابتة والشمس تدور حولها، وهو جواب لا يستقيم إلا بعد إثبات الدعوى، فإن القول بأن العلوم الطبيعية مطلقًا تعارض الدين فيه خطأ، ولكن ليس كل ما في العلوم الطبيعية صحيحًا، فما زالت تلك العلوم تتقدم، ويُثبت اللاحق أخطاء وقعت عند من سبقه، فلا يكون التعارض إلا بين علمين كُملا وليس بين الوحي الكامل والعلم البشري المتغير والمتطور. كما أن القول بأن الأدلة صريحة يحتاج إلى إثبات من أهل العلم. كما أن القول بدوران الأرض يحتاج إلى إثبات؛ لأن النصوص في هذا الباب لم تكن نصًا قطعيَّ الدلالة، كما يقول أهل الأصول، وإلا لانتهى الأمر، وما جاز لنا تقديم مثل هذه الأقوال. وليس المقصود المناقشة فلها موطنها، وإنما المراد أن المجلة بدأت تقدم المثال، ثم هي تتطوع في طرح المعالجات، وعندما تكون المعالجات خاطئة في أصل بنائها أو طريقة عملها، ثم تصبح نموذجًا يحتذى ومنهجًا يسلك يُصبح للأمر خطورته المنهجية، وهذا ما أحاول فحصه هنا.

стр. 588

أعقبت المجلة المقال السابق عن "العلوم الطبيعية" برسالة من أحد رجال الدين النصارى حول موضوع دوران الأرض، مما يدل على أن الموضوع كان دائرًا في الجملة بين طائفة النصارى، ومما ذكره "أن إنكار دوران الأرض كان تبرهن عنهُ كما أظن سنة (١٨٧٢ م) بجريدة الجنان بأعداد متتابعة"، إلى أن قال: "إنه لأمر معلوم أن جميع سكان سورية على نوع ما هي مؤمنة بالكتب الشريفة المنزلة، ويعتقد بما انطوت عليه، وأنها وحدها المعصومة، وأن الأقوال التي يخترعها البشر الساقطون منافية لها هي منبوذة، ومعًا يقرون أنه سبحانه من صفاته المقدسة: القدرة والحكمة، وبها صنع ما صنع وخلق ما أوجد بلفظة كن متجليًا وممجدًا بأعماله المقدسة بنوع تعجز جميع العلماء والفلاسفة والحكماء عن إدراك أقل شيء من مخلوقاته علا ذكره. رابعًا: أن الكتب المقدسة المحتوية العقائد والوصايا والنصائح التي توصلنا للخلاص، فمن التاريخ المقرر فيها نتعلم بأكثر إيضاح عن الطبيعة بأقسامها وعناصرها، وعن الأرض ما يأتي. . . ." (١)، ثم سرد عشرة أدلة مما بين أيديهم من كتبهم على ثبات الأرض ودوران الشمس حولها، ثم قال: "وأخيرًا أظن الصواب أن هذه البينات الواضحة المقررة بكتاب الوحي الإلهي الشريف هي كفاية لتسليم المعتصمين عنها بثبوت الأرض وعدم دورانها"، وبيّن صاحب المقال بأن هناك كتابًا في الموضوع يؤيد مقالته لسليم الحموي الدمشقي، ثم بين أن المعتصمين بالكتب المقدسة لا ينكرون المعارف الجديدة، "وإنما ينكرون عليهم كل تعليم يضاد الكتاب الشريف"، ثم ألمح إلى أنه من المستحيل أن يأتي في الأيام الأخيرة بقول صحيح على دوران الأرض مع أن كتابهم قد بيَّن حقيقتها، وأن أهل الإيمان يصبرون على اعتقادهم مع رمي غيرهم لهم بالجهل (٢). وقد ردّت المجلة: "نقول: إذا كان دوران الأرض يناقض ما في الكتب المنزلة فكيف يا ترى يعتقد بصحتهما كليهما جمهور اللاهوتيين والعلماء والبسطاء على اختلاف مللهم وطوائفهم" (٣).

стр. 589

لا شك أن هذا الحوار بما فيه من معلومات يدل على أن المشكلة قد كبرت داخل الإطار النصراني العربي في بلاد الشام، وأن إثارتها قد صنع مشكلة شائكة، فبعض رجال الدين عندهم يؤكد ثبات الأرض معتمدًا على نصوص من كتبهم، فمن صدق بالعلوم الحديثة واقتنع بها، فسيقع في إشكال مع الوحي الذي بين أيديهم، وقد يصل به الأمر إلى التكذيب بالوحي، أو الاعتقاد بأن الوحي لا يحوي شيئًا عن هذه المسألة، ومن كان جاهلًا بحال العلوم الحديثة، فسيقع في حيرة، فهو يثق في أهل الدين ويثق في العلوم العصرية، فلِمَ هذا التعارض! وإن كانت المشكلة كما قلنا بين النصارى، فإن شررها سيمتد إلى المسلمين، فإن هذه الحوارات والمجادلات بين طوائف النصارى حول المسألة قد دفعت بمشكلة توهم التعارض بين "الدين والعلوم الحديثة" إلى الواجهة، صحيح أن أدلة النصارى تواجهها عقبة الصحة أولًا ثم النص ثانيًا، مع العلم بأن بعض ما استدلوا به هو مما علمنا بصحته لورود ما يؤكده في شرعنا، ففي هذه الحال هل دلالة هذا النص الصحيح قطعية أم ظاهرة؟ وهل الظاهر له معارض؟ وهل ما فهموا من النص صحيح أم لا؟ والذي يعنينا هنا أن مثل هذا الحوار أوجد مشكلة جديدة في مجتمعنا المسلم -غير ما سبق أول الحديث- وهو الاختلاف حول قضية: هل هناك تعارض بين الوحي والعلوم العصرية؟ ولا شك أن إدخال الظني من العلوم العصرية أو العلوم التي لا حاجة لنا بها آنذاك أو لا نجد من نثق فيه فيبين لنا صحتها، كل ذلك وغيره أسهم في إبراز مشكلة توهم التعارض، وإلا لو اكتفت الأمة في أول نهضتها باليقيني النافع، وأخرت غيره، حتى تملك تلك العلوم وتكون قادرة على صناعتها وليس نقلها فقط لربما انشغل الناس بالنافع، وبقي لنا وقت للإبداع العلمي والصناعي. نعود مرة أخرى لتفاعلات المسألة، فبعد ردِّ جاء المجلة عاود (١) رجل الدين النصراني السابق مكاتبة المجلة حول قول من قال: "إن ثبوت الأرض وعدم دورانها هو مغلوط وفاسد دينًا وعلمًا"، ويظهر أن بعض هذه الردود جاءت

стр. 590

من مسلمين يرون أن مسألة دوران الأرض لا يوجد في الدين ما يعارضها، لذا ابتدأ الرجل مقاله بذكر الآيات القرآنية التي يظن أنها تؤكد ثبوت الأرض وعدم دورانها (١)، وعلينا أن نفرق بين ثبوت الأرض فلا تضطرب كما يحدث في الزلازل وبين مسألة دورانها؛ لأن المثبت لدورانها يجد ثباتها مع الدوران أكثر دلالة على قدرة الخالق سبحانه، فمع أنها تدور، فإنها ثابتة لا يشعر الناس بتلك الحركة، فمن نعم الله على الخلق أن ألقى فيها من الرواسي ما يحفظها فلا تميد. والشاهد بأنه استدل بآيات سيأتي بيان المنهج الصحيح حولها (٢)، وما يهمنا هنا تحريك المشكلة وأبعادها وآثارها، حيث أتبع صاحب المقال مقالة جديدة بأدلة أخرى من كتبهم، ثم ختم فقال: "وأخيرًا لكوني خادمًا أحقر في كنيسة المسيح المقدسة، وبحسب وظيفتي أجد ذاتي ملتزمًا أن أوضح لأبناء كنيستي ذلك، حيث يوجد كثيرون منهم مشتركين بجريدة المقتطف وآثار الأدهار وغيرهما؛ لكي لا يعتبروا ما يجدونه مدونًا على غير مطابقة الوحي والتعليم القويم. . . ." (٣)، وهكذا تحولت من مسألة علمية يبحثها علماء الفلك كما ذكرت المجلة أول أعدادها إلى مسألة دينية، فهناك من يقول: الأرض ثابتة ولا تدور دينًا وعلمًا، وهناك من يقول: إن الأرض تدور دينًا وعلمًا، ولا شك أن الحق في أحدهما، والأخطر هنا أن يُجعل هذا التعارض بين الدين والعلم، بل ظهر أن هناك تعارضًا بين رأيين دينيين، وإن كانت كما رأينا في الجملة ما زالت مسألة تخص النصارى وأنها تحولت من قضية سهلة إلى مشكلة معقدة لها أبعادها الخطيرة. صدى المشكلة عند بعض المسلمين: من الطبيعي في مجلة تستأثر بالساحة الصحفية في المجال العلمي أن يطلع

стр. 591

عليها المسلمون آنذاك، وأن يصل صدى صراع كتابها النصارى إلى المسلمين، ومن ثمّ مشاركة بعضهم في الموضوع، ففي العدد العاشر نجد مقالًا بعنوان: "العلوم الطبيعية والنصوص الشرعية"، وفي مقدمتها أن وزير المعارف في مصر اطلع على مقال يزعم صاحبه ثبات الأرض، فأنكر ذلك وطلب من عالم شهير في الوزارة هو عبد الله بك فكري أن يكتب حول الموضوع، فوصلت رسالته للمجلة "في مقارنة مباحث الهيئة بالوارد في النصوص الشرعية"، فبادرت المجلة باقتطاف "بعض ثمارها إظهارًا لموافقة علم الهيئة لدين المسلمين، وإجابة لما طلبه منا كثيرون"، فبدأ بكلام الغزالي من كتابه: تهافت الفلاسفة، حول إثبات كروية الأرض وإمكانية معرفة وقت الكسوف والخسوف بالحساب، وأنه لا يعارض إقامة الصلاة الخاصة بهما حتى وإن علم وقته، ثم ذكر منهج الغزالي ليدخل منه إلى المسائل المعاصرة (١) ليصل إلى مسألة "فما الذي تصنعهُ إذا عارض مسألة من هذه الهيئة نص شرعي لا يمكنك تأويله لعدم احتماله" (٢)؟ وقد عرض الجواب منقولًا من حوار بين فقيه وصاحب الهيئة من كتاب أصله بالتركية، وكان جواب صاحب الهيئة "فأقول: إذا تعارضت مسألة فلكية ونص شرعي، فهذه المسألة الفلكية بحسب القضية العقلية لا تخلو من أحد أمرين: إما أن تكون مثبتة بالدلائل القطعية إما لا، فإن كان الثاني، أي كانت هذه المسألة مذكورة في كلامهم دعوى من غير دليل ولا يقوم عليها برهان صحيح وحجة قاطعة، فلا حاجة بنا حينئذٍ إلى التأويل، إذ لا ضرورة بنا إلى تقليد كل ما قيل بدليل ومن غير دليل لمجرد كون قائله أثبت بعض ما قاله بدلائل قطعية وبراهين مسلمة لا تبقى معها شبهة، فإن عارضها شيء من الظواهر يقبل التأويل بما تطابقه المسألة، ويحتمل الحمل على ما أثبتته الأدلة، قلنا بذلك التأويل وعلى الله قصد السبيل. وأما إن عارض تلك المسألة القطعية بالفرض والتقدير والتسليم الجدلي نص شرعي لا نعلم له تأويلًا، فوضنا علمه إلى الله حتى يعلمنا تأويله، وعلمنا أن عدم وقوفنا على تأويله إنما جاء من قصور أذهاننا عن المضاء في فهمه. ." (٣).

стр. 592

وهذا الجواب مقتبس في الجملة من الغزالي قديمًا أو من كتاب ظهر باللغة التركية في مقرّ السلطنة، وركز فيه على المنهج عند التعارض ولم يتكلم على المسألة، وربما أنه تكلم ولم تُعرض في المجلة (١)، ولكنه يكشف عن ظاهرة جديدة في المجتمع الإِسلامي، فقد كان طلب التحديث في بدايته دون مشاكل، فهناك دراسة للطب والهندسة والصناعة وغيرها ولم تظهر مشكلة التعارض، وبعد إثارة مسائل من مشاكل العلوم الحديثة التي لا يترتب على تجاهلها أو تأخيرها تأخر في النهضة أو التحديث، ولاسيّما في مسائل من النظريات العلمية الحديثة ظهرت إشكالية توهم التعارض. ولكن بعد أن أثار النصارى في مدارسهم وفي صحافتهم هذه المشاكل، ثم تصارعوا حولها ثم صدروها إلى الوسط الإِسلامي بدأ العرض الإسلامي حول الموضوع، ولكن المعالجات الإِسلامية في الموضوع اختلفت لوجود ذاك الاختلاف بين المسلمين أنفسهم، فمنهم من رجع لطريقة المتكلمين ومنهجهم، ومنهم من وقف مع ما ظهر له من النصوص، ولا يشترط أن يكون ما ظهر له هو الحق أو الصواب ورفض مطلقًا كل ما جاء في العلوم العصرية، ومنهم من استسلم للعلوم العصرية بكل ما فيها وتغافل عن الدين سالكًا موقفًا علمانيًا، وتأخر ظهور الموقف السلفي؛ وذلك أن المناطق التي وقعت تحت دائرة الاحتكاك كانت محتواه من مناهج كلامية أو طرق صوفية. يفترض الجواب الذي عرضه المشارك المسلم وجود مشكلة، ولم يتساءل عمن أوجدها في بيئتنا المعاصرة، ولِمَ أوجدها؟ وهل ما قُدّم يستحق الوقوف؟ ولِمَ لم نقف مع العلوم النافعة والمفيدة؟ وهكذا نشعر أن هناك من جرنا إلى معركة لم نكن في حاجة لدخولها، وربما تسببت في تأخير طلبنا للنفع وتعكير صفو النافع. كان يمكننا تجاهل ذلك أول الأمر، ولكن بعد أن تشبع الرأي العام المثقف بمثل تلك القضايا وانتشرت الأفكار المشككة والمشتبهة، أصبح لابد لنا من معالجة الشبهة. قد لا نلقي بكل اللوم على من أثار ما كان حظه التأخير أو التجاهل،

стр. 593

فليس العيب فيه فقط، بل العيب فينا عندما انسقنا إلى كل تلك المشكلات حتى كبر حالها داخل الأمة، وظهر خطرها وأصبح من الواجب النظر فيها والانشغال بها، ولله الأمر من قبل ومن بعد. المثال الثاني: داروين ونظرية التطور: رأينا في المثال السابق ما أثارته المجلة وتردد في أعدادها لسنتَي (١٨٧٦ - ١٨٧٧ م)، فبعد أن عرّفت بعَلَم أوروبي مشهور "نيوتن" تكلمت عن نظرية الفلك الجديدة، وما نتج عن ذلك من مشاكل حول العلم الحديث، وسنرى هنا مثالًا آخر لطريقة تعريفها بشخصية أخرى، ثم نظرية تبحث عن كيفية ظهور الحياة والإنسان، التي عُرفت بنظرية التطور الدارونية، وقد كان ذلك سنة الاحتلال الإِنجليزي لمصر، وما مثّله ذلك من دعم معنوي ومادي للنصارى، نجد ذلك في أعداد السنة السابعة (١٨٨٢ م)، وهذه المسألة كغيرها مما أثارته المجلة لم يكن مفيدًا في سياق التحديث والنهضة، فقد انشغلت الأمة لما يقرب من نصف قرن بهذه النظرية ومسائلها، وكثرت المقالات والتآليف حولها من جميع الأطراف، من النصارى فيما بينهم وكذا من المسلمين، وتحولت المسألة من بحث في نطاق العلوم الطبيعية إلى خلاف ديني حاد، وكما افتتح الاحتلال الإِنجليزي مرحلة خطيرة من عمق العالم الإِسلامي، فإن المجلة في ظل هذه الأجواء فتحت مشكلة تحت ستار العلم العصري، وكما أسلفنا كان يمكن تجاهلها أو تأجيلها. نجد في افتتاحية السنة السابعة ما يذكرنا بالافتتاحية الأولى، وفيها أن حجم الجريدة أصبح أكبر، وأنهم اتفقوا مع جمعية من كبار الجمعيات الأوروبية أن تمدهم بالصور والأشكال اللازمة للإيضاح، والتذكير بأنها "لا ترغب إلا في نشر المعارف، والحث على إحياء الصناعة والزراعة والإسراع إلى ما به ارتقاء الأمة العربية وصلاح حال الهيئة الاجتماعية" (١)، ثم تفتتح بمقال مطول عن سيرة "شارلس دارون" ومدحته المجلة، وقارنته في كثير من المسائل بـ"نيوتن"، ومن ذلك: "ولم يقم في الناس غير نيوتن رجل كدارون استلم زمام الأذهان وحوّل إليه الأبصار وقال البشر للبحث في كل مبحث شاءه. . . . ولم يمتلك رجل الآراء

стр. 594

بسطوة علمه كما امتلكها ولا شاهد شيوع مذهبه واستعظام آرائه كما شاهد، فإن الكتب التي ألفت له وعليه في كل أنحاء العالم تعدُّ بالمئات والألوف، وعدد الذين انحازوا إلى مذهبه في الارتقاء والتسلسل يكاد يعم العلماء. . ولا عتاب ولا ملامة إن أطنب أهل العلم بالثناء عليه فإنه أهل لأطيب الثناء" (١)، ثم أعقب هذا الكلام بما سيكون مفتاحًا لمشكلة طويلة، وهو الانتقال من حيز العلم الطبيعي إلى حيز الدين، وما يترتب على ذلك من إشكالات "نقول هذا ونحن على يقين أن قولنا لا يرضي بعض القراء لإنكارهم على دارون رأيهُ في تسلسل الإنسان من بعض أنواع القرود المنقرضة. فجوابنا على ذلك أننا لم نتعرض في هذه المقالة لانتقاد رأيه هذا، ولم نثن عليه هنا إلا لخدمتهِ العلم في كل ما قرّرهُ وحققه. . . ."، إلى أن قالوا: "وأما رأيه المشار إليه فلا ينكر أن كثيرين ينفرون منه بدعوى مخالفته للدين، ولكن آخرين لا يرون فيه هذه المخالفة حال كونهم من مشاهير علماء اللاهوت والفلسفة" (٢)، وذكر من هؤلاء قول واعظ كنيسة وستمنستر "وأن مبدأ الانتخاب ليس غريبًا مخالفًا للديانة المسيحية على الإطلاق"، وقول واعظ كنيسة القديس "بولس" ببلاد الإنكليز: "لما شاع كتاب دارون في أصل الأنواع وكتابهُ في تسلسل الإنسان زعم أهل الدين أنهما مضادان للدين قطعًا، ولكنهم لما درسوهما بالإمعان غيّروا زعمهم هذا تغييرًا عظيمًا"، ونقلوا قول فيلسوف لاهوتي أمريكي، ثم قالوا: "وقس على ذلك أقوالًا عديدة لو شئنا سردها لضاق بنا المقام. والخلاصة أن العلماء الطبيعيين يوافقون دارون في أمر النشوء والارتقاء بالإجمال، وإن كان بعضهم يخالفونه عند البسط والتفصيل، وأما غيرهم فمنهم من يوافقه ومنهم من يخالفه. وعلى كل وجهٍ فالثناء على أهل الفضل واجب، والإطراء برافعي العلم غير محظور" (٣). هكذا عرضوا الإشكالية المتوقعة من البداية وكأنها ضمن سيرة عالم تحرص المجلة عادة على التعريف بهم، فنظريتهُ إنما تعرض في أثناء عرض سيرته، مع معرفتهم أن الكثير ينفر منها، والسبب ما يراه الكثير من وجود

стр. 595

معارضة مع الدين، وإن كان سياق المقال يُظهر أن قصدهم بالدين هنا هو الدين النصراني، ولذا كانت استدلالاتهم من رجال الكنيسة حتى يردوا على مخالفيهم من بني جلدتهم أو يبثوا الشعور في نفوس القراء بوجود قبول ديني لهذا القول. ولكن هذه المشكلة الجديدة التي عرضتها المجلة وعرّفت المجتمع بها لا تبقى في حدود الطائفة النصرانية، ومن الواضح أنها ليست مشكلة علمية بحتة، وإلا لما وقع توهم التعارض مع الدين، أما وقد عُرِضَ أمرها وأن هناك من يرى فيها ما يعارض الدين فسيُفتح من جديد باب الإشكال عن العلاقة بين الدين والعلوم العصرية، والمجلة ستواصل بالتدريج عرض ما تريده، فبعد أن عرّفت بالنظرية المزعجة عبر التعريف بعالمها ستنتقل فيما بعد إلى عرض النظرية ذاتها، فكانت أول مقالات العدد الثاني من السنة السابعة وتصدرت تكملته أيضًا أول العدد الثالث من السنة نفسها بعنوان "المذهب الداروني"، أقف الآن مع أبرز قسمات هذا العرض، ولعله الأول من نوعه، وهو يبرز المشكلات المتوقعة التي ستكون مدار النقاشات فيما بعد لسنين؛ لهذا أذكره بطوله: ١ - بدأت المجلة مقالها بالتقديم المعتاد، أن هذا المقال جاء إنجازًا لوعد سابق وهدفه "ليحيط القارئ علمًا بخلاصة أشهر مذاهب هذه الأيام وأعجب مبتكرات هذا الزمان" (١). ٢ - ذكّرت بمنهجها المعتاد: "فذكرنا الأمور كما ذكرها أهلها، ولم نتعرّض لإقرارها ولا لنقضها إلا بما يرد معنا في سياق الكلام مما أقرها العلم أو نقضها به" (٢). ٣ - ذكرت أن المذهب جديد "منذ نيف وعشرين سنة" وأن صاحبه "العلّامة دارون" ومضمونه "أن كل ما على الأرض من نبات وحيوان، سواءٌ كان عائشًا أو منقرضًا، قد تسلسل بعضهُ من بعض بحيث لم يكن للحيوانات كلها إلا أصل واحد أو بضعة أصول، وللنباتات كلها كذلك في بادئ خلقها"، وذكَرَت أن الجمهور في الغرب على خلافه "بل كانوا يستخفون به كما يستخف به كثيرون اليوم" (٣).

стр. 596

٤ - ذكَرَت المذاهب حول أصل الحيوان والنبات في الأرض، وأن الشائع منها اثنان: الأول: مذهب الخلق المستقل، أنها خلقت بأنواعها، وتوالى كل نوع كما هو. الثاني: مذهب التسلسل أو المذهب الداروني، "أن كل المخلوقات الحية قد تسلسلت من أصل واحد أو من بضعة أصول، وأن أنواعها لم تخلق مستقلة بل تفرع بعضها على بعض". ٥ - وذكرت موقف العلماء المختصين من المذهبين، فالأول كان "مذهب جمهور العلماء لعهدٍ قريب فلما زادوا معرفة بطبائع الحيوانات والنباتات العائشة، وتوسعوا علمًا بآثار المخلوقات البائدة، ترددوا فيه وانحاز الفريق الأكبر منهم إلى المذهب الثاني" (١). ٦ - تحدثت المجلة عن أثر علم الأحافير الناشئ في القول بمذهب التسلسل وما أثاره لامارك الفرنسي، والنواقص التي وقع فيها (٢). ٧ - عرضت أول المحْدَثين طرحًا للموضوع وهو الفرنسي "لامارك" في "الفلسفة الحيوانية"، وخلاصته أن كل ما على الأرض من حيوان أو نبات قد تسلسل بعضه من بعض من أصل واحد، اختلفت ذُريات هذا الأصل إما بتغير جزء فيها أو بزيادة جزء عليها أو بإنقاص جزء منها، وجعل البواعث على ذلك ثلاثة: إما تأثير المعيشة، أو إلقاح شكل منها لشكل يختلف عنه، أو عوائدها الموجبة استعمال بعض أجزائها أو إهماله. وذكروا عنه مذهبه أن "كل موجود إنما وُجد بمشيئة بارئ الأشياء ولكن من الذي يقول: أنا أضع لمشيئته حكمًا، فلا تجري إلا عليه. . . . ترى ألا تستطيع قدرته غير المحدودة، أن تبدع للكائنات نظامًا تتوالى عليه" (٣)، وذكروا أن من المآخذ على قوله ومذهبه أنه لم يبيّن كيف يمكن إذا حدث تغير وطرأ نوع جديد: لم حافظ على نوعه ولم يتغير؟ (٤).

стр. 597

٨ - ألمحت إلى قضية هي مثار اهتمام من الماديين وهي: "التولد الذاتي"، فالمذهب المادي يرغب في جعل فكرة التطور ذات أصل مادي، حتى يثبُتِ مذهبهم المادي، وألمحوا أن مذهب دارون لا يقتضي ذلك، وذكروا "أن علماء هذه الأيام قد أفرغوا جهدهم ليتحققوا ما إذا كانت المخلوقات الحية تتولد من مخلوقات غير حية، فثبت من تجارب أعظم المحققين منهم أن الحي لا يتولد إلا من حي خلافًا لما ذهب إليه لامارك من أن الحي يتولد من غير الحي" (١). ٩ - ذكر أصحاب المقالة أن الحل جاء به داروين عبر "ناموس الانتخاب الطبيعي" ومداره على قضيتين: - الأولى: أن كل الكائنات الحية تتكاثر تكاثرًا عظيمًا في زمان قصير، ولكن يموت الكثير منها ولا يبقى إلا المخلوقات التي تفوق غيرها بالصفات المناسبة للمعيشة وإختلاف النسل. - الثانية: أن الأولاد يرثون خصائص أولادهم، ومع الأجيال يمتاز الأبناء (٢). وللتقريب فهو يرى أن ما يفعله الإنسان في الحيوانات الداجنة حتى يصل إلى بعض الخصائص المهمة، كإدرار الحليب أو كثرة البيض أو اللحم، هو ما يقع في الطبيعة على كل حيوان ونبات، فكما أن الإنسان ينتخب الصفات التي يريد بقاءها في النسل هكذا تنتخب الطبيعة الاختلافات التي تصلح لتطويل معيشة الجسم الحي وبقائه وتمكنها فيه حتى تصير ثابتة في طبيعته (٣). ١٠ - كان هناك مشارك لداروين اسمه "وولس" إلا أنه كان يرى الإنسان كائنًا مختلفًا عن الحيوانات والنباتات، أما داروين فكان يرى كما في "أصل الأنواع" أن كل حيوانات الأرض قد تسلسلت من أربعة آباء أو خمسة على الكثير ومثلها نباتات الأرض، وأن أصل الإنسان يرجع إلى بعض القرود المنقرضة (٤). الخاتمة -لهذا المقال الطويل- فيها توقف حول موقف داروين من الإنسان

стр. 598

ولاسيّما مسألة نفس الإنسان، فإنه "إذا نظر فيها بطريق العلم لا غير كانت من أعوص المسائل وأغمضها، ولا يستطيع العاقل القطع في الحكم عليها اعتمادًا على مذهب من مذاهب أهل العلم والفلسفة. ."، إلى أن قالوا: "إن الحق بين مذاهبهم ضائع والصحيح مجهول، فالحكيم يعتصم بما أنزل الله عليه ويقبل من العلم الحق الجلي" (١)، وهي أصدق ما قالوه بعد هذا المقال الطويل، وهذه اللفتة القصيرة لو التُزم بها ما وقع الانحراف بالعلم والابتداع في الدين، ولكن هذه الجملة الخاتمة لم تمنع أناسًا جاءوا بعد ذلك فأخذوا من مذهب داروين ماديته وباطله وتركوا ما ينفع الناس كما سنرى لاحقًا. كان هذا مجمل الصورة التي عرضته المجلة عن نظرية "داروين"، وعرّفت المجتمع بها، ورغم أهمية خاتمة المقال إلا أن المتتبع للمقال بطوله يجد ما يخالف تلك الخاتمة، فهي عرضت النظرية بصورة المادح المؤيد، وقذفت بمشكلة ثانية تحت مسمى العلم، وعلينا أن نتخيل تلك المرحلة وشعور الجمهور نحو هذه النظرية، فهم يعلمون أن أبناءهم يذهبون لدراسة العلوم العصرية في أوروبا، ويوجد أيضًا بعض المدرسين الأجانب في مدارس خاصة، فإذا كان هذا العلم يقول: إن أصل الإنسان يرجع إلى قرد، فإن هذا يعني وجود مشكلة كبيرة في علوم أوروبا، ويقفز إلى أذهان الكثير فساد علومهم جملة ومن ثم تقع ردّة الفعل المفسَرة من قبل المجتمع، بل من قبل علماء الشريعة، والملفت في الأمر أن صاحب النظرية إنجليزي، وفي العام نفسه التي تعرف فيها أهل الشام ومصر على النظرية احتل الإِنجليز أرض مصر. ومما عرضته المجلة حول الموضوع خطبة ألقاها أستاذ في "الكلية السورية الإنجيلية" على الطلاب المتخرجين، وفي كلمته تحدث بمثال عن العلم الحقيقي ومثّل بداروين، وكان ذلك سنة (١٨٨١ م)، فاعترض كاتب أمريكي عليه، وهذا يكشف أنها كانت في البداية فيما بين النصارى، وهو "جيمس أنس" الأمريكاني (٢)، فقال: "فقد لاح لي أنه ذكر مستر دارون كمثال لرجال العلم، وذكر مذاهبه على أسلوب يظهر منه أنها تستحق الاعتبار، ولم يحاول

стр. 599

إظهار فسادها ونقصها ولا كونها محسوبة عند كثير من أكبر علماء عصرنا سخيفة وخالية من الدليل"، إلى أن قال: "وأن أُظهر لقراء جريدتكم إقرار دارون نفسهِ بكونهِ لا يؤمن بالوحي، شافعًا ذلك بشهادة بعض العلماء الأفاضل على أن المذهب الداروني خالٍ من الثبت العلمي" (١)، ثم استطرد في بيان إنكاره للوحي بقول داروين: "أما من جهتي فأنا لا أعتقد بأنه هبط وحي على الإطلاق" (٢)، ثم ذكر شهادات علماء ذلك العصر ضدّ داروين (٣)، ورد على من قال: إن هناك الكثير أيده من أهل الدين بأنه قد عُرض مذهب دارون العلمي على "المجمع السنوي لكنيسة المشيخة في أمريكا، "فأجمع أهل ذلك المجمع على رفضه بصوت واحد وهم خمس مائة من القسوس والأساتيذ والكتاب وطلبة العلم وغيرهم، ولم يكن منهم من يؤيده. ولا يؤخذ من ذلك أنهم لا يحبون العلم الصحيح، ولا أنهم يخافون أن يناقض العلمُ الكتاب المقدس؛ لأنه لا ريب في أنهم من أوّل الناس في إباحة الأبحاث العلمية والاعتراف بتقدم هذا العصر. ." (٤). وجاء جواب صاحب الخطبة على "جيمس" ببيان قصده من كلمته وطريقة تعامله مع طلابه، ومما قاله: "أما من جهة الذين قرؤوا العلم عليّ من شبان المشرق، وتفرقوا في جهات سورية ومصر كلها فلا حاجة بي أن أزيد على ما قلتهُ في خطبتي كلمةً واحدة لإيضاح مرادي، إذ كلهم يعلمون أني عندما أبحث في أعمال الله وأجد أن إله الطبيعة هو إله الوحي، أشعر في نفسي كمن هبط عليه الوحي. وأن أعظم سروري هو البحث في عجائب الطبيعة وجمالها بقصد معرفة الدلائل على أن الله إله الوحي حاضر وعامل فيها. وكلهم يعرفون أن تعليمي لهم إنما لخصته في هذه العبارة من خطبتي وهي: "ليكن كل ما يزيدنا معرفة وعلمًا آية آتية من الله عن طريق أعماله كما أتتنا آيات أقواله عن طريق وحيه. الله واحد، وهو المهبط الوحي والخالق الطبيعة، أيناقض قوله عمله -أيخشى من عمله على قوله. ولعلّ حضرة المنتقد الشهير لا ينكر ذلك، ولكن

стр. 600

يقول: إنه لا يوافقني على ذكر دارون مثالًا على رجال العلم. ." (١). يحيل هذا النص مشكلة النظرية من باب العلم إلى العلاقة بين "خبر الوحي" و"معلومات العلوم الطبيعية"، ولكن لا تصح تلك المساواة؛ فإن الوحي قد اختار له المولى سبحانه أفضل خلقه من الملائكة والبشر، والرب هو المتكلم به سبحانه، أما "معلومات العلوم الطبيعية" فهي اجتهاد بشري لا ضامن للصواب فيه، فكيف يُقارن بالوحي؟ لا شك أن الأمر بالنظر في مخلوقات الله قد كثر وروده في الوحي، وهو يدل على أن من نظر في الكون قاده النظر السليم إلى الإيمان بالوحي والإيمان بالله سبحانه، فلا تناقض بين قوله وعمله فله الخلق سبحانه وله الأمر، والاعتراض هنا أنه كيف توضع اكتشافات علماء الطبيعة بموازاة حقائق الوحي؛ لأن هذا العمل يؤدي إلى افتراض المساواة، وعند افتراض المساواة فإن وقَعَ ما يوهم التعارض وقع القارئ لهما في إشكال، فماذا يعمل جراء ذلك؟ نحن لدينا يقين بالوحي، فالله سبحانه اختار أعظم ملائكته، وأوصله لأعظم خلقه من البشر، أما معلومات العلوم الطبيعية، فأهلها إنما كشفوها بمناهج تجريبية عمدتها الاستقراء الناقص، فكيف إذا اجتمع بذلك أهواء قوم مالوا بالعلوم في اتجاهات لا دينية ولو زعموا الموضوعية والمنهجية والعلمية. نعلم علم اليقين أن الحق واحد، وأن ما في الطبيعة من خلق الله سبحانه لا يتعارض مع الوحي، فهذا كلامه وهذا خلقه، ولكن هناك فرق بين الطبيعة ذاتها وما فيها من سنن وآيات كونية، وبين ما يعلنه العلماء من نظريات وقوانين كشفوها، وعندما توضع تلك المقابلة بما تعنيه من مساواة بين ما في الوحي وما في مكتشفات علماء الطبيعة فهي مقابلة ظالمة وباطلة، فكيف تُقام بين الوحي الحق وبين ظنيات البشر وجهودهم بما يعتريها من نقص وضعف وأهواء. كانت المجلة تركز على تقديم المشكلة بهذا الأسلوب؛ أي: أن الوحي من عند الله والطبيعة من خلق الله، فلا يمكن أن يقع هناك تعارض، فيشعر أصحابها بأنهم قد عالجوا المشكلة بينما هم قد وضعوا لغمًا ربما عن غير قصد، فالذي يظهر بأنهم يحترمون على الأقل أهل ملتهم ويظهرون تعظيمهم لدينهم ولا يريدون
следующие страницы →