٤ - ذكَرَت المذاهب حول أصل الحيوان والنبات في الأرض، وأن الشائع منها اثنان:
الأول: مذهب الخلق المستقل، أنها خلقت بأنواعها، وتوالى كل نوع كما هو.
الثاني: مذهب التسلسل أو المذهب الداروني، "أن كل المخلوقات الحية قد تسلسلت من أصل واحد أو من بضعة أصول، وأن أنواعها لم تخلق مستقلة بل تفرع بعضها على بعض".
٥ - وذكرت موقف العلماء المختصين من المذهبين، فالأول كان "مذهب جمهور العلماء لعهدٍ قريب فلما زادوا معرفة بطبائع الحيوانات والنباتات العائشة، وتوسعوا علمًا بآثار المخلوقات البائدة، ترددوا فيه وانحاز الفريق الأكبر منهم إلى المذهب الثاني" (١).
٦ - تحدثت المجلة عن أثر علم الأحافير الناشئ في القول بمذهب التسلسل وما أثاره لامارك الفرنسي، والنواقص التي وقع فيها (٢).
٧ - عرضت أول المحْدَثين طرحًا للموضوع وهو الفرنسي "لامارك" في "الفلسفة الحيوانية"، وخلاصته أن كل ما على الأرض من حيوان أو نبات قد تسلسل بعضه من بعض من أصل واحد، اختلفت ذُريات هذا الأصل إما بتغير جزء فيها أو بزيادة جزء عليها أو بإنقاص جزء منها، وجعل البواعث على ذلك ثلاثة: إما تأثير المعيشة، أو إلقاح شكل منها لشكل يختلف عنه، أو عوائدها الموجبة استعمال بعض أجزائها أو إهماله. وذكروا عنه مذهبه أن "كل موجود إنما وُجد بمشيئة بارئ الأشياء ولكن من الذي يقول: أنا أضع لمشيئته حكمًا، فلا تجري إلا عليه. . . . ترى ألا تستطيع قدرته غير المحدودة، أن تبدع للكائنات نظامًا تتوالى عليه" (٣)، وذكروا أن من المآخذ على قوله ومذهبه أنه لم يبيّن كيف يمكن إذا حدث تغير وطرأ نوع جديد: لم حافظ على نوعه ولم يتغير؟ (٤).
стр. 597
٨ - ألمحت إلى قضية هي مثار اهتمام من الماديين وهي: "التولد الذاتي"، فالمذهب المادي يرغب في جعل فكرة التطور ذات أصل مادي، حتى يثبُتِ مذهبهم المادي، وألمحوا أن مذهب دارون لا يقتضي ذلك، وذكروا "أن علماء هذه الأيام قد أفرغوا جهدهم ليتحققوا ما إذا كانت المخلوقات الحية تتولد من مخلوقات غير حية، فثبت من تجارب أعظم المحققين منهم أن الحي لا يتولد إلا من حي خلافًا لما ذهب إليه لامارك من أن الحي يتولد من غير الحي" (١).
٩ - ذكر أصحاب المقالة أن الحل جاء به داروين عبر "ناموس الانتخاب الطبيعي" ومداره على قضيتين:
- الأولى: أن كل الكائنات الحية تتكاثر تكاثرًا عظيمًا في زمان قصير، ولكن يموت الكثير منها ولا يبقى إلا المخلوقات التي تفوق غيرها بالصفات المناسبة للمعيشة وإختلاف النسل.
- الثانية: أن الأولاد يرثون خصائص أولادهم، ومع الأجيال يمتاز الأبناء (٢).
وللتقريب فهو يرى أن ما يفعله الإنسان في الحيوانات الداجنة حتى يصل إلى بعض الخصائص المهمة، كإدرار الحليب أو كثرة البيض أو اللحم، هو ما يقع في الطبيعة على كل حيوان ونبات، فكما أن الإنسان ينتخب الصفات التي يريد بقاءها في النسل هكذا تنتخب الطبيعة الاختلافات التي تصلح لتطويل معيشة الجسم الحي وبقائه وتمكنها فيه حتى تصير ثابتة في طبيعته (٣).
١٠ - كان هناك مشارك لداروين اسمه "وولس" إلا أنه كان يرى الإنسان كائنًا مختلفًا عن الحيوانات والنباتات، أما داروين فكان يرى كما في "أصل الأنواع" أن كل حيوانات الأرض قد تسلسلت من أربعة آباء أو خمسة على الكثير ومثلها نباتات الأرض، وأن أصل الإنسان يرجع إلى بعض القرود المنقرضة (٤).
الخاتمة -لهذا المقال الطويل- فيها توقف حول موقف داروين من الإنسان
стр. 598
ولاسيّما مسألة نفس الإنسان، فإنه "إذا نظر فيها بطريق العلم لا غير كانت من أعوص المسائل وأغمضها، ولا يستطيع العاقل القطع في الحكم عليها اعتمادًا على مذهب من مذاهب أهل العلم والفلسفة. ."، إلى أن قالوا: "إن الحق بين مذاهبهم ضائع والصحيح مجهول، فالحكيم يعتصم بما أنزل الله عليه ويقبل من العلم الحق الجلي" (١)، وهي أصدق ما قالوه بعد هذا المقال الطويل، وهذه اللفتة القصيرة لو التُزم بها ما وقع الانحراف بالعلم والابتداع في الدين، ولكن هذه الجملة الخاتمة لم تمنع أناسًا جاءوا بعد ذلك فأخذوا من مذهب داروين ماديته وباطله وتركوا ما ينفع الناس كما سنرى لاحقًا.
كان هذا مجمل الصورة التي عرضته المجلة عن نظرية "داروين"، وعرّفت المجتمع بها، ورغم أهمية خاتمة المقال إلا أن المتتبع للمقال بطوله يجد ما يخالف تلك الخاتمة، فهي عرضت النظرية بصورة المادح المؤيد، وقذفت بمشكلة ثانية تحت مسمى العلم، وعلينا أن نتخيل تلك المرحلة وشعور الجمهور نحو هذه النظرية، فهم يعلمون أن أبناءهم يذهبون لدراسة العلوم العصرية في أوروبا، ويوجد أيضًا بعض المدرسين الأجانب في مدارس خاصة، فإذا كان هذا العلم يقول: إن أصل الإنسان يرجع إلى قرد، فإن هذا يعني وجود مشكلة كبيرة في علوم أوروبا، ويقفز إلى أذهان الكثير فساد علومهم جملة ومن ثم تقع ردّة الفعل المفسَرة من قبل المجتمع، بل من قبل علماء الشريعة، والملفت في الأمر أن صاحب النظرية إنجليزي، وفي العام نفسه التي تعرف فيها أهل الشام ومصر على النظرية احتل الإِنجليز أرض مصر.
ومما عرضته المجلة حول الموضوع خطبة ألقاها أستاذ في "الكلية السورية الإنجيلية" على الطلاب المتخرجين، وفي كلمته تحدث بمثال عن العلم الحقيقي ومثّل بداروين، وكان ذلك سنة (١٨٨١ م)، فاعترض كاتب أمريكي عليه، وهذا يكشف أنها كانت في البداية فيما بين النصارى، وهو "جيمس أنس" الأمريكاني (٢)، فقال: "فقد لاح لي أنه ذكر مستر دارون كمثال لرجال العلم، وذكر مذاهبه على أسلوب يظهر منه أنها تستحق الاعتبار، ولم يحاول
стр. 599
إظهار فسادها ونقصها ولا كونها محسوبة عند كثير من أكبر علماء عصرنا سخيفة وخالية من الدليل"، إلى أن قال: "وأن أُظهر لقراء جريدتكم إقرار دارون نفسهِ بكونهِ لا يؤمن بالوحي، شافعًا ذلك بشهادة بعض العلماء الأفاضل على أن المذهب الداروني خالٍ من الثبت العلمي" (١)، ثم استطرد في بيان إنكاره للوحي بقول داروين: "أما من جهتي فأنا لا أعتقد بأنه هبط وحي على الإطلاق" (٢)، ثم ذكر شهادات علماء ذلك العصر ضدّ داروين (٣)، ورد على من قال: إن هناك الكثير أيده من أهل الدين بأنه قد عُرض مذهب دارون العلمي على "المجمع السنوي لكنيسة المشيخة في أمريكا، "فأجمع أهل ذلك المجمع على رفضه بصوت واحد وهم خمس مائة من القسوس والأساتيذ والكتاب وطلبة العلم وغيرهم، ولم يكن منهم من يؤيده. ولا يؤخذ من ذلك أنهم لا يحبون العلم الصحيح، ولا أنهم يخافون أن يناقض العلمُ الكتاب المقدس؛ لأنه لا ريب في أنهم من أوّل الناس في إباحة الأبحاث العلمية والاعتراف بتقدم هذا العصر. ." (٤).
وجاء جواب صاحب الخطبة على "جيمس" ببيان قصده من كلمته وطريقة تعامله مع طلابه، ومما قاله: "أما من جهة الذين قرؤوا العلم عليّ من شبان المشرق، وتفرقوا في جهات سورية ومصر كلها فلا حاجة بي أن أزيد على ما قلتهُ في خطبتي كلمةً واحدة لإيضاح مرادي، إذ كلهم يعلمون أني عندما أبحث في أعمال الله وأجد أن إله الطبيعة هو إله الوحي، أشعر في نفسي كمن هبط عليه الوحي. وأن أعظم سروري هو البحث في عجائب الطبيعة وجمالها بقصد معرفة الدلائل على أن الله إله الوحي حاضر وعامل فيها. وكلهم يعرفون أن تعليمي لهم إنما لخصته في هذه العبارة من خطبتي وهي: "ليكن كل ما يزيدنا معرفة وعلمًا آية آتية من الله عن طريق أعماله كما أتتنا آيات أقواله عن طريق وحيه. الله واحد، وهو المهبط الوحي والخالق الطبيعة، أيناقض قوله عمله -أيخشى من عمله على قوله. ولعلّ حضرة المنتقد الشهير لا ينكر ذلك، ولكن
стр. 600
يقول: إنه لا يوافقني على ذكر دارون مثالًا على رجال العلم. ." (١).
يحيل هذا النص مشكلة النظرية من باب العلم إلى العلاقة بين "خبر الوحي" و"معلومات العلوم الطبيعية"، ولكن لا تصح تلك المساواة؛ فإن الوحي قد اختار له المولى سبحانه أفضل خلقه من الملائكة والبشر، والرب هو المتكلم به سبحانه، أما "معلومات العلوم الطبيعية" فهي اجتهاد بشري لا ضامن للصواب فيه، فكيف يُقارن بالوحي؟ لا شك أن الأمر بالنظر في مخلوقات الله قد كثر وروده في الوحي، وهو يدل على أن من نظر في الكون قاده النظر السليم إلى الإيمان بالوحي والإيمان بالله سبحانه، فلا تناقض بين قوله وعمله فله الخلق سبحانه وله الأمر، والاعتراض هنا أنه كيف توضع اكتشافات علماء الطبيعة بموازاة حقائق الوحي؛ لأن هذا العمل يؤدي إلى افتراض المساواة، وعند افتراض المساواة فإن وقَعَ ما يوهم التعارض وقع القارئ لهما في إشكال، فماذا يعمل جراء ذلك؟ نحن لدينا يقين بالوحي، فالله سبحانه اختار أعظم ملائكته، وأوصله لأعظم خلقه من البشر، أما معلومات العلوم الطبيعية، فأهلها إنما كشفوها بمناهج تجريبية عمدتها الاستقراء الناقص، فكيف إذا اجتمع بذلك أهواء قوم مالوا بالعلوم في اتجاهات لا دينية ولو زعموا الموضوعية والمنهجية والعلمية.
نعلم علم اليقين أن الحق واحد، وأن ما في الطبيعة من خلق الله سبحانه لا يتعارض مع الوحي، فهذا كلامه وهذا خلقه، ولكن هناك فرق بين الطبيعة ذاتها وما فيها من سنن وآيات كونية، وبين ما يعلنه العلماء من نظريات وقوانين كشفوها، وعندما توضع تلك المقابلة بما تعنيه من مساواة بين ما في الوحي وما في مكتشفات علماء الطبيعة فهي مقابلة ظالمة وباطلة، فكيف تُقام بين الوحي الحق وبين ظنيات البشر وجهودهم بما يعتريها من نقص وضعف وأهواء.
كانت المجلة تركز على تقديم المشكلة بهذا الأسلوب؛ أي: أن الوحي من عند الله والطبيعة من خلق الله، فلا يمكن أن يقع هناك تعارض، فيشعر أصحابها بأنهم قد عالجوا المشكلة بينما هم قد وضعوا لغمًا ربما عن غير قصد، فالذي يظهر بأنهم يحترمون على الأقل أهل ملتهم ويظهرون تعظيمهم لدينهم ولا يريدون
стр. 601
الظهور بمن يكذب بأمور الدين (١)، ومن أجل ذلك ركّزوا على هذا القالب الذي يرون فيه معالجة كافية للمشكلة، وقد أصبح أحد القوالب السائدة فيما بعد، وهو قالب قديم ومعروف وله أشكال مختلفة، ولكن القالب قد افترض أن حقيقة الطبيعة قد كشفها علماء الطبيعة وبهذا يكون ما كشفوه مقابلًا لما نجده في الوحي، وما يبقى بعد ذلك إلا توضيح أحدهما بالآخر أو التوفيق بينهما عند التعارض، وهو تسويق سريع -غير مقبول- لكل ما جاء من دائرة العلوم العصرية وإعطائها جميعًا درجة واحدة من الصحة، ما دام أنها تنتمي لدائرة العلم. يكون القالب السابق صحيحًا إذا كان لدينا القطع التام بصحة الوحي ودلالاته القطعية، والقطع التام بصحة المسألة العلمية ودلالتها القطعية، فإذا تحقق فيهما ذاك فهي مما ينطبق عليه القالب.
جاء في هذا السياق مشاركة تؤيد أستاذ الكلية السورية اليسوعية من "يوسف حائك" من الإسكندرية، ومما قال: "فنحن نعلم أن كثيرين من الفلاسفة كفرة، ولم تزل أعمالهم واكتشافاتهم واختراعاتهم مستغرقة عظيم الاعتبار، وعائدة عليهم بجليل الثناء، فلا يمكننا إلا أن نجاهر بها، ولا نستطيع إفسادها فإن المذهب العلمي هو غير المذهب الديني، على أن الدين الحقيقي لا يناقض العلم كما أشار حضرة المعترض؛ فما العلم سوى تبيان النواميس التي أجرى الله الكون عليها. ويتفق الفلاسفة من معطلة ومعتقدين بالله بالبحث عن الحقائق، ويختلفون بأن هؤلاء يعترفون أن واضع النواميس هو الله وأولئك ينكرون ذلك، فلا حرج إذًا إذا مثّل المؤمن بآراء الكفرة العلمية في جلسةٍ علمية" (٢)، فهي تؤكد التقابل بين "مذهب علمي" وآخر "ديني"، يختلفان ولكن لا يتناقضان. وما نؤكده هنا هو أنها امتداد لمشكلة مجتمعات أخرى، مجتمع انحرف فيه الدين عندهم عبر قرون ونشأ العلم الحديث من ثلاثة قرون مما يجعل التقابل مُفَسرًا، ومن الطبيعي امتداد المشكلة داخل الطائفة النصرانية العربية لسبقها إلى دراسة هذه العلوم واشتراكهم مع أوروبا في الإطار الديني والثقافي العام، ولكن
стр. 602
المشكلة في إطارها الغربي -وقت الاتصال بهم- وصلت إلى مرحلة حسم التقابل لصالح أحدهما وهو العلم ومذاهبه وتياراته.
نجد في هذين النموذجين "مسائل من نظرية الفلك الجديدة" و"نظرية داروين" طريقة الصحافة -وربما أثرها- في تقديم النظريات العلمية الجديدة، ونشرها بين المجتمع عمومًا وتعريف الرأي العام بها، كنا نريد أن نعرضها كما هي، وكما عرفوها، ولذا أطلت في النصوص، ففي ذلك الوقت لم يكن للناس سوى الصحافة، ومن التتبع التاريخي أن هذه النظريات لم تظهر للمجتمع إلا من خلال الصحافة، فحتى المدارس والمعاهد والمؤلفين لم يكونوا قد عرضوا هذه الموضوعات بوضوح كعرض الصحافة، وكان أجرأ عرض لها هو عبر الصحافة النصرانية. وقد كان من آثار الطرح: إبراز رؤية جديدة حول مسائل علمية ذات بعد علماني، وإبراز مشكلة التعارض بين الدين والعلم، وتأسيس طريقة لحلّ مشكلة التعارض بحسب ما يرونه.
النموذج الثاني: مجلة الجامعة العثمانية "الجامعة" لفرح أنطون -الإطار العلماني:
تمثل مجلة "الجامعة" نموذجًا آخر لتقديم مشكلة العلاقة بالعلم ومناهجه ونظرياته الحديثة، فإذا كانت المقتطف تركز على النظريات العلمية الطبيعية، فإن مجلة "الجامعة" تركز على المنهج والفلسفة وفلسفة العلم والنظرة العلمية والعلمنة، وقد جاءت في ظلّ أوضاع مؤلمة للعالم الإِسلامي حيث كانت مصر تحت الاحتلال الإِنجليزي لتصدر "الجامعة العثمانية" كمجلة "سياسية علمية أدبية تهذيبية" سنة (١٣١٧ هـ - ١٨٩٩ م)، وبقدر ما أسهمت في تعريف المجتمع القارئ آنذاك ببعض المعارف المفيدة بقدر ما كانت تتحرك في إطارها "النصراني - التغريبي" في بلاد المسلمين. وتختلف مجلة "الجامعة" عن "المقتطف" أن المقتطف تخصصت في الموضوعات العلمية والصناعية أما الجامعة وإن وجد فيها شيء من ذلك، إلا أن أخطر ما ركزت عليه هو صورة العلاقة بين الدين والعلم؛ لأنها جاءت في وقت لم تتحدد فيه صورة العلم الحديث داخل المجتمع المسلم: ما هو؟ وما العلاقة بينه وبين الدين؟ وما العلاقة بين مؤسساته ومناهجه وبين مؤسسات المجتمع القديمة ومناهج التعليم الموروثة؟
كانت المرحلة مرحلة مخاض عسير، كيف يتحدد وجود "العلم العصري" داخل المجتمع المسلم، ذاك العلم المنتشر في بلاد أوروبا؟ كان الموقف ضبابيًا
стр. 603
من العلم العصري، فغالبه تحت إدارة الأجانب: المدرسة مدرستهم، والأستاذ منهم، والطلاب فقط من عندنا، وهذا العلم الجديد قد نما وازدهر بين فئة غلب عليهم في أوروبا النزعات المادية والعلمانية المعادية للدين، فكيف سيكون حاله عندنا؟ جهات العلم الشرعي كالأزهر وغيره لم تعلن موقفها المناسب من هذه العلوم، وبقي الرأي العام ينتظر من يصنع له الرؤية حول هذه العلوم، كان الفراغ قائمًا وينتظر من يملؤه. زعم البعض أن علماء الشريعة رفضوا هذه العلوم مما عمق الفراغ ولم يظهر جواب حول حقيقة هذا الزعم ولا موقف عام من المؤسسات العلمية الشرعية حول هذه العلوم.
تولّت الصحافة سدّ هذا الفراغ عند الجمهور القارئ آنذاك، وكان عدد القراء في ازدياد، ونظرًا لأن أغلب صحافة ذاك العصر بإدارة نصرانية متغربة، فقد ملأت ذاك الفراغ بما يتوافق مع توجهها، فجاءت "المقتطف" و"الجامعة" و"الهلال" و"الضياء" وغيرها لتضع الجواب حول الموقف من هذه العلوم وعن علاقتها بالدين، وتأخر ظهور الصحافة الإِسلامية -على ندرتها كالمنار وغيرها- ليستغل هؤلاء النصارى المتغربون فراغ الساحة فيضعوا الأجوبة التي يريدون، ويبذروا بذور المشاكل التي صنعت لنا مجموعة من القضايا ما زلنا نعاني منها إلى اليوم، وكانت مجلة الجامعة ممن أسهم في ذلك.
يُلخص د. "حسن حنفي" دور فرح أنطون المتأثر بدارون ورينان والذي "جعل العلم أساس بناء الفرد والمجتمع باعتبار أن الدين بدائي بطبيعته وعاجز عن مسايرة تطور الإنسان. وكان ينشر آرائه في مجلة "الجامعة" التي كانت تصدر في القاهرة"، إلى أن قال: "وقد حاول من قبل شبلي شميل تأصيل نظرية التطور في القرآن"، وذكر دعوته المتواصلة إلى العلمانية (١)، وهو أمر ظاهر لمن كانت مرجعيته آنذاك الثقافة الفرنسية العلمانية الصاعدة.
كانت المجلة -وصاحبها- أهم النوافذ على ثقافة تيار سائد في الفكر الفرنسي، فهناك الكثير من المبتعثين إلى فرنسا، ولكن ذلك كان محصورًا في النخبة والمتعلمين ولم يصل إلى الجمهور، فقامت المجلة بمثل هذا الدور. وكانت الفكرة السائدة في أوروبا عمومًا، وفرنسا خاصة ذات الثورة العلمانية
стр. 604
عن العلم أنه البديل عن الدين في وضع التصورات وإدارة الحياة العامة والفردية، ومن هنا فلابد من التوجه إلى العلم والعلمانية، وفرنسا آنذاك تموج بتيارات علمانية وإلحادية خلفًا لتيار التنوير في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، من أمثال أتباع "سان سيمون" وأتباع "كونت" -أشهر فلاسفتهم آنذاك- وأتباع مفكريهم كـ"رينان" وغيره، كانت تيارات ضد الدين وتزعم أنها رُسل الروح العلمانية والعلمية الجديدة، وقد كان فرح أنطون من المتأثرين بهذه الأجواء، ومن المقلدين لها ولا يمنع أن تجد فيه فرنسا أداة لنشر ثقافة التبعية لها بين أوساط المسلمين ونصارى المنطقة، ولاسيّما أنها ترى منافستها اللدودة تحتل مصر.
كانت أخطر الأفكار انتشارًا في فرنسا مع التيار الوضعي هو الزعم بالعداء التام بين الدين والعلم، وأن العلم يمثل مرحلة من التطور الإنساني الذي لا رجعة عنه، وهناك فئات مادية وملحدة تريد تحطيم الدين وتلتصق بالعلم -كما رأينا في الفصلين الأولين- من أجل نشر دعواها، وقد نشطت الكنيسة في فرنسا في مقاومة هذا التيار الوضعي، ولاسيّما في مجال التعليم وكذا في الدفاع عن عقائدها بربطها بالعلوم الطبيعية؛ لأن هذه العلوم قد جعلتها الوضعية الفرنسية دليلًا على فساد الدين (١)، وهذا الصراع الحاد قد خفّ في النصف الثاني من القرن العشرين (١٤ هـ) (٢)، ولكنه كان قويًا في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر لحظة تتلمذ "فرح أنطون" وغيره على الثقافة الفرنسية، فنقل ذاك الصراع من فرنسا -بين التيار الوضعي والكنيسة- إلى العالم الإِسلامي، وصُوّر على أنه صراع بين الدين والعلم، كما حاول الناقل إقناع من يقرأ له أن سبب تأخر المسلمين راجع إلى بقاء الدين الموجه الأعلى للحياة (٣)، ومن ثمّ لابد من استبداله بالعلم ويبقى الدين مفصولًا عن حياة المجتمع كشأن فردي، وأن يكون
стр. 605
التعليم في المدارس معزولًا عن الدين تمامًا كما هو حال المدارس الفرنسية (١).
لم تكن حركة مجلة "الجامعة" مثل حركة "المقتطف"، فالجامعة تركز على فلسفة العلم وعلمانيته والدعوة لإحلاله محل الدين ونشر دعوات التيار الوضعي الفرنسي، وهي بهذا العمل تؤسس لنوع من الوضعية العربية المقلدة للنموذج الفرنسي، ومن بين النماذج التي غطت الكثير من أعداد المجلة التي حاول من خلالها نشر هذه الأفكار ما يأتي:
١ - عرض "أنطون" في مجلته رواية له بعنوان "الدين والعلم والمال" وذكر عنها أنها جاءت نتيجة مطالعة ثلاث سنوات في الجرائد والمجلات الفرنسية، وصور فيها ثلاث مدن بأهلها، مدينة الدين ومدينة العلم ومدينة المال، وما جرى بين سكانها من النزاع، ودعاوى كل فريق منهم على خصمه، وكيف انتهت مشكلتهم بالحل العلماني التي هي اليوم أكبر المشاكل عند كل الأمم والشغل لفلاسفة العمران ورؤساء الحكومات، وفيها بروز واضح لأفكار "كونت" و"ماركس" و"داروين" (٢).
٢ - أفسحت المجلة صدرها لـ"رينان"، صاحب الحملة النقدية الكبيرة على الكنيسة والمسيحية، وجعلها نموذجًا للتناقض بين الدين والعلم، وألقى محاضرته المشهورة عن علاقة الإِسلام بالعلم، منتقصًا من شأن الإِسلام أيضًا ولكن ليس من منطلق فكري مستقل، وإنما من خطاب استشراقي علماني وضعي ضد الإِسلام، وهو خطاب "يقدس الحضارة الهيللينية القائمة على عبادة العقل والحرية والجمال، بينما كان يمتهن الحضارة العربية الإِسلامية خاصة والسامية عامة، بوصفها عاكسة لجبرية كسولة، وإيمانية مغلقة، وعدم تسامح، وامتهان للفنون، ومناهضة للتفكير العلمي والفلسفي، ويذهب في هذا الاتجاه -مع بعض الترددات- إرنست رينان" (٣)، وهو في نقده للإسلام لا يختلف عن نقده لدينه؛ لأن موقفه الوضعي يجعله منتقدًا لكل دين وربما يكون أكثر تطرفًا مع الإِسلام
стр. 606
تحت ضغط هذه الرؤية الاستشراقية، وإن كان يعترف أحيانًا بموقف خاص تجاه الإِسلام فهو يراه على خلاف المسيحية أن له أصوله الواضحة التي يمكن الرجوع إليها، كما أنه يعترف أحيانًا بما يحدثه الإِسلام من انفعال به لدرجة أنه "ما من مرة دخل إلى جامع إلا وتأسف؛ لأنه ليس مسلمًا" (١)، ومع ذلك فموقفه من الدين عمومًا ومن الإِسلام أيضًا، ولاسيّما عندما يكون الحديث عن المقدس الجديد "العلم" يتحول لصالح الوضعية والعلمانية.
وإذا كانت المجلة أفسحت لـ"رينان" كناقد للمسيحية حيث ترجمت أجزاء من كتابه: "حياة المسيح" في عدة أعداد، إلا أن رينان يؤصل في ذلك لإثبات التناقض بين الدين والعلم عبر تطبيقه أدوات يُراد تعميمها على كل دين، وهي أدوات وضعية غير موضوعية تنتمي لتيار الوضعية؛ ولذا رفضتها الأطراف الأخرى. ومن ذلك إنكار المعجزات بحجة أن دراسته للمسيحية تثبت عدم صحتها، وهو تعميم خاطئ، فكون المسيحية قد امتلأت بالأكاذيب حول معجزات مزعومة، ووجود مثل ذلك في الأديان الأخرى: أرضية أو محرفة، فليس كل ذلك كافيًا للتعميم.
وقد جاء الرد اليتيم والمشهور من قبل "جمال الدين الأفغاني" ليكون الرد الإِسلامي الوحيد على حملة "رينان"، ورغم الاختلاف حول جودة رد الأفغاني إلا أنه الأول من نوعه الذي أيقظ ذاك السكون الطويل، حيث كانت الكتب والمجلات والمقولات تنتشر بين المسلمين دون أن يتجرأ أحد على نقدها (٢)، فكان صوت الأفغاني من أوائل الأصوات الإِسلامية في ردّ طعون المستشرقين والغربيين.
وقد يكون رد الأفغاني على رينان مما أثار حفيظة فرح أنطون، فأنشأ بعض المقالات في نقد الأفغاني، ومنها تعجبه من هجوم الأفغاني على الطبائعيين مع أن أكثرهم من أهل العلوم (٣)، وكأن انتسابهم للعلم يعفيهم من نقد المفكرين والنقاد.
стр. 607
٣ - من بين المعارك التي وقعت في تلك المرحلة ما أثاره السياسي والمفكر الفرنسي "هانوتو" حيث كتب مقالًا عن الإِسلام بمناسبة سياسة فرنسا في المستعمرات الإِسلامية، وتعرض فيه للمقارنة بين المدنية النصرانية والمدنية الإِسلامية (١)، معليًا من شأن الأولى ومنتقصًا من شأن الثانية، ومما أثاره كغيره من فرنسيي تلك المرحلة: أن الإِسلام ضدّ المدنية والعلوم مُرجعًا ذلك إلى العقيدة الإِسلامية، ويتواصل الطعن في الإِسلام والمسلمين مع التركيز على إبراز مقولة أن الإِسلام ضدّ المدنية والعلوم النافعة، وربما يشعر بعض المسلمين من جراء الضعف والتخلف الذي هم فيه بصحة هذه المقولة، فينساقوا مع دعاوى التغريب والاستعمار.
جاء أحد الردود المشهورة آنذاك من قبل الشيخ محمَّد عبده وفرِح به المثقفون المسلمون آنذاك؛ لما فيه من إيقاظ العقول المخدَرة بتلك الشبهات، فتعود ثقة الناس بدينهم وتراثهم وحضارتهم وبإمكانياتهم الذاتية للنهوض من جديد، لقد أعطى ردّ محمَّد عبده شحنة مهمة للمسلمين، وهي أهم ما في الرد، أما تفاصيل الرد وسلامته وصحته العلمية والمنهجية فذاك موطن خلاف بين المطلعين عليه (٢).
ولكن "مجلة الجامعة" رغم حذرها من التعامل مع محمَّد عبده كانت تسير خارج السياق بسبب تبعيتها للثقافة الفرنسية الوضعية والاستعمارية فأخرجت مقالًا لكاتب بعنوان: "المسيو هانوتو والإِسلام"، وقالت: إنه "لكاتب فاضل ونستلفت إلى هذه المقالة أنظار جميع القراء" (٣)، وعرضت فيه دفاعًا عن هانوتو تحت دعوى التوازن، وأن له حسنات وسيئات ولكنه عاقل ومعتدل و. . . .، وأي عاقل يستهتر بحضارة أمة ويصورها كأنها ظاهرة تاريخية بشرية متخلفة! وأي معتدل وهو يبرر قيام الاستعمار بجريمته كأنه حق لفرنسا في مقاومة التوسع المنافس لها من قبل إنجلترا وغيرها!
стр. 608
٤ - عرضت "مجلة الجامعة" في السياق نفسه مقالات عن ابن رشد تؤكد فيها الرؤية العامة حول موقف الإِسلام من العلم، الرؤية المصنوعة في معاهد الاستشراق والاستعمار والتيارات الوضعية والمادية العلمانية التي تريد إقناع المسلمين أن دينهم عدو للعلم والمدنية، وأنه لا حل لهم إلا بإبعاد الإِسلام عن شؤون حياتهم، فكانت المقالة عن ابن رشد تخدم هذه الفكرة (١)، تنبه لها البعض وعرض ذلك على الشيخ محمَّد عبده فوضع ردًا عرضته المجلة تحت عنوان "رد إمام جليل" (٢)، وجاءت مناقشة له في عدد آخر (٣).
ومما ذكره "فرح أنطون" في هذا الباب "أن تمكن العلم والفلسفة من التغلب على الاضطهاد المسيحي في أوروبا وعدم تمكنها من التغلب على الاضطهاد الإِسلامي دليل واقعي على أن النصرانية كانت أكثر تسامحًا مع الفلسفة" (٤)، فقد لمح الشيخ "محمد عبده" ما يخفيه هذا النص وغيره ورد برده المهم آنذاك، وانتفع الناس بذلك كثيرًا، وقد رصدت مجلة المنار عددًا كبيرًا من الردود التي استفادت من كلام الشيخ محمَّد عبده وأيدته وشكرته، يقول "محمَّد رشيد رضا": "لقد كان لنشره من التأثير في عالم العلم والدين، ما لم نره لكلام أحد من الكاتبين، طارت به اغتباطًا قلوب المسلمين، ولم يبخسه حقه فضلاء المسيحيين" (٥). وختم كلامه بأن فرح أنطون توقف بعد ذلك بمدّة عن إصدار مجلته، ليؤلف كتابًا في فلسفة ابن رشد للرد على الشيخ محمَّد عبده، ولكن ذلك الكتاب لم يحظ بقبول بعد النقد الذي قامت به مجلته (٦).
стр. 609
رغم هذه الخاتمة الصعبة للمجلة واختفائها، إلا أنها زمن حضورها أثارت قضايا خطيرة، ومما خفف من أثرها تغير الأحوال النسبي في العالم الإِسلامي، حيث برزت نماذج إسلامية دخلت الصراع فخففت من انتفاشة الصحافة العلمانية التغريبية ذات الإدارة النصرانية، ومع اختلافي المنهجي مع طريقة الشيخ محمَّد عبده كما سيظهر في الفصل الخامس إلا أنه لا يسعنا إلا شكره على هذا الجهاد الذي قام به ضدّ المدّ التغريبي النصراني، والجهاد واجب على الجميع عندما يقتحم العدوّ بلاد المسلمين أو عقولهم، ولكل مجاهد حظه من الشكر وإن كان بعض المجاهدين قد يصيب ويخطئ، كما أن بيان خطر هذه المجلة لا يعني فراغها من المفيد والنافع ولكن الذي أثار الواقع الثقافي هو تلك المواد السيئة حول الإسلام.
لقد كانت الصحافة المشهورة آنذاك بيد اليهود والنصارى، وللأسف، فمنهم من حصل على الدعم من قبل المسلمين، فتمكنوا من نشر ما يريدون، وهناك عدد آخر من النماذج الخطيرة، ولكن كونها تدور في ذلك "المقتطف" و"الجامعة" فإنني خشية الإطالة أكتفي بهما، وإلا فهناك مجلة "الهلال" وهي رغم مصاحبتها للمقتطف فهي ما زالت تصدر إلى الآن، وهناك مجلة "الضياء" لإبراهيم اليازجي في مجلداتها الثمانية (١٨٩٨ - ١٩٠٦ م)، وعدد آخر من المجلات يصدر لفترات زمنية -تطول أو تقصر- ثم تُقفل أو تختفي.
ثم بدأ في الربع الثاني من القرن الرابع عشر/ النصف الأول من القرن العشرين مجلات أخرى جديدة لقيادات فكرية مشهورة، منها ما كان للنصارى وكان من أشهرها مجلة "المجلة الجديدة" لسلامة موسى (١٩٢٩ - ١٩٤٢ م)، ومنها ما كان للمتغربين من المسلمين مثل مجلة "العصور" لإسماعيل مظهر (١٩٢٧ - ١٩٣١ م)، وبدأت مدن أخرى تعرف الصحافة، فظهرت من دمشق مجلة "الطليعة" سنة (١٩٣٥ م) كأول مجلة ذات توجه اشتراكي ماركسي (١)، وغيرها، ولكن المذكورة كانت تزعم في دعواتها التغريبية والعلمانية والإلحادية استنادها إلى العلم الحديث.
كما أن فترة الاستعمار ساعدت على ميلاد تيارات فكرية تغريبية أهمها
стр. 610
الليبرالي والقومي والماركسي والاشتراكي، وبعضها تكوّن لها أحزاب كبيرة في العالم الإِسلامي، وأوكل لها الاستعمار قيادة كثير من البلاد الإِسلامية بعد رحيله، وكان لهذه التيارات الفكرية وأحزابها السياسية مجلّاتها المختلفة التي وظفتها في خدمة رسالتها التغريبية، ومن ذلك انحرافها الكبير بالعلم الحديث ومناهجه ونظرياته والاستغلال الأيديولوجي القبيح للعلم بما يخدم أصولهم الفكرية التغريبية ويحقق رغبتهم في مسخ هوية الأمة، بدأ الانحراف بالعلم عبر الصحافة داخل صحافة نصرانية وبين النصارى أنفسهم، ثم تحول ذلك إلى الصحافة عمومًا، منه ما يتوجه للمسلمين ومنه ما يتوجه إلى غيرهم، ثم أصبح من أبناء المسلمين من سلك طريق التغريب، وأنشأ صحافة تتوجه للرأي العام وتمارس دورها في الانحراف بالعلم.
ماذا فعلت الصحافة النصرانية التغريبية؟
أطلتُ الحديث عن الصحافة؛ لأنها -إلى حدٍ ما- تعدّ مرآة التيارات الناشطة آنذاك، فتُصور لنا طبيعة الموضوعات التي كان يتداولها أولئك القوم، والتفاعل الناتج عنها، فاكتسبت من ذلك أهميتها في آية دراسة تحاول تحليل مرحلة أو قضية فكرية، كما أنها منبر التوجيه والتأثير في المجتمع، فإن لم تؤثر فهي تُعبّر عن رغبات قوم يمارسون دورهم من أهم منفذ جماهيري أتيح في العصر الحديث وهو الصحافة، وتعطي للبحث صورة شبه كاملة عن المشاكل المرتبطة بظهور العلوم العصرية والنظريات العلمية والمذاهب المصاحبة لها، إنها إلى حدٍ كبير تعطي تصورًا جيدًا عن واقع المجتمع آنذاك في طريقة تفاعله مع هذه العلوم ونظرياته.
فتحت الظروف التاريخية المعاصرة الفرصة للنصارى أن يمتلكوا الصحافة الأهلية الناجحة، ومنها تلك الصحافة الموجهة لرعاية المعارف العصرية والأفكار والآداب والفنون الحديثة، وأصبحت بذلك النافذة الشعبية الوحيدة السهلة للوصول إلى تلك المعارف. ومن الطبيعي لصحافة يديرها النصارى أن تظهر رغباتهم من خلالها وتُبث أفكارهم فيها، وبسبب اختراق المذاهب العلمانية لأكثر مؤسسي تلك الصحف، فقد تحولوا إلى أبواق دعائية تنشر -بحسب الظروف- ما يمكن نشره من تلك المذاهب.
стр. 611
كانت فترة احتكاك مثقفي النصارى العرب بالغرب فترة ظهور المذاهب الوضعية والمادية ونجاح العلمانية في فرنسا بالذات، فانعكس ذلك في صحافة النصارى العرب بشكل أو آخر، وكان من أخطرها الموقف من العلوم الحديثة ومناهجها ونظرياتها، ولاسيّما أن ما انشغل به المسلمون واعتنوا بطلبه من الغرب آنذاك هو العلوم الحديثة والصناعات، فجاءت هذه الصحافة ولاسيّما ما ذُكر من نماذج، وكأنها تلبي رغبة المجتمع آنذاك في طلبه لمثل هذه العلوم، ولكن تغطيتها للحديث قد اعتراها ما أفسد مسيرة العلوم وتسبب -مع غيره- في إفساد تصور العلوم الحديثة والانحراف في التعامل معها، يوضحه الآتي:
١ - فمن ذلك التحول من العلوم إلى النظريات والأفكار والتصورات: كانت بداية التحديث وطلب النهضة في البلاد الإِسلامية محصورة في إصلاح الجيش وطلب العلوم البحتة وبعض الأمور الصناعية، ومثل هذه الأمور تبقى محايدة لا تُحدث آثارًا مباشرة في المجتمع وثقافته، ولا تصطدم مع ثقافة الأمم المختلفة، ولكن الصحافة ذات الاهتمام العلمي حولت الأنظار إلى مسائل مرتبطة بالحركة العلمية الحديثة ونابعة من ثقافات الأمم الأخرى، ولاسيّما في مجال النظريات والمناهج والتصورات وفلسفة العلوم، ومن الطبيعي هنا أن يقع الاختلاف وربما الاصطدام.
كانت المعاهد المنتشرة لتدريس العلوم الحديثة والصناعات بعيدة إلى حد ما عن هذه المشكلات، مهمومة ببعض الأمور النافعة، لكن جاء اليوم من يقول: إن ما يدرسه هؤلاء ليس كل العلم، بل ربما تركوا ما هو أهم منه مثل فلسفة العلوم ذاتها، هذا بعض ما توحي به الصحافة، ولكن القراء قد يظنون أن هذه الأمور الخطيرة هي العلم الحديث، فيقع الخلاف، وتنشغل الأمة عن الأهم، وتنشغل النخبة بالأمور المشتبهة ويتركون النافع، فإذا علمنا أن المشتغلين بالعلوم الحديثة النافعة هم قلة، وجاء ما يعطل مسيرتهم من إدخال الاختلاف حول قضايا لا يضرّ تأخيرها ويضر تقديمها، فكم من حوارات وردود، وما سبّبَ كل ذلك من اضطراب اجتماعي وما تبعه من إجراءات سياسية.
ربما يعود الإشكال إلى ارتباط الصحافة العلمية أول أمرها بطائفة نصرانية تخالف في دينها وثقافتها المجتمع الذي تعيش فيه، لذا لم يكن يهمها ما ترمي به المجتمع المسلم عبر وسائلها الإعلامية، ولاسيّما مع ارتفاع الحرج عندهم في
стр. 612
ظل الامتيازات التي حصلوا عليها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر ثم الحماية الأجنبية المباشرة مع الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين.
علينا أن نتخيل عظيم الجرم الذي فعلته صحافة النصارى بإشغال الأمة لأكثر من ربع قرن بنظرية التطور في وقت كنا في بداية التحديث المادي والعلمي، فعطّلت المسار الصحيح لنهوض الأمة بالحوار والجدل الطويل حول هذه النظرية، ثم بعد ذلك لم نخرج بشيء، بل اختفت تمامًا في منتصف القرن الرابع عشر/ العشرين، مع اختفاء الدارونية على المستوى الغربي.
قد يقول قائل: وما المشكلة في تعرّفنا على النظريات والمناهج العلمية، ولاسيّما أن لها أثرًا في تطور العلم؟ والجواب أنه لا توجد مشكلة في ذلك إذا بقيت داخل دائرة العلوم البحتة، أما إذا كانت النظريات تختلف مع ثقافة الأمة أو مع أصول دينية، فلابد من التوقف معها قبل جلبها، ولنتأمل في طبيعة ذلك الاختلاف: ما حدوده؟ وما آثاره؟ وليتحاور حولها أولًا نخبة من علماء الشرع وعلماء العلوم العصرية حتى لا نُدخل على أمتنا ما يؤثر على عقيدتها ويثير التوتر الاجتماعي فيعيق التطور السليم والتقدم النافع.
ويختلف هذا عن موقف الصحافة النصرانية التغريبية، إذ ركّزت على ما هو موطن إشكال وربما يصطدم مع أصول دينية، فيفتحون بذلك الخلاف الضارّ داخل الأمة. ولاسيّما أن واقعنا يختلف آنذاك عن واقع المجتمعات الأوروبية، فإن أوروبا إن ظهر فيها الجديد من النظريات فعندها من العلماء المختصين في الأبواب العلمية المختلفة ما يمكنهم من نقد النظريات وتحليلها وكشف نقاط الضعف والقوة فيها بخلاف نشرها في العالم الإِسلامي، فلا يوجد آنذاك من المختصين والعلماء من يستطيع نقدها علميًا، ولا توجد المختبرات ولا البحوث العلمية ولا الدراسات السابقة ولا المعامل ولا أدوات التحقق، مما يجعلنا إما أن نقبلها ونسلم بها أو نرفضها، والقبول والرفض لم يُبن عن تحقق علمي. ويزداد الأمر أهمية في تلك النظريات التي تفتح خلفها أبوابًا في غاية الإشكال، فلم يكن من الحكمة والحال هذه أن نُقبِل على هذا النوع من النظريات، إما لعدم فائدتها المباشرة وغيرها أولى وما تثيره من ضرر أكثر مما تفتحه من نفع إن كان فيها نفع، أو لعدم قدرتنا العلمية والمادية من التعامل الإيجابي مع مثل تلك النظريات الجديدة.
стр. 613
٢ - ومما أثارته الصحافة بسبب عرض ما لا نحتاجه: أن الجمهور المثقف القارئ بعد اطلاعهم على هذه المعلومات التي شعروا من خلالها بوجود التعارض مع ما يعرفونه من دينهم عادوا -كما هو المتوقع، والأصل- إلى علمائهم الشرعيين يسألونهم عن هذه الأمور.
والمتوقع -وربما وقع منه الكثير- أن يكون الجواب بترك تلك الضلالات، لكن دون إثبات كونها خاطئة بالأسلوب العلمي نفسه، والذي صيغت به تلك النظريات، أو التوقف عن الجواب أو محاولة إيجاد صورة يتم فيها الجمع بين الأمرين، والأخير قد جذب البعض ولكنه لا يصح إلا من طرف لديه معرفة جيدة بالشرع، وأخرى لحقيقة تلك النظريات. وهي مسألة ستأتي في الفصل الخامس، ولكن المقصود أنها أثارت مشكلة يصعب على أهل العلم الشرعي في تلك البيئات التي ظهرت فيها أن يجيبوا بالجواب الشافي، ولذلك أثره في زيادة الحيرة والاضطراب والاختلاف داخل المجتمع.
٣ - ومما أثارته الصحافة بسبب العرض المُشكْل في هذا الباب: أنها وفّرت منفذًا وأوجدت فرصة للطاعنين في الإِسلام والمبغضين له، وقد كان قبل ذلك يتم عن طريق تأليف الكتب أو عبر المدارس أو اللقاءات، أما بعد ظهور الصحافة فقد تحول القوم إليها بما توفره من إمكانيات لا توجد في غيرها، وقد ظهر منها الشيء الكثير في النصف الثاني من القرن الثالث عشر/ التاسع عشر حيث كانت أغلب الصحف بيد اليهود أو النصارى فوفر نشر مثل هذه النظريات فرصة لدعاة التشكيك في الإِسلام وفي الدين.
٤ - ومما أثارته الصحافة أيضًا أنها صنعت رموزًا جديدة وأخفت الرموز الذاتية. لم يكن هناك إلا صحافتهم، وأبطالها هم علماء أوروبا وأدباؤها وشعراؤها وفلاسفتها وسياسيوها وقوادها الحربيون و. . . . مع التركيز على العلماء الأوروبيين في الصحافة العلمية. هكذا اختفت أسماء أعلام الإِسلام من الصحافة وبرزت أسماء أخرى، ولاسيّما وسط الجمهور القارئ المثقف، ولا يخفى ما في ذلك من توجيه الرؤوس إلى قيادات جديدة، ورموز جديدة، تكون موضع القدوة ومصدر التلقي، كما أن ذاك التركيز يحول العناية من العلم إلى العالِم، والعالم ليس كل ما عنده علم، فعنده المواقف الدينية والثقافية والسياسية وغير ذلك. والذي يعنينا الآن أن الصحافة آنذاك رسمت "نموذجًا" جديدًا يتخيله
стр. 614
الذهن عن العالِم، فقد كان العالم في الموروث الثقافي هو العالم بالشريعة والعلوم الإِسلامية في المقام الأول، أما ما تريد الصحافة ترسيخه فهو أن العالم هو النموذج الأوروبي المعروض في صفحاتها وهو الذي يستحق الاسم.
٥ - ومما أثارته الصحافة أيضًا تركيزها على وضع تصور علماني عن العلوم العصرية، سواءً بالفصل بينها وبين الدين وعلومه، أو جعل مظلتها هي تصورات علمانية تتحرك في ظلها تلك العلوم، ومن ذلك: أن هذه العلوم الجديدة قادرة على مساعدة الناس، وإغنائهم عن غيرها من العلوم. عندما كان طلب العلوم محصورًا في النافع منها لم يظهر إشكال في المجتمع، ولكن عندما دخلت النظريات وفلسفات العلم نبتت مشاكل، وكان الحل التغريبي المطروح لها هو العلمانية، وكانوا يصورون العلمانية على أنها فقط أداة فصل بين نظامين، مع أنها في حقيقتها محاولة إحلال نظام جديد غربي مكان الإِسلام وإن كان ذلك بالتدريج، وقد اتضح ذلك بجلاء في صحافة النصارى وقت الاستعمار، حيث تحول خطابها من التلميح وغير المباشر إلى التصريح والمباشر.
٦ - ومما أثارته الصحافة أيضًا، أنها زرعت المشكلة وأرادت أن تعرض الحل، وذاك الحل المقترح قُدِّم وفق رؤية نصرانية بسبب إدارة النصارى لتلك الصحف، وبسبب إثارة المشاكل أولًا داخل النصارى حيث كانت المشكلة "نصرانية - نصرانية"، ولكن الصحافة بسبب جماهيريتها قد يتحول ما تطرحه إلى ما يشبه رؤية عامة لجميع القراء، ويترسخ مع الأيام في أذهان القراء مع التكرير، ولاسيّما إذا غاب منهج المعارضة النقدية، وأنى له ذلك في ظل غياب صحافة إسلامية في مكانة الصحافة النصرانية. ومما أوحت به من مشاكل ومناهج للمعالجة: أن هناك تعارضًا بين الدين والعلم، وأن المنهج الأنسب هو القائم على تصور الدين أنه يخاطب الناس بما يفهمونه في عصرهم وإن كان خلاف الحقيقة، وأن الحل بعد ذلك يكون في تأويل النصوص الدينية أو الأصول الدينية، وإن كان التصور والمنهج غير جديد فإن الجديد هو المشاكل والمسائل المعروضة.
٧ - ومما أوحت به الصحافة لجمهور واسع من المسلمين أن العلوم العصرية الحديثة علوم فاسدة وتدعو إلى الإلحاد والكفر وتُعارض الدين؛ لأن الصحافة التغريبية ركزت على عرض نظريات حولها إشكاليات وشبهات،
стр. 615
وعرضتها على أنها من العلم المعتبر في بيئة يُعد فيها المدركون لحقيقة هذه الأمور قلّة، فكونت رأيًا معارضًا عند بعض المسلمين يرفض أصحابه هذه العلوم مطلقًا، وانتشر هذا القول بين عدد من المتدينين خوفًا على دينهم، وما كان موقفهم بصحيح، إلا أن مما يفسر مثل هذا الموقف هو اشتباههم في دعاة هذا العلم من المتغربين بسبب ما ينشرونه في صحفهم، وقد كان حال الفئة القليلة المتدينة الرافضة للعلوم مطلقًا أيسر في المعالجة، فإن علماء الإِسلام قد بيّنوا لهم الحق، مما جعلهم يتركون مثل هذه المعارضة المطلقة للعلوم العصرية، وسيأتي شيء من حال الرافضين ورد العلماء عليهم في الفصل الخامس بإذن الله.
стр. 616
رابعًا: التيارات الفكرية الوافدة وتنظيماتها كالماسونية والسيمونية
عرفنا أن القرن الثالث عشر/ التاسع عشر كان فترة الاهتمام بطلب العلوم العصرية، والأمر الذي يحلله البحث أن تلك المرحلة نشأت فيها مجموعة من المشاكل حول العلاقة بالعلم الحديث العصري ونحن نريد تجاوزها -لاستمرارها إلى اليوم، ولاسيّما من قبل التيار التغريبي- وعلى هذا، فمن المهم النظر في تيارات تلك المرحلة التي أسهمت بصناعة تلك المشكلات، ولاسيّما الماسونية والسيمونية.
[١] الدور الماسوني:
بالعودة إلى تلك المرحلة نجد أن أبرز التنظيمات الفكرية الناشطة هي "الماسونية" وربما تشبه في نشاطها ما فعلته التيارات المعاصرة في القرن الرابع عشر/ العشرين مثل الماركسية -التي انتشرت أحزابها ومؤسساتها وربما حكوماتها، وانتشر مفكروها وصحفها وأدبها وإعلامها بشكل يناسب الإمكانيات المتاحة في القرن (١٤/ ٢٠)، وهكذا كانت الماسونية في تلك المرحلة تشبه إلى حد ما دور الماركسية في مرحلتنا المعاصرة وربما بصورة أخطر، إذ كانت المهمات المحددة في تلك المرحلة هي التخلص من الدولة العثمانية وتأسيس مجتمعات جديدة تتقبل السيطرة الغربية بكل تياراتها وسياساتها وأطماعها، تختلف في التفاصيل والآليات، ولكنها ترجع في النهاية إلى هذين الإطارين، وقد أسهمت الماسونية آنذاك بالشيء الكبير لدرجة افتخارهم بإسقاط الدولة
стр. 617
العثمانية، ففي احتفال للماسون قال أحد المتحدثين: "انظروا إلى إخوانكم الماسونيين في "سالونيك" الذين قاموا بالحركة الدستورية التي قلبت نظام الحكم العثماني في آخر عهد السلطان عبد الحميد، دون أن تسيل قطرة دم واحدة. أجل فبمثل هذا الشعب الماسوني تفخر الماسونية ويعظم شأن وسائلها السلمية السليمة" (١)، فتم التخلص من الدولة العثمانية وإن كان الأمر ليس للماسون وحدهم ولكنهم في ظلّ ظروف عصيبة بالأمة لعبوا لعبتهم الخطيرة وقطفوا الثمرة، ومن تمام الخبث كلفوا أحد اليهود الماسونيين (٢) بإبلاع السلطان عبد الحميد خبر عزله ونقله إلى الإقامة الجبرية في سالونيك مقرَّ اليهود والماسون المهم آنذاك.
ولا يهمنا من الحدث السياسي الخطير -السالف الذكر- إلا بما يدل على اتساع دائرة الماسون وقوة أمرهم في مرحلة الإصلاح والتحديث والنهضة الحديثة، ومن ثم إسهام القوم في تلويث مسيرتها بما يخدم مصالحهم وأهواءهم، ولاسيّما على المستوى الفكري ومن ذلك طلب العلوم العصرية وما صاحب ذلك من مشكلات، فلننظر إلى طبيعة تلك المشكلات.
تعدّ الماسونية ذات نشأة غامضة، حتى في ظهورها الحديث داخل أوروبا، إلا أنها في أوروبا قد أظهرت دعاوى جذبت الناس إليها، ولاسيّما النخب بشتى تخصصاتهم، ومن تلك الدعاوى محاربة الظلم والاستبداد السياسي والديني والدفاع عن الحرية والعدل، ولكن تحت هذا الغطاء كانت تختفي عقائد سرية لا يعرفها إلا القليل، وتنسب إلى زندقات باطنية قديمة وحديثة ذات صلة باليهودية (٣).
ولكن مع انتساب النخب المثقفة والتجارية والسياسية إليها جعلها ذات قوة
стр. 618
خطيرة داخل المجتمعات الغربية، وقد بدأ عصرها الذهبي الحديث من إنجلترا (١)، ثم تُصدر من هناك إلى جرمانيا وفرنسا، وشارك فيها رموز فكرية مثل "بيكون" (٢) فيلسوف التجريب وداعية المنهج التجريبي في أوروبا الحديثة، وكذا "فولتير" (٣) أحد أهم شخصيات الفكر الفرنسي والأوروبي في عصر التنوير، كما أن أخطر ثورة أوروبية قدمت النموذج العلماني، وهي الثورة الفرنسية كان لهم نفوذ كبير فيها لدرجة أن هناك من ينسب لها الثورة.
من المهم هنا أن نذكر أن المحافل الماسونية بعد تحولها إلى الدولة الماسونية الرمزية ضمت إليها العلماء المشاهير، ولاسيّما مع نقمتهم على الأنظمة الموروثة: الدينية والاجتماعية والسياسية، فقد كان المؤسس الحديث للماسونية "ديزاغليه" (٤) من مشاهير الفلاسفة الطبيعيين، وعضوًا في المجمع العلمي الملكي الإنكليزي، وهو أعلى هيئة علمية تجمع العلماء آنذاك. وبرزت بعد ذلك كتيار محب للعلم بعد تمسحها بالعلم والعلوم الجديدة، وكمنبر من منابر التبشير بالعلم الحديث لدرجة أن هناك من يقول عنها: "وظاهر الحال -والحديث هنا عن الظاهر- يدل على أن الماسونية أصلًا كانت ثورة فكرية نشأت للتوفيق بين العلم والدين منذ أن زلزل كوبرنيك وجاليليو وبيكون عالم العلم والدين جميعًا؛ أي: كانت أصلًا ثورة المثقفين المطحونين الرافضين للكثلكة ولحركات الإصلاح الديني والبروتستانتية معًا، فهي تمثل محاولة العقل البشري أن يجد طريقًا ثالثًا بين غيبيات الدين وعقلانية العلم العاجز عن تقديم الحلول لأهم القضايا التي يطرحها الإيمان الغيبي. فهي نوع من الديانة الشخصية لغير القادرين على التحرر من الأديان، أو لعلها نوع من الفيثاغورية الجديدة. ففي الفيثاغورية اختلطت قوانين الرياضيات بالحكمة الدينية" (٥).
стр. 619
يبين النص السابق كيف تُسوّق الماسونية نفسها داخل المجتمع الأوروبي ثم الأماكن التي تنتشر فيها؛ لأن حقيقة الماسونية أنها لم تحاول التوفيق المزعوم بقدر ما استثمرت العلم في التخلص من الدين، ولاسيّما أنه ظهر التفكير في صناعة أديان جديدة داخل أوروبا بعد الأحداث الدامية بين الكنيسة والمجتمع، وعندما كان العلم الحديث هو الأبرز حضورًا آنذاك والأكثر نجاحًا تسلقه أصحاب التوجهات الخفية والعلنية، وزعموا تقديم أديان جديدة، كما نجده مع "الماسونية" ونجده عند "الوضعية الكونتية" (١) وغيرها. وقد كانت ضمن ما يُسمّى بالدين الربوبي الذي ظهر في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر مع دعاة التنوير، الداعي إلى الإيمان بالرب على أنه وجود مطلق غامض هو سر وجود العالم مع الكفر بالنبوات والأديان وما يتعلق بها من إثبات الغيب واليوم الآخر (٢).
وقد اتخذتها الماسونية وغيرها مطية مناسبة لإنكار الأديان -هذا إذا استثنينا علاقتها بالدين اليهودي لكون غالبية أهلها من اليهود- فهي فيما يظهر تيار ملحد لا يعترف حتى باليهودية وإن خدمت اليهود، وقد كان الشيء الوحيد الذي يقرّون به هو "مهندس الكون العظيم" (٣)، ويزعمون أن مقصودهم بالمهندس؛ أي: الرب، وشبهوه بالمهندس لإعجابهم بالهندسة وربما لذلك صلة قديمة بالفيثاغوريين الرياضيين. ولكن حتى هذا الاعتقاد لم يعد مسلمًا به حيث بدأت محافل مشهورة ترى عدم اشتراط إيمان العضو به، ثم إن تلك المحافل تشددت وطلبت منع الإيمان به، ليظهر أن غايتها هو الإلحاد (٤)، وقد وقفت منها الكنسية الكاثوليكية موقفًا شديدًا وبسبب قربها منهم فقد كشفت الكثير عنهم (٥).
والذي يعنينا أن هذا التنظيم السري كان له أثر خطير من القرن السابع عشر
стр. 620
إلى التاسع عشر داخل أوروبا (١١ - ١٣ هـ)، وأنه أقرب إلى الإلحاد مع صلة يهودية واضحة، وأنه يتمسح بدعوات ثقافية واجتماعية على رأسها العلم والعقل والحرية والمساواة والإخاء وهذا للتسويق، ولكن المشكلة هي انتساب بعض العلماء والمفكرين الأوروبيين المشاهير إليها، مما جعلها أكثر جاذبية للمتغربين من العالم الإِسلامي، وسوقت نفسها داخل العالم الإِسلامي بمثل تلك الشعارات وكانت في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر من أبرز اللاعبين داخل العالم الإسلامي.
فبهذه الخلفية العجيبة وبهذه التركة الثقيلة الخبيثة وبهذا الدعم الواسع دخلت إلى العالم الإِسلامي، وكان أول دخول لها سجلته لنا الوثائق التاريخية بوضوح مع الحملة الفرنسية. افتتح "كليبر" أحد قواد الحملة الفرنسية على مصر المحفل الماسوني الأول فيها، حيث كان هناك مجموعة منهم ضمن الجيش (١)، فالجيش هو ابن الثورة الفرنسية التي دخلها الماسون بقوة، ولكن أمر المحفل اختفى بعد خروج الحملة، ومع اختفائه إلا أن بعض أعضائه فيما يظهر اشتغلوا في الخفاء حتى جاء ذاك التسامح الخطير من قبل محمَّد علي وأبنائه من بعده، ولاسيّما في عهد إسماعيل فظهرت محافلهم ونشاطها (٢)، أما الدولة العثمانية فقد كانت سالونيك تعج بطائفة يهودية كبيرة وكانت الماسونية تعشش هناك بكل سهولة (٣)، وكذا الحال في بلاد الشام، ولاسيّما داخل الطائفة النصرانية،
стр. 621
فتأسس أول محفل في بيروت سنة (١٨٦٢ م) (١). وهكذا أصبحت المحافل الماسونية ظاهرة من ظواهر تلك المرحلة، لدرجة أن مجموعة من المشاهير وبعض الفضلاء وبعض المنتمين للعلم الشرعي انخرطوا فيها، وربما يعود السبب في ذلك إلى شهرة المحافل ونجاحها في بث دعايتها بين النخب من جهة، وإلى دور خطير لعبه جمال الدين الأفغاني في ذلك حيث دفع أصحابه إلى الاشتراك فيها أو محاولتهم تأسيس محفل خاص بهم على شاكلتها، ولا شك أن ذلك شكّل وصمة عار فيما بعد للتيار العصراني الذي قاده الأفغاني ومحمد عبده وطاهر الجزائري والأمير عبد القادر الجزائري (٢) وغيرهم، ولاسيّما بعد أن تكشّفت حقيقة تلك المحافل، ووصل الأمر إلى أن بعض الرموز السياسية الكبيرة دخلت ضمن هذه المحافل، كأحد السلاطين العثمانيين (٣) وبعض الأمراء من أسرة محمَّد علي (٤)، ودخلها شخصيات مشهورة من جميع أطياف المجتمع، ولاسيّما جيل النخبة منهم، وذاك يكفي لجعلها قادرة على قيادة المجتمع ما دام أن قادته السياسيين والاجتماعيين داخل إطار المحافل الماسونية.
وإذا كان التنظيم الماسوني أو دولة الماسون (٥) بهذه الشهرة، وبهذه القدرة
стр. 622
على اجتذاب البارزين والمشاهير وقيادات المجتمع في تلك الفترة -فترة التحديث والنهضة وفترة الاهتمام بالعلوم العصرية- فإنه يأتي وقت البحث عن أثرها في الفكر الحديث عمومًا وطلب العلوم العصرية خصوصًا؛ إذ في الغالب ما يرتبط التأثير بالشهرة.
لا نستغرب من سرعة انتشارها وتوسعها وجذبها لشخصيات مهمة في ظل دعم قوي مالي وسياسي وتنظيم محكم مع ضعف داخل الأمة الإِسلامية، ولكن لماذا تتحرك داخل العالم الإِسلامي؟ يأتي تحركها في ظل الرغبة الغربية بكل خلفياتها "اليهودية والنصرانية والعلمانية" للتوسع ولاسيّما داخل منطقة "الرجل المريض" ذات الأهمية الكبيرة بالنسبة لهم، فأوجدت هذا الإطار داخل العالم الإِسلامي ليكون أداة مناسبة، وفي ذلك يتساءل "لويس عوض":
هل كان أثرها في مصر مثل أثرها في أوروبا عندما آزرت مثلًا حركات التحرير؟ ثم ذكر أنها ربما كانت ملاذًا للهاربين من أوروبا، ولكن ذلك "لا يفسر "تسابق" المحافل الأوروبية في إنشاء فروع لها في مصر، كتسابق الجاليات والدول الأوروبية في إنشاء المدارس الأجنبية أو الصحف الأجنبية في مصر، بل تسابقها في توجيه التعليم المصري أو السيطرة على الآثار المصرية. وهذا التسابق لا يكون إلا حيث تكون الرغبة في تجنيد المثقفين وتعبئة الرأي العام. وهذا هو الوجه الثقافي للسيطرة الاقتصادية والسياسية" (١)، وفي موضع سابق يقول: "فمن الثابت أن هذه المحافل الماسونية المتعددة، لم تكن إلا جمعيات سرية أنشأتها الدول الأوروبية في مصر في تسابقها الاستعماري لتجنيد المثقفين المصريين وأصحاب النفوذ في مصر" (٢).
стр. 623
فهناك أعداد يمكن توظيفهم لتنفيذ الأهداف الأوروبية "اليهودية النصرانية العلمانية" ولكن ما الإطار الأنسب الذي يوحد حركتهم ويوظفها لصالح المشروع الغربي؟ كان أنسب الأطر "المحافل الماسونية" بحيث تتخذ من الجانب الاجتماعي والثقافي مدخلًا لجمع هؤلاء القابلين للتوظيف في الإطاحة بالأمة، فهي كما يقول الشيخ محمَّد رشيد رضا مؤسسة من قبل اليهود والنصارى وقيادتها لليهود ودخلت إلى العالم الإِسلامي تحت مسميات اجتماعية وأدبية وغايتها في النهاية دينية "ضد الإِسلام" وسياسية "ضد الخلافة" (١)، وسنجد أن العلمانيين العرب يفرحون بهذا الإطار؛ لأنه وحّد بينهم وبين اليهود والنصارى في التخلص من الواقع الإِسلامي القائم (٢).
دور المحافل الماسونية:
نلحظ أن تلك المحافل ركزت عنايتها بالجانب الثقافي ليقوم غيرها بالجوانب الأخرى، وبحسب كلام لويس السابق، فقد اهتمت بما يأتي:
١ - إنشاء المدارس.
٢ - الصحف، ونعلم أن المشهور منها كانت لأناس ضمن المحافل مثل الهلال والمقتطف وغيرها.
٣ - الاهتمام بتوجيه التعليم في مصر.
٤ - الاهتمام بالآثار المصرية، وقد بدأ ذلك من حملة نابليون حيث كان من ضمن علماء الحملة من تفرغ للآثار، لا لأهداف علمية وإنما لأهداف سياسية وثقافية.
سأكتفي هنا بالوقوف مع الجانب العلمي لبحث بعض مشاركتهم الخطيرة في توجيهه والتأثير عليه لكونه الأهم في البحث، مع الاكتفاء بنموذج بارز في تلك المرحلة، في النقاط التالية:
١ - مشاركة أعضاء المحافل في المدارس المهتمة بالعلوم الحديثة:
كانت مدرسة "المهندسخانة" أهم المعاهد التي يتعرف فيها الطلاب على
стр. 624
العلوم العصرية "الرياضية والطبيعية" بطلابها في الهندسة والحقوق والإدارة والعلوم العسكرية (١)، وفي أثناء تولي إسماعيل لحكم مصر سنة (١٨٦٣ م) عُين أحد اليهود الماسونيين "يعقوب صنوع" مدرسًا للغات فيها، وبقي ست سنوات (٢).
و"يعقوب صنوع" من الطائفة اليهودية في مصر، والكثير منهم كان يتمتع بالحماية الأجنبية، وكان والده مقربا من الأمير "أحمد يكن"، أعجب هذا الأمير بيعقوب، وابتعثه على حسابه إلى إيطاليا وعمره ثلاث عشرة سنة ليتعلم الفنون والآداب، فوصل الفتى إيطاليا وقت ازدهار الماسونية فيها مع "إيطاليا الفتاة -ماتزيني" فتأثر بها (٣).
دخل على طلابه في إحدى أهم المدارس آنذاك بهذه الخلفية، ثم أسس محفلًا ماسونيًا (التقدم)، فأُبعد عن المدرسة، ثم أُغلق (محفل التقدم) ليؤسس محفلًا آخر تحت اسم "جمعية محبي العلم"، ونلاحظ هنا التمسح بمسألة "العلم"، وغايتها كما يقول: "نشر الثقافة العصرية والوعي الاجتماعي والسياسي بين الشباب المتعلم، دون تمييز بسبب الدين أو الجنس أو اللغة"؛ فالفئة المستهدفة هي الفئة المتعلمة، وكان أكثر الفئات إقبالًا على المحفلين "الطلاب والضباط"، وكان المحفل يعقد أربعة اجتماعات أسبوعيًا، يدار على صورة محاضرات غالبًا ما يلقيها صنوع، وكانت موضوعاتها حول التاريخ والسياسة والأدب والتعليم وثقافة العصر، وكما يقول "صنوع": "وكنا باستمرار نروج لنظريات المفكرين الأحرار الغربيين"، مع التركيز على تاريخ فرنسا وإيطاليا، ولاسيّما فترة الثورة الفرنسية وفترة إيطاليا الفتاة مع ماتزيني، وهي مراحل ينشط فيها الماسون في الغرب (٤).
стр. 625
قد يقال: إن إهمال المسلمين تعلم العلوم الحديثة مبكرًا فتح الباب للماسونيين باختراق التعليم ومدارسه وطلابه، ومن ثم استغلال العلم الحديث من قبل أولئك للدخول على الأمة، وهو قول صحيح في الجملة، فإن الضعف الذي عرفته الأمة في عصورها المتأخرة وتولية الولاة لغير المسلمين وتقديمهم على المسلمين في التعليم والإدارة وغيرها مكّن الأعداء من تعليمنا ومدارسنا ومن ثم توجيهها إلى ما يريدون، وحتى إذا انتبه المسلمون لحقيقة دور الأعداء، فإنه يأتي بعد أن ترسّب في التعليم ما نحتاج إلى زمن حتى نُزيله.
٢ - نشاط الماسونيين في "علمنة التعليم" وفي إقصاء العلوم الإسلامية عن الصدارة في المجتمع:
ألمحت الفقرة السابقة عن عناية المحافل الماسونية بشأن التعليم، وهو تعليم من نوع خاص، ذاك التعليم العلماني، الذي يُطرد منه كل ما له صلة بالدين، سواء كان داخل العلوم البشرية أو حتى تدريس مواد دينية مع المواد الأخرى. جاءت البداية بالدعوة لفتح مدارس علمانية لا دينية لكي يدخلها كل الناس، ثم توسع الأمر إلى علمنة المؤسسة التعليمية وتقديم العلوم البشرية وتأخير العلوم الإِسلامية بحجة أنها دينية، ثم علمنة العلم ذاته بالدعوة إلى جعل العلم خاليًا من كل تصور ديني.
يبتدئ العصر الحديث للدولة الماسونية من إنكلترا سنة (١٧١٧ م)، وسميت منذ تلك المرحلة "الماسونية الرمزية" وانتقل عملها كما يقولون إلى بناء "الفضيلة والعلم" حيث كان إعلان انطلاقتهم الحديثة بقيادة "ديزاغليه"، أحدِ علماءِ الطبيعة وعضو في المجمع العلمي الملكي الإنكليزي (١)، وربما بعد النجاحات الكبيرة العلمية التي قادها مجموعة من العلماء توجهت الماسونية إلى تلك العلوم لتتخذها مطية تحقق من خلالها أهدافها.
يقول "هانز" في كتابه عن التعليم المقارن: "منذ إنشاء المحفل الماسوني الأعظم في بريطانيا سنة (١٧١٧ م)، كشفت الماسونية تعاونها مع الجمعيات السرية الأخرى من أجل محاربة التعليم الديني. وأسهمت الماسونية في تأسيس مدارس ثانوية على أسس علمانية، تهدف إلى القضاء على نفوذ الكنيسة على
стр. 626
التعليم، وسرت تعاليم محافل الماسون البريطانية إلى جميع المحافل في أوروبا من أجل تشجيع التعليم العلماني. وكانت الخطة تعتمد على إنشاء معاهد خاصة في بادئ الأمر إلى أن تتمكن الحكومات من فرض العلمانية على مدارسها الرسمية" (١)، ثم ذكر أول مدرسة فتحت على أسس علمانية مع مؤسسها الماسوني، والصراع الذي قام على أثرها بين الكنيسة وأصحاب المدرسة، ثم انتقلت العدوى إلى فرنسا، حيث قام بعض أتباع الماسونية بمهاجمة سلطة الكنيسة على التعليم وطلبوا بتعليم علماني، ثم انتشر الأمر في بقية البلدان الأوروبية، ثم وصل ذلك إلى المحافل في أمريكا (٢).
وفي سنة (١٨٧٠ م)؛ أي: بعد ما يقرب من قرن ونصف من تأسيس محفل بريطانيا، تمّ تأسيس محفل مهم في باريس ليتولى توجيه محافل العالم، وينتقل ثقل المحافل إلى فرنسا، "وكان هدفه الأول فصل الدين عن التعليم ونشر العلمانية. وتبادل حكام أوروبا وأمريكا وقادة القارتين النصح والتوجيه من أجل تحقيق أهداف الماسونية في خلق أنظمة التعليم الحديثة العلمانية" (٣).
وإذا كان عملهم داخل أوروبا وأمريكا يحقق لهم نفوذ اليهود والملحدين واللادينيين إلى المؤسسة العلمية لكونهم المقصَين عنها في تلك المرحلة، واستغلوا أخطاء الكنيسة مع العلماء الجدد لإقصاء الدين عن التعليم، فإنه أيضًا يحقق لهم المقاصد نفسها داخل العالم الإِسلامي ولكن بطريقة أخرى؛ لأن العالم الإِسلامي لم يعرف مشكلة كتلك التي وقعت بين الكنيسة والعلماء، فمن عُرف داخل المسلمين بالعلم في العلوم البشرية لم يُعترض عليه، حتى وإن كان يهوديًا أو نصرانيًا من أهل الذمة، بل يؤخذ علمه النافع ويستفاد منه، فما كان هناك مجالٌ للاستغلال حتى ينفذ منها هؤلاء إلى مقاصدهم كما حدث في أوروبا، ولكن وجود مدارس علمانية له أهميته في مشروعاتهم؛ لأن ذلك يسمح بوجود المدرس اليهودي أو النصراني أو الملحد، ويسمح بوجود المنهج غير الإِسلامي، ثم يسمح بوجود تعليم غير إسلامي.
стр. 627
ولقد رأينا نموذج "المدرس الماسوني" الذي يتولى التدريس في مدرسة من أهم المدارس الحديثة في البلاد الإِسلامية في تلك المرحلة، ولكن النظام العلماني سيتولى فرضه جماعة ناشطة اخترقها الماسونيون إن لم يكونوا هم من أنشأها، وهي "تركيا الفتاة" التي يُذكِّرنا اسمها قطعًا بإيطاليا الفتاة إحدى التنظيمات الماسونية البارزة في أوروبا، ثم تحولها إلى "جمعية الاتحاد والترقي" وهي التي نجحت في إسقاط نظام الخلافة، ثم نجحت فيما بعد في فرض "تعليم علماني" وإقصاء قاسٍ لكل تعليم ديني عن مسرح الحياة، بعملية تصفية دنسة قام بها أعضاء تلك الجمعية، والتي ما زال أهل تركيا، بل البلاد التي كانت تحت الحكم العثماني يعانون من آثارها إلى اليوم.
سبق في الفصل الثالث شيء من تجارب الإصلاح والتحديث مع سلاطين شباب في الدولة العثمانية في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر التي أفرزت عهد التنظيمات، ومن ثم نخبة كبيرة من أبناء التنظيمات احتكت بأوروبا أو اطلعت على التطورات الحادثة فيها، وتأثرهم بالجو العام الغربي، ولاسيّما الثورة الفرنسية ونتائجها وكذا الحركة القومية الإيطالية التي قادها "ماتزيني"، ولأنه لابد من بداية حتى وإن خفيت تفاصيلها الخلفية فهي باجتماع ستة من الشباب العثماني المثقف ليخرجوا بفكرة تكوين جمعية سرية على نمط جمعية "إيطاليا الفتاة" (١)، وكان منهم الأديب والمفكر "نامق كامل" من أسرة عريقة وذو شهرة واسعة في تلك المرحلة، عمل في الترجمة والصحافة ولاسيّما جريدة "تصوير أفكار" المشهورة، ترجم كتب رواد التنوير الفرنسي وغيرهم مثل "روسو" و"مونتسكيو" وكذا "باكون" و"فلني" و"كوندرس" (٢)، الذي ذهب فيما بعد إلى فرنسا ليكوّن مع غيره منظمة أسموها "جمعية العثمانيين الجدد" لتكون أول تنظيم "عثماني" معارض للسلطان ويدعو إلى إصلاحات جذرية لإيقاف انحطاط الدولة العثمانية (٣).
وقد كان الرمز السياسي الداعم أو القائد للعثمانيين الجدد هو "مدحت
стр. 628
باشا" الذي تولى مناصب كبيرة في الدولة العثمانية منها مقام الصدارة العظمى، والاثنان بحسب كلام "العظمة" من أبرز الأعضاء الترك في المحافل الماسونية "مدحت باشا صاحب الدستور العثماني ونامق كامل رائد العثمانيين الشباب" (١).
انتشرت أفكار العثمانيين الجدد أو الشباب أو تركيا الفتاة، وفي عام (١٨٨٩ م) تأسست منظمة طلابية في المدرسة العسكرية الطبية في إستانبول، وكان مؤسسها متأثرًا بالمحافل الإيطالية أُسميت جمعية "الاتحاد العثماني" وسرى تأثيرها إلى مختلف المدارس العليا، ونلاحظ هنا أن النشاط داخل منطقة التعليم الحديث (٢).
وقد كان "أحمد رضا بك" من القريبين لهذه الجمعية، وكان داخل إدارة التعليم حتى وصل إلى منصب مدير إدارة المعارف في منطقة بورصة، سافر إلى باريس وأعلن معارضته من هناك. وقد رأى أصحاب هذه الجمعيات أهمية توحيد نشاطهم تحت مسمى جديد هو "جمعية الاتحاد والترقي"، على أن يكون "أحمد رضا" هو الممثل للجناح المدني، وتغلغلت هذه الجمعية في الجيش والمدنيين، واستطاعت سنة (١٩٠٨ م) بفرض نفسها على السلطان (٣)، ومن تلك المرحلة بدأ حكم "الاتحاديين" إلى سنة (١٩٢٠ م) عندما نُصب "كمال أتاتورك" رئيسًا للجمهورية التركية ليبدأ العهد "الكمالي" من (١٩٢٠ - ١٩٣٨ م) (٤). ويهمنا الآن انقلاب (١٩٠٨ م)؛ لأنه كان نقطة فاصلة اشترك فيها الماسون بفاعلية كبيرة لدرجة أن الحكومة البريطانية آنذاك عدّت أصحاب الانقلاب من الاتحاديين مجموعة من الماسون واليهود الذين شاركوا في مؤامرة لفرض مجموعة من الأفكار على الإمبراطورية (٥)، وذلك أن الأقليات الدينية قد تم إعدادها جيدًا عبر الرعاية الغربية لها وأصبحت ذات قوة تمكنها من العمل بسهولة داخل الأمة المسلمة، وربما كان الشباب العثمانيون الجدد متحمسين للنهوض بالدولة، وربما
стр. 629
لو عرفوا موجهًا وقيادة إسلامية قوية لكان المسار مختلفًا. ولكن هذا الحماس قابله قيادات تغريبية خطيرة فتحت المجال لدخول الماسون واليهود وبقية الأقليات إلى هذا التجمع الناشئ، ومن ثم استغلاله بما يناسب أهدافهم، ويذكر الشوابكة أن اليهود وجدوا في الاتحاد والترقي منفذًا مناسبًا فتقربوا من أعضائها وهيؤوا لها سبل العمل بما وفروه لها من مال ومكان، بل تمكنوا من إيصال عناصر يهودية إلى عضويتها، وقد كان الكثير من اجتماعاتهم تتم في مقر المحافل الماسونية؛ لأنها كانت محمية بنظام الحماية فلا تتعرض لها الدولة (١).
وقد كتب الشيخ "محمَّد رشيد رضا" المصاحب لتلك المرحلة بعد أن كان متعاطفًا مع الاتحاديين، ثم انقلب عليهم عندما تكشّف له حالهم -فذكر أن الماسون قد تنفسوا بعد انقلاب (١٩٠٨ م) وأسسوا شرقًا عثمانيًا (٢)، أستاذه الأعظم وزير الداخلية "طلعت باشا"، وذكر أن زعماء الاتحاد والترقي أصحاب الانقلاب "هم من شيعة الماسون، وهم مجتهدون في نشرها بين رجال الحكومة وضباط الجيش" (٣)، وقد ذكر أحد قادتهم أثر المساعدات المالية والمعنوية التي تلقوها من الجمعية الماسونية الإيطالية في نجاح الانقلاب.
وقد تأكد فيما بعد حقيقة الأثر الماسوني باعتراف قيادات مهمة في الاتحاد والترقي، بأنهم وقعوا تحت تأثير الماسونية والصهيونية، ومن ذلك حوار "أنور باشا" مع "جمال باشا" أن ذنبهم أنهم لم يعرفوا قدْر السلطان عبد الحميد وأنهم أصبحوا "آلة بيد الصهيونية، واستثمرتنا الماسونية العالمية، نحن بذلنا جهودنا للصهيونية، فهذا ذنبنا الحقيقي"، ويقول قائدهم العسكري: "لقد وقعنا في شرك اليهود، عندما نفذنا رغبات اليهود عن طريق الماسونيين لقاء صفيحتين من الليرات الذهبية" (٤).
стр. 630
مكّن انقلاب (١٩٠٨ م) للاتحاديين، ومن ثمّ لكل التيارات الخفية والعلنية التي كانت خلفها ومعها، وبدأت مرحلة حاسمة دولية خطيرة، وكان منها العاصفة الخطيرة التي وقعت في تركيا بعد انتصار تيار التغريب داخل الاتحاديين والدعوة إلى الطورانية أو القومية التركية على حساب الإِسلام، والعجيب أن المُنَظّرين الكبار لهذا الأمر كانوا من اليهود (١).
وتفترض هذه الحال الجديدة اقتلاع تركيا من الأمة الإِسلامية، وهنا يأتي دور القضاء على التعليم الإِسلامي، وتأسيس تعليم علماني يخدم الهدف الخطير في تأسيس مجتمع جديد غير مرتبط بالأمة الإِسلامية، وهذا سيكون من مهمة دولة "الاتحاديين"، ثم دولة "الكماليين"، والتي ستصبح نموذجًا يُتغنى به في كثير من البلدان الإِسلامية، وتتم المحاولات المختلفة إلى الاحتذاء به وتقليده، ليكون أول نموذج علماني يصل في تطرفه أحيانًا مراحل لم تصلها علمانية أوروبا، ويكون أول نموذج وطني كما يُقال؛ لأنه من وضع جمعية وطنية بخلاف التعليم في مصر وتونس والجزائر والهند المحتلة فهو من قبل الإِنجليز والفرنسيين، فإنه إن وجد تعليم علماني تغريبي فهو تحت الاحتلال، أما النموذج التركي فهو في الظاهر من وضع الوطنيين لا المستعمرين. وسيأتي حزب إسلامي بعد ما يقرب من ستين سنة "حزب النظام الوطني" ليكون من عناصر برنامجه حول التعليم "أن نظام التعليم في تركيا فاسد، وضعته شرذمة من الحاقدين، من الصليبيين واليهود، بشكل لا يناسب الأمة فهو يسقط من حسابه كل قيمة معنوية أو أخلاقية أو دينية، غايته فصل تركيا عن ماضيها الإِسلامي، وسلخها عن دينها وقيمها، وبهذه الطريقة يستطيعون أن يقتلوا الجيل ويدمروا البلاد، لقد مرَّت خمسون سنة، ونحن نسمع أن تركيا جزءٌ من أوروبة، وأن النهضة لابدّ أن تقوم على أنقاض الدين كما حصل في الغرب متناسين أن الإِسلام يختلف عن الكنيسة، ودولة القس. ." (٢)، ففي هذه الشكوى نجد حجم ما فعله المتغربون المنتفعون من الماسونية في إفساد التعليم".
стр. 631
وقفة مع مشروع الانقلابيين في تركيا حول التعليم:
كان "أحمد رضا" من المشاركين في المحافل الماسونية، وكان مديرًا للمعارف، وفي الوقت نفسه متأثرًا بفيلسوف أوروبي بارز هو فيلسوف الوضعية في (١٣ هـ - ١٩ م) "كونت"، ومذهب "كونت" يقوم على أن تاريخ البشرية يمر بثلاث مراحل: دينية ثم ميتافيزيقية ثم علمية، ولذا يعتبر أحد فلاسفة العلم، وأحد دعاة الاكتفاء بالعلم وإلغاء الدين، وعند إقامة أحمد في باريس كتب كتابات يدافع فيها عن الإِسلام (١)، ولكنه تأثر في الوقت نفسه بـ"كونت" وربما كان لذلك آثاره في غلوه العلماني فيما بعد، فبعد الانقلاب (١٩٠٨ م) كان أول رئيس، وفي ذلك يقول "رامزور" في كتابه "تركيا الفتاة وثورة ١٩٠٨ م": "إن أحمد رضا باعتباره مؤيدًا طيبًا للفلسفة الوضعية، لم يكن مسلمًا صالحًا؛ لأن أوغست كونت -زعيم الفلسفة الوضعية- لم يكتف فقط بإعادة تنظيم العالم لأتباعه، بل وضع لهم أيضًا تعاليم خاصة بالدين؛ أي: أوجد لهم دينًا جديدًا تشبث به أحمد رضا ودافع عنه ودفع إليه" (٢)، وذكر "شوابكة" بأنه رفض أن يلفظ كلمة "الله" المندرجة في القانون الأساسي عند أدائه اليمين القانوني في المجلس بتأثير مبادئه الوضعية المادية (٣). فمثل هذا القيادي المهم وتحت تأثر تصوره حول العلم سيسعى قطعًا مع رفاقه إلى تحول ذلك التصور إلى مشروع، وقد استغرق منهم سنوات مع "الاتحاديين" و"الكماليين"، وقد كان "كمال أتاتورك" يرى (٤) "أن الروح الإِسلامية تعوق المتقدم" الذي هو شعار جماعة "الاتحاد والترقي"، وقام بأعمال منها:
стр. 632
١ - (١٩٢٢ م) إعلان الجمهورية وإلغاء السلطنة.
٢ - (١٣٤٤ هـ - ١٩٢٤ م) إلغاء الخلافة والمشيخة ووزارتي الأوقاف والشؤون الشرعية والمدارس الدينية، وهذه بالذات يظهر فيها إلغاء العلم الشرعي وإلغاء وظائفه وإداراته.
٣ - (١٩٢٥ م) إلغاء الصوفية وكل متعلقاتها وأغلقت المساجد ثم حدد عددها فيما بعد.
٤ - نفس السنة أراد فرض شخصية جديدة للمسلم التركي، فجاء قانون الأزياء والقبعة واتخاذ التقويم الغربي.
٥ - (١٣٤٥ هـ - ١٩٢٦ م) اتخاذ القانون المدني السويسري.
٦ - (١٣٤٧ هـ - ١٩٢٨ م) ألغى من الدستور عبارات تنفيذ الأحكام الشرعية، ودين الدولة الإِسلام، وتعديل شكل اليمين من الحلف بالله إلى الحلف بالشرف.
٧ - أهملت الحكومة التعليم الديني كليةً في المدارس الخاصة، ثم تمَّ إلغاؤه، وقُلل طلبة الشريعة في جامعة إستانبول ثم أغلقت (١٣٥٢ هـ - ١٩٣٣ م) (١).
وكما شكلت دولة محمَّد علي نموذجًا للتحديث في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، فقد شكلت دولة "الاتحاديين - الكماليين" نموذجًا جديدًا للمتغربين في القرن الرابع عشر/ العشرين في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين، إلا أن الاستعمار الغربي كان له رأيه أيضًا في تلك البلاد، إذ أراد إدارتها إدارة مباشرة، حيث كان من نتائج الحرب العالمية الأولى إكمال تجزئة العالم الإِسلامي وإكمال اقتسام المناطق المهمة فيه بين قوى الاستعمار الغربية.
وقد شكلت تركيا الفتاة نموذجًا لغيرها، إما بالاسم نفسه أو تحت أسماء أخرى، بدأت السلسلة بإيطاليا الفتاة إلى تركيا الفتاة ومنها إلى "العربية الفتاة" و"مصر الفتاة" و"تونس الفتاة" و "الجزائر الفتاة" (٢)، هكذا في قائمة من الفتيات
стр. 633
والجمعيات المختلفة ما بين النافع المخلص وما بين المدسوس داخل الأمة يعمل لمصالح أطراف خفية أو علنية وهو الأكثر، ويبقى الجميع -بمن فيهم المخلص- في ظل الانبهار بالتجربة الغربية أُسارى لتلك التجربة، ولاسيّما فيما له علاقة بالتعليم والقانون والتشريع والحياة الاجتماعية. وقد انخرط الكثير منهم في مناشط التعليم في أثناء القرن الرابع عشر/ العشرين بأكمله تحت مظلة ذلك التأثير والانبهار، وربما العمالة عند بعضهم، كما كُوّن نظام تعليمي يعاني من داخله ذلك الانشقاق بين علوم الأمة والعلوم العصرية، انشقاق على مستوى التصور وعلى مستوى التطبيق، وما كان هذا ينبغي في ميدان العلم؛ لأن العلم لا يعرف الانقسام، الأصل فيه الصواب والنفع، ولكن مع ميلاد تلك التيارات المشبوهة في البداية، ثم التيارات المتغربة تحول العلم إلى أداة في الصراع يستخدمه هؤلاء وهؤلاء، مما تسبب في الانحراف بالعلم ونظرياته ومناهجه ومسائله عن مساره الحقيقي.
[٢] أتباع سان سيمون (١):
لقد نجح "سان سيمون" في إيجاد أتباع يحملون أفكاره ويسعون في نشرها، ومما يهمنا في هذا المبحث أن سيمون وأتباعه ممن ربطوا دعوتهم بالعلم الحديث، في محاولة منهم لتمثيله على المستوى الفلسفي والاجتماعي وتوجيه العلم الجديد بما يخدم فكرتهم الاشتراكية، لقد وضع العلم في صلب مذهبه وجعل العلماء في مكانة عالية، فهو يقول في أحد رسائله: "إن الحل الوحيد لتحقيق سعادة الإنسان هو القضاء على النظام الاجتماعي القديم، وأن يتولى العلماء والفنانون -المنتخبون- إدارة شؤون العالم. ودعا مجلسهم باسم "مجلس نيوتن" نسبة إلى عالم الفيزياء البريطاني الذي قال عنه: "إن الله قد وضع نيوتن بجانبه وعهد إليه بمهمة تنظيم البشر" (٢)، وسيتطور هذا الفكر مع أتباعه، ولاسيّما سكرتيره "كونت" الذي أصبح فيما بعد رائد الفلسفة الوضعية التي ترى أحقيتها في تمثيل العلم.
لقد انطلق أتباع "سيمون" إلى أنحاء متفرقة من البلاد الإِسلامية، إلى سوريا
стр. 634
ولبنان وفلسطين والحجاز، والذي يظهر أنهم لم ينجحوا بقدر ما نجحوا في مصر التي أتاحت لهم فرص النجاح أكثر من غيرها؛ وذلك أن مشروعات "محمَّد علي" قد اجتذبت جماعات أوروبية مختلفة (١)، وكل جماعة تحاول تطبيق أفكارها على ما يرونه أرضًا بكرًا تصلح للتجريب، وكان منهم أتباع سيمون. ورغم وجود بعضهم مع الحملة الفرنسية إلا أن نشاطهم الفعلي ابتدأ في عهد محمَّد علي، فعن طريق القنصل الفرنسي في الإسكندرية وصلوا إلى محمَّد علي وكان القنصل مهندسًا مشهورًا ومتعاطفًا مع السيمونيين (٢).
كان بينهم عشرة مهندسين وتسعة أطباء وثلاثة زراعيين وبعض الأدباء والرسامين والنحاتين والمحامين وغيرهم (٣)، تحدوهم رغبة في نشر تعاليم أستاذهم، ووجدوا في دولة محمَّد علي فرصتهم، وكان من أفكار أستاذهم أهمية تكوين "الدولة الصناعية التي يقودها العلم الحديث"، والانتقال بمجتمع تلك الدولة من "النظام الإقطاعي اللاهوتي إلى النظام الصناعي العلمي"، وإذا كان الاعتقاد والإيمان قوة شاملة في الماضي، فيجب في المستقبل أن تحل المعرفة محل ذلك، وأن تتحد الصناعة والمعرفة لتحكما العالم (٤).
اهتم هؤلاء بالتصنيع والتعليم والمشروعات العمرانية وذلك أن اشتراكية سيمون يتطلب الوصول إليها مثل هذه الإعدادات والتجهيزات (٥)، فتحركوا في كل جهة أتاحها لهم "محمَّد علي" في المشروعات العمرانية والهندسية أو بالتعليم في معاهده المتخصصة، وفي ذلك يقول "قيس عزاوي": "توافد أتباع سان سيمون الفرنسيون المطرودن من إستانبول إلى مصر لكي ينظموا وزارة التعليم العام" (٦)، ومع الاختلاف حول حجم الدور الذي لعبه أمثال هؤلاء إلا أن هناك من يرى أن الاشتراكيات التي ظهرت فيما بعد داخل العالم الإِسلامي لا يستبعد
стр. 635
ارتباطها بهم (١)، وهناك من يذكر أسماء مشهورة في الواقع المصري آنذاك على أنها كانت ذات صلة بالسيمونيين ومتأثرة بهم (٢). ومع الإقرار أن مشاركاتهم خدمت الجانب الدنيوي في مصر مما يجوز أخذه عن غير المسلمين، إلا أن القوم لم يكونوا فقط أصحاب مساعدات مادية بقدر ما كانت تختفي خلف تلك الانجازات المادية أهداف فكرية يراد بحسب الممكن زراعتها في تربة مصر، وربما من أخطرها إعطاء العلم المادي والصناعة المكانة المميزة في حياة البشر حتى على حساب الدين، بل إن المشروع الفكري لهم يتضمن إقصاء الدين وإحلال العلم العصري مكانه، وقد كان تصورهم أن وجود العلم والصناعة سيقضي حتمًا على الإقطاع والدين والميتافيزيقا، فلا يشترط إعلان العداء للدين، بل يكفي نشر الصناعة والعلم وذلك العمل كفيل بإزاحة الدين عن المجتمع.
لقد كانت هذه الفكرة من سيئات التيارات الفكرية الحديثة في أوروبا، ولاسيما تلك التي ظهرت في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، حيث تؤكد أن سعادة البشرية هي في العلم والصناعة والتقدم المادي، وأن العناية بها سيكفل لتلك المجتمعات التخلص من الدين، وسيكون العلم بديلًا عن الدين ويلبي الحاجات الإنسانية التي كان يقدمها الدين، وقد نمت هذه الفكرة بعد انتصار الثورة الفرنسية وفرض العلمانية، ثم انتفاشة التيارات المادية والوضعية، ولكن هذه المقولة بدأت تفقد بريقها وأنصارها في القرن الرابع عشر/ العشرين نتيجة أحداث سياسية مخيفة وكشوفات علمية جديدة، وتطورات فكرية تؤكد أن البشرية لا تستطيع العيش دون دين وإن تقدمت ماديًا وعلميًا (٣).
ومن مصائب العالم الإِسلامي أنه وقت طلبه التحديث والنهضة احتك بأوروبا وقت انتشار مثل هذه الأفكار وتحمس دعاتها لنشرها في كل مكان يستطيعون الوصول إليه، وكان أشهرها في تلك المرحلة، ولاسيما داخل العالم الإِسلامي أتباع "سان سيمون"، فكان لدخولهم على خط نهضتنا ومحاولتنا الإصلاح والتحديث أثرها على مشروعات العالم الإِسلامي؛ لأن من يقوم بتلك