وقفة مع مشروع الانقلابيين في تركيا حول التعليم:
كان "أحمد رضا" من المشاركين في المحافل الماسونية، وكان مديرًا للمعارف، وفي الوقت نفسه متأثرًا بفيلسوف أوروبي بارز هو فيلسوف الوضعية في (١٣ هـ - ١٩ م) "كونت"، ومذهب "كونت" يقوم على أن تاريخ البشرية يمر بثلاث مراحل: دينية ثم ميتافيزيقية ثم علمية، ولذا يعتبر أحد فلاسفة العلم، وأحد دعاة الاكتفاء بالعلم وإلغاء الدين، وعند إقامة أحمد في باريس كتب كتابات يدافع فيها عن الإِسلام (١)، ولكنه تأثر في الوقت نفسه بـ"كونت" وربما كان لذلك آثاره في غلوه العلماني فيما بعد، فبعد الانقلاب (١٩٠٨ م) كان أول رئيس، وفي ذلك يقول "رامزور" في كتابه "تركيا الفتاة وثورة ١٩٠٨ م": "إن أحمد رضا باعتباره مؤيدًا طيبًا للفلسفة الوضعية، لم يكن مسلمًا صالحًا؛ لأن أوغست كونت -زعيم الفلسفة الوضعية- لم يكتف فقط بإعادة تنظيم العالم لأتباعه، بل وضع لهم أيضًا تعاليم خاصة بالدين؛ أي: أوجد لهم دينًا جديدًا تشبث به أحمد رضا ودافع عنه ودفع إليه" (٢)، وذكر "شوابكة" بأنه رفض أن يلفظ كلمة "الله" المندرجة في القانون الأساسي عند أدائه اليمين القانوني في المجلس بتأثير مبادئه الوضعية المادية (٣). فمثل هذا القيادي المهم وتحت تأثر تصوره حول العلم سيسعى قطعًا مع رفاقه إلى تحول ذلك التصور إلى مشروع، وقد استغرق منهم سنوات مع "الاتحاديين" و"الكماليين"، وقد كان "كمال أتاتورك" يرى (٤) "أن الروح الإِسلامية تعوق المتقدم" الذي هو شعار جماعة "الاتحاد والترقي"، وقام بأعمال منها:
стр. 632
١ - (١٩٢٢ م) إعلان الجمهورية وإلغاء السلطنة.
٢ - (١٣٤٤ هـ - ١٩٢٤ م) إلغاء الخلافة والمشيخة ووزارتي الأوقاف والشؤون الشرعية والمدارس الدينية، وهذه بالذات يظهر فيها إلغاء العلم الشرعي وإلغاء وظائفه وإداراته.
٣ - (١٩٢٥ م) إلغاء الصوفية وكل متعلقاتها وأغلقت المساجد ثم حدد عددها فيما بعد.
٤ - نفس السنة أراد فرض شخصية جديدة للمسلم التركي، فجاء قانون الأزياء والقبعة واتخاذ التقويم الغربي.
٥ - (١٣٤٥ هـ - ١٩٢٦ م) اتخاذ القانون المدني السويسري.
٦ - (١٣٤٧ هـ - ١٩٢٨ م) ألغى من الدستور عبارات تنفيذ الأحكام الشرعية، ودين الدولة الإِسلام، وتعديل شكل اليمين من الحلف بالله إلى الحلف بالشرف.
٧ - أهملت الحكومة التعليم الديني كليةً في المدارس الخاصة، ثم تمَّ إلغاؤه، وقُلل طلبة الشريعة في جامعة إستانبول ثم أغلقت (١٣٥٢ هـ - ١٩٣٣ م) (١).
وكما شكلت دولة محمَّد علي نموذجًا للتحديث في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، فقد شكلت دولة "الاتحاديين - الكماليين" نموذجًا جديدًا للمتغربين في القرن الرابع عشر/ العشرين في بلاد كثيرة من بلاد المسلمين، إلا أن الاستعمار الغربي كان له رأيه أيضًا في تلك البلاد، إذ أراد إدارتها إدارة مباشرة، حيث كان من نتائج الحرب العالمية الأولى إكمال تجزئة العالم الإِسلامي وإكمال اقتسام المناطق المهمة فيه بين قوى الاستعمار الغربية.
وقد شكلت تركيا الفتاة نموذجًا لغيرها، إما بالاسم نفسه أو تحت أسماء أخرى، بدأت السلسلة بإيطاليا الفتاة إلى تركيا الفتاة ومنها إلى "العربية الفتاة" و"مصر الفتاة" و"تونس الفتاة" و "الجزائر الفتاة" (٢)، هكذا في قائمة من الفتيات
стр. 633
والجمعيات المختلفة ما بين النافع المخلص وما بين المدسوس داخل الأمة يعمل لمصالح أطراف خفية أو علنية وهو الأكثر، ويبقى الجميع -بمن فيهم المخلص- في ظل الانبهار بالتجربة الغربية أُسارى لتلك التجربة، ولاسيّما فيما له علاقة بالتعليم والقانون والتشريع والحياة الاجتماعية. وقد انخرط الكثير منهم في مناشط التعليم في أثناء القرن الرابع عشر/ العشرين بأكمله تحت مظلة ذلك التأثير والانبهار، وربما العمالة عند بعضهم، كما كُوّن نظام تعليمي يعاني من داخله ذلك الانشقاق بين علوم الأمة والعلوم العصرية، انشقاق على مستوى التصور وعلى مستوى التطبيق، وما كان هذا ينبغي في ميدان العلم؛ لأن العلم لا يعرف الانقسام، الأصل فيه الصواب والنفع، ولكن مع ميلاد تلك التيارات المشبوهة في البداية، ثم التيارات المتغربة تحول العلم إلى أداة في الصراع يستخدمه هؤلاء وهؤلاء، مما تسبب في الانحراف بالعلم ونظرياته ومناهجه ومسائله عن مساره الحقيقي.
[٢] أتباع سان سيمون (١):
لقد نجح "سان سيمون" في إيجاد أتباع يحملون أفكاره ويسعون في نشرها، ومما يهمنا في هذا المبحث أن سيمون وأتباعه ممن ربطوا دعوتهم بالعلم الحديث، في محاولة منهم لتمثيله على المستوى الفلسفي والاجتماعي وتوجيه العلم الجديد بما يخدم فكرتهم الاشتراكية، لقد وضع العلم في صلب مذهبه وجعل العلماء في مكانة عالية، فهو يقول في أحد رسائله: "إن الحل الوحيد لتحقيق سعادة الإنسان هو القضاء على النظام الاجتماعي القديم، وأن يتولى العلماء والفنانون -المنتخبون- إدارة شؤون العالم. ودعا مجلسهم باسم "مجلس نيوتن" نسبة إلى عالم الفيزياء البريطاني الذي قال عنه: "إن الله قد وضع نيوتن بجانبه وعهد إليه بمهمة تنظيم البشر" (٢)، وسيتطور هذا الفكر مع أتباعه، ولاسيّما سكرتيره "كونت" الذي أصبح فيما بعد رائد الفلسفة الوضعية التي ترى أحقيتها في تمثيل العلم.
لقد انطلق أتباع "سيمون" إلى أنحاء متفرقة من البلاد الإِسلامية، إلى سوريا
стр. 634
ولبنان وفلسطين والحجاز، والذي يظهر أنهم لم ينجحوا بقدر ما نجحوا في مصر التي أتاحت لهم فرص النجاح أكثر من غيرها؛ وذلك أن مشروعات "محمَّد علي" قد اجتذبت جماعات أوروبية مختلفة (١)، وكل جماعة تحاول تطبيق أفكارها على ما يرونه أرضًا بكرًا تصلح للتجريب، وكان منهم أتباع سيمون. ورغم وجود بعضهم مع الحملة الفرنسية إلا أن نشاطهم الفعلي ابتدأ في عهد محمَّد علي، فعن طريق القنصل الفرنسي في الإسكندرية وصلوا إلى محمَّد علي وكان القنصل مهندسًا مشهورًا ومتعاطفًا مع السيمونيين (٢).
كان بينهم عشرة مهندسين وتسعة أطباء وثلاثة زراعيين وبعض الأدباء والرسامين والنحاتين والمحامين وغيرهم (٣)، تحدوهم رغبة في نشر تعاليم أستاذهم، ووجدوا في دولة محمَّد علي فرصتهم، وكان من أفكار أستاذهم أهمية تكوين "الدولة الصناعية التي يقودها العلم الحديث"، والانتقال بمجتمع تلك الدولة من "النظام الإقطاعي اللاهوتي إلى النظام الصناعي العلمي"، وإذا كان الاعتقاد والإيمان قوة شاملة في الماضي، فيجب في المستقبل أن تحل المعرفة محل ذلك، وأن تتحد الصناعة والمعرفة لتحكما العالم (٤).
اهتم هؤلاء بالتصنيع والتعليم والمشروعات العمرانية وذلك أن اشتراكية سيمون يتطلب الوصول إليها مثل هذه الإعدادات والتجهيزات (٥)، فتحركوا في كل جهة أتاحها لهم "محمَّد علي" في المشروعات العمرانية والهندسية أو بالتعليم في معاهده المتخصصة، وفي ذلك يقول "قيس عزاوي": "توافد أتباع سان سيمون الفرنسيون المطرودن من إستانبول إلى مصر لكي ينظموا وزارة التعليم العام" (٦)، ومع الاختلاف حول حجم الدور الذي لعبه أمثال هؤلاء إلا أن هناك من يرى أن الاشتراكيات التي ظهرت فيما بعد داخل العالم الإِسلامي لا يستبعد
стр. 635
ارتباطها بهم (١)، وهناك من يذكر أسماء مشهورة في الواقع المصري آنذاك على أنها كانت ذات صلة بالسيمونيين ومتأثرة بهم (٢). ومع الإقرار أن مشاركاتهم خدمت الجانب الدنيوي في مصر مما يجوز أخذه عن غير المسلمين، إلا أن القوم لم يكونوا فقط أصحاب مساعدات مادية بقدر ما كانت تختفي خلف تلك الانجازات المادية أهداف فكرية يراد بحسب الممكن زراعتها في تربة مصر، وربما من أخطرها إعطاء العلم المادي والصناعة المكانة المميزة في حياة البشر حتى على حساب الدين، بل إن المشروع الفكري لهم يتضمن إقصاء الدين وإحلال العلم العصري مكانه، وقد كان تصورهم أن وجود العلم والصناعة سيقضي حتمًا على الإقطاع والدين والميتافيزيقا، فلا يشترط إعلان العداء للدين، بل يكفي نشر الصناعة والعلم وذلك العمل كفيل بإزاحة الدين عن المجتمع.
لقد كانت هذه الفكرة من سيئات التيارات الفكرية الحديثة في أوروبا، ولاسيما تلك التي ظهرت في القرن الثاني عشر/ الثامن عشر، حيث تؤكد أن سعادة البشرية هي في العلم والصناعة والتقدم المادي، وأن العناية بها سيكفل لتلك المجتمعات التخلص من الدين، وسيكون العلم بديلًا عن الدين ويلبي الحاجات الإنسانية التي كان يقدمها الدين، وقد نمت هذه الفكرة بعد انتصار الثورة الفرنسية وفرض العلمانية، ثم انتفاشة التيارات المادية والوضعية، ولكن هذه المقولة بدأت تفقد بريقها وأنصارها في القرن الرابع عشر/ العشرين نتيجة أحداث سياسية مخيفة وكشوفات علمية جديدة، وتطورات فكرية تؤكد أن البشرية لا تستطيع العيش دون دين وإن تقدمت ماديًا وعلميًا (٣).
ومن مصائب العالم الإِسلامي أنه وقت طلبه التحديث والنهضة احتك بأوروبا وقت انتشار مثل هذه الأفكار وتحمس دعاتها لنشرها في كل مكان يستطيعون الوصول إليه، وكان أشهرها في تلك المرحلة، ولاسيما داخل العالم الإِسلامي أتباع "سان سيمون"، فكان لدخولهم على خط نهضتنا ومحاولتنا الإصلاح والتحديث أثرها على مشروعات العالم الإِسلامي؛ لأن من يقوم بتلك
стр. 636
المشروعات في تلك المرحلة قلّة، فمن تمكن من توجيه تلك القلة تمكن من بذر ما يشاء داخل مشروعاتنا، وكان يمكن قيام مشروع التحديث دون الارتطام بتلك الفكرة السيمونية وأمثالها، ولكن ذلك يتطلب من المسلمين قوة دينية وعلمية وفكرية وسياسية تجعلهم قادرين على توجيه دفة التحديث بما يناسب هويتنا، وهو ما كنا نفتقده في تلك المرحلة، مما سمح لناشطي التيارات الفكرية بوضعنا ضمن حقل تجاربهم، وضمن مجال دعوتهم.
مما سبق يظهر دور الماسونية والسيمونية في الانحراف بمسيرة العلوم العصرية، حيث كان لهم مشاركة مهمة أول دخولها للعالم الإِسلامي، ومن أخطر ما أسهموا به تعميق مشكلة علمنة العلوم العصرية، وتحويلها لأداة في مشروعاتهم الفكرية، وأخطر تلك المشروعات هدم الدين أو إقصاؤه وإهمال العناية به. فيتحول العلم معهم من علم نافع للأمة إلى علم خطير عليها، وزاد من السوء قلة من يدير وضع العلم العصري، وقد يسر لهم ذلك إمكانية التوجيه والتأثير.
стр. 637
خامسًا: دور الاستعمار
يُعد الاستعمار من أخطر الأحداث التي عصفت بالعالم الإِسلامي في عصره الحديث، بدأت بوادره من الدول القوية داخل أوروبا كإنجلترا وفرنسا وهولندا، وأتت أولى محاولاتهم مع الهند المسلمة من قبل الإِنجليز ثم عدن، أما فرنسا فبدأت مغامرتها في مصر ثم توجهت لبلاد المغرب لتبدأ بالجزائر ثم تواصل من هناك. وتقوم إنجلترا وفرنسا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بالاستعداد الجدي للاستيلاء على بلدان العالم الإِسلامي، وكان افتتاح ذلك باحتلال مصر سنة (١٨٨٢ م) ليصل في نهاية الحرب العالمية الأولى باقتسام بلاد العالم الإِسلامي بين الدولتين الكبيرتين بريطانيا وفرنسا، والمؤسف أن المسلمين قد ساعدوا البريطانيين في ضرب الدولة العثمانية، ثم ساعدوهم في احتلال فلسطين التي قد كانت من نصيب اليهود بحسب وعد "بلفور" (١).
لن يمرّ هذا الحدث الخطير دون آثار، فقد طال مكثه في بعض بلدان المسلمين لأكثر من قرن، هو صاحب الأمر والنهي، ولكن هذه الأمة فيها خير، وقوة ولن ترضى كغيرها بالاستعمار عندها بدأت معارك التحرير وجهاد المحتلين لتكون هي الشغل الشاغل لقيادات المجتمع الإِسلامي، وتعطلت بقية المهام الأخرى أو تأجلت إلى التحرير واستعادة السيادة الإِسلامية على البلاد المسلوبة.
стр. 638
أقف الآن مع جزء خطير من الأدوار التي لعبها المستعمر، بتحليل حقيقة أثره في إدارة المؤسسات العلمية وإدارة التعليم داخل المستعمرات، وكذا إدارة الجانب الثقافي عمومًا من فكر وأدب وفنون وإعلام، على أن ما يهمنا في كل ذلك هو ما زرعه المستعمر من مشكلات حول العلوم العصرية.
نبدأ ببعض المعالم الأساسية حول حال المستعمر، ولاسيما في الجانب العلمي، وهي تكشف لنا كيف تحرك من خلال العلم العصري ومؤسساته داخل البلاد المحتلة وأثر ذلك على العالم الإِسلامي، ومن أهم هذه المعالم ما يأتي:
أولًا: أن الدول الاستعمارية هي المالكة في ذاك الوقت للعلوم الحديثة، بعد أن طورتها ووظفتها في بناء مدنيتها الحديثة، فهل ستُهدي المسلمين هذه العلوم بما في ذلك من احتمال حصول المسلمين على القوة، أم أنها ستحرمهم منها وتركز على نشر ما لا نفع فيه إلا إثارة المتعة، والوجدان وبلبلة الأذهان وإشغالها بمذاهب وأفكار وآداب وفنون تفسد الشعوب أو تخدرها أو تعطلها عن رسالتها ومهمتها في الوجود؟
ثانيًا: تدرك الدول الاستعمارية مكانة المؤسسة العلمية في صناعة الشعوب وخروج القيادات العلمية والفكرية والاجتماعية، فكيف ستدير التعليم؟ وما المشكلات التي بذرها الاستعمار في التعليم؟ وما نوع التعليم الذي سيديره؟ وكيف ستوضع العلوم العصرية داخل هذا التعليم؟ وكيف ستكون العلاقة مع التعليم الإِسلامي؟
ثالثًا: كانت أول محاولة جدية لاختراق العالم الإِسلامي واحتلال جزء منه مع الحملة الفرنسية على أرض مصر، وكان يصحب هذه الحملة العسكرية "حملة علمية" مكونة من علماء في أهم التخصصات الحديثة، بكتبهم ومختبراتهم وأدواتهم فأسسوا حيًا علميًا متكاملًا داخل القاهرة، فما سرّ هذا التحول في الفكر الاستعماري؟ وما وجهة هؤلاء العلماء وما مذهبهم؟
رابعًا: يؤثّر في المستعمِرين نظام فكري جديد اقتحم أرجاء أوروبا، كما أن هذا الجيل تدفعه رغبة جامحة للاستيلاء والغزو والبحث عن الغنائم بسبب نظام مادي جديد اقتحم حياة الأوروبيين، وكلا النظامين له ارتباط بالتطورات العلمية، فأول جيش استعماري تمثل في حملة نابليون، وهي حملة جاءت بعد الثورة الفرنسية التي انبثق عنها نظام فكري جديد يقوم على علمنة الحياة وإعطاء
стр. 639
السيادة للتيارات غير الدينية وإقصاء الدين عن مجالات الحياة، هذا من جهة النظام الفكري، أما من جهة النظام المادي: فإن الثورة العلمية نتج عنها ثورة صناعية ضخمة داخل أوروبا، وهي في حاجة إلى مواد خام وإلى أسواق. فأصبح الاستعمار طريقًا للتبشير بالنظام الفكري الجديد وإبعاد أي قوة يُخشى منها على هذا النظام من جهة، ومن جهة أخرى أصبح آلة لفتح أسواق جديدة أو للاستيلاء على ثروات الشعوب الأخرى ولاسيما العالم الإِسلامي.
ومع أن الجيوش الاستعمارية كانت جيوشًا علمانية غالبًا، إلا أن المخيال الاجتماعي الأوروبي بذكريات الحروب الصليبية ورفع الصليب وتحطيم الهلال ما زالت تعشش في أدمغة هذه الجيوش، فهناك رواسب دينية عميقة تحرك هذه الجيوش الاستعمارية العلمانية، ويكفي أن ننظر إلى سياسة السماح، بل الدعم للمنصرين بالحركة داخل البلاد الإِسلامية رغم المضايقة التي تواجه الكنائس داخل كثير من بلدان أوروبا، والأخطر من ذلك أن تولى هؤلاء المنصرون إدارة التعليم الحديث داخل البلاد الإِسلامية، فكيف سيكون أثر هذا التنوع داخل الجيش الاستعماري ما بين تيارات فكرية تسعى لنشر أفكارها والتبشير بها وما بين رأسماليين يبحثون عن المكاسب وإنعاش تجارتهم وشركاتهم ومصانعهم، وما بين منصرين يجوبون العالم الإِسلامي: يفتحون المدارس والمستشفيات كغطاء لعملهم التنصيري؟ وكيف سيكون أثر كل ذلك على الحياة العلمية داخل العالم الإسلامي؟
لا يشترط أن نحدد الإجابات عن كل التساؤلات السابقة، إذ المهم فيها كشف حقيقة الاستعمار في الجانب العلمي، ولاسيما أن بعض الأسئلة قد تدلّ العاقل إلى الأجوبة، ولكن لابد من النظر إلى ما له علاقة بإفساد مسيرة العلوم الحديثة داخل العالم الإِسلامي.
كان الفكر الاستعماري يعي طبيعة التحديات التي ستواجهه، وكان يعلم أن هناك مقاومة ستولد ضدّه وأن خلفها ما يغذيها ويمدّها بعناصر القوة، وأهم ذلك الدين، لذا حرص الاستعمار عن طريق الغزو الفكري ضرب الدين عبر مؤسسات التعليم وعبر العلوم وعبر الأفكار والآداب والفنون، ويمكن القول دون مبالغة أن الاستعمار قد حرص على تفريغ كل عنصر نافع معه من مواده الحسنة، واستبقى منها ما يساعده في ضرب الإِسلام ذاته، وقد كان يستند في غزوه على معرفة
стр. 640
واسعة بعناصر القوة داخل المسلمين أمدّهم بها جيوش جرارة من المستشرقين وتركة كبيرة تراكمت عبر قرون حول الإِسلام بشكل مشوّه وخطير.
عندما دخل الاستعمار بلاد المسلمين واستقرّ أمره بدأ يمارس أدواره التفتيتية للمجتمع، ومنها قيامه على شؤون التعليم، فقسم التعليم إلى قسمين محدثًا بذلك أخطر شرخ في منظومة التعليم وصانعًا بذلك ازدواجية -وإن تقبلتها أمم أخرى- يصعب تقبلها داخل النظام الإِسلامي:
القسم الأول: التعليم الإِسلامي - الشرعي، فجعله تحت إدارة المسلمين مع التدخل في شؤونه عند الحاجة، ووضع على رئاسته من يتوافق مع هوى المحتل، فضلًا عن حرمانه من شروط حيويته ونشاطه وقوته واستمراره.
القسم الثاني: تعليم حديث تُدرس فيه تخصصات حديثه تشابه في الظاهر النظام الغربي وتختلف عنه في الباطن، فهذا النوع تحت إدارة المحتل مباشرة، الإدارة والأساتذة والمناهج وكل شيء، ورمى الاستعمار بثقله في هذا النوع، مؤملًا من ذلك أن يصنع جيلًا يوالي الغرب ويقبل التبعية له ويقوم بالنيابة عن المحتل في إدارة الحياة بما يمليه عليه أسياده.
لا شك أن الاستعمار قد حقق الكثير في القسمين، في ضغطه على الأول وفي أمنياته من الثاني، ولكن في الوقت نفسه كان في الأمة من سار على عكس رغبات الاستعمار، فجاهد بعضهم في حماية التعليم الإِسلامي مما يُخطَط له، وخرج من القسم الثاني من انقلب على الاستعمار وإن درس في مدارسه وتغذى بتربيته، وربك حكيم عليم ولطيف بهذه الأمة، فخرج من تلك المدارس الاستعمارية من انقلب عليها، وعاد إلى أمته مستلهِمًا الدين في نشاطه وحركته ومقاومته، فانقلب السحر على الساحر.
لقد شاهدنا التجربة الاستعمارية الأولى الحديثة في المغامرة الفرنسية على مصر، ورأينا أن "بونابرت" قد اصطحب معه "حملة علمية" في ظاهرةٍ لم تكن تعهدها الجيوش الغازية المحتلة، واطلعنا على الحي الخاص بهم في القاهرة بعد أن طَرَدوا أهله، وجعلوه مقرًا لتلك الحملة العلمية، فأنشأت مكتبتها ومجمعها العلمي وصالات البحث وغرف المختبرات العلمية ومنازل الفريق العلمي، كل هذه المؤشرات تدل على حرص الجيوش الاستعمارية على استثمار الجانب العلمي الجديد. وإن كانت الحملة قد فشلت وخرجت من مصر، إلا أنها عادت
стр. 641
إلى الجزائر بعد ثلاثين سنة (١٨٣٠ م) لتحتلها وتبقى فيها فترة احتلال طويلة لتكون نقطة انطلاق لبقية المغرب، أما مصر فقد جاءها البريطانيون سنة (١٨٨٢ م) ليتخذوها مركزًا لنشاطهم في القسم العربي من العالم الإِسلامي، وتكون مع فرنسا أخطر دولتين استعماريتين في العصر الحديث، وكانت الدولتان تعيان أهمية السيطرة على التعليم، لهذا جعلته مركز عنايتها في أثناء الاستعمار، وسنرى الآن أن الاستعمار قد صنع نظامًا تعليميًا خطيرًا ما زالت الأمة تعاني منه إلى اليوم.
يذكر "ساطع الحصري" وهو أحد القريبين من مجال التعليم آنذاك بأننا إذا أردنا أن نعرف حقيقة التعليم الاستعماري فعلينا معرفة غايته، حيث "اعتاد علماء الاجتماع أن يقسموا المستعمرات إلى ثلاثة أنواع أساسية: (أ) مستعمرات الاتجار، (ب) مستعمرات الاستغلال، (ج) مستعمرات الاستيطان" يركز الأول على احتلال منفذٍ على بلدٍ ما قصد التجارة، فيكون منفذهم على هذا البلد في أبواب التجارة واحتكارها، لكنهم بعد ذلك يتوسعون قصد السيطرة على ثروات البلاد فيدخلون إلى مركزها وهذا هو "الاستغلال"، وعندما يعجبهم الوضع يتحولون إلى فكرة الاستيطان في هذا البلد فيهيئون البلد بما يجعله مناسبًا لاستقطاب بني جنسهم إليه والتمتع بثرواته وقيادته (١). مثال الاتجار ما حدث مع الصين، ومثال الاستغلال ما حدث مع الهند، ومثال الاستيطان ما حدث مع الجزائر.
لا تهتم دول الاستعمار بالتعليم في الحالة الأولى بخلاف الحالتين الأخيرتين، ففي مستعمرات الاستغلال تحرص على وضع تعليم ينتج لها الأيدي العاملة في مصانعها وشركاتها وكل مؤسساتها الاستغلالية، أما الثاني فيزيد على الأول بإيجاد مجتمع يقبل بهذه الجرثومة التي اخترقت هذا الجسد، وهي التي أطلق عليها "مالك بن بني": "القابلية للاستعمار" (٢)، وحللها في مجموعة من كتبه بعد أن عايشها في الجزائر.
كان المنظرون للاستعمار يعرفون أهمية التعليم وخطورة التعليم الإِسلامي، ولذا اهتموا بإقصاء الإِسلامي وصناعة تعليم يخدمهم، يقول "اللورد لويد" في
стр. 642
كتابه "مصر منذ أيام كرومر": "إن التعليم الوطني عندما قدم الإِنجليز كان في قبضة الجامعة الأزهرية الشديدة التمسك بالدين، والتي كانت أساليبها الجافة تقف حاجزًا في طريق أي إصلاح تعليمي، وكان الطلبة الذين يتخرجون من هذه الجامعة يحملون معهم قدرًا عظيمًا من غرور التعصب الديني، فليس من العسير أن يتصور لنا أي تقدم طالما ظل الأزهر متمسكًا بأساليبه هذه، ولكن إذا بدا أن مثل هذه الخطوة غير متيسر تحقيقها، فعندئذ يصبح الأمل محصورًا في إيجاد التعليم اللاديني الذي ينافس الأزهر حتى يتاح له الانتشار والنجاح" (١).
وعلينا أن ندرك أن كتابات منظري الاستعماري تُصاغ بأسلوب مؤدب؛ لأنها تُكتب للغرب، فيحاولون أن يُظهِروا عملهم الاستعماري بصورة حسنة، من ذلك ما نجده هنا من مزاعم مثل: "الإصلاح التعليمي" و"التقدم" وربط التأخر بالأزهر، وربط التقدم بالتعليم العلماني، فإن هذا الخطاب موجه لبني جلدتهم، وبينهم اتجاهات متنافرة فضلًا عن المنافسة بين دول أوروبا؛ ولذا يحاول كل فريق إظهار رسالة إنسانية للاستعمار حتى لا يستغلها خصوم كل طرف استعماري في النقد، وسنجد لبعضهم عبارات في غاية الوقاحة وصريحة في بيان حقيقة الاستعمار مثل ما نجده مع الكاردينال لافيجري من مؤسسي حركة التنصير بالجزائر وبلاد المغرب عمومًا وناشط في مجال التعليم حيث يؤكد أن أفريقيا الشمالية لن تندمج في الفرنسة إلا بعد إخراجها من الإِسلام (٢)، وينادي الأوروبيين فيقول: "أيها المسيحيون، سكان الألزاس واللورين، التائهون في هذه اللحظة بشوارع فرنسا، سويسرا وبلجيكا، أفرغوا منازلكم المحروقة، حقولكم المتلفة، فإن الجزائر، فرنسا الأفريقية، تفتح لكم أبوابها وتمد لكم أذرعتها. هنا
стр. 643
ستجدون لكم، ولأطفالكم ولعائلاتكم، أراضي أكثر شساعة وخصوبة من تلك التي تركتموها بين أيادي الغزاة المحتلين. . . . أقدُموا إذن، فنحن على استعداد لاستقبالكم كإخوان، وكذا تسهيل الأعمال عليكم، علاوة عن مشاطرتنا آلامكم. . اقدموا لنساهم جميعًا في تكوين، وعلى هذه الأرض الملحدة، سكان مثابرين مخلقين، مسيحيين. . ستكونون الرسل والمبشرين الحقيقيين أمام الله وأمام الوطن. . . ." (١). وما بين الخطابين: الدبلوماسي والصريح الوقح تكمن حقيقة واحدة هي قسوة الاستعمار وعمله على تدمير أمة بكل طريقة ممكنة.
من الظواهر الملفتة هذا التعاون العجيب بين جيش علماني مخترق بتيارات ومذاهب، ظهرت في أوروبا لا تقيم وزنًا للدين مع الإرساليات التنصيرية، ومما يفسر ذلك على أرض الواقع أن الجيوش الاستعمارية قد سبقها إلى العالم الإِسلامي تلك الإرساليات التنصيرية، وتلك الإرساليات وجدت أن أفضل طريقة للتغلغل داخل العالم الإِسلامي، والتأثير فيه هو عن طريق التعليم، وقد اطلعنا على أثرها في فقرة "مدارس الإرساليات" فوجدت الجيوش الاستعمارية فرصة ذهبية في هذه المدارس، فكونت من خلالها منظومة التعليم الذي ستفرضه على البلاد المحتَلة ليكون منافسًا، بل بديلًا عن التعليم الإِسلامي. ولم تكن مدارس الإرساليات تمانع من استخدام أي وسيلة لضرب المعتقد الإِسلامي، وفي ذلك يقول أحدهم: "إن مقاومة الإِسلام بالقوة تزيده انتشارًا، أما الوسيلة الفعالة لهدمه وتقويض دعائمه فهي تربية دينية في المدارس التبشيرية أو المسيحية ونفث جراثيم الإلحاد في صدورهم منذ نشأتهم من حيث لا يشعرون، فإن لم يتنصروا فقد أصبحوا لا مسلمين ولا مسيحيين" (٢)، فمع هذا الاتفاق بين الديني والعلماني وجد الاستعمار أفضل قوة يغزو بها العالم الإِسلامي في مجال التعليم هو حركة التبشير بما قد أسسته من نظام تعليمي خطير داخل العالم الإِسلامي (٣).
стр. 644
بواسطة التعاون بين المنصرين ورجال الاستعمار تمت دراسة الواقع التعليمي في البلاد المستعمرة وتقديم تقارير مفصلة ودقيقة تُختم عادة بالتوصيات، وكان من أشهرها التقرير المفصل عن التعليم في مصر الذي قدمه "اللورد دوفرين"، ثم جاء دور "كرومر" الحاكم الفعلي في مصر آنذاك، وعندما توجه إلى التعليم كلف القس المشهور "دنلوب" بالمهمة، و"كان مبشرًا أسكتلنديا وقسيسًا، وقد اختاره كرومر لهذا العمل فسيطر عليه سنوات طويلة امتدت حتى أوائل الحرب العالمية الأولى (١٩١٤ م)، وكان قد عُين مفتشًا للتعليم (١٨٩٧ م) ثم أصبح مستشارًا للوزارة خلال سبعة عشر عامًا" (١)، وقد أهَّله هذا العمل الضخم والفترة الطويلة التي قضاها في ذلك أن يحصل على إجماع من المؤرخين والباحثين -بحسب كلام الجندي- أنه "مؤسس الاستعمار التربوي والعقلي والتعليمي في مصر" (٢)، وظهرت مصطلحات تعبر عن هذا الأثر من مثل "التعليم الدنلوبي" و"المناهج الدنلوبية" و"المدارس الدنلوبية" (٣)، وهناك من وصفه بأنّه "أعظم من أنجبه الإِنجليز لقتل مصر" (٤). وقد وصف محمَّد قطب الأسلوب الدنلوبي من بدايته عندما يُستلم الطفل ثم مراحل دراسته، وماذا يدرس، وماذا يُغرس فيه من خلال المنهج أو التربية والمعاملة، والنوعيات المميزة التي تُرسل بعد ذلك للبلد الأم في مواصلةٍ لغسل الدماغ وتجهيز قيادة من المسلمين تقوم بما لا يستطيع الاستعمار القيام به، ووصف الدور الخطير والذكي في استبعاد الأزهر عن مؤسسة العلم رغبة منهم في تحويله على هامش الحياة إن لم يقضوا عليه (٥).
وفي المسار نفسه "الكرومري - الدنلوبي" كانت الأمور في المستعمرات الأخرى، في الهند كما في الجزائر ثم تونس ثم في بقية البلاد الإِسلامية التي وقعت في الاحتلال بعد الحرب العالمية الأولى. ونأخذ باختصار الصورة الفرنسية في البلدان المغربية؛ ففي الجزائر أقدم بلد وقع في الاستعمار وأطولها مُدّة كانت
стр. 645
فرنسا تريد جعلها قطعة من فرنسا، وقد أهملت التعليم بقصد إبقاء الضعف فيهم حتى سنة (١٨٨٣ م) -أي: بعد احتلالها لتونس- لتغير من طريقتها وتضع نظامًا تعليميًا هدفه اختراق شخصية المسلم وتغييره جذريًا لتكوّن "نخبة قادرة على استيعاب شروط الاستعمار، بل ومؤهلة للدفاع عن صيانته واستمراره" (١)، ويُصرح أحدهم أن الاحتلال التعليمي يعقب الاحتلال السياسي (٢)، وقد وصف محمَّد فريد حال التعليم في الجزائر بعد العمل الاستعماري في أثناء زيارته لها سنة (١٩٠١ م) فقال: "هجرت ربوع العلم، وخرّبت دور الكتب، وصارت الديار مرتعًا للجهل والجهلاء، وكادت تدرس معالم اللغة العربية الفصحى، وتطرقت إلى اللغة العامية الكلمات الأجنبية، بل أصبحت اللغة الفرنساوية هي لغة التخاطب في العواصم. . . . إن حالة التعليم في القطر الجزائري سيئة جدًا، ولو استمر الحال على هذا المنوال لحلت اللغة الفرنسية محل العربية في جميع المعاملات، بل ربما لن تدرّس العربية بالمرة مع مضي الزمن، فلا الحكومة تسعى في حفظها ولا تدع الأهالي يؤلفون الجمعيات لفتح المدارس. . . ." (٣).
ولم يكن الحال بأحسن في تونس، فبعد احتلالها سنة (١٨٨١ م) "عينت على رأس "إدارة المعارف" فرنسيًا مستعربًا هو لويس ماشويل. . . . فاستولى بتلك الصفة على جميع الأجهزة الثقافية والتعليمية، حتى تعليم جامع الزيتونة، ووضع قوانين تعطي الأولوية للغة الفرنسية على اللغة العربية في البرامج الدراسية، ومنع على جامع الزيتونة تدريس العلوم العصرية"، فعطل الاستعمار المسيرة التحديثية التي قد أسسها "خير الدين التونسي" وغيره (٤).
وكما أدار "كرومر" الوضع في مصر أدار "ليوطي" الوضع في المغرب بمساعدة "جورج هاردي" الذي كان على رأس مديرية التعليم (٥)، لم يلغ القرويين
стр. 646
ولكنه أقصاه بطريقة ذكية، فأوجد ثلاثة أنواع من التعليم، "وهي: تعليم أوروبي خاص بالجالية الأوروبية، يدرسون ما يدرسه الفرنسيون. تعليم فرنسي -إسرائيلي تابع لمدارس الرابطة الإسرائيلية الدولية، باللغة الفرنسية، باستثناء خمس ساعات أسبوعية للغة والثقافة العبريتين. وقد انصبت سلطات الحماية أساسًا على هذين النوعين من التعليم. تعليم للمسلمين نظام ضعيف خاص بهم، وجعله على قسمين:
تعليم العامة: ويكون أساسًا باللغة الفرنسية، إعطاء ثقافة عامة، وهدفه أعوان ويد عاملة وما في بابها.
تعليم النخبة: لأبناء الأعيان، وأغلب دروسه بالفرنسية، والناجح يواصل دراستهُ في التعليم الثانوي الإِسلامي، أنشأته الحماية لصرف سكان المدن من النخبة عن إرسال أبنائهم إلى الشرق" (١).
فجعل التعليم الجيد للمحتلين واليهود أما تعليم المسلمين، فالتعليم إما لتوفير الأيدي العاملة أو لصرفهم عن الاتصال بمعاهد الشرق الإِسلامية، حتى لا يتأثروا بها، وبالطريقة نفسها كان الاستعمار الإيطالي يفكر في ليبيا، فعندما اقترح بعض رجال الإدارة الاستعمارية إلغاء التعليم الديني الثانوي اعترض مدير التعليم في المستعمرات الإيطالية، بحجة أنهم لو منعوه لذهب الطلاب إلى الزيتونة أو الأزهر، فيقتبسون منهم كثيرًا من الأفكار والآراء، فيرجعون إلى بلادهم بأفكار أشد وبالًا على مصالحنا الاستعمارية،. . . . "فلنحدد مدرسة عالية، نحدد التعليم فيها كما نشاء، فلا نضطر الطرابلسيين إلى طلب العلم في خارج بلادهم، حيث تتسمم أفكارهم ونفوسهم" (٢).
انشغل المسلمون بالجهاد وتحرير البلاد وتعطلت الكثير من مشروعاتهم الإصلاحية والتحديثية والتعليمية من أجل التفرغ لفريضة الوقت آنذاك، بينما انشغل المحتل بصناعة جيل عبر التعليم يتولى إدارة العالم الإِسلامي سياسيًا وفكريًا واجتماعيًا، وكان أخطرها تيار التغريب العلماني بمذاهبه المختلفة الذي تولى الدور عن المستعمر بجانبيه السياسي والثقافي، حيث كان المستعمر سياسيًا
стр. 647
يعمل عبر جيوشه التي أدارت المستعمرات ويعتمد ثقافيًا على المبشرين والمستشرقين، وبعد خروجه ترك خلفه جيشًا خطيرًا من المتغربين يقودون بلادهم سياسيًا وفكريًا.
ومن المفيد أن نذكر أن "العلوم الحديثة" لو كانت بأيدٍ أمينة قد لا يسلم أصحابها من انزلاقها نحو الخطأ أو الانحراف ما لم يجاهدوا في طلب إصلاحها وتصويبها، فكيف لو وقع بأيدٍ غير أمينة وتولى إدارة مؤسساته عدو خطير للأمة خرج للتو من معركة طويلة مع المسلمين قُدر له النجاح فيها بسبب ضعفنا وتقصيرنا، أكتب هذا التذكير؛ لأنّ هناك مجموعة كانت ترى أن دخول الاستعمار كان فيه نجاة الأمة، ودُعاة هذه المقولة هم أصحاب المكاسب، ولاسيما التيار التغريبي (١)، حيث طغى هوى المصالح عليهم فأعمى أبصارهم عن التخريب الخطير الذي صنعه الاستعمار في بنية التعليم.
سياسة التعليم الاستعمارية:
لقد سلك الاستعمار "سياسة تعليمية" خطيرة، ترتكز على دعامتين (٢):
الأولى: إضعاف المؤسسات الإِسلامية العلمية على ما تعانيه.
الثانية: رعاية التعليم العصري والتقدم المدني بحيث يصاغ بطريقة تلائِم أهواء المستعمر.
فأما الأولى فقد مورس على المؤسسات العلمية الإِسلامية محاولة خطيرة لإقصائها عن رأس هرم التعليم؛ لما يمثله ذلك من خطر في نظر المستعمر، حدث ذلك بصورة خطيرة مع الأزهر عبر تهميشه وتهميش خريجيه مع وضع نظام تعليمي منافس له، وكذا كانت الحال مع الزيتونة والقرويين وغيرهما (٣).
стр. 648
أما الثانية وهي الأخطر؛ لأنّ المقصود إقصاء التعليم الإِسلامي، ولن يتحقق ذلك إلا بتكوين تعليم يحقق ذلك الهدف، وكان من أهم الأمور هو نزع الإِسلام من حقل التعليم، وكذا التاريخ الإِسلامي وكل ما يُذكّر الطالب بإسلامه، وقد تولى "دنلوب" هذه المهمة في مصر (١)، ونجح فيها تحت قوة عسكرية تحميه، لدرجة أن كبير المنصرين -زويمر- في تلك المرحلة يعلن بكل وقاحة: "إن السياسة الاستعمارية لما قضت من نصف قرن على برامج التعليم في المدارس الابتدائية أخرجت منها القرآن، ثم تاريخ الإِسلام، وبذلك أخرجت ناشئة لا هي مسلمة، ولا هي مسيحية، ولا يهودية. ناشئة مضطربة مادية الأغراض لا تؤمن بعقيدة ولا تعرف حقًا فلا للدين كرامة ولا للوطن حرمة" (٢).
وفي السياق نفسه جاءت شهادة "هاملتون جب" في كتابه: "وجهة الإِسلام" أن التعليم كان أكبر عامل في تغريب المجتمع المسلم، وفيه يقول: "وفي أثناء الجزء الأخير من القرن التاسع عشر نفذت هذه الخطة إلى أبعد من ذلك بإنماء التعليم العلماني تحت الإشراف الإِنجليزي في مصر والهند"، ثم ذكر كيف أضعفت هذه المدارس "النزعة الإِسلامية" عند التلاميذ ثم قال: "لقد استطاع نشاطنا التعليمي والثقافي عن طريق المدارس العصرية والصحافة أن يترك في المسلمين، ولو من غير وعي منهم أثرًا يجعلهم في مظهرهم العام لا دينيين إلى حد بعيد" (٣).
ولا شك أن شهادة هؤلاء لها ثقلها لقربهم من مجال التعليم وصلتهم بالحركة الاستعمارية، وإن كانت ربما تخفي في طياتها رغباتهم أكثر مما هو موجود في الواقع، وكنا سنشك في هذه الشهادات الخطيرة لولا إقرار كثير من المفكرين المسلمين بهذه الحال في المجال التعليمي، ولولا اعترافات طلاب تلك المدارس فيما بعد، ومن ذلك ما قاله الأستاذ "محمَّد لطفي جمعة": "إننا تعلمنا في المدرسة الثانوية. . . . في أوائل هذا القرن (١٩٠١ - ١٩٠٢ م) وكان أستاذنا في التاريخ المستر هيل" حيث أعلى من شأن تاريخ أوروبا وشوه تاريخ
стр. 649
المسلمين وصور "أمة العرب التي أنجبت مئات الألوف من رجال العلوم والفنون والآداب، والذين علموا أوروبا وهذبوها، في وحشية وقسوة تعادل وحشية الفرس الوثنيين قبل الميلاد بخمسة قرون، فصدقنا هذا وآمنا به وتعلمناه وحفظناه وأدينا فيه امتحانات" (١)، وهكذا تُمارس عملية غسل دماغ مركزة على الطلاب.
ويمكن أن نلمس عمق هذا العمل وخطورته في شهادة لرجل -هيكل- كان من كبار حركة التغريب وزعيم فكري لا خلاف حوله عند التغريبيين، فبعد أن انسحب منهم قال في شهادة لا تنقصها الصراحة: "إن وزارة المعارف تخضع اليوم وأمس وستخضع غدًا وبعد غد إلى أن يتاح لها النصر السياسي إلى السياسة التي كانت تخضع لها أيام أن كان "دنلوب" مستشارًا لها مع فوارق عدد المدارس وعدد الأساتذة، إن سياسة التعليم في وزارة المعارف ستظل اليوم وغدًا كما كانت بالأمس وقبل الأمس خاضعة للسياسة الغربية والحضارة الغربية"، إلى أن قال: وهذه "الحضارة استعمارية عدوة للعلم على خط مستقيم، وهي كذلك حيثما ذهبت حاربت العلم وحاولت حصره في طبقة ضيقة، وفي حدود ضيقة لتتخذ من هذه الطبقة بطانة لها تروج الاستعمار"، إلى أن قال: "وكذلك وضعت يدها على وزارات المعارف حيثما ذهبت، وعملت دائبة على إفساد هذه المقومات النفسية والخلقية والقومية مكتفية بطائفة من المعلومات العلمية التي تحتاج إليها أداة الحكم" (٢).
وهي شهادة خطيرة ممن عاصر الاستعمار، وكان أداة من أكبر أدوات التغريب، فهي تكشف عمق التغلغل للانحراف في مؤسسة التعليم التي صنعها الاستعمار وتحديات استقلالها، والأخطر من ذلك هو كشفه لزعمٍ يردده المتغربون، فيرد عليهم، وهو الذي كان منهم بأنها وإن كانت مؤسسة علمية فقد كانت ضدّ العلم (٣)، مؤسسة تستغل ستار العلم لتُبعد الأمة عن دينها، وتقتل في تلك المؤسسات روح الطلاب وهويتهم الإِسلامية، وحتى في العلوم الدنيوية التي
стр. 650
برع فيها الغرب لم يضع في مدارسه الاستعمارية إلا ما يُخرج لهم مجموعة من الموظفين. وقد ذكر أحد أقطاب الفكر القومي قريبًا من هذا، حيث أوضح أن الاستعمار لم يكن من أهدافه تعليم الشعوب المستعمرة، ولكنهم وجدوا أنفسهم في حاجة إلى استغلال البلاد وثروتها فشعروا بضرورة تعليم أولاد المستعمرات لإعدادهم للقيام بالأعمال اللازمة لهذا الغرض، ولم يجعلوه مثل التعليم الغربي؛ لأنّ في الغربي موضوعات عن حقوق الإنسان وحقوق الشعوب والثورات ضد الطغاة والمحتلين، فأزالوا كل ما من شأنه إيقاظ المُستعمَرين (١). وأبعدوا العلوم الإِسلامية من هذا التعليم، وهي التي تشكل هوية المسلم، كما منعوا منها حتى بعض المبادئ الإنسانية، وكان الكرامة والحرية والاستقلال خاصة فقط بالأوروبيين، ويعطون الناس فقط ما يحولهم لأيدي عاملة، وكما قيل: "عقل بريطاني ويد مصرية" أو "أيدي عاملة لا عقول مدبرة" (٢)، وفي بعض البلاد كانت سياسة التجهيل في مؤسسات التعلم الاستعمارية هي الأساس كما في الجزائر مثلًا، وإذا فكر الاستعمار بتوسيع دائرة التعليم اعترض المعمرون الفرنسيون في الجزائر بقولهم: "إذا كانت فرنسا عازمة على تكثيف وتوسيع انتشار تعليم الأهالي، فإلى أين سيؤول مستقبل ضيعاتنا؟ أين سنتجه للحصول على اليد العاملة الفلاحية؟ " (٣)، فيشترك الجميع من المستعمرين في تحديد هدفهم من التعليم، بحيث لا يتجاوز هذا التعليم تكوين جيل يناسب أعمالهم داخل بلادنا الإسلامية.
آثار السياسة التعليمية الاستعمارية:
سأقف مع آثار خطيرة تركها الاستعمار في بنية التعليم داخل العالم الإِسلامي أسهمت في الانحراف بالعلم، ونحن في أشد الحاجة كما تحررنا من الاستعمار السياسي أن نحرر العلم ذاته من المشكلات التي صنعها الاستعمار بداخله.
стр. 651
١ - تهيئة بيئة تسمح بتسرب الانحرافات وتغذي حركتها:
لقد صنع الاستعمار بيئة علمية هشة، تقبل -بسهولة- الانحراف بالعلم وتضعف في مجال التقدم به، لا يجد الاستعمار مبررًا أن يصنع لنا منظومة علمية تساعدنا في التقدم وتحصيل القوة، ومن الطبيعي أن لا يحرص على ذلك، ولكنه كان حريصًا على إيجاد منظومة علمية تُخرج له من الأفكار والأفراد ما يسمح باكتساح حضارته ومنتجاتها الفكرية والمادية لبلاد العالم الإِسلامي، فتبقى أمتنا على مستوى من الفكر في حدود ما يجعلها تقبل الاستيراد الفكري والتقليد والتبعية، ويكون هناك من الأفراد من يتحمل الدعوة لذلك، ولا شك أن المؤسسة العلمية هي أهم جهة مسئولة عن ذلك.
إن البيئة العلمية والفكرية التي وضعها الاستعمار لم تكن تخدم الأمة، فقد كانت ضدّ العلم النافع، ولكنها في المقابل كانت بيئة جاذبة للانحرافات وذات أجواء تسمح بحياتها ونموها واتساعها وتجذّرها داخل المجتمع، سكان هذه البيئة من أبناء المسلمين بينما كانت قبل الاستعمار من غير المسلمين كالأقليات الموجودة داخل المجتمع الإِسلامي، وأما غذاؤها فتحصل عليه من قبل المستعمر مباشرة عبر جهاز كبير من المبشرين والمستشرقين وخبراء السياسة وعلماء العلوم الاجتماعية فضلًا عن التركة الثقافية والأدبية والفنية الغربية التي تبحث عن مستقبلين لها.
أصبحت هذه البيئة قادرة على تفعيل كل انحراف وتوظيفه بما يؤثر في مسيرة الأمة، ومن الأمثلة لذلك في المجال العلمي ونظرياته: انشغال الفكر الإِسلامي وقت الاحتلال البريطاني بنظرية داروين، وقد رأينا في فقرة الصحافة كيف كانت تفاعلاتها الكبيرة عبر صحافة تلك المرحلة، ولاسيما تلك التي يدعمها الاستعمار، ويمكن العودة للموضوع لإدراك حجم تفاعلاتها ويضاف هنا مقولة للجندي في الموضوع: "واستغل النفوذ الاستعماري في مجال التبشير والتغريب "نظرية داروين" وعمل على توجيهها لتكون سلاحًا من أسلحة معارضة الفكر الإِسلامي"، ثم ذكر أن النظرية بعيدة عن هذه المسائل الدينية، "ولكن النفوذ الاستعماري وحركة التبشير ومن ورائها قوى التغريب استغلت هذه النظرية لإثارة جو من الشكوك والريب" (١)، ويقول أيضًا: "وقد أشارت بعض مصادر
стр. 652
التغريب إلى أن الاستعمار والغزو الثقافي قد استغل نظرية دارون لخلق تيار المادية التي برزت فيه من بعد وممثلة في نظريات لورنس وفرويد ودوركايم وماركس" (١)، وسمحت هذه البيئة فيما بعد بدخول الكثير من النظريات، كأدوات لهدم هوية المجتمع، ولم تدخل كنظريات داخل مؤسسات علمية قادرة على تحليلها ودراستها ونقدها.
وقد أصبحت هذه البيئة بقيادتها التغريبية مصدرًا لضرب الأمة، حيث ابتعث مجموعة في دراسات لا تحتاجها الأمة، وإنما في علوم اجتماعية حولها الكثير من اللغط، ثم عادوا ليُخرِج القادر منهم مشروعًا خطيرًا، أشغل الأمة الإِسلامية وقت الاستعمار وبعده. ومن ذلك على سبيل المثال: "طه حسين" ولاسيما "الشعر الجاهلي"، و"علي عبد الرازق" بكتابه: "الإِسلام وأصول الحكم" وقت إعلان سقوط الخلافة وإلغائها، و"منصور فهمي" الذي أعدّ أطروحة الدكتوراه عن المرأة في فرنسا بإشراف اليهودي المشهور "ليفي برول"، ويؤسس "إسماعيل مظهر" مجلة العصور لتكون إحدى أشهر مجلات التغريبيين، وكذا الحال مع "محمَّد حسين هيكل"، فضلًا عن نشأة تيار فكري شديد الغلو في التغريب والعداء للدين وهو الاتجاه الماركسي (٢)، ومن بين ما ركز عليه هؤلاء: الانحراف بالعلم الحديث وتوجيهه في هدم الدين بدرجات متفاوته.
وستبقى هذه البيئة مصدر إثارة للمشكلات؛ لأنها بيئة صنعها العدو لأهدافه آنذاك، وأي بيئة علمية أو فكرية أو ثقافية أو أدبيه لم نصنعها نحن بأنفسنا ولم نؤسسها وفق أصولنا، فستبقى تلك البيئة ضدنا وينتج عنها ما يتعارض مع هويتنا.
٢ - صناعة الازدواجية في التعليم وعلمنته:
مما أحدثه الاستعمار في البيئة العلمية وأسهم فيما بعد في الانحراف بالعلم تلك الازدواجية، فقد كان المستعمر يعرف حاجة المسلمين للعلوم الحديثة، وفي الوقت نفسه يعي حجم المنظومة العلمية الإِسلامية وخطورتها على
стр. 653
أهدافه الخبيثة، وكان من أخطر ما عمله الاستعمار لتجاوز هذه العقبة التي أمامه صناعة الازدواجية بين منظومتين علميتين: الأولى هي الإِسلامية، فسعى إلى إضعافها وقتل شروط نجاحها، وحصارها بكل أسلوب ممكن، أرادوا حرمانها من القوة والانتشار، فضلًا عن السماح لها بتأصيل العلوم الجديدة وإمدادها بالتصورات الإِسلامية وقيَمِهِ العظيمة. والثانية منظومة التعليم الحديث الاستعماري بقيم ورؤى استعمارية، وإمدادها بأسباب النجاح والتمكين، مع وضع إسفين العداوة بينها وبين علوم الأمة.
ثم انتقل الاستعمار خطوة أخرى نحو علمنة التعليم، فبالرغم من كون المسؤولين عن التعليم هم من المنصرين، إلا أن سماحهم للدين الإِسلامي أن يتصل بهذه المنظومة سيؤدي إلى غير مرادهم، ومن هنا جاء سعيهم إلى التأصيل الفكري لعلمنة التعليم، والسعي العملي لتطبيق ذلك في أرض الميدان. بذلك ينمو هذا الميدان الجديد دون هوية سوى الهوية الاستعمارية، لقد عُرض في الفصلين الأولين من هذا الباب أن المجتمع الفرنسي عندما فُرضت عليه العلمنة، قام بتأسيس مدارس لا تتبع الحكومة، يدرس فيها أبناؤهم علوم دينهم مع العلوم الجديدة، ولم يجدوا من يضايقهم، أما في البلاد المستعمَرة فهناك مضايقات للتعليم الإِسلامي وعدم السماح له بالحيوية والحركة بخلاف التعليم الاستعماري.
وهذه الازدواجية والعلمانية التي أوجدها المستعمر في النظام التعليمي، ما زالتا تسيطران على كثير من أنظمة التعليم الإِسلامية من قريب أو بعيد، مما يعني أن الأمة الإِسلامية لم تستطع في الغالب تجاوز هذه المشكلة، ولم تستطع تقديم مشروعها الخاص الذي يوحد بين العلوم في ظل منظومة إسلامية متكاملة.
٣ - ترسيخ الهزيمة النفسية في مجال التعليم:
نجح الاستعمار في اختراق الكثير من المسلمين وإصابتهم بهزيمة نفسية غير مسبوقة، نحو الحضارة الغربية، ففي مجال العلم أراد الاستعمار إقناع المسلمين بأنهم أمة أمية جاهلة لا شأن لها بالعلم، وغير قادرة على شيء منه، وحظها منه الحفظ والشرح دون الإبداع والاختراع. وقد وُظف منهج التاريخ في المدارس لزراعة هذا التصور، فلا يُعرض لهم إلا أدوار اليونان والرومان والإغريق قديمًا
стр. 654
وأوروبا حديثًا في ميدان العلوم والصناعة والإبداع، فإذا جاء إلى المسلمين صورهم في أسطر قليلة بكل مذمة ونقص تصريحًا أو تلميحًا. وعندما يرضع الطفل من مراحله الدراسية الأولى هذه المعاني ويكبر معها تتأثر قناعاته بمكانة أمته، ويصدق أن الغرب هم منبع التقدم والعلوم، ويسهل عليه فيما بعد الاستسلام للغرب والانقياد لتوجيهاته.
لقد صنع النظام التعليمي الاستعماري مناهج للدراسة تؤهل الطلاب للحالة السابقة، طلاب ضعفاء في معرفتهم للإسلام وحضارته أقوياء في معرفة لغة الغازي وثقافته وفنونه وتاريخه، ولذا يصعب على هؤلاء الطلاب التواصل مع علومهم الإِسلامية إن لم يرغبوا عنها ويزهدوا فيها ويخجلون حتى من تعلمها، فلا يكون هذا الجيل قادرًا على التفريق بين الموافق لدينه والمخالف له فضلًا عن قدرته في تأصيل هذه العلوم وتبيئتها في المحيط الإِسلامي. وقد كانت هناك كتب فقيرة محدودة قبل وصول الاستعمار في مصر وضعها بعض الفضلاء تعطي الطلاب تعريفًا بإسلامهم وحضارته في المدارس العصرية، فجاء الاستعمار ومنع تدريس حتى هذه الكتب التي تربط الطلاب بثقافتهم وهويتهم، فقد "أبطل دنلوب مختلف الكتب العربية الهامة التي كان قد ألفها علي مبارك وعبد الله فكري قبل الاحتلال؛ لأنها تتحدث عن الإِسلام والأخلاق الإِسلامية، كما رفع كتب عبد العزيز جاويش ونصوصه واستبدلها بكتب تحمل خرافات لافونتين. . . . كما ألغى الباب الوارد في مناهج التعليم تحت عنوان العقائد والعبادات الإِسلامية. ولما عورض في هذا العمل قال: إن كتب المطالعة يجب أن تكون مجردة خالية من كل ما له مساس بالدين" (١).
وبلغ الأمر ذروته من هذه المدرسة ومناهجها وفلسفتها وعملها لدرجة تصريح جمعية الشبان المسلمين في تلك المرحلة بقولها: "إن الوالد المسلم ليلتفت حوله فلا يجد مدرسة علمية واحدة يأمن فيها على دين ابنه او ابنته، وهو موقف شاذ وغريب فإن الطوائف الأخرى لها مدارسها الخاصة. أما الجمهرة المسلمة فقد كانت مدارسها هي مدارس الدولة، والآن حين تبدلت مدارس الدولة غير ما يبتغي المسلمون صار ضائعًا وأصبح الوالد المسلم في حيرة. إن
стр. 655
أقل ما ينتظر من وزارة المعارف في بلد دينه الرسمي الإِسلام وجمهرة أهله العظمى من المسلمين أن تخدم أحكام الإِسلام ونظمه وتقاليده، فلا تحاربه مع المحاربين ولا تخرج عليه مع الخارجين، وهل هناك ظلم أشنع من أن يربى أبناء المسلمين على ما ينافي الإِسلام رغم أنوف آبائهم المسلمين" (١)، مما يدل على أن هذا النظام لم يُدرس العلوم البحتة التي لا تمس الدين وقيم الإِسلام، وإنما يدرس معها ما ينافي الإِسلام، وقد رأينا اعتراف أحد طلاب تلك المدارس -أحمد تيمور- حول تزعزع دينه بين أسوار المدرسة.
لم تنقشع هذه السحابة إلا بعد ظهور الصحوة الإِسلامية بعلمائها ومفكريها، فأظهروا حقيقة التعليم الاستعماري وخططه في قتل معنويات الأمة، وإعادة تذكير المسلمين بحقيقة هذه الأمة العالمة التي برعت في العلوم النقلية والعقلية، وأن الغرب ذاته قد تتلمذ عليها قرونًا طويلة، وأن مرور الأمة بضعف في مرحلةٍ ما لا يكون مبررًا للوقوع في الهزيمة النفسية والاستسلام، بل علينا معاودة النهوض من جديد.
وهذه الآفة وإن خفت الآن فإنها في وقتها كانت من أخطر ما فتك بالمسلمين، مما جعلهم يسلمون مقاليد العلوم الحديثة للمستعمرين، وتركهم الدخول في مجالها بحجة عدم قدرتنا بلوغ ما بلغوه، فتُركت بأيديهم وبأيدي من أثّروا فيه من المسلمين بعد رحيلهم.
٤ - تحول المؤسسة العلمية في منبع لتوليد التيارات التغريبية:
إذا رجعنا للتيارات التغريبية بكل مسمياتها تجدها في الغالب قد خرجت من هذه المنظومة العلمية الاستعمارية، فأغلب قادة الفكر التغريبي ممن درس في معاهد رعاها الاستعمار، ولاسيما معاهدها العليا، "الجامعة الأمريكية" في الشام، و"كلية فكتوريا" في مصر (٢)، فضلًا عن المؤسسات الإِسلامية التي تولى الاستعمار إدارتها.
والعجيب أن هذه المنظومة العلمية وقت الاستعمار لم تخرج لنا علماء في
стр. 656
ميادين العلم المعروفة في أوروبا، في الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء وعلم الأرض والفضاء والتقنية والصناعه وغيرها من العلوم التي يتميز الغرب بها في العصر الحديث، ولكنها أخرجت لنا قيادات التغريب بتياراته المختلفة، فهذا القومي وهذا الليبرالي وذاك الماركسي، وهي الأبرز وقت الاستعمار.
وقد تولى هؤلاء فيما بعد القيادة في العالم الإِسلامي بما مكنهم به الاستعمار من الوصول إلى السلطة، ومن ثم إدارة منظومة التعليم التي صنعها الاستعمار بروحه المتمثلة في العلمنة والبعد عن الإِسلام إن لم تصادمه.
٥ - فتح الباب للنظريات الاجتماعية:
لقد أراد الاستعمار إرباك العالم الإِسلامي وإدخاله في دوامة لا تنتهي، وإذا كان الغرب قد عاش تلك الدوامة حوالي أربعة قرون وأكثر، فإنه أراد إشغالنا بها في زمن قصير، ومن ذلك أن المنظومة الغربية بقيت سنين طويلة حتى استوعبت مستجدات علم الفلك والفيزياء والرياضيات وبقية العلوم الطبيعية، ومع نهايات القرن التاسع عشر وأول العشرين (١٣ - ١٤ هـ) بدأت نظريات علوم الاجتماع وهي ما زالت تتفاعل داخل أوروبا ولم يتم استيعابها هناك، ولكن لأن هذه العلوم ذات مساحة ضبابية أوسع أُدخلت إلى العالم الإِسلامي بأشكال مختلفة، بدأ ذلك وبقوة وشهرة مع النظرية الدارونية، ولحقتها النظريات الاجتماعية المادية التي صاغتها الوضعية والماركسية تدخل عبر الصحافة والمفكرين وتشغل الفكر الإِسلامي آنذاك.
وقد كانت منظومة التعليم الاستعماري في مصر تتحرك في أجواء نظريات "سبنسر" التطورية، وعندما غادرت إنجلترا كان الوجود الأمريكي عبر مدارسة وإرسالياته وجامعاته قد تكثف داخل البلاد الإِسلامية فتم توجيه بوصلة التربية والتعليم من نظريات سبنسر إلى نظريات "جون ديوي" (١)، وكأن تاريخ المسلمين وتراثهم العلمي والفكري فضلًا عن واقعهم خالٍ من الأصول النظرية في هذه الميادين.
стр. 657
ثم فُتح الباب لدخول نظريات علوم الاجتماع المختلفة في علم الاجتماع والنفس والتاريخ واللغة والنقد والقانون والاقتصاد والسياسة وغيرها (١)، وأصبحت الدراسة العليا في بلاد المسلمين وكأنها نسخة من معاهد الغرب، بعد تفريغها من المحتوى الذي يمكن أن يعطينا القوة. ومع فتح الباب لهذه العلوم يمكن القول بأنه قد أُقفل مسار تطورنا نحو التحديث وامتلاك العلوم النافعة، وفتح في المقابل مسار الانشغال بنظريات وأفكار لم تُنجز بعد في بلدها، ونُقل لنا منها ما يخدم الاستعمار ويخدم تفوق الغرب فقط.
وهكذا نجد في الغرب مئات الجامعات المتخصصة في العلوم النافعة من طب وهندسة وتقنية فضلًا عن مراكز الأبحاث العملاقة، ومراكز ومعاهد وأكاديميات في هذه العلوم هي أهم وأكثر نفعًا لهم وللعالم، ولا تُقارن في عددها ونفعها بالجامعات المتخصصة في العلوم الإنسانية. وعندما جاءنا الاستعمار لم يمنحنا من النوع النافع شيئًا بينما أغرقنا في كليات العلوم الاجتماعية والإنسانية، وليس مقصدي التقليل من أهمية العلوم الاجتماعية والإنسانية، فهي مهمة شريطة التأصيل الإِسلامي لها، ولكنها ليست هي ما كنا نريده من الغرب، فقد كان من الممكن إنشاء علوم اجتماعية أصيلة دون الالتفات إلى نظريات اليهود والماديين والوضيعين، بخلاف العلوم المادية فهي مهمة ونحن في حاجة إليها ولا توجد آنذاك إلا عند الغرب، ولكن الاستعمار نجح في تشكيل تيار تغريبي يرى أن التقدم مرهون بنقل الأفكار قبل العلوم، وتغيير العقول والتصورات في المجتمع الإِسلامي ثم نقل الجانب المادي، فبقينا إلى الآن دون استقلال حقيقي بعلوم اجتماعية نافعة أو علوم بشرية مادية مفيدة، نسأل المولى أن يغير حالنا إلى ما يرضيه سبحانه.
وخلاصة الفقرة أن الاستعمار يعد أخطر الأحداث التي وقعت بالمسلمين في العصر الحديث، وقد لعب دورًا خطيرًا في الانحراف بمسيرة العلم داخل البيئة الإِسلامية، من جهة صنع الانقسام بين العلوم الإِسلامية والعلوم العصرية، وزرع بذور المشكلات في بنية التعليم العصري، بالتركيز على أبواب نحن في غير حاجة إليها أو ضررها أكثر من نفعها.
стр. 658
سادسًا: بيئة ثقافية جديدة وحضور التيار التغريبي فيها
إن الأحداث الكبار التي عرفها العالم الإِسلامي من القرن (١٢/ ١٨) قد أوجدت بيئة ثقافية وفكرية جديدة، تصب فيها مشارب مختلفة، وتختلف هذه البيئة بحسب المكان الذي ظهرت فيه فتجدها تكتسب بعض صورتها من عناصر ذلك المكان.
كان يقود هذه البيئة مجموعة من العلماء والمفكرين والكتاب والأدباء وقيادات اجتماعية وسياسية، وكانت أدبياتها تظهر في الكتابات الفكرية والصحافة والأدب والنشاط السياسي والاجتماعي، وقد كانت هذه البيئة -أول ظهورها- أقرب لمفهوم الإصلاح والتحديث الإيجابي ولكنها -بعد تغلغل شخصيات مُختَرقة من الفكر الغربي أو دخول أطراف دينية غير إسلامية في نشاطها-، تحولت تدريجيًا نحو التغريب والابتعاد عن الإِسلام، ثم ازدادت حدّة ذلك مع واقعة الاستعمار الضخمة للعالم الإِسلامي، إذ قام جهد ضخم وكبير لتفريغ هذه البيئة من كل مضمون إسلامي وفي المقابل تغذيتها بكل ما هو ضد الإِسلام، وهيأ الاستعمار الظروف المناسبة لوصول المناهضين للإسلام أو الضعفاء في تصورهم حوله إلى قمة هذه البيئة، ووفر لهم كل الدعم، مما جعلها بيئة مثالية لتوليد تيارات التغريب، وحُصر مفهوم التقدم والتحديث والمدنية بالتصور الذي يطرحه الاستعمار ويتشربه أصحاب هذه البيئة، وأخطر صور ذلك: سعيه لجعل مفهوم التقدم يتعارض تمامًا مع الإِسلام، وأنه لا حلّ للمسلمين إن أرادوا التقدم إلا بنبذ الإِسلام، وقد استجاب لهذا الطرح نخبة كبيرة من أصحاب هذه البيئة الجديدة.
стр. 659
يختلف أصحاب هذه البيئة، ففيهم الصادق في طلب إصلاح الأحوال، ولكنه ضُلِل كما ضُلل الكثير في الطريق المناسب، وتشبّع بالشُبَه التي أثيرت في عصرنا الحديث، وفيهم أصحاب المصالح والأهواء، ووجدوا في سلوك دعاوى التحديث فرصة لتحقيق مصالحهم. وفيهم الأعداء للأمة من طوائف وملل مختلفة، جمعهم الاستعمار في إدارته واستعان بهم في مهمته وفتح لهم المجال في الحركة، ولاسيما المتعلمنين من اليهود والنصارى ومجموعة من أبناء الفرق المغالية المنتسبة إلى الإِسلام، فضلًا عن مجموعة من المسلمين نجح الإضلال الفكري في صرفهم عن الإِسلام وتوظيفهم في جهاز التغريب.
هكذا تكونت بيئة غير متجانسة باستثناء هدف واحد ظاهره طلب الحداثة وباطنه معارضه الإِسلام ونبذه، وأعتقد أن من بين أهم الأسباب في استمرارها وجود شخصيات إسلامية مميزة استعانوا بها ممن نشطوا قبيل الاستعمار وفي أثنائه في قيادة الفكر الإِسلامي في البلاد التي وقعت تحت الاستعمار، ورغم جهودهم العظيمة في توحيد صف المسلمين ومحاولة استنهاضهم ورفضهم لكثير من البدع والانحرافات ونشاطهم في توعية المسلمين والرد على خصوم الإِسلام ونقل المفيد من الحضارة الغربية، وهو جهد عظيم لا يعرف قيمته ومكانته إلا من عرف ظروف تلك المرحلة، ومع ذلك ففيهم طائفة كبيرة وقعت في مأزق منهجي خطير فتح الباب لشرور عظيمة، حيث وقع هؤلاء في أسر الحضارة المستعمِرة والغازية وثقافتها من جهة ومن جهة أخرى هالهم هذه الأجيال الذكية المميزة التي يستهويها السير في ذلك الثقافة الغربية بعد أن عصبوا على أعينهم وسدّوا آذانهم وأسلموا ذواتهم لتلك الحضارة، وفي الوقت نفسه لم تكن تركة هذه العُصْبة المسلمة كافية في تحمل أعباء تلك المرحلة، فقذفت بمشروعها المرتبك مع شخصيات مشهورة مثل "الطهطاوي" و"التونسي" و"علي مبارك"، وهي أكثر وضوحًا مع مدرسة "جمال الدين الأفغاني" المشهورة وقائدها من بعده الشيخ "محمَّد عبده".
وأخطر ما تبناه هؤلاء الفضلاء وأُعجب به جيل التغريب -وهو أضعف جزء في مشروعهم من الناحية الشرعية المنهجية- هو توسعهم في منهجية التأويل بما تعنيه من عملية تلفيق، فما أن تعالج جزءًا من المشكلة حتى تفتح الباب لمشاكل أخرى، ولذا وإن لم يُسهموا في الانحراف بالعلم فإنهم أعطوا رؤية غير
стр. 660
صحيحة عن العلاقة بين العلم والدين، أخذها التغريبيون وساروا بها إلى أقصى مداها، فقد جعلوا للعلم الحديث مكانة تصل إلى تأويل كل نص يُتوهم تعارضه مع العلم، مع أنهم لم يبحثوا عن ماهية هذا العلم، وهل هو في حكم الحق الذي لا يتغير حتى نصل إلى استخدام التأويل؟ مما جعل غيرهم يقولون بلسان حالهم أو مقالهم: إذا كان العلم له هذا السلطان فلماذا هذه الإزاحة البطيئة للدين، فنبقى كل يوم نؤوِّل نصًا؟ لماذا لا نضع العلم والفكر والحضارة الغربية في رأس دعوتنا ونفصل الدين عن نشاطنا (١)؟
ليس غرضنا تتبع هذا السجال إلى نهايته، وإنما المراد بيان صورة البيئة الثقافية الجديدة وسكانها بمشاربهم المختلفة، وهي بيئة نشأت في حواضر العالم الإِسلامي بداية العصر الحديث، وقد تأخر حضور التيار الإِسلامي السلفي فيها، لكونها حواضر يغلب عليها الوجود لتيارات أخرى "كلامية وصوفية"، وعندما حضر نجح في إعادة توجيه مسار بعض أصحاب هذه البيئة وإن كانوا لا يلغون الجهود الحسنة والعظيمة التي قام بها مصلحون إسلاميون ينتمون لتيارات أخرى، ولاسيما مدرسة الأفغاني وعبده الشهيرة، فضلًا عن مراكز العلم الإِسلامية المهمة كالأزهر والقرويين والزيتونة.
أخطر ما عرفته هذه البيئة الثقافية الجديدة هو تيار التغريب الواسع، الذي يقود من معه نحو تنفيذ المخطط الغربي الذي يريده للعالم الإِسلامي، وللأسف فهو وإن ادعا تقليد الغرب، فالحقيقة أنه ليس داعيًا إلى تقليد الغرب وإنما هو أداة لتنفيذ برامج غربية يُراد صياغة العالم الإِسلامي على منوالها؛ لأن هذا التيار لو دعا لتقليد الغرب لكان هناك من الأمور الحسنة التي ينبغي أخذها عن الغرب ما يكفي لتفهم موقفهم من علوم رياضية وهندسة وعمران وإدارة وعلوم طبيعية وعلوم الطب وعلوم الصناعة والتقنية وغيرها كثير، ولكن بالعودة إلى تيار التغريب لا نجد شيئًا واضحًا في هذه الجوانب بخلاف ما لا نفع فيه أو نفعه مشكوك فيه أو ضرره أكثر من نفعه من أفكار وأيديولوجيات وآداب وفنون وغيرها، بخلاف الأمور النافعة فقد شارك عامة المسلمين في نقلها بحيث لا يحسب ذلك لأهل التغريب.
стр. 661
إن مشروعات التحديث التي دعا لها "الطهطاوي" و"التونسي" وغيرهما قد أغفلها الاستعمار وتيار التغريب، وتحول التحديث إلى تغريب، من ذلك التحديث في أبواب العلوم والمعارف إذ تحولت إلى مشروع لنقل ثقافة غربية لا تناسبنا ولا نحتاجها، فما هو تيار التغريب؟ وما أثره في الانحراف بالعلوم الحديثة؟ وما المشكلات التي صنعها في بنية تعليمنا الحديث؟
يأتي في التمهيد موضوع التعريف بتيارات التغريب، وهو خليط غير متجانس من آثار التنوع الغربي المؤثر، فكل مجموعة قلّدت مذهبًا أو مدرسة أو تيارًا أو غير ذلك مما عُرف في الغرب، يجمعها أن وجهتها نحو الغرب ورؤوس أصحابها قد استدارت إلى حضارتهم وثقافتهم.
لم يكن يتم الاختراق الغربي بكل توجهاته للعالم الإِسلامي إلا بإيجاد فئة تتقبله وتهيئ أرضية مناسبة للحركة، وقد اتخذ ذلك عدّة طرق: الاهتمام بالمبتعثين ورعايتهم، فمنهم من نجح الغرب في التأثير عليه وتوظيفه، ومنهم من نجا ونجح في مقاومة ذلك. ومن الطرق تلك الإرساليات المختلفة من الغرب: إما دينية بنشاطها العلمي والصحفي، أو منظمات سرية كالماسونية التي برزت في القرن (١٣/ ١٩). ونجح ذلك في استقطاب عدد من المسلمين، ليكونوا مجموعة أوسع خدمت الوجود الاستعماري فيما بعد، وخدمها هو أيضًا.
بدأت معالم نشاطهم في تكوين جمعيات سياسية واجتماعية وفكرية، تضم بداخلها النوعيات المتغربة أو تلك القابلة لعملية التغريب، بدأ ذلك في نهاية القرن (١٣/ ١٩) فانتشرت جمعياتهم ولاسيما في مصر والشام، ومع أول القرن (١٤/ ٢٠) تحول بعضها إلى أحزاب سياسية مهيأة للوصول إلى السلطة، ومن ثمّ توجيه مسيرة البلاد، وقد دعم الاستعمار بعض هذه الأحزاب وهيأ لها الوصول إلى السلطة في أثناء وجوده وأعطاها الأمر بعد خروجه.
يمكن تصنيف هذه الجمعيات والأحزاب التغريبية في ثلاثة اتجاهات وهي: قومية وأبرزها كان في بلاد والشام، وليبرالية وأشهرها انطلق من مصر مع حزب الأمة، وثالثها ماركسية واشتراكية وكانت تاريخيًا بعد الأولين، ولاسيما بعد نجاح الثورة البلشفية، فكان لهذه الاتجاهات الثلاثة أحزابها وجمعياتها، وكان هدفها الوصول إلى السلطة وقيادة البلاد التي هي فيه، وكان لها مفكروها وتياراتها الفكرية وصحافتها وإعلامها ومنابرها، وكان لها نشاطها الكبير وقت
стр. 662
الاستعمار وبعد خروجه، واستأثروا بالساحة الإِسلامية، حتى ظن البعض أن الإِسلام قد أقصي تمامًا مع هؤلاء، حتى جاءت الصحوة الإِسلامية لتبدد أحلام التغريبيين وتستعيد استنهاض الأمة وتنقذ آلاف الغرقى.
بالنسبة للأحزاب القومية فقد ظهر اختراق النصارى لها، ولاسيما مع انطلاقها من بلاد الشام التي عرفت وجودًا كبيرًا للإرساليات وكلياتها ومعاهدها وصحافتها والرموز التي صنعتها، بدأت قديما مع "بطرس البستاني" وجمعياته، ثم جاء التحول الكبير مع إنشاء جمعيات سرية نهاية القرن (١٣/ ١٩) وكان من كبار قوادها ومنظريها مجموعة من النصارى أو من أتباع الفرق الغالية المنتسبة للإسلام (١). وأما الأحزاب الماركسية وجمعياتها فقد ظهر اختراق اليهود لها، حيث غلب على قياداتها السياسية والفكرية الوجود اليهودي: في مصر أو العراق أو بلاد المغرب (٢). وأما القسم الليبرالي الذي عرف في مصر فقد كان لأفراده الأوائل صلة بالماسونية، وهم في الوقت نفسه من المسلمين المتأثرين كثيرًا بالحضور الغربي الكثيف في مصر لدرجة ابتعادهم عن الإِسلام واختيار العلمنة والحضارة الغربية بديلًا عنه.
ونظرًا لصعوبة المنافسة بين هذه الأحزاب الثلاثة فقد حدث دمج فكري وسياسي بينها، فظهرت لدينا في أثناء الاستعمار ثم بعد خروجه تيار "قومي اشتراكي علماني" وقد تمثل بوضوح في التجربة الناصرية (٣) أولًا، ثم في حزب البعث، والأحزاب الاشتراكية، التي وصلت للسلطة في بلاد المغرب "الجزائر وليبيا مثلًا" أو اليمن، وبوصولها جميعًا إلى السلطة بدأت أقسى عملية تغريب تولاها بنو جلدتنا بعد أن خرج المستعمر، وقد استعان في ذلك بالمؤسسة
стр. 663
التعليمية والتعليم، والمنظومة العلمية فضلًا عن المجال الثقافي عمومًا.
فانحرفت هذه التيارات الجديدة بحركة العلم والتعليم، وفتحت الباب لوجود بيئة علمية تُوظَف ضد دين الأمة وهويتها، وفي المقابل تُستنبت قيمُ حضارةٍ أخرى في هذا المجال وغيره، وبحسب الميول الغالبة للحزب يكون التوجه إما نحو الشرق الغربي الماركسي أو الغرب الليبرالي.
امتلكت هذه الأحزاب: المؤسسة العلمية والصحافة والإعلام ومنابر الفكر والثقافة ومؤسسات الفنون والآداب، وكل مؤسسات التأثير في الناس وحولتها بما يتوافق مع رؤاها. ونظرًا لأن البحث سيركز في أثر التيار التغريبي فلن أتحدث هنا عن أثره في الانحراف بالعلم الحديث ومناهجه ونظرياته؛ لأن الفصول القادمة بمباحثها كلها تتحدث عن هذا الدور، إنما الحديث هنا عن وصول تيار أيديولوجي إلى السلطة، وبما أنه تيار أيديولوجي فهدفه واضح: لابد من تغيير هوية المجتمع عبر كل وسائل التأثير وتحويلها إلى أيديولوجية السلطة؛ أي: أنه تيار له رسالة وليس صاحب سلطة أو رئاسة أو مال -وإن كان فيه كل ذلك- ولكن رسالته كانت أوضح: هدفها تغريب المجتمع.
يختلف الأمر عندما توجد سلطة هدفها السلطة ومكاسبها، لذا لا يتغير الكثير داخل المجتمع وإن تضرر بظلمها واستبدادها ونهبها لخيرات البلد واستغلالها لأمواله، بخلاف تلك التي تهدف مع امتلاك السلطة إلى فرض أيديولوجيتها مثل هذه الأحزاب التغريبية، فإنها تحول سلطتها إلى أداة لفرض أيديولوجيتها على المجتمع. وقد وجدت هذه الأحزاب في الفكر الغربي وآدابه وفنونه أداة مناسبة لتحقيق هذا الهدف، بما يعزز تمكنها من السلطة وبما يخدم تحقيق أيديولوجيتها التي هي في النهاية أيديولوجيا نجح الغرب في استزراعها داخل البيئة الإِسلامية ووظف هؤلاء المتغربين في نشرها.
ونظرًا لوجود هذا الإِسلام العظيم عقبة في وصولهم لأهدافهم، فقد فتحوا الباب لكل ما يجدونه في الغرب ضدّ الدين، واستخدموا كل الأدوات التي عرفها الغرب ضد الدين، ومع الاختلاف بين الحالين والمجالين، إلا أن التغريب قد حاول تبيئة تلك الأدوات، لتكون ضدّ الإِسلام ذاته بعد أن كانت في الغرب ضدّ الكاثوليكية في الأساس. ومن الأدوات التي استخدموها النظريات العلمية المختلفة التي تحقق لهم تشكيك المسلمين في دينهم، بل يُلبِسون كل
стр. 664
الأفكار الغربية ثوب العلمية في أثناء توظيفهم لها في انتقاص الإِسلام والطعن فيه ويتفانون في الدعوة له ولو خالف ذلك المعقول (١).
كما أنهم كوّنوا نظامًا علمانيًا سياسيًا، ومن ذلك تولد مشروع علمنة المجتمع عبر علمنة مؤسساته ونظمه، وقد حظي التعليم بنصيب الأسد من ذلك، وكما اعتنى الاستعمار بعلمنة التعليم وإقصاء روح الإِسلام من مؤسساته واصلت الأحزاب التغريبية هذه المهمة، حتى أصبح الإِسلام غريبًا فيها أو غير معروف لطلابها.
لقد ظهرت الدولة "القومية العربية الاشتراكية" في مصر والعراق والمغرب واليمن وغيرها نموذجًا لنجاح تلك الأحزاب الثلاثة، ومن أخطر ما تبنته هو العلمانية، ولاسيما بصورتها الكمالية نسبة لكمال أتاتورك التي لم يعرفها حتى الغرب الذي أنشأها (٢)، ومارست عملها الخطير في مؤسسات المجتمع وأكبر ضحاياها مؤسسة التعليم، حيث تحولت هذه المؤسسة إلى تحقيق الأيديولوجية العلمانية لهذه الدولة العصرية، وكانت هذه الدولة -دولة ما بعد الاستعمار- ثمرة الجهد الطويل من تغريب المجتمع الإِسلامي التي تولت بعد ذلك مأسسة الحياة كلها وفق قيم غربية تسمح ببقائنا في حالين خطيرين: البعد عن الإِسلام والضعف أمام العالم.
بعد هذه الرحلة ماذا نقول؟ عندما نقارن أسباب التقدم بأسباب الانحراف ماذا نجد؟ ما الخلاصة التي نصل إليها؟ لو كانت أسباب التقدم موجودة وعاملة لرأينا ثمارها ورأينا الإسهام في العلم، ورأينا الاستقلال العلمي الواضح، ولكن لا يوجد شيء واضح من ذلك، وها هي فكرة الابتعاث تزداد دون توقف، وهاهي الفجوة تتسع دون توقف، مع مرور ما يقرب من قرنين، وهو يعني أن هناك
стр. 665
أمراضًا مصاحبة لهذا النشاط العلمي تعليق نموه، ولكن هناك ما هو أسوأ من ذلك في المرحلة الماضية؛ وهو الانحراف الذي تسرب إلى هذا المشروع التحديثي المهم، وتوغل بقوة في الرؤية وفلسفة العلم وعلاقته بالدين. . . .، وأصبح حملًا ثقيلًا على الأمة، ويحتاج لجهد كبير من الفكر الإِسلامي المعاصر حتى يخلص الأمة من هذا الحمل، ومن أفضل الوسائل لتحقيق ذلك البحث في أسباب وجوده، ثم محاولة تصحيح الخطأ، ومنع الفساد، ومواجهة الأهواء، وقد أوصل التحليل السابق لمجموعة نتائج ذات صلة بهذا المطلب الإصلاحي، وأهمها:
أولًا: أن ضعف مؤسسات العلم الإِسلامية وعدم مبادرتها في تصحيح المسار قد فتح الباب لغيرها، فابتعد مسار العلوم العصرية عن مسار العلوم الإِسلامية، وأخطر صور الضعف الانشغال بعلوم لا نفع فيها أو بأعمال لا ثمرة منها، وأثر ذلك في صنع تصورات معيقة للعلم والعمل الصحيح، ومن بوادر التصحيح ما نراه من نشاط بارز في العالم الإِسلامي من جهة الأسلمة أو التأصيل أو غيرها من المشروعات. ولكن في التجربة الماضية ما يكفي من الدروس للأمة الإِسلامية بعدم التهاون مع العلوم الدنيوية من جهة وضع التصورات والأطر، ومن جهة العناية بها وحث النابهين لتحصيلها وتخفيف موانع تعلمها مع تقوية ربطها بالتصور الإِسلامي، وأهمية تصحيح العلاقة بين علوم الدين وعلوم الدنيا بعد أن فصلت بينها التجربة المعاصرة، ووضعت إسفينًا في تلك العلاقة، وها هو "الشافعي" ﵀ أحد أعلام الأمة وأحد المؤسسين للعلم الإِسلامي يقول: "العلم علمان: علم الدين وهو الفقه، وعلم الدنيا وهو الطب، وما سواه من الشعر وغيره، فعناء وعبث"، وقد تعلم الطب كما تعلم علوم الدين، وكان له عناية بذلك ﵀ (١).
ثانيًا: تعد المدرسة مكان العناية بالعلم العصري بما تحويه من رؤية ومنهج وموضوعات، وقد كانت تجربتها مريرة؛ حيث حُرمت المشروعات الإصلاحية المتكاملة من النجاح بخلاف تلك الضعيفة أو المتغربة أو المشبوهة أو الأجنبية
стр. 666
التي فتح لها المجال، وكانت إدارتها وتوجيهها -غالبًا- بأيد غير أمينة فلوثت مستقبل هذه المؤسسة المهمة، وأصبحت في بعض الفترات تمثل معاناة للأسرة المسلمة، وقال مفكر عاصرها: إن الطالب يدخلها بدين ويخرج منها بدين، فكيف نأمل من مدرسة بمثل هذه الحال أن تنجح في الرقي بالعلوم دون ضياع الدين، بل على عكس ذلك فقد تحولت إلى جاذب لما يضر بهوية الأمة دون أن تحقق الاستقلال الحقيقي في العلوم النافعة. وستبقى هذه العلوم تائهة ومضرة ما لم يملك العالم الإِسلامي مؤسسته العلمية؛ أي: يملك وضع التصور والرؤية والرسالة والأهداف والقيم.
ثالثًا: أما أثر الإعلام، ولاسيما المكتوب منه فهو خطير، ويظهر بوضوح في الرأي العام، وليس المقصود عموم المجتمع وإنما طبقته المتعلمة والمثقفة التي تجد مصدر معرفتها من هذا المنبع، وهو الغذاء المعرفي الذي يكوّن تصور القارئ ورؤيته ومواقفه، وهم طبقة مهمة وفي ازدياد، هذه الطبقة تتشرب رؤيتها وتصورها في العصر الحديث من خلال وسائل الإعلام، وقد نشأت صحافة علمية أو تهتم بالعلوم العصرية ولكن سبق إليها قوم تأثروا بالتغريب، وبلغ ببعضهم مبلغًا من كره الإِسلام والدين والرغبة في هدمه، واستعانت تلك الصحافة بتوظيف العلم ونظرياته في مآربها، وصوّرت العلم كأنه عدو للدين أو على أحسن أحوالهم جعله الممثل الحقيقي للصواب والمعرفة والعقلانية والنفع بخلاف الدين الذي قد أدى دوره بحسب زعمهم في زمن مضى وهو يسلم دوره الآن للعلم. وذلك الحدث يلفت الانتباه لخطورة الإعلام وأهمية دوره في صناعة الرأي العام والتأثير فيه، ومن المهم للمشروع الإِسلامي التصحيحي والتجديدي الانتباه لوسيلة الإعلام، واعتبارها مشاركًا مهمًا لأي مشروع تصحيحي وتجديدي في مجال النهضة العلمية، وإن ما غرس من خلال الإعلام لسنوات طويلة حول العلم ومناهجه ونظرياته مما يعارض الدين يحتاج منا استخدام الوسيلة نفسها لإصلاح ذلك ثم للتجديد والنهوض، وبالله التوفيق.
رابعًا: وهو أكثرها إشكالًا؛ أي: تلك التيارات الفكرية المتغربة، ولاسيما ما له علاقة بمشكلة البحث، فهذه التيارات بأشكالها المختلفة متأثرة كثيرًا بقدوتها الغربية، ومن ذلك: اصطناع مشكلة بين الدين والعلم، وتوظيف العلم الحديث في هدم الدين، أو جعله بديلًا عن الدين، أو علمنة العلم. وإشكاليته
стр. 667
أن صاحب الهوى يجتهد في نشر هواه، ويدافع عن ذلك ويستغل كل وسيلة لتحقيق هدفه، كما أنه مولع بتقليد قدوته لدرجة أنه لو دخل جحر ضب لدخله كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن" (١)، فهذا يمثل عامل استمرار للمشكلة، فكلما انطفأت أوقدوا نارها بشبهة جديدة، وهو في المقابل عامل تحفيز للفكر الإِسلامي أن يبقى مناضلًا في مشروعه ومجاهدًا جهاده العلمي والفكري لمثل هؤلاء الضالين أو المضلين.
خامسًا: أما الاستعمار ورغم انقشاعه عن العالم الإِسلامي، فإن آثاره عميقة وخطيرة، ويكفي ذلك التحالف مع الطرف السابق -التغريبي، وثمار ذلك التحالف في استمرار مشروع الاستعمار بأيد من بني جلدتنا، وخطورته تتمثل في تركيزه على علم يخدم الاستعمار دون أن يحقق قوة الأمة واستقلالها المعرفي، وما زال المستعمر القديم يخدع من ينخدع له بمشروعاته التي تضمن استمرار سيطرته وتفوقه. ولا شك أنه رغم ذهابه الظاهر إلا أنه ما زال يمثل تحديًا للفكر الإِسلامي: من جهة الآثار العميقة التي خلفها وراءَه، ومن جهة المتغربين الذين يواصلون تنفيذ أهداف المستعمر، وأخطر ما قام به الاستعمار هو عملية إقصاء العلم الديني وجعله في مرتبة نازلة مقارنة بالعلوم الأخرى، وعملية الفصل بين علوم الدين وعلوم العصر مقتفيًا في ذلك التصور العلماني السائد في أوروبا، وبإدخاله فيروسات خطيرة في صلب العلم العصري الذي أدار مؤسساته لسنوات داخل العالم الإِسلامي، مما جعله قابلًا، بل جاذبًا للانحرافات بيسر وسهولة ودون مقاومة تذكر.
سادسًا: البيئة الجديدة التي تشكلت مع التحولات والتغيرات الحديثة، وهي تحولات ضخمة، ويكفي التأمل في المسائل السابقة على مستوى العلم والفكر والثقافة، لنعرف ضخامتها، وربما يشعر المحلل التاريخي أن أمة مرّت بهذه التغيرات مصيرها الفناء والزوال ومع ذلك فقد صمدت، بل تجاوزت عقبات
стр. 668
مهلكة، وهذا من حفظ الله لهذه الأمة. ولكن ظهرت بيئة جديدة من أثر العوامل السابقة تتحرك فيها الانحرافات بسهولة، وهي رغم انتفاشتها ضعيفة؛ لأنها تستمد قوتها من الانتماء لهوية مغايرة لهوية الأمة، وهذا ما تنفر منه النفوس عند انكشاف الحقيقة لها، ولكنها مع ذلك أصبحت أرضًا لاستمرار الانحراف بالعلم ولاسيما مع بروز تيارات فكرية تغريبية جديدة تنافس الفرق الدينية القديمة.
بقي التنبيه على أمرين يكشفهما التحليل التاريخي والمنهجي بوضوح، وهما: أن سبب البعد عن الإِسلام هو سبب الضعف والتخلف من جهة؛ لأن الأمة ما ارتقت إلا بعد أخذها هذا الدين بقوة، بل العالم كله تغير بعد ظهور الإِسلام، كما أن سبب ظاهرة الانحراف بالعلم تعود بحسب المظاهر السابقة إلى البعد عن الدين، فما كان لتلك العوامل أن تؤثر -لولا ضعف المسلمين وتقصيرهم- في التزامهم بدينهم، ويبرز الحل واضحًا لمعالجة الأمرين، وذلك بالعودة الصادقة لهذا الدين والاعتصام بالوحي والاتباع للنبي ﷺ والاهتداء بهديه.
أما وقد تعرفنا على العلم الحديث في الغرب وتطوره، ثم مظاهر الانحراف به هناك، ثم تعرفنا على صور طلبه في العالم الإِسلامي والصعوبات التي قابلوها، ثم مظاهر الانحراف به في البيئة الإِسلامية، فسنتعرف الآن بإذن الله على الاتجاهات الكبرى التي ظهرت في العالم الإِسلامي في التعامل مع هذه المستجدات مع التركيز على صورتها المنهجية.
стр. 669
الفصل الخامس أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة.
• المبحث الثاني: موقف الاتجاه العصراني الداعي لتأويل ما توهم تعارضه من النصوص الشرعية مع العلم الحديث.
• المبحث الثالث: موقف الاتجاه التغريبي الداعي لتقديم العلم وعدم ربطه بالدين.
стр. 670
الفصل الخامس أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها
عندما ظهرت الحاجة للعلوم الحديثة في العالم الإِسلامي برزت مواقف متباينة منها، وما كان الأصل أن يظهر ذاك التباين الذي يصل بها أحيانًا إلى التناقض؛ إذ كيف يقع من أمة ذات مصدر واحد في التلقي والتوجيه، في الاعتقاد والعمل، في دينها ودنياها! ومع ذلك فقد وقع اختلاف التعارض بين ثلاثة اتجاهات مشهورة: الاتجاه السلفي والاتجاه العصراني والاتجاه التغريبي، لكل اتجاه أصوله التي نبع عنها منهجه، ومن ثم موقفه. أبدأ بتمهيد يشرح جذور هذه المواقف القديمة والحديثة، وكيفية تشكُّلِها، وصورة تباينها، ثم أخصص لكل اتجاه دراسة مستقلة لموقفه من العلوم الحديثة ومناهجها؛ ذلك أن الدراسة المقارنة للظواهر تعطي تصورًا أوضح عن الموضوع، وتفيد في التحليل والنقد، وتساعد في تحديد المعالجات الصحيحة، وذلك في ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة.