التي فتح لها المجال، وكانت إدارتها وتوجيهها -غالبًا- بأيد غير أمينة فلوثت مستقبل هذه المؤسسة المهمة، وأصبحت في بعض الفترات تمثل معاناة للأسرة المسلمة، وقال مفكر عاصرها: إن الطالب يدخلها بدين ويخرج منها بدين، فكيف نأمل من مدرسة بمثل هذه الحال أن تنجح في الرقي بالعلوم دون ضياع الدين، بل على عكس ذلك فقد تحولت إلى جاذب لما يضر بهوية الأمة دون أن تحقق الاستقلال الحقيقي في العلوم النافعة. وستبقى هذه العلوم تائهة ومضرة ما لم يملك العالم الإِسلامي مؤسسته العلمية؛ أي: يملك وضع التصور والرؤية والرسالة والأهداف والقيم.
ثالثًا: أما أثر الإعلام، ولاسيما المكتوب منه فهو خطير، ويظهر بوضوح في الرأي العام، وليس المقصود عموم المجتمع وإنما طبقته المتعلمة والمثقفة التي تجد مصدر معرفتها من هذا المنبع، وهو الغذاء المعرفي الذي يكوّن تصور القارئ ورؤيته ومواقفه، وهم طبقة مهمة وفي ازدياد، هذه الطبقة تتشرب رؤيتها وتصورها في العصر الحديث من خلال وسائل الإعلام، وقد نشأت صحافة علمية أو تهتم بالعلوم العصرية ولكن سبق إليها قوم تأثروا بالتغريب، وبلغ ببعضهم مبلغًا من كره الإِسلام والدين والرغبة في هدمه، واستعانت تلك الصحافة بتوظيف العلم ونظرياته في مآربها، وصوّرت العلم كأنه عدو للدين أو على أحسن أحوالهم جعله الممثل الحقيقي للصواب والمعرفة والعقلانية والنفع بخلاف الدين الذي قد أدى دوره بحسب زعمهم في زمن مضى وهو يسلم دوره الآن للعلم. وذلك الحدث يلفت الانتباه لخطورة الإعلام وأهمية دوره في صناعة الرأي العام والتأثير فيه، ومن المهم للمشروع الإِسلامي التصحيحي والتجديدي الانتباه لوسيلة الإعلام، واعتبارها مشاركًا مهمًا لأي مشروع تصحيحي وتجديدي في مجال النهضة العلمية، وإن ما غرس من خلال الإعلام لسنوات طويلة حول العلم ومناهجه ونظرياته مما يعارض الدين يحتاج منا استخدام الوسيلة نفسها لإصلاح ذلك ثم للتجديد والنهوض، وبالله التوفيق.
رابعًا: وهو أكثرها إشكالًا؛ أي: تلك التيارات الفكرية المتغربة، ولاسيما ما له علاقة بمشكلة البحث، فهذه التيارات بأشكالها المختلفة متأثرة كثيرًا بقدوتها الغربية، ومن ذلك: اصطناع مشكلة بين الدين والعلم، وتوظيف العلم الحديث في هدم الدين، أو جعله بديلًا عن الدين، أو علمنة العلم. وإشكاليته
стр. 667
أن صاحب الهوى يجتهد في نشر هواه، ويدافع عن ذلك ويستغل كل وسيلة لتحقيق هدفه، كما أنه مولع بتقليد قدوته لدرجة أنه لو دخل جحر ضب لدخله كما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن" (١)، فهذا يمثل عامل استمرار للمشكلة، فكلما انطفأت أوقدوا نارها بشبهة جديدة، وهو في المقابل عامل تحفيز للفكر الإِسلامي أن يبقى مناضلًا في مشروعه ومجاهدًا جهاده العلمي والفكري لمثل هؤلاء الضالين أو المضلين.
خامسًا: أما الاستعمار ورغم انقشاعه عن العالم الإِسلامي، فإن آثاره عميقة وخطيرة، ويكفي ذلك التحالف مع الطرف السابق -التغريبي، وثمار ذلك التحالف في استمرار مشروع الاستعمار بأيد من بني جلدتنا، وخطورته تتمثل في تركيزه على علم يخدم الاستعمار دون أن يحقق قوة الأمة واستقلالها المعرفي، وما زال المستعمر القديم يخدع من ينخدع له بمشروعاته التي تضمن استمرار سيطرته وتفوقه. ولا شك أنه رغم ذهابه الظاهر إلا أنه ما زال يمثل تحديًا للفكر الإِسلامي: من جهة الآثار العميقة التي خلفها وراءَه، ومن جهة المتغربين الذين يواصلون تنفيذ أهداف المستعمر، وأخطر ما قام به الاستعمار هو عملية إقصاء العلم الديني وجعله في مرتبة نازلة مقارنة بالعلوم الأخرى، وعملية الفصل بين علوم الدين وعلوم العصر مقتفيًا في ذلك التصور العلماني السائد في أوروبا، وبإدخاله فيروسات خطيرة في صلب العلم العصري الذي أدار مؤسساته لسنوات داخل العالم الإِسلامي، مما جعله قابلًا، بل جاذبًا للانحرافات بيسر وسهولة ودون مقاومة تذكر.
سادسًا: البيئة الجديدة التي تشكلت مع التحولات والتغيرات الحديثة، وهي تحولات ضخمة، ويكفي التأمل في المسائل السابقة على مستوى العلم والفكر والثقافة، لنعرف ضخامتها، وربما يشعر المحلل التاريخي أن أمة مرّت بهذه التغيرات مصيرها الفناء والزوال ومع ذلك فقد صمدت، بل تجاوزت عقبات
стр. 668
مهلكة، وهذا من حفظ الله لهذه الأمة. ولكن ظهرت بيئة جديدة من أثر العوامل السابقة تتحرك فيها الانحرافات بسهولة، وهي رغم انتفاشتها ضعيفة؛ لأنها تستمد قوتها من الانتماء لهوية مغايرة لهوية الأمة، وهذا ما تنفر منه النفوس عند انكشاف الحقيقة لها، ولكنها مع ذلك أصبحت أرضًا لاستمرار الانحراف بالعلم ولاسيما مع بروز تيارات فكرية تغريبية جديدة تنافس الفرق الدينية القديمة.
بقي التنبيه على أمرين يكشفهما التحليل التاريخي والمنهجي بوضوح، وهما: أن سبب البعد عن الإِسلام هو سبب الضعف والتخلف من جهة؛ لأن الأمة ما ارتقت إلا بعد أخذها هذا الدين بقوة، بل العالم كله تغير بعد ظهور الإِسلام، كما أن سبب ظاهرة الانحراف بالعلم تعود بحسب المظاهر السابقة إلى البعد عن الدين، فما كان لتلك العوامل أن تؤثر -لولا ضعف المسلمين وتقصيرهم- في التزامهم بدينهم، ويبرز الحل واضحًا لمعالجة الأمرين، وذلك بالعودة الصادقة لهذا الدين والاعتصام بالوحي والاتباع للنبي ﷺ والاهتداء بهديه.
أما وقد تعرفنا على العلم الحديث في الغرب وتطوره، ثم مظاهر الانحراف به هناك، ثم تعرفنا على صور طلبه في العالم الإِسلامي والصعوبات التي قابلوها، ثم مظاهر الانحراف به في البيئة الإِسلامية، فسنتعرف الآن بإذن الله على الاتجاهات الكبرى التي ظهرت في العالم الإِسلامي في التعامل مع هذه المستجدات مع التركيز على صورتها المنهجية.
стр. 669
الفصل الخامس أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث:
• المبحث الأول: موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة.
• المبحث الثاني: موقف الاتجاه العصراني الداعي لتأويل ما توهم تعارضه من النصوص الشرعية مع العلم الحديث.
• المبحث الثالث: موقف الاتجاه التغريبي الداعي لتقديم العلم وعدم ربطه بالدين.
стр. 670
الفصل الخامس أبرز المواقف العلمية والفكرية في العالم الإسلامي من العلوم الحديثة ومناهجها
عندما ظهرت الحاجة للعلوم الحديثة في العالم الإِسلامي برزت مواقف متباينة منها، وما كان الأصل أن يظهر ذاك التباين الذي يصل بها أحيانًا إلى التناقض؛ إذ كيف يقع من أمة ذات مصدر واحد في التلقي والتوجيه، في الاعتقاد والعمل، في دينها ودنياها! ومع ذلك فقد وقع اختلاف التعارض بين ثلاثة اتجاهات مشهورة: الاتجاه السلفي والاتجاه العصراني والاتجاه التغريبي، لكل اتجاه أصوله التي نبع عنها منهجه، ومن ثم موقفه. أبدأ بتمهيد يشرح جذور هذه المواقف القديمة والحديثة، وكيفية تشكُّلِها، وصورة تباينها، ثم أخصص لكل اتجاه دراسة مستقلة لموقفه من العلوم الحديثة ومناهجها؛ ذلك أن الدراسة المقارنة للظواهر تعطي تصورًا أوضح عن الموضوع، وتفيد في التحليل والنقد، وتساعد في تحديد المعالجات الصحيحة، وذلك في ثلاثة مباحث، هي:
المبحث الأول: موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة.
стр. 671
المبحث الثاني: موقف الاتجاه العصراني الداعي لتأويل ما توهم تعارضه من النصوص الشرعية مع العلم الحديث.
المبحث الثالث: موقف الاتجاه التغريبي الداعي لتقديم العلم وعدم ربطه بالدين.
стр. 672
تمهيد الأصول الثقافية للوضع المعاصر
اختار الرب سبحانه رسوله ﷺ ليكون الرسول الخاتم، قال -تعالى-: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٤٠)﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وجعل أمته خير الأمم، قال -تعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، قال ابن كثير ﵀: "والوسط هاهنا الخيار، والأجود كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا. . . ." (١). وقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وذكر في معناها ابن كثير عن أبي هريرة وابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس وعطية العوفي: خير الناس للناس، والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس (٢).
أدركت أمة الإِسلام هذا التشريف الرباني لها أن جعلها خير الأمم، وعرفت في الوقت نفسه أن لهذا التشريف تبعات، وهي أن تكون أنفع أمة للناس، وكما قال عمر بن الخطاب ﵁: "من سرّه أن يكون من تلك الأمة، فليؤدِّ شرط الله فيها" (٣)، فقامت بدورها أحسن قيام وأهدت العالم هذا الدين
стр. 673
العظيم، وكلما حققت شرط خيريتها ارتفعت ونفع الله بها، وإذا تكاسلت عن أداء ذاك الشرط أصابها الضعف الذاتي وتسلط عليها العدو الخارجي.
كانت تعلم أن شرط الخيرية يبدأ من الذات بإصلاحها بالتوحيد الخالص والعبودية الحقة. ولذا كانت الأمة في كل مرحلة ضعف تمرّ بها يأتي بفضل الله من يجدد لها أمر دينها، فتظهر على حال أحسن مما كانت عليه. ولم يظهر في تاريخها أن ربطت إصلاحها بتبني نظام خارجي عنها، أو باستلهام حضارة أخرى مغايرة لهوية الأمة. وهذا لا يمنع من وجود استفادة من علوم الأمم الأخرى التي يبرع فيها البشر، كالطب والصناعة والإدارة والعلوم الرياضية والطبيعية وغيرها، ولم تظهر حول هذه العلوم مشكلة في تاريخ الحضارة الإِسلامية، بل كانت تؤخذ من أهلها، حتى من غير المسلمين، وقد كان أهل الذمة مثلًا فيهم الأطباء والصيادلة والصناع، ويؤخذ عنهم من تلك العلوم النافعة؛ لأنها مما يبرع فيها كل البشر، فكانوا من ضمن الوسائط في نقل تلك العلوم عن الأمم الأخرى.
رؤية أبي حامد الغزالي:
وعندما انتشرت العلوم في الأمة وكثرت معاهدها، ثم اختلط الأمر فيها بسبب ترجمة النافع وغير النافع فجاء بعض أهل العلم لتحديد الموقف منها، وبيان النافع منها وغير النافع، ومن ذلك ما قام به "الغزالي" المتوفى أول القرن السادس الهجري سنة (٥٠٥ هـ) في كتابه المشهور: "إحياء علوم الدين"، فقسم العلوم -لتحديد الموقف منها فيما بعد- إلى شرعية وغير شرعية، وقال: "وأعني بالشرعية ما استفيد من الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه، ولا يرشد العقل إليه مثل الحساب، ولا التجربة مثل الطب، ولا السماع مثل اللغة". ثم ذكر فيما بعد أن "العلوم الشرعية. . . . محمودة كلها ولكن قد يلتبس بها ما يظن أنها شرعية وتكون مذمومة".
أما غير الشرعية فتنقسم إلى: "ما هو محمود، وإلى ما هو مذموم، وإلى ما هو مباح":
١ - "المحمود: ما يرتبط به مصالح الدنيا كالطب والحساب. وهو ينقسم إلى ما هو فرض كفاية، وإلى ما هو فضيلة وليس بفريضة: أما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء
стр. 674
الأبدان. وكالحساب؛ فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرها.
وهذه هي العلوم التي لو خلا البلد عمّن يقوم بها حرج أهل البلد. وإذا قام بها واحد كفى وسقط الفرض عن الآخرين. فلا يتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل الحجامة والخياطة. فإنه لو خلا البلد من الحجام تسارع الهلاك إليهم، وحرجوا بتعريضهم أنفسهم للهلاك. فإن الذي أنزل الداء أنزل الدواء، وأرشد إلى استعماله وأعدّ الأسباب لتعاطيه. فلا يجوز التعرض للهلاك بإهماله.
وأما ما يعد فضيلة لا فريضة فالتعمق في دقائق الحساب، وحقائق الطب، وغير ذلك مما يستغنى عنه. ولكنه يفيد زيادة قوة في القدر المحتاج إليه.
٢ - المذموم: فعلم السحر والطلسمات والشعبذة والتلبيسات.
٣ - المباح: كالعلم بالأشعار التي لا سخف فيها وتواريخ الأخبار وما يجري مجراه" (١).
وتعد هذه الرؤية "الغزالية" رؤية شاملة للموقف من العلوم الدينية والدنيوية، وهي السائدة في الأمة الإِسلامية، ومع ذلك فقد ضعفت العلوم بشقيها داخل الأمة الإِسلامية، العلوم الشرعية والدنيوية؛ وذلك أنه عندما تُفرط الأمة في شرط خيريتها تعود من جديد نحو الضعف والجهل، ومن تفريطها في شرط خيريتها ما وقع من تحول عند بعض فئاتها، إلى علوم لا نفع فيها، أو ضررها أكبر من نفعها، وكان من آثار ذلك هجران العلوم الشرعية وندرة العلماء فيها، وفي المقابل وقع الخراب في الحياة الدنيوية بعد أن أهملت علومها النافعة. وأصبح العلم عند هؤلاء خليطًا من فلسفات وأفكار لا تسمن ولا تغني من جوع، فلم يأخذوا بوصية أهل العلم في أخذ النافع وترك ما سواه، مما جعل الميل لغير النافع يتسع حتى جاء شيخ الإِسلام ابن تيمية في القرن الثامن بدعوته وتجديده وإصلاحه الشامل وبمراجعته النقدية لكل المجال الديني والعلمي والفكري بعد أن أصابه ما أصابه.
стр. 675
الإصلاح العظيم مع شيخ الإِسلام ابن تيمية:
جاء شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ وفاته (٧٢٨ هـ) في القرن الثامن ليصحح المسار في باب العلوم الدينية والدنيوية ومناهجها، فمع أنه البحر في علوم الشريعة، فهو إلى جانب ذلك على معرفة بالعلوم الأخرى المعهودة في زمنه، سواء كان ذلك في العلوم الطبيعية والرياضية وموضوعاتها من رياضيات وهندسة وطب وكيمياء وفلك وغيرها ومناهجها، أو في الفلسفة وموادها من منطق وإلهيات وغيرها، فكانت كتبهم وأعلامهم ومذاهبهم معروفة لديه (١)، ولذا كان يناقش وينقد وهو العارف بها، كأن يوجد عالم في زمننا هذا على معرفة بالطب الحديث وكشوفاته أو على اطلاع ومعرفة بالعلوم الطبيعية من فيزياء وفلك وجيولوجيا وكيمياء وغيرها وعلى أعلامها ونظرياتهم، أو على معرفة بالعلوم الاجتماعية ومناهجها ونظرياتها فضلًا عن معرفته بالمذاهب الفلسفية وأصولها ومناهجها، وهو مع معرفته هذه عالم بالشرع مجتهد فيه بارع في علومه، هكذا كانت حال شيخ الإِسلام ﵀؛ أي: إن قول القائل: إنه العالم بالمنقول والمعقول يعني أنه عالم بكل علوم عصره، الدينية والدنيوية، علوم الأمة وعلوم الأمم الأخرى، مذاهب الأمة ومذاهب الأمم الأخرى.
لا شك أن هذه المعرفة تؤهل صاحبها للقول الفصل وبيان الموقف الحق، ولهذا لم يكن أصحاب المذاهب الأخرى المشهورة في درجة موقف شيخ الإِسلام، فقد عُرف في تاريخ الفكر الإِسلامي موقف الغزالي السابق مثلًا، وموقف ابن رشد، وغيرهما من أرباب الكلام والفلسفة والفكر، ولكن الفرق شاسع بين من اختلط فكره بالكلام أو التصوف أو الفلسفة وبين من كان محيطًا بها عارفًا بموادها دون أن يختلط بها أو تُؤثِّر فيه كما هو حال شيخ الإِسلام ابن تيمية فضلًا عن الاعتراف بمنزلته في العلوم الشرعية من تفسير وحديث وفقه وعقيدة وعلومها حتى يظن من قرأ له في أحدها أنه لا علم عنده إلا هذا العلم.
ومع أن الموقف الذي بينه شيخ الإِسلام يكمل المواقف السابقة لعلماء المسلمين ويتممها بما فيها المواقف الحسنة لعلماء تأثروا بالكلام والفلسفة، إلا
стр. 676
أنه يعيد صياغتها وتصفيتها عبر تأصيلها بمنهج سلفي متكامل وشامل، فيتجنب بهذا كل المزالق التي سلكها بعض من سبقه من أهل الإِسلام.
ومن أهم الأعمال العامة التي قدمها شيخ الإِسلام ﵀ للحضارة الإِسلامية في الموقف من العلوم المختلفة، ولاسيما ما له علاقة بموضوع البحث نقف مع ما يأتي:
١ - إعادة النظر في المنهج:
لقد كان بعض علماء الإِسلام قبل شيخ الإِسلام يحسنون الظن بالمنطق، بل كان هذا حال شيخ الإِسلام حيث يقول ﵀: "فإني كنت دائمًا أعلم أن المنطق اليوناني لا يحتاج إليه الذكي، ولا ينتفع به البليد. ولكن كنت أحسب أن قضاياه صادقة لما رأينا صدق كثير منها، ثم تبيّن لي فيما بعد خطأ طائفة من قضاياه" (١)، وكان من بين ما نبه إليه ﵀ أن هذا العلم "المنهج" قد يكون عائقًا حتى في تقدم العلوم الدنيوية حيث يقول: "وأيضًا لا تجد أحدًا من أهل الأرض حقق علمًا من العلوم، وصار إمامًا فيه مستعينًا بصناعة المنطق، لا من العلوم الدينية ولا غيرها، فالأطباء والحساب والكتاب ونحوهم يحققون ما يحققون من علومهم وصناعتهم بغير صناعة المنطق" (٢). وهو وإن مارس هذا النقد فهو يؤسس لمنهج آخر، هو المنهج الذي يؤدي إليه النظر في النصوص الشرعية، وهذا المنهج هو الأقرب لوجود علوم دنيوية نافعة، يقول "علي النشار" في ذلك: "ولكن إذا كان ابن تيمية لم يقبل القضية الكلية اليقينية -مقدمة البرهان ونتيجته- كأساس أو مصدر للعلم، فما هو هذا الأساس عنده؟ هذا الأساس هو "الحس" أو "التجربة" وهو بهذا يسبق "بيكون" و"مل" في جعلهما التجربة أو الاستقراء أساس المعرفة "إنهم لم يمكنهم التوصل إلى القضية: النار تحرق، بدون التجربة والعادة" وأصدق القضايا نتائج هي التي تعتمد على التجربة، وهي القضايا الجزئية "إن القضايا الحسية لا تكون إلا جزئية فنحن لو لم ندرك بالحسّ إحراق هذه النار، وهذه النار، لم ندرك أن كل نار محرقة -فإذا جعلنا هذه قضية كلية، وقلت: كل نار محرقة، لم يكن لنا طريق نعلم به صدق هذه القضية الكلية علمًا
стр. 677
يقينيًا إلا والعلم بذلك ممكن في الأعيان المعينة بطريق الأولى" وهنا يتشابه ابن تيمية وجون إستيوارت مل، بل يكاد مل يتكلم بأسلوب ابن تيمية في كتابه Asystem of logic وهو يذكر مثال النار هذا" (١).
إن شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ لا يكتفي بالنقد الهادم دون ثمرة، بل إن نقده يفتح الباب للتأسيس المنهجي والنظري للحركة في العلوم الدنيوية، ومع أنها ليست ميدان عنايته إلا أن التأصيل لها هو من مهمات العلماء. ولكن هذا العمل العظيم الذي قام به شيخ الإِسلام ﵀ قد جاء في وقت ضعف شديد للأمة، وللأسف تخلت الأمة عن هذه الرؤية فأخذتها أمة أخرى، فانتقلت من المنهج الصوري العقيم إلى المنهج التجريبي النافع، وبرعت في العلوم الدنيوية.
٢ - إعادة ترتيب الموقف من العلوم:
وكما قدم شيخ الإِسلام موقفه النقدي من المنهج السائد آنذاك، فقد قدم أيضًا إعادة ترتيب للعلوم الدنيوية: بحيث يعالج التوظيف السلبي لها أولًا، ثم توضع في مكانها المناسب ثانيًا، ثم يقدم لها التشجيع والدعم في الأبواب النافعة ثالثًا.
فقد كانت العلوم تؤخذ ضمن مُركّب مزعج، حيث كانت ضمن الفلسفة، وتتفاعل تلك العلوم مع بعض المعطيات الفلسفية، ومن ثمّ تتأثر بها، فقد أخضعها الفلاسفة لأهوائهم الفلسفية، بما في ذلك أوائل الفلاسفة من اليونان وغيرهم، وفي ذلك يقول شيخ الإِسلام: "وأرسطو المعلم الأول من أجهل الناس برب العالمين إلى الغاية. لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية، وهذا بحر علمهم، وله تفرغوا، وفيه ضيعوا زمانهم، وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جدًا" (٢)، ورغم أن متفلسفة أهل الأديان أحسن حالًا من الفلاسفة الوثنيين ومع ذلك فقد بقيت مادتهم الفاسدة تؤثر في هذه العلوم، وفي ذلك يقول شيخ الإِسلام أيضًا: "نعم لهم في الطبيعيات كلام غالبه جيد. وهو كلام كثير واسع، ولهم عقول عرفوا بها ذلك وهم قد يقصدون الحق، لا يظهر عليهم
стр. 678
العناد؛ لكنهم جهال بالعلم الإلهي إلى الغاية، ليس عندهم منه إلا قليل كثير الخطأ" (١). فإذا كانت هذه العلوم متأثرة بهذه الأجواء فمن الواجب إزالة ما لا علاقة له بالعلم من أمور فلسفية غير نافعة، ثم إذا كانت هذه العلوم صحيحة في ذاتها ونافعة، فلا مانع من ترجمتها إلى اللغة العربية وتعلمها من قبل المسلمين، ففي سياق أحد الموضوعات التي تحدث عنها شيخ الإِسلام قال ﵀: "فإن ذكر (٢) ما لا يتعلق بالدين، مثل مسائل الطب والحساب المحض التي يذكرون فيها ذلك، وكتب من أخذ عنهم، مثل: محمَّد بن زكريا الرازي وابن سينا ونحوهم من الزنادقة الأطباء ما غايته: انتفاع بآثار الكفار المنافقين في أمور الدنيا، فهذا جائز. كما يجوز السكنى في ديارهم ولبس ثيابهم وسلاحهم، وكما تجوز معاملتهم على الأرض"، إلى أن قال: "فإن المشركين وأهل الكتاب فيهم المؤتمن، كما قال -تعالى- ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾ [آل عمران: ٧٥] ولهذا جاز ائتمان أحدهم على المال، وجاز أن يستطب المسلم الكافر إذا كان ثقة، نص على ذلك الأئمة كأحمد وغيره، إذ ذلك من قبول خبرهم فيما يعلمونه من أمر الدنيا وائتمان لهم على ذلك، وهو جائز إذا لم يكن فيه مفسدة راجحة مثل ولايته على المسلمين وعلوه عليهم ونحو ذلك. فأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال بالكافر على الطريق واستطبابه بل هذا أحسن؛ لأن كتبهم لم يكتبوها لمعين من المسلمين حتى تدخل فيها الخيانة، وليس هناك حاجة إلى أحد منهم بالخيانة، بل هي مجرد انتفاع بآثارهم، كالملابس والمساكن والمزارع والسلاح ونحو ذلك.
وإن ذكروا ما يتعلق بالدين، فإن نقلوه عن الأنبياء كانوا فيه كأهل الكتاب وأسوأ حالًا، وإن أحالوا معرفته على القياس العقلي: فإن وافق ما في القرآن فهو حق، وإن خالفه ففي القرآن بيان بطلانه بالأمثال المضروبة، كما قال -تعالى-: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ [الفرقان: ٣٣] ففي القرآن الحق، والقياس البين الذي يبين بطلان ما جاؤوا به من القياس، وإن
стр. 679
كان ما يذكرونه مجملًا فيه الحق، وهو الغالب على الصابئة المبدلين، مثل أرسطو وأتباعه وعلى من اتبعهم من الآخرين، قُبِلَ الحق ورد الباطل. . . ." (١).
بعض عناصر رؤية شيخ الإِسلام حول العلوم البشرية ومناهجها:
والحق أن تفصيل موقف شيخ الإِسلام حول هذا الموضوع يحتاج لدراسات متخصصة، والمقصد هنا إعطاء خطوط عامة عن المهمة التي قام بها مجدد زمانه شيخ الإِسلام ﵀، وتفيدنا في باب العلوم البشرية والعلوم النافعة الموجودة عند الأمم الأخرى، فبعد أن رأينا الموقف الإجمالي نتوقف مع بعض عناصره التي تُعدّ من أساسيات النهضة العلمية الحديثة داخل الحضارة الأوروبية، إلا أن تلك الحضارة أزالت عنها روحها بسبب إيغالها في المادية وتبنيها العلمنة. وليس المراد هنا إثبات سبق شيخ الإِسلام إلى إنجازات غيرنا فقط، وإنما المراد أن حضارتنا الإِسلامية كان بإمكانها أن تنطلق بمقوماتها الذاتية، وأن تستفيد مما عند الأمم الأخرى بعد تبيئتها بما يناسب حضارتنا وهويتنا. ومن العناصر التي سأقف معها وكانت من أساسيات النهضة الحديثة في العلوم ما يأتي:
١ - الابتعاد عن المنهج الصوري وتبعاته والحرص على المنهج التجريبي وثمراته.
عرف ذلك من الفقرة الأولى في المنهج، ونراه أيضًا في موضوعات العلوم، ولذا نجده يعترض على التقسيم السائد للعلوم عند الفلاسفة فيقول: "إن تقسيمهم العلوم إلى الطبيعي والرياضي والإلهي، وجعلهم الرياضي أشرف من الطبيعي. والإلهي أشرف من الرياضي هو مما قلبوا به الحقائق، فإن العلم الطبيعي وهو العلم بالأجسام الموجودة في الخارج، ومبدأ حركاتها وتحولاتها من حال إلى حال، وما فيها من الطبائع أشرف من مجرد تصور مقادير مجردة وأعداد مجردة، فإن الإنسان لا يتصور إلا شكلًا مدورًا أو مثلثًا أو مربعًا -ولو تصور كل ما في إقليدس- أو لا يتصور إلا أعدادًا مجردة ليس فيه علم بموجود في الخارج. . . ." (٢). وقد عُرض في الفصول الأولى من هذا الباب أن أعظم مهمة قام بها علماء أوروبا هو الانتقال من الموضوعات الصورية إلى الحسية
стр. 680
التجريبية، وما تبع ذلك من ازدهار العلوم الطبيعية وما لحق ذلك من ثورة صناعية وتقنية.
٢ - إثبات الأسباب والطبائع والقوى الموجودة في مخلوقات الله سبحانه:
فمن المعلوم اليوم أنه بفضل اكتشاف "القوانين" التي وضعها الخالق سبحانه في مخلوقاته أمكن التقدم بالعلوم الطبيعية والانتفاع بذلك غاية النفع، وهي التي قام عليها العلم الحديث، حيث ارتبط التقدم العلمي باكتشاف المزيد من هذه القوانين، وهذه القوانين لا يمكن تصور وجودها إلا بالإقرار بمبدأ السببية (١).
بالعودة إلى شيخ الإِسلام وعلماء السلف عمومًا نجد أن من أصولهم إثبات الأسباب والرد على منكريها من الجبرية وأمثالهم، ونكتفي بهذا الشاهد لشيخ الإِسلام حيث يقول: "ولكن المقصود هنا أن كثيرًا من أهل النظر والكلام كالأشعري وغيره أنكروا الأسباب والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله وأمره، وأنكروا حِكَمَ الله المقصودة بذلك، وقالوا في لامات كي المذكورة في القرآن كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: ١١٩]، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وأمثال ذلك هي "لام العاقبة" ليست "لام التعليل"، إذ كان يمتنع عندهم أن يفعل الله شيئًا لأجل شيء.
فهؤلاء لا يثبتون في الأفلاك العلوية ولا الأجسام السفلية ولا النفوس قوىً تكون سببًا لحدوث شيء" (٢)، ثم قال بعد كلام طويل: "والمقصود هنا أن جمهور المسلمين يقولون بالحق الذي دل عليه المنقول والمعقول فيقولون: إن أفعال العباد مخلوقة لله مفعولة له، وهي فعل للعباد حقيقة لا مجازًا، وهم يثبتون لله في خلقه وأمره من الأسباب والحكم، وما جعله الله في الأجسام من القوى والطبائع في الحيوان وفي الجماد، لكنهم مع إثباتهم للأسباب والحكم لا يقولون بقول الطبائعية من الفلاسفة وغيرهم، بل يقولون: إن الله خالق كل شيء
стр. 681
وربه ومليكه، وإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا به. ويعلمون أن الأسباب هي مخلوقة لله بمشيئته وقدرته، ولا تزال مفتقرة إلى الله"، إلى أن قال: "فما كان بالأسباب فالله خالقه وخالق سببه جميعًا، ويقولون مع هذا أن الأسباب التي خلقها ليس فيها ما يستقل بالتأثير في شيء من الأشياء، بل لابدّ له من أسباب أخر تعاونه وتشاركه، وهو مع ذلك له معارضات وموانع تعارضه وتدافعه، كما في الشعاع الحادث عن الشمس، والاحتراق الحادث عن النار، ونحو ذلك، فإنه لابدّ مع الشمس من محلّ قابل لانعكاس الشعاع عليه، وهو مع ذلك يمتنع بحصول الحائل، كالسحاب والسقف وغير ذلك من الموانع، وبكل حائل" (١). والمسألة قد ناقشها شيخ الإِسلام في مواطن كثيرة، لاسيما وهو مبحث له علاقة بمباحث الربوبية والقدر والمعجزات، وهي أبواب قد وقع فيها ضلال كبير بين طوائف الملل ومذاهبها، والمقصود هنا أنه أيضًا له علاقة بجانب العلوم الطبيعية، ومنهجها التجريبي القائم على الاستقراء، ولا يستقيم أمرها إلا بإثبات السببية، ولكن إثباتها عند الماديين يختلف عن إثباتها عند أهل السنة، حيث يجعلونها مستقلة بذاتها غير مفتقرة لموجدها، وهذا من الإلحاد في توحيد الربوبية، فمنهج أهل السنة هو القول الوسط في أهل الإِسلام كما أن أهل الإِسلام بين أهل الملل والنحل والأديان، فمع إثبات السببية والأثر والتأثير والعلة وقوى الطبائع يثبتون مع ذلك افتقارها الدائم لموجدها ومدبرها سبحانه.
٣ - معالجة دعوى التعارض بين العقل والنقل:
لقد كانت هذه الدعوى من أكبر المسائل التي عالجها شيخ الإِسلام ﵀ في كثير من فتاويه وإجاباته وكتبه، نجدها في أغلب ما كتب، ونظرًا لأهميتها فقد خصص لها أهم كتبه وأعظمها شأنًا وهو "درء تعارض العقل والنقل" ذاك السفر العظيم الذي قلّ نظيره في الفكر الإِسلامي والإنساني، وقد ناقش شيخ الإِسلام في كتابه هذا وبقية كتبه ما وصل إليه الفكر الإنساني من توهمات بين العقل والنقل، فأزالها عن بكرة أبيها، ونقد كل المناهج الضعيفة التي حاولت معالجة المشكلة، وجاوب عن المشكلات المتوهمة، ووصل إلى النتيجة
стр. 682
المنطقية: أن الحق لا يعارض بعضه بعضًا، وإن وقع توهم التعارض فإما أنه من ضعف النقل أو من الخطأ في فهمه أو هو من فساد العقل وعدم صحة مقدماته أو نتائجه. ويمكن القول: إن السقف الذي وصلت إليه كل المشكلات في زمن شيخ الإِسلام قد أجاب عنها جميعًا، وإن لم نجد نصًا حول جزئيةٍ ما فسنجد من الأصول وقواعد المنهج ما يكفي لمعالجتها. وبهذا وقف شيخ الإِسلام ﵀ مع أكبر مشكله ثقافية عرفها تاريخ الفكر البشري بين الدين وعلومه والعقل وأفكاره ومعارفه. وسيأتي لدفع التعارض مزيد حديث في الباب الثالث.
كانت هذه بعض معالم موقف شيخ الإِسلام ابن تيمية من المعقول في زمنه، وكانت العلوم الإنسانية تدخل فيه. يتمثل موقفه في إعادة تقييم المناهج السائدة ونقدها، وذكر البديل عنها، ثم بيان الموقف من العلوم، من جهة أهمية الانتفاع بالنافع منها وتصفيتها مما اختلط بها من آثار فلسفية ميتافيزيقية، وإزالة معوقات التقدم العلمي كمناقشته لنفاة السببية أو نقده لمعظمي المنهج الصوري على حساب الحسي التجريبي، ومعالجة مشكلة التوتر الكبيرة داخل الفكر بسبب دعوى التعارض بين النقل والعقل.
يندرج هذا الموقف لشيخ الإِسلام في مشروع أكبر له عرفه تاريخ الفكر الإِسلامي، فلم يُعرف باب إلا وطرقه وأعاد تأصيله وفق منهج أهل السنة ومذهبهم، بما يجعل الأمة أقرب لتمثل الإِسلام كما قرره السلف الصالح مع إعطائنا قوة للانطلاق الجديد.
الانطلاقة السلفية للعصر الحديث:
كانت هناك معالم إسلامية شامخة تظهر ما بين فترة وأخرى بعد زمن شيخ الإِسلام ﵀، ومع ذلك بقي المشروع في حدود النخبة حتى جاء القرن الثاني عشر الهجري ليشهد انعطافة مهمة مع دعوة الإمام المجدد "محمَّد بن عبد الوهاب" ﵀ (١٢٠٦ هـ)، لتدخل الأمة في تاريخها الحديث مع دعوته ﵀ عصرًا جديدًا، عرف معه ظهور الاتجاه السلفي بقوة بعد أن كان غريبًا في وقت اتساع دائرة أهل الكلام والتصوف والتشيع وفرقهم وطرقهم ومذاهبهم، وكانت فرصة تاريخية للأمة أن تبني مشروع انطلاقتها الحديثة على مذهب السلف، بحيث يُعاد إحياء الدين وفق مذهبهم بعيدًا عن البدع والانحرافات، لما في ذلك
стр. 683
من أثر عظيم في إحياء الأمة دينيًا ودنيويًا، وتبْني مشروعها الدنيوي أيضًا بعيدًا عن آثار التصوف وطرقه أو آثار المادية ومذاهبها.
ويمكن الوقوف مع أحد شخصيات الفترة الحديثة وهو الإمام "محمَّد بن علي الشوكاني" ﵀ (١٢٥٠ هـ) الذي نافح عن مذهب أهل السنة، فقد عاش في بيئة اشتهرت بالعلم، فننظر في موقفه من العلوم البشرية غير الدينية.
كل من عاد إلى بداية عصرنا الحديث وبحث عن أسباب التحولات الحقيقية النافعة وجد خلفها جمهرة من العلماء السلفيين، فأهم دعوة إصلاحية كانت مع الشيخ محمَّد عبد الوهاب ﵀، وفي اليمن أرض العلم والعلماء في فترات كثيرة من عمر الحضارة الإِسلامية عرفت أيضًا علمًا بارزًا على المذهب الزيدي، ثم تركه إلى مذهب أهل السنة والجماعة (١)، وركز على إحياء الدين ومحاربة البدع ونبذ التعصب والتقليد وكان بحق أحد أبرز العلماء في عصرنا الحديث وهو الإمام "محمد الشوكاني".
عندما واجه مشكلة الضعف والجهل والانحراف وقف بشجاعة وعالجها معالجة علمية مميزة، ومن بين المشاكل التي سعى الشيخ إلى معالجتها مسألة تعلم العلوم الدنيوية بعد أن هُجرت وأقصيت من دائرة العلم. فالشيخ ﵀ بعد أن حصل على العلوم الشرعية وبرع فيها، طلب أيضًا غيرها من العلوم، فدرسها لوحده ثم درّسها لطلابه، فهو "لم يكْتف باستيفاء ما عند شيوخه من كتب، وإنما كان يطّلع على كتب أخرى كثيرة بشكل مستقلّ عنهم، فقد تعلّم العلوم الرياضية، والطبيعية، والإلهية، وعلم الهيئة، وعلم المناظرة، وعلم الوضع، وحده دون معلّم مباشر، ودرّس هذه العلوم أيضًا لتلامذته" (٢). فمنزلته في علوم الشريعة لم تمنعه من الحصول على ما ينفعه من هذه العلوم، ولا يشترط في عالم الشريعة أن يكون عالمًا بهذه العلوم ولكنه يكون أقدر على مواجهة مشاكل عصره عندما يكون على معرفة بها وحقق الحدّ الأدنى المطلوب منها لعالم أمة، وهذا ما ميّز
стр. 684
علماء كبار من علماء الإِسلام، فقد رأينا مثلًا سعة اطلاع ابن تيمية وابن القيم على ما في عصرهم من علوم غير العلوم الشرعية، فتكون مشاركتهم عند ذلك في معالجة المشكلات النابعة من هذه العلوم أقوى وأكثر إقناعًا لخصومهم.
خصص الشوكاني للعلم، وطلبه، وعلومه، كتابه: "أدب الطلب ومنتهى الأرب" وذكر فيه ما ينبغي للطالب أن يدرسه، حتى وصل إلى العلوم البشرية الدنيوية، ونظرًا لأنّ هناك إهمالًا كبيرًا لها من قبل الأمة، ولاسيما أن فائدتها لم تظهر للناس؛ لأنها في حاجة إلى تحويل من النظري إلى العملي، وهو ما تكاسلت عنه الأمة في عصورها الأخيرة، فلا نجد عند علماء كأمثال الشوكاني بيانًا لأهميتها الدنيوية، وإنما تطلب لفوائد عقلية.
وكانت معاناة "الشوكاني" مع الرافضين لها تجعله يداري في تقديمه للموضوع، وهذا بخلاف الأعلام السلفيين في القرن الرابع عشر الهجري مثلًا، فلا توجد عندهم هذه المدارة، بل ليس هناك سوى الصراحة في الحثّ على تعلم العلوم الدنيوية، حتى وإن كانت في الغرب وفي بلاد الكفار، فيجب تعلمها والإحاطة بها والبراعة فيها، أما الإمام الشوكاني فكانت حدوده معروفة بسبب حال الأمة الضعيف، وبسبب المعارضة من قبل بعض أهل الدين، فنجد في كتابه: "أدب الطلب" نصًا له دلالاته المهمة، يقول الشيخ: "ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم أن يأخذ بطرف من فنون هي من أعظم ما يصقل الأفكار، ويصفي القرائح، ويزيد القلب سرورًا، والنفس انشراحًا، كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب" (١)، فالشيخ لا يتردد في ذكر فائدتها وأهميتها ولكنه كما سبق جعل ذلك محصورًا في صقلها العقل وسرور طالبها النفسي، ولم يكن عصرهم قد كشف حالها من جهة سعة فائدتها لحياة الناس وإلا لاختلفت صياغة النص، وتغيرت كلمة "لا بأس" وتغيرت "الفوائد المرجوة"، مع العلم أن هذه العلوم قد جعلها الشيخ لطالب العلم الشرعي، فبعد أن يُحصّل علوم الشريعة يطلع على هذه المعارف، وليست لمن يتفرغ لها كمن تفرغ للطب مثلًا.
стр. 685
وهو يُحذّر طالب العلم من الضعف أمام إكراه المجتمع، كذمه لهذه العلوم وذم من يقرأ فيها، فيقول: "وبالجملة فالعلم بكل فن خير من الجهل به بكثير، ولاسيما من رشح نفسه للطبقة العلية والمنزلة الرفيعة، ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات، فإنها كما قدمنا لك شعبة من التقليد، وأنت بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما قد يكون لديك من العلم، غير محكوم عليك، واختر لنفسك ما يحلو، وليس يخشى على من قد ثبت قدمه في علم الشرع من شيء، وإنما يخشى على من كان غير ثابت القدم في علوم الكتاب والسنة، فإنه ربما يتزلزل وتحول ثقته" (١). وهو تنبيه للشيخ يمكن أن نُعبّر عنه بلغة عصرنا: بأهمية إعداد الجيل الذي سيتلقى هذه العلوم من جهة، وأهمية تصفية هذه العلوم -مادام أنها مهمة- مما خالطها من أفكار فاسدة تزلزل صاحبها وتحول ثقته من جهة أخرى، إنه بكلمات سهلة: التأصيل الإِسلامي لهذه العلوم بإيجاد البيئة الإِسلامية لها والمناخ المناسب، لتنمو في توافق مع الدين ونفع للدنيا، "فإذا قدمت العلم بما قدمنا لك من العلوم الشرعية فاشتغل بما شئت، واستكثر من الفنون ما أردت، وتبحر في الدقائق ما استطعت، وجاوب من خالفك وعذلك وشنع عليك بقول القائل:
أتانا أن سهلًا ذم جهلًا ... علومًا ليس يعرفهن سهل
علومًا لو دراها ما تلاها ... ولكن الرضا بالجهل سهل
وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم، ويجري على لسانه الطعن في علم من العلوم، لا يدري به ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته ولا يتصوره بوجه من الوجوه. . . ." (٢).
وهنا التنبيه الثاني المهم: أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وبسبب الجهل أو الكسل يعتذر البعض بحيل نفسية للهروب من مواجهة الحقائق، وأيسر تلك الطرق: الرضا بالجهل لسهولته، مع ذم من تصدى لتلك العلوم، من باب رفع اللوم عن الذات. صحيح أن ما ثبت فساده وإفساده من العلوم فلا تردد في ذمها والتحذير منها، أما العلوم الصحيحة أو العلوم النافعة فلا يصح ذمّها أو ذمّ
стр. 686
من تعلمها، بل الأصل مدحها ومدح من تعلمها، وتزداد مكانتها عندما يظهر نفعها للناس وحاجتهم إليها، وهذا الموقف الذي أصّل له الإمام الشوكاني ﵀ حول الموقف من العلوم البشرية النافعة سيواصل العلماء في تأكيده، ويزداد قولهم صراحة مع كل يوم تتكشف لهم ثمرتها، لدرجة إيجابها.
стр. 687
فترة التحولات واضطراباتها ومشروع الشيخ حسين الجسر
جاءت مستجدات خطيرة عطّلت هذه المسيرة السلفية بخاصة والإِسلامية بعامة وأوجدت مسارات أخرى، عُرض بعضها في الفصل الثالث، حيث ظهرت مشروعات تحديث في عاصمة الدولة العثمانية، وفي بعض ولاياتها المشهورة كمصر وتونس، ولكن لم تُظهر ما يكفي من عناية بالإصلاح الديني، وفي الوقت نفسه ربطت التحديث ببناء جسر جديد مع أوروبا، ونقل حضارتها أو شيء منها إلى البلاد الإِسلامية، وكان القرن الثالث عشر/ التاسع عشر ورشة عمل ضخمة لهذا التحديث تدخّل فيها جهات مختلفة لكل جهة قبلة هي موليتها.
وإذا كانت دعوة الإمام محمَّد بن عبد الوهاب قد نجحت في القرن الثاني عشر الهجري وما بعده في إعادة الاعتبار لمذهب السلف وبداية انتشار الاتجاه السلفي -في العالم الإِسلامي بعد أن غرق في بدع التصوف والطرق والمذاهب الكلامية والشيعية وغيرها- فإن مشروعات القرن الثالث عشر تكشفت عن اتجاهين جديدين هما: "العصراني" و"التغريبي".
وقبل الحديث عن هذه الاتجاهات الثلاثة: "السلفي" "العصراني" "التغريبي" أذكر أن هناك اتجاهات أخرى بعضها تخرج عن إطار هذه الدراسة كالشيعة والباطنية، وبعضها له صله بالدراسة وهو الاتجاه الديني السائد أول العصر الحديث وهو "الكلامي- الصوفي"، فقد كان لأعلام هذا الاتجاه "الكلامي- الصوفي" شأن كبير في القرون الأخيرة ودعمته الدولة العثمانية، فضلًا عن تمركزه في جامعات المسلمين الكبرى كالأزهر والقرويين والزيتونة وجامع الأمويين والقسطنطينية، ولاسيما الأزهر حاضرة المسلمين العلمية، وأعلام هذا
стр. 688
الاتجاه يمكن تصور موقفهم في ثلاثة مسارات: الأول: وهو الموقف السلبي، الذي آثر السكوت وعدم الانشغال بهذه المستجدات مع تفرغه للعلوم التي برع فيها بالتدريس والتأليف، وربما كان هذا حال جمهورهم، ومن يطّلع على وفيات الأعلام الذين ذكرهم الجبرتي، ويطلع على ما ذكر عنهم من نشاط وتأليف، يجد ابتعادها عن هذه المستجدات، وقد سبق الحديث عن بعض أحوالهم في أثناء الحديث عن دور الأزهر. والثاني: المائل إلى الموقف العصراني، وكان فيهم من تحوّل إلى رمز من رموزه بعد أن كان محسوبًا على القسم الأزهري المحافظ، وهؤلاء سيأتي الحديث عنهم وعن منهجهم. وأخيرًا: هناك مسار مهم لمجموعة من العلماء والفضلاء سلكوا طريقًا وسطًا داخل مذهبهم، فهم متمسكون بالمذهب الأشعري والتصوف مع دعوتهم إلى إزالة ما التصق بهما من انحرافات ولاسيما في باب التصوف، وهم مع ذلك أهل علم في العلوم الشرعية أو أحدها: كالتفسير أو الحديث أو الفقه وغيرها، وكان لهم مواقف حسنة من التحديث والعلوم الجديدة والحضارة الغربية، وفي هذا الموضع بالذات لم يكن بينهم وبين علماء الاتجاه السلفي خلاف، بل كانوا كالجيش المسلم الذي يختلف جنده أحيانًا في بعض تصوراتهم ولكنهم يتفقون على هدف يهدد كيان الأمة الإِسلامية، لهذا نشترك وإياهم في كثير من الخطوط حول الموقف من العلوم الجديدة ومناهجها ونظرياتها وإن كان هناك اختلاف في أبواب أخرى، ولاسيما فيما يتعلق بمذهبهم الكلامي والصوفي.
فإذا جاء لأحدهم موقف حسن من العلوم الحديثة يتفق مع موقف الاتجاه السلفي فإني أجعله ضمن الاتجاه السلفي في موقفه هذا مع بيان مذهبه الاعتقادي، ولاسيما أن مجموعة من متأخريهم قد وسعوا مصادر تلقيهم، فتجد أنهم قد عاشوا في بيئة "كلامية - صوفية" ثم اطلعوا على "السلفية" ومذهبها فتأثروا بذلك واستفادوا من أعلامها ولاسيما شيح الإِسلام ابن تيمية ومدرسته العظيمة، ومع ذلك لم يتخلصوا من كل مواد بيئتهم القديمة، لهذا أجد لنفسي العذر في وضع هذه الاجتهادات في إطار واحد وإن كانت تختلف في قوتها ومنزلتها، ويوجد في هذا الباب شخصية مميزة وغريبة، مما يجعلني أخصها بفقرة قبل الحديث عن الاتجاهات الثلاثة "السلفي - العصراني - التغريبي" وهو الشيخ "حسين الجسر".
стр. 689
مشروع الشيخ حسين الجسر:
يشكل دخول ثقافة أجنبية على ثقافة أمة تمرّ بمرحلة ضعف ظاهرة خطيرة لما في ذلك من تهديد لهويتها، وقد كان هذا حال أمتنا في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر؛ فحركة الإصلاح والتجديد الديني التي ابتدأها الإمام المجدد محمَّد بن عبد الوهاب ﵀ في القرن الثاني عشر قد حُوصرت، وحوربت، وقضي على تمثيلها الاجتماعي، وإن كانت تتسع على مستوى نخب المجتمع الإِسلامي عبر اقتناع علماء وفضلاء بها، فحُرمت دعوة الإصلاح والتجديد الديني من مواصلة نموها حتى تستعيد أمتنا قوتها وعافيتها. وفي أثناء ذلك حدث التدخل الثقافي الأجنبي "الغربي" الخطير إلى أمة تحاول أن تتعافى وتنطلق من جديد، وقد تسبب مجيء هذا التسرب الثقافي وقت محاولات النهوض في التفات البعض إلى هذا المُنتج الثقافي والأخذ به والتأثر بمواده وموضوعاته.
أصبحت المدارس المشهورة والصحافة الذائعة والمنتديات المهمة والجمعيات الخطيرة تتولى نشر هذه الأفكار الثقافية الأجنبية بسبب إدارة الأجنبي لها، ووصل الأمر إلى انتشار أفكار جديدة تتصل بأغلب الموضوعات الدينية يغلب عليها التلبيس وإثارة الشُبه. وإذا كانت الشُبه القديمة التي نشأت بسبب الاحتكاك بثقافات أجنبية قد عالجها علماء الإِسلام، فإن الفكر الغربي الحديث قد أوجد أشياء جديدة تحتاج -بعد أن انتشرت- إلى معالجات جديدة، وقد كان أخطرها ما يُدّعي ارتباطه بالعلم، حيث كانت هناك موضوعات ومسائل متناثرة نجدها هنا وهناك دون أن يمثلها تيار واضح كما حدث فيما بعد في القرن الرابع عشر/ العشرين، ولكنها كانت بمجموعها تمثل شكلًا جديدًا يشارك إن لم ينافس التصور العقدي عند المسلمين، ومن الطبيعي وجود علماء وفضلاء يحاولون الرد على تلك المسائل عندما يُستفتون أو يُسألون ولكنها كانت اجتهادات جزئية لم تتحول إلى مشروع متكامل، باستثناء ما قام به جمال الدين الأفغاني والشيخ محمَّد عبده في مواجهة المستجدات الفكرية، ولاسيما ما ارتبط منها بالعلم الحديث، ورغم مكانة الدور الذي قاما به فإنه بقي في باب العموميات، يبحث العلاقة بين الدين والعلم في العموم، بحيث يؤكد أن الإِسلام هو مع العلم فكيف يقال: إنه يتعارض معه! ويؤكد أن أمة الإِسلام هي أمة العلم، وأن الضعف الذي هي فيه لا علاقة له بما يثيره الغرب من أننا
стр. 690
أمة ضد العلم وإنما هو بأسباب سياسية واقتصادية وخارجية.
أما أول مشروع علمي وفكري إسلامي استوعب المشكلة ورصدها بكل أبعادها وحاول معالجتها في رؤية متكاملة فقد كان مع الشيخ "حسين الجسر"، أحد أبرز علماء الشام وفضلائها، الذي عاش مرحلة التحولات الكبيرة على المستوى الفكري والسياسي آنذاك (١٢٦١ - ١٣٢٧ هـ -١٨٤٥ - ١٩٠٩ م) وأخرج في ذلك كتابيه المشهورين: "الرسالة الحميدية في حقيقة الديانة الإِسلامية وحقيقة الشريعة المحمدية" التي أتمها في رمضان (١٣٠٦ هـ - ١٨٨٧ م) و"الحصون الحميدية للمحافظة على العقائد الإسلامية" جاء بعد السابق دون تاريخ.
جاء هذا المشروع قبل تميّز التيار التغريبي في جمعيات وأحزاب ومنظومة فكرية متكاملة من مفكرين وأفكار ووسائلهم التعبيرية وموضوعاتهم التي تمثل منهجهم ودعوتهم، كما أنه أول مشروع قدّمته الاتجاهات الدينية بمثل هذا الشمول، ولاسيما في أبواب العقائد وعلاقتها بالعلم الحديث، وحقق شهرة كبيرة لدرجة تصدّره ليكون المنهج العقدي في منظومة التعليم العثماني.
نجد في هذا النموذج لمشروع الجسر المحاولة الإِسلامية الأولى دون أن تتميز ملامح اتجاهها نحو أي مذهب من مذاهب المسلمين، مع أن صاحبها يكاد يكون موغلًا في التصوف وملتزمًا تمام الالتزام بالمذهب الأشعري، ومع ذلك فإن موقفه من العلم الحديث -وإن أثّرت في بعض مفاصله طريقته الصوفية ومذهبه الأشعري- فيه الكثير من العناصر التي تجعله ممثلًا للفكر الإِسلامي عمومًا في مقابل التغريب والفكر الوافد، وعنده مجموعة مهمة من الرؤى الاجتهادية التي لا اعتراض عليها عند المذاهب الأخرى، ولاسيما الاتجاه السلفي.
وبما أنه المبادرة الإِسلامية الأولى الشاملة فسأقف مع تفاصيلها المهمة: ما المشكلات التي وجدها انتشرت في الأمة الإِسلامية ضد الدين وتزعم علميتها؟ وما الطريقة التي عالج بها تلك المشكلات؟ لنخرج منها إلى التمايزات الواضحة بين ثلاثة مناهج جاءت بيّنة في القرن الرابع عشر الهجري.
يذكر الدكتور "فهمي جدعان" في دراسته الشهيرة عن "أسس التقدم عند مفكري الإسلام" أن المشروعات الفكرية السابقة لمشروع "الجسر"، ولاسيما
стр. 691
"الأفغاني وعبده"، لم تكن قادرة على حل "مشكلة العلم الحديث" الذي غزانا الغرب به في عقر دارنا "لا في صورة منجزات مادية جزئية عجيبة وفعّالة -فهذا لا يجلب بادئ ذي بدء سوى الدهشة والإعجاب اللذين ما يلبثان أن يتبددا بأثر العادة والإلف- ولكن في صورة "نظريات علمية" لا تبعث على الدهشة فحسب، وإنما تبعث أيضًا على تعديل أو تغيير أو قلب "أنماط التفكير" و"طرائق النظر" لدى أولئك الذين تغزو هذه النظريات عقولهم"، إلى أن قال: "ولقد كان المفكر السوري حسين الجسر الطرابلسي. . . هو الذي تصدى لمجابهة العلم الحديث في صورة أشهر نظرياته في القرن التاسع عشر: النظرية "النشوئية" الدارونية" (١).
المؤهلات والآمال:
جاور الشيخ "الجسرُ" الأزهرَ سنوات، ثم عاد إلى طرابلس، وكان على مقربة من مدارس الإرساليات وعلى اطلاع بأحوالها، فكوّن بذلك رصيده العلمي الجامع بين العلوم الإِسلامية -حيث كان أحد أعلامها آنذاك- وبين العلوم العصرية عبر جهده الشخصي حيث كان قد حصل منها على ما يجعله قادرًا على فهم فوائدها وإدراك مشكلاتها، وعن ذلك يتحدث الشيخ "محمد رشيد رضا" عن شيخه "الجسر": "وتخرجت في العلوم العربية والشرعية العقلية على الشيخ حسين الجسر. وكان له إلمام واسع بالعلوم العصرية كما يعلم من كتابه "الرسالة الحميدية" (٢)، وقد تفرغ للعلم وتعليمه وكان رأيه بحسب كلام رضا: "أن الأمة الإِسلامية لا تصلح وترقى إلا بالجمع بين علوم الدين وعلوم الدنيا على الطريقة العصرية الأوروبية" (٣)؛ ولذلك أسس مع آخرين "المدرسة الوطنية الإِسلامية وهي أرقى من المدرسة الرشدية وجميع التعليم فيها باللغة العربية إلا اللغتين التركية والفرنسية، وتدرس فيها العلوم العربية والشرعية والمنطق والرياضيات والفلسفة الطبيعية" وكان هو مديرها (٤)، وكان يأمل من هذه المدرسة خروج جيل جديد قادر على النهضة بالأمة، ولكن المدرسة لم تلق الدعم من السلطنة، فأقفلت
стр. 692
وتفرق طلابها، ومنهم العلم البارز الشيخ "محمَّد رشيد رضا".
وقد كان يريد من هذه المدرسة تدريس العلوم النافعة بروح إسلامية، فلا يتخرج طلاب المدارس العصرية بروح معادية للدين، ولذا كان يرد على من يقول "بأن من يدخل هذه المدارس التي تدرس علوم الكائنات هذه "يخرجون بعد درسها ومعرفة أسسها مارقين من الدين الإِسلامي مروق السهم من الرمية"، فلا يرجع ذلك إلى دراسة هذه العلوم في ذاتها، وإنما إلى عدم وجود المرشد الذي يكشف في مظاهر الموجودات، عن علتها الحقيقية وعن مصدرها الفعال. فالذي يحدث هو أن تدريس هذه العلوم يناط بمعلمين يرددون القول: إن هذه المظاهر إما إلى الطبيعة أو إلى المادة وحركة أجزائها أو إلى النواميس نفسها وكفى. والذي ينبغي قوله هو أن هذه الأمور كلها ترتد إلى علة أولى أو إلى الله. أما ما ينبغي فعله فهو أن يقوم في المدارس معلمون أحكموا العلوم الدينية والعقلية والطبيعية على حد سواء. فهذا يمكن حفظ العقائد من الزيغ والفساد" (١). فهو يرى أهمية المدرسة العصرية ويلقي بالثقل على المعلمين، والحقيقة أن المشكلة أبعد من ذلك، فإن العلوم ذاتها تحتاج إلى إعادة تبيئة؛ لأننا قد لا نجد دائما ذاك المدرس المميز الذي يشترطه الشيخ، فكان من المهم أن تكون العلوم ذاتها متوافقة مع هُوِيَّة الأمة. ولكن المؤسف أنك تجد الشيخ، وكأنه يتحرك لوحده، فالمشروع ضخم، والآمال كبيرة، وفي المقابل التفاعل الإيجابي من قبل السلطة والمجتمع لم يكن في حجم الخطر ولا في حجم آمال الشيخ.
المشروع الفكري:
عند العودة إلى إنتاجه المهم في مشكلة العلاقة بين الدين والعلوم الحديثة في أحد كتابيه: "الحصون الحميدية" أو "الرسالة الحميدية" نكتشف صدى المشكلات التي انتشرت في زمنه من جراء اقتحام هذه العلوم ومناهجها ونظرياتها والمنظومة الفكرية العملاقة التي خلفها، كما نكتشف شجاعة الشيخ في مواجهة المشكلة بحسب الاستطاعة، وما قَدَّمه من رؤى حول كيفية العلاقة بهذه العلوم، ولاسيما ما انتشر في زمنه من اكتشافات علمية أو نظريات أو غيرها، وسألخصها في الفقرات الآتية:
стр. 693
١ - الاستئناس بالعلم في توضيح العقيدة أو الدفاع عنها.
٢ - بناء منهج حول الموقف من النظريات بأداة كلامية أشعرية في الغالب.
٣ - مناقشة أشهر النظريات وشبهاتها.
١ - الاستئناس بالعلم في توضيح العقيدة أو الدفاع عنها:
كان المعهود في الفكر الإِسلامي عند التأليف في العقائد أن تُذكر الأصول العقدية وأدلتها من الكتاب والسنة ومذهب السلف فيها، ويذكر ولاسيما لدى المتأخرين توضيحات عقلية تؤكد صحة هذا المعتقد وردود عقلية على النافين والمعطلين، وتبقى هذه العقليات أمورًا نظرية تتفتّق عنها أذهان العلماء وأرباب المذاهب، وبسبب انتشار "علم الكلام" فقد كان الكثير منها مبنيًّا على أصول عقلية اتفق عليها أرباب الكلام، وان كان لا يُسلّم لهم غيرهم بها، وقد تكشف مع الزمن عقم الكثير منها وضعفها، بل فساد عدد من أصولها، ولاسيما بعد نقد أهل السنة لها، وأجمع ما أنتجه أهل السنة من نقد لها في عصورهم الأخيرة هو الجهد الذي حققه شيخ الإِسلام ابن تيمية ونخبة من العلماء في القرن الثامن الهجري.
اختلف الحال في العصر الحديث، إذ أصبحت الشُبه الجديدة تدّعي ارتباطها بالعلم، فهي ليست تصورات عقلية لا يمكن تصورها إلا في ذهن صاحبها، ومن اتفق معه عليها، وإنما هي تصورات علمية عمدتها الملاحظة والتجريب والحس، يتفق عليها كل من لديه قدرة على ممارسة العلم والتأكد بنفسه، هكذا يُوهمون الناس، وقد استشعر الشيخ "الجسر" هذه المشكلة، مما يعني عدم الاكتفاء بذكر أدلة عقلية تؤيد العقائد أو عقلية تبطل كلام المخالفين، وإنما نحن في حاجة إلى أدلة علمية أيضًا تؤيد العقائد وأخرى تبطل كلام المنحرفين، وفي ذلك يقول الجسر بعد أن ذكر آثار الترجمة القديمة وظهور الشبه ورد العلماء عليها: "وقد استمر الحال على هذا المنوال، إلى أن ظهرت في هذه العصور الأخيرة الفلسفة الحديثة، التي خالف فيها أربابها طريقة أسلافهم الفلاسفة المتقدمين، واعتمدوا في ذلك أصولًا في الرياضيات والطبيعيات لم تكن تعرف قبل هذا الحين، وانتشرت هذه الفلسفة بواسطة المطبوعات بين أهل الإِسلام، ونشأت عنها شبه لم تكن معهودة في غابر الأعوام، وصار كل عاقل
стр. 694
يخشى على إيمان الضعفاء من غوائل هذه الشبه الجديدة، فتجدد الاحتياج إلى استئناف الردود السديدة، وتأليف كتب في حفظ الإيمان مفيدة" (١)، والجديد هنا أن أصحاب الشُبه الحديثة قد اعتمدوا على ثمرات العلم الحديث، ولاسيما الرياضيات والطبيعيات.
ومن بين الأمثلة التي توضح "المقصدين" عند الشيخ -أي: تقريب بعض مسائل العقيدة بأمثلة علمية، أو الرد على الشبه حول العقيدة أيضًا بأمثلة علمية- ما نجده في باب المعجزات، فإنه بالعودة إلى كتب العلماء قديمًا نجد أدلتهم والشبه التي عالجوها والردود التي ذكروها، ولكن مع الاختلاف الذي حدث أصبح الشيخ يبحث في العلم الحديث ما يؤكد أن الدين الذي ذكر "المعجزات" وآيات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا يعارضه العلم، بل فيه ما يدلّ عليها، ولو من باب الأولى وبإمكانه وجوازه.
ومن المعجزات التي ذكرها "نبع الماء من الحجر" عندما ضربه موسى ﵇ بعصاه بأمر الله تعالى، فإن كان منكرها ممن يؤمن بالله وتمام قدرته "فيكفيه لتصديق هذا الأمر أن يتصور أن نبع الماء من الحجر له طريقان جائزان:
الأول: "أن الله سبحانه يخلق ويبرز من العدم مقدارًا من الماء يكفي بني إسرائيل، ثم يجعل سبيل بروزه في مشاهدتهم من الحجر عندما يضربه موسى"، وربما الشيخ يعلم أن هذا التصور مما يرفضه أصحاب العلوم الحديثة المعلمنة، لذا انتقل إلى الثاني:
"أن يحول الله تعالى الهواء ماء، ويجعل سبيل بروزه في المشاهدة أيضًا من الحجر، وتحول الهواء ماء وعكسه هو من الأمور الجائزة التي دخلت تحت تصرف قدرة الكيماويين كما يعلم من فن الكيمياء، وفي هذا العام قدروا أن يحولوا الهواء سائلًا من السائلات، فما بالك بقدرة من خلق الكيماويين وجميع أعمالهم؟ " (٢). فالشيخ هنا يُقرّب المعنى بهذا المثال، وإلا فهناك فرق بين المعجزة التي لا يستطيعها أحد من البشر، وبين عمل الكيمائيين في تحويل الغاز إلى سائل، فهو
стр. 695
يقرب للشكاك معنى تلك الآية معتمدًا على الاكتشافات العلمية الحديثة، وفي الوقت نفسه يرُدّ على الطاعنين عن طريق قياس الأولى والجواز العقلي.
ومن الملاحظ أن طريقة الشيخ هذه ستصبح أسلوبًا لبعض أهل التفاسير المعاصرة، فيستفيد أصحابها في أثناء تفسيرهم للآيات الكونية وعالم المخلوقات الواردة في القرآن من المستجدات العلمية من باب الاستئناس، وتقريب المعنى وتوضيحه، فمنهم الغالي في ذلك كالشيخ "طنطاوي جوهري" ومنهم المعتدل وهم الأكثر (١).
وقد كان الشيخ الجسر يعرض ذلك بحذر وحيطة وأحيانًا حتى في الأمور الواضحة، ويُحمد له من جانب؛ لأنه لم يتوسع التوسع المتسرع، ولكن قد يُؤخذ عليه توقفه في الأمور الواضحة، ومن ذلك ما نبّه إليه تلميذه البارز الشيخ "محمَّد رشيد رضا"، حيث ذكر أن شيخه سأله عن رأيه في "الرسالة الحميدية" قائلا له: إنه يعجبني من بين أولادي فهمك ورأيك، فقال "رضا": "إن الحاجة إليها لشديدة، ولم يسبق مولانا أحد إلى مثلها في الدفاع عن الإِسلام، ولكن لي عليها أنكم توردون المسألة القطعية في العلم ككروية الأرض ودورانها بعبارة فرضية تدل على شككم فيها. قال: أنت تعلم تعصب الجاهلين بهذه العلوم في بلادنا، فلا نترك لهم مجالًا للقيل والقال. قلت: إذا كان مثلكم في ثقة الأمة بدينه وعلمه لا يجرؤنا على التصريح بالحقائق فممن نرجو هذا؟ " (٢). وقد تُضاف مشكلة أخرى تكبر مع الزمن هي نفس ما امتدح الشيخ "رضا" شيخه بها، وهي كون المشروع من منطق دفاعي، وهذا المنطق يُبقي صاحبه دائمًا في انتظار هجمات المهاجمين وهو فقط يدافع، فينشغل طوال العمر بالمدافعة، ومع ذلك فإننا وإن استشعرنا مأزق الدفاع، فإنه لا يمكن التهوين من فائدته وأهميته وحاجتنا إليه، بشرط أن لا يكون هو منطقنا السائد.
٢ - بناء منهج حول الموقف من النظريات بأداة كلامية أشعرية في الغالب:
أصعب عمل يواجه أي صاحب مشروع فكري هو تكوين منهج للتفسير أو
стр. 696
منهج لمعالجة مشكلات فكرية، وقد حاول الشيخ -بالاعتماد على تركة كلامية أشعرية في المقام الأول- بناء منهج يستفيد منه المسلم في فهم المسائل العلمية التي لها صلة بأبواب دينية، ولاسيما في الباب الذي يوهم التعارض مع الدين أو الطعن فيه.
يواجه الشيخ مشكلة واضحة أثارها أصحاب الأفكار الجديدة مع زعمهم أن العلم يؤيدهم في ذلك، وهي بارزة مع أصحاب المادية النشوئية: فهم يرون أن ما تضمنته الشريعة المحمدية "من بعث الإنسان بعد الموت ووجود دار للنعيم ودار للعذاب ووجود الملائكة والجن والسموات والعرش والكرسي واللوح والقلم وأفعال الملائكة العظيمة وأمثال ذلك. . . . أنه لا دليل عليها في علومهم. وما يبدو منها خارقًا للنواميس الطبيعية ترفضه هذه العلوم وتراه ممتنعًا" (١)؛ أي: إننا أمام قضايا اعتقادية لها حالان:
١ - إما أنه لا دليل من العلوم عليها، مثل الأمور الغيبية.
٢ - أو أن الأدلة العلمية ضدها، مثل المعجزات والكرامات وما في بابها.
فإذا كانت هذه الحال قد انتشرت بين الناس وأثّرت في بعضهم، فإن المطلوب من العلماء تحقيقًا للواجب المناط بهم والمسؤولية الملقاة عليهم أن يعالجوا هذه المشكلة، وسيكون أمامهم:
أولًا، تذكير الناس أن العلم الحديث ليس الدليل الوحيد على الحقائق، فعلى افتراض أن العلم الحديث لم يدل على كثير من مسائل الغيب، فإن عدم دلالته عليها ليس دليلًا على عدمها، فإن الله سبحانه قد أرسل رسله وأنزل كتبه، وعلمنا علم اليقين صدقهم وأنهم من عند الله سبحانه، وأن ما جاءوا به هو الحق.
ثانيًا، وربما يكون الأخطر، وهو إزالة شبهة أن العلم ضد بعض المسائل والأصول الدينية.
وبالعودة لمنهج الشيخ الذي قدمه نجده يرجع لطريقتين: "الرد أو التوفيق"، "رد شبه عن نصوص شرعية تعتمد في الاعتقاد، أو التوفيق بينها وبين ما ثبت
стр. 697
بالدليل العقلي القاطع مما ينافى المعاني الظاهرة لتلك النصوص" (١)، فما كان شبهة فحقه الرد، وما كان حقيقة بدليل قاطع وخالف ظاهر النص فحقه التوفيق بينه وبين النص.
ليست مهمة الرد على الشبهات عملية هيّنة، فإن الشبهات قد اكتسبت في العصر الحديث من الزخارف ما يجعلها قوية الإقناع، قوية التغلغل، قوية التأثير، خطيرة الأثر. وليس المقصود بالرد هنا عدم قبولها أو تكذيبها فقط، وإنما المقصود قدرة الناقد على إثبات بطلانها في ذاتها، واقناع من تأثر بها بعدم صحتها، وإزالة الافتتان بها، بحيث يتحقق في الرد مجموعة مستويات "من تقرير المسألة بالدليل النقلي والعقلي، وإماطة ما يعرض من الشبه على المسألة، وتحقيق الأمر على وجه يخلص إلى القلب ما يبرد به من اليقين، ويقف على مواقف آراء العباد في هذه المفازة" (٢)، فمثل هذا الرد وبهذه المستويات يكون المشروع النقدي ذا قيمة وأثر، ولا شك أن الشيخ قد بذل جهده في مشروعه، أما حجم نجاحه في ذلك فيحتاج إلى دراسة مستقلة، ولكنه قد حاول، ويبقى الأبرز في مشروع الشيخ هو الجانب الثاني منه، أي محاولة "التوفيق" في كثير من المسائل بين النصوص الشرعية أو العقائد الدينية وبين العلم الحديث، ولاسيما العلوم الطبيعية من ذلك وفيزياء وكيمياء وعلم الأرض وما في بابها مما عرف منها في زمانه.
معالم المنهج التوفيقي عند الجسر:
١ - النصوص التي اعتمدها الشيخ هي الآيات القرآنية وبعض الأحاديث النبوية، وإن كان قد استثنى حديث "الآحاد" واعتمد "المتواتر" وإلى حدٍ ما "المشهور" (٣). وفي هذا الجزء بالذات يرفض الاتجاه السلفي هذه القسمة الاصطلاحية إذا كانت ستؤدي إلى قبول أحاديث، وإبعاد أخرى بغير حق؛ أي: القسمة إلى متواتر وآحاد، فما جاء عن الرسول ﷺ فهو حق إذا صح سواء كان
стр. 698
متواترًا أم آحادًا (١).
٢ - "يجب عينًا -في كل نص- أن نعتمد معناه الظاهر المتبادر منه، ولا يسوغ لنا تأويله وصرفه إلى معنى آخر غير متبادر، إلا إذا قام دليل عقلي قطعي يناقض معناه الظاهر، فحينئذ يكون قيام ذلك الدليل العقلي قرينة دالة لنا على أن معناه الظاهر غير مراد للشارع، بل مراده معنى آخر غير ما يتبادر منه، فنؤول النص حينئذ، ونصرفه إلى معنى آخر غير الظاهر المتبادر على سبيل الاحتمال، يكون قابلًا له، وغير مناقض لذلك الدليل العقلي القطعي. هذه هى القاعدة الكلية في النصوص الشرعية التي اعتمدها أهل السنة والجماعة" (٢). وهذا من أحسن مواقف الشيخ مع التنبه إلى أن كثيرًا مما ظنّه المفكرون دليلًا قطعيًا عقليًا قد لا يكون كذلك وإنما هو من الشُبه. وحتى في الأدلة العلمية الحديثة، فإن "العلم الحديث" لا يعترف بمبدأ الدلالة القطعية، والدلالة القطعية أقرب إلى المنهج الصوري الاستنباطي، أما المنهج التجريبي الاستقرائي القائم على جزئيات ونماذج، ثم تتحول إلى تعميم، وتبقى علمية ما لم يحدث ما ينقضها في مستقبل العلم. والسؤال هنا: من المؤهلون الذين سيحكمون أن الدليل المخالف لظاهر النص الشرعي هو قطعي الدلالة؟ وهي مهمة عسيرة، يأتي بعدها المؤهل لصرف اللفظ عن ظاهره، فإلى أي معنى يُصرف هذا اللفظ؟ ففي الآيات المتعلقة بالمخلوقات وللعلم الحديث مقال فيها: هل نصرفه إلى ما دلّ عليه العلم الحديث؟ فالقاعدة التي ذكرها الشيخ قاعدة مميزة، وإنما تظهر الصعوبات في حقيقة قدرتنا على تحديد "الدليل القطعي" المخالف لظاهر النص الشرعي، وإلى أي معنى نصرف اللفظ (٣).
стр. 699
٣ - إذا قام دليل عقلي ظني -ويدخل فيه العلم الحديث كما هو واضح من أمثلة الشيخ- يعارض النص الشرعي، "فلا يكون ذلك داعيًا لترك الظاهر من معنى النص؛ لأن رفض الدليل الظني لا يوجب رفض العقل، لاحتمال أن هذا الظن باطل في نفس الأمر، فلا ضرورة تدفعنا إلى ترك المعنى الظاهر من النص، فاتباع الدليل الظني وترك ظواهر النصوص يوجب اختباطًا واختلاطًا في الاعتقاد لا يحد، فإن الظنون كثيرة، والاعتقاد في الشرائع وإنما يعتمد فيه اليقين، فكان الصواب أن يتمسك بظواهر النصوص اليقينية الورود، ولا يتحول عنها لمجرد الظنون" (١).
٤ - التحذير من إحسان الظن مطلقًا في علماء العلوم الحديثة وتقليدهم: فبعد أن بيّن وجوب اتباع الرسول ﷺ ، وبين أحكام اتباع العلماء وتقليدهم (٢)، انتقل بعدها لبيان خطأ تقليد علماء العلوم الحديثة فيما له علاقة بأمور الدين فقال: "فمن هنا يظهر لك خطأ بعض أهل هذا العصر في تقليد فلان الفلكي أو فلان الجغرافي أو فلان الجيولوجي المشهورين في فنونهم في بعض مسائل ربما تكون مخالفة لظواهر نصوص الشريعة التي تعتمد في الاعتقاد"، وبيّن خطورة ذلك فقال: "فهذا الحال ربما يوقع هؤلاء المقلدين في الخروج عن الدين -والعياذ بالله تعالى وهم لا يشعرون".
ثم بين سبب وقوعهم في هذا التقليد المذموم فقال: "والذي يوقع أولئك المقلدين في تقليد فلاسفة هذا الزمان في تلك المسائل هو أنهم نظروا لهم أدلة في بعض مسائل فنونهم يقينية قطعية كأدلتهم في المسائل الحسابية والهندسية وبعض التجريبيات الطبيعية المحسوسة، فاغتروا بهم وأوقعهم الوهم في اعتقاد أن كل ما يقوله أولئك الفلاسفة صواب يقيني الثبوت، وأنهم لا يعتمدون في أدلتهم في جميع فنونهم إلا على اليقين".
وأجاب عن ذلك فقال: "ولم يدروا أنه يوجد فرق بين أدلة المسائل الحسابية، وما ذكر معها، وبين أدلة كثير من المسائل الفلكية مثلًا؛ بأن تلك
стр. 700
يقينية وهذه قد يوجد بينها كثير من الظنون والتخمينات، وقياس الغائب على الشاهد الذي قد يكون في نفس الأمر قياسًا فاسدًا" (١)، وهو يُحيل إلى ما هو سائد في المناهج العلمية المعاصرة، أن العلوم التجريبية رغم ضخامة الثمار الناتجة عنها وكثرة الحقائق التي تحويها؛ فإنها نسبية لا تصل إلى الحقائق المطلقة، وهذا في الثابت منها فكيف بغير ذلك ولاسيما بعد ظهور "النظرية النسبية" وأثرها على العلم والمناهج (٢). ورغم هذا الاتفاق إلا أن الروح المادية الطاغية على طائفة من صانعي العلم الحديث أو الملتفين حوله، تجعلهم يقدمون هذا العلم بصورته النسبية على الحقائق الدينية، مع أن العلم يقبل الملاحظة والتجريب ودخول المختبر، أما الدين وحقائقه فلا نستطيع التأكد منها بمثل ما نتأكد به من المسائل المحسوسة التي يشتغل عليها العلم، وهذا يعني أن العلم يحتاج إلى مظلة جديدة غير تلك المظلة المادية التي أفسدت علاقته بالدين.
وانتقل الشيخ بعد جوابه عن شبهة الاغترار بهذه العلوم وأهلها قياسًا على القطعي منها إلى شبهة أخرى، يرددها المقلِّدون لأرباب العلوم الحديثة، وهي دعوى أن هذه المسائل العلمية مجمع عليها عند أهلها، وأجاب الشيخ بجوابين:
١ - أن المسلم مأمور بتقليد إجماع واحد هو إجماع علماء الإِسلام لشهادة الرسول ﷺ بأنهم لا يجمعون على ضلالة.
٢ - أن إجماع علماء علم من العلوم قد يكون مبنيًا على دليل ظني، وهذا لا يفيد عصمة إجماعهم من الخطأ.
وذكر نموذجًا لإجماع علماء الفلك قرونًا طويلة على النظرية القديمة، وكم ألفوا فيها من الكتب، وكم دونوا من الأصول والقواعد، وكم صوروا صور الأفلاك، وذكروا لها من الأحكام الطويلة العريضة، فجاء المتأخرون وأبطلوا كل ذلك من أصله، وصار بينهم يُعدّ خرافة من خرافات البشر، وقد كان فيهم من هو مصدق بتلك النظرية، وأنها الحق المطلق ويستحيل عندهم وجود غيرها، وعلى هذا فلابد من تحرير حقيقة ذلك الإجماع، هل هو واقع في المسألة المقصودة،
стр. 701
وهل هو قائم على دليل قطعي أم على دليل تجريبي ظني، فإذا تحقق مثل هذا وغيره، عند ذلك نبحث عن المعالجة (١).
٥ - ليس من مقاصد الشريعة بيان عالم المخلوقات على طرائق العلوم:
"فالشريعة المحمدية بل وسائر الشرائع إنما يقصد منها بيان ما يرشد الخلق إلى معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلى كيفية عبادته وأداء شكره، وإلى الأحكام التي توصلهم إلى انتظام المعاش وحسن المعاد.
أما تعريف الخلق بمباحث العلوم الكونية من كيفية خلق العالم، وما هي النواميس القائمة في السموات أو في الأرض وأمثال ذلك، فليس شيء من نحو هذا من مقاصد الشرائع، بل هذه المباحث هي معارف تتوصل الناس إليها بعقولهم، فربما ينتفعون بها في دنياهم وربما يكون حظهم فيها مجرد الاطلاع. . . . نعم قد تذكر الشريعة شيئًا منها مجملًا على قدر ما يكون له دخل في مقاصدها الأصلية" (٢).
وفي هذا تنبيه لطيف من الشيخ -وقد سبقه إلى ذلك علماء- إلى الانتباه لمقصد النصوص الشرعية إن ورد فيها شيء من أبواب العلوم، فليس المقصد أن تتحول إلى كتاب في الرياضيات أو الفيزياء أو الفلك، فهذه قد تركها الرب سبحانه لتحصيل البشر ونشاطهم العقلي، وما يُذكر فيه من نصوص لها دلالة بهذه العلوم فمقصدها الأساسي ديني. ومما يستفاد من الكلام السابق أن الانشغال بإيجاد تفسيرات علمية للنصوص الشرعية والغلو في ذلك يخالف مقاصد النصوص ذاتها، كما أن ادعاء المتأثرين بالشبهات -المرتبطة بالتطورات العلمية- ربما كان منبعها أنهم نظروا في النصوص وفهموها بحسب ما تمليه الفلسفات المرتبطة بحركة العلم الحديث، فحكّموا فيها النشاط البشري، فوقعوا في حيرة، بينما النص لم يكن من مقصده كما هو الظاهر من كلام طائفة من أهل العلم أن يكون نصًا في هذه العلوم مباشرة (٣).
стр. 702
٣ - مناقشته لأشهر النظريات وشبهاتها حول الدين "الرد أو التوفيق":
بعد أن تحدد المنهج في الأصول المذكورة في الفقرة السابقة جاء دور المناقشة للنظريات والاكتشافات العلمية التي يظهر منها مخالفة لظاهر النص أو لظاهر المعتقد، وليس بالوسع إعطاء تقويم لكل ما قدّمه الشيخ، على أنه لا يُسلّم له بكل ما وصل إليه. إلا أن الفرق واضح بين عصر المؤلف أول القرن الرابع عشر وعصرنا بداية الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، فاليوم هناك عشرات العلماء من المسلمين في فنون العلوم المختلفة الحديثة، وهناك إلى جانبهم الجامعات الكثيرة وأساتذتها من المتخصصين في العلوم الشرعية أو العلوم العصرية، وهذا يُسهل الأمر إن وجدت عزيمة وهمة لمعالجة الوضع، ومع هذه الكثرة فإن مشروعات الأمة في مواجهة هذه التحديات ما زالت ضعيفة ودون الأمل. أما في عصر الشيخ فمن النادر أن تجد العالم بالشرع العارف في الوقت نفسه بعلوم عصره وشبهاتها ومشاكلها، ويتجاوز الموقف السلبي إلى الموقف الإيجابي فيجتهد في رفع الشبه ويقرّب المسائل بلغة يفهمها من وقع بين فكي تلك الشبهات، وإنها لمحاولة صعبة وضخمة وشاقة تلك التي قام بها الشيخ لمن تذكّر إمكانيات عصره وتحدياته.
لقد مرّ الشيخ وهو يعرض لمجمل العقيدة على أغلب ما أثاره العلم الذي عُرف في زمنه، وناقش كل ذلك مدركًا حدود الإمكانيات ومدركًا الصعوبات، وقد كان لذلك أثره في نفوس المطلعين على مشروعه من ناحية الانتفاع والرد على المخالفين باعتماد كلامه.
ظهر العلم الحديث بوضوح في مشروع الشيخ الجسر، وقد أخذ ثلاثة مظاهر: الأول، في أثناء عرضه لبعض موضوعات العقيدة حيث كان يقربها للأذهان ببعض الأمثلة العلمية، وهذا يعني أن العلم يخدم الدين ولا يتعارض معه، والمظهر الثاني يأخذ طابع الرد على من جعل بعض ما يفهم من موضوعات العلم الحديث ضد الدين، والمظهر الثالث عبر سعيه للتوفيق بين ما ظهر منه التعارض بين ظاهر النصوص والقطعي من العلم الحديث.
فمن النوع الأول مثلًا تقريب خروج الماء من الحجر في معجزة النبي موسى ﵇ بما اكتشف عند أهل الكيمياء من تحويل الغاز إلى سائل (١). ونجد
стр. 703
تقريبه إلى الأذهان حدث رفع جبل الطور بما كشفه العلماء المحدثون من قانون الجاذبية الذي هو أقرب تفسير علمي لحركة الكواكب والنجوم، فالله الخالق لهذا الناموس قادر على خلق مثله يرتفع به جبل الطور، فإنّ حمل هذه الكواكب الضخمة في هذا الفراغ أعظم من رفع جبل (١). وتقريب حدث ظهور الدم في الماء ضمن الآيات التي جعلها الله سبحانه لموسى ﵇ مع فرعون وقومه بما كشفه العلماء المحدثون من حيوانات مجهرية، ربما هي تحولت إلى دم بأمر الله سبحانه، وهكذا (٢). مع تنبيه الشيخ إلى أن المؤمن بالله سبحانه وبكمال قدرته يُسلّم بكل ما جاء به الوحي من هذه الآيات، ولكن الكلام مع من أثّرت فيهم الشبهات، فيريد تقريب ما استغربته عقولهم واشتبهت فيه بأمثلة جاء بها العلم، وهو نفسه الذي يعتمدون عليه في الإنكار.
أما الثاني في باب الرد فيكتفي الشيخ أن ما جاؤوا به مسائل ظنية، ولا يجوز تقديم الظني على ظاهر النصوص (٣).
وأما الثالث: في باب التوفيق -وهو الأكثر حضورًا في مشروع الشيخ-، فهو يشعر بثقة الناس في العلوم الحديثة ثقة عمياء، وأن من سيكذبها لابد أن يثبت بطلانها بدليل منها، وليس بدليل خارج عنها، فالقوم لا يقبلون أن يُرد عليها مثلًا بأقوال لعلماء في الشريعة، ولكن أيضًا لا يوجد في المسلمين من عنده قدرة على إثبات بطلان ما يُشتَبه فيه من هذه العلوم من داخلها، فلا يوجد لدينا علماء كبار في هذه العلوم يستطيعون مجاراة أهلها، فيردون عليها إن كانت خاطئة. وبما أن الشيخ لا يستطيع إثبات بطلانها من دائرتها الخاصة فما بقي له إلا وضعها في دائرة الاحتمال، على طريقة: إن كانت صحيحة فالجواب كذا وكذا، مع أن الأولى البقاء مع ظاهر النص، هكذا يردد الشيخ.
أكثر ما نجده في هذا الباب هو ما له صلة بعلم الفلك ونظريته الحديثة، فإن القرآن الكريم يتحدث كثيرًا عن هذا الباب، وهو باب ظهرت له علوم مستقلة
стр. 704
في الفكر الحديث، وقد ظهر فيها مسائل كثيرة استغلها "الماديون" في التكذيب بالدين ووقعت من نفوس الكثير موقعًا خطيرًا، ولذا جاء دور العلماء في ردّها وبيان الحق فيها بحيث لا يُترك أي طريق لأهل الشُبه.
ولست هنا في موضع التقويم لاجتهادات الشيخ، وإنما المقصود اكتشاف أول صورة متكاملة لعرض المشكلة وطريقة المعالجة، والتوقف مع المنهج فقط.
فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت: ١٢]، حيث ذكر أن من أهل العلم من قال إنها مركوزة في السماء، بينما نجد في العلوم الحديثة أنها في فضاء متماسكة بقانون الجاذبية، فيقول: إن ذلك "جائز عقلًا داخل تحت تصرف قدرة الله تعالى، ويكون ذلك الناموس من جملة الأسباب العادية التي وضعها الله في الأكوان، فإذا قام لنا الدليل العقلي القاطع على قيام تلك الكواكب في الفضاء كما يقولون: نتأول النص الذي ظاهره أن الكواكب مركوزة في السماء وهو قوله -تعالى-: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ بأنه من المحتمل أن يكون مراده تعالى بكونها زينة، أنها زينتها بحسب مرأى الرائين وإن كانت تحتها- كما قال بذلك جملة من علماء الإِسلام. . . ." (١). وكما سبق فليس المقصود الوقوف مع ما ذُكر من تفسير للآية، فقد يكون التفسير الراجح مما لا علاقة له بما ورد من مسألة القول بأنها مركوزة، وإنما المقصود بيان المنهج، والأمثلة التي حاول الشيخ معالجتها.
ومن الأمثلة أيضًا: هل السماء مرئية كما هو ظاهر النص، أم هي غير مرئية كما هو السائد في العلوم الحديثة، على أن الماديين منهم ينكرونها. والسبع الأراضين على افتراض صحة الأثر المنسوب لابن عباس ﵁ بوجود سبع أراضين، فهل هي سبع؟ أم أن المقصود سبع طبقات أو قارات على قول مفسرين؟، وبهذا يرتفع التعارض المتوهم مع العلوم الحديثة. والمثال الأكثر طرافة هو حول "كروية الأرض"، ففي قوله -تعالى-: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠]، فهناك من قال إن المعنى أنها مبسوطة غير كروية، حيث ذكر أن مذهب جمهور العلماء على أنها مبسوطة، وقال بعضهم إنها كروية (٢)،
стр. 705
ومما قال: "وأما قول هؤلاء الفلكيين: إن الأرض كرة فبعد إقامتهم لنا الدليل العقلي القاطع الدالّ على كرويتها لا مانع لنا من القول به، ويمكن تأويل النص الذي ظاهره أنها مبسوطة، كقوله -تعالى-: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ بأن جعل سطحها صالحًا للسكنى. . . ." (١)، مع أن الأخير هو تفسير السلف، وهو ما يوضحه السياق حيث ذكر الرب سبحانه بعدها قوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ [النازعات: ٣١] (٢)، وهنا يظهر ثقل التركة "الكلامية - الصوفية" على الشيخ حتى في الأمور البينة، وهذا ما أخذه عليه تلميذه الشيخ "محمد رشيد رضا" كما سبق.
وتوقف الشيخ في بعض المواضع حول مسألة حركة الشمس، فظاهر النصوص أن الشمس هي التي تدور حول الأرض بخلاف النظرية الفلكية الحديثة، فهل هناك تعارض؟ وأجاب عن ذلك جوابه (٣)، وقريبًا من ذلك جوابه عن غروب الشمس في عينٍ حمئة (٤). لقد حاول جمع كل ما له علاقة بالنظرية الفلكية الحديثة وأجاب عنها بجواب إجمالي (٥) لا يخرج عن القواعد التي قد أصلها.
ملحوظات حول مشروع الشيخ الجسر:
سبق بعض الأمثلة من مشروع الشيخ الجسر، وأختم ببعض الملحوظات حول هذا المشروع المهم:
قد يقع الخلاف مع الشيخ حول ما قدّمه من معالجات، ولكن الذي لا خلاف حوله بأن الشيخ قد استوعب مشكلة العلوم الحديثة عندما دخلت إلى العالم الإِسلامي، واستوعب خطورة التوظيفات السلبية والخطيرة التي قام بها المتغربون وأمثالهم للعلم الحديث في نقض الدين، وأنه رغم ثقل التركة "الكلامية - الصوفية" عليه إلا أنه كان مع ذلك معتدلًا في موقفه من هذا الباب على الأقل؛ حيث وافق -بحسب ما أرى والعلم عند الله- الحق في أكثر مواقفه