← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وهل هو قائم على دليل قطعي أم على دليل تجريبي ظني، فإذا تحقق مثل هذا وغيره، عند ذلك نبحث عن المعالجة (١). ٥ - ليس من مقاصد الشريعة بيان عالم المخلوقات على طرائق العلوم: "فالشريعة المحمدية بل وسائر الشرائع إنما يقصد منها بيان ما يرشد الخلق إلى معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وربوبيته وإلى كيفية عبادته وأداء شكره، وإلى الأحكام التي توصلهم إلى انتظام المعاش وحسن المعاد. أما تعريف الخلق بمباحث العلوم الكونية من كيفية خلق العالم، وما هي النواميس القائمة في السموات أو في الأرض وأمثال ذلك، فليس شيء من نحو هذا من مقاصد الشرائع، بل هذه المباحث هي معارف تتوصل الناس إليها بعقولهم، فربما ينتفعون بها في دنياهم وربما يكون حظهم فيها مجرد الاطلاع. . . . نعم قد تذكر الشريعة شيئًا منها مجملًا على قدر ما يكون له دخل في مقاصدها الأصلية" (٢). وفي هذا تنبيه لطيف من الشيخ -وقد سبقه إلى ذلك علماء- إلى الانتباه لمقصد النصوص الشرعية إن ورد فيها شيء من أبواب العلوم، فليس المقصد أن تتحول إلى كتاب في الرياضيات أو الفيزياء أو الفلك، فهذه قد تركها الرب سبحانه لتحصيل البشر ونشاطهم العقلي، وما يُذكر فيه من نصوص لها دلالة بهذه العلوم فمقصدها الأساسي ديني. ومما يستفاد من الكلام السابق أن الانشغال بإيجاد تفسيرات علمية للنصوص الشرعية والغلو في ذلك يخالف مقاصد النصوص ذاتها، كما أن ادعاء المتأثرين بالشبهات -المرتبطة بالتطورات العلمية- ربما كان منبعها أنهم نظروا في النصوص وفهموها بحسب ما تمليه الفلسفات المرتبطة بحركة العلم الحديث، فحكّموا فيها النشاط البشري، فوقعوا في حيرة، بينما النص لم يكن من مقصده كما هو الظاهر من كلام طائفة من أهل العلم أن يكون نصًا في هذه العلوم مباشرة (٣).

стр. 702

٣ - مناقشته لأشهر النظريات وشبهاتها حول الدين "الرد أو التوفيق": بعد أن تحدد المنهج في الأصول المذكورة في الفقرة السابقة جاء دور المناقشة للنظريات والاكتشافات العلمية التي يظهر منها مخالفة لظاهر النص أو لظاهر المعتقد، وليس بالوسع إعطاء تقويم لكل ما قدّمه الشيخ، على أنه لا يُسلّم له بكل ما وصل إليه. إلا أن الفرق واضح بين عصر المؤلف أول القرن الرابع عشر وعصرنا بداية الربع الثاني من القرن الخامس عشر الهجري، فاليوم هناك عشرات العلماء من المسلمين في فنون العلوم المختلفة الحديثة، وهناك إلى جانبهم الجامعات الكثيرة وأساتذتها من المتخصصين في العلوم الشرعية أو العلوم العصرية، وهذا يُسهل الأمر إن وجدت عزيمة وهمة لمعالجة الوضع، ومع هذه الكثرة فإن مشروعات الأمة في مواجهة هذه التحديات ما زالت ضعيفة ودون الأمل. أما في عصر الشيخ فمن النادر أن تجد العالم بالشرع العارف في الوقت نفسه بعلوم عصره وشبهاتها ومشاكلها، ويتجاوز الموقف السلبي إلى الموقف الإيجابي فيجتهد في رفع الشبه ويقرّب المسائل بلغة يفهمها من وقع بين فكي تلك الشبهات، وإنها لمحاولة صعبة وضخمة وشاقة تلك التي قام بها الشيخ لمن تذكّر إمكانيات عصره وتحدياته. لقد مرّ الشيخ وهو يعرض لمجمل العقيدة على أغلب ما أثاره العلم الذي عُرف في زمنه، وناقش كل ذلك مدركًا حدود الإمكانيات ومدركًا الصعوبات، وقد كان لذلك أثره في نفوس المطلعين على مشروعه من ناحية الانتفاع والرد على المخالفين باعتماد كلامه. ظهر العلم الحديث بوضوح في مشروع الشيخ الجسر، وقد أخذ ثلاثة مظاهر: الأول، في أثناء عرضه لبعض موضوعات العقيدة حيث كان يقربها للأذهان ببعض الأمثلة العلمية، وهذا يعني أن العلم يخدم الدين ولا يتعارض معه، والمظهر الثاني يأخذ طابع الرد على من جعل بعض ما يفهم من موضوعات العلم الحديث ضد الدين، والمظهر الثالث عبر سعيه للتوفيق بين ما ظهر منه التعارض بين ظاهر النصوص والقطعي من العلم الحديث. فمن النوع الأول مثلًا تقريب خروج الماء من الحجر في معجزة النبي موسى ﵇ بما اكتشف عند أهل الكيمياء من تحويل الغاز إلى سائل (١). ونجد

стр. 703

تقريبه إلى الأذهان حدث رفع جبل الطور بما كشفه العلماء المحدثون من قانون الجاذبية الذي هو أقرب تفسير علمي لحركة الكواكب والنجوم، فالله الخالق لهذا الناموس قادر على خلق مثله يرتفع به جبل الطور، فإنّ حمل هذه الكواكب الضخمة في هذا الفراغ أعظم من رفع جبل (١). وتقريب حدث ظهور الدم في الماء ضمن الآيات التي جعلها الله سبحانه لموسى ﵇ مع فرعون وقومه بما كشفه العلماء المحدثون من حيوانات مجهرية، ربما هي تحولت إلى دم بأمر الله سبحانه، وهكذا (٢). مع تنبيه الشيخ إلى أن المؤمن بالله سبحانه وبكمال قدرته يُسلّم بكل ما جاء به الوحي من هذه الآيات، ولكن الكلام مع من أثّرت فيهم الشبهات، فيريد تقريب ما استغربته عقولهم واشتبهت فيه بأمثلة جاء بها العلم، وهو نفسه الذي يعتمدون عليه في الإنكار. أما الثاني في باب الرد فيكتفي الشيخ أن ما جاؤوا به مسائل ظنية، ولا يجوز تقديم الظني على ظاهر النصوص (٣). وأما الثالث: في باب التوفيق -وهو الأكثر حضورًا في مشروع الشيخ-، فهو يشعر بثقة الناس في العلوم الحديثة ثقة عمياء، وأن من سيكذبها لابد أن يثبت بطلانها بدليل منها، وليس بدليل خارج عنها، فالقوم لا يقبلون أن يُرد عليها مثلًا بأقوال لعلماء في الشريعة، ولكن أيضًا لا يوجد في المسلمين من عنده قدرة على إثبات بطلان ما يُشتَبه فيه من هذه العلوم من داخلها، فلا يوجد لدينا علماء كبار في هذه العلوم يستطيعون مجاراة أهلها، فيردون عليها إن كانت خاطئة. وبما أن الشيخ لا يستطيع إثبات بطلانها من دائرتها الخاصة فما بقي له إلا وضعها في دائرة الاحتمال، على طريقة: إن كانت صحيحة فالجواب كذا وكذا، مع أن الأولى البقاء مع ظاهر النص، هكذا يردد الشيخ. أكثر ما نجده في هذا الباب هو ما له صلة بعلم الفلك ونظريته الحديثة، فإن القرآن الكريم يتحدث كثيرًا عن هذا الباب، وهو باب ظهرت له علوم مستقلة

стр. 704

في الفكر الحديث، وقد ظهر فيها مسائل كثيرة استغلها "الماديون" في التكذيب بالدين ووقعت من نفوس الكثير موقعًا خطيرًا، ولذا جاء دور العلماء في ردّها وبيان الحق فيها بحيث لا يُترك أي طريق لأهل الشُبه. ولست هنا في موضع التقويم لاجتهادات الشيخ، وإنما المقصود اكتشاف أول صورة متكاملة لعرض المشكلة وطريقة المعالجة، والتوقف مع المنهج فقط. فمن ذلك قوله -تعالى-: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [فصلت: ١٢]، حيث ذكر أن من أهل العلم من قال إنها مركوزة في السماء، بينما نجد في العلوم الحديثة أنها في فضاء متماسكة بقانون الجاذبية، فيقول: إن ذلك "جائز عقلًا داخل تحت تصرف قدرة الله تعالى، ويكون ذلك الناموس من جملة الأسباب العادية التي وضعها الله في الأكوان، فإذا قام لنا الدليل العقلي القاطع على قيام تلك الكواكب في الفضاء كما يقولون: نتأول النص الذي ظاهره أن الكواكب مركوزة في السماء وهو قوله -تعالى-: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ بأنه من المحتمل أن يكون مراده تعالى بكونها زينة، أنها زينتها بحسب مرأى الرائين وإن كانت تحتها- كما قال بذلك جملة من علماء الإِسلام. . . ." (١). وكما سبق فليس المقصود الوقوف مع ما ذُكر من تفسير للآية، فقد يكون التفسير الراجح مما لا علاقة له بما ورد من مسألة القول بأنها مركوزة، وإنما المقصود بيان المنهج، والأمثلة التي حاول الشيخ معالجتها. ومن الأمثلة أيضًا: هل السماء مرئية كما هو ظاهر النص، أم هي غير مرئية كما هو السائد في العلوم الحديثة، على أن الماديين منهم ينكرونها. والسبع الأراضين على افتراض صحة الأثر المنسوب لابن عباس ﵁ بوجود سبع أراضين، فهل هي سبع؟ أم أن المقصود سبع طبقات أو قارات على قول مفسرين؟، وبهذا يرتفع التعارض المتوهم مع العلوم الحديثة. والمثال الأكثر طرافة هو حول "كروية الأرض"، ففي قوله -تعالى-: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ [النازعات: ٣٠]، فهناك من قال إن المعنى أنها مبسوطة غير كروية، حيث ذكر أن مذهب جمهور العلماء على أنها مبسوطة، وقال بعضهم إنها كروية (٢)،

стр. 705

ومما قال: "وأما قول هؤلاء الفلكيين: إن الأرض كرة فبعد إقامتهم لنا الدليل العقلي القاطع الدالّ على كرويتها لا مانع لنا من القول به، ويمكن تأويل النص الذي ظاهره أنها مبسوطة، كقوله -تعالى-: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ بأن جعل سطحها صالحًا للسكنى. . . ." (١)، مع أن الأخير هو تفسير السلف، وهو ما يوضحه السياق حيث ذكر الرب سبحانه بعدها قوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾ [النازعات: ٣١] (٢)، وهنا يظهر ثقل التركة "الكلامية - الصوفية" على الشيخ حتى في الأمور البينة، وهذا ما أخذه عليه تلميذه الشيخ "محمد رشيد رضا" كما سبق. وتوقف الشيخ في بعض المواضع حول مسألة حركة الشمس، فظاهر النصوص أن الشمس هي التي تدور حول الأرض بخلاف النظرية الفلكية الحديثة، فهل هناك تعارض؟ وأجاب عن ذلك جوابه (٣)، وقريبًا من ذلك جوابه عن غروب الشمس في عينٍ حمئة (٤). لقد حاول جمع كل ما له علاقة بالنظرية الفلكية الحديثة وأجاب عنها بجواب إجمالي (٥) لا يخرج عن القواعد التي قد أصلها. ملحوظات حول مشروع الشيخ الجسر: سبق بعض الأمثلة من مشروع الشيخ الجسر، وأختم ببعض الملحوظات حول هذا المشروع المهم: قد يقع الخلاف مع الشيخ حول ما قدّمه من معالجات، ولكن الذي لا خلاف حوله بأن الشيخ قد استوعب مشكلة العلوم الحديثة عندما دخلت إلى العالم الإِسلامي، واستوعب خطورة التوظيفات السلبية والخطيرة التي قام بها المتغربون وأمثالهم للعلم الحديث في نقض الدين، وأنه رغم ثقل التركة "الكلامية - الصوفية" عليه إلا أنه كان مع ذلك معتدلًا في موقفه من هذا الباب على الأقل؛ حيث وافق -بحسب ما أرى والعلم عند الله- الحق في أكثر مواقفه

стр. 706

من هذا الباب، أما التطبيق وأمثلته فذاك موطن الاجتهادات التي يصيب فيها العالم ويخطئ، ولكن هناك ملحوظات تتأكد هنا وأهمها ما يأتي: ١ - يلاحظ الباحث في منهج الشيخ تعظيمه النصوص بشكل لا لبس فيه، ولكن يكدر على هذا التعظيم موقفه من حديث "الآحاد" الذي لا يتماشى مع ما نلاحظه من تعظيم الشيخ للنصوص. ٢ - اكتفاء الشيخ بالمرجعية "الأشعرية" مع أنه كان عليه أن يعتمد على الاتجاه السلفي من أمثال ابن تيمية وابن القيم وغيرهما، لما لهم من جهود هائلة في هذه الأبواب، ويستفيد من جهود الآخرين. ٣ - مشكلتا "التجويز والسببية". فهي عند الشيخ تؤثر في مشروعه سلبًا، فقد اتسع "التجويز" عنده على طريقة مذهب المتكلمين، وهذا ما يرفضه أهل العلوم في أثناء المجادلة؛ فإنه عند المجادلة لهم إن قالوا له: إن العلم لا يؤيد هذا الأمر، أجابهم: وما المانع؟ فإن ذلك جائز في التصور العقلي. وهم لا يقبلون إلا بالجائز علميًا، فالجائز العقلي لا يمكن تصور طريقة لملاحظته أو إخضاعه للتجريب ولو في الزمن القادم مع تطور العلم، أما الجائز علميًا فهو قد يكون اليوم في حكم المستحيل لصعوبته، ولكن عند العلماء أمل مع تطور الأجهزة والأدوات والعلوم أن نتأكد من صحته. أما "السببية" فيظهر تأثر الشيخ بمذهبه "الكلامي - الصوفي" في نفيها، مع أنها عمدة في العلم الحديث، فالعلم لا يمكن قيامه في غياب مفهوم العلة والاطراد والسببية، فهو في أثناء حديثه مثلًا عن المعجزة التي كانت لإبراهيم ﵊ من عدم احتراقه بالنار العظيمة، وهو مثال يجتمع فيه رأيه في الجواز والسببية، فيقول: "فمن يكن مؤمنًا بوجود الإله القادر، ويعتقد أن النار لا تحرق بطبعها، ولا بقوة أودعت فيها، بل إحراقها هو بخلق الله تعالى، وعدم إحراقها من الجائزات العقلية الداخلة تحت تصرف الإله سبحانه، وإن كان ذلك خلاف العادة، فلا مانع يمنعه من تجويز وقوع هذه المعجزة،. . . ."، إلى أن قال: "النار ليست محرقة بطبعها بل يخلق الله تعالى الإحراق عندما تمس شيئًا قابلًا للاحتراق. . . ." (١). وهذا الموقف من السببية عند الشيخ نرفضه نحن أهل

стр. 707

السنة، فإن الله سبحانه قد خلق هذه الأسباب وهو الخالق لآثارها، وهي مؤثرة بما جعل الله فيها من قوة (١)، ومن المؤكد أن الموقف الخاطئ من السببية سيكون له آثاره التصورية، وقد بلغت درجة من الانحراف مع غلاة الصوفية وأمثالهم في نفي الأسباب الشرعية والكونية. كما أن لذلك أثره في إضعاف الموقف من العلوم الحديثة، فإن أي مُنكرٍ للسببية سيكون موقفه ضعيفًا أمام العلوم الحديثة، مع أن الفكر الحديث قد ظهر فيه مثل هذا المذهب كما عرف عن المشكلة التي أثارها "ديفيد هيوم" حول السببية (٢). ٤ - مشكلة منهج التوفيق. فمع الاحتياطات الواضحة عند الشيخ، إلا أن هناك نقاطًا غامضة هي موطن ضعف في هذا المنهج، فهو لم ينجرف مع طريقة المتكلمين في القول بأنه إذا تعارض العقل والنقل قُدم العقل، وإنما هو يقول: إذا ثبت التعارض مع ظاهر النص ويكرر دائمًا "الظاهر" بدليل قطعي، عندها يجوز التأويل بشروطه. فمن الواضح أن الشيخ أكثر اعتدالًا من سلفه المتكلمين، ومع ذلك نجده أحيانًا يقول بأنه يجب التأويل حتى لا نطعن في الأصل الذي عرفنا به النقل وهو العقل، وسيأتي لهذه الإشكالية عرض مستقل بإذن الله. ٥ - إذا سلّمنا بالأهمية لمشروع الشيخ في العلاقة بين الدين والعلم ورياديته المعاصرة، فإننا نختلف معه جذريًا في مذهبه "الكلامي - الصوفي" (٣)، حيث عرض العقيدة في كتبه على الطريقة الكلامية، وهو مخالف لمذهب أهل السنة. كما أنه يوغل في المسائل التي لها علاقة بالتصوف دون تحفظ، مما يدفع المتأمل في مشروعه إلى الاستغراب من هذا التناقص عند الشيخ: إذ كيف تجتمع العقلانية باللاعقلانية، وكيف يجتمع مثل هذا الإقرار بالعلم مع بعض الخرافات الصوفية، قطعًا إن وقوع الشيخ في هذه المآزق يشوه مشروعه ويضعف من قيمته.

стр. 708

ولولا ما أُمرنا به من العدل والاعتراف بالفضل لأهله لتجاهلنا هذا المشروع بسبب هذا التناقص، ولكن الشيخ قام بما لم يقم به غيره، فاستحق فيما أحسن أن نقول: إنه أحسن فيه، والله أعلم وبعباده أرحم. وخلاصة التمهيد أن لبعض الاتجاهات المعاصرة جذورها المنهجية في كتابات العلماء، ولاسيما السلفي والتوفيقي، أما المنهج التغريبي فهو وإن اعتمد في بداياته أو مع بعض مفكريه على الجذور الداخلية إلا أنه غلب على غلاتهم -وهم الأكثر- الانتماء للجذور الغربية، وهي جذور ظهرت بوضوح في أسباب الانحراف بالعلم في الفصلين الثاني والرابع. وبعد أن عرفنا هذه المكونات المنهجية ينطلق البحث الآن مع الاتجاهات الثلاثة البارزة في العصر الحديث، يرصد منهجها ورؤيتها ومواقفها البارزة من العلم الحديث مع محاولة كشف العلاقة التي بينها والنتائج التي وصلوا إليها، وهي الاتجاه السلفي، والاتجاه العصراني، والاتجاه التغريبي.

стр. 709

المبحث الأول موقف الاتجاه السلفي الداعي للتأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة الاتجاه السلفي هو اتجاه تبنى مذهب أهل السنة والجماعة في الأصول والعمل والمنهج والقيم والسلوك، ويمكن القول بأنه أول اتجاه شعر بأزمة الأمة، ثم نادى فيها النجاة النجاة. وفي العصر الحديث كان أبرز صوت نذير ذاك الذي ظهر في القرن الثاني عشر للإمام "محمَّد بن عبد الوهاب" ﵀، فبدأ بتصحيح العقائد وتجديد الدين وإزالة البدع والانحرافات وتأسيس حركة علمية شرعية تجديدية كان لها أثرها الكبير في التاريخ الحديث. وقد عرف القرن الثالث عشر وما بعده ظهور طائفة مميزة من العلماء السلفيين أو المتأثرين بمنهج السلف في الجملة قاموا بجهدٍ كبير في التجديد والإصلاح، بالدعوة إلى التوحيد وإقامة الدين ونبذ الشرك والبدع، مع جهدهم المميز في نشر العلم الشرعي والاهتمام بعلوم الإِسلام من تفسير وحديث وعقيدة وفقه وغيرها، كما أنهم قاموا بجمع مخطوطات العلماء وتحقيقها وطباعتها فضلًا عن قيامهم بالتصنيف والتأليف في فنون العلم، فأحيوا العلوم الإِسلامية ونبذوا عنها الجمود والتعصب وركزوا على العلم والفهم. وعندما بدأت الأفكار الحديثة ومذاهبها -ولاسيما الخبيث منها- تغزو

стр. 710

بلاد المسلمين تصدى لها أعلام الاتجاه السلفي مع غيرهم، إلا أنهم تميّزوا عن غيرهم بسلامة اتجاههم من البدع والانحرافات التي كانت تعيق الغير. وكان من أعلام هذا الاتجاه على سبيل المثال: الشيخ "الألوسي" من العراق، و"القاسمي" من الشام، و"محمد رشيد رضا" ومن حوله في مصر ولاسيما طلابه من "أنصار السنة المحمدية" كالشيخ "محمَّد الفقي" والشيخ "أحمد شاكر" فضلًا عن علماء في الجزيرة العربية وفي بلاد المغرب والهند وغيرها. ويمكن رؤية أربع مراحل لمسيرة هذا الاتجاه في العصر الحديث، كل مرحلة تستصحب مع جديدها ما سبق، ففي المرحلة الأولى جاءت الدعوة للتوحيد ونبذ الشرك لتأخذ بالجهد الأكبر حتى اتسعت حال الصفاء في التوحيد بين الناس. ثم جاءت الثانية لتركز على العلم ونشره مع استصحاب ما سبق ولاسيما في المدن والحواضر. وفي الثالثة جاء دور التركيز على الموقف من الأفكار الجديدة التي ظهرت مؤخرًا، وبيان الحق فيها من الباطل والنافع فيها من الضار. وأخيرًا نحن نعيش في مرحلة الجهد الحضاري الذي يستصحب الثلاث السابقة ويضيف الجهد الحضاري في تقديم رؤية جديدة تنبثق من الإِسلام لتكون البديل عن الحضارات القائمة حولنا والمهددة لوجودنا وحضارتنا، فلم يقفوا موقف المتفرج من التطورات العالمية أو ينهزموا أمامها، فلا الموقف السلبي المنغلق ولا الموقف الاستسلامي المرحب، وإنما رفعوا الدعوة للتأصيل الإِسلامي لكل مفيد وأهم ذلك العلوم الحديثة ومدنيتها النافعة، فمنهجية التأصيل لا ترفض النافع من جهة ولا تؤول النص لموافقة العصر بعلّاته من جهة أخرى، وإنما هو عملية إسلامية حضارية كبرى يعاد بواسطتها تشكيل المنتجات الأخرى النافعة بما يجعلها تنطوي تحت مظلة الإِسلام وتتفق مع رسالته. ولا شك أن هذا الموقف بتصوره ومنهجه يختلف عما يثيره خصوم الاتجاه السلفي، فهؤلاء الخصوم يسعون إلى ربط الاتجاه السلفي -وربما الديني بعامة- بالجمود والخمول واللاعقلانية وغيرها من الأوصاف التي تظهر في ظروف الصراع ثم تتكرس مع الأيام فيظنّها البعض حقًا، ولكن عندما ننظر إلى أعلام السلفيين في القرن الرابع عشر الهجري، عصر احتكاكهم بالوافد الغربي من علوم وحضارة ومدنية وفكر، نجدهم خلاف ما يزعم خصومهم "كالقاسمي، الألوسي، الشنقيطي، السعدي،. . . . " فضلًا عن المعاصرين منهم.

стр. 711

في مرحلة "الدور الحضاري" يبقى أساس التأصيل مرتبطًا بعلماء الشرع وأئمة الدين، وفي الوقت نفسه يتحرك في داخله طائفة كبيرة من المتخصصين وغيرهم، فضلًا عن رموز إسلامية قد تختلف مع الاتجاه السلفي في أبواب، فنقبل حسناتهم ونتلافى أخطاءهم، وهم طائفة مهمة تأثرت من جهة بالاتجاه السلفي مع وقوعهم من جهة أخرى تحت تأثير رموز فكرية معاصرة تزعمها الشيخان: "الأفغاني - عبده" ونشرها "محمد رشيد رضا"، ثم في فترة متأخرة اجتهد في تعديلها. وكلما كانت الطائفة أقرب للسنة كانت أولى بهذا الدور الحضاري، وأهمها في هذا الإطار الجهد الكبير الذي قامت به الجماعات الإِسلامية التي نشأت محاولة لإعادة الناس إلى الدين ومواجهة تيارات الاستعمار والتغريب، وقد بدأت فكرتها مع الشيخ "محمَّد عبده" و"محمَّد رشيد رضا" ثم انتشرت في القرن الرابع عشر الهجري. ومع استحضار هذا الجهد المهم لكل تلك الأطراف، فإن أي باحث منصف لا يغيب عن باله مشكلة البيئة التي عاشوها وتحركوا فيها، مما جعل بدايات مشروعاتهم مصحوبة بضعف أو بأخطاء، نلتمس لهم العذر فيها ولا نتبعهم ونستفيد من جهدهم. في النصف الثاني من القرن الرابع عشر الهجري بدأت معالم التميز تظهر في هذا الاتجاه والأخطاء التي وقع فيها الآخرون تُتَدارك وتتلافى في المشروع الحضاري الإِسلامي، وقلب هذا المشروع يتمثل في "العلم الشرعي" عقيدةً وشريعةً ومنهجًا وقيمًا، وهو المظلة التي تظل ما ينبت في أرضنا الفكرية الجديدة، بدأت مع علماء كبار ثم تحولت إلى مشروعات لبعض الجامعات الإِسلامية وما زالت قائمة، وهي مهمة صعبة وكبيرة وربما تحتاج إلى عشرات السنين، ومع أن مجموعة من كليات تلك الجامعات قامت أساسًا لتغريب المجتمع، إلا أنه بظهور الصحوة الإِسلامية وبجهود العلماء السابقين، جاء التحول المميز فيها نحو المشاركة الحضارية السليمة بدل التوقف أو الاستسلام. وها هي اليوم مشروعات التأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة والمدنية النافعة تنتشر في العالم الإِسلامي بعد أن كانت مشروعات التغريب هي السائدة، قد تختلف في عملها وتتفاضل -بالطبع- مواقفها، إلا أن "الظاهرة" في حد ذاتها ذات دلالات مهمة، أبرزها: أن الأمة الإِسلامية قد تجاوزت مرحلة الانبهار

стр. 712

والتغريب، ومرحلة الهزيمة النفسية، ومرحلة الضعف. وهي الآن تريد المشاركة الحضارية، بل تريد فتح مشروع حضاري جديد بعد أن شاهدت أزمات العالم من حولهم، ويعود ذلك بفضل الله لجهد الفكر الإِسلامي. وبما أن هذا الاتجاه قد تم تجاهله كثيرًا في الدراسات الفكرية، واتُهم باتهامات لا تصح؛ فسأقف مع نماذج مختلفة تُبرز ما أخفي من مواقف جليلة، وترفع ما قيل من اتهامات مزورة، كما أن هذه المواقف لهذا الاتجاه يستعان بها في مناقشة الاتجاه التغريبي ونقده. وسأقف بإذن الله مع مجموعة من أعلام الاتجاه السلفي مستخلصًا شيئًا من منهجهم من خلال موقفهم من العلوم العصرية أو بعض مشكلاتها، وهم: "محمود الألوسي، عبد الرحمن السعدي، محمَّد الشنقيطي، عبد العزيز ابن باز" ﵏ جميعًا:

стр. 713

أولًا: الشيخ محمود شكري الألوسي أينما اتجهنا بحثًا عن عالم من علماء السنة لمعرفة موقفه من الحضارة الغربية وما فيها من علوم فإنا سنجده لا يحمل أي مشكلة مع النافع منها، وفي الوقت نفسه يقف سدًا منيعًا ضد الضار منها، وهو ما يؤكد وسطيتهم وسلامة منهجهم ووحدته. ومن بين هؤلاء الشيخ "محمود شكري الألوسي" (١٢٧٣ هـ- ١٨٥٦ م) - (١٣٤٢ هـ -١٩٢٤ م)، من أسرة علمية معروفة في العراق، الذي نجد فيه نموذجًا من تعامل العالم السلفي مع علم من العلوم البشرية وهو علم الفلك مع لمسه المباشر لآخر نظريات ذلك العلم، وكان ذلك سنة (١٣٣٩ هـ)؛ أي: قبل وفاته ﵀ بثلاث سنوات تقريبًا، حيث جاء هذا المشروع في آخر حياة المؤلف، ويكفي من الدلالات كون المشروع جاء وقت النضج العلمي من جهة وكونه يستشعر أهمية هذا الباب حتى في فترة الشيب، فيتفرغ لمناقشة علم الهيئة الجديدة في كتابه: "ما دلّ عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان"، فجمع (١) في هذا الباب -الهيئة- الآيات المنتشرة في سور القرآن بحسب ترتيب سورها، وخص منها المشتملة على الأجرام العلوية والسفلية، وذكر فيها أقوال جهابذة المفسرين. يتميز الشيخ الألوسي باطلاع جيد على علم الهيئة كما أنه في الوقت نفسه

стр. 714

من المبرزين في العلوم الإِسلامية، فهو مهتم بعلم الفلك من جهة (١) وهو من جهة أخرى في العلوم الشرعية سليل أسرة علميه ضربت بشهرتها في العالم الإِسلامي، وكان أحد أعلام تلك الأسرة. وعندما نجد عالمًا يتميز بهذا الأمر -معرفة بالعلم الجديد مع تمكن في الشريعة- فلا نجد عنده مشكلة التعارض، ويرتفع عنده ومعه الإشكال. فإن وقع ما يوهم التعارض عندها يظهر التميز لمنهجه السلفي في المعالجة، فهو لا يقدم أي شيء على نصوص الوحي، وهو في الوقت نفسه لا يشكك بالعقل الصحيح الصريح، فإذا "أمكن الجمع بين ما يقوله الفلاسفة كيف كانوا مما يقبله العقل، وبين ما يقوله سيد الحكماء ونور أهل الأرض والسماء، فلا بأس به، بل هو الأليق الأحرى في دفع الشكوك التي كثيرًا ما تعرض لضعفاء المؤمنين. وإذا لم يمكن ذلك، فعليك بما دارت عليه أفلاك الشرع، وتنزلت به أملاك الحق" (٢). سأقف الآن مع "مسألتين" من بين مسائل كثيرة تعرض لها الألوسي في هذا الباب، ولهاتين المسألتين أهميتهما في بناء المنهج الإِسلامي حول العلوم الجديدة ونظرياتها وهما: ١ - الموقف من نظرية الفلك الجديدة. ٢ - السعي إلى التأطير الإِسلامي لهذه العلوم -التأصيل الإِسلامي. ١ - الموقف من النظرية الجديدة في الهيئة: موقف العالم المسلم من العلوم موقف واضح، فالعلم إذا كان صحيحًا أو كان نافعًا فلا اعتراض عليه، وما توقف علماء الشريعة مع بعضها أو مع بعض ما فيها إلا لما فيها من الاقتراب من نصوص شرعية وردت حول أبواب تلك العلوم، يأتي هنا جهد العالم في رفع الإشكال إن وقع، ويكون العالم أقدر على تحقيق ذلك إذا جمع مع تمكنه من العلم الشرعي تمكنه من ذلك العلم الآخر. من مكونات النظرية الجديدة في الهيئة "ثلاث مسائل" توقف معها الشيخ:

стр. 715

"كروية الأرض، وحركتها، وحركة الشمس". عرض الشيخ النظرية الجديدة في أكثر من موضع من كتابه، ومنها أثناء وقفته مع قوله -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣)﴾ [الرعد: ٣]، وبعد أن عرض صورة النظرية الحديثة (١) قال: "هذا ما ذكره علماء الهيئة الجديدة في شأن الأرض. وقد تصفحت القرآن العظيم الشأن، فوجدت عدة آيات نطقت بما يتعلق بالأرض من جهة الاستدلال بها على وجود خالقها وعظمة باريها، ولم يذكر فيها شيء مما يخالف ما عليه أهل الهيئة اليوم" (٢). وبما أن البعض قد يفهم من "آية الرعد" السابقة أن الأرض غير كروية فقد أجاب الشيخ عن ذلك، وبيّن أنها مع غيرها تدل على كروية الأرض، وهي مسألة أيسر في الحسم من المسألة الثانية: وهي "حركة الأرض" فقال ﵀: "وهذا أيضًا، لا ينافي حركة الأرض اليومية والسنوية التي قال بهما أهل الهيئة؛ فإن الله تعالى لو لم يخلق في الأرض الجبال لمادت؛ أي: اضطربت. . . . ووجه كون الإلقاء مانعًا من اضطراب الأرض، أنها كسفينة على وجه الماء، والسفينة إذا لم يكن فيها أجرام ثقيلة تضطرب وتميل من جانب إلى جانب بأدنى حركة شيء، وإن وضعت فيها أجرام ثقيلة تستقر. . . . والمقصود أن جعل الرواسي فيها لا يعارض حركتها بوجه من الوجوه، كما أن السفينة إذا كان فيها أجرام ثقيلة تمنع اضطرابها وميلها من جانب إلى جانب لا ينافي حركتها. . . ." (٣). أما مسألة "حركة الشمس" فقد عرضها في موطن آخر في أثناء توقفه مع آيتين من سورة الكهف، قال -تعالى-: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ [الكهف: ١٧]، وقوله -تعالى-: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ [الكهف: ٨٦]، فقال: "فقد أثبت للشمس حركة الطلوع والغروب. ولعلّ ذلك باعتبار نظر الناظر كما في راكب السفينة، فإنه يرى ما على الساحل متحركًا وليس بمتحرك. وكذلك الغروب في عين حمئة، فإن الناظر يراها كذلك إذا وقف على ساحل

стр. 716

البحر. ولعلّ "ذا القرنين" بلغ ساحل المحيط، فرآها كذلك؛ إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء. ولذلك قال: "وجدها تغرب" ولم يقل "كانت تغرب" (١). وقد سار الشيخ ﵀ نفس المسار في بقية المسائل، وما عُرض هنا هو موضع الجديد في النظرية، ولاسيما ما أثار الإشكال منها؛ لإبراز موقف الشيخ ومنهجه. والمميز هنا أن الشيخ خصص كتابه بمسائل علم الهيئة التي لها صلة بنصوص شرعية، ولم يكن همه بحث علم الهيئة ذاته، فله كتاب مستقل في ذلك، ترجمه عن اللغة الفارسية، أما هنا فموضوع ديني في المقام الأول. كما أن الشيخ في المسائل التي لم يتأكد من علميتها لم يجزم بقول فيها تأدبًا مع ظاهر النصوص الشرعية، كما هو ظاهر في وقفته مع آية الكهف، وهو متوافق مع منهجه في التبين والتثبت، وقد ذكر الشيخ منهجه بأنه قد رأى كثيرًا من قواعد علم الهيئة "لا يعارض النصوص الواردة في الكتاب والسنة. على أنها لو خالفت شيئًا من ذلك، لم يلتفت إليها، ولم نؤول النصوص الواردة لأجلها. والتأويل فيهما ليس من مذاهب السلف الحريّة بالقبول، بل لابُدّ أنْ نقول: إن المخالف لهما مشتمل على خلل فيه؛ فإن العقل الصريح لا يخالف النقل

стр. 717

الصحيح، بل كل منهما يصدق الآخر ويؤيده" (١). ٢ - السعي إلى التأصيل الإِسلامي لهذه العلوم: لمس الشيخ هذا المعنى في أكثر من موضع ولاسيما المقدمة، ومما قال: "واعلم أن الشريعة الغراء لم ترد باستيعاب قواعد العلوم الرياضية، إنما وردت بما يستوجب سعادة المكلفين في العاجل والآجل، وبيان ما يتوصلون به إلى الفوز بالنعيم المقيم"، إلى أن قال: "وقد ورد في القرآن الكريم -في بيان ذلك- بما خاطب به العرب، مما يعلمونه من علوم تلقوها خلفًا عن سلف. فقد كانت لهم علوم ذكرناها في الكتاب الذي ألفناه في بيان أحوالهم، كما كان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق واتصاف بمحاسن الشيم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل قبيح، وبينت منافع ما ينفع من ذلك ومضارّ ما يضر منه" (٢). ثم ذكر طريقة الشريعة في علمين من علوم الهيئة كانت معروفة عند العرب: "علم النجوم وعلم الأنواء" (٣). وهذا الأمر الذي جاءت به الشريعة مع علم معروف آنذاك هو موطن الاقتداء في التأصيل الإِسلامي، فتصحيح الشريعة لما هو صحيح هو من الدعم والتأييد لهذا العلم وكذا بيان منافعها وتوجيه الناس لها، وفي المقابل إبطال ما هو باطل منها وتحذير الناس من مضارها هو من دفع الناس إلى النافع وترك الضارّ. كانت هذه صورة من جهود عالم من علماء الإِسلام حول ميدان من ميادين العلوم البشرية، فما منعه منزلته في العلم من خوض هذا الباب بعد أن وجد أثر الشبهات على الناس، كما أنه يفتح الباب لموقف جديد يختلف عن الموقف السلبي أو الاستسلامي ألا وهو التأصيل الإِسلامي. ونذهب الآن مع علم آخر من علماء السلفية في هذا القرن وهو:

стр. 718

ثانيًا: الشيخ عبد الرحمن السعدي يعدّ الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٠٧ - ١٣٧٦ هـ) من أشهر علماء الإِسلام في القرن الرابع عشر الهجري، وأحد أهم العلماء السلفيين من جهة إدراكه حجم المشكلات الفكرية الجديدة، ومن ثمّ إعطاؤها العناية في مشروعه العلمي حتى آخر أيام حياته ﵀، ومن ذلك الموقف من الحضارة الغربية ومناصحة من افتتن بها. تلقى العلم في القصيم ونبغ فيه ومن عام (١٣٥٠ م) تقريبًا أصبح المرجعية العلمية هناك (١)، ومع أنه أخذ العلم عن عدد من العلماء والشيوخ، إلا أن أهم مصدر للشيخ كان بعد الوحيين كتب ابن تيمية وابن القيم "فأكب عليها مطالعة واستذكارًا وحفظًا وفهمًا وتلخيصًا وشرحًا .. وكان أعظم اشتغاله بها، ولازمها ملازمة تامة طيلة حياته، فتتلمذ بذلك على كتبهما"، وقد كانت له بحسب قول أحدهم صبوحًا وغبوقًا (٢)، ومن بين أهم آثارها على الشيخ تلك المنهجية في الرد على المخالفين أو في تأصيل القواعد، حيث تظهر للمتأمل أنها مستفادة من كلام الشيخين (٣). تعد مهمة علماء الشريعة الكبرى هي القيام بهذا العلم، نشره وتعليمه، وتجديد الدين وحث الناس على العودة إليه، وهي مهمة لكل عالم، لكن قد

стр. 719

يختلفون في طريقة مواجهتهم لمشاكل مجتمعاتهم لتنوع البيئات وتنوع مشكلاتها، وقد رأينا أن ظروف احتكاك البلاد الإِسلامية بالغرب تختلف من مكان لآخر، ومن ثمّ تختلف طرق التعامل. ومع أن بيئة الشيخ ﵀ كانت بعيدة عن مشكلات التصادم مع الحضارة الغربية، إلا أن هناك ما يلفت النظر من جهة اهتمام الشيخ بالموقف من الحضارة الغربية وعلومها وصناعاتها وفنونها العلمية، وعنايته بالرد على شبهات من يرفض أخذ النافع من حضارة الغرب، أو شبهات من يرى أن الدين عائق من التقدم والمدنية، أو من يرى أن الحضارة الحديثة أثبتت عدم الحاجة إلى الدين، حتى إنه في آخر حياته يؤلف حول الموضوع ذاته. عالج الشيخ ﵀ مشكلة العلاقة أو الموقف من الحضارة الغربية في عمومها دون مناقشة للتفاصيل؛ لأن البيئة التي يتحرك فيها لم تعرف المشاكل التفصيلية، فيكون من الترف الفكري -الذي يترفع عنه العلماء- مناقشة ما لا حاجة إليه، أما عموم المشكلة فهي قائمة: إذ كانت البلدان البعيدة عن المراكز الكبرى في العالم الإِسلامي تشهد تحولات كالتي شهدتها المراكز القديمة، ومع هذه التغيرات تبدأ المشاكل بالظهور، عندها يتقدم العلماء الكبار لمعالجتها، ومنهم الشيخ السعدي ﵀. ومن أهم ما ركز عليه الشيخ: أن نقطة الانطلاق الصحيحة التي لا خلاف حولها تبدأ من الدين: أخذه بقوة والتمسك به، وفي الوقت نفسه ودون أي تردد أو تشكك يقرر الشيخ أن العلوم النافعة الموجودة في الحضارة الغربية يُعد أخذها من التمسك بالدين، وأن الحرص على تعلمها وتطويرها بما ينفع الإِسلام والمسلمين من الجهاد، فيُقفل الباب تمامًا أمام أي تردد في ذلك. ومن العادة وجود أناس -بسبب الجهل غالبًا- يكونون أعداء ما جهلوه، ولكن هؤلاء عادة يسلّمون للعلماء، ومن ذلك قصة الشيخ عندما أدخل مكبر الصوت في المسجد فاعترض عليه البعض واستنكره، فخطب الشيخ وبين دون تردد أن ذلك من الجهاد في سبيل الله فقال: "وكذلك إيصال الأصوات والمقالات النافعة إلى الأمكنة البعيدة من برقيات وتلفونات وغيرهما، داخل في أمر الله ورسوله بتبليغ الحق إلى الخلق، فإن إيصال الحق والكلام النافع بالوسائل المتنوعة من نعم الله". وحتى لا يكون الأمر فقط مجرد استهلاك لمنتجات الحضارات الأخرى، نبه الشيخ -فيما فهمت من نصه- إلى ألّا نبقى

стр. 720

فقط نستنكر مثل هذه المستجدات أو نستهلكها، بل إن "ترقية الصنائع والمخترعات لتحصيل المصالح الدينية والدنيوية من الجهاد في سبيل الله" (١). ولا شك أن موقف هؤلاء سيكون أكثر اعتراضًا على العلوم النافعة المعروفة في الغرب، ولذا اعتنى الشيخ برفع الالتباس عندهم في خُطَبه ودروسه وتأليفه، وإن كان حالهم أيسر من حال طائفة أخرى متغربة؛ لأن ما عندهم يزول بالعلم، ولكن مشكلتهم أنهم يُسهّلون مهمة المتغربين، فأهل التغريب يتكئون على مثل هذه المواقف الشاذة لجعلها دليلًا على أن الدين ضد العلم والتقدم والمدنية ويتجاهلون في الوقت نفسه موقف علماء الإِسلام المشهود لهم بالعلم والإمامة في الدين التي تبين الموقف الحق. لم تكن مشكلة نفور بعض الناس من الأمور الحديثة هي ما عالجه الشيخ فقط، بل انصرف أيضًا إلى دعاوى أهل التغريب في موقفهم من الحضارة الغربية القائم على أخذ أسوأ ما فيها من عقائد وأفكار وتصورات وقيم ونبذهم للدين. والشيخ ﵀ يدرك أن الانحراف معروف في الأمة، ولكنه شعر بنوع جديد منه يرتبط بالاتصال الجديد بالحضارة الغربية، وقع هذا الاتصال من أناس عندهم هزيمة نفسية كبيرة، وقابلية ربما للانحراف، وضعف ذاتي أمام تلك الحضارة، فتحولوا إلى أداة هدم للأمة. ومما زاد من ذلك حادثة "القصيمي" الشهيرة: فهي وإن كانت غير مستبعدة نظريًا -أي: أن يوجد من ينحرف-، إلا أنها واقعيًا ولاسيما من أمثال القصيمي تكون ذات أثر خاص، وربما يكون ذلك من الابتلاء للأمة حتى تتحرك في مواجهة التحديات ولا تغفل عنها. وفتنة القصيمي بأنه كان محسوبًا على أهل العلم والفضل، وله جهوده في الرد على الانحرافات بأجوبة قوية ومميزة، ثم ينعطف وهو في هذه المنزلة والمكانة إلى أقصى اليسار في عملية انسلاخ نادرة الحدوث، فيتحول إلى نابذ للدين منكر لأصوله وعقائده وشرائعه، وأنه أغلال في وجه أن نعيش حياتنا ونتقدم كالأمم المتقدمة. يهون الأمر عندما يظهر شخص منحرف من أوساط الناس، أما أن يكون من أهل العلم والفضل فإن في ذلك أثره على واقع البيئة التي ظهر فيها، عندها شعر علماء كبار

стр. 721

أن بيئتنا غير محصنة، وإذا كان الأمر قد وصل إلى من هو محسوب على العلم وأهله فكيف الحال بغيره، وربما لذلك نجد هذه العناية المميزة من قبل الشيخ في تتبع شبهات المتغربين العامة وإبطالها، مع الحرص على إبراز عظمة الشريعة وحاجة الناس لهذا الدين وبيان كماله وشموله، وحرصه على نقد الإلحاد والملحدين وإبطال شبههم التي يموهون بها على الناس. يفيدنا هذا الموقف من الشيخ أمرًا مهمًا: أن واجب العلماء كبير عندما تنتشر الأفكار المخالفة للإسلام، فعليهم عدم الاكتفاء بنشر العلم الشرعي والإفتاء والإجابة على النوازل الفقهية، بل التصدي في الوقت نفسه للتيارات المخالفة للإسلام، وأن لا يُترك المجتمع المسلم فريسة لشبهاتهم وضحية لدعواتهم، بل يجب الرد والنقد والنصح للخلق، وكان الشيخ ﵀ ممن قام بهذا الجهد حق قيام. إذًا نحن أمام شخصية مدهشة، فرّغ حياته للعلم، نشْر العلم الشرعي، وكذا واجه مشكلات مجتمعه ومشكلات عصره، سواء أكانت داخلية مثل مواقف من تكاسل عن طلب التقدم الدنيوي بحجة أن ذلك من أمور الكفار، أو كانت خارجية وأوجدت لها في بيئتنا أتباعًا مثل مواقف المتغربين، ولأن الموقف من الحضارة الغربية وما فيها من علوم هو موضوع البحث فسأقف الآن حول طريقة الشيخ في هذا الباب. قبل عام تقريبًا من وفاة الشيخ ﵀ وبالتحديد أول سنة (١٣٧٥ هـ) أخرج الشيخ كتابه الصغير: "الدلائل القرآنية في أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإِسلامي"، مع أن الشيخ ﵀ كان يمرّ بمرض يُعطّله أحيانًا، والدروس التعليمية تأخذ أغلب وقته، ومع ذلك كلّه وجد الشيخ أن الموضوع يستحق العناية، والعنوان صريح في موضوعه: القرآن يدل على أن العلوم والأعمال النافعة العصرية داخلة في الدين الإِسلامي، والشيخ يستخدم عادة كلمة (داخلة) مما يدل أنها من الإِسلام ذاته؛ ولذا فهي إذا أُخذت كأنما صاحبها أخذ بجزء من الإِسلام. وإذا كانت داخلة في الإِسلام وجزءًا منه فلا تصح جميع الشبهات من اليمين أو اليسار، ممن يحرمها أو يكرهها أو يتوقف فيها، ظنًا منه أنها ليست من الإِسلام أو أنها ضدّه، وكذلك ممن يعظمها ليصل إلى إبطال الكل بجزء منه، فهي إذا كانت من الإِسلام فكيف يدّعي قوم أنها لا تتفق مع الإِسلام

стр. 722

أو أنها ضدّه أو أنها أهم منه كما هي حال أهل التغريب أو الإلحاد، فالعلوم والأعمال الصحيحة النافعة هي جزء من الإِسلام، جزء من هوية الأمة المسلمة إذا هي فهمت دينها حق الفهم، وصدقت في التمسك به، هل هذا استنباط من الباحث من خلال العنوان أم أن الشيخ يصرح بذلك؟ سننظر الآن إلى أقوال الشيخ واستدلالاته وتعليقاته المهمة لكي نعرف الحقيقة. [مقولة والرد عليها]: نبدأ بمقولة ذكرها الشيخ في آخر كتابه لتكون أول مبحثنا هذا: يقول كثير من الناس: هذا وقت العلم والمعارف والرقي، ومقصودهم بهذا الإعراض عن الماضي وعن علوم الدين والتزهيد فيها، وقد صدقوا من جهة وكذبوا من جهات أخرى" (١): ١ - صدقوا أنه وقتٌ ترقّتْ فيه علوم الصناعات والمخترعات، وما يرجع إلى الماديات والطبيعيات، صدقوا أنه الترقي في الماديات. ٢ - وكذبوا أفظع الكذب حيث حصروا العلم بهذا النوع، وكذبوا في دعوى نفعها المطلق؛ إذ نبع منها حروب ودمار يعرفه كل متأمل، فما سبب تحولها إلى هذا الدمار؟! وكذبوا في دعوى التقدم المطلق، فما هو إلا ترقٍّ في باب وانحطاط في أبواب. وكذبوا في قولهم: إن الإِسلام لم يذكر هذه العلوم النافعة، ولم يهد إليها، ولم يشر إلى أصولها، فضلًا عن ادعاء التعارض بينها وبين الإِسلام (٢). وقد جاءت هذه الرسالة "الدلائل القرآنية. . . ." لمعالجة هذا الإشكال، ببيان أن الحضارة الحديثة ترقّت، وأنه ينبغي علينا الأخذ بصور هذا الترقي دون تردد؛ لأن ذلك داخل في ديننا، ودفع كل الشُبَه حول الموضوع، مع التحذير من الأمراض المصاحبة لهذه الحضارة. فهي "رسالة تتضمن البراهين القواطع الدالة على: ١ - أن الدين الإِسلامي -وعلومه وأعماله وتوجيهاته- جمعت كل خير ورحمة وهداية وصلاح وإصلاح مطلق لجميع الأحوال.

стр. 723

٢ - وأن العلوم الكونية والفنون العصرية الصحيحة النافعة داخلة في ضمن علوم الدين وأعماله، وأن هذه العلوم: أ- لا تعارض أو تنافي علوم الدين وأعماله. ب- أن هذه العلوم ليست غريبة عن الدين، بل النافع منها "للدين والدنيا والجماعات والأفراد داخل في الدين، والدين قد دل عليه وأرشد الخلق إليه وإلى كل أمر نافع إلى أن تقوم الساعة". ٣ - "وبيان أن الفنون العصرية إذا لم تبنَ على الدين وتُربط به فضررها أكثر من نفعها، وشرها أكبر من خيرها" (١). فنحن الآن أمام مهمات كبيرة، وأوجاع عصرية لا خلاف حولها، هناك مهمة التأكيد والتذكير بـ: شمولية الإِسلام، ولذا تكون العلوم النافعة داخلة فيه، فلا هي غريبة عنه ولا هي تتعارض معه. وخطورة تطور هذه العلوم بعيدًا عن الدين، مما يعني حاجتها إلى التأصيل الإِسلامي؛ أي: إكساب هذه العلوم بصمات أخرى إما في داخلها وفي تكوينها أو في غايتها والقيم المحيطة بها. ولكن هذه المهمة الكبيرة تحتاج في رأي الشيخ إلى أمرين: "أحدهما: معرفة ما دل عليه الكتاب والسنة إجمالًا وتفصيلًا. والثاني: معرفة الأمور الواقعة والحقائق الصحيحة التي يعرفها ويعترف بها العقلاء والمنصفون" (٢). فإذا وقعت المعرفة بالأمرين وتمت على أصولها وصلنا إلى معالجة المهمات الصعبة السالفة الذكر، عند ذلك نصل إلى: ١ - لا يشذ عن الإِسلام شيء فيه خير وصلاح. ٢ - ويحدث النقص والغلط عند الإخلال بهما أو أحدهما (٣). وقبل أن ننطلق مع الشيخ في اكتشاف أسرار منهجه نختصر رأي الشيخ في مفهوم العلم، وقد عرض ذلك في كتابه: "الدين الصحيح يحل جميع المشاكل"، فعرض فيه فهمين خاطئين أو ناقصين عن العلم وهما:

стр. 724

١ - العلم يقتصر على ما يتعلق بإصلاح العقائد والأخلاق والعبادات، وانتقده الشيخ أن "هذا قول طائفة ممن لم تتبصر بالشريعة تبصرًا صحيحًا". ٢ - العلم يقتصر على العلوم العصرية الكونية، وانتقده الشيخ بأنهم توقفوا على علوم الطبيعة وحصروا العلم فيها، فاهتموا بالوسائل وغفلوا عن المقاصد، أثبتوا بعض الأسباب وعموا عن المقصود، وغفلوا عن غاية العلم وهو معرفة الله سبحانه وعبادته (١). فإذا قَصُر التعريفان عن المقصود الكامل والحقيقي للعلم في الإِسلام، فإنه يعطي تعريفه للعلم بأنه "كل علم أوصل إلى المطالب العالية، وأثمر الأمور النافعة، لا فرق بين ما تعلق بالدنيا أو بالآخرة، فكل ما هدى إلى السبيل ورقى العقائد والأخلاق والأعمال، فهو من العلم" (٢)، والعلم النافع من علوم الصناعات والمخترعات داخل في هذا، ففي قوله -تعالى-: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، يقول: "وحيث أطلق العلم شمل العلوم الشرعية، وهي الأصل، وهي أشرف العلمين، وشمل العلوم الكونية، فكل علم نافع في الدين أو في الدنيا فهو داخل في مدح العلم وأهله" (٣). فإذا كان العلم الممدوح في الإِسلام هو العلم النافع الصحيح، فإن العلوم العصرية لا تخرج من ذلك، وتدخل في العلم الإِسلامي الممدوح، فإن المتأمل في الإِسلام يعلم بأنها داخلة فيه. وقد اجتهد الشيخ في إثبات ذلك بأدلة واستنباطات مهمة، ثم ألحق ذلك بالتحذير من العلم الذي لا ينفع، والتحذير من الأمراض التي أحاطت العلوم الحديثة من جراء تطورها في بيئة قطعت صلتها بالدين، فأفسدت العلم. وهذا يتطلب منا الاجتهاد في طلبها مع الحذر مما أحاط بها مما لا يدخل في مسمى العلم. وسننظر الآن إلى بعض ملامح منهج الشيخ في تأكيد ما سبق في الفقرتين الآتيتين:

стр. 725

١ - تأكيد دخول العلوم الصحيحة النافعة العصرية في الإِسلام، وأثر إدراك هذا المقصد . ٢ - خطورة ابتعاد العلوم الصحيحة النافعة العصرية عن الدين، وحاجتنا إلى تقريبها من الدين. ١ - تأكيد دخول العلوم الصحيحة النافعة العصرية في الإسلام وأثر إدراك هذا المقصد: ذكر الشيخ ﵀ من الدلائل القرآنية عددًا لا بأس به لإثبات ذلك، ومن ثمّ أهمية العناية بها ما دامت داخلة في الإِسلام، ومن بين ما ذكره الشيخ من استدلالات ما يأتي: ١ - تسخير الرب سبحانه لأشياء كثيرة لهذا الإنسان الضعيف، ودلالة ذلك عند الشيخ بأنه سبحانه وضع في هذا الإنسان العقل الذي يعرف به آيات الله الشرعية والكونية "وكما هداه بالعقل إلى الانقياد لعلوم الرسل وأديانهم، هداه به إلى تسخير المواد الكونية والمعادن والمخترعات والصناعات التي لا تزال تتجدد في كل وقت، وقد أخبر تعالى أنه سخر لنا جميع ما في السموات والأرض، ننتفع بآياتها ونستخرج منافعها وكنوزها، ونشكره على ذلك التسخير والهداية والنعم"، إلى أن قال: "ومن آياته الأفقية النفسية إخباره تعالى أنه سخر للإنسان جميع ما في السموات والأرض، ومعادن الكون وعناصره، ثم إخباره بأنه أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئًا، وجعل له السمع والبصر والفؤاد وآلات العلم وعلمه ما لم يكن يعلم، فحمل بهذا التسخير وبهذا التعليم من فنون العلم وفنون المخترعات الباهرة ما هو مشاهد معلوم: ترقت به الصناعات، وتوسعت به المخترعات وتنوعت به المنافع، وتقاربت به الأقطار الشاسعة. . . ." (١)، وبعبارة مختصرة: فإن الله سبحانه قد سخر هذا الكون للإنسان واستخلفه لعمارة الأرض، وأعطاه الوسيلة لذلك وهو هذا العقل، وأرشده بهذا الوحي، وبين له الغاية من كل ذلك، وهي الإيمان بالله سبحانه وعبادته، فعلى المسلم أن يوظف هذا العقل الذي منحه الرب في هذا الكون المسخر لإصلاح دينه ودنياه.

стр. 726

ولكن الناس أمام هذه النعمة -نعمة العقل ونعمة الكون المسخر- انقسموا إلى فريقين: فالمؤمنون منهم "صار اشتغالهم بهذه المنافع التي يُتوسل بها إلى إصلاح الدين والدنيا عبادة من العبادات وقربة من القربات"، إلى أن قال: "وأما من سواهم من الماديين والضالين الغافلين، فإنهم عرفوا ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون. . . . فانقطعوا بالأسباب عن مسببها، وانقطعت صلتهم بالله حين قام الكبر في قلوبهم كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾ [غافر: ٥٦]، ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣)﴾ [غافر: ٨٣] " (١). وقد عُرض في الفصل الأول شيء من هذا الكِبْر داخل أوروبا، الذي ظهر بوضوح في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر حيث أصابها غرور كبير مع الثورة العلمية وما لحق بها من ثورة صناعية مدهشة، فأعلن مشاهيرهم بأنهم لم يعودوا في حاجة إلى الرب، تعالى الرب سبحانه عن إلحاد الملحدين. وفي موطن آخر، وفي وقفة مع قوله -تعالى-: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ [طه: ٥٠]، قال الشيخ: "وبهذه الهداية الخاصة بالإنسان سخر له جميع ما وصلت إليه قدرته من علوم الكون"، وهي تشمل الهداية المجملة والمفصلة في علوم الشرع وعلوم الكون، ثم فتح على الإنسان بحسب حاله وقوته وكفاءته، كما قال الرسول ﷺ : "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز" ويدخل في الحرص على ما ينفع الحرص على الأمور الدنيوية مع الدينية، "فمن حرص عليها واجتهد في تحصيلها وسلك الطرق الموصلة إليها واستعان الله عليها تم له ما أراد، ومن لم يحرص على الأمور النافعة أو لم يستعن بالله في تحصيلها خاب وخسر" (٢). ٢ - آيات الأمر بالنظر والتفكر والاعتبار والتدبر في آيات الله الكونية والشرعية، حيث جعلها الشيخ مما يدل على الأمر، فقد أمر الخالق سبحانه

стр. 727

"باستعمال العقل والفكر في آياته المخلوقة وفي آياته المتلوة، ليدرك العبد بعقله ما في المخلوقات من المنافع والآيات فيفقهها ويستعملها وينتفع بها بحسب أحوالها وأخبر أنها آيات لقوم يؤمنون ولقوم يعقلون ولقوم يوقنون" (١)، والمؤمن يجعل ذلك في مرضاة الله ولا يقع في غفلة الماديين ممن انقطعوا بالمخلوقات عن خالفها وبالمسببات عن مسببها، فهم وإن استعملوا عقولهم في فهم الآيات الكونية وسنن الله فيها فإنهم توقفوا هناك ولم ينفذوا في علمهم من السبب إلى المسبب ومن الخلق إلى الخالق (٢). ٣ - الأمر في الشريعة بإعداد القوة وأخذ الحذر وما في المعادن من المنافع لتحقيق ذلك. حيث نجد في القرآن قوله -تعالى-: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾ [الحديد: ٢٥] وقوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]، وقوله تعالى ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١، وفي ١٠٢] ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾. فهذا الحديد أحد المعادن التي انتفع بها الإنسان في تاريخه قد أرشد الرب سبحانه بأنه أنزله بما فيه من منافع "ومقتضى ذلك، الأمر باستخراج هذه المنافع بكل وسيلة، وذلك يقتضي تعلم الفنون العسكرية والحربية وصناعة الأسلحة وتوابعها، والمراكب البرية والهوائية وغير ذلك مما ينتفع به العباد في دينهم ودنياهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] " (٣)، وكذا الحال مع الأمر في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ٧١] "فهذا يتناول الأمر بإعداد المستطاع من القوة العقلية والسياسية والمادية والمعنوية، وأخذ الحذر من الأعداء بكل وسيلة وبكل طريق، فجميع الصناعات الدقيقة والجليلة والمخترعات والأسلحة والتحصنات داخلة في هذا العموم". وإذا كانت هذه هي حال الإِسلام فلا صحة لافتراءات المفترين، أو

стр. 728

كما يقول الشيخ: "فهذا الدين الإِسلامي يحث على الرقي الصحيح والقوة من جميع الوجوه، عكس ما افتراه أعداؤه أنه مخدر مفتر. . . ." (١)، فأين أوجه صحة دعواهم وهو يحث أهله على كل هذه الأمور ويأمرهم بها؟ ٤ - أن من أصول الشريعة وجوب العمل بالأسباب النافعة: مقاصدها ووسائلها. فاستقراء النصوص يوصلنا إلى أصول الشريعة، ومن ذلك: "وجوب العمل بالأسباب النافعة: مقاصدها ووسائلها، والحث على كل عمل صالح ومصلحة، والاستعانة بالله في تحقيق ذلك مع بذل الجهد. ومن المعلوم أن من تحقق بهذين الأصلين: بذل المجهود في كل أمر نافع، والاستعانة بالمعبود. فإنه لا يزال في تقدم ورقيّ مطرد في إصلاح الدين وفي إصلاح الدنيا المعينة على الدين. . . ." (٢). كانت هذه بعض الاستدلالات التي استدل بها الشيخ على أن العلوم النافعة الصحيحة العصرية داخلة في الدين، حث عليها وأمر بها وأرشد إليها، وهناك غيرها في رسالته القيمة. ٢ - خطورة ابتعاد العلوم الصحيحة النافعة العصرية عن الدين وحاجتنا إلى تقريبها من الدين: مع ما قدّم الشيخ من استدلالات على دخول العلوم العصرية النافعة في الإِسلام فقد حذّر أيضًا ونبّه من خطورة حالها عندما نشأت مع الماديين وأعداء الدين، وتجد ذاك التحذير عقب كل فقرة من فقرات كتابه، ويحذر في الوقت نفسه من الانسياق خلف الماديين في دعاواهم التي نجحوا في تمويهها على الناس بفضل تقدمهم ورقيهم الدنيوي (٣)، فجعلوا هذا التقدم حجة في إثبات مذهبهم المادي والعلماني، ووقع بعض ضعاف المسلمين فريسة الهزيمة النفسية أمام التقدم المادي، فانساقوا إلى بقية دعاوى الماديين، فواجه الشيخ ضعف هؤلاء برفع الشُبَه من عقولهم ورفع الهزيمة الداخلية من أنفسهم، ثم ارتقى درجة

стр. 729

فحث المسلمين على ربط هذه العلوم بالدين وهو ما نطلق عليه اليوم بالتأصيل الإِسلامي للعلوم النافعة بحيث تُربط بتصوراته وقيمه وأخلاقه وغاياته. نجد حول خطورة ابتعاد هذه العلوم عن الدين وقفة للشيخ مع قوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ [الأحقاف: ٢٦]، كيف تَسبب الجحود والاستكبار والاستهزاء بعدم الانتفاع بعلومهم، "فانظر كيف كانت علومهم التي لم تبنَ على الإيمان، وإنما هي علوم جافة منحرفة، صارت سببًا لمعارضتهم الرسل وبقائهم على ما هم عليه من الكفر والتكذيب بالحق، فنعوذ بالله من علم لا ينفع" (١)، فانظر كيف يتحول العلم النافع إلى علم يعارض ما جاءت به الرسل إن لم يكن طريق تعلمها متوافقًا مع الدين. وقد لا تُوصل أهلها إلى معارضة الرسل ولكنها قد تقطع أهلها عن الصلة بالله، فهي منهمكة بالدنيا دون البحث عن الغاية من وجود هذا الكون ووجودنا فيه، وفي ذلك يقول: "أعظم آفات العلوم وقواطعه الانخداع بالوقوف مع المخلوقات دون خالقها، وبالآثار عن مؤثرها،. . . . وهذا النوع نقصه كثير وضرره كبير، فإن كثيرًا من الملحدين والمغترين بهم يمهرون في العلوم الطبيعية، ولكنهم يقفون معها ويعمون عن ارتباطها بخالقها ومسببها والذي أودع فيها من العجائب والأسرار ما أودع. . . .". ثم ذكر أثر ما اكتشفوه من عجائب فغرتهم ووقفوا عليها، واغتروا بما وصلوا إليه فاستهانوا بغيره، فلو كان الدين هو الموجه، وعرفوا المدبر الحقيقي للأمور كلها، وربطوا ما في الكون بقدره وقضائه، "لو أنهم فعلوا ذلك في عملهم لتم علمهم وحصل لهم من اليقين ما لا يحصل لمن لم يصل إلى ما وصلوا إليه. . . ." (٢). أخيرًا من آثار ما هي عليه في بيئتها المادية حتى وإن لم تتعارض مع الدين، فإنها عندما تكون بعيدة عن الدين تعجز كل العجز عن إصلاح الأخلاق

стр. 730

واكتساب الفضائل الصحيحة والترفع عن الرذائل، فلا تثمر إيمانًا ولا أمانة ولا رحمة ولا أخلاقًا (١). أمام هذه المشكلات الثلاث وغيرها -أن توظف في معارضة الدين، أو يكتفى بها ويهمل الدين، أو تقام دون ضوابط أخلاقية دينية- يأتي مشروع التأصيل الإِسلامي (٢) لهذا المجال، ومن مهمات التأصيل معالجة المشكلات الثلاث وغيرها، وقد رأينا مع كل هذه المشكلات أن الشيخ لم يجعلها سببًا حول تقصيرنا في طلبها، بل حثّ على تحصيلها، ولكن عندما نطلبها فعلينا أخذها وفق هويتنا الإِسلامية، أن نعيد ترتيبها بما نحيطه بها من أصول إسلامية عظيمة فلا نقع فيما وقع فيه غيرنا، ومهمة التأصيل الإِسلامي أو الأسلمة هي مهمة من سيتولى التعرف عليها واستنباتها في أرضنا، ويكفينا أن الشيخ أعطى الأصول العامة للموضوع، فجزاه الله خيرًا على ما قدم ورحمه رحمة واسعة. نصل في النهاية إلى أن العطاء العلمي الذي قدمه العلامة السعدي حول الموقف من العلوم العصرية والحضارة الحديثة ينسجم مع معالم الاتجاه السلفي حول هذه القضية، أهمية العودة إلى الدين وأن تكون نقطة الانطلاق منه، وأهمية طلب أسباب القوة والتقدم المادي الدنيوي دون تردد أو تكاسل (٣) أو تخاذل؛ لأن ذلك من الدين، وفي أثناء طلب ذلك أن نضع لها التأصيل الإِسلامي المناسب حتى لا تدخل علينا بأمراضها المعروفة في الغرب، وأن نرفع عن المسلمين غبار الهزيمة النفسية الذي غطى عليهم فأعماهم عن رسالتهم التي شرفهم الله بها وهي حمل الدين ونشره في العالمين، ومن كان بهذه المهمة فلا يكون صغيرًا أمام الآخرين. وكما لاحظنا فقد عالجها في أصولها، ورفع الاتهام الكاذب حول تردد الاتجاه السلفي في مسألة التقدم المادي والدنيوي، وهي تهمة يكثر الحديث عنها، ومن المهم لنا إبراز مواقف علماء الأمة التي تبين الحق حول الموضوع:

стр. 731

ليس فقط لإبطال دعاواهم، بل لتتجه الأمة إلى تحصيل ما ينفعها بقوة وعزم وهي تشعر أنها مأجورة على ذلك؛ لأنها تقوم بتحقيق جزء من دينها، وقد كانت هذه أكبر مشكلة وجدها الشيخ تستحق الرد والمعالجة، ولاسيما أن مشاكل العلوم والنظريات لم تظهر في بيئته، ولذا سنجد معالجتها فيمن ابتلوا بمشاكلها، واجتهادهم من جهة الشرع في إثبات الحق فيها.

стр. 732

ثالثًا: الشيخ محمَّد الشنقيطي نقف مع أحد أهم أعلام السلفية في القرن الرابع عشر الهجري وهو العلامة محمَّد الأمين بن محمَّد المختار الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣ هـ). نجد أنفسنا ملزمين بالوقوف معه؛ لأنه علَم لا يُختلف حول مكانته العلمية عند أهل العلم، وشارك في النهضة العلمية السلفية المعاصرة، وكان له في الوقت نفسه مواقف صريحة من الحضارة الغربية والعلوم التي برع فيها الغرب. فنحن إذًا أمام عالم من علماء الإِسلام لا يُختلف في علمه ومنزلته وله مواقف واضحة وصريحة من الحضارة الغربية وعلومها، ومن المهم إبراز موقف أعلام السلفية؛ وذلك أن حركة الفكر المعاصر المتغربة كما سلف تحاول تغييب مواقفهم أو إقصاءَها فضلًا عن اتهام الاتجاه السلفي بما لم يُعرف عن أعلامه ولا عن منهجهم. كان الشيخ ﵀ قد تلقى العلم في بلده موريتانيا وبرع فيه كعادة أهل شنقيط. ومع أن المذهب السائد في بلده هو المذهب الأشعري، مع وجود للطرق الصوفية، إلا أن الشيخ ﵀ خالف السائد وسلك المنهج السلفي، وبحسب إحدى الدراسات العلمية فالراجح أنه توصل إلى ذلك بنفسه وبقناعة ذاتية (١)، ثم إنه بعد استقراره في المدينة المنورة اطلع عن قرب على تآليف أعلام المنهج السلفي ولاسيما شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀، كما أن نظرة التشويه السائدة عن الوهابية -كما يقال- قد زالت بعد أن اطلع على الحقيقة بنفسه؛

стр. 733

حيث التقى بعد وصوله إلى المدينة المنورة بالشيخين عبد الله الزاحم وعبد العزيز الصالح "وكان صريحًا معهما فيما يسمع عن البلاد، وكانا حكيمين فيما يعرضان عليه ما عليه أهل هذه البلاد من مذهب في الفقه ومنهج في العقيدة. وكان أكثرهما مباحثة معه فضيلة الشيخ عبد العزيز بن صالح، وأخيرًا قدّم للشيخ كتاب المغني كأصل للمذهب وبعض كتب شيخ الإِسلام كمنهج للعقيدة، فقرأها الشيخ، وتعددت اللقاءات وطالت الجلسات، فوجد الشيخ مذهبًا معلومًا لإمام جليل من أئمة أهل السنة وسلف الأمة: أحمد بن حنبل ﵀. كما وجد منهجًا سليمًا لعقيدة السلف تعتمد الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، فذهب زيف الدعايات الباطلة وظهر معدن الحقيقة الصحيحة. . . ." (١)، فاستقر الشيخ في المدينة وبرز عالمًا من علماء الإِسلام في تاريخنا المعاصر، وكان من الأعضاء الأساسيين في نهضة بلدنا العلمية الشرعية، حيث بدأت دروسه في الحرم المدني تقريبًا سنة (١٣٦٣ هـ)، ثم جاء تحول جديد في الحركة العلمية سنة (١٣٧١ هـ) حيث ظهر مشروع إيجاد مؤسسة علمية تتبنى طلبة العلم وفق تنظيم حديث، وبدأ المشروع في الرياض بافتتاح المعهد العلمي فكان من أهم العلماء الذين درّسوا فيه، ثم فُتحت كليتا الشريعة واللغة، فدرّس الشيخ فيها. ووصف الشيخ عطية سالم هذا الجو الجديد، فقال: "فكان الجو حقًا جدًا علميًا، التقت فيه همة عالية من طلاب جيدين مع عزيمة ماضية من مشايخ مجتهدين. كان يسودهم الشعور بأن هذه طليعة نهضة علمية واسعة، وكان ﵀ كوالد للجميع"، إلى أن قال: أو قد رغب المدرسون آنذاك في قراءة بعض كتب شيخ الإِسلام ابن تيمية واستيعاب دقائقه، فلم يكن أولى بذلك من فضيلته ﵀. خُصِّص مجلس خاص في صحن المعهد. . . . بين المغرب والعشاء" (٢)، ثم انتقلَ إلى العمل في الجامعة الإِسلامية بعد افتتاحها سنة (١٣٨١ هـ)، ليبقى طوال عمره ﵀ في ميدان العلم، كما أنه درّس في المعهد العالي للقضاء، وكان عضوًا من هيئة كبار العلماء بعد أن شُكلت، وغيرها من الأعمال. وصدق الشيخ "عطية سالم" في وصفه لمن التقوا بالشيخ بأنهم فعلًا طليعة

стр. 734

نهضة علمية، حيث كان منهم العلماء الكبار الذين قادوا مسيرة العلم الشرعي في بلدنا، فإن من بين طلاب الشيخ هؤلاء العلماء الكبار: الشيخ عبد العزيز بن باز وقد درَس عليه المنطق، والشيخ عبد العزيز بن صالح، والشيخ عبد الله بن غديان، والشيخ عبد المحسن العباد، والشيخ صالح اللحيدان، والشيخ عبد الله الجبرين، والشيخ محمَّد بن صالح العثيمين، والشيخ صالح الفوزان، والشيخ عبد العزيز العبد المنعم، والشيخ عطية سالم، والشيخ راشد بن خنين، والشيخ بكر أبو زيد، وغيرهم من العلماء والقضاة وأساتذة الجامعات والدعاة (١). موقف الشيخ من الحضارة الغربية والعلوم الدنيوية التي برعت فيها: يتميز موقف الشيخ الشنقيطي ﵀ بأنه ينطلق من مرجعية علمية شرعية لا جدال حولها نحو كل المستجدات، فيكون العلم الشرعي هو الأساس بخلاف مشروعات أخرى انطلقت من إدراك مميز للمستجدات وأرادت العودة لعلوم الإِسلام تحاول تأصيلها، فالثانية قد تكون أضعف بما يعتريها من انتقائية وضعف حول الآلة المساعدة في إدراك العلوم الشرعية، أما الشنقيطي فهو لا يجد هذه المشكلة، فهو عالم من علماء الأمة في العلوم الشرعية وهو يؤصل من خلال علمه للموقف من هذه المستجدات، وبما أن الشيخ ﵀ لديه معرفة إجمالية بهذه المستجدات دون تفاصيلها فقد وضع المنهج والتصورات حول العلاقة بها دون الخوض في التفاصيل وترك ذلك لمن يجيدها ويكون عالمًا فيها، فالمهم هو تكوين المنهج وهو الأصعب في العادة، وهناك بعض التطبيقات للشيخ لا نُسلم بصحتها مثل موقفه من إرسال المركبات الفضائية والوصول إلى القمر، ولكن هذه الأمور التي يخالفه فيها الكثير من العلماء والباحثين لا تلغي قيمة المنهج، بل تكشف لنا عن مشروع من أعمق المشروعات وأهمها في واقعنا المعاصر من عالم متخصص في العلوم الشرعية. وسأضع ملامح هذا المشروع الذي أتعبني تقصيه في تفسيره المهم أضواء البيان في الفقرات الآتية: ١ - القرآن فيه تبيان كل شيء وهو يهدي للتي هي أقوم. ٢ - الموقف من العلوم الدنيوية وكيف نحولها إلى أشرف العلوم.

стр. 735

١ - القرآن فيه تبيان كل شيء وهو يهدي للتي هي أقوم: يواجه الشيخ طرفين متعارضين: طرفًا يتوهم أن هذه العلوم الدنيوية من علوم الكفار ولا يجدر بنا الالتفات إليها، وطرفًا يتوهم أن التقدم الحقيقي مرتبط بالعلوم الدنيوية التي تقدم بها الغرب وأنه لا يمكننا التقدم مع محافظتنا على الدين، فهما ضدان. وهناك نقطة مشتركة بين الطرفين، الطرف المحسوب على أهل الدين والطرف المحسوب على أهل التغريب، وهو أن هذه العلوم الدينية والدنيوية متعارضة ولابد من التضحية بأحدهما على حساب الآخر، فالطرف الأول يرى أن المهم النجاة في الآخرة ولو بقينا متخلفين وضعفاء ودون قوة دنيوية، والثاني يرى أن الدين شأن شخصي والناس في حاجة إلى دنيا تقوم لهم فيجدون الطعام والشراب والملبس والطب ووسائل الحياة الدنيوية السعيدة. فجاء الشيخ عبر تفسيره لبعض الآيات ليرد على الطرفين، وبين أن هذا القرآن الذي فيه تبيان كل شيء ويهدي للتي هي أقوم، لن يترك أي باب من أبواب حياة الناس دون أن يوجد لها الطريق المناسب، فهو أصل كل خير ديني ودنيوي، سواء عرفنا ذلك أم جهلناه، وحتى علوم البشر التي يبرعون فيها في الحضارات المختلفة ستجد أن هذا القرآن قد دلّ إليها، وأن العيب في أهله عندما فرطوا فيما دلّهم عليه من خير، وبهذا فلا تصح دعوى الطرفين، وإليك البيان: قال المولى : ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]. قال المولى سبحانه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]. [ففي الآية الأولى] تحول الشيخ إلى كتاب للسيوطي: "الإكليل في استنباط التنزيل" ونقل منه نقلًا مطولًا يوضح من خلاله بعض المعاني لهذه الآية، ومما نجده وله دلالة بما يحرص عليه الشيخ: - أثر عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن؛ فإن فيه خبر الأولين والآخرين، قال البيهقي: أراد به أصول العلم (١). - وقال ابن مسعود أيضًا: أنزل في القرآن كل علم، وبين لنا فيه كل شيء،

стр. 736

ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن (١). - ونقل عنه أيضًا كيف خرجت علوم جمة من القرآن: من علوم القرآن وأصول الدين والفقه وأصوله وعلوم العربية والتاريخ والأخلاق وغيرها، ثم أعقب ذلك -نقلًا عن كتاب السيوطي- "هذه الفنون التي أخذتها الملة الإِسلامية منه. وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل، مثل: الطب والجدل والهيئة والهندسة والجبر، والمقابلة والنجامة، وغير ذلك"، ثم ذكر كيف دلّ القرآن على هذه العلوم (٢). - ونقل عنه أيضًا كيف أنه دلّ على أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها، من الخياطة والحدادة والبناء والتجارة والغزل والنسيج والفلاحة وغيرها من الأعمال الدنيوية (٣). - ونقل عنه أيضًا كيف أن القرآن دلّ على عوالم أخرى من عجائب المخلوقات، وأحوال الأنبياء، وأحوال الأمم السابقة، ومسيرة الإنسان، واليوم الآخر والبعث، وغير ذلك (٤). ثم جاء تعقيب الشيخ فقال: "وإنما أوردناه برمته مع طوله؛ لما فيه من إيضاح: أن القرآن فيه بيان كل شيء. وإن كانت في الكلام المذكور أشياء جديرة بالانتقاد، تركنا مناقشتها خوف الإطالة المملة، مع كثرة الفائدة في الكلام المذكور في الجملة" (٥)، ونتفق مع الشيخ في ملحوظته، ونترك ما يُنتقد منه إلى المهم فيه، الذي وصفه الشيخ بكثرة الفائدة، ومن أهمها إيضاح أن القرآن فيه بيان كل شيء، ليس القرآن كتابًا في العلوم الدنيوية والصناعات ولكنه أشار إليها، وفي هذه الإشارة ما يكفي لحث المسلمين عليها وشرعيتها ما لم تخالف الإِسلام. ومما يمكن استنباطه من هذا العمل للشيخ: إذا كان القرآن قد حوى كل شيء، حتى ذكر النملة والبعوضة والعنكبوت وحشرات أخرى، فهل يمكن أن

стр. 737

يترك ما ينفع الناس دون إرشادهم إليه بالعبارة أو الإشارة، وفي أثر يروى عن النبي ﷺ : "إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة" (١)، فإننا وإن اختلفنا مع ما في كتاب السيوطي من تكلف في بعض العلوم، إلا أن القرآن الذي فيه تبيان كل شيء لن يترك ما ينفع الناس في دينهم أو دنياهم دون توجيه. وإذا كان الشيخ قد اكتفى هنا بالتلميح، فسيأتي التصريح في فقرة لاحقة؛ لأنتقل إلى معنى آخر يُحسُّ به في كلام الشيخ وهو أن يسعى أهل الإِسلام ليس في تحصيل هذه العلوم النافعة فحسب، فهذا شيء لا مفرّ منه، وإنما إلى البحث في إرشادات الوحي حول هذه العلوم، والأصول التصورية والأخلاقية والقيمية التي يمكن إضافتها إلى جسم هذه العلوم، في نوعٍ من الإشارة إلى فكرة التأصيل الإِسلامي لها، ومصدر هذا الإحساس هو نقل الشيخ لكلام السيوطي حول دلالة القرآن على أبواب كثيرة. [وفي الآية الثانية]: قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، يعالج الشيخ في تفسيره لهذه الآية مشكلة العلاقة بين الدين والتقدم، فيقول: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدًا برب العالمين جلّ وعلا -يهدي للتي هى أقوم؛ أي: الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب. . . ." (٢)، ثم استطرد الشيخ في بيان بعض الأوجه التي كان القرآن فيها أقوم "تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإِسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة" (٣)، وعرض الشيخ لأكثر من عشر مسائل، على طريقة

стр. 738

"شبهات خصوم الإِسلام والرد عليها"، ومنها: توحيد الله سبحانه، وكون الطلاق بيد الرجل، والتعدد، والتفضيل في الميراث، وملك اليمين والقصاص بالقتل، وقطع يد السارق، وعقوبة الزنا، وأن الرابطة التي تربط بين المجتمع هي العقيدة وليست القومية، والحكم بغير ما أنزل الله، والمشاكل العالمية، فذكر بعض الشبه العصرية حولها وبيان كيف هدى القرآن فيها للتي هي أحسن (١). نقف مع واحدة منها لها علاقة بالبحث وهي [أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين]: فقال الشيخ: "ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين. فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإِسلام: من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإِسلام -باطل لا أساس له، والقرآن الكريم يدعو إلى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين. ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية" (٢). واستدل الشيخ على دعوة الدين للتقدم بدليلٍ استدل به الكثير في العصر الحديث، وهو قوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فقال: "فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة، ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت. فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطور جديد. ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين" (٣). وحذر مما خيّل به الكفار لضعاف العقول من المسلمين من أن هناك تباينًا بين الدين والتقدم، وأنه يستحيل اجتماعهما، وكان من أثر ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدم، فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. وبين أنه لا يصح دينًا ولا عقلًا وضع ذلك التباين بين التدين والتقدم، فالمتمسك بالدين يجوز "أن يكون متقدمًا؛ إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، مشتغلًا في جميع الميادين التقدمية كما لا

стр. 739

يخفى، وكما عرفه التاريخ للنبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان" إلى أن قال: "فإن النسبة بين التمسك بالدين والتقدم، كالنسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين ملزوم للتقدم، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم" (١)، وأعاد ضعف المسلمين إلى وجود طائفة منهم من ضعاف العقول صدّقوا مقولة التناقض بين الدين والتقدم، كما أن فيهم من تنكّر للدين فعوقب بالضعف والرق للكفار (٢). ٢ - الموقف من العلوم الدنيوية وكيف نحولها إلى أشرف العلوم: بعد أن بيّن الشيخ أن القرآن قد دلنا على كل خير في الدين والدنيا، ورد على شبهة ترد هنا أو هناك تقول: إن الدين والتقدم يتعارضان ولا يلتقيان، نأتي إلى الموقف الصريح من العلوم الحديثة الموجودة في الحضارة الغربية، إذ هي المقصود بالكلام، وهي الأمر الجديد في تاريخ الفكر الإنساني الحديث. من بين المواطن التي توقف فيها الشيخ لبيان الموقف من هذه العلوم ما قاله عند تفسيره لآيتين وهما: قول الرب : ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا﴾ [مريم: ٧٨ - ٧٩]، وقوله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، ومثلها قوله : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠]. [الآية الأولى] قوله -تعالى-: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا﴾: ذكر الشيخ "الشنقيطي" ﵀ أن هذه الآية تحوي على دليل منهجي مهم أسماه "الدليل العظيم" (٣)، وهو المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد، وعند الأصوليين بالسبر والتقسيم، وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل، وقد جعل الشيخ من هذا الدليل أداة لبيان الموقف من أمور كثيرة، ولكن أهم ما يضربه من أمثلة ويتوسع في ذكره، هو الموقف من الحضارة الغربية. فلنعرف أولًا حقيقة هذا الدليل:

стр. 740

قال الشيخ: "وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين: أحدهما: حصر أوصاف المحل بطريق الحصر. . . . والثاني: هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها، وإبقاء ما هو صحيح منها" (١). وذكر الشيخ صوره في القرآن الكريم، وذكر أن "المنطقيين والأصوليين والجدليين كل منهم يستعملون هذا الدليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله، إلا أن استعماله عند الجدليين أهم من استعماله عند المنطقيين والأصوليين" (٢)، ثم عرّف باستعماله عند كل طرف من الأطراف الثلاثة (٣)، وواصل الشيخ توضيح منزلة هذا الدليل إلى أن بلغ المسألة السادسة التي لها علاقة بالبحث: دلالة "الدليل العظيم - السبر والتقسيم" على "الموقف من الحضارة الغربية": قال الشيخ ﵀: "اعلم أن هذا الدليل التاريخي العظيم يوضح غاية الإيضاح موقف المسلمين الطبيعي من الحضارة الغربية، وبذلك الإيضاح التام يتميز النافع من الضار، والحسن من القبيح، والحق من الباطل. وذلك أن الاستقراء التام القطعي دلّ على أن الحضارة الغربية المذكورة تشتمل على نافع وضار: أما النافع منها -فهو من الناحية المادية، وتقدمها في جميع الميادين المادية أوضح من أن أبينه. وما تضمنته من المنافع للإنسان أعظم مما كان يدخل تحت التصور، فقد خدمت الإنسان خدمات هائلة من حيث إنه جسد حيواني". وهو اعتراف من الشيخ لا ينقصه الصراحة، وهو موقف كل عاقل فضلًا عن عالم من علماء الإِسلام. "أما الضار منها -فهو إهمالها بالكلية للناحية التي هي رأس كل خير، ولا خير البتة في الدنيا بدونها، وهي التربية الروحية للإنسان وتهذيب أخلاقه. وذلك لا يكون إلا بنور الوحي السماوي الذي يوضح للإنسان طريق السعادة، ويرسم له الخطط الحكمية في كل ميادين الحياة الدنيا والآخرة،
следующие страницы →