← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن (١). - ونقل عنه أيضًا كيف خرجت علوم جمة من القرآن: من علوم القرآن وأصول الدين والفقه وأصوله وعلوم العربية والتاريخ والأخلاق وغيرها، ثم أعقب ذلك -نقلًا عن كتاب السيوطي- "هذه الفنون التي أخذتها الملة الإِسلامية منه. وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل، مثل: الطب والجدل والهيئة والهندسة والجبر، والمقابلة والنجامة، وغير ذلك"، ثم ذكر كيف دلّ القرآن على هذه العلوم (٢). - ونقل عنه أيضًا كيف أنه دلّ على أصول الصنائع وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها، من الخياطة والحدادة والبناء والتجارة والغزل والنسيج والفلاحة وغيرها من الأعمال الدنيوية (٣). - ونقل عنه أيضًا كيف أن القرآن دلّ على عوالم أخرى من عجائب المخلوقات، وأحوال الأنبياء، وأحوال الأمم السابقة، ومسيرة الإنسان، واليوم الآخر والبعث، وغير ذلك (٤). ثم جاء تعقيب الشيخ فقال: "وإنما أوردناه برمته مع طوله؛ لما فيه من إيضاح: أن القرآن فيه بيان كل شيء. وإن كانت في الكلام المذكور أشياء جديرة بالانتقاد، تركنا مناقشتها خوف الإطالة المملة، مع كثرة الفائدة في الكلام المذكور في الجملة" (٥)، ونتفق مع الشيخ في ملحوظته، ونترك ما يُنتقد منه إلى المهم فيه، الذي وصفه الشيخ بكثرة الفائدة، ومن أهمها إيضاح أن القرآن فيه بيان كل شيء، ليس القرآن كتابًا في العلوم الدنيوية والصناعات ولكنه أشار إليها، وفي هذه الإشارة ما يكفي لحث المسلمين عليها وشرعيتها ما لم تخالف الإِسلام. ومما يمكن استنباطه من هذا العمل للشيخ: إذا كان القرآن قد حوى كل شيء، حتى ذكر النملة والبعوضة والعنكبوت وحشرات أخرى، فهل يمكن أن

стр. 737

يترك ما ينفع الناس دون إرشادهم إليه بالعبارة أو الإشارة، وفي أثر يروى عن النبي ﷺ : "إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة" (١)، فإننا وإن اختلفنا مع ما في كتاب السيوطي من تكلف في بعض العلوم، إلا أن القرآن الذي فيه تبيان كل شيء لن يترك ما ينفع الناس في دينهم أو دنياهم دون توجيه. وإذا كان الشيخ قد اكتفى هنا بالتلميح، فسيأتي التصريح في فقرة لاحقة؛ لأنتقل إلى معنى آخر يُحسُّ به في كلام الشيخ وهو أن يسعى أهل الإِسلام ليس في تحصيل هذه العلوم النافعة فحسب، فهذا شيء لا مفرّ منه، وإنما إلى البحث في إرشادات الوحي حول هذه العلوم، والأصول التصورية والأخلاقية والقيمية التي يمكن إضافتها إلى جسم هذه العلوم، في نوعٍ من الإشارة إلى فكرة التأصيل الإِسلامي لها، ومصدر هذا الإحساس هو نقل الشيخ لكلام السيوطي حول دلالة القرآن على أبواب كثيرة. [وفي الآية الثانية]: قوله -تعالى-: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]، يعالج الشيخ في تفسيره لهذه الآية مشكلة العلاقة بين الدين والتقدم، فيقول: "ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدًا برب العالمين جلّ وعلا -يهدي للتي هى أقوم؛ أي: الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب. . . ." (٢)، ثم استطرد الشيخ في بيان بعض الأوجه التي كان القرآن فيها أقوم "تنبيها ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإِسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة" (٣)، وعرض الشيخ لأكثر من عشر مسائل، على طريقة

стр. 738

"شبهات خصوم الإِسلام والرد عليها"، ومنها: توحيد الله سبحانه، وكون الطلاق بيد الرجل، والتعدد، والتفضيل في الميراث، وملك اليمين والقصاص بالقتل، وقطع يد السارق، وعقوبة الزنا، وأن الرابطة التي تربط بين المجتمع هي العقيدة وليست القومية، والحكم بغير ما أنزل الله، والمشاكل العالمية، فذكر بعض الشبه العصرية حولها وبيان كيف هدى القرآن فيها للتي هي أحسن (١). نقف مع واحدة منها لها علاقة بالبحث وهي [أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين]: فقال الشيخ: "ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين. فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإِسلام: من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإِسلام -باطل لا أساس له، والقرآن الكريم يدعو إلى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين. ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية" (٢). واستدل الشيخ على دعوة الدين للتقدم بدليلٍ استدل به الكثير في العصر الحديث، وهو قوله -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، فقال: "فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة، ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت. فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأول إذا طرأ تطور جديد. ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين" (٣). وحذر مما خيّل به الكفار لضعاف العقول من المسلمين من أن هناك تباينًا بين الدين والتقدم، وأنه يستحيل اجتماعهما، وكان من أثر ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدم، فخسروا الدنيا والآخرة وذلك هو الخسران المبين. وبين أنه لا يصح دينًا ولا عقلًا وضع ذلك التباين بين التدين والتقدم، فالمتمسك بالدين يجوز "أن يكون متقدمًا؛ إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، مشتغلًا في جميع الميادين التقدمية كما لا

стр. 739

يخفى، وكما عرفه التاريخ للنبي ﷺ وأصحابه ومن تبعهم بإحسان" إلى أن قال: "فإن النسبة بين التمسك بالدين والتقدم، كالنسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين ملزوم للتقدم، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم" (١)، وأعاد ضعف المسلمين إلى وجود طائفة منهم من ضعاف العقول صدّقوا مقولة التناقض بين الدين والتقدم، كما أن فيهم من تنكّر للدين فعوقب بالضعف والرق للكفار (٢). ٢ - الموقف من العلوم الدنيوية وكيف نحولها إلى أشرف العلوم: بعد أن بيّن الشيخ أن القرآن قد دلنا على كل خير في الدين والدنيا، ورد على شبهة ترد هنا أو هناك تقول: إن الدين والتقدم يتعارضان ولا يلتقيان، نأتي إلى الموقف الصريح من العلوم الحديثة الموجودة في الحضارة الغربية، إذ هي المقصود بالكلام، وهي الأمر الجديد في تاريخ الفكر الإنساني الحديث. من بين المواطن التي توقف فيها الشيخ لبيان الموقف من هذه العلوم ما قاله عند تفسيره لآيتين وهما: قول الرب : ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا﴾ [مريم: ٧٨ - ٧٩]، وقوله : ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، ومثلها قوله : ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم: ٢٩ - ٣٠]. [الآية الأولى] قوله -تعالى-: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا﴾: ذكر الشيخ "الشنقيطي" ﵀ أن هذه الآية تحوي على دليل منهجي مهم أسماه "الدليل العظيم" (٣)، وهو المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد، وعند الأصوليين بالسبر والتقسيم، وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل، وقد جعل الشيخ من هذا الدليل أداة لبيان الموقف من أمور كثيرة، ولكن أهم ما يضربه من أمثلة ويتوسع في ذكره، هو الموقف من الحضارة الغربية. فلنعرف أولًا حقيقة هذا الدليل:

стр. 740

قال الشيخ: "وضابط هذا الدليل العظيم أنه متركب من أصلين: أحدهما: حصر أوصاف المحل بطريق الحصر. . . . والثاني: هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها، وإبقاء ما هو صحيح منها" (١). وذكر الشيخ صوره في القرآن الكريم، وذكر أن "المنطقيين والأصوليين والجدليين كل منهم يستعملون هذا الدليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله، إلا أن استعماله عند الجدليين أهم من استعماله عند المنطقيين والأصوليين" (٢)، ثم عرّف باستعماله عند كل طرف من الأطراف الثلاثة (٣)، وواصل الشيخ توضيح منزلة هذا الدليل إلى أن بلغ المسألة السادسة التي لها علاقة بالبحث: دلالة "الدليل العظيم - السبر والتقسيم" على "الموقف من الحضارة الغربية": قال الشيخ ﵀: "اعلم أن هذا الدليل التاريخي العظيم يوضح غاية الإيضاح موقف المسلمين الطبيعي من الحضارة الغربية، وبذلك الإيضاح التام يتميز النافع من الضار، والحسن من القبيح، والحق من الباطل. وذلك أن الاستقراء التام القطعي دلّ على أن الحضارة الغربية المذكورة تشتمل على نافع وضار: أما النافع منها -فهو من الناحية المادية، وتقدمها في جميع الميادين المادية أوضح من أن أبينه. وما تضمنته من المنافع للإنسان أعظم مما كان يدخل تحت التصور، فقد خدمت الإنسان خدمات هائلة من حيث إنه جسد حيواني". وهو اعتراف من الشيخ لا ينقصه الصراحة، وهو موقف كل عاقل فضلًا عن عالم من علماء الإِسلام. "أما الضار منها -فهو إهمالها بالكلية للناحية التي هي رأس كل خير، ولا خير البتة في الدنيا بدونها، وهي التربية الروحية للإنسان وتهذيب أخلاقه. وذلك لا يكون إلا بنور الوحي السماوي الذي يوضح للإنسان طريق السعادة، ويرسم له الخطط الحكمية في كل ميادين الحياة الدنيا والآخرة،

стр. 741

ويجعله على صلة بربه في كل أوقاته". وهذا الإهمال نشأ داخل أوروبا والغرب عمومًا بعد أن أخذت بالخيار العلماني القائم على تأسيس الحياة الدنيوية بعيدًا عن الدين، ولذا "فالحضارة الغربية غنية بأنواع المنافع من الناحية الأولى، مفلسة إفلاسًا كليًا من الناحية الثانية. ومعلوم أن طغيان المادة على الروح يهدد العالم أجمع بخطر داهم، وهلاك مستأصل، كما هو مشاهد الآن .. " (١). وإذا كان الاستقراء قد دلنا على الحقائق السابقة، بأن الحضارة الغربية فيها النافع الذي له أهميته لحياتنا الدنيوية، وفيها الضار النابع من إهمالها للتربية الروحية المعتمدة على الوحي، فلننظر إلى دليل السبر والتقسيم معها: أولًا: يحصر التقسيم الموقف من تلك الحضارة في أربعة أقسام: ترك الحضارة الغربية نافعها وضارها. أخذها كلها، نافعها وضارها. أخذ ضارها وترك نافعها. أخذ نافعها وترك ضارها (٢). ثانيًا: ننتقل إلى السبر لهذه المواقف الأربعة، فنجد ثلاثة باطلة دون شك، وواحد صحيح دون شك، ونبدأ بالثلاثة الباطلة: فتركها كليًا باطل؛ "لأن عدم الاشتغال بالتقدم المادي يؤدي إلى الضعف الدائم، والتواكل والتكاسل، ويخالف الأمر السماوي في قوله -جل وعلا-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. . . . الآية. . . ." (٣). وأخذها بكل ما فيها، فليس من العقل ولا من الدين القبول بهذا الموقف، ولاسيما مع إهمالها جانب الدين وتمردها على نظام السماء (٤). أخذ الضار وترك والنافع، وإن كان هذا غير متصور كما ذكر الشيخ، ولا يفعله من له أقلّ تمييز (٥)، إلا أن واقع الحال يدل أن هناك فئات جعلت همها

стр. 742

تقليد الغرب في الضار أو ما لا نفع فيه، وكم نسمع اليوم عن من يقلد الغرب في أساليب الأكل والشرب واللباس والجمال، بل وكثير من المحرمات، وإذا نقبت في حاله وطلبت ما قلدهم فيه من النافع فلا تجد شيئًا، حصر همه في تقليدهم في المتع المباحة والمحرمة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخله خلفهم تصديقًا لقول الرسول ﷺ : "لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " (١). يبقى الموقف الرابع وهو الذي يحتاج إلى جهد كبير من الأمة؛ لأنه يحتاج إلى ما هو أوسع من الكلام وأشق، فليس في سهولة المواقف السابقة، فالأول لم يفعل صاحبه شيئًا سوى حرمان نفسه من النافع خوفًا من الضار، والثاني استسلم لضغط الحضارة فأخذها بخيرها وشرّها، كان ضعيفًا فلم يستطع الاختيار، والثالث أحقرها حالًا، إذ قلد في متع الحياة وشهواتها، وهو وإن كان مما تلتذ به أنفس أقوام فما ذاك من طبع الأمم القوية، فلذتها في النافع والمفيد من علوم ومعارف وليس في الفنون والمتع وأبوابها، لم يقل الشيخ هذا الكلام ولكن كلامه يفيد ذلك. ذكر الشيخ بعض الأدلة بأن النبي ﷺ الذي هو أصل كل الخير لهذه الأمة ومنبع علومها -أخذ من علوم الأمم حوله فكيف بحال أمته، ومن الأمثلة على ذلك: أ- فمن العلوم العسكرية للفرس أخذ خطة حفر الخندق. ب- ومن العلوم الطبية لفارس والروم أخذ الرسول ﷺ جواز وطء المرضع بعد أن أُخبر أنهم يفعلون ولا يضر أولادهم، وقد همّ ﷺ بالمنع، وغيرها (٢). والنتيجة أنه يتضح "من هذا الدليل أن الموقف الطبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربية -هو أن يجتهدوا في تحصيل ما أنتجته من النواحي المادية،

стр. 743

ويحذروا مما جنته من التمرد على خالق الكون -جل وعلا- فتصلح لهم الدنيا والآخرة" (١). [الآية الثانية]: قوله -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]: يزيد الشيخ هذا المعنى توضيحًا في تفسيره لآية أخرى، وهي قوله -تعالى-: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ [الروم: ٧]، حيث هي تصف حال الكفار المعرضين عن دين الله سبحانه إذا برعوا في علوم الحياة الدنيا، فما موقفنا نحن المسلمين من ذلك؟ وقف الشيخ وقفه خاصة مع هذه الآية، حيث أعقبها بتنبيه وصدّره بـ"اعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان: أن يتدبر آية الروم هذه تدبرًا كثيرًا، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس" (٢). ومن بين أهم ما ذكره ﵀ ما يأتي: ١ - أهمية معالجة الهزيمة النفسية الخطيرة التى أصابت بعض المسلمين: حيث ذكر أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلي بها ضعاف العقول من المسلمين شدة إتقان الإفرنج لأعمال الحياة الدنيا ومهارتهم فيها على كثرتها واختلاف أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فتوهموا أنهم على حق وأن من ضعف عن ذلك، فهو متخلّف وليس على الحق. فجاء علاجها في هذه الآية الكريمة، ففيها "إيضاح لهذه الفتنة وتخفيف لشأنها، أنزله الله في كتابه قبل وقوعها بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه" (٣). ولا شك أن معالجة الهزيمة النفسية تسبق في الأهمية طلب النافع من العلوم الدنيوية؛ لأن من طلبها من حضارة أخرى وهو يعاني هزيمة نفسية، انساق وأخذ النافع والضار إن لم يترك النافع ويكتفي بالضار. ٢ - التحذير من الغفلة عن حقيقة الحياة الدنيا: "ففي قوله -تعالى-: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا،

стр. 744

فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيقتها أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة" (١). ولكن إذا كانت هذه العلوم التي برعوا فيها هي من ظاهر الدنيا فهل نهملها، لكونها من ظاهر الدنيا وكونها من علوم الكفار؟ فكان جواب الشيخ الشنقيطي هو إيجاب تعلمها، بل تحويلها إلى علوم من أشرف ما يتعلمه المسلم، فيقول الشيخ ﵀: "واعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية. . . . وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل عنه أصحابها الكفار، إذا تعلمها المسلمون، وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقًا لما أمر الله به على لسان نبيه ﷺ : كانت من أشرف العلوم وأنفعها؛ لأنها يستعان بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته -جل وعلا-، وإصلاح الدنيا والآخرة، فلا عيب فيها إذن كما قال -تعالى-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] فالعمل في إعداد المستطاع من القوة امتثالًا لأمر الله تعالى وسعيًا في مرضاته، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن الآخرة" (٢). وسيأتي جيل لاحق لمشروع الشيخ ﵀ من طلابه وطلاب طلابه يحوّلون دعوة الشيخ إلى مشروع حضاري أوسع، فإن تحويلها إلى علوم "من أشرف العلم وأنفعها" كما قال الشيخ يحتاج إلى جهد كبير: نظري وعملي، حتى يتحقق لنا كل ما دعا إليه الشيخ، من الحرص على التقدم والحث على طلب العلوم الدنيوية ولو كانت عند الكفار، وأصبح المشروع الحضاري الإِسلامي للاتجاه السلفي وغيره من الاتجاهات الإِسلامية هو الدعوة إلى أسلمة العلوم والتأصيل الإِسلامي لها، كل علم بحسبه.

стр. 745

رابعًا: الشيخ عبد العزيز بن باز أختم هذا الاستعراض الموقف بعض الأعلام السلفيين من العلوم الجديدة ونظرياتها ومكتشفاتها بعلم معاصر بارز هو الشيخ "عبد العزيز بن باز" ﵀، ولاسيما مع ما يتهم به عند بعض المتغربين والعلمانيين بمعاداته للعلم والتقدم وغيرها مستندين على كذبة تكررت في كتبهم (١)، مكتفيًا بنموذج طريف كان له صداه وهو مسألة الوصول إلى القمر، لما في هذا النموذج من رد على المتغربين وتكوين منهجية إسلامية من المستجدات. في أثناء الحرب الباردة -كما يقال- بين المعسكرين "الرأسمالي" و"الشيوعي" وقع تسابق محموم حول بحوث الفضاء، ومن ذلك تلك الرحلات المأهولة إلى الفضاء، ونزول بعضهم على سطح القمر (٢)، فكثر الحديث حول الموضوع ووقعت أخطاء من بعض الفضلاء حول الاستشهاد بأقوال علماء أو بتحديد معانٍ لبعض النصوص تمنع وقوع ذلك، فجاءت مشاركات مختلفة ومنها

стр. 746

مشاركة الشيخ "عبد العزيز بن باز" ﵀، ويهم منها النقاط المنهجية التي تفيدنا في أي حادثة تشابهها. ذكر الشيخ "حماد الأنصاري" في مقالة له بمجلة "الجامعة الإِسلامية" (شوال- ١٣٧٩ هـ) انقسام الناس حول الحدث إلى ثلاثة أقسام: فمصدق بهذا النبأ تصديقًا كاملًا، أو مكذب به وربما تجاوز ذلك إلى تفسيق القائلين بالصعود أو تكفيرهم -وهنا تظهر خطورة الأمر- بينما وقف فريق ثالث من أخبار هذه الحادثة موقف التثبت والاستبانة "حيث إنه لا يمكنه إعطاء معلومات يقينية على الرحلة إلى القمر، ولم يظهر لهم مقتضى الشرعية في ذلك؛ لوجود ظواهر ألفاظ آيات يحسبونها تقتضي استحالة النزول على القمر. . . ." (١)، فجاءت مشاركة الشيخ ابن باز ﵀ في هذا السياق، ومن بين الأمور المنهجية المهمة التي تحدث عنها ما يأتي: ١ - حرمة القول على الله بغير علم وأهمية التثبت: "فلا يجوز لمن يؤمن بالله واليوم والآخر أن يقول: هذا حلال وهذا حرام، أو هذا جائز وهذا ممتنع، إلا بحجة يحسن الاعتماد عليها وإلا فليسعه ما وسع أهل العلم قبله، وهو الإمساك عن الخوض فيما لا يعلم، وأن يقول: الله أعلم، أو: لا أدري" (٢). وقد ساق الأدلة على ذلك. وفي بيان أهمية التثبت فقد أكّد الشيخ وجوب التثبت في هذا الباب وغيره من الأبواب، وعدم المبادرة بالتصديق أو التكذيب إلا بعد حصول المعلومات الكافية، "والتبيّن هو التثبت حتى توجد معلومات أو قرائن تشهد لخبر الفاسق بما يصدّقه أو يكذبه. ولم يقل سبحانه: "إن جاءكم فاسق بنبإ فردوا خبره"، بل قال: "فتبينوا"؛ لأن الفاسق سواء كان كافرًا أو مسلمًا عاصيًا قد يصدق في خبره فوجب التثبت في أمره" (٣). فإذا كان يجب التثبت من قول المسلم الفاسق فمن باب أولى غير المسلم،

стр. 747

وفي الوقت نفسه فإن الفاسق مهما كان نجده يصدق ويكذب، مع العلم أن النشاط العلمي الحديث الذي برع فيه الكفار يدخله الخطأ ويدخله الهوى كأي نشاط بشري، ولكنه في الوقت نفسه يجد المترصدين من باحثين منافسين ومراكز بحوث منافسة، تدفعهم المنافسة إلى فضح أي خطأ قام به المنافس لهم ويدفعهم حب الشهرة إلى إثبات ما يخالفه ما أمكن إلى ذلك سبيلًا، وهو شيء يعرفه من اطلع على النشاط العلمي الحديث. وهذا يدفعنا إلى تحذير المتساهلين من المسلمين عن التسرع في التكذيب أو الرد بحجة كفرهم أو إلحادهم بحجة أن انحرافهم يدفعهم للكذب، صحيح أنهم مظنة الكذب، ولكن لا يعني أنهم يستطيعون الكذب بسهولة، فسقْطةُ الباحث في ميدان العلم سقطة خطيرة، لذا تجدهم يتجنبون الكذب ولا يشترط تنزهم عنه بقدر ما هو خشية السقوط داخل الأوساط العلمية، وهذا بالنسبة لحالهم، أما بالنسبة لحالنا فما أجمل تلك القاعدة التي قالها الشيخ أثناء حديثه في الرسالة: "ولا يجوز أن يقال بامتناع ذلك إلا بدليل شرعي صريح يجب المصير إليه، كما أنه لا يجوز أن يصدق من قال: إنه وصل إلى سطح القمر أو غيره من الكواكب إلا بأدلة علمية تدل على صدقه" (١)، فمن جهة المنع لابد من دليل شرعي، ومن جهة الواقع لابد من دليل علمي، وهذا هو حقيقة المنهج الإِسلامي. ٢ - النهي عن التسرع في الحكم على مثل هذه المسائل وعلى القائلين بها: فبقدر أهمية التثبت في هذه الأمور الحديثة، بحيث يكون في كل مجال بحسبه، فالتثبت في أبواب العلوم لا يكون إلا بالعلم ذاته، بالبحث والملاحظة والتجريب واستخدام المناهج العلمية والابتعاد عن الانطباعات الذاتية التي وجدتُ منها الكثير وأنا في غمار هذا البحث. وإذا كان التثبت مهمًا فإن الأخطر من ذلك هو "الإقدام على التكفير أو التفسيق بغير حجة يعتمد عليها من كتاب الله أو سنة رسوله ﷺ ، ولا شك أن هذا من الجرأة على الله وعلى دينه ومن القول عليه بغير علم وهو خلاف طريقة أهل العلم. . . ." (٢)، ثم استعرض بعض الأدلة المحذرة من ذلك.

стр. 748

٣ - سعة العلم تقلل مساحة توهم المخالفة أو التعارض: إذا جاء العالم اختفت المشاكل أو قلت، فقد تقع الحيرة من العوام أو من طلبة العلم بخلاف العالم حيث نجد عنده ما يخفف الإشكال أو يزيله، فنجد الشيخ يقول: "قد تأملنا ما ورد في الكتاب العزيز من الآيات المشتملة على ذكر الشمس والقمر والكواكب، فلم نجد فيها ما يدل دلالة صريحة على عدم إمكان الوصول إلى القمر أو غيره من الكواكب، وهكذا السنة المطهرة لم نجد فيها ما يدل على عدم إمكان ذلك" (١). يكتفي الشيخ بحسب تخصصه بالانطلاق من النص إلى الواقع أو الحادثة، ومن كان في مكانته كان بإذن الله أقدر على فهم النصوص والمراد منها. ويبقى بعد ذلك دور المتخصصين في تلك العلوم الانطلاق منها: من مناهجها وأدواتها وآلياتها ليتحقق من الأمر ويبين حاجتنا منها ويرتقي خطوة أكبر في تأصيلها وفي غرسها داخل ثقافتنا دون إشكالات. ٤ - الموقف من اجتهادات علماء الإِسلام السابقين وتفسيراتهم للنصوص: أوضح ما نجده من أقوال لعلماء الإِسلام في الآيات الكونية نجده في تفاسيرهم، وقد يستعجل بعض طلبة العلم فينقل قول عالم من علماء الإِسلام في إحدى تلك الآيات الكونية مع أن ذلك القول قد يتعارض مع شيء من المعطيات العلمية الحديثة، ثم يجعل ذلك دليلًا على بطلان العلم الحديث في هذه القضية، وينسى بأن العالم المجتهد يجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر اجتهاده، فعن عمرو بن العاص ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إذا حكم الحاكم، فاجتهد، ثم أصاب، فله أجران، وإن حكم واجتهد، فأخطأ، فله أجرٌ" (٢). فإن وجدنا لعالم من العلماء قولًا في مسائل كونية يعارض ما اشتهر في العلوم الحديثة، فعلينا التأكد من سنده، وصحة نسبته لهذا العالم، ثم نتأكد من صحة فهمنا لقوله، ثم إن ذلك قد يكون مما أخطأ اجتهاده فيه. وقد وجدت لبعض من يكتب حول هذا الباب نقولات عن ابن كثير ﵀ من تفسيره أو من تاريخه أو

стр. 749

من غيره من المفسرين مع ما يظهر في بعضها من مخالفة لمعطيات علمية حديثة، ثم لا تجد اجتهادًا من الناقل، بحيث يتأكد من صحة الأقوال المنسوبة، أو من صحة فهم المعنى، فإن ثبت الأمران فقد يكون من الاجتهاد الذي أخطأ فيه العالم -وله أجر اجتهاده- إذا خالف معطيات علمية صحيحة، ومثل هذه تحتاج الرجوع لأهل العلم. وكمثال، فأثناء استشهادات الشيخ توقف عند قوله -تعالى-: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٣]، وآية يس: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس:٤٠]. فنقل عن تفسير "الطبري" قول "عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه قال ما نصه: الفلك الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر، وقرأ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ [الفرقان: ٦١]، وقال: تلك البروج بين السماء والأرض" (١). قال "ابن كثير" حوله: "ورواه ابن أبي حاتم وهو غريب جدًا بل منكر" (٢)، فقال الشيخ "ابن باز" معلقًا على كلام ابن كثير: "وقد نقل الحافظ ابن كثير ﵀ في التفسير كلام ابن زيد هذا وأنكره، ولا وجه لإنكاره عند التأمل، لعدم الدليل على نكارته" (٣). وابن كثير ﵀ كان ينقل مما عُلم في عصره من "علم الهيئة" بل يذكر اختلافهم (٤) حول ترتيب الفلك مما يدل على اطلاعه على هذه العلوم بحسب ما وصل إليه العلم في زمنه، ومن المعلوم بأنه علم يقبل التطور وقد حدث له شيء كثير بعد عصره، وهو ﵀ لم يُغفل هذا العلم أثناء تفسير القرآن، ولكن لا يشترط أن صورة العلم في زمنه كانت كاملة، وحسبه أنه اجتهد فمن الخطأ أن نتوقف عند المكان الذي وقف فيه فيما يقبل النظر والبحث والاجتهاد، والله أعلم. وبهذه الآداب والتوجيهات والمنهجية أختم هذه الوقفة مع الشيخ "ابن باز" ﵀، والغرض منها إبراز هذه الرؤى السلفية، وإزالة الأوهام والأكاذيب الملفقة على الأعلام السلفيين، وبالله التوفيق.

стр. 750

دعوة التأصيل الإِسلامي للعلوم الحديثة اختلفت المواقف في العصر الحديث نحو المفيد من الحضارة الغربية، وأحيانًا نحو مجمل تلك الحضارة. وقد سبق للأمة في تاريخها المرور بمثل هذا الموقف، وكان العمل السائد آنذاك هو "الترجمة"، أعقبها ضعفٌ نسبيٌ عطّل إلى حدٍ ما المأمول بعد الترجمة، ولاسيما في العلوم الدنيوية وأبوابها، وحدث تطورٌ كبير في علمَي: "الفلك والطب" مع بقاء المصدر الأجنبي في مصادر العلم، ولم يحدث الاستقلال المعرفي، ولم تقع قطيعة معرفية كاملة مع الموروث الخارجي، لقد كانت تجربتنا التاريخية في أبواب العلوم الدنيوية ومناهج العلم -رغم ضخامتها وأثرها في انطلاقة الغرب الحديثة- ناقصة بسبب عدم نجاحها في الاستمرار. ومع أن "الترجمة" ودراسة ما ترجم كانت هي العمل السائد، إلا أنه لم يظهر من المشتغلين بتلك العلوم رغبة في تقليد النماذج الحضارية المجاورة، رغم تأثر البعض بموضوعات من الحضارات المجاورة، كان هذا هو السائد في سياق تجربتنا التاريخية، ولاسيما زمن الدولة العباسية. لقد قامت ورشة عمل مهمة داخل الحضارة الإِسلامية دون شك، وبرزت معالم انطلاقة كبيرة في علم الهيئة والطب والرياضيات وكذا في تأسيس عناصر المنهجية العلمية ولكنها توقفت قبل أن تؤتي ثمارها، ونُقلت تلك التجربة في منتصفها إلى أوروبا، ورأينا ثمرة تلك العلوم عندهم في ذاك التقدم الدنيوي الذي لا خلاف حوله. فكانت الترجمة واضحة ومشروعًا معروفًا بخلاف ورشة العمل الحضارية للتقدم بهذه العلوم فقد حدث لها توقف بعد ضعف خطير أفشل مشروعنا القديم.

стр. 751

اختلفت المواقف والاجتهادات حول الحضارة الغربية مع تجربة النهضة الحديثة للأمة الإسلامية، وكانت هناك دون شك مواقف شاذة، تمنع عن جهل -بالدين أو بحقيقة الحضارة الغربية- أي: استفادة من الحضارة الغربية، وقد تصدى لها جملة من علماء الإسلام. وفي المقابل هناك مواقف شاذة أخرى رأت أن المطلوب هو نقل بهرج الحضارة الغربية من أنماط معمارية جُعلت لبناء القصور والتفاخر بها أو في الأزياء أو في التنظيمات الشكلية، أو نقل الفنون والآداب والمذاهب الفكرية مع عدم عناية بالعلوم التطبيقية النافعة، حيث وجدوا في غير العلوم النافعة لذة ومتعة، وهي بطبيعتها أسهل ولا تحتاج إلى جهد ومعاناة وتكاليف مادية، فضلًا عن شُحّ الغرب بالنافع. وربما كان رفض الفريق الأول بسبب ما رآه من الفريق الثاني، قد نُطلق على الأول الفريق المحافظ، وكان معروفًا في جميع الاتجاهات الإِسلامية، بينما نُطلق على الثاني فريق التغريب على تفاوت بينهم، وهم قوم فُتنوا ببهرج الحضارة الغربية أو بفنونها، وتكاسلوا عن المهمات الحقيقية النافعة. فظهر لدينا موقف محافظ سلبي، موقف الرفض، وكان أضعف المواقف، ولم يصدر عنه منهج سليم أو محدد حول الموقف من هذه المستجدات سوى الرفض وضعف عن إيجاد طريق للحل، ولذا لا نجد مشكلة في تجاهل هذا التيار؛ لأنه لا يملك رؤية واضحة حول سبب الرفض. بخلاف الموقف الشاذ الآخر والمقابل له، فهو يدّعي أن تقدمنا وتفوقنا ونجاحنا وحضارتنا مرتبطة بتقليد الغرب، فصاغوا رؤيتهم ومنهجهم في إطار هذا الموقف، وستكون نتيجة هذا الموقف غالبًا أنه موقف استهلاكي استمتاعي؛ استمتاعي بالبهارج أو استمتاعي بالفنون وأبوابها فضلًا عما يتسرب من انحرافات من خلال هذا الموقف، وستكون مناقشة هذا الموقف في المبحث الأخير بإذن الله. ظهر تيار مخلص فيما نحسبه، نشيط وبارز، واشتهر نهاية القرن الثالث عشر الهجري، وجاء ظهوره بعد أن أغرقنا التيار السابق بما لا حاجة لنا به من أبواب الحضارة الغربية، ورأى أثر ذلك في نفوس شباب المسلمين ووقوعهم في الحيرة والشك، وانقياد بعضهم لذلك الموقف الاستهلاكي الاستمتاعي، وعيشهم حالة استلاب خطيرة، فلا هو ممن تمسك بحضارته

стр. 752

وثقافته ولا هو بالمحسوب فعلًا على حضارة الغرب رغم صدقه في الالتصاق بها. فجاء تيار إصلاحي إسلامي عُرف تحديدًا مع "جمال الدين الأفغاني" و"محمَّد عبده" فتبنى موقفًا جديدًا من الحضارة الغربية، لم يكن بالموقف الرافض ولم يكن في الوقت نفسه بالموقف التغريبي، كان موقفًا انتقائيًا عاقلًا مع جهده في معالجة المشكلات المتكاثرة آنذاك والمؤثرة في شباب الأمة، وغلب على طريقتهم منهجية التأويل والتوفيق دون الجرأة على المساس بمسلمات الحضارة الغربية. ولا شك أننا نجد تفسيرًا لهذا الموقف إذا تفهمنا طبيعة عصرهم دون أن نبرر لهم فعلهم، فالموقف يبقى ضعيفًا وخطيرًا؛ فهو ضعيف؛ لأنه جعل عمله فقط في إبداع القوالب التي تسمح بتسرب الحضارة الغربية دون القدرة على مواجهتها المواجهة الحضارية القوية، وهو خطير؛ لأن من جاء بعدهم حوّلوا منهج الطوارئ إلى منهج ثابت يتسع مع الأيام، فتوسع الأتباع في منهج "التأويل" ليظهر عندنا فيما بعد دينًا مبدلًا بعد أن كان مؤولًا، وسنتعرف على هذا الموقف بإذن الله في المبحث الثاني من هذا الباب. يبقى معنا "الموقف السلفي" الذي تعرفنا على بعض رموزه وبعض أصول منهجه لنبحث الآن في مشروع دعوته إلى التأصيل الإِسلامي للعلم البشري، أيًا كان نوعه وأيًا كان مصدره، ومن أي حضارة جاء. فهو يرفض من منطلق شرعي موقف المحافظين كما أنه يرفض موقف التيار التغريبي لأكثر من سبب؛ فالأول موقف ضعيف والثاني موقف خطير، كما أنه يُصحح موقف التيار الإصلاحي التوفيقي. فجعل محور دعوته: التأصيل الإِسلامي للعلم النافع، وهو أوسع من الدعوة إلى طلبها وتحصيلها ومعرفتها، فإن التأصيل الإِسلامي لا يتأتى إلا بالمشاركة الحقيقية في هذه العلوم، ويتجاوز أيضًا مسألة التوفيق لما فيها من ضعف وما ينتج عنها من مشاكل. يأخذ موضوع التأصيل الإِسلامي للعلوم أو موضوع الأسلمة كما اصطلح عليه عند البعض حيزًا كبيرًا من نشاط الاتجاه السلفي، مع العلم أنه ليس وحده في هذا الميدان بل هناك أطياف إسلامية أخرى اقتنعت بأهمية التأصيل الإِسلامي وتجتهد في تحقيقه. أقف -باختصار- مع مشروع "الندوة العالمية للشباب الإِسلامي" من بين عشرات المؤسسات الأكاديمية والثقافية التي تهتم بهذا النوع؛

стр. 753

لكونها الأحدث في هذا الباب، وتجمع نخبة من المتخصصين في الجامعات في هذا النشاط مع سيرها في إطار سلفي. وضع أصحاب المشروع "لجنة التأصيل الإِسلامي للعلوم"، وهي تعتبر من أحدث اللجان العاملة في هذا الباب (١)، تجمع فئة مهمة من العلماء والمختصين والمعنيين بهذه القضية، ومن بين أهدافها: "دعوة المشتغلين بالعلوم الحديثة عامة والعلوم الاجتماعية خاصة؛ لكي يقوموا بتبادل الرأي والمشورة حول نظريات تلك العلوم ومناهجها، واقتراح أفضل السبل لتطويرها في ضوء التصور الإِسلامي للألوهية والوجود والإنسان والمجتمع" (٢). ومن ضمن مشاركات أحد أعضاء اللجنة بعنوان: "التأصيل الإِسلامي للعلوم: المفهوم والمنهج" (٣) يمكن أخذ أهم عناصر المشروع: ١ - الوعي باختلاف أرضيات العلوم: كان الفكر السائد أن العلوم لا تتأثر بأرضياتها وخلفيات المجتمع الذي ظهرت فيه، ولكن مع تطور فلسفة العلوم ورؤية الآثار المختلفة لانتقال العلوم من مكان إلى آخر، ومع التطور في بنية العلوم ذاتها، ولاسيما مع النظريات المعاصرة في الفيزياء وغيرها، وجُد أن هناك ارتباطًا خطيرًا ومعقدًا بين العلم والبيئة التي ظهر فيها، "نحن نعرف أنه لا يوجد علم ولا منهج إلا أن يكون هذا العلم والمنهج مبنيًا أو منطلقًا من أرضية معرفية أو إبستمولوجية، وهذه بدورها تنطلق من رؤية للوجود وتصور لهذا الوجود الذي نحن جزء منه، لكن للأسف الشديد نحن خلال عقود متطاولة من الزمان قد اقتصرنا على اقتطاف ثمار هذه العلوم باستخدام "المنهج العلمي" ولم نلتفت إلى الأرضيات المعرفية والوجودية التي انطلقت منها تلك العلوم الحديثة.

стр. 754

فالمشكلة الكبرى عندنا أن تلك العلوم الحديثة، سواء كانت علومًا طبيعية أو تسمى بالطبيعية أو علومًا اجتماعية، إنما نمت ونبتت في ديارنا مرتبطة بأصولها المعرفية الوجودية التي تختلف عن أرضيتنا المعرفية والوجودية، ومن هنا. . . . نتيجة لانطلاق علومنا من تلك الأصول -فلم يحدث أبدًا أن ارتبطنا بها، خصوصًا في العلوم الاجتماعية. . . ." (١)، ونتيجة لذلك أخذت قضية التأصيل الإِسلامي للعلوم مكانتها في مشروعات الفكر الإِسلامي، ولاسيما في صنع علاقة يتلاقى فيها الأصول المعرفية والوجودية لهذه العلوم مع أصولنا المنطلقة من عقيدتنا والتي بنيت عليها مجتمعاتنا (٢). ٢ - الوعي بمشقة المشروع: مشروع "التأصيل" الذي يتبناه الفكر الإِسلامي المعاصر، ولاسيما عند الاتجاه السلفي مشروع شاق، إنه ليس مشروع "ترجمة" كما عرفته حضارتنا الإِسلامية في الماضي أو أول عصر النهضة الحديثة، وليس مشروع تعلم ودراسة كما وقع في عصرنا الحديث عبر مشروع "الابتعاث" الذي لم ينقطع من قرنين. الأول يحتاج توفير مترجمين رغم تعقد التصور الحديث حول الترجمة، والثاني يحتاج إلى إمكانيات مادية بعد أن أصبح العلم تجارة في الجامعات الغربية، بخلاف مشروع "التأصيل" فهو يحتاج إلى كل ما سبق وزيادة، فهو في حاجة إلى صناعة طاقات جديدة ورؤية جديدة، فنحن من جهة في حاجة إلى "فهم واستيعاب العلوم الحديثة في أرقى تطورها، وتحليل واقعها بطريقة نقدية لتقدير جوانب القوة والضعف فيها من وجهة نظر الإِسلام"، يقابل ذلك "فهم واستيعاب التراث المنطلق من فهم المسلمين للكتاب والسنة" لنصل إلى "القفزة الابتكارية الرائدة اللازمة لإيجاد تركيبة أو توليفة تتكامل فيها معطيات هذه العلوم الشرعية من جهة، ونتائج العلوم العصرية التي تمت غربلتها بما يساعد على تحقيق غايات الإِسلام العليا" (٣).

стр. 755

فالدعوة إلى "التأصيل" تتطلب جهدًا خارقًا من المسلمين، فللدعوة متطلبات كبيرة، لا ينفع معها الكسل أو الجهد المتقطع، ومن يدرس لكي يحصل على مجرد مؤهل (١)، يستحيل أن يكون قادرًا على مهمة التأصيل، فلا أصحاب الترجمة ولا أصحاب الابتعاث إن كان همهم فقط المؤهل، بقادرين على هذا المشروع، وهو وإن كان شاقًا إلا أنه مهم. ٣ - قوة التماسك في منهج التنظير وفي العمل التطبيقي: لابد أن يكون مشروع التأصيل قويًا في باب التنظير بحيث لا يسمح بالانحراف أو الضعف أو الانقطاع في جانب التطبيق (٢)، فقد رأينا مشكلة المنهج التوفيقي الذي عرفه العالم الإِسلامي مع الشيخين: "جمال الدين الأفغاني" و"محمد عبده"، حيث كان هدفه النهوض الحضاري بالمسلمين، فإذا هو قد تحول مع الأتباع والمتأثرين إلى "مسار انفلاتي" أول الأمر، ثم إلى "علمانية صريحة" (٣) بعد ذلك. لا يعني ذلك عدم الوقوع في الخطأ؛ فإن التأصيل عمل اجتهادي (٤)، والمجتهد قد يصيب وقد يخطئ، ولكن من المهم وجود شروط قوية تساعد المجتهد في عمله من جهة وتخفف أخطاءه من جهة أخرى. خلاصة حول المنهج السلفي: ١ - قاد أعلام المنهج السلفي دعوة تجديدية لا خلاف حول أثرها في

стр. 756

تاريخنا الحديث، عُنيت بتصحيح الدين والاهتمام بالتوحيد، وقيام الدين عقيدة وشريعة في حياة الناس. ٢ - هزت الحركة السلفية هزًا عنيفًا كل معوقات انطلاق الأمة ومثبطاته، مثل: التعصب والجبرية والإرجاء والخرافات القبورية ما في بابها وكلها قيود خطيرة. ٣ - أخرجت الحركة السلفية للعالم الإِسلامي تراثًا إسلاميًا محفِزًا للعمل ومصفّيًا للاعتقاد ولاسيما تراث أعلام المذهب السلفي في كل القرون مع عناية خاصة بأعلام القرن الثامن كابن تيمية ﵀ ومن معه. ٤ - إعلان صريح وقوي حول أهمية أخذ عناصر قوة الغرب، ولتكن البداية بالجوانب التي لا لبس فيها مثل العلوم والصناعات ومناهجها المفيدة، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أولى بها. ٥ - الانتباه والحذر مما يشغلنا عن المهم مما تستلذ به الأنفس لكن لا تحصل منه قوة، كما أنه ممتلئ في الوقت نفسه بأصناف الانحرافات، مثل الآداب والفنون وكثير من الفلسفات، فحتى على افتراض سلامتها، فإن العاقل يعلم أن البداية تكون بالأهم الذي لا نختلف حول فائدته جميعًا بكل اتجاهاتنا. ٦ - الدفاع عن الاجتهاد والتجديد والنظر الصحيح والعقل السليم والعلم النافع والبعد عن الخرافة والتقليد والعلوم المخدرة أو الضارة. ٧ - الوحي من عند الله سبحانه، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هو نور وبرهان وهو الحق المبين، فهو المقدم وهو الأصل لكل ما سواه، ولا يوجد حق في عقل أو علم أو حس إلا ويتوافق مع القرآن، بل ينبع منه، ولا يوجد حق يعارض الوحي. ٨ - لا يمكن أن يوجد تعارض بين الدين والعلوم البشرية، وعند وجود تعارض بين ظاهر النص وبين حقائق علمية لا يمكن إنكارها، فنعلم علم اليقين بأن هذا المفهوم من النص غير مراد بشرط أن يكون العلم حقائقَ لا شك فيها، وعندها يفسر النص بما يقترب من سياقه، وإن خالف بعض اجتهادات أهل العلم السابقين؛ لأن العالم المجتهد يصيب فله أجران ويخطئ فله أجر. ٩ - يلتزم أهل السنة بالتثبت والتبيّن وعدم الاستعجال في رد أقوال أهل

стр. 757

العلوم أو قبولها، حتى يتثبتوا من صحتها، والمقصود من ذلك ما ظاهره يوهم التعارض مع نصوص أو عقائد إيمانية، وإلا فما لا يتعارض مع النصوص فلا كلام حوله، وهو متروك لعقول الناس وعلومهم وجهودهم. وبعد هذه الوقفة مع الاتجاه السلفي، والتعريف به وبنماذج من علمائه، وبطريقة تعاملهم مع العلوم العصرية ونظرياتها، ولاسيّما من جهة العلاقة بالدين القائمة على إيجاد الانسجام بين الدين وبين هذه العلوم، ومن جهة العلاقة بالدنيا القائمة على حثّ المسلمين على أخذ هذه العلوم وتأصيلها في بيئتنا العلمية، والانتفاع بها. ينتقل البحث إلى طائفة أخرى في الفكر الإِسلامي، اعتنت كثيرًا بمشكلة العلوم العصرية ونظرياتها وبشأن الحضارة الغربية، ولكن بمنهجية لا يقبلها الاتجاه السلفي بكل مكوناتها رغم وجود قواسم مشتركة في بعض الأبواب، ألا وهو الاتجاه العصراني.

стр. 758

المبحث الثاني موقف الاتجاه العصراني الداعي لتأويل ما توهم تعارضه من النصوص الشرعية مع العلم الحديث أولًا: ما الاتجاه العصراني ؟ تواجهنا مشكلة التعريف لهذا الاتجاه، والاسم الذي سيُطلق عليه، فإن قلت باستخدام مصطلح "العصراني" أو "العقلاني" فهما من صفات المدح التي تناسب أكثر من اتجاه ومع ذلك فهما من أكثر المصطلحات إطلاقًا على هذا الاتجاه. وكذا إطلاق مصطلح الاتجاه الإصلاحي أو التجديدي أو التحديثي، والأولان أقرب إلى بيئتنا الثقافية بخلاف الثالث فهو متصل بالفكر الحديث ولاسيّما الغربي، وجميعها مصطلحات تتشبع بالمدح والثناء على هذا الاتجاه مع أنها تُناسب في الوقت نفسه غيرهم. يظهر هنا خداع المصطلحات وصعوبة إطلاقها على اتجاه بعينه، ومن زمن وأنا أتأمل في مشكلة تسمية هذا الاتجاه وغيره، فلا يوجد مصطلح محايد وموضوعي، كما أنه لا يوجد تيار إلا ويبحث عن أفضل الأسماء للتعبير عن ذاته، وهذا الاتجاه بالذات يكتسب تعريفه وتسميته صعوبة بسبب تنوع أطيافه واختلاف نشاطاتهم، ولم أقتنع بكثير من

стр. 759

التسميات التي أطلقت على هذا التيار المشهور داخل العالم الإسلامي. إذا رجعت إلى موضوعي وهو العلاقة بالعلم الحديث: فإن أقرب التسميات المناسبة لهذا الاتجاه حول علاقته بهذا العلم هي الاتجاه التوفيقي أو العصراني، فإذا كان الاتجاه السلفي قد يتميز بدعوته الإصلاحية وقطبها العودة إلى الدين بصفائه ونقائه، فإن من بين أهم ما ميّز الاتجاه التوفيقي هو إثبات عدم وجود مشكلة بين الدين والعلم، ومن أهم شخصيات هذا الاتجاه الشيخ "محمَّد عبده" الذي كتب في آخر حياته عن مشروعه الذي سعى إليه، فقال: "ارتفع صوتي بالدعوة إلى أمرين عظيمين: الأول: تحرير الفكر من قيد التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة ضمن موازين العقل البشري. . . . وأنه على هذا الوجه يُعد صديقًا للعلم، باعثًا على البحث في أسرار الكون، داعيًا إلى احترام الحقائق الثابتة، مطالبًا بالتعويل عنها في أدب النفس وإصلاح العمل. كل هذا أعده أمرًا واحدًا. وقد خالفت في الدعوة رأي الفئتين العظيمتين اللتين يتركب منهما جسم الأمة: طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون العصر ومن هو في ناصيتهم" (١). يظهر في منهجه أهمية إخراج صورة للدين تجعله صديقًا للعلم، صحيح أن سياق النص يفيد بأننا إذا فهمنا الدين على طريقة السلف فإنه سيكون صديقًا للحقيقة ولا يتعارض معها، ويبقى الغامض في السياق مراده بـ"ضمن موازين العقل البشري"؛ فهو يحتمل أكثر من وجه، وإن كانت تطبيقات الشيخ ستزيل كثيرًا من غموضه. وإذا كان الاتجاه السلفي قد اهتم بصفاء الدين دون حبسه في إطار خارج عنه مثل العقل أو العلم، وإن كان يتفق مع فكرة الشيخ محمَّد عبده بأن الدين الحق هو صديق للحق في العقل أو العلم، ولكنه يختلف معه في جعله العلم أو العقل هو المحدد لما يقبل من الدين أو لا يقبل. فبسبب الحضور الطاغي للفكر الغربي والعلم الحديث في مشروع الشيخ محمَّد عبده وأتباعه من بعده أمكن تفضيل إطلاق مصطلحي: "التوفيقي" أو

стр. 760

"العصراني" على هذا الاتجاه، فهو لم يواجه مشكلات موروثة وإنما مشكلات معاصرة، فمجتمعه قد عرف غزوًا كبيرًا جديدًا لم يكن معهودًا، ولاسيّما في ميدان العلوم والأفكار، فجاءت محاولتهم للتعامل معها، وبما أنها مشكلات عصرية جديدة كان من المناسب تسمية أصحاب هذا الاتجاه بـ"الاتجاه العصراني". وحقيقته هو محاولة التوفيق بين الدين والصحيح من الأفكار والعلوم الجديدة، والعمل التوفيقي عمل مشروع بضوابطه وشروطه، والخطورة عندما يتحول إلى عمل تلفيقي أو إلى عسف لصالح الأدنى. وهو منهج لا يُستغرب ظهوره في مثل هذه الحالات، فالمجتمع يعج بالأفكار والعلوم الجديدة التي تتعارض ظاهرًا أو حقيقة مع صورة الدين في ذاك المجتمع، وهي صورة دينية يغلب عليها التصور "الصوفي / الكلامي"، وإنما المهم سلامة شروطه وأركانه وتطبيقاته (١). وبقدر ما يكون وجود هذا المنهج أمرًا يتوقعه الذهن لمعالجة هذه الحالة، فهو أحد المناهج المهيأة للخروج في مثل هذه الأجواء الثقافية والفكرية، ومع ذلك فهناك حالات مشابهة كانت قد سبقت في الظهور في الهند وفي عاصمة الخلافة العثمانية. كما أن هناك حالات أخرى قد سبق ظهورها في أوروبا مع الديانتين الأشهر هناك "اليهودية - النصرانية"، حيث سبق لأتباع تلك الديانتين الاصطدام بالمستجدات الفكرية والعلمية. بدأ الأمر بالرفض من قبل الكنيسة بل إقامتها حربًا شديدة على المفكرين والعلماء الجدد، ثم ضعف موقف الرفض الديني لأنه كان يحمل الخطأ والانحراف والضعف في بنيته، فجاء تيار آخر معارض فرض نفسه بقوة، وهو التيار العصراني، الذي يراعي في المقام الأول التوفيق بين الدين اليهودي أو النصراني مع العلم الحديث (٢). من بين التعريفات لها، أنها: "حركة فكرية واسعة نشطت في داخل الأديان الكبرى" داخل اليهودية وداخل النصرانية، وداخل الإِسلام أيضًا، وعرفت في الفكر الغربي باسم العصرانية " modernism". وكلمة عصرانية هنا لا تعني مجرد الانتماء إلى هذا العصر، ولكنها مصطلح خاص -إذ تعني العصرانية في الدين:

стр. 761

أي: وجهة نظر في الدين مبنية على الاعتقاد بأن التقدم العلمي والثقافة المعاصرة يستلزمان إعادة تأويل التعاليم الدينية التقليدية على ضوء المفاهيم الفلسفية والعلمية السائدة" (١). يكشف التعريف بثقل المعارف الجديدة على فكر هؤلاء لدرجة أن جعلوها الأصل، ومن ثمّ القيام بتأويل ما يعارضها من الدين، ومع أنه من المتفق عليه أن المعارف تقبل التغيّر وأن الدين في أخباره وأصوله العامة لا يقبل التغير؛ إلا أنهم جعلوا الدين بمثابة المتغير الذي يمكن تعديله ما بين فترة وأخرى. يعطينا هذا التعريف الإطار العام لحقيقة هذا الاتجاه وهو في الوقت نفسه يحيلنا لمشكلته المنهجية، والمتأمل في أفراده لا يجدهم سواء، فمنهم من يبالغ في التأويل ومنهم من يتحفظ ولا يتسرع، ومع ذلك فالإطار العام يحويهم جميعًا، فهم قد جعلوا من صلب مشروعهم إيضاح العلاقة بين الدين والعلم. فسنجد صورة من الغلو تكاد تذهب بالدين كله كما هي الحال مع تجربة الاتجاه (التوفيقي - العصراني) الهندي، بخلاف الحال في الجزء العربي من العالم الإِسلامي، ولاسيّما مع الشيخين "جمال الدين الأفغاني" و"محمَّد عبده"، حيث كانا في هذا الباب بالذات أكثر اعتدالًا مما وقع لأهل التجربة الهندية، إلا أن المتأثرين بالشيخين انقسموا إلى قسمين: فمنهم قسم: حافظ على الاعتدال ولاسيّما من تأثر منهم بكتب شيخ الإِسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-، فمع احترامهم للشيخ محمَّد عبده وتقديرهم لمكانته وجهوده؛ إلا أنهم خالفوه في منهجه وكثير من مواقفه وتطبيقاته، وهم أعلام كثر في مصر والشام والعراق وبلاد المغرب وغيرها، ومن هذه الطائفة من حافظ على الصلة بالمنهج (الصوفي/ الأشعري) وظلّ وفيًا لمنهج الشيخ محمَّد عبده وهم مجموعة من فضلاء الأزهر. أما القسم الثاني: فهم الذين جرفتهم تيارات التغريب والعلمنة إلى صفوفها، وصرفتهم إلى قضاياها، ووجهت جهدهم ونشاطهم في خدمة أهدافها،

стр. 762

وإن كانوا في أنفسهم ربما يرفضون هذا الانتساب، ولكن الحكم هو بأعمالهم، وهي أعمال تصب في خانة التغريب والعلمنة. سأذكر بعض النماذج التي تُبين لنا حقيقة موقف هذا الاتجاه من العلوم الحديثة، أبدؤه بالنموذج "الهندي"، ثم أنتقل منه إلى النموذج "العربي" الأشهر والأبرز مع "جمال الدين الأفغاني" و"محمَّد عبده". أما المتأثرون بهذه المدرسة فهم كثر، وقد غطتهم كثير من الدراسات، فلعل الاكتفاء بالأصل فيه غُنية عن الفرع. وإن تساءل متسائل: لماذا لم نطل الحديث هنا كما فعلنا مع السلفي أو نختصر هناك كما فعلنا هنا؟ فجوابه: أن الاتجاه السلفي كان مقصيًا من أغلب الدراسات المعاصرة مُحَاربًا من تيارات فكرية، غُمط حقه وموقفه وظلم كثيرًا وبُهت أحيانًا، فأردت كشف شيء من الحقيقة بخلاف الاتجاه "العصراني - التوفيقي" فقد حظي بدراسات كثيرة. ثانيًا: ظهور الاتجاه العصراني وحقيقة منهجه: يصعب البحث عن أسباب ظهور الاتجاه العصراني -التوفيقي- الذي ضعف أمام الحضارة الغربية في الجزء العلمي والفكري منها على وجه الخصوص، وتجرأ -بدرجات متفاوتة- على النصوص والأصول فأوّلها لصالح هذا الوافد العلمي والفكري، لكن يمكن الوقوف على بعض المعالم المهمة في الموضوع. لقد كشف الفصل الثالث والرابع أن قرار الاستفادة من الحضارة الغربية كان سياسيًا في المقام الأول ولم يكن من قبل العلماء والمفكرين، ولم يكن لهم دور واضح في الموضوع. وقد رأينا تأخر الأزهر -وهو أهم مركز علمي إسلامي، مع بقية المراكز العلمية الإِسلامية- في إخراج موقف واقعي وعملي يمثل شخصية الأزهر، وأثر تأخره في تباين المواقف العلمية، ثم سيطرة الموقف المحافظ الجاهل بحقيقة الحضارة الغربية والرافض لها تبعًا لذلك، ومع أن شيخ الأزهر "حسن العطار" هو من شفع لـ"رفاعة الطهطاوي" أحد خريجي الأزهر لمرافقة أولى رحلات الابتعاث للغرب؛ فإن عمله كان عملًا فرديًا لا علاقة له بواقع الأزهر، والطهطاوي كانت رحلته لرعاية المبتعثين. كانت حالة الضعف مخيمة على العالم الإِسلامي، وكان الجهل بطبيعة الغرب وخطورته وقوته المادية بالدرجة نفسها؛ مما يجعل الذهاب إلى هناك في

стр. 763

حكم المغامرة، ولكن الأهواء السياسية وحب السلطة والقوة دفعت ببعض الولاة -في الغالب- إلى إرسال هؤلاء الشباب دون تهيئة حقيقية لهم، أو تهيئة حقيقية للمجتمع الذي سيعودون إليه، وعندما عادوا وجدوا صعوبة في إدخال ما حصّلوه من علوم إلى بنية التعليم في المجتمع الإِسلامي، ووجدَ التيار المحافظ في بعض أخطاء المبتعثين وضعف الشخصيات المبتعثة فرصة لشجب هذه العلوم المنقولة. ولكن السلطة فرضت معاهد جديدة وسمحت آنذاك بوجود غربي خطير عبر الصحافة والمدارس والإرساليات والمحافل الماسونية وغيرها؛ مما نتج عنه انتشار لعدد من المعارف والأفكار داخل المدن الإِسلامية الكبرى ولاسيّما: إستانبول والقاهرة. وقد استقبلها جيل من الشباب المثقف وتأثر بها وأعجب بها، وأصيبوا بهزيمة نفسية أمام الوافد الغربي، وأصبحت الحال مخيفةً آنذاك. تفرض هذه الحالة الجديدة أشكالًا مختلفة من المواقف: ظهر الموقف المحافظ الخائف الذي رأى الحل في إقفال باب الشر، ولم يستوعب أن ما يعرضه يزيد المشكلة. بينما الموقف السلفي كان غريبًا في بيئات المدن الكبرى -حيث كان السائد فيها مذهب (صوفي / كلامي). فلم يظهر له موقف من هذه الأحداث، وتأخر حتى تعرف عليها وأخرج موقفه الذي عرضنا بعض ملامحه في البحث السابق القائم على إيجاب إعداد القوة ولو بطلب علومها من أعدائنا مع رفض ما يتعارض مع النص والأصل، والاجتهاد في تأصيل هذه العلوم داخل البيئة الإِسلامية. لكن الذين اصطلوا بالصدمة الأولى من دخول أجزاء من مكونات الفكر الغربي إلى العالم الإِسلامي كان لهم موقف آخر هو الموقف (التوفيقي / التأويلي)، والفرضية التي أسوقها في هذا الإطار: أن ميل أصحاب هذا الموقف إلى (التوفيق / التأويل) له صلة بطبيعة انتمائهم إلى تيار (صوفي / كلامي) كان الرأي السائد عند أغلب شخصياته: "تقديم العقل على النقل وإعمال منهج التأويل عند حدوث التعارض أو التفويض"، وهم ينتمون إلى البيئة نفسها التي خرج منها التيار المحافظ الرافض، ولكن التيار المحافظ لم ينتبه إلى أن العقل الغربي الحديث هو من نوع العقل الذي يقدمونه على النقل في المنظور الكلامي التراثي، أو هو نفس المفهوم. وعندما جاء الجيل المثقف منهم وجد أن المبررات الموجودة عند قدماء المتكلمين هي نفسها تتكرر اليوم مع العقل الغربي الحديث. ومن هنا جاء تسامحهم مع التأويل، بل ربما يجدون في الحجج

стр. 764

العقلية والعلمية الحديثة ما هو أكثر تطورًا واكتمالًا مما عُرف عند الماضين؛ لذا يكون أهل العصر أولى بالتأويل من القدامى. وعندما يكون العالِم منهم أقرب للمتكلمين؛ تجده أكثر تساهلًا في باب التأويل مثل الشيخ محمَّد عبده، فمع أنه على طريقة صوفية أول حياته وعلى المنهج الأشعري من جهة المعتقد؛ إلا أنه بعد احتكاكه بالأفغاني مال إلى التصوف العقلي وتأثر بالفلسفة والاعتزال فضلًا عن مذهبه القديم، فمال إلى التأويل. أما إذا كان العالم منهم أقرب للمتصوفة، فتجده أكثر احتياطًا في باب "التأويل" وأقرب إلى "التفويض" وتعظيم النص، كما هو واضح مثلًا مع الشيخ حسين الجسر، فهو شيخ الطريقة الرفاعية مع ما اشتهر عنها من هرطقات يظهر -بحسب كلام تلميذه محمَّد رشيد رضا- أنه ينفر منها ولكنه لا يستطيع المجاهرة بمعارضتها، فقد لاحظت أن هذا الشيخ يحرص على "التفويض" في الأمور التي يشعر بأنها تتعارض مع أصل ديني أو نص شرعي، وإذا انصرف إلى التأويل فمع كراهة واحتراز وتحوط واضح. لم يكن علماء هذا الموقف على صلة ومعرفة بـ" الاتجاه السلفي"، وكان زمنهم زمن التشويه للاتجاه السلفي، حيث كانت آلية التعصب قد دفعت بأصحابها إلى اختلاق الأكاذيب حول هذا الاتجاه والقيام بحملة إعلامية خطيرة، شاركت فيها قوى سياسية آنذاك، لدرجة أن كتب ابن تيمية يحذر منها ويمنع من قراءتها ويتهم من عرف عنه الاهتمام بها، ولا يصل إليها بعضهم إلا عن طريق الاحتيال. فانصرف أعلام هذا الموقف إلى المنهج (التوفيقي/ التأويلي) لكونه معروفًا في بيئتهم الدينية والعلمية، ووجدوا فيه حلًا للمعضلة التي أغرقت الشباب المثقف في بيئاتهم آنذاك. لقد ظهر هذا التيار ليواجه مشكلة حقيقية عصفت ببيئتهم، ومن طبيعة المشاكل أنها توقع الحيرة حتى عند الحكماء فيطرحون حلولًا ناقصة أو ضعيفة، فكيف وأصحاب هذا التيار ينتمون لإرث ديني وثقافي معقد (صوفي / كلامي)، فيكون نظرهم آنيًا مرتبطًا بالمشكلة القائمة ورفعها. ولا أشك بأنهم كانوا في ظرف صعب، وأنهم مجتهدون في حلّ المشكلة ويرغبون في إنقاذ الأمة، ولكن صورة الحل لم تكن صائبة رغم جاذبيتها آنذاك ودورها في تخفيف المشكلة. فالذي يظهر أنهم عرضوا موقفهم كإنقاذ للمجتمع، ومحاولة لاسترداد تلك النخب من تغربها وتفلتها من الدين، وكان المجتمع هو همها لدرجة أننا لا نجد علاقة

стр. 765

بين هؤلاء العلماء وبين المختصين في تدريس العلوم الحديثة، علاقة تفرز موقفًا موحدًا ينهض بالأمة، بل كان مدرس الجغرافيا والفلك يُدرّس النظرية الجديدة في الفلك ويقوم بنفسه بعمل التأويل والتقريب بين النصوص الشرعية وبين ما يُدرّسه دون أن تظهر صلة بأعلام التيار التوفيقي. ولم أستطع من خلال ما وصلت إليه من مراجع إيجاد صلة عملية حقيقية بينهم، حتى النقاش العلمي بين المواقف لم أجد شيئًا يثبت مثل ذلك رغم أهميته، إلا ما يدور في صحافة ذاك العصر، ولكنه لم يكن حوارًا بين المتخصصين في العلوم الحديثة وبين علماء الشريعة. وإن لم تظهر العلاقة بين علماء الشريعة والباحثين في العلوم العصرية؛ فقد كانت العلاقة بين هؤلاء العلماء والمجتمع قوية، ولاسيّما النخبة المثقفة التي تأثرت بالصحافة والتعليم والمراكز الثقافية وبالاطلاع الفردي فضلًا عما يضغط به أتباع الطوائف الغربية المنتشرة في مدن العالم الإِسلامي آنذاك، وبسبب ذلك يكون التأويل عملًا يراعي ثقافة المجتمع وحدود معرفته ولكنه لا يراعي المعارف العلمية وعلماءها. فكان عملهم التأويلي أشبه بالمُسكّن الذي أوقف إلى حدٍ ما زحف التغريب والتفلّت الديني، ولكنه لم يكن من الجهة العلمية مقنعًا لمن عندهم اطلاع على المعارف الحديثة. وقد كان من آثار ذلك أن ذهب أثر المُسكّن مع اكتشاف معارضات جديدة نقضت القديمة، وفي الوقت نفسه وجد أصحاب المعارف الحديثة أن عملية التأويل هي أشبه بالاحتيال على النص الشرعي أو الأصل الديني، فلماذا لا يُوسع هذا الاحتيال؟ ومن هنا حوّل أتباع هذا التيار هذا الدين المؤول إلى دين مبدل، حيث انفلت أتباع التيار إلى دعوات علمانية صريحة بعيدة عن الدين حتى بصورته المؤولة، وقد كانت هذه من أخطر ثغرات هذا المنهج العصراني. ثالثًا: النموذج الهندي العصراني: لقد رأينا في الفصل الثالث أن تجربة المسلمين في الهند كانت تجربة مهمة حول العلاقة بالحضارة الغربية وما ارتبط بها من علوم حديثة ذات أثر في تقدمهم وقوتهم، ومن أسباب أهميتها أنها سبقت تاريخيًا بلاد المسلمين الأخرى لاسيما على مستوى المجتمع وبعيدًا عن السلطة والحكومات. كان من بين أشهر ما ظهر هناك مدرسة "سيد أحمد خان"، تلك المدرسة

стр. 766

التي أُعجب شيخها بالحضارة الغربية، وتصادق مع الإِنجليز، وتحول إلى داعية لتلك الحضارة ومبشرًا بها، دون أن يُظهر قدرته على الاختيار المستقل والنقد. فقد أخذ بالحل الأسهل وهو قبولها بحذافيرها مع الابتداء بالجانب الفكري والأدبي فيها، الذي هو الأكثر إشكالًا حتى في بيئتها الغربية. واختيار الحلّ الأسهل ليس بطريق الأقوياء الواثقين من هويتهم، والقادرين على التفاعل الإيجابي -لا السلبي- مع غيرهم، وهو خطأ التيار "الديوبندي" نفسه في اختياره للحل الأسهل القائم على الرفض العام للحضارة الغربية. فهو ليس بطريق الأقوياء بل أقرب إلى طريق المستهترين بهويتهم أو الخائفين، وما كان هذا الأصل في الأمة الإِسلامية في أثناء مواجهتها للتحديات. بدأت معالم الضعف تتكون في مدرسة "سيد أحمد خان" لتنتشر بعده إلى أغلب بلاد المسلمين، وسنرى فيما بعد أن الشيخ محمَّد عبده يُشبّه في مواقفه -مع كونه أعقل- بسيد خان الهندي، مما يدل على أن طريقته تعممت على مستوى العالم الإِسلامي، فهي وإن جرّأت أتباعها على اقتحام الحضارة الغربية؛ فإنها أعطتهم السلاح الضعيف، منحتهم ما يساعدهم على الدخول دون أن تعطيهم ما يحميهم في الوقت نفسه من الآثار الجانبية لهذا الدخول. الطبيعة والتأويل: يُعد "سيد أحمد خان" بين أتباعه من علماء الشريعة، ولذا كان موقفه يمثل عندهم موقف عالم الشريعة المجتهد، ويختلف بهذا عن التغريبي العلماني الذي لا صلة له بعلوم الشريعة، فيُعدّ موقف "سيد أحمد خان" موقفًا دينيًا في المقام الأول؛ ولذا يُحسب على الاتجاهات الدينية. عاش الشيخ في بيئة تغلي بالصراع بين العلم الموروث والعلم الوافد، وكان العلم الوافد قد اشتهر عبر المدارس التبشيرية والمعاهد الإِنجليزية والشخصيات الفكرية الغربية الموجودة في الهند، في فترة كانت طبيعيات "نيوتن" وتطورية ومادية "داروين" هي البارزة في الفكر الإِنجليزي وانتشرت في الأجواء الهندية لاسيما مع المتحمسين للحضارة الغربية عبر ممثليها الإِنجليز. لقد كانت الحضارة الغربية بحسب صورتها في القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بما في ذلك العلوم الحديثة هي قِبلة "سيد أحمد خان"، وكانت ملامسته لها

стр. 767

ملامسة المثقف، يعرف الأفكار الأساسية فيها دون التفاصيل، وقد انطبع عنده عنها انطباعٌ حسن فتقدمت على غيرها لدرجة أنها تقدمت على الدين ذاته. الملفت في النموذج العصراني الهندي المنبهر بالحضارة الغربية هو الحضور الطاغي للحضارة المادية وضعف عنايته بالدين لدرجة سهولة إهماله وتقديم الفكر الغربي عليه، وكأن الدين هو العائق عن التقدم أو أن الانطلاق للتقدم لا يكون منه وإنما من غيره. قد لا يصرحون بذلك، ولكنه حال موقفهم للمتأمل فيه، والدليل على ذلك أن الحضارة الغربية بما في ذلك ما عرفته من علوم جديدة قد أصبحت مقياسًا لما يُقبل من الدين وما يردّ، إما بالتحايل عن طريق التأويل أو برده مباشرة دون البحث عن مخارج تأويلية. وهو يختلف عن موقف الواثق بدينه، المؤمن بأنه من عند الله سبحانه، وأنه لا يأتيه الباطل، فإنه يجعل دينه مقياسًا لكل شيء، ولا يستعجل في عمليات التأويل والتوفيق إلا بعد تأكده بأنه قد فهم أصله الديني حق الفهم وفهم في المقابل حدود المعارض له في الظاهر، عند ذلك تُدرس الحلول المقترحة لمعالجة التعارض المتوهم. أما ما نجده عندهم من امتهان الدين بهذه الصورة بحيث كل ما وجدناه في الغرب يتعارض مع الدين؛ نُعمل فيه مقص التأويل، فما هذه بحال الأمة العاقلة المعتزة بدينها وهويتها. لقد قفزت مفاهيم مرتبطة بالأفكار والعلوم الجديدة إلى منهجية "خان"، وأهمها مفهوم "الطبيعة" السائد في الفكر الفلسفي والعلمي الغربي العلماني والمادي، وأصبحت هذه الطبيعة هي نظارته للأشياء بما في ذلك نصوص الوحي، وكان التأويل هو الأداة المستعملة لتطويع النصوص لتلك الطبيعة، ويتوسع التأويل مع القوم إلى درجات الغلو بما يُشبه شطحات المتصوفة وتأويلات الباطنية، وربما كان لطبيعة انتشار تلك المناهج في بلاد الشرق الإِسلامي أثرها في اتساع شطحات القوم. يقول "أبو الحسن الندوي" عن "أحمد خان" بأنه تزعم اتجاهًا "على أساس تقليد الحضارة الغربية وأسسها المادية واقتباس العلوم العصرية بحذافيرها وعلى علاتها، وتفسير الإِسلام والقرآن تفسيرًا يطابقان به ما وصلت إليه المدنية والمعلومات الحديثة في آخر القرن التاسع عشر المسيحي، ويطابقان هوى الغربيين وآراءهم وأذواقهم، والاستهانة بما لا يثبته الحس والتجربة، ولا تقرره

стр. 768

علوم الطبيعة في بادئ النظر، من الحقائق الغيبية، وأمور ما بعد الطبيعة" (١)؛ أي: أن الدعوة لتقليد الغرب مكونة من مكونات مشروعة دون مراعاة لأبسط شروط الهوية الإِسلامية، حتى ولو كان الأمر يوصل لإعادة النظر في القرآن والإِسلام، يريد كما يقال قصقصته ليتلاءم مع تلك الحضارة. والأخطر من ذلك أثر هذه الحضارة عليه في الاستهانة بغير المحسوس من أمور الغيب وإعادة النظر فيها أيضًا بمقياس تلك الحضارة في صورتها المعهودة في القرن الثالث عشر / التاسع عشر الميلادي. ولتحقيق هذا المشروع قام بتفسير القرآن الكريم، ولنا أن نتخيل مراده من التفسير وهو بهذه النفسية ويحمل هذه المنهجية -النفسية المنهارة أمام ثقافة هي تتشكل وتتغير وتتطور، والمنهجية التأويلية المستسهلة لحرمة كل نص يقابل تلك الحضارة، ولنا أن نتخيل حجم الأخطاء التي سيقع فيها وسيوقع من اتبعه فيها، لقد أراد لمشروعه أن ينطلق من القرآن من خلال تفسيره تفسيرًا جديدًا يستجيب لتلك الحضارة المطلوبة، أراد "من ورائه أن يثبت أن حقائق الإِسلام وتعاليمه لا تتعارض مطلقًا مع قوانين الطبيعة؛ لأن القرآن "كلمة الله" وقوانين الطبيعة هي "فعل الله" ولا يتعارض كلامه مع فعله" (٢). ولا شك أنه سبحانه العليم الحكيم لا يقع التعارض بين كلامه وفعله سبحانه، ولكن الشر كما يقال يكمن أحيانًا في التفاصيل، فإن هذه القاعدة خلفها ما خلفها، مما يؤثر في استقرار القاعدة، ويأتي الإشكال من جهة رأيه في كلام الله سبحانه وكذا تصوره حول قوانين الطبيعة: أما رأيه في كلام الله سبحانه فيقول "أحمد أمين" عن "خان": "وأخذ يفسر القرآن، ويدعو إلى أن القرآن -إذا فهم فهمًا صحيحًا- اتفق مع العقل، وأن النظر الصحيح فيه يوجب الاعتماد على روحه أكثر من الاعتماد على حرفيته، وأنه يجب أن يفسر على ضوء العقل والضمير. وتطرّف أكثر من ذلك، فقال: إن الوحي كان بالمعنى دون اللفظ" (٣). فإن مثل هذا الاعتقاد -المتطرف- قد يشجع

стр. 769

صاحبه على استسهال تأويل الآيات بحجة أن اللفظ من كلام جبريل ﵇ أو من كلام الرسول ﷺ . مع أنه حتى على افتراض صحة هذا التطرف جدلًا بأنه من وضع الملك أو النبي فإنهم أعلم بمراد الله سبحانه ولا يتصور منهما وضع لفظ يخالف المعنى؛ لأنه حتى على هذا التصور لا يجوز التساهل في تأويل الآيات. وما يعنينا أن سلامة التصور حول الوحي له أثره في التعامل مع كتاب الله سبحانه، وأن دخول هذه البدعة حول القرآن تؤثر في تصور أصحابها عن حقائق القرآن. وأما فهمه عن الطبيعة فقد فهمها بحسب التصور العلماني اللاديني السائد في الفكر الفلسفي والعلمي في أوروبا القرن الثالث عشر/ التاسع عشر، عصر انتفاش المذاهب المادية والوضعية العلمانية، ومثل هؤلاء كان تصورهم للطبيعة تصورًا مغايرًا لأهل الدين، فقد تألهت عند بعضهم ووُظفت في إعطاء الحجج ضد الدين والغيب، فأخذها بهذه الروح مع غياب الوعي النقدي بمثل هذا المجال، فأخذها بنفس "المعنى الذي استعمله علماء أوروبا في القرن التاسع عشر للميلاد، نظام كوني مغلق يخضع لقوانين عمياء ليس فيها أيّ مجال للخرق أو الاستثناء" (١)، وليس في القرآن -بحسب كلامه- ما يخالف هذه الطبيعة المتصورة المنقولة عن أوروبا ومفكريها في القرن التاسع عشر (٢). كان افتتان أحمد خان بالحضارة الغربية كبيرًا، ودعوته لأخذ علومها وفكرها لا يحدّه حدّ، ولكن آثار انزلاقه فيما ينفع ويضرّ دون تفريق، جعله ينظر أيضًا للوجود والدين والغيب والكون والحياة من خلال المنظور الحضاري الغربي العلماني، أصبحت الطبيعة مثلًا هي جوهر الوجود، ولأجلها قام بعملية تأويل واسعة لا تختلف كثيرًا عن مواقف الباطنية القديمة. ومن باب التمثيل على تضخم مفهوم الطبيعة عنده واتساع دائرة التأويل معه، نجده ينكر "المعجزات" لما يجده فيها من تغيير لقوانين الطبيعة، فيجعل بعضها رؤيا منام للأنبياء لتتماشى مع قوانين الطبيعة مثل قصة إبراهيم ﵇ مع

стр. 770

الطيور الأربعة، ويبحث لأخرى عن تأويلات مثل قصة انفلاق البحر لموسى ﵇ في قوله -تعالى-: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾ [الشعراء: ٦٣] أن معنى ذلك: المشي والذهاب كما نقول: ضرب في الأرض إلى غير ذلك (١). وفي مقابل الإنكار، وبسبب النظريات العلمية الجديدة نجده لا يمانع من تصير خلق آدم ﵇ وفق نظرية "داروين"، فمن خلال التفاعل الكيميائي تولدت خلية حية من الممكن أن تكون هي الأصل لكل الكائنات الحية، وآدم في القرآن هو رمز للإنسانية جمعاء، ولا حقيقة للمحاورة بينه وبين الرب سبحانه كما وردت في القرآن، وإنما عبر عنها بشكل قصصي أدبي ليقرب فهمه للناس (٢). فهذا النموذج من الهند السباق إلى العصرنة على حساب الدين، والمتطرف في إنكار كل نص يخالف أصول الحضارة الغربية أو تأويله تأويلًا متطرفًا لا يستسيغه العاقل، وأصبح المقدم هو الوافد لا الموروث، يمكن تغيير كل شىِء في الدين أما الوافد الغربي فلا يُمسّ بسوء. وقد كان لهذا المنهج خطورته على أتباعه، كما أنه كان سببًا في نفور بقية المسلمين من الحضارة الغربية لما شاهدوا من آثارها على هؤلاء لدرجة تضحيتهم بعقيدتهم مقابل سلامة المنقول من الغرب، فإنهم توقعوا أن كل ما عند الغرب مصبه إلى الكفر والإلحاد وتحريف الدين وإنكار أصوله وعقائده وشرائعه، بينما لو اكتفى هؤلاء بالنافع مما في الغرب وأصّلوا التفاعل الحضاري لأمة معتزة بدينها مع الغرب وحضارته لكان الصراع داخل المسلمين في الموقف من الغرب أخف. رابعًا: النموذج العربي العصراني: اشتهر القرن الثالث عشر/ التاسع عشر بأنه قرن التحديث، وبسبب انصراف التحديث إلى أبواب غير مفيدة فقد تسرب معه بذور التغريب. وبما أن النشاط كان مخصصًا للتحديث فالأصل عدم وجود تصادم داخل المجتمع؛ لأن التحديث

стр. 771

هو مطلب عام لكل التيارات، بخلاف التغريب فهو الشر الذي يهرب منه العقلاء. تمثل نموذج التحديث السياسي الأبرز في: محمَّد علي والي مصر، وباي تونس. وتمثل النموذج الفكري مع الطهطاوي في مصر، وخير الدين في تونس، وكانت العلاقة بين السياسي والمفكر علاقة تعاونية سلبية، المفكر موظف في التحديث وليس شريكًا حقيقيًا، مع أن قادة الأمة هم الأمراء والعلماء، وعندما يقع اختلال في دورهما والعلاقة بينهما يقع الضرر. ومن الطبيعي أن لا يقع رفض من قبل الطهطاوي والتونسي للثقافة الغربية أو اعتراض عليها، فهما ممن يتحمل عبء نقلها إلى العالم الإِسلامي، فكيف ينقدون ما يحاولون فهمه في وقت قصير ثم نقله؟؛ ولذا كانت حاستهما النقدية ضعيفة بخلاف جهودهما في النقل فقد كانت قوية ونشيطة. ولكن جهود النقل التحديثي تنوعت مشاربها وأهدافها وغاياتها، مما جعل نهاية القرن الثالث عشر في غاية الفوضى الفكرية أخطرها ما له علاقة بالدين، ومن ذلك ما تسبب به نشاط التحديث من توتر في العلاقة بين الدين والعلم الحديث؛ أي: أن نشاط التحديث حرص على نقل العلم الحديث، ولكنه لم ينتبه للعلاقة بينه وبين الدين، كان مشروع التحديث يتوقع أن العلم موضوعي محايد، وحقائق لا جدال حولها، ولكن الذي ظهر بعد ذلك أنه نشاط بشري يعتريه ما يعتري أنشطة البشر. أصبح الواقع ملتبسًا: فهناك تيار يرى السلامة في رفض كل شيء جديد، وتيار قوى ومتقدم يرى التحديث مرتبط بالتغريب، وكان الواقع ينتظر وجود اتجاه ثالث يعالج المشكلة. فظهر في الساحة المصرية رجل مؤثر غاية التأثير وهو الشيخ "جمال الدين الأفغاني"، فلم يرفض كل ما جاء من الغرب، وهاجم بشدة الموقف التغريبي، وتوقف مع المشكلة المهمة وهي مشكلة العلاقة بين الدين والعلم، وقد عرض "على المحافظة" المبادئ التي يقوم عليها تجديده الديني: بأن قوتنا لن تكون إلا بالدين، وبدعوته إلى فتح باب الاجتهاد وتحرير الفكر الديني من قيود التقليد، لنصل إلى التوفيق بين العلم والإيمان فهو "يعتقد أن لا خلاف بين ما جاء في القرآن والحقائق العلمية، أما إذا برز خلاف ما، فذلك دلالة على عجز في تفسير الآيات القرآنية. ويقترح حلّ هذا الإشكال باعتماد التأويل. يقول في هذا الصدد: "إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق، فإن كان

стр. 772

ظاهره المخالفة وجب تأويله، وقد عم الجهل وتفشى الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء، حتى اتهم القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة، والقرآن بريء مما يقولون. والقرآن يجب أن يجل عن مخالفة العلم الحقيقي خصوصًا في الكليات" (١)، ثم ذكر مثالًا لذلك يتعلق بنظرية الفلك الحديثة، فقد "أثبت العلم كروية الأرض ودورانها، وثبات الشمس دائرة على محورها، فهذه الحقيقة مع ما يشابهها من الحقائق العلمية لابد أن تتوافق مع القرآن -والقرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقي، خصوصًا في الكليات. فإذا لم نر في القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل. . . ." (٢). يبرز في موقف "جمال الدين" إصراره على رفض دعوى مخالفة الدين للحقائق العلمية أو دعوى مخالفة القرآن لها، القرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقي، فإن وقع تعارض فإما أنه من جهل وجمود بعض العلماء أو أن التعارض ظاهري في الجزئيات، وهنا نرجع إلى التأويل، فالتعارض ممنوع، ولاسيّما في الكليات، وإن وقع فالحل هو في التأويل. ولكن بسبب انشغال الأفغاني بالهمّ السياسي وانصرافه إلى ميدان العمل الميداني، فقد خفف من نشاطه الفكري والعلمي، بخلاف تلميذه البارز الشيخ "محمَّد عبده" الذي انصرف بعد انفصاله عن شيخه إلى الفكر والعلم وترك العمل الميداني. ولكن قبل الذهاب للشيخ محمَّد نتوقف مع أمرين مهمين للأفغاني حول مسألة العلوم العصرية: لقد حُفظ للأفغاني مواقف في العلاقة بين الدين والعلم أهمها اثنان: ردّه على "رينان" ورده على "النشتيرين"، أما الأول، فقد ألقى "رينان" محاضرة بعنوان "الإِسلام والعلم" ألقاها في السربون، في وقتٍ كان طلاب الابتعاث من العالم الإِسلامي يكثرون في فرنسا، وكان من قضايا المحاضرة "أن الإِسلام لا

стр. 773

يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد للغيبيات وخوارق العادات والإيمان التام بالقضاء والقدر. . . ." (١). وقد شعر الطلاب المسلمون في فرنسا بالمشكلة، وتأثروا عندما جاء النقد من شخص مشهور مثل رينان، كما أن حماستهم لدينهم وثقافتهم لم يمحها إلى الآن الانبهار بالغرب، وفي ذلك يقول أحدهم: "لما كان الذب عن الدين فرضًا على الإنسان، وحب الوطن من الإيمان، اجتمع جمع غفير من طلبة العلم المصريين المقيمين بفرنسا، وكلفوا أخاهم العبد الفقير "حسن عاصم" بتعريب الخطبة التي ألقاها رينان. . . . طعنًا في دين الإِسلام والأمة العربية، وبتعريب ما كتبه الفيلسوف الكبير صاحب الفكر الصائب المسيو مسمر. . . . والغرض أن نقف على الطعن والرد، كلَّ من كان على دين الإِسلام أو من الأمة العربية، حتى يمكنهم تفنيد كلام المسيو رينان، فيفعلوا إظهارًا للحق" (٢). وقد جاء في رد الأفغاني: "إن المحاضرة تشتمل على نقطتين أساسيتين: (١) أن الديانة الإِسلامية كانت -بما لها من نشأة خاصة- تناهض العلم؛ (٢) أن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة ولا للفلسفة" (٣). ورغم شهرة الرد والنقاش مع "رينان"، وما أثاره من آراء متعارضة داخل العالم الإِسلامي، فإنه قد لا يكون بالقوة المأمولة، ولاسيّما من رجل أميل إلى النشاط السياسي مقابل رجل ميدانه الفكر والفلسفة طول حياته. ولكن الحوار زعزع من مكانة قضية كان يراد ترسيخها آنذاك، وبدأت تؤثر في طائفة وتزعج طائفة، وهي أن الإِسلام ضد العلم والعقلانية والتفكير، ولذا كان موقف جمال الدين هنا موقف المدافع، بخلاف موقفه من النيشتيرين فقد كان مهاجمًا لهم، فاعتبر هذا الموقف جديدًا على الساحة الإِسلامية؛ أي: أن يوجد من يرد على الغربيين بمنطق فكري مؤثر يخفف على الأقل من تأثّر الشباب المسلم المثقف بالفكر الغربي. ولكنه في دفاعه أبرز منهجية "التأويل"، وهذا ما لاحظه أحد المتأملين في تلك الحادثة حيث قال: "إن الأفغاني كان يرى أن المعاني الباطنة في القرآن

стр. 774

متعددة، ومن ثم يجب إعادة تأويله إذا تصادم مع العقل أو العلم، وهذه نفسها هي وجهة نظر ابن رشد، لكن الأفغاني توسع في ذلك حتى يفتح الباب للعلم الحديث، مؤكدًا على الحتمية المتجددة للاجتهاد في فهم الدين" (١). أما الحدث الثاني فهو رده على "الدهريين" وعنوانه "رسالة في إبطال مذهب الدهريين، وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس المدنية، والكفر فساد العمران"، والمهم في هذه الرسالة أن الرد يرتبط بتيار له علاقة بالمذاهب العلمية ونظرياتها، حيث يرتبط بالمذهب الداروني صاحب نظرية النشوء والارتقاء، فيكون عمله من أوائل الأعمال الفكرية التي تواجه مثل تلك المذاهب المرتبطة بالعلم ونظرياته ومذاهبه. كما أنها تكشف عن خطورة الوضع، ولاسيّما عندما تنتشر مثل هذه الأفكار في بيئات ضعيفة فيها الجهل والضعف، فقد انتشر المذهب داخل الهند -والمقصود هنا الهند الكبرى قبل قسمتها- فجاءه سؤال من "محمَّد واصل" مدرس الفنون الرياضية بحيدرآباد: "يقرع سمعنا في هذه الأيام صوت "نيتشر" ويصل إلينا من جميع الأقطار الهندية، ولا تخلو بلدة من جماعة يلقبون بهذا اللقب "نيتشري" فما حقيقة النيتشرية. . . ." (٢)، ومع ارتباط المذهب بشخصية علمية إلا أنه لم يرد على مذهب دارون في جانبه العلمي وإنما أثبت خطورة الإلحاد وحاجة الناس للدين في رده على من تأثر بمذهبه (٣). صحيح أن "الأفغاني" لم يؤسس منهجًا لحركة فكرية واضحة، وكما سبق فقد كان رجل حركة وعمل، ومثْلُ هذا الصنف من البارزين لا يمكنهم المكوث لكتابةٍ فكرية وصياغة منهجية، ولكن وجوده في مصر إحدى أهم حاضرات العالم الإِسلامي في القرن الثالث عشر قد تسبب في إيجاد حركة فكرية أهم شخصياتها الشيخ "محمَّد عبده"، الذي صاغ منهجًا واضح المعالم يطبع هذا التيار الجديد بطابعه، ومن ذلك الموقف من العلم الحديث، وهو ما أحاول الآن رصده ومعرفته والنظر في إيجابياته وسلبياته.

стр. 775

إذا اكتفينا بالإنتاج المكتوب للشيخ محمَّد عبده فنجد أشهر كتبه هي التي لها علاقة بالصراع الفكري الدائر، فمؤلفاته المهمة كانت في هذا الميدان ولاسيّما العلاقة بين الدين والعلم، وقد سبق كلام الشيخ في مطلع البحث، واعترافه أن صلب مشروعه يقوم على التحرر من التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة ضمن موازين العقل، ويكون على هذا الوجه صديقًا للعلم، ويهمنا المنهج الذي يقرره. نجد هذا المنهج مثلًا في رد الشيخ "محمَّد عبده" على "هانوتو" وزير خارجية فرنسا، وكذا في رده على "فرح أنطون" صاحب مجلة "الجامعة"، وهما يستعيدان فيما يظهر نفس إشكالية "رينان" حول موقف الإِسلام من العلم، فأخرج "الرد على هانوتو" و"الإِسلام والنصرانية بين العلم والمدنية" (١)، فكانت أعماله البارزة هي تلك التي ترد على المتغربين ومن خلفهم من الغربيين، وهي مما أكسبه مكانة داخل البيئة الإِسلامية، إذ تصدى للمشكلات الساخنة في زمنه، ولم يتهرب عن مواجهتها ولاسيّما بعد أن أغرقت الجيل المثقف آنذاك. وبقدر ما يُشكر وأمثاله على هذا الموقف بقدر ما يجب علينا الحذر من مزالق "مناهج الردود" لما تتصف به من ظرفية زمانية لا يصح جعلها منهجًا ثابتًا، فضلًا عن ضعف ينتاب أي منهج طموحه الرد ولاسيّما إذا بُني على أصول ضعيفة أو خطيرة تحمل في طياتها إمكانية الاستثمار السلبي لها مثل منهجية التأويل. ففي رده -أولًا- على "هانوتو"، ذكر أصولًا للإسلام تبين حقيقته، وأنه يختلف عن تلك الدعاوى التي أثارها هانوتو وأمثاله، ومنها الأصل الأول: "النظر العقلي لتحصيل الإيمان: فأول أساس وضع عليه الإِسلام هو النظر العقلي. . . ."، ثم جاء الأصل الثاني الذي بيّن المنهج كما استقر عند مدرسة محمَّد عبده "تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض: أسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدم قبل أن أنتقل إلى غيره: اتفق أهل الملة الإِسلامية -إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه- على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف
следующие страницы →