← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

هو مطلب عام لكل التيارات، بخلاف التغريب فهو الشر الذي يهرب منه العقلاء. تمثل نموذج التحديث السياسي الأبرز في: محمَّد علي والي مصر، وباي تونس. وتمثل النموذج الفكري مع الطهطاوي في مصر، وخير الدين في تونس، وكانت العلاقة بين السياسي والمفكر علاقة تعاونية سلبية، المفكر موظف في التحديث وليس شريكًا حقيقيًا، مع أن قادة الأمة هم الأمراء والعلماء، وعندما يقع اختلال في دورهما والعلاقة بينهما يقع الضرر. ومن الطبيعي أن لا يقع رفض من قبل الطهطاوي والتونسي للثقافة الغربية أو اعتراض عليها، فهما ممن يتحمل عبء نقلها إلى العالم الإِسلامي، فكيف ينقدون ما يحاولون فهمه في وقت قصير ثم نقله؟؛ ولذا كانت حاستهما النقدية ضعيفة بخلاف جهودهما في النقل فقد كانت قوية ونشيطة. ولكن جهود النقل التحديثي تنوعت مشاربها وأهدافها وغاياتها، مما جعل نهاية القرن الثالث عشر في غاية الفوضى الفكرية أخطرها ما له علاقة بالدين، ومن ذلك ما تسبب به نشاط التحديث من توتر في العلاقة بين الدين والعلم الحديث؛ أي: أن نشاط التحديث حرص على نقل العلم الحديث، ولكنه لم ينتبه للعلاقة بينه وبين الدين، كان مشروع التحديث يتوقع أن العلم موضوعي محايد، وحقائق لا جدال حولها، ولكن الذي ظهر بعد ذلك أنه نشاط بشري يعتريه ما يعتري أنشطة البشر. أصبح الواقع ملتبسًا: فهناك تيار يرى السلامة في رفض كل شيء جديد، وتيار قوى ومتقدم يرى التحديث مرتبط بالتغريب، وكان الواقع ينتظر وجود اتجاه ثالث يعالج المشكلة. فظهر في الساحة المصرية رجل مؤثر غاية التأثير وهو الشيخ "جمال الدين الأفغاني"، فلم يرفض كل ما جاء من الغرب، وهاجم بشدة الموقف التغريبي، وتوقف مع المشكلة المهمة وهي مشكلة العلاقة بين الدين والعلم، وقد عرض "على المحافظة" المبادئ التي يقوم عليها تجديده الديني: بأن قوتنا لن تكون إلا بالدين، وبدعوته إلى فتح باب الاجتهاد وتحرير الفكر الديني من قيود التقليد، لنصل إلى التوفيق بين العلم والإيمان فهو "يعتقد أن لا خلاف بين ما جاء في القرآن والحقائق العلمية، أما إذا برز خلاف ما، فذلك دلالة على عجز في تفسير الآيات القرآنية. ويقترح حلّ هذا الإشكال باعتماد التأويل. يقول في هذا الصدد: "إن الدين لا يصح أن يخالف الحقائق، فإن كان

стр. 772

ظاهره المخالفة وجب تأويله، وقد عم الجهل وتفشى الجمود في كثير من المتردين برداء العلماء، حتى اتهم القرآن بأنه يخالف الحقائق العلمية الثابتة، والقرآن بريء مما يقولون. والقرآن يجب أن يجل عن مخالفة العلم الحقيقي خصوصًا في الكليات" (١)، ثم ذكر مثالًا لذلك يتعلق بنظرية الفلك الحديثة، فقد "أثبت العلم كروية الأرض ودورانها، وثبات الشمس دائرة على محورها، فهذه الحقيقة مع ما يشابهها من الحقائق العلمية لابد أن تتوافق مع القرآن -والقرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقي، خصوصًا في الكليات. فإذا لم نر في القرآن ما يوافق صريح العلم والكليات اكتفينا بما جاء فيه من الإشارة ورجعنا إلى التأويل. . . ." (٢). يبرز في موقف "جمال الدين" إصراره على رفض دعوى مخالفة الدين للحقائق العلمية أو دعوى مخالفة القرآن لها، القرآن يجب أن يجل عن مخالفته للعلم الحقيقي، فإن وقع تعارض فإما أنه من جهل وجمود بعض العلماء أو أن التعارض ظاهري في الجزئيات، وهنا نرجع إلى التأويل، فالتعارض ممنوع، ولاسيّما في الكليات، وإن وقع فالحل هو في التأويل. ولكن بسبب انشغال الأفغاني بالهمّ السياسي وانصرافه إلى ميدان العمل الميداني، فقد خفف من نشاطه الفكري والعلمي، بخلاف تلميذه البارز الشيخ "محمَّد عبده" الذي انصرف بعد انفصاله عن شيخه إلى الفكر والعلم وترك العمل الميداني. ولكن قبل الذهاب للشيخ محمَّد نتوقف مع أمرين مهمين للأفغاني حول مسألة العلوم العصرية: لقد حُفظ للأفغاني مواقف في العلاقة بين الدين والعلم أهمها اثنان: ردّه على "رينان" ورده على "النشتيرين"، أما الأول، فقد ألقى "رينان" محاضرة بعنوان "الإِسلام والعلم" ألقاها في السربون، في وقتٍ كان طلاب الابتعاث من العالم الإِسلامي يكثرون في فرنسا، وكان من قضايا المحاضرة "أن الإِسلام لا

стр. 773

يشجع على العلم والفلسفة والبحث الحر، بل هو عائق لها، بما فيه من اعتقاد للغيبيات وخوارق العادات والإيمان التام بالقضاء والقدر. . . ." (١). وقد شعر الطلاب المسلمون في فرنسا بالمشكلة، وتأثروا عندما جاء النقد من شخص مشهور مثل رينان، كما أن حماستهم لدينهم وثقافتهم لم يمحها إلى الآن الانبهار بالغرب، وفي ذلك يقول أحدهم: "لما كان الذب عن الدين فرضًا على الإنسان، وحب الوطن من الإيمان، اجتمع جمع غفير من طلبة العلم المصريين المقيمين بفرنسا، وكلفوا أخاهم العبد الفقير "حسن عاصم" بتعريب الخطبة التي ألقاها رينان. . . . طعنًا في دين الإِسلام والأمة العربية، وبتعريب ما كتبه الفيلسوف الكبير صاحب الفكر الصائب المسيو مسمر. . . . والغرض أن نقف على الطعن والرد، كلَّ من كان على دين الإِسلام أو من الأمة العربية، حتى يمكنهم تفنيد كلام المسيو رينان، فيفعلوا إظهارًا للحق" (٢). وقد جاء في رد الأفغاني: "إن المحاضرة تشتمل على نقطتين أساسيتين: (١) أن الديانة الإِسلامية كانت -بما لها من نشأة خاصة- تناهض العلم؛ (٢) أن الأمة العربية غير صالحة بطبيعتها لعلوم ما وراء الطبيعة ولا للفلسفة" (٣). ورغم شهرة الرد والنقاش مع "رينان"، وما أثاره من آراء متعارضة داخل العالم الإِسلامي، فإنه قد لا يكون بالقوة المأمولة، ولاسيّما من رجل أميل إلى النشاط السياسي مقابل رجل ميدانه الفكر والفلسفة طول حياته. ولكن الحوار زعزع من مكانة قضية كان يراد ترسيخها آنذاك، وبدأت تؤثر في طائفة وتزعج طائفة، وهي أن الإِسلام ضد العلم والعقلانية والتفكير، ولذا كان موقف جمال الدين هنا موقف المدافع، بخلاف موقفه من النيشتيرين فقد كان مهاجمًا لهم، فاعتبر هذا الموقف جديدًا على الساحة الإِسلامية؛ أي: أن يوجد من يرد على الغربيين بمنطق فكري مؤثر يخفف على الأقل من تأثّر الشباب المسلم المثقف بالفكر الغربي. ولكنه في دفاعه أبرز منهجية "التأويل"، وهذا ما لاحظه أحد المتأملين في تلك الحادثة حيث قال: "إن الأفغاني كان يرى أن المعاني الباطنة في القرآن

стр. 774

متعددة، ومن ثم يجب إعادة تأويله إذا تصادم مع العقل أو العلم، وهذه نفسها هي وجهة نظر ابن رشد، لكن الأفغاني توسع في ذلك حتى يفتح الباب للعلم الحديث، مؤكدًا على الحتمية المتجددة للاجتهاد في فهم الدين" (١). أما الحدث الثاني فهو رده على "الدهريين" وعنوانه "رسالة في إبطال مذهب الدهريين، وبيان مفاسدهم، وإثبات أن الدين أساس المدنية، والكفر فساد العمران"، والمهم في هذه الرسالة أن الرد يرتبط بتيار له علاقة بالمذاهب العلمية ونظرياتها، حيث يرتبط بالمذهب الداروني صاحب نظرية النشوء والارتقاء، فيكون عمله من أوائل الأعمال الفكرية التي تواجه مثل تلك المذاهب المرتبطة بالعلم ونظرياته ومذاهبه. كما أنها تكشف عن خطورة الوضع، ولاسيّما عندما تنتشر مثل هذه الأفكار في بيئات ضعيفة فيها الجهل والضعف، فقد انتشر المذهب داخل الهند -والمقصود هنا الهند الكبرى قبل قسمتها- فجاءه سؤال من "محمَّد واصل" مدرس الفنون الرياضية بحيدرآباد: "يقرع سمعنا في هذه الأيام صوت "نيتشر" ويصل إلينا من جميع الأقطار الهندية، ولا تخلو بلدة من جماعة يلقبون بهذا اللقب "نيتشري" فما حقيقة النيتشرية. . . ." (٢)، ومع ارتباط المذهب بشخصية علمية إلا أنه لم يرد على مذهب دارون في جانبه العلمي وإنما أثبت خطورة الإلحاد وحاجة الناس للدين في رده على من تأثر بمذهبه (٣). صحيح أن "الأفغاني" لم يؤسس منهجًا لحركة فكرية واضحة، وكما سبق فقد كان رجل حركة وعمل، ومثْلُ هذا الصنف من البارزين لا يمكنهم المكوث لكتابةٍ فكرية وصياغة منهجية، ولكن وجوده في مصر إحدى أهم حاضرات العالم الإِسلامي في القرن الثالث عشر قد تسبب في إيجاد حركة فكرية أهم شخصياتها الشيخ "محمَّد عبده"، الذي صاغ منهجًا واضح المعالم يطبع هذا التيار الجديد بطابعه، ومن ذلك الموقف من العلم الحديث، وهو ما أحاول الآن رصده ومعرفته والنظر في إيجابياته وسلبياته.

стр. 775

إذا اكتفينا بالإنتاج المكتوب للشيخ محمَّد عبده فنجد أشهر كتبه هي التي لها علاقة بالصراع الفكري الدائر، فمؤلفاته المهمة كانت في هذا الميدان ولاسيّما العلاقة بين الدين والعلم، وقد سبق كلام الشيخ في مطلع البحث، واعترافه أن صلب مشروعه يقوم على التحرر من التقليد وفهم الدين على طريقة سلف الأمة ضمن موازين العقل، ويكون على هذا الوجه صديقًا للعلم، ويهمنا المنهج الذي يقرره. نجد هذا المنهج مثلًا في رد الشيخ "محمَّد عبده" على "هانوتو" وزير خارجية فرنسا، وكذا في رده على "فرح أنطون" صاحب مجلة "الجامعة"، وهما يستعيدان فيما يظهر نفس إشكالية "رينان" حول موقف الإِسلام من العلم، فأخرج "الرد على هانوتو" و"الإِسلام والنصرانية بين العلم والمدنية" (١)، فكانت أعماله البارزة هي تلك التي ترد على المتغربين ومن خلفهم من الغربيين، وهي مما أكسبه مكانة داخل البيئة الإِسلامية، إذ تصدى للمشكلات الساخنة في زمنه، ولم يتهرب عن مواجهتها ولاسيّما بعد أن أغرقت الجيل المثقف آنذاك. وبقدر ما يُشكر وأمثاله على هذا الموقف بقدر ما يجب علينا الحذر من مزالق "مناهج الردود" لما تتصف به من ظرفية زمانية لا يصح جعلها منهجًا ثابتًا، فضلًا عن ضعف ينتاب أي منهج طموحه الرد ولاسيّما إذا بُني على أصول ضعيفة أو خطيرة تحمل في طياتها إمكانية الاستثمار السلبي لها مثل منهجية التأويل. ففي رده -أولًا- على "هانوتو"، ذكر أصولًا للإسلام تبين حقيقته، وأنه يختلف عن تلك الدعاوى التي أثارها هانوتو وأمثاله، ومنها الأصل الأول: "النظر العقلي لتحصيل الإيمان: فأول أساس وضع عليه الإِسلام هو النظر العقلي. . . ."، ثم جاء الأصل الثاني الذي بيّن المنهج كما استقر عند مدرسة محمَّد عبده "تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض: أسرع إليك بذكر أصل يتبع هذا الأصل المتقدم قبل أن أنتقل إلى غيره: اتفق أهل الملة الإِسلامية -إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه- على أنه إذا تعارض العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل، وبقي في النقل طريقان: طريق التسليم بصحة المنقول مع الاعتراف

стр. 776

بالعجز عن فهمه، وتفويض الأمر إلى الله في علمه، وطريق تأويل النقل مع المحافظة على قوانين اللغة حتى يتفق معناه مع ما أثبته العقل. وبهذا الأصل الذي قام على الكتاب وصحيح السنة وعلم النبي ﷺ مهدت بين يدي العقل كل سبيل، وأزيلت من سبيله جميع العقبات، واتسع له المجال إلى غير حد، فماذا عساه أن يبلغ نظر الفيلسوف، حتى يذهب إلى ما هو أبعد من هذا؟ وأي فضاء يسع أهل النظر وطلاب العلوم إن لم يسعهم هذا الفضاء؟ إن لم يكن في هذا متسع لهم فلا وسعتهم الأرض بجبالها ووهادها ولا سماء بأجرامها وأبعادها" (١). هذا المنهج الذي حدده الشيخ في النص السابق وأعطاه في الوقت نفسه صفة التعميم وجعله منهج عامة المسلمين يكشف تحليله بعض الإشكالات التي يثيرها، ويثيرها المنهج عمومًا. لا أحد يخالف الشيخ في الدور الكبير الذي منحه الإِسلام للعقل، ولكن لا يصل ذلك إلى تقديمه على الوحي -وإن كان الشيخ كغيره يحتاط بقوله: ظاهر الشرع- إذ كيف يمكن أن نتصور أن الشرع الذي أعطى العقل كل هذا الدور، أنه يصل إلى أن يجعله حاكمًا عليه، كأن الشرع هنا يقول: لك أيها العقل الحرية حتى إذا وجدت أنك لا تستطيع قبولي فلا تقبلني، وهذا أمر لا يمكن تصوره. مع العلم أن "أهل الكلام" في تاريخ الفكر الإِسلامي قد جمعوا عشرات الحجج على هذه القضية ومع ذلك فلا يمكن أن تستقيم بمثل هذا السياق، أن يُقال بأن الشرع قد أعطى العقل حريته حتى لو وصل الأمر في تقديمه على الشرع ذاته، ولذا لم ترتح نفوس العقلاء، ولم تذهب المشكلة إلا بالموقف السلفي الذي أبرزه شيخ الإِسلام ابن تيمية في "درء تعارض العقل والنقل" وغيره من مؤلفاته، وخلاصته: أنه لا تعارض بين النقل الصحيح والعقل الصريح، وإن وجد تعارض فيقدم الأقوى منهما، وسيأتي بإذن الله بيان ذلك في الباب الثالث، لأكتفي هنا بإبراز مشكلة من مشكلات هذا المنهج، وهو أن جعل العقل مقدَّمًا بإطلاق لا يصح، كما أن هذا التقديم فتح الباب لمنهجية "التأويل" كمنهجية للهروب من المشكلة المتوهمة بدل مواجهتها،

стр. 777

والمزعج في كلامه ما ذكره من "اتفاق أهل الملة الإِسلامية إلا قليلًا ممن لا ينظر إليه"، مع العلم أن مزاعم التعارض وطريقة التأويل لم تظهر في الأمة إلا بعد القرون الفاضلة، وما اتسع أمره إلا في العصور الأخيرة، فضلًا عن أن سلف الأمة ومن سار على مذهبهم من أهل السنة يرفضون هذا المنهج، وليسوا بالقلة التي تجعل الشيخ يتجاهلهم إلى هذه الدرجة. وقد سبق أن هذا التيار ينتسب في الأصل إلى تيار (كلامي / صوفي) كان السائد فيه هذا المنهج الذي تأصل مع الاتجاه المحافظ من هذا التيار، مكتفيًا بالتطبيق على ما هو منقول له من الماضي، ولا يتجاوز دوره دور الشرح والتكرير، دون أن يظهر دليل عقلي جديد، فجاء محمَّد عبده ليوسع ذلك ويخرجه عن الإطار المحافظ بتطبيقات جديدة، أهمها المعارف العلمية الجديدة التي كان الشيخ يواجهها بمثل هذا المنهج، وهو منهج يحيلنا إلى طريقين: إما "التفويض" وهو ما لا يناسب حال المتشككين والمرتابين والمتزلزلة قلوبهم من الشبهات التي حلّت بها، أو"التأويل" وهو الذي ارتاحت إليه بعض النفوس بما يحدثه من تسكين مؤقت لنفوسهم. هنا تظهر ثغرات المنهج فـ"التفويض" لا يرفع انزعاج القلوب المرتابة، بخلاف من أبطل المعارض وأثبت فساده، فإنه يريح قلب المتشكك المتألم، كما أن "التأويل" وإن هدأ القلب بعض الوقت، فإنه سرعان ما يذهب أثره مع انكشاف ضعفه أو ظهور تعارضٍ جديد. بقي التأكيد مع الشيخ أن الإِسلام قد وجه العقل إلى مجالات كثيرة، وحرره من قيود كثيرة، ونشاركه أن العقل لم يبق له سوى الانطلاق في تلك المساحات الهائلة المتاحة أمامه، وهو إذا سار سيرًا صحيحًا فلا يتعارض مع الدين. جاء المنهج في سياق الرد على الطاعنين في الإِسلام، وجاء أيضًا بصورة موسعة مع تطبيقات مختلفة في تفسيره، فبعد إلحاح كبير من تلميذه الشيخ "محمَّد رشيد رضا" وافق الشيخ محمَّد عبده على عقد درس للتفسير، كان الشيخ رضا يحضره ويسجل مع شيخه، ثم يبيضه ويضيف عليه ثم يخرجه في مجلة "المنار" (١).

стр. 778

يذكر "أحمد أمين" أن الشيخ محمَّد عبده "في تفسيره يحاول التوفيق بين الإِسلام ونظريات المدنية الحديثة ويتبع طرقًا من التأمل للتوفيق بين الدين والنظريات الحديثة" (١)، وبقول الدكتور "الذهبي": "كذلك نجد الأستاذ الإِمام ﵀ يتناول بعض آيات القرآن فيشرحها شرحًا يقوم على أساس من نظريات العلم الحديث، وغرضه بذلك أن يوفق بين معاني القرآن التي قد تبدو مستبعدة في نظر بعض الناس، وبين ما عندهم من معلومات توشك أن تكون مسلمة عندهم أو هي مسلمة بالفعل وهو -وإن كان يرمي من وراء ذلك إلى غرض نبيل- يخرج أحيانًا بمثل هذا الشرح والبيان عن مألوف العرب وما عهد لديهم وقت نزول القرآن" (٢)، ثم ذكر من الأمثلة على ذلك مثلين وردا في أول تفسير خرج له وهو تفسير جزء عم، وهما: الأول: في تفسيره لانشقاق السماء وانفطارها وظهور الغمام: "وهو فساد تركيبها واختلال نظامها عندما يريد الله خراب هذا العالم، كأن يمر كوكب في سيره بالقرب من آخر، فيتجاذبا، فيتصادما، فيضطرب نظام الشمس بأسره، ويحدث من ذلك غمام وأي غمام، يظهر في مواضع متفرقة من الجو والفضاء الواسع، فتكون السماء قد تشققت بالغمام واختل نظامها حال ظهورها" (٣). الثاني: في تفسيره للطير الأبابيل التي ترمي بحجارة من سجيل في سورة الفيل، حيث قال: "فيجوز أن نعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم اليابس الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسده دخل في مسامه، فأثار فيه تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه، وإن كثيرًا من هذه الطيور الضعيفة يعد من أعظم جنود الله في إهلاك من يريد إهلاكه من البشر، وإن هذا الحيوان الصغير الذي يسمونه الآن بالميكروب لا يخرج عنها، وهو فرق وجماعات لا يحصى عددها إلا بارئها، ولا يتوقف ظهور أثر قدرة الله تعالى في قهر الطاغين على أن يكون في الطير ضخامة رؤوس

стр. 779

الجبال، ولا على أن يكون من نوع عنقاء مغرب، ولا على أن يكون له ألوان خاصة به، ولا على معرفة مقادير الحجارة وكيفية تأثيرها، فلله جند من كل شيء. ." (١). يظهر هنا استفادته من الاكتشافات العلمية حول انتقال المرض عبر الجراثيم وعالم الميكروبات، ولا شك أن الله سبحانه قادرٌ على هذا وهذا، ولكن التساؤل: إذا صح التفسير المنقول على غير هذا الوجه، فلماذا الذهاب إلى هذا التفسير؟ كما أن القرآن خاطب من نزل فيهم بما يعرفونه من المعاني، وهم يعرفون معنى "الطير" ومعنى "الحجارة" ويصعب صرفها لو افترضنا عدم وجود تفسير صحيح منقول إلى هذا الوجه الذي قال به الشيخ (٢). ويهمنا هنا السبب الذي لم يُصرّح به الشيخ: فكأن سبب ميله عن التفسير المأثور هو رفض الفكر الغربي الحديث مثل هذه المعجزات الخارقة وعدم تسليمه إلا بما يتوافق مع السائد في الكون وسننه، فكأنه يرى أن هلاك طائفة بمرض ينقله ميكروب معهود عند الناس ومعروف في العلم الحديث، كما يحدث عندما يذهب جيش إلى بلد آخر لم يعتد على حشراته وأجوائه، فيصاب بالمرض وينتقل بين أفراد الجيش عن طريق العدوى، فمنهم من يموت مع أن أهل البلد لم يصبهم هذا المرض. وهذا يُظهر لنا ميل الشيخ إلى تأويل ما يمكن تأويله من القرآن، بحيث يستفيد من معطيات العلم الحديث إذا كان النص يثير إشكالًا عند المتأثرين بشبهات العصر. والكلام نفسه يقال مع المثال الأول، فإن الفكر الغربي الرافض للدين يرفض وجود أحداث لا سببية كونية لها، فلا يقبل أن هذا العالم سيتغير بأمر من الله سبحانه، بخلاف ما لو أثبتت حساباتهم الفلكية أنه يمكن حدوث خلل، مثل ظهور فرضية نقص شعاع الشمس مع الزمن، ومن ثم تجمد الأرض، فهذا دلت عليه بعض حساباتهم، فيقبلونه، ولا يهمهم لماذا هي تنقص، ومن جعلها تنقص بهذا المقدار، وإنما يكفي أنه يوجد تعليل كوني لتجمد الأرض بعد زمن. ومثله أن الثبات بين مجموعات الكواكب بسبب الجاذبية التي بينها، والشيخ هنا يستثمر مكتشفات علم الفلك الحديث. ولكن مثل هذا الحلّ يُسكّن المشكلة عند بعض

стр. 780

الناس ولكنه لا يعالج أصلها، وهو الإلحاد والجهل بالرب سبحانه وصفاته وأفعاله. لا يعني هذا أن الشيخ "محمَّد عبده" يريد تفسير القرآن علميًا (١)، فالظاهر من كلامه أنه لا يميل إلى هذا النوع من التفسير، ولكنه يميل إلى توضيح بعض المعاني وتقريبها إلى أذهان الناس بضرب أمثلة من المكتشفات العلمية، وهذا أمر مقبول، وبما أنه على معرفة ببعض المشكلات الفكرية الحديثة، فهي تظهر تلميحًا في تفسيره، دون أن يحاول الاصطدام بها، وربما أقرب الأمثلة لذلك موقفه الغامض من تفسير آيات خلق آدم ﵇ من سورة البقرة، فهو على معرفة بالنظرية العلمية السائدة آنذاك، فلما جاء إلى تفسير قوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قال الشيخ "محمَّد رشيد رضا": "وقد ذهب الأستاذ إلى أن هذه الآيات من المتشابهات التي لا يمكن حملها على ظاهرها؛ لأنها بحسب قانون التخاطب إما استشارة وذلك محال على الله تعالى، وإما إخبار منه سبحانه للملائكة واعتراض منهم ومحاجة وجدال، وذلك لا يليق بالله تعالى أيضًا ولا بملائكته. . . ." (٢)، ثم ذكر أن موقفنا إما التفويض أو التأويل، وذكر أن التفويض هي طريقة السلف وأنه عليها "في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وعالم الغيب" (٣). ثم جاء تعليق الشيخ "محمَّد رشيد" فقال: "وأقول أنا مؤلف هذا التفسير: إنني ولله الحمد على طريقة السلف وهديهم، عليها أحيا وعليها أموت إن شاء الله تعالى. وإنما أذكر من كلام شيخنا ومن كلام غيره، ومن تلقاء نفسي بعض التأويلات لما ثبت عندي باختباري الناس أن ما انتشر في الأمة من نظريات الفلاسفة ومذاهب المبتدعة المتقدمين والمتأخرين جعل قبول مذهب السلف واعتقاده يتوقف في الغالب على تلقيه من الصغر بالبيان الصحيح وتخطئة ما يخالفه، أو طول ممارسة الرد عليهم، ولا نعرف في كتب علماء السنة أنفع في الجمع بين النقل والعقل من كتب شيخي الإِسلام ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-

стр. 781

تعالى، وانني أقول عن نفسي: إنني لم يطمئن قلبي بمذهب السلف تفصيلًا إلا بممارسة هذه الكتب. فنحن قد سمعنا بآذاننا شبهات على بعض الآيات والأحاديث لم يسهل علينا دفعها وإقناع أصحابها بصدق كلام الله وكلام رسوله إلا بضرب من التأويل وأمثال تقربها من عقولهم ومعلوماتهم أحسن التقريب، وقد غلط كثير من علماء الكلام والمفسرين في بيان مذهب السلف وفي معاني التفويض والتأويل وتجد تفصيل ذلك لنا أوائل تفسير سورة آل عمران، كما أخطأ من قالوا: إن الدليل العقلي هو الأصل، فيرد إليه الدليل السمعي، ويجب تأويله لأجل موافقته مطلقًا، والحق كما قال شيخ الإِسلام ابن تيمية:. . . ." (١)، ثم جاء إلى موضع الشاهد، وهو الأقرب من الشيخ والأعرف بمراده فقال: "فظواهر الآيات في خلق آدم مثلًا مقدم في الاعتقاد على النظريات المخالفة لها من أقوال الباحثين في أسرار الخلق وتعليل أطواره ونظامه ما دامت ظنية لم تبلغ درجة القطع" (٢). اضطررت إلى نقل هذا النص رغم طوله لما يكشفه من أشياء منهجية مهمة حول شيخ هذا الاتجاه، أهمها: أن مصطلحات سائدة كالتفويض والتأويل، وهما ركنان مهمان في المنهج قد وقع فيهما غلط كبير، كما أن الغلط امتدّ إلى الموقف الصحيح من التعارض بين النقل والعقل: ما حقيقته؟ وكيف العمل معه؟ كما أنه يكشف -إلى حدٍ ما- عن سبب ميل الشيخ إلى مثل هذه التأويلات، ويعود ذلك في الغالب إلى تأثير النظريات الحديثة. وأخيرًا يكشف هذه العلاقة العجيبة بين الشيخ وتلميذه، فقد تغير التلميذ بعد اطلاعه على تراث الإمامين البارزين ابن تيمية وابن القيم -رحمهما الله-، وهذا التغير قد حدث في أغلب المتأثرين بمحمد عبده، فبقدر ما فتح محمَّد عبده آفاقهم الفكرية وحرر عقولهم وزاد من وعيهم بمشكلات عصرهم وواجبهم نحوها بقدر ما ورطهم في منهجيات غير سليمة. ووجدوا المخرج منها فيما اكتشفوه من علم ابن تيمية وابن القيم. ومع ذلك فقد بقي وفاؤهم للشيخ محمَّد عبده دون قبول منهجه بإطلاق، وكان أبرزهم علماء الشام المعاصرين، ولاسيّما الشيخ "محمَّد رشيد رضا"، حيث

стр. 782

وسعوا استفادتهم من ابن تيمية بخلاف من سبقهم من "حسن الطويل" إلى "محمَّد عبده" وغيرهم من مشاهير دعوة الإصلاح في الأزهر، حيث كانت استفادتهم منه تقف على رفضهم البدع العملية المحدثة حول الأولياء والقبور وغيرها. ذكر الدكتور "بلقاسم الغالي" بأنه قد (١) دبّ الخلاف بين الشيخ "صالح الشريف" من تونس والشيخ "محمَّد عبده" في أثناء زيارة الأخير لتونس سنة (١٩٠٣ م)، وكان الشريف يخالف منهج عبده، وكان موضوع الخلاف ابن تيمية ومحمد بن عبد الوهاب في إنكارهما زيارة القبور وزيارة قبر النبي ﷺ خاصة -هكذا، وإلا فهما لا ينكران زيارة قبر النبي، وإنما ينكران شدّ الرحال لذلك- ونهض الشيخ عبده للدفاع عن ابن تيمية مقررًا: أن خلاف ابن تيمية مع بعض أهل السنة لا يخرجه عن كونه منهم، وبأنه ينبغي أن تؤخذ آراؤه من كتبه لا من كتب أعدائه. وبقدر ما تختلف وجهات النظر حول قيمة مشروع "محمَّد عبده" إلا أنه من أهم الشخصيات التي استشعرت المشكلات التي أثارها العلم الحديث، وأنه كان مستحضرًا لها في ردوده المشهورة، وظهرت واضحة في أثناء رده على "هانوتو" أو "فرج أنطون"، ومستحضرًا لها في أثناء تفسيره للقرآن، ونجد أحد المتحمسين للشيخ يقرر أن محمَّد عبده "أثبت أن القرآن لا يمكن أن يحتوي على تعليم يتعارض مع حقائق العلم، وأن هناك اتفاقًا بين القرآن وبين العلوم الطبيعية والكونية والفلكية، وأن هذا لا يشكل خوفًا ولا تهديدًا لقداسة القرآن بسبب واحد وهو أنه كتاب الكون والحياة والإنسان،. . . ." (٢)، ولكن أقرب الناس إليه -وهو من أخرج تفسيره- كان أول من اعترض على بعض تأويلات شيخه، فلا نشك أن العلم الصحيح والعقل الصحيح لا يعارض كلام الله سبحانه أو كلام رسوله ﷺ ، ولكن هناك من يريد تحقيق التوافق بين القرآن والعلم عن طريق تأويل النصوص وليّها أحيانًا واعتسافها لتتوافق مع العلم، ومثل هذا العمل لا يُعد رفعًا للتعارض ودفعا له، ولاسيّما عندما يؤول الأعلى لصالح الأدنى، وإنما

стр. 783

يكون المنهج السليم هو إبقاء النص الشرعي دون تحريف، مع إبطال كل ما يعارضه من أوهام البشر أو أوهام الأفكار والعلوم وظنياتها. لقد اتجه القسم العلمي الشرعي من المتأثرين بالشيخ نحو التفسير، وكان كل عالم منهم عند التفسير يستشعر ما استشعره الشيخ من المستجدات الفكرية والعلمية، بحيث يمكننا القول: إن الشيخ "محمد عبده" قد أحدث منعطفًا في التفسير، وبرز ذلك في أتباعه أو مع المتأثرين به، حيث يظهر في تفاسيرهم استحضار مشكلة العلم الحديث ومكتشفاته ونظرياته، أولهم الشيخ محمَّد رشيد رضا الذي شارك الشيخ في وضع التفسير إلى [الآية: ١٢٥ من سورة النساء]، ثم واصل بعد وفاة الشيخ إلى أول سورة يوسف، وقد ذكر الدكتور "عبد الغفار" في منهج الشيخ عبده عدة أسماء تأثرت بالشيخ ومنهجه ومنهم (١): "عبد القادر المغربي"، "محمَّد المراغي"، "جمال الدين القاسمي"، "عبد الحميد بن باديس"، "محمَّد الطاهر عاشور"، "محمود شلتوت"، "محمد دراز"، "محمد البهي"، "بنت الشاطئ"، "سيد قطب"، مع أن بعضهم له تفسير لجزء من القرآن وبعضهم له وقفات مع الآيات فقط. وأفرق هنا بين استحضار الأفكار الجديدة والعلوم الحديثة في أثناء قيام أحدهم بالتفسير فيراعي عدم مخالفتها، أو يستثمرها في توضيح المعاني القرآنية وهو حال أكثر رواد هذه المدرسة، حيث كان عندهم حذر من الانفتاح على هذا الباب، وهو موقف حسن منهم. ولكن هناك من توسع في ما اصطلح عليه بـ"التفسير العلمي"؛ أي: الاستفادة من العلم الحديث ومكتشفاته ونظرياته في فهم آيات القرآن الكريم، وهي مسألة ما زالت ميدان اختلاف شديد داخل الفكر الإِسلامي ما بين رافض لها أو مؤيد مع توسع أو مؤيد بضوابط شديدة، والمقصود هنا فقط أن هذا التوجه ظهر من داخل هذا الاتجاه مع أن أغلب أصحابه من المتحفظين جدًا ومن المتشددين جدًا في الموضوع، أي: أنهم لا يبادرون بوضع اكتشاف علمي أو نظرية علمية لتوضيح آية وإن كانوا في المقابل أثناء تفسيرهم على انتباه للأمور العلمية فلا يتوسعون في تفسير ما يظهر منه مخالفة للعلم الحديث.

стр. 784

من بين المتوسعين نجد الشيخ "طنطاوي جوهري" (١٢٨٧ - ١٣٥٨ هـ) - (١٨٧٠ - ١٩٤٠ م) في تفسيره: "الجواهر في تفسير القرآن الكريم"، فيجتهد عند ورود أية كلمة أو جملة عن المخلوقات بذكر وصفها في العلوم الحديثة، مع أن له موقفًا من التعارض ذكره في أحد كتبه: أن توسعه إنما هو في باب بيان المعنى دون الوقوف مع ما يعارض الوحي، فأثناء حديثه عن النظرية الحديثة في الفلك، ذكر بأن النظريتين معروفتان في كتب المسلمين، وقد ذكرهما مثلًا "عضد الدين" في كتابه: "المواقف"، وذكر الاعتراضات على نفاة دوران الأرض والرد عليها، وعلى ذلك سار شارحه "علي الجرجاني" (١). وبعد استعراضه لأقوال علماء الفلك المعاصرين قال: "ومع ذلك كله فالقرآن لا يعارض شيئًا من هذه الأشياء. على أننا لا نحتاج لتأويل القرآن إلا لليقينيات، وهذا ليس منها فإن نوع بني آدم لا يمكنه أن يحيط بشيء من علم الله تعالى إلا بما شاء. . . ." (٢). وإذا كان الشيخ يتشدد في التأويل إلا أن تفسيره صورة واضحة ومثال نموذجي للتوسع في إدخال العلوم العصرية الحديثة في التفسير. كانت شخصية الشيخ محمَّد عبده جاذبة ومؤثرة، فالتف حوله الكثير وكان صدره مفتوحًا للجميع، وقد أطمع حاله الكثير فيه. فطلاب العلم قد التفوا حوله طمعًا في علمه وفكره ومنهم محمَّد رشيد رضا، وأرباب الساسة وجدوه قائدًا دينيًا مهمًا فحاولوا استثمار مكانته ولاسيّما جهاز الاستعمار الجاثم على أرض مصر، حيث كان "كرومر" يبني بعض آماله على الشيخ مع تركيزه على فئة من مريديه، والقسم الثالث خليط من الشباب المعجب بالشيخ دون أن يتعلم على يديه، وهم مجموعة من المفكرين والسياسيين والصحفيين، وقد كان تأثرهم بالفكر الغربي أوسع من تأثرهم بالفكر الإِسلامي، وقد أكسبتهم صلتهم بالشيخ والتفافهم حوله شهرة اجتماعية، ولكنهم بعد وفاة الشيخ حرفتهم تيارات التغريب واستهوتهم فكرة العلمنة ودعمهم الاستعمار عندما آنس منهم هذا التوجه ومكنهم من واجهة المجتمع ومكنهم من إداراته، وقد برز في هذا التيار عصرانية علمانية

стр. 785

لا هي بالتي نبذت الإِسلام كليًا كما هو حال المتغربين الصريحين ولا هم ممن رعوه حق رعايته، وإنما استبقَوا منه بحسب زعمهم الجزء الاعتقادي منه بعد تأويله وأعادوا تجديد الجانب التشريعي منه ليتوافق مع العصر، ولم يظهر منهم رمز علمي شرعي، ولكن برز منهم قيادات سياسية وفكرية مشهورة، ومن أشهرهم سياسيًا "سعد زغلول" وفكريًا "لطفي السيد". لقد كان وجود الشيخ قويًا على من حوله فلا يخرجون عن الدوائر التي حددها، ولكن بعد موته ذهبت الخشية والحياء من تجاوز الدوائر التي حددها الشيخ، ولاسيّما في باب التغريب والعلمنة، وهنا ملحوظة لها أهميتها في مجال الفكر الإِسلامي المعاصر وهي: هناك تأثير لمحمد عبده لا يمكن التقليل من شأنه، ويختلف تأثيره على مجمل الشخصيات ما بين تأثير طاغي وهذا فيمن كانوا معه، وما بين تأثير أخف وهذا فيمن أعجب به ممن يتابع أخباره عبر مجله "المنار" أو التقى به في بعض المناسبات، فلو أردنا البحث عن علاقتهم بالاتجاه السلفي ولاسيّما مع اعترافهم بأثر ابن تيمية وابن القيم عليهم، فسنجد أنهم على مستويات: فإذا استبعدنا مسألة التأثر بالبيئة "الكلامية الصوفية" بحسب السائد في بيئتهم، فإنهم على مستوى القضايا الفكرية المهمة بعد غياب الشيخ محمَّد عبده عن الساحة قد تنوعت اجتهاداتهم. فالطبقة العلمية منهم في بلاد الشام ومصر والمغرب تكاد اجتهاداتهم تتوافق مع الاتجاه السلفي، ونتذكر هنا الشيخ "القاسمي" و"محمَّد رشيد رضا" وغيرهما من أعلام الشام (١)، والشيخ "محمَّد حامد الفقي" و"جماعة أنصار السنة المحمدية" من مصر، و"الحجوي" من المغرب، و"ابن باديس" علامة الجزائر مع "جمعية العلماء المسلمين الجزائريين"، و"الطاهر بن عاشور" علامة تونس (٢).

стр. 786

فكل هؤلاء الفضلاء رغم تأثرهم أو إعجابهم بالشيخ محمَّد عبده إلا أن لهم اجتهاداتهم الخاصة، كما أنهم قد اتجهوا أكثر نحو الاتجاه السلفي، ومن بقي منهم على تأثر بالمنهج الكلامي وبطريقة الشيخ محمَّد عبده، فإنهم في جوانب الفكر الأخرى يلتقون في كثير من الأبواب مع الاتجاه السلفي، يرجع ذلك والله أعلم إلى سعة علمهم الشرعي، فإن الفاضل منهم عندما يتبحر في علوم الشريعة نجده ينجذب إلى منهج السلف ولاسيّما إذا ظهر منه الاعتناء بعلم الحديث، نرى ذلك بارزًا في أعلام الشام مثل "القاسمي" فضلًا عن التحول مع الشيخ "محمَّد رشيد رضا" ومدرسته التي أثر فيها "جماعة أنصار السنة المحمدية" فمؤسسها الشيخ "محمَّد الفقي" من المهتمين بعلم السنة فضلًا عن المحدث الشيخ "أحمد شاكر"، وكذا الحال مع "جماعة العلماء المسلمين في الجزائر" وكذا مع الشيخ "الطاهر بن عاشور"، فمع هؤلاء تضعف نقاط الاختلاف -إلى حد التلاشي عند بعضهم- بينهم وبين الاتجاه السلفي إن لم يكونوا من رواده. وهناك طائفة أخرى من المتأثرين بالشيخ غلب عليهم تقليده مع ثباتهم على ما نشئوا عليه من الكلام والتصوف، ولكن هؤلاء أيضًا على مستوى القضايا الفكرية المهمة يتشاركون مع الاتجاه السلفي في الموقف منها، وهي من مواطن الاشتراك المحمود الذي يفترض أن يحدث فيه التعاون بين الاتجاهين الكبيرين داخل الأمة الإِسلامية، ويكمل أحدهما الآخر، فربما تميز الاتجاه التوفيقي بحكم البيئة والمشكلات التي واجهوها في المسائل الفكرية بينما تميز الاتجاه السلفي بتبحر علمائه في العلوم الشرعية، فلو حدث تعاون في القضايا الفكرية المشتركة وكمّل بعضهما الآخر، ولاسيّما في مواجهة تيار التغريب، لكان في ذلك خيرٌ بإذن الله. هناك طائفة ثالثة كانت حول الشيخ، ولكنها بعد موته اتجهت إلى التغريب أو العلمنة، حيث احتوتهم تلك الدوائر ووظفت شهرتهم وعلاقتهم بالشيخ بما يخدم التغريب، وهي أبعد عن الشيخ ومنهجه وإن تغطت بعلاقتها به. وهناك طائفة رابعة ظهرت بعد زمن الشيخ، زمن التيارات الفكرية (الليبرالي والقومي والماركسي) وغيرها، فقد أرادت هذه التيارات الالتصاق بالشيخ بعد ظهور المدّ الإِسلامي الرائع والصحوة الإِسلامية المباركة، فتوجهت هذه التيارات للشيخ -لمقاومة الصحوة فيما يظهر عند الكثير، أو إعلان رجوع للإسلام عند

стр. 787

القليل- وإلى فكره وعلمه وفتاويه ومنهجه لتوسيع مقولاته، دون أن يكون لهم من الرصيد العلمي ما يؤهلهم لمثل هذا العمل. وقد شكل هذا الاحتفاء العلماني الكبير بالشيخ محمَّد عبده درجة من الشك حول حقيقته، مع أن المتأمل في كتابات الشيخ، وفي ما يدّعيه هؤلاء يجد فرقًا كبيرًا بين ما قاله وبين ما يقولونه، ويكون الأمر أشبه بالاستغلال لشخصية بارزة مثل الشيخ. ولكن في الوقت نفسه فإن الثغرات التي يحويها منهج الشيخ قد سمحت لمثل هؤلاء المتطفلين باستثمارها في أهوائهم الفكرية، وهي ثغرات منهجية خطيرة لا يمكن التقليل من شأنها. والخلاصة أن أتباع الشيخ أو من تأثر به: منهم طائفة علمية تجاوزت ثغرات الشيخ واقتربت من الاتجاه السلفي، وهناك طائفة حافظت على خط الشيخ وهي أظهر في من لم يتبحر في علوم السنة، وطائفة جرفها تيار التغريب وفكر العلمنة واستثمر مكانتهم وشهرتهم، وطائفة من مفكري التيارات والمذاهب الفكرية العلمانية حاولت الالتصاق بالشيخ وإبرازه كرمز يتوافق مع مشروعاتهم رغم بعده عنها. فقد حصل تعاون كبير بين الاتجاه السلفي والطائفة الأولى ولاسيّما أن نقاط الخلاف نادرة، ويمكن حدوث تعاون مهم في المجال الفكري مع الطائفة الثانية بشرط قيام التناصح على ما سلكوه من مذاهب حادثة أو مناهج خاطئة، ويبقى الجدال والنقاش مع الطرفين الآخرين، والله الهادي إلى سواء السبيل. مقولة تحتاج إلى تأمل: النتيجة السابقة تذكرنا بمقولة ذكرها أكثر من باحث حول منهج محمَّد عبده، وهي أن منهجه كان قنطرة نحو العلمنة، ومن ذلك ما ذكره "محمد محمَّد حسين" عن "الحوراني" "بأن قارئ محمَّد عبده يُحس أنه كان يريد أن يقيم سدًّا في وجه الاتجاه العلماني، يحمي المجتمع الإِسلامي من طوفانه ولكن الذي حدث هو أن هذا السد قد أصبح قنطرة للعلمانية عبرت عليه إلى العالم الإِسلامي، لتحتلّ المواقع واحد تلو الآخر، ثم جاء فريقٌ من تلاميذ محمَّد عبده وأتباعه، فدفعوا نظرياته واتجاهاته إلى أقصى طريق العلمانية" (١)، فهذه المقولة

стр. 788

مصدرها هو الاتجاه التغريبي، وتلقفها الفكر الإِسلامي لنقد منهج عبده، والذي أراه بعد أن تأملت في المتأثرين بالشيخ والمحبين له، أنهم ساروا إلى أكثر من اتجاه: فمنهم من اتجه نحو السلفية، ومنهم من اتجه نحو العلمنة، ومنهم من بقي على طريقة الشيخ، فلماذا اتهم الشيخ في أنه كان طريقًا للعلمنة ولم يتهم في أنه قرب آخرين من السلفية، أو قرب متغربين من الإِسلام! فإن العدل يدفع الباحث المسلم إلى فحص كل المقولات المتعلقة بمشاهير المسلمين، حتى وإن اختلف معهم في منهجهم، وعلينا أن نتذكر عند ورود مثل هذه المقولة بأن جهود الشيخ قد نجحت في صرف بعض الفضلاء عن البدع والتصوف، وعندما تحرروا منها اتجهوا إلى السلفية، وأنها نجحت أيضًا في تقريب بعض المتغربين من الإِسلام بعد هروبهم منه، وأنها نجحت في تخفيف حدة الشكوك عند الجيل الشاب المثقف، بعد أن عصفت بهم تيارات التغريب وزلزلت قلوبهم، في وقت تخلّى بعض العلماء عن مواجهة هذه الشبهات فتركوا شباب المسلمين فريسة لتيارات التغريب. فمثل هذه المسائل تدفعنا إلى النظر في هذه المقولة المشهورة عن هذا الاتجاه وعن رمزه العلمي والفكري المشهور الشيخ محمَّد عبده. والطريف في الأمر أن محمَّد عبده وخصومه ينتمون إلى منهج واحد ويختلفون فقط في التطبيقات، فهم ينتمون إلى منهجية ترى بأن العقل مقدم على النقل عند التعارض، وأنه يجب عند التعارض إما التفويض أو التأويل، ومع ذلك نجد أطرافًا يقفون مع محمَّد عبده ضد خصومه، ونجد من يقف مع خصومه ضده، مع أنهما ينتميان في الحقيقة إلى منهج واحد، ولذا فإننا إن أردنا الإنصاف فعلينا أن نُحمّل المنهج (التوفيقي - التلفيقي) مشكلة تسرب الأفكار المنحرفة، وهو منهج يشترك فيه الطرفان، محمَّد عبده وخصومه من أتباع المنهج الكلامي، فمن الخطأ أحيانًا ما نشاهده من أخذ مقولات خصوم الشيخ ممن هم على نفس منهجه دون التنبيه إلى الملحظ السابق. والذي يظهر لي بعد المراجعة التاريخية للوقائع وتحليل المقولات بأن فكر محمَّد عبده قد تسبب في حالين متعارضتين: فمن جهة قرّب أناسًا من الاتجاه السلفي بما حررهم من قيد التقليد وحثهم على فهم الوحي على طريقة السلف وإعمال العقل، فالصالح منهم توجه إلى منهج السلف أو اقترب منه؛ لأن من ابتعد عن التقليد المذموم واستخدم عقله وعاد للوحي فسيقوده ذلك إن سلِم من

стр. 789

الهوى إلى منهج السلف. ومن جهة أخرى قرّب أناسًا من اتجاه العلمنة والتغريب، فهم أهل أهواء وضعف، ومنهجية تقديم العقل على النقل المعروفة عن محمَّد عبده وعن خصومه في الوقت نفسه ساعدتهم بعد تأثير التغريب فيهم للتوجه نحو التغريب تحت غطاء ديني، فليس فكر الشيخ فقط هو المؤثر فيهم؛ وإنما الأصل المنهجي الذي يحويه فكره قد فتح الفرصة لأهل الأهواء من مريديه ليتفلتوا من الإِسلام، ومعلوم بأن القادة لا يَسْلمون من أتباع فيهم أهواء يلتفون حول العَلَم البارز لكسب الشهرة وتحقيق المآرب سرعان ما تعصف بهم الأهواء بعد ذهاب العلم البارز. إذا كان مراد التحليل السابق إقامة التوازن في الفهم فليس معناه الدفاع عن منهج الشيخ، فإقامة العدل وقول الحق لا تعني الدفاع، الدفاع لا يكون إلا عن الحق ومنهج الشيخ منهج خطير تسبب بمشكلات في التاريخ الإِسلامي، حيث صرف عقول كثير من الفضلاء إلى تفويضٍ غير صحيح، حيث هو تفويض يظن صاحبه أن ما يقابله من تصور هو انحراف، أو تأويل جَافٍ فيصرف النص عن معناه ويحرم الأمة عن حياة المدلول الحق والإيمان به، وهو منهج يدفع العقل الإِسلامي إلى الكسل، فكلما وجد مفهومًا عقليًا أو نظرية علمية تعارض الوحي، تحوّل إلى التفويض أو التأويل كونه عملًا سهلًا، وترك المهمة الصعبة في تحليل المفاهيم والنظريات ونقدها وتطويرها لتتوافق مع المفهوم الإِسلامي أو بيان عدم صحتها، ومن ثمّ إراحة العقل المسلم من تحمّله أفكارًا خاطئة في ذاتها تبلبل موقفه من الإِسلام. ولكن هل يعني ذلك رفض المنهج التوفيقي؟ الذي يتأمل واقع تاريخ الأفكار يعرف أنه لابد من المنهج التوفيقي بشروطه الصحيحة، وأهمها ألّا يتحول إلى تلفيق، بل يكون هناك انسجام حقيقي بين الأفكار المتعارضة في الظاهر. ولكن ثغرات المنهج التوفيقي خطيرة ولاسيّما مع انسياق أغلب المائلين إلى هذا الاتجاه نحو الطريقة السائدة عند المتكلمين وهي: "أن العقل مقدم على النقل عند التعارض، والواجب بعد ذلك إما التفويض أو التأويل"، فما لم نتخلص من هذه الطريقة أو هذا القانون فسيبقى التوفيق عملًا مشتبهًا. ولمشكلات المنهج التوفيقي قام الاتجاه السلفي بنقدها واستبدالها بطريقة التأصيل، وهي رغم صعوبتها ومشقتها إلا أنها أسلم من طريقة التوفيق، وهي

стр. 790

تحقق مقصود التوفيق الصحيح وتتجنب ثغراته، وفي الوقت نفسه تمنع الكسل الفكري الذي يُوجد مع أهل التوفيق السلبي، وتعيد الحيوية للأمة عندما تشعر بمشاركة العالم في صناعة العلوم بدلًا من الكسل وانتظار إنتاج الآخرين من حولنا، وينحصر دورنا بحسب أهل المنهج التوفيقي في الجمع بينها وبين الدين. لقد كان الاتجاه (التوفيقي/ العصراني) أحد الاتجاهات التي ظهرت أثناء التحديث، وكان أحد الأجوبة المطروحة لحل مشكلات التحديث، وهو منهج فكري في المقام الأول، وكان يغلب عليه محاولة التوفيق بين الإِسلام والفكر الحديث بما في ذلك الجمع بينه وبين العلم الحديث ونظرياته. وقد انجرف هذا الاتجاه نحو الطريقة الكلامية المشهورة لكون أفراده من تلك البيئة في الأصل، وقد وقع شذوذ كبير في صورته غير العربية كما هي الحال في النموذج الهندي، بخلاف النموذج العربي الذي اختلطت الحال عند قادته ولاسيّما الشيخ الأفغاني والشيخ محمَّد عبده، الذي كان أقرب لبيئة الفكر الإِسلامي، وانصب جهدهما في الدفاع عن الإِسلام واستنهاض المسلمين، ولم ينفتح الأمر معهما لدرجة شذوذ التجربة الهندية، ولكن حدث الشذوذ مع قسم من أتباع محمَّد عبده من ميل نحو طريقة أحمد خان الهندي، وساروا على طريقته في الشذوذ، ويغلب عليهم الجهل بالعلوم الشرعية، فهم رموز فكرية ولكنهم لم يكونوا من دارسي العلوم الشرعية، فاتسع الانحراف معهم بخلاف من كان ملمًا بالعلوم الشرعية فإنهم أكثر احتياطًا. وقد برز شذوذ هذا القسم بعد ظهور تيارات التغريب الكبرى "الليبرالي والقومي واليساري" وغيرها، حيث انضم بعضهم إلى هذه التيارات أو انفصلت بعض القيادات من ذلك التيار وانضم إلى القسم الشاذ من المتأثرين بمحمد عبده، ولا شك أن الثغرات الخطيرة في فكر محمَّد عبده ومنهجه مما أسهم في اتساع انحرافهم متذرعين باتباع علم من أعلام الإِسلام. وبعد أن عُرض تعريف بالاتجاه العصراني، ومنهجه الفكري، وطريقة تعامله مع المشكلات الفكرية الجديدة ومنها العلوم الحديثة ونظرياتها، وغلبة المنهج التوفيقي التأويلي، وآثار ذلك على الاتجاه. ويذهب البحث مع طائفة شاذة في هذا الميدان، وهم المتغربون.

стр. 791

المبحث الثالث موقف الاتجاه التغريبي الداعي لتقديم العلم وعدم ربطه بالدين يكشف التمهيد والفصل (*) والثالث والرابع الكثير من معالم هذا الاتجاه، كما أن الفصول القادمة مخصصة لتحليل هذا الاتجاه ونقد موقفه من العلم الحديث ونظرياته وعلاقتها بالدين، ولهذا السبب فلن أطيل الحديث عنه في هذا المبحث، وإنما أضع بعض الخلاصات المهمة التي تكمل لنا صورة الوضع الفكري في علاقة تياراته بالعلم الحديث، مع التذكير بأن التمهيد فيه عرض موجز لظهور تيار التغريب أما هنا فيتم الوقوف على صورة علاقة هذا التيار بالعلم الحديث. عرف أول العصر الحديث لعالمنا الإِسلامي بطلب الإصلاح أو التحديث، يركز "الإصلاح" على الدين والفكر والثقافة بينما يركز "التحديث" على الجانب الدنيوي وشيء من الإدارة، كان الدعاة العلماء قادة الإصلاح بينما كانت الدولة العثمانية وبعض ولاتها أصحاب مشروعات التحديث، وقد ارتبط الإصلاح بالعودة للإسلام فكانت وجهته ذاتية بينما ارتبط التحديث بالسفر إلى الغرب فكانت وجهته خارجية، قاد دعوة الإصلاح الاتجاه السلفي مع الإمام محمَّد بن عبد الوهاب ﵀ بخلاف دعوة التحديث التي تبناها النخبة في السلطنة العثمانية

стр. 792

ممن لهم صلة بالغرب عبر الرحلة أو السفارة وأمثالها. نقف هنا مع التحديث لأن مساره تعطل واختلط فيما بعد بظاهرة التغريب. الأصل في "التحديث" طلب العلوم النافعة من الغرب التي تساعد المسلمين في التقدم الطبي والصناعي والعمراني وغير ذلك، ومعلوم أن هذا النوع صعب وعسير ويحتاج إلى جهد ومشقة، وربما لهذا السبب فتَرَت هِممُ الولاة وهمم قادة التحديث -فضلًا عن أسباب كثيرة اختلطت بمشروع التحديث- عن التحديث، عندها بدأ يتسرب نوع آخر، يركز على المتعة والسهولة والإثارة دون أن يكون له فائدة، ومنه تسلل "التغريب" إلى مجتمعاتنا عبر الاهتمام بالفنون والآداب والفلسفات، فهي لا تحتاج إلى حركة وعمل، فيجلس مستهلكها على أريكته ويتلذذ بهذه الأنواع، ولكنها تحمل في طياتها أدوات تأثير خطيرة تزعزع العقول الضعيفة التي استولى عليها الجهل وقتلها التقليد والكسل المعرفي وانتشر في قلوب أصحابها أهواء خطيرة. بدأ التحول من "التحديث" إلى "التغريب"، كان الأصل في التحديث الاهتمام بالعلوم النافعة بخلاف التغريب الذي تحول إلى الآداب والفنون والأفكار النافع منها وغير النافع مع غلبة غير النافع. كان حملة التحديث أغلبهم من المسلمين الذين أرسلهم الولاة إلى أوروبا بخلاف أوائل حملة التغريب فأغلبهم من النصارى والأقليات الدينية الأخرى، وقد اعتنى الطرفان: "المحدثون والمتغربون" بالعلم الحديث، ولكن لكلٍّ وجهةٌ هو مولّيها، فبينما كان أهل التحديث همّهم العلم الأداتي: الطب والصناعة والعمران. . . .، كان أهل التغريب همهم الآداب والفنون والفلسفات والعلم ونظرياته وما له صلة بالدين والثقافة الإِسلامية وكثير مما هو من هوية الحضارة الغربية ومن خصائصها؛ وذلك أن الهدف عند مجموعة التحديث يختلف عنه عند مجموعة التغريب. همّ أهل التحديث القوة والتقدم والرقي بالجانب الدنيوي من عالمنا، أما أهل التغريب فكان همهم التخلص من الإِسلام وإحلال الثقافة الغريبة مكانه. حاجة الطرفين من الفكر الغربي تختلف باختلاف أهدافهم، لذا ركز الطرف الأول على الحقائق العلمية النافعة بينما ركز الثاني على النظريات العلمية العائمة، الأولى تُبنى عليها منافع دنيوية واضحة أما الثانية فتفتح الباب لتأملات فلسفية وعرض أيديولوجيات تدّعي العلمية يبنى عليها أسلوب الصراع مع الدين الذي يُراد التخلص منه.

стр. 793

ارتبط موضوع التحديث بالعلم، ومن هنا كانت النقاشات أكثر عقلانية فتدور حول: تقدم أوروبا، وأنه كان بسبب ما أخذته عن المسلمين في نهاية عصورها الوسطى، والواجب علينا استعادة مكانتنا عبر اهتمامنا بالعلم النافع، وأنه من الواجبات؛ لأنه من إعداد القوة، ويستدلون بتاريخنا العلمي، وكان تيار التحديث من أهل الإِسلام وانحرافاتهم -إن وقعت- غير غريبة داخل المسلمين؛ فهي غالبًا من النوع المعهود ونجده واضحًا مع المسلمين كـ"الطهطاوي" "والتونسي" وغيرهما، فهما على مذاهب بلادهما الاعتقادية والفقهية، وللطهطاوي مؤلفاته الشرعية، ومع ذلك وقعت منه زلات وهي معهودة في تاريخنا الإِسلامي ولم تخرج عن إطارنا التراثي في الغالب. بخلاف نصارى هذه المرحلة ممن كان في مراكز العالم الإِسلامي المهمة ولاسيّما مصر، فقد كان هوى أغلبهم غربيًا، وجاءتهم الفرصة مع مشروعات التحديث في عهد التنظيمات العثمانية الذي فتح لهم الباب أو مع تجربة محمَّد علي القائمة على تمكين غير المسلمين والاعتماد عليهم في التحديث، أو الضغط الشديد على بلاد المغرب التي فتحت باب الامتياز للأجانب، فوجدوا فرصة للحركة لا مثيل لها، تصل أحيانًا لدعمهم وتوليهم مثل ما حدث مع إسماعيل بأشا في مصر. حلم التحديث القائم على جلب العلم والصناعة والمدنية الذي شغل بال المفكرين والساسة (الثالث عشر/ التاسع عشر) سقط صريعًا مع الاحتلال الغربي لبلاد المسلمين وانكشف ضعفه وهزاله، وظهر في الواجهة أصحاب التغريب ليطغوا على أهل التحديث، مجموعة منهم استقلّت بعاصمة دولة الخلافة وكوّنت منها دولة هي تركيا، ومجموعات أخرى بقيت في تعاون وتنافس مع المستعمر حتى خرج بعد أن مكنها خلفه. لم ينقطع التحديث، ولا الابتعاث للغرب من أجل تحقيقه، ولكنه أصبح مُزاحمًا بالتغريب الذي وصل تأثيره إلى طائفةٍ كبيرة من أهل التحديث ووظفهم -دون أن يشعروا- لتحقيق الأهداف التغريبية فضلًا عن تدخل المستعمر في التوجيه والتأثير. وإلى هذا الحد سيقف الكلام على أهل التحديث مكتفيًا بمشاركة بعضهم تيار التغريب دون أن يشعروا بحقيقة تلك المشاركة، وأواصل الحديث مع أهل التغريب.

стр. 794

يعرف "التغريب" بأنّه: "تيار فكري ذو أبعاد سياسية واجتماعية وثقافية وفنية، يرمي إلى صبغ حياة الأمم بعامة، والمسلمين بخاصة، بالأسلوب الغربي، وذلك بهدف إلغاء شخصيتهم المستقلة وخصائصهم المتفردة وجعلهم أسرى التبعية الكاملة للحضارة الغربية" (١). وقد كانت المعارف الحديثة والعلوم العصرية وسيلة مميزة لدخول هؤلاء في بنية الصراع الاجتماعي داخل العالم الإِسلامي، ثم اتسع وجودهم مع وقوع الاستعمار الذي أخذ بأيدي هذا التيار ليصنع منهم قوة كبيرة، ظهرت أولًا في جماعات سرية وأحزاب علنية، ووصلت فيما بعد إلى رأس السلطة أو كانت أهم المشاركين فيها، أبرز صورها الصارخة والحادة: "جمعية الاتحاد والترقي" التي حكمت تركيا وألغت الخلافة، ثم ألغت المؤسسات الدينية وسعت إلى إلحاق المجتمع التركي بالغرب في أشدّ أنواع عمليات التغريب المعاصرة غلوًا وتطرفًا (٢)، وكانت القيادات التغريبية الأخرى التي تفردت بالسلطة أو كانت مشاركة تقود مجتمعات بلدانها بصُوَر متباينة -من بلد لآخر- نحو التغريب. كانت أوضح صورة في القسم العربي من العالم الإِسلامي ما عرفته مصر؛ حيث تضافرت مجموعة أسباب جعلت من مصر مركز تجمع لطائفة من المتغربين، ومن بين أفضل من يحدثنا عنهم الدكتور "محمَّد محمَّد حسين"، حيث ذكر أن قوام هذا الاتجاه عدد من أصحاب الثقافة الأوروبية الذين كان يسميهم خصومهم وقتذاك بالمتفرنجين، وقسمهم إلى قسمين: بعضهم من الشاميين النصارى الذين استقروا في مصر، وكانوا موزعين بين النفوذ الفرنسي والإِنجليزي، وأداروا أهم صحافة تلك المرحلة، وعرضوا فيها بشكل جذاب الفكر الغربي ودافعوا عنه بكل وسيلة، وقد كانوا أداة مهمة بيد الاستعمار فيما بعد، حيث تم التعاون معهم واستغلالهم. أما القسم الثاني فهم من المصريين وأغلبهم من المسلمين الذين فتنتهم الحضارة الغربية، فرعاهم الاستعمار وسهر على صناعتهم بعد التحول الخطير في الفكر الاستعماري القائم

стр. 795

على أهمية استنبات فئة من أهل المجتمعات المسْتَعْمرة تقوم بالدور نيابة عن المستعْمِر في تغريب المجتمع (١). إذا اهتم الاتجاه "السلفي" بالعلوم الشرعية وحث الأمة على طلب النافع فقط من العلوم العصرية، وإذا توجه الاتجاه "العصراني" نحو مشكلات واجهته فبرز بعلاجه المسكن للعلاقة بين الدين والعلم والقائم على التوفيق، فإن "التغريبي" ركز جهده على الآداب والفنون والأفكار والفلسفات بخيرها وشرها، صحيحها وفاسدها، مع تركيز خاص على ما يُصادم الإِسلام لحاجة في أنفسهم، فإذا وقفنا مع دوره في المجال العلمي فقط، فمما نجده: كان أوائل المتغربين من النصارى غالبًا، ولا نكاد نجد بينهم مسلمًا، ونجدهم أيضًا قد انصرفوا عن الاهتمام بالعلم النافع الذي لا جدال حوله إلى النظريات العلمية في العلوم الرياضية والطبيعية والاجتماعية التي تفتح جدالًا واسعًا، فضلًا عن عدم إمكانية التحقق منها في مجتمع يحاول رفع الجهل عنه. ثم تحولوا مع الأيام إلى مذاهب فلسفية وأيديولوجيات وضعية تدّعي العلمية بسبب انتسابها لتلك النظريات العلمية، ثم زاد هؤلاء درجة بجعل العلم هو المقدم بل البديل عن الدين، فالغرب وجهة التغريبيين لم يتقدم بحسب زعمهم إلا بعد أن أقصى الدين عن الحياة وقدم العلم، وقياسًا على ذلك ينبغي إبعاد العلم عن الدين وأن يتحرك العلم باستقلال تام وكيفما أراد وفق ضوابطه الخاصة فقط. لقد كشف لنا الفصل الرابع دور النصارى في الصحافة، حيث أشغلوا الساحة الإِسلامية فترة من الزمن بمسائل تنتسب للعلم ويظهر منها معارضة للدين، سواء كان ذلك في باب النظريات العلمية أو مناهج العلوم أو حتى في المكتشفات العلمية وأجهزتها الحديثة. وأبرز الأمثلة على ذلك انشغال التيار التغريبي فترة الاستعمار البريطاني لمصر بنظرية غريبة هي الدارونية، وكأن الغرب العلمي لا يوجد فيه سوى هذه النظرية، وكأن العلم هو فقط نظرية داروين التطورية والمذهب الداروني القائم عليها. تفرغ قادة التغريب لهذه النظرية

стр. 796

وانصب جهدهم حولها تعلمًا وتأليفًا وكتابة صحفية ومحاضرات ثقافية، وتحولت النظرية معهم إلى دين جديد لا علاقة له بالمفهوم العلمي ولا حتى بالنظرية العلمية، وربطوا دعوتهم ومذهبهم ووجودهم بهذه النظرية، وأشعروا من حولهم أنه لا تغير ولا تحول إلا بهذه النظرية. والعلم عندهم في المرحلة الأولى من التغريب العلموي هو المرادف لنظرية التطور الدارونية، نجده في المرحلة الأولى بارزًا عند "شبلي شميل" و"فرح أنطون"، ثم بعدهما عند "سلامة موسى"، ثم دخلت على بعض المسلمين كما نجده بارزًا عند "إسماعيل مظهر" وغيره. أعقب هذه المرحلة الدارونية الأولى انتشار غريب لهذا التيار التغريبي واشتهر بين الحربين العالميتين "الأولى والثانية" (١)، كما أن الأحزاب الجديدة التي برزت في تلك المرحلة قد اخترقها هذا التيار بقوة، وأصبحت قوة سياسية للتغريب وأهدافه فتوسع مجال نشاطها من فكري إلى اجتماعي عام بكل أشكاله (٢)، "والذي يثير الانتباه لدى الكتاب التغريبيين -من المصريين خاصة- هذا الانقياد الكامل والاستسلام العجيب للقيم الغربية، وهذا الغياب المطلق لكل روح نقدية بإزاء هذه القيم. فلقد اشتغلت رؤوسهم ذكاء ونقدًا للمدنية العربية الإِسلامية بينما تقلص هذا الذكاء تقلصًا كاملًا بإزاء المدنية الغربية التي كانت تلاقي في عقر دارها، في الفترة نفسها، انتقادات لا ترحم. . . ." (٣). والمتأمل في حركة التغريب والباحث فيها لا يجد سببًا مقنعًا في تخصيص طائفة منهم بهذه التبعية العمياء دون غيرهم، فهم يشتركون في هذه التبعية، وما خفّ إعلانها إلا بعد النقد الإِسلامي وكشف حقيقتها. يمكن ذكر نموذج على سبيل الاختصار هنا؛ لأن الاتجاه هو موضوع البحث في جميع الفصول، فيُعرض هنا من أجل شيء من المقارنة بين الاتجاهات الثلاثة، وسيكون المثال أحد أهم شخصيات الفكر التغريبي في بدايات تكونه وهو "شبلي شميل".

стр. 797

فقد كانت الدارونية هي مصدره الأهم، يقول أحد المتخصصين في فكره: "فمن المؤكد أن المصدر الأوّل لآرائه وأطروحاته الفكرية والاجتماعية هو في الفكر المادي الغربي والمدرسة الدارونية" (١). وعبر المقارنة بين الحضارتين -الإِسلامية والغربية- وجد "شميل" أن الغرب كان تقدمه بسبب العلم، وكان الفكر المادي في تلك الحضارة أبرز المستغلين لنجاحات العلم وقدم نفسه بأنه "قادر على تقديم مشروع علمي يربط أجزاء الكون في صيغة نظام محكم يقوم على مجموعة قوانين ميكانيكية. . . . "، إلى أن قال: "أسرع الشميل يتبنى من دون تردد مذهب "النشوء والارتقاء" دافعًا به إلى منتهاه المنطقي، مستخرجًا ما وسعه من الأبعاد الفكرية والسياسية والاجتماعية، متجاوزًا بذلك إطاره العلمي الصرف إلى بعده الفلسفي الشامل" (٢)، ويتخذ منه منهجًا لدراسة قضايا الفكر والواقع جميعًا (٣). وإذا كانت حقيقة الدين قائمة على الإيمان بوجود الرب سبحانه؛ فإن "شميل" وحسب الباحث السابق لم يعد يؤمن بهذا الرب، و"أمسى مع تطور حياته واتجاهه في مسار العلم الطبيعي، ضربًا من الوهم، لا مكان له بين حقائق تفكيره" (٤)، فيصبح الاعتراف بأهمية وجود الدين أو وجود حقائق دينية لا مكان له داخل هذا الفكر، ويصبح من الكلام الفارغ الحديث عن تقديم الدين على العلم أو العكس؛ لأن هذا الفكر لا يؤمن بأساس الدين ذاته فكيف يقبل ببقية حقائقه؟! ومن هنا يصبح المقدم هو ما عرفوه من ظاهر الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون، وقد وجدوا آنذاك نظرية "داروين" أمامهم جاهزة بما تحمله من مضامين يمكن بها هدم الدين مع فئة ذات خصومة مع الإِسلام، يتناغم ذلك مع اعتقاده بأن الحاسة الدينية آخذة في الضعف وأنها ستزول كلما ارتقت العلوم وازداد انتشارها بين الناس، وقيام الدنيا وصلاحها وتطورها لا يقوم إلا على العلم (٥)، إلى غير ذلك من المبادئ التي يؤصلها شميل للتيار التغريبي معتمدًا بحسب زعمه على العلم، مع أنه إنما يعتمد على مذهب فكري مادي أراد استغلال العلم.

стр. 798

فمثل هذا النموذج يعطي صورة مختصرة عن منهجية الاتجاه التغريبي العلموي، فقد أنهى علاقته بالدين من جهة، وربط مشروعه بعلاقة جديدة مع تيارات الفكر الغربية على سبيل التبعية التامة والتقليد الحرفي، وهو عندما يتعامل مع العلوم والنظريات فهي من مركب كبير يأخذه عن الغرب ولكنه يوظفه توظيفًا جديدًا في البيئة الإِسلامية، ومن صور ذلك التوظيف ما نراه من جعل الفلسفات والأيديولوجيات والنظريات الفكرية والعلمية مكان الدين. وفي هذا الباب نجد تركيز الاتجاه المتغرب على زعمٍ مفاده عدم إمكانية الانتقاء من الحضارة الغربية، فليس أمام المجتمعات الإِسلامية سوى أخذ الغرب بكامله أو تركه بكامله، فدعوى التفريق بين المفيد في الغرب وبين أمراضه دعوى غير ممكنة، ويقول: إنه لا يفهم هذه العقلية التي تفكر بهذه الطريقة (١)، وفي موطن آخر يحلل هذه العقلية التي يصفها بالإصلاحية الإِسلامية والمحافظة عمومًا التي تشطر الحضارة الغربية إلى شطرين: شطر روحي وأيديولوجي، وهو مرفوض؛ لأنه نابع من مصدرين: إما النصرانية أو العلمانية، والعالم الإِسلامي ليس بحاجة لهذا الشطر؛ لأن في الإِسلام ما يغنيه عنه، والعلماني منه مرفوض؛ كونه ضد الإِسلام، أما الشطر الآخر فهو المادي والتكنولوجي والعلمي، الذي يقبل الفكر الإِسلامي (٢)، وهو يقف عكس هذا الموقف تمامًا حيث أعلن الحلول التي اهتدى إليها التي "تقوم على رَكْل كل تراث أخذناه من عصور الانحطاط، الاستفادة من تجارب الحضارات الراقية في تجديد الحياة من كل الوجوه. . . ." (٣). هذه عينة من الموقف التغريبي، التي تدافع عن التغرب الواسع دون حدود إلا تلك الحدود التي تضعها انتماءات المتغرب الفكرية العلمانية، وهي تعلن بصراحة نبذ الإِسلام وحضارته والارتماء في حضارة الغرب، وهو موقف لا يقول به عاقل، فكل الأمم تتعامل مع غيرها بانتقاء المفيد وترك غيره، وأركز هنا على

стр. 799

نقطة اعتنى بذكرها وهي صعوبة هذه القسمة، والجواب: أننا نفرق بين الصعوبة والاستحالة، فالاستحالة لا يقول بها مدقق، إلا أن تكون استحالة متوهمة بسبب اتساع العماية، أما الصعوبة فنعم هناك صعوبة، ولكن لا تعني هذه الصعوبة أخذ كل الحضارة الغربية بما فيها من خير وشرّ.

стр. 800

الباب الثاني التأثر المنهجي في الفكر التغريبي بالانحراف المصاحب للعلم الحديث وفيه ثلاثة فصول: • الفصل الأول: التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال. • الفصل الثاني: التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية. • الفصل الثالث: التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية.

стр. 801

الباب الثاني التأثر المنهجي في الفكر التغريبي بالانحراف المصاحب للعلم الحديث لا يخفى أن العلم الحديث كان له أثرٌ كبير في حياة البشر، كما أن له أثرًا خطيرًا على مناحي الفكر، ولا يخفى أن العلم الحديث قد ارتبطت به مشكلات ترجع أساسًا للدور الخطير الذي لعبته العلمانية داخل أوروبا؛ حيث مدّت بأصولها ورؤيتها ومناهجها في أغلب مكونات العلم الحديث، وتحول العلم الحديث إلى أداة مع التيارات الفكرية، كل تيار يسحب العلم نحوه ويُلبسه لباسه ويستخدمه في خدمة رؤيته، وقد كانت التيارات العلمانية الغربية تشترك في هجر الدين أو محاربته، فوظّفت العلم في ذلك، أو وظفت مناهجه أو نظرياته أو فلسفته، وقد أخذ بهذه الآثار طائفة المتغربين في العالم الإِسلامي. وهذا الباب يبحث أثر ذلك عليهم في ثلاثة أبواب مهمة، أولها حول التأثر في باب المنهج، والثاني في باب الغيب، والثالث في باب الشريعة، وذلك بالنظر في أثر الانحراف المصاحب للعلم الحديث على المتغربين في هذه الأبواب الثلاثة، والمشكلات التي وقعت، وخطورة ذلك على الدين وعلى الفكر

стр. 802

وعلى الإنسان، وكل ذلك سيبحث بإذن الله في ثلاثة فصول هي: الفصل الأول: التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال. الفصل الثاني: التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الغيبية الاعتقادية. الفصل الثالث: التأثر المنهجي في طريقة التعامل مع القضايا الشرعية العملية.

стр. 803

الفصل الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال وفيه مبحثان: • المبحث الأول: التأثر المنهجي في مصدر التلقي. • المبحث الثاني: التأثر المنهجي في منهج الاستدلال.

стр. 804

الفصل الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي وطرق الاستدلال لقد ارتبط بالعلم الحديث مناهج وطرق في النظر والبحث والاستدلال، وقد كان بعض هذه المناهج معروفًا في الحضارات البشرية، وإن كان قد حصل لها تطوير كبير في الحضارة الحديثة. وقد اكتسبت المناهج خصائص ترجع للبيئات التي ظهرت فيها، فمن المُسلّم به الآن في فلسفات العلم أنه لا وجود لمناهج منفصلة عن بيئتها الفكرية والثقافية، ومن ذلك ما حصل لمناهج الفكر والعلم الحديثة في الحضارة الغربية، فهي رغم ما تحاول الظهور به من تقنية عالية وموضوعية، إلا أنها قد اكتسبت خصائص بيئتها العلمانية، مما جعلها ذات موقف خطر فيما يتعلق بأبواب الدين، وتحوي ثغرات خطيرة استغلها أعداء الدين في صراعهم ضدّ الدين، وقد انساق في هذا العداء أو وقع في هذا الانحراف طائفة المتغربين العلمانيين. ومن بين الأمور التي وقع فيها المتغربون العرب من جهة المنهجية أمران: الانحراف في المصدر، بحجة أن العلم لم يتقدم إلا بعد تركه مصدر الدين وهو الوحي، والانحراف في الاستدلال، بحجة أن العلم لم يتقدم إلا بعد تركه المنهجية الدينية، وذلك باعتماد الموضوعية. وقد عُنِيَ الفكر الغربي الحديث بالمنهج، فجاء ذلك مع التطور العلمي

стр. 805

والفكري الذي كانت بداياته في عصر النهضة، فبعد أن وقعت تلك التحولات المهمة في مجال العلم مع "كوبرنيكوس" و"جاليليو" وغيرهما، ظهرت أهمية تأطير هذا النشاط بمنهج، فجاءت جهود كل من "بيكون" و"ديكارت" بوصفها أهمّ العلامات البارزة في هذا الميدان، مال الأول إلى الجانب التجريبي الحسي بينما اتجه الثاني إلى الجانب العقلي الرياضي، وحدث بعد ذلك تطورات مختلفة كان أهمها على مستوى المنهج جهود ستيورات مل، ثم اتسع الباب مع ظهور الفلسفات العلمية وأهمها الوضعية والمادية والوضعية المنطقية وفلسفة التحليل والتطورية وغيرها. وإذا ابتعدنا قليلًا عن النظرة الجزئية ونظرنا في الأمر في إطاره العالمي، فإن هذا التحول المهم داخل أوروبا من جهة المنهج قد سُبق بانعطاف كبير في باب المناهج بوساطة الإسهام المهم والضخم الذي قدمته الحضارة الإِسلامية، لاسيما من جهتين: أولاهما من قبل نقاد المنطق، والثانية من جهة المشتغلين بالعلوم الدينية والدنيوية، حيث فسح نقد منطق "أرسطو" المجال نحو البحث عن منهج آخر يُسهم في إثراء المعرفة النافعة العلمية والعملية داخل الحضارة الإِسلامية ومن تأثر بها (١)، وهو ما وجده المشتغلون بالعلوم بعد ذلك في المنهج التجريبي، حيث بدأ المسلمون في تأسيسه، ونجحوا في تشغيله دون أن يقع نزاع بين الدين وبين تلك العلوم ومناهجها، وإن لم يواصلوا فيه حتى يجنوا ثماره لأسباب تاريخية سبق ذكر شيء منها. وقد استفادت أوروبا من هذا النشاط المهم والإسهام الكبير للحضارة الإِسلامية، فأخذت معالم هذا المنهج وانطلقت به إلى ذراه المختلفة، إلا أن مسيرته في أوروبا قد اختلفت عن مسيرته في الحضارة الإِسلامية حيث وقع الفصام النكد بين الدين والعلم، ومن ذلك ما وقع في المنهج ذاته وفي الإطار الذي تتحرك فيه نظرية المعرفة وفلسفات العلم التي تعتني بالعلم ومناهجه. ارتبط العلم الحديث بالمنهج التجريبي وعمدته على الاستقراء، فبدأت صياغته الفعلية النظرية وتطبيقاته المثمرة في الحضارة الإِسلامية، ثم توسع أمره في الحضارة الغربية الحديثة، وبسبب ما طرأ على مسيرة الفكر الغربي من نزعة

стр. 806

علمانية وهروب من الدين، فقد أثّر ذلك في مناهج العلوم والأفكار والآداب والفنون وغيرها، وانتقل ذلك إلى الجيل التغريبي داخل العالم الإِسلامي، فقد تبنى هذا الاتجاهُ التغريبي الانحرافَ المنهجي المتلبس بالمناهج المختلفة في المعارف والآداب والأفكار، وسعوا إلى تطبيقه على كل ما يمكنهم تطبيقه عليه في عالمنا الإِسلامي. وسيقف البحث هنا مع أخطر المشكلات التي أثارها الاتجاه التغريبي في المنهج ولاسيّما حول مصدر المعرفة واستبعاد الوحي، ومنهجية الاستدلال ولاسيّما المشكلات التي أثارها مبدأ الموضوعية.

стр. 807

المبحث الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي يُعد موضوع "المصدر" من القضايا المفصلية في التصور الإِسلامي، فهو مسألة أساسية، وفيه يقع الافتراق بين أهل المنهج الإِسلامي وبين غيرهم، فمن مكونات العقيدة الإِسلامية الإيمان بالرسل والإيمان بالكتب، ومن ذلك الإيمان بأن خاتمهم هو محمَّد ﷺ ، وبه كَمُل الدين ونسخ ما قبله من الرسالات، وختمت الكتب السماوية بالقرآن الكريم، وختم الوحي بالكتاب والسنة، وبهذا يكون مصدر الاعتقاد ومصدر العمل مستقى من الكتاب والسنة، وأغلب صور الانحرافات الدينية تبدأ من مشكلة المصدر، فإن الإِسلام جاء ليؤسس حياة جديدة تنطلق من الوحي: الكتاب والسنة. في المقابل يقوم الانحراف بمقدار الابتعاد عن هذا المصدر الإلهي، في الاعتقاد والعمل والرؤية والحياة كلها، فهناك من يضع العقل منافسًا للوحي، وهناك من يضع الحسّ الموضع ذاته، وهناك من يضع الأشخاص، وهناك من يضع الحدس والكشف في موقف مشابه، إلى غير ذلك من المصادر التي يستقى منها التصور أو العمل، وقد كان هذا الأمر شائعًا في تاريخ المسلمين، حيث ظهرت فرق تبتعد عن المصدر بما تضعه من مصادر مشاركة أو بديلة عن الوحي،

стр. 808

واستمر ذلك حتى وقعت المستجدات الحديثة، وما تبع ذلك من الافتتان بالغرب الحديث، ومن ثم ظهور طائفة متغربة تقلد تيارات الفكر الغربي، ومن ذلك تقليدهم في مصدر المعرفة. ومن المعلوم أن مصدرية الوحي قد تعرضت في الغرب لنقد شديد، وقد حقق ذلك النقد نجاحًا خطيرًا، تسبب في التشكيك بمكانة الوحي عمومًا، ومما ساعد النقاد في نقدهم الصدام الكبير الذي وقع بين الكنيسة والمكتشفات العلمية الجديدة، فقد كانت الكنيسة تدّعي أن المعرفة الصائبة هي في الكتاب المقدس بينما أصحاب المعرفة الجديدة قد أعلنوا اكتشافات تخالف هذا الكتاب، ومع الأيام تحقق للناس صحة الكثير مما قدمه العلم مما حملهم على الشك في الوحي، وقد أسهم التحريف الذي وقع من الأحبار والرهبان في زيادة القناعة عند الناس بصدق المعارضين للوحي، ثم تعزز ذلك بالنقد التاريخي الذي قامت به شخصيات مختلفة لتلك الكتب المقدسة، ثم وقع الهجر الكبير لكتبهم المقدسة مع نجاح العلمنة في فرض رؤيتها على واقع الحياة في الغرب، ومن ثمّ الهجر النهائي لكتبهم المقدسة كمصدر للمعرفة، وقد سبق العرض التاريخي لهذه الأحداث والآثار المنهجية لها في المبحثين الأول والثاني من الباب الأول. وقد انساق المتغربون مع هذه الموجة الغربية، دون تفريق بين المختلفات، فانحرفوا في باب مصدر المعرفة، فأهملوا الوحي، وخلطوا في ذلك بين الحق والباطل. وهذا المبحث ينظر في هذه المشكلة التغريبية ولاسيّما أنها تغطيها بدعاوى العلمية، وقبل مناقشة ذلك لابد من التفريق بين مصدر يكون للدين ومصدر يكون للعلوم الدنيوية، فإذا كان الأول محصورًا في الوحي فإن العلوم الدنيوية متروكة للجهد البشري، والنظر في النافع منها وَفْق مصادرها التي بثّها الله في الآفاق وفي الأنفس، في الحس وفي العقل وفي المركَّب منهما، شريطة الحركة في الإطار الإِسلامي للمعرفة، وهنا وقفة مع مصدر المعرفة غير الدينية. مصدر العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية: أصبح للمنهج شأنه في الفكر الحديث، وظهرت ثماره جلية في العلوم التجريبية، وأصبح لكل فرع من فروع العلم منهجه، وكل عاقل يعلم أهمية المنهج وفائدته للعلم، ويبقى المُشْكل أن المعرفة لابد لها من مصدر تؤخذ منه

стр. 809

وطريقة للوصول إليها، وعند العودة إلى أهم العلوم البشرية غير الدينية نجدها ترجع إلى نوعين: النوع الأول: "الرياضية بمنهجها الاستنباطي: ويتألف من مقدمات أولية نضعها منذ البدء ونسلم بصدقها، ثم نستنبط منها بخطوات صورية محكمة قضايا تلزم عنها لزومًا منطقيًا، وهي النظريات الرياضية" (١)، وبهذا تكون نتائجها تحصيل حاصل، إذ النتيجة موجودة في المقدمات، ومن الواضح أن مصدرها عقلي. والنوع الثاني: "العلوم الطبيعية بمنهجها التجريبي وعمدته الاستقراء والقائم على أساسين: الاعتقاد بالرباط العلّي بين الحوادث، والاعتقاد باطراد الحوادث في الطبيعة. ويقوم على ثلاث خطوات هي: الملاحظات والتجارب، وتكوين فرض يفسرها، ثم تحقيق هذا الفرض"، على أن هذا هو التقليدي الذي عرف في الفكر الغربي مع بيكون ومل، وقد ظهر في مرحلة معاصرة صورة أخرى هي: "المنهج الفرضي الاستنباطي" الذي يجمع بين الاستقراء والرياضيات، ويعتمد مبدأ اطراد الحوادث ولا يهتم بالرباط العلي، والجديد فيه "أن التحقيق التجريبي ليس ممكنًا دائمًا في تلك الحالات" بخلاف التقليدي (٢)، ومن الواضح أن مصدر هذا النوع يغلب عليه الحسي؛ أي: عالم المادة والشهادة. وسيكون معيار التحقق في القسم الأول: التوافق بين النتائج ومقدماتها، أما القسم الثاني فمعياره هو التحقق الخارجي عن طريق التجربة (٣). فظهر لنا مصدران مهمان من مصادر المعرفة، هما العقل للعلوم الرياضية والهندسية وما في بابها، والحس للعلوم الطبيعية بشتى أنواعها. وهما مصدران معترف بهما شرعًا، ويكفي التأمل في معنى النظر الوارد ذكرهُ في النصوص، حيث نجده يدلّ على المعنيين: معنى التأمل العقلي، ومعنى النظر في العالم المحسوس (٤)، قال الفيروزآبادي ﵀: "نظره كنصره وسمعه، وإليه نظرًا ومنظرًا ونظرانًا ومنظرة

стр. 810

وتنظارًا: تأمله بعينه" إلى أن قال: "والنظر، محركة: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه" (١)، وعرفه صاحب "الكليات" فقال: "النظر: هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسًا لرؤيته" إلى أن قال: "والنظر: ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم. . . ." (٢)، ولكنه وإن كان يتضمن الدلالة على هذين المصدرين فإنه يرشد في الوقت نفسه إلى الغايات المحمودة من هذا النظر، لاسيما في ربط النظر بموضوع الإيمان بالله، وثمار ذلك في دنيا الناس وآخرتهم، كما أنه وإن تضمن الدلالة على مصدرية العقل والحس فإنه يدل على ما هو أعلى منهما وهو الوحي، ويكفي أن هذه الأدلة في القرآن الآمرة بالنظر مصدرها القرآن؛ أي: في ما هو أعلى منها. المصدر في العلوم الاجتماعية: تسعى العلوم الاجتماعية (علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإنسان) إلى احتذاء طريقة العلوم التجريبية الطبيعية لعلها تصل إلى دقتها ونجاحها (٣)، والذي يظهر أنها في جوانبها المادية تحقق نجاحًا ملحوظًا؛ لأنها مما يمكن إخضاعه للتجريب والإحصاء بخلاف الجوانب المعنوية التي فشل فيها عملهم، مما جعل بعضهم ينكر الجوانب المعنوية ويرفضها كما هو الحال مثلًا مع "المدرسة السلوكية" في علم النفس، أو يتحول إلى تقديم رؤىً عقلية لا تختلف عن مسار الجهود الفلسفية، كما هو الحال مثلًا مع مدرسة "التحليل النفسي الفرويدية"، فابتعدت الثانية عن مفهوم العلم كما يؤكد ذلك مجموعة من فلاسفة العلم المعاصرين ولاسيّما "كارل بوبر" ومن تأثر به (٤). فهي تصر على المصدر الحسي أو العقلي، وترفض في الوقت نفسه أي مصدر آخر. ومثل هذا الميدان يمكن تقسيمه إلى قسمين: قسم يجد مصدره في مصادر العلوم البشرية، وذاك ما يتعلق بالجانب المادي من الإنسان والمجتمع، وقسم لابد فيه من الوحي، وهو
следующие страницы →