← Общие книги

Общие книги · id 124358

النظريات العلمية الحديثة مسيرتها الفكرية وأسلوب الفكر التغريبي العربي في التعامل معها دراسة نقدية

حسن الأسمري

Полный текст (1 476 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

علمانية وهروب من الدين، فقد أثّر ذلك في مناهج العلوم والأفكار والآداب والفنون وغيرها، وانتقل ذلك إلى الجيل التغريبي داخل العالم الإِسلامي، فقد تبنى هذا الاتجاهُ التغريبي الانحرافَ المنهجي المتلبس بالمناهج المختلفة في المعارف والآداب والأفكار، وسعوا إلى تطبيقه على كل ما يمكنهم تطبيقه عليه في عالمنا الإِسلامي. وسيقف البحث هنا مع أخطر المشكلات التي أثارها الاتجاه التغريبي في المنهج ولاسيّما حول مصدر المعرفة واستبعاد الوحي، ومنهجية الاستدلال ولاسيّما المشكلات التي أثارها مبدأ الموضوعية.

стр. 807

المبحث الأول التأثر المنهجي في مصدر التلقي يُعد موضوع "المصدر" من القضايا المفصلية في التصور الإِسلامي، فهو مسألة أساسية، وفيه يقع الافتراق بين أهل المنهج الإِسلامي وبين غيرهم، فمن مكونات العقيدة الإِسلامية الإيمان بالرسل والإيمان بالكتب، ومن ذلك الإيمان بأن خاتمهم هو محمَّد ﷺ ، وبه كَمُل الدين ونسخ ما قبله من الرسالات، وختمت الكتب السماوية بالقرآن الكريم، وختم الوحي بالكتاب والسنة، وبهذا يكون مصدر الاعتقاد ومصدر العمل مستقى من الكتاب والسنة، وأغلب صور الانحرافات الدينية تبدأ من مشكلة المصدر، فإن الإِسلام جاء ليؤسس حياة جديدة تنطلق من الوحي: الكتاب والسنة. في المقابل يقوم الانحراف بمقدار الابتعاد عن هذا المصدر الإلهي، في الاعتقاد والعمل والرؤية والحياة كلها، فهناك من يضع العقل منافسًا للوحي، وهناك من يضع الحسّ الموضع ذاته، وهناك من يضع الأشخاص، وهناك من يضع الحدس والكشف في موقف مشابه، إلى غير ذلك من المصادر التي يستقى منها التصور أو العمل، وقد كان هذا الأمر شائعًا في تاريخ المسلمين، حيث ظهرت فرق تبتعد عن المصدر بما تضعه من مصادر مشاركة أو بديلة عن الوحي،

стр. 808

واستمر ذلك حتى وقعت المستجدات الحديثة، وما تبع ذلك من الافتتان بالغرب الحديث، ومن ثم ظهور طائفة متغربة تقلد تيارات الفكر الغربي، ومن ذلك تقليدهم في مصدر المعرفة. ومن المعلوم أن مصدرية الوحي قد تعرضت في الغرب لنقد شديد، وقد حقق ذلك النقد نجاحًا خطيرًا، تسبب في التشكيك بمكانة الوحي عمومًا، ومما ساعد النقاد في نقدهم الصدام الكبير الذي وقع بين الكنيسة والمكتشفات العلمية الجديدة، فقد كانت الكنيسة تدّعي أن المعرفة الصائبة هي في الكتاب المقدس بينما أصحاب المعرفة الجديدة قد أعلنوا اكتشافات تخالف هذا الكتاب، ومع الأيام تحقق للناس صحة الكثير مما قدمه العلم مما حملهم على الشك في الوحي، وقد أسهم التحريف الذي وقع من الأحبار والرهبان في زيادة القناعة عند الناس بصدق المعارضين للوحي، ثم تعزز ذلك بالنقد التاريخي الذي قامت به شخصيات مختلفة لتلك الكتب المقدسة، ثم وقع الهجر الكبير لكتبهم المقدسة مع نجاح العلمنة في فرض رؤيتها على واقع الحياة في الغرب، ومن ثمّ الهجر النهائي لكتبهم المقدسة كمصدر للمعرفة، وقد سبق العرض التاريخي لهذه الأحداث والآثار المنهجية لها في المبحثين الأول والثاني من الباب الأول. وقد انساق المتغربون مع هذه الموجة الغربية، دون تفريق بين المختلفات، فانحرفوا في باب مصدر المعرفة، فأهملوا الوحي، وخلطوا في ذلك بين الحق والباطل. وهذا المبحث ينظر في هذه المشكلة التغريبية ولاسيّما أنها تغطيها بدعاوى العلمية، وقبل مناقشة ذلك لابد من التفريق بين مصدر يكون للدين ومصدر يكون للعلوم الدنيوية، فإذا كان الأول محصورًا في الوحي فإن العلوم الدنيوية متروكة للجهد البشري، والنظر في النافع منها وَفْق مصادرها التي بثّها الله في الآفاق وفي الأنفس، في الحس وفي العقل وفي المركَّب منهما، شريطة الحركة في الإطار الإِسلامي للمعرفة، وهنا وقفة مع مصدر المعرفة غير الدينية. مصدر العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية: أصبح للمنهج شأنه في الفكر الحديث، وظهرت ثماره جلية في العلوم التجريبية، وأصبح لكل فرع من فروع العلم منهجه، وكل عاقل يعلم أهمية المنهج وفائدته للعلم، ويبقى المُشْكل أن المعرفة لابد لها من مصدر تؤخذ منه

стр. 809

وطريقة للوصول إليها، وعند العودة إلى أهم العلوم البشرية غير الدينية نجدها ترجع إلى نوعين: النوع الأول: "الرياضية بمنهجها الاستنباطي: ويتألف من مقدمات أولية نضعها منذ البدء ونسلم بصدقها، ثم نستنبط منها بخطوات صورية محكمة قضايا تلزم عنها لزومًا منطقيًا، وهي النظريات الرياضية" (١)، وبهذا تكون نتائجها تحصيل حاصل، إذ النتيجة موجودة في المقدمات، ومن الواضح أن مصدرها عقلي. والنوع الثاني: "العلوم الطبيعية بمنهجها التجريبي وعمدته الاستقراء والقائم على أساسين: الاعتقاد بالرباط العلّي بين الحوادث، والاعتقاد باطراد الحوادث في الطبيعة. ويقوم على ثلاث خطوات هي: الملاحظات والتجارب، وتكوين فرض يفسرها، ثم تحقيق هذا الفرض"، على أن هذا هو التقليدي الذي عرف في الفكر الغربي مع بيكون ومل، وقد ظهر في مرحلة معاصرة صورة أخرى هي: "المنهج الفرضي الاستنباطي" الذي يجمع بين الاستقراء والرياضيات، ويعتمد مبدأ اطراد الحوادث ولا يهتم بالرباط العلي، والجديد فيه "أن التحقيق التجريبي ليس ممكنًا دائمًا في تلك الحالات" بخلاف التقليدي (٢)، ومن الواضح أن مصدر هذا النوع يغلب عليه الحسي؛ أي: عالم المادة والشهادة. وسيكون معيار التحقق في القسم الأول: التوافق بين النتائج ومقدماتها، أما القسم الثاني فمعياره هو التحقق الخارجي عن طريق التجربة (٣). فظهر لنا مصدران مهمان من مصادر المعرفة، هما العقل للعلوم الرياضية والهندسية وما في بابها، والحس للعلوم الطبيعية بشتى أنواعها. وهما مصدران معترف بهما شرعًا، ويكفي التأمل في معنى النظر الوارد ذكرهُ في النصوص، حيث نجده يدلّ على المعنيين: معنى التأمل العقلي، ومعنى النظر في العالم المحسوس (٤)، قال الفيروزآبادي ﵀: "نظره كنصره وسمعه، وإليه نظرًا ومنظرًا ونظرانًا ومنظرة

стр. 810

وتنظارًا: تأمله بعينه" إلى أن قال: "والنظر، محركة: الفكر في الشيء تقدره وتقيسه" (١)، وعرفه صاحب "الكليات" فقال: "النظر: هو عبارة عن تقليب الحدقة نحو المرئي التماسًا لرؤيته" إلى أن قال: "والنظر: ترتيب أمور معلومة على وجه يؤدي إلى استعلام ما ليس بمعلوم. . . ." (٢)، ولكنه وإن كان يتضمن الدلالة على هذين المصدرين فإنه يرشد في الوقت نفسه إلى الغايات المحمودة من هذا النظر، لاسيما في ربط النظر بموضوع الإيمان بالله، وثمار ذلك في دنيا الناس وآخرتهم، كما أنه وإن تضمن الدلالة على مصدرية العقل والحس فإنه يدل على ما هو أعلى منهما وهو الوحي، ويكفي أن هذه الأدلة في القرآن الآمرة بالنظر مصدرها القرآن؛ أي: في ما هو أعلى منها. المصدر في العلوم الاجتماعية: تسعى العلوم الاجتماعية (علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الإنسان) إلى احتذاء طريقة العلوم التجريبية الطبيعية لعلها تصل إلى دقتها ونجاحها (٣)، والذي يظهر أنها في جوانبها المادية تحقق نجاحًا ملحوظًا؛ لأنها مما يمكن إخضاعه للتجريب والإحصاء بخلاف الجوانب المعنوية التي فشل فيها عملهم، مما جعل بعضهم ينكر الجوانب المعنوية ويرفضها كما هو الحال مثلًا مع "المدرسة السلوكية" في علم النفس، أو يتحول إلى تقديم رؤىً عقلية لا تختلف عن مسار الجهود الفلسفية، كما هو الحال مثلًا مع مدرسة "التحليل النفسي الفرويدية"، فابتعدت الثانية عن مفهوم العلم كما يؤكد ذلك مجموعة من فلاسفة العلم المعاصرين ولاسيّما "كارل بوبر" ومن تأثر به (٤). فهي تصر على المصدر الحسي أو العقلي، وترفض في الوقت نفسه أي مصدر آخر. ومثل هذا الميدان يمكن تقسيمه إلى قسمين: قسم يجد مصدره في مصادر العلوم البشرية، وذاك ما يتعلق بالجانب المادي من الإنسان والمجتمع، وقسم لابد فيه من الوحي، وهو

стр. 811

الجانب المعنوي، فمهما بلغ تقدم هذه العلوم فإنها تبقى تائهة بإهمالها الوحي الذي نزل للنفس الإنسانية والمجتمع. وهذا يجعل المهمة صعبة وكبيرة على الأمة الإِسلامية المعتزة بدينها الواثقة بمصدرية الوحي الذي بين يديها، في تصحيح مسار هذه العلوم بعد أن رفضت الوحي مصدرًا للمعرفة، واكتفت بالحسي أو العقلي. ويبقى هذا موطنَ صراع بين الاتجاه الإِسلامي الذي يجتهد في الإبداع المعرفي والحضاري القائم على استخلاص النافع من هذه العلوم وإعادة الاعتبار لمنزلة الوحي في توجيهها، وبين الاتجاه التغريبي الذي يحرص على تقليد الغرب في علاقته بالوحي وحرصه على علمنة المعرفة وتفريغها من كل معنى ديني. دعوى تغريبية: ويحسن في هذا الموطن مناقشة تلك الدعوى التغريبية التي طالما أثاروها ضد خصومهم من الاتجاهات الإِسلامية، فيقولون: إن دعاة أسلمة المعرفة يدّعون أن الدين والوحي فيهما المسائل الرياضية والطبيعية، العقلية والتجريبية، الاستنباطية والاستقرائية، فيهما مسائل الرياضة والهندسة والفيزياء والكيمياء وغيرها. والذي يظهر أن أهل التغريب مقصدهم منها الخصومة فقط وتشويه موقف الاتجاه الإِسلامي، وهو يكشف أن الهوى هو السائد على الاتجاه التغريبي في اتخاذه لمواقفه، وأنه يُضحي بكل بعد أخلاقي للجدال والمناقشة. ومع قناعة الباحث بأن هذا هو دافعهم لمثل هذه المقولة إلا أنه من باب التنزّل مع الخصم يقال: إن دعاة التأصيل الإِسلامي للعلوم -أو أسلمة المعرفة أو التوجيه الإِسلامي أو غير ذلك- ممن يحرصون على المرجعية الإِسلامية لم يقصدوا بذلك أن يتحول القرآن والسنة إلى معادلات رياضية أو تفاعلات كيميائية، فهذه ميدانها الاستنباط العقلي والتجريب والاستقراء، ويكفي الدينَ أنه حثّ على النافع الصحيح من المعرفة ودعا إلى ربطها بما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم، وأطّرها برؤية شمولية ربانية. ولم نعرف أحدًا من أهل العلم المعتبرين في كل التيارات الإِسلامية قد قال: إن الوحي يحوي تفاصيل المسائل الرياضية والهندسية والفيزيائية والكيميائية وغيرها، وكلامهم يرجع إلى أن الدين قد حثّ عليها ودلّ عليها، ومن ذلك حثه على تحصيل العلم النافع، أو أن الدين لا يعارض هذا العلم النافع، أو أنه يربط هذه المعارف برؤية متكاملة متعاونة:

стр. 812

مصدرها الوحي، فضلًا عما يمدنا به الدين من دعم قيمي وأخلاقي يضبط العلوم في طريقة تكوّنها أو في واقع عملها في حياة الناس. حتى أولئك الذين بالغوا في ذكر المعارف الحديثة في أثناء تفسيرهم القرآن الكريم -رغم اعتراض أغلب علماء الإِسلام عليهم- لم يقولوا: إن في القرآن الرياضيات والهندسة والفيزياء والكيمياء، وإنما إذا ورد ذكر شيء من مخلوقات الله في آية قرآنية، قام ذاك المفسر بذكر ما يعلمه عن هذا الكائن في العلوم المعاصرة، وهو أقرب إلى الدعوة للتفكر في خلق الله، وهو بمنطق المتغربين يحسب للمفسر لا عليه؛ لأنه بهذا الفعل يعمم المعرفة العلمية الحديثة ويقربها من القارئ الذي قد لا يكون متخصصًا في هذه العلوم، فإن وجد اجتهاد عند المفسر وحاول الربط بين آية وبين معارف علمية حديثة، فأغلب أهل العلم لا يحبذ مثل هذا الاجتهاد إلا في ظلّ ضوابط شديدة، فإننا إذا رجعنا إلى الاتجاه السلفي نجده يعترض بشدة ويحذر بقوة من التساهل في تفسير آيات قرآنية أو أحاديث نبوية بنظريات علمية أو مفاهيم علمية، فكيف يقال بهذه الدعوى عن الاتجاه الإِسلامي. أسباب الانحراف في المصدر: من يحلل دعوى أهل التغريب يصل إلى عنصرين مؤثرين في انحرافهم حول مصدر المعرفة، فهم يرفضون مصدرية الوحي أو يتحايلون عليها، والعنصران هما: "التبعية للفكر الغربي، وظروف الصراع وأحواله". ومن المهم تحليلهما بسبب استمرار عملهما وخطورة ذلك، كما أنهما كونا الإطار العلماني لمفهوم المصدر. ١ - التبعية للفكر الغربي: رغم مزاعم أهل الفكر التغريبي في التحرر والعقلانية، إلا أنهم منقادون للفكر الغربي العلماني ومستسلمون له، والموضوعي منهم يصرح بأنهم في مرحلة التتلمذ، ويقول بأننا طلاب على موائدهم المعرفية، فلا يحق لنا الاعتراض، ودورنا الحالي هو الدراسة والفهم ومحاولة اللحاق بهم. بعضهم ضحايا حقيقيون: فمن طفولته وهو في جو تغريبي، وكانت دراسته في هذا الجوّ، ثم سافر إلى الغرب ليكمل مسيرته وينضمّ لتيارات فكرية لا دينية أو إلحادية، وتبقى حدود إمكانياته أن يكون في أحسن أحواله عضوًا في هذا الاتجاه، مخلصًا في

стр. 813

تحقيق رسالته، فانخرط في تيارات غربية كانت قد صفّت حسابها مع الدين المعروف في بيئاتهم "اليهودي والنصراني" بفرقه ومذاهبه، إلا أن تلك التيارات تزعم أنها بعد أن تخلصت من الدين، توجهت نحو العلم، وقد ظهر واضحًا في التيارات المادية ولاسيّما الماركسية والتيارات الوضعية، فهي تيارات تدّعي العلمية وتمثيلها للعلم، كما أنه يغلب على أتباعها الولاء الشديد والتبعية العمياء. من بين أبرز الشهادات على هذه التبعية المطلقة ما نجده عند أحد رموز الفكر التغريبي "سلامة موسى"، ففي أواخر النصف الأول من القرن الماضي كتب مقدمته المشهورة لكتابه "اليوم والغد" ويقول عن خلاصة تجربته: إنها "تتلخص في أنه يجب علينا أن نخرج من آسيا وأن نلتحق بأوروبا؛ فإني كلما زادت معرفتي بالشرق، زادت كراهيتي له، وشعوري بأنّه غريب عني؛ وكلما زادت معرفتي بأوروبا، زاد حبي لها، وتعلقي بها، وزاد شعوري بأنها مني وأني منها"، إلى أن قال: "وأريد من التعليم أن يكون تعليمًا أوروبيًا لا سلطان للدين عليه ولا دخول له فيه" (١)، ثم قال: "أجل، يجب أن نكون أوربيين، بل أوربيين صالحين، نشترك في "عصبة الأمم" ونعمل لتقدم العلوم، نخترع، ونكتشف، ونقدم مواهبنا لخدمة الإنسان ورقيِّهِ، ونعيش عيشة حرة بعيدة عن التعصب أو الجمود، بحيث ينتفع منا العالم كما ننتفع به. هذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرًا وجهرة. فأنا كافر بالشرق، مؤمن بالغرب. . . ." (٢)، وكان يوسم عند محبيه بأنّه أحد دعاة النهضة العربية، وأنه يريد تأسيسها على قواعد صلبة على غرار ما تم في الغرب "استنادًا على العلم الحديث ونظرياته، وفي مقدمتها نظرية التطور" (٣)، وهذا يعني أنه لابد من ترك مصادرنا تمامًا واستبدالها بالعلم الذي هو في النهاية صورة فلسفية إلحادية تبناها بعض شُرّاح نظرية داروين، وأرادوا تعميمها كإطار عام لماديتهم، وبزعم أنها هي العلم. وعلى منوال الكتابات التغريبية يدعو لتجاوز العصور الوسطى المظلمة تقليدًا للتحقيب الأوروبي لعصورهم، فهي عندنا كما يقول: "التقيد بالنصوص في

стр. 814

الكتب الموروثة، دون مباشرة الطبيعة، بتسليط العقل عليها، واستخراج المعارف منها. وهي سيادة العقائد على المعارف. وهي الاكتفاء بالثقافة الدينية دون الثقافة المدنية"، وأهم خطوة عنده لتحقيق ذلك هو رفع شعار العلمانية التي خلّصت أوروبا من أديانها، "هذه النزعة الأوروبية، التي شملت جميع الأمم المتقدمة، جاءت بعد ما قارن الناس بين العلم والدين، واختاروا العلم الذي وجدوه أثبت. هذه الخطوة ذاتها، وهي تجرؤ العقول على الدين، ورفض الإيمان الأعمى به، جعلت العقول تتجرأ أيضًا على سائر الأمور الاجتماعية. . . . فصار الناس يفكرون مثلًا في الطلاق والزواج، والعائلة، والامتلاك، وأصل العالم، بدون أن يحسبوا حسابًا لسلطة إلهية تدبر هذه الأشياء" (١). وقريبًا من هذا الإعلان التغريبي نجد عند "طه حسين" قوله: "كل هذا يدل على أننا في هذا العصر الحديث نريد أن نتصل بأوروبا اتصالًا يزداد قوة من يوم إلى يوم، حتى نصبح جزءًا منها لفظًا ومعنى وحقيقة وشكلًا" (٢)، ويقول: "لكن السبيل إلى ذلك ليست في الكلام يرسل إرسالًا، ولا في المظاهر الكاذبة والأوضاع الملفقة، وإنما هي واضحة بينة مستقيمة ليس فيها عَوَجٌ ولا التواء. وهي واحدة فذة ليس لها تعدد وهي: أن نسير سيرة الأوروبيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادًا، ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرِها وشرِّها، حلوِها ومرِّها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب. ومن زعم لنا غير ذلك فهو خادع أو مخدوع. . . ." (٣)، وحسب رأيه فاستقلالنا العلمي والفني والأدبي لا يتحقق إلا بوسائله وهي "أن تتعلم كما يتعلم الأوروبي، لنشعر كما يشعر الأوروبي، ولنحكم كما يحكم الأوروبي، ثم لنعمل كما يعمل الأوروبي، ونصرف الحياة كما يصرفها" (٤)، ومن العجب أن كل هذه التبعية المدهشة والتقليد الأعمى يعرض على أنه المستقبل لثقافتنا. وقد اشتدت هذه التبعية مع بروز تيارات فكرية وأحزاب سياسية ذات منظور

стр. 815

أيديولوجي تغريبي، وأشهرها المجموعات الماركسية العربية وغير العربية في البلاد الإِسلامية، حيث أصبح المصدر الوحيد عندهم هو الماركسية، وكل ما سواها فلغوٌ وخرافة، وفي ذلك يقول أحدهم: "إن الإِسلام والعلم في هذا الأمر على طرفي نقيض. فبالنسبة للدين الإِسلامي -كما بالنسبة لغيره- إن المنهج القويم للوصول إلى مثل هذه المعارف والقناعات هو الرجوع إلى نصوص معينه تعتبر مقدسة أو منزلة. أو الرجوع إلى كتابات الحكماء والعلماء الذين درسوا هذه النصوص وشرحوها. أما تبرير العملية بأسرها فيستند إلى الإيمان أو الثقة العمياء بحكمة مصدر هذه النصوص وعصمته عن الخطأ. ومن نافل القول أن نردد أن الطريقة العلمية في الوصول إلى معارفنا وقناعتنا عن طبيعة الكون ونشأته وعن الإنسان وتاريخه تتنافى تمامًا مع هذا المنهج الاتباعي السائد في الدين؛ لأن المنهج العلمي قائم على الملاحظة والاستدلال، ولأن التبرير الوحيد لصحة النتائج التي يصل إليها هذا المنهج هو مدى اتساقها المنطقي بعضها مع البعض الآخر ومدى انطباقها على الواقع" (١)، والإحالة عند صادق العظم -صاحب المقولة- ليست إلى العلم الرياضي والطبيعي القائم على الاستدلال والملاحظة، وإنما إلى الصورة الماركسية لهذا العلم؛ أي: في ظل التوظيف الماركسي لمعطيات العلم والاستغلال الأيديولوجي له، لقد تحول مفهوم العلم عند الماركسيين إلى مفهوم مطابق للماركسية، الماركسية هي العلم، وقد ظهر فيما بعد باسم "الاشتراكية العلمية"، تلاعبًا منها بهذا المصطلح المحبوب عند الناس، على أن أيديولوجية (الماركسية/ العلم) هي الإلحاد، فيصبح العلم قرين الإلحاد، وهي صورة تلبست التيار المادي التغريبي من شبلي شميل إلى سلامة موسى إلى صادق العظم إلى الأحزاب والتيارات الماركسية العربية الكثيرة التي أعلنت بصراحة افتخارها بالإلحاد. تعد هذه التبعية العمياء من الأمراض الخطيرة، وقد حذّر منها النبي ﷺ ، فعن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "لتتبعُنَّ سنن من كان قبلكم شبرًا شبرًا وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ تبعتموهم". قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟! " (٢)، والموغلون في التبعية يُصبحون في حكم

стр. 816

من ذكرهم الله في كتابه محذرًا من ذاك المرض الخبيث الذي أعمى أبصارهم وأصمّ آذانهم عن الحق، وأصبح شعارهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، وفي الآية التي بعدها ﴿مُقْتَدُونَ﴾، قال سيد قطب: "وهي قولة تدعو إلى السخرية، فوق أنها متهافتة لا تستند إلى قوة. إنها مجرد المحاكاة ومحض التقليد، بلا تدبر ولا تفكر ولا حجة ولا دليل. وهي صورة مزرية تشبه صورة القطيع يمضي حيث هو منساق؛ ولا يسأل: إلى أين يمضي؟ " (١). والتبعية العمياء نابعة من الهزيمة النفسية والانبهار القاتل وهي حاصلة بسبب الابتعاد عن تحقيق الدين في النفوس والمجتمعات، ومن بين آثارها في موضوعنا: البقاء طول العمر في التقليد والتبعية والبقاء في موضع أقل شأنًا من الأسياد، ويلحق بذلك عدم الحرص على المنافسة وطلب القوة وتحقيق الاستقلال المعرفي والعلمي، هناك استسلام يقتل أي طموح أو تقدم، كما أنه يُمكّن الأعداء من المسلمين، حيث ستبقى لهم السيادة والتوجيه ما بقي فينا قوم بمثل هذه الرؤية. ويأتي خطرها الديني والفكري الأبعد شأنًا بعد ذلك: أنَّ أصحاب التبعية لا ينظرون لتراثهم ودينهم، بل أنفسهم، إلا من خلال المتبوع، أصبح هو المصدر الوحيد لمعرفتنا حول كل شيء حتى ذواتنا. وستُغطَى معايب هذه التبعية عند أهل التغريب بادعائهم أنهم ينشدون العلم في الغرب ويضعونه مصدرًا جديدًا لهم، فإن تفحصته تجده في النهاية فلسفات ومذاهب لا صلة لها بالعلم ولاسيّما فيما له علاقة بالدين وموضوعاته. ويصعب في مثل هذه الحالة مناقشة أصحابها، مشكلة أهل هذه الحالة عميقة، يكفي معهم الإشارة إلى أزمة التبعية، مثل هؤلاء مذبذبون، فلو قامت مرجعياتهم الغربية بالعودة لمصادر ميتافيزيقية أو قامت بإعادة الاعتبار للدين، فستجدهم يتحولون خلفهم. إنهم منغمسون في التقليد الذي يذمّون به غيرهم، رغم أن غيرهم قد اعتصم بالوحي الذي لا يأتيه الباطل.

стр. 817

٢ - ظروف الصراع وأحواله: يكشف لنا التحليل التاريخي -السابق في الفصل الثالث والرابع من الباب الأول- أن مسألة مصدر المعرفة، لاسيما في المسائل الدينية، لها ارتباط بالصراع الدائر داخل العالم الإِسلامي الذي حركته الأقليات غير المسلمة. فقد كانت العقبة أمامهم هي الإِسلام، وقد جاءتهم الفرصة للظهور والحركة في القرن الثالث عشر الهجري بعد الضغط الأوروبي، ورغبته في اختراق العالم الإِسلامي، وكان الحل لذلك هو تكوين مجموعة موالية من الداخل، وقد كان من بين مهمات أعداء الأمة: الانتقال بالمسلمين من إسلامهم إلى مرجعية أخرى تسمح لتلك الأقليات بتحقيق مآربها، ومع وجود قوى عالمية تُحرك الصراع بإمكانياتها المهولة؛ فقد نجحوا في إضافة فريق آخر غير الأقليات بعد استقطاب بعض المسلمين، لاسيّما من كانوا من أتباع الفرق المنبوذة داخل المجتمع المسلم بسبب غلّوها. هناك نموذجان بارزان يوضحان القضية، وهما: الجيل التغريبي الأول، ومن أبرزهم: "شبلي شميل" و"فرح أنطون" إلى "سلامة موسى" ومنْ لفَّ لفّهم، والثاني: المجموعات الماركسية العربية. فقد ركّز الطرف الأول على بثّ صورة عن أنفسهم: أنهم دعاة العلم وأنصاره، وتبنوا أشهر نظرية علمية آنذاك؛ بعد أن وسعوا من مجالها، وهي النظرية الدارونية. وبالتحليل الموضوعي لهذه الشخصيات نجد أن الإعلاء من شأن العلم إنما هو أداة وسلاح في معركة يخوضونها ضدّ الإِسلام؛ فقد أظهر "شميل" و"موسى" الإلحاد. فكيف يمكنهم القبول بالدين بعد ذلك؟! لم تكن المسألة نزاعًا حول مصادر المعرفة أو البحث عن الحقيقة، وإنما كانت تهدف إلى إبعاد الإِسلام بوصفه مصدرًا، فهم ينتمون إلى طائفة تريد إبعاد الإِسلام عن الصدارة، ثم تعاونوا مع جيوش الاستعمار، وانتموا لتيارات مادية لا تقبل بالدين أيًا كان، فيصبح ادّعاء العلمية وإعلان مصدرية العلم، هو أحد أهم الأسلحة في هذا الصراع من باب التلبيس، لم يكن مطلبهم العلم بقدر ما كان سلاحًا في صراعهم مع الإِسلام، كان أداة من أدوات السلاح في معركتهم ضد الإِسلام، والأداة يستخدمها الطرفان، ولكن أهل التغريب وظفوها كسلاح للهدم؛ لأن أهل الإِسلام آنذاك قد تفرغوا لطلب العلوم من أجل التحديث والنهضة والتقدم، بينما

стр. 818

ركّز أهل التغريب على فلسفة العلم ومذاهب مادية وإلحادية نبتت في أوروبا، واستغلّت ثمار العلم في دعاويها من أجل استغلالها في صراعهم مع الأمة الإسلامية. يقول "حسن حنفي" عن النموذج الأول: "وواضح من هذا التيار أنه كان غربي الثقافة، يرى أن العلم، وهو حاجة ملحة للمجتمعات العربية، وافد من الغرب، وأنه آخر ما وصل إليه الغرب من فكر علمي، العلم الطبيعي في القرن التاسع عشر، ونظرية التطور في علوم الحياة. حمله نصارى الشام الأكثر ارتباطًا بالثقافة الغربية، وكانت الإرسالات التبشيرية منبرهُ ومكان ازدهاره وانتشاره. ظل فكر الأقلية المثقفة لا يستطيع اختراق الثقافة الإِسلامية للأغلبية" (١)، ولا أدري ما المؤهل لوصفه إياها بأقلية مثقفة؟ وكيف يريد من مجموعة رعاها الاستعمار، واحتضنتها المنابر التبشيرية أن تقبلها الثقافة الإِسلامية! فسبب نفور الثقافة الإِسلامية منها ليس بسبب علمهم وثقافتهم، فإن المسلم يسافر لبلاد الغرب لتحصيل العلم النافع، وهو مشكور على عمله ومأجور إن أخلص في ذلك، أما هؤلاء فقد ركّزوا على صورة تزعم أنها علمية يراد منها غير ما يراد من العلم الحقيقي النافع. ولا أدري كيف يتغافل عن حقيقة دورهم وواقعهم التاريخي رغم وضوح الدلائل سوى قدرة أهل التغريب في اختراق بعض المسلمين؟ فإذا انتقلنا إلى النموذج الثاني وهم الماركسيون، حيث كانوا أشدّ التيارات ادعاءً للعلمية ودفاعًا عن العلم وتمسكًا بالعلم، لدرجة أنك تتوقع أنك أمام علماء، ثم لا تجد سوى الإلحاد، فإذا نظرت إلى حقيقة الدعوى وجدت مقصودهم بالعلم هو فلسفة "ماركس" و"إنجلز" أو تأويلات "لينين" أو "تروتسكي" أو غيرهم، فجعلوا الفلسفة الإلحادية المادية مرادفة للعلم، وعندها يظهر أن هدف إعلان العلم هو غطاء من أجل تسريب الفكر المادي الإلحادي في صورته الماركسية. على أن اللافت لأي باحث هو نوعية المؤسسين لهذه المنظومة، حيث كان أغلبهم من اليهود، وهم يهود يتبنون الفكر الإلحادي، ولهم حسابات كبيرة مع المسلمين، وظهورهم بصورتهم الصريحة يعقد الوضع، لذا كان الطريق الأنسب في صرف الناس عن مصدر دينهم يتم بوضع منافس له مع التشكيك في

стр. 819

مصدرية الوحي وصدق الدين، فكان تعاملهم مع العلم بوصفه سلاحًا لمحاربة الدين، أما العلم فرغم طول فترة وجود الأحزاب الماركسية في البلاد الإِسلامية، فلا يعرف لهم فضل في الحركة العلمية؛ لأن مشروعهم ليس العلم، وإنما مشروعهم الذي لم ينجز -ولن ينجز- هو ضرب الدين ونشر الإلحاد. ولا بأس من بعض الشهادات عن أحد أشهر الأحزاب الشيوعية وهو الحزب الشيوعي المصري، وستكون الشهادة من شخص قريب منهم هو الدكتور "لويس عوض"، فبعد عودته من إنجلترا سنة (١٩٤٠ م) وجد كما يقول جماعات كثيرة بأسماء مختلفة "إن هذه الجمعيات الثقافية لم تكن سوى نوادٍ سياسية أو واجهات تخفي وراءها تنظيمات شيوعية"، أما أهم أعضائها فقد وجد أن "اليهود ممثلون فيها بنسبة عالية"، أما التمويل فكما يقول: "كنت أسمع من أعضاء هذه النوادي أنفسهم أن تمويل نواديهم وربما جماعاتهم الباطنية يأتيهم بدرجات متفاوتة من بعض المليونيرات اليهود" (١)، إلى أن قال عن كآبة هذه الأحزاب وانفصالها عن بيئتها: "وهي صورة كئيبة؛ لأن سيطرة اليهود على التنظيمات الشيوعية أو على الأقل على كوادرها الداخلية في سنوات التكوين بحكم التمويل. . . ." (٢)، وقد كان من أهم رموز تلك المرحلة اليهودي "هنري كورييل"، وعنه يقول أحد أتباعه -بعد أن منّ الله عليه بالهداية حيث كان عضوًا سابقًا في الأحزاب الشيوعية، ولاسيّما السوداني-: "فقد بدا لنا اليهودي قد أحيط بكل شيءٍ علمًا، ولذلك رضينا له قولًا، حتى عندما أسرف وتطاول على دين الله، الذي زعم أنه يُشكّل خطورة على تقدم السودان وعقبة كبرى. . . . وما كان يجوز لنا، نحن الذين نشأنا تحت راية القرآن أن نستمع لمثل ذلك اللغو ونصغي، ولكنا كنا كشياطين الإنس والجن يُوحي بعضهم إلى البعض زخرف القول غرورًا" (٣). هكذا نجد القيادات التغريبية المهمة إما أنها تنتمي لطائفة النصارى أو

стр. 820

اليهود أو ما هو أشنع، ألا وهو انتماؤهم للإلحاد والمذاهب المادية، وهؤلاء لهم حساباتهم مع الإِسلام وأهله، وهي تدفعهم إلى صرف المسلمين عن مصدرهم وهويتهم؛ فهم إن كانوا على ملتهم فلا يهمهم الإِسلام، وإن كانوا على الإلحاد فالأمر أشدّ وأخطر. ولأن المسألة هي مسألة محاربة لدين الله واستغلال العلم الحديث أداةً -بعد تشويه مناهجه أو نظرياته- فلابد من إشاعة مفاهيم تساعدهم في ذلك، مثل: قول أتباعهم: إن مثقفي النصارى واليهود أكثر انفتاحًا على الثقافة الحديثة، وأكثر قبولًا لها، وأسبق من المسلمين، دون أن نفرق بين قوم لا يخسرون شيئًا إن جعلوا أنفسهم في ذيل ثقافة الغرب، وبين من يملكون الهدى والنور ويخسرون كثيرًا بالتبعية. ومثل: وصف الثقافة الغربية بالعالمية والعلمية، فتُعطى صفة الإطلاق والثقة لشيء لا يستحق ذلك، وهو ما أصبحت تقرره فلسفة العلم المعاصرة بعد بروز نظريات الفيزياء الأخيرة، وأثرها في نزع صفة المدح المطلق أو الثقة المطلقة في العلم. مع أن المسلم لا يقلل من شأن العلم في أي باب من الأبواب العلمية، ولكن المسلم لا يعطي الإطلاق إلا للوحي. مكانة الوحي في التصور الإِسلامي وصور إقصائه كمصدر للعلم عند المتغربين: يقوم التصور الإِسلامي على مصدرية الوحي لأبواب الدين، الدين مصدره الكتاب والسنة، وكل مسلك غير ذلك مسلك فاسد، والبحث عن مصدر غيرهما يوصل صاحبه إلى طريق مسدود، قد يصل الناس بعقولهم أو بعلومهم إلى شيء من أمور الدين، وهذا لا يخالف فيه أحد؛ لأن الدين جاء بالحق، وقد يصل الناس إلى شيء من هذا الحق إن أحسنوا الاستدلال، ولكنهم لن يصلوا إلى الدين بكماله، كما أنه لا ضامن لهم في صحة ما وصلوا إليه، بخلاف من سلك طريقة أهل السنة فهو واثق من علمه وعمله في أبواب دينه. ويكفي التذكير بأمرين يستحيل وصول البشر إلى شيء منهما دون الوحي وهما: الغيبيات والشرائع (١)، وأعظم أنواع الغيب الإيمان بالله سبحانه، ومعرفته بأسمائه وصفاته، وتحقيق ربوبية وعبوديته سبحانه، ثم يأتي أنواع أخرى من

стр. 821

الغيب كأحوال أول العالم وآخره واليوم الآخر (١). قال -تعالى-: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام: ٥٩]، وقال -تعالى-: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧)﴾ [الجن: ٢٦، ٢٧]، وقال -تعالى-: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ [الأحزاب: ٦٣]. والشريعة هي: الأحكام التي سنها الله لعباده على لسان رسوله ﷺ (٢)، قال -تعالى-: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾ [الجاثية: ١٨]، وقال -تعالى-: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، وقال -تعالى-: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (١٠)﴾ [الشورى: ١٠]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]. فربانية المصدر -فهو وحي من عند الله- تعطي الطمأنينة لمن آمن بذلك، فبين أيديهم كلام ربهم العليم الحكيم، فلا يعزب عن علمه مثقال ذرة ولا يقع في خلقه أو أمره ما يعارض حكمته، فسبحانه. كما أن كمال الوحي في أبواب الدين يجعل المتبعين له ينطلقون بثقة ويُقْدمون دون حيرة أو شك، فقد كَمُل الدين وعلى المسلم الاعتصام به، أما في الدنيا فهو مكلف بعمارتها وفق هدي السماء، قال -تعالى-: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: ٦١]، وفي كمال الدين قال -تعالى-: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال -تعالى-: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: ٨٩]، وقال -تعالى-: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾ [الأعراف: ٣]، وقال

стр. 822

-تعالى-: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ [الأنعام: ١٥٣]، قال شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ بعد ذكره لهذه الآيات وغيرها: "ومثل هذا في القرآن كثير، مما يبين الله فيه أن كتابه مبين للدين كله، موضح لسبيل الهدى، كافٍ لمن اتّبعه، لا يحتاج معه إلى غيره، يجب اتباعه دون اتباع غيره من السبل" (١). أما دور البشر في الأرض، فآية "هود" تُبيّنهُ وترشد إليه هو القيام بعمارتها، قال ابن كثير ﵀: " ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾؛ أي: ابتدأ خلقكم منها، خلق منها أباكم آدم، ﴿وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾؛ أي: جعلكم فيها عُمّارًا تعمرونها وتستغلونها" (٢). وقال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ [الأنعام: ١٦٥]، قال ابن كثير ﵀: "أي: جعلكم تعمرون الأرض جيلًا بعد جيل، وقرنًا بعد قرن، وخلفًا بعد سلف. قاله ابن زيد وغيره، كقوله -تعالى-: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠)﴾ [الزخرف: ٦٠]، وكقوله -تعالى-: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]، وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، وقوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]. . . ." (٣). وفي سورة النور قال -تعالى-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٥٥)﴾ [النور: ٥٥]. فالإنسان مستخلف في هذه الدنيا ومطلوب منه عمارة الأرض، وقد أكرمه المولى سبحانه بهذا الوحي "الكتاب والسنة"، رباني المصدر وفيه الكمال الديني

стр. 823

الذي من زاغ عنه خسر خسرانًا كبيرًا. والأمة كلما اعتزت بهذا المصدر، وقدمته على غيره، وجعلته مهيمنًا على كل ما سواه، وعمرت الأرض كما أمر ربنا سبحانه، تحقق لها الاستخلاف والتمكين. ولذا كان الصراع مع الأعداء هو حول المصدر، حول منبع القوة والمعرفة والدين، وحول ما يجلب لها الاستخلاف والتمكين. لقد قامت تيارات التغريب تحت دعوى التأثر بالعلم بعملية زحزحة للوحي إلى مصادر أخرى يزعمون فيها الأولوية، وقد تأثر بهم طائفة من الناس، وأهم ما يلحظه الباحث من صور الزحزحة: القول بترك الوحي مطلقًا عند الغلاة، أو القول بالتوفيق عن طريق رمي الوحي في باب الوجدان، أو جعل النظرية العلمية في مقام النص. ١ - مذهب غلاة المتغربين ودعوتهم لإقصاء الوحي: حيث يرون الانتقال من مصدرية الوحي إلى مصدرية العلم زعموا وإلى "العقل والحس"، ويغلب على هذا الصنف اتجاهان: الأول: وهم من يقولون -تبعًا لـ"كونت" الوضعي- بأن الإنسانية مرّت بثلاث مراحل: المرحلة الدينية ثم الميتافيزيقية ثم الوضعية: العلمية، ولابد من المرور بهذه المراحل، وكل مرحلة في وقتها تعتبر الأنسب لوقتها، فالمرحلة الدينية مناسبة لأهل تلك المرحلة وهكذا في الباقية. والآن حان وقت ترك الدين والميتافيزيقا والاكتفاء بالعلم الذي حقق تقدمه ونفعه، وهذا يغلب على الوضعيين والمتغربين الأوائل (١). والثاني: وهم المتأثرون بالمذاهب المادية الثورية الجذرية التي ترى بأن الدين والميتافيزيقا وهم بشري وخطأ تاريخي، ولذا لابد من تدمير الماضي ونبذه بصورة جذرية، فالوضعيون يرون أنه كان الأصح والأنسب في وقته أما هؤلاء فلا يرون ذلك، وقد غلب هذا على الماركسيين (٢).

стр. 824

ورغم مزاعم الطرفين بالانتقال إلى عصر العلم واكتفائهم بمصدريته، إلا أنه في النهاية له صورة عند الوضعيين وله صورة عند الماركسيين، فظهر أن ما يريدون الانتقال إليه ليس العلم الموضوعي بقدر ما هي مذاهب فلسفية علمانية، وهذا كاف في إبطال دعواهم، فالأصل في العلم أن يكون على صورة واحدة أو صورة تتقارب أطرافها فلا تتعارض أو تتناقض، ولكننا نجد بين دعاة العلمية من الوضعيين والماركسيين من الطعن في بعضهم والتكذيب بما عند الآخر الشيء الكثير. فإذا كان ما يدعو إليه هؤلاء من مصدرية العلم لا حقيقة له وإنما هو دعوة إلى مذاهب فلسفية مادية علمانية فهذا ينقلنا إلى مجال آخر، الوعي به مهم، وهو ضرورة الوعي بالفرق بين العلم والمذاهب الفلسفية، فالمذهب الفلسفي هو "فرض أو وجهة نظر" يفسر بها الفيلسوف من جانب ذاتي شخصي ما يُلح عليه من تساؤلات واهتمامات ويريد وضع رؤية جديدة حولها؛ أي: اتخاذ موقف بعض عناصره مستمدة من الواقع الذي يعيش فيه الفيلسوف وبعضه الآخر استباق لواقع مأمول (١). فيكون المذهب الفلسفي وجهة نظر، ولذا يقدم لنا تاريخ الفلسفة مذاهب فلسفية تتعدد بتعدد الفلاسفة، وإذا كان بهذه الصورة فلا ينطبق عليه معيار الصدق والكذب الذي يناسب المنطق والعلوم التجريبية والرياضية، فلا نقول "عن النظرية الفلسفية: إنها صادقة أو كاذبة. وإنما نقول عنها فقط: إنها مقبولة أو غير مقبولة. ومعيار القبول هو الاقتناع بها، ولا يقوم الاقتناع بالنظرية على توفر تجارب تؤيدها، كما أنه لا يقوم على صحة استدلالية أو إحكام منطقي" (٢). صحيح أن كثيرًا من الفلسفات المعاصرة تدّعي العلمية وتهتم بالعلم، ولكن العلم القائم على التحقق المنطقي الرياضي أو التجريبي يختلف تمامًا عن المذاهب الفلسفية، التي هي في النهاية وجهة نظر، وعندما يخرج المذهب عن إمكانية التحقق التي يتصف بها العلم يصبح شيئًا غير العلم. فهؤلاء إما أن يتحولوا إلى ميدان العلم، ومعنى ذلك أن يتركوا التفلسف الذي لا معيار للتحقق منه وهو ما يرفضونه، وإذا كانوا لن يتركوا وجهة نظرهم الذاتية فكيف يريدون من

стр. 825

المسلمين ترك ما جاءهم من ربهم ليتحولوا إلى وجهات نظر ذاتية غلب عليها الإلحاد والكفر بالدين والغيب. ٢ - مذهب التوفيقيين من المتغربين ودعوتهم لإقصائه كمصدر للمعرفة: وهؤلاء بحسب ظاهرهم يعترفون بالدين ومصادره ولكن في حدود ضيقة، فهم يرون تبعًا لمرجعياتهم الغربية بتقسيم النشاط الإنساني إلى قسمين (١): العقل والوجدان، العقل مصدره العلم وعمله العلم، فيقبل التصديق أو التكذيب، أما الوجدان فيخضع للذوق فقط، ومعياره القبول الشخصي، وغذاؤه في الدين والآداب والفنون. يرى أهل هذا الاتجاه أن الدين لا يمكن أن يكون ميدان الحقائق؛ لأنه لا يمكن إخضاعه كالعلم لمعايير التصديق، يقول أحد الوضعيين: "مذهبنا هو "أن يكون العلم -لا الأخلاق ولا الدين- مصدر الوحي للفلسفة". . . ." (٢)، وضرب لذلك مثالًا بـ"الروح" (٣) فلا يمكن إثباتها بمعايير العلم بحيث كل من قام بالتحقق أيًا كان، ملحدًا أو مؤمنًا، يستطيع الوصول إلى النتيجة نفسها التي يصل إليها غيره، بخلاف العلم، فإن أغلب مسائله يستطيع كل إنسان إذا طبق المعايير أن يصل إلى المسألة نفسها، فيصل هذا الاتجاه إلى: أن العلم هو مصدر الحقائق وهو مصدر إدارة الحياة، أما الدين فيبقى مصدرًا اختياريًا فرديًا ذاتيًا، حاله كحال الآداب والفنون بما في ذلك التمثيل والمسرح والموسيقى. مناقشة الملفقين: من المهم مناقشة طائفة الملفقين؛ لأن مقولتهم قد يظهر منها قبول الدين

стр. 826

بخلاف الطائفة الأولى، فمشكلتها أعمق من مشكلة المصدر، فمشكلتهم -الطائفة الأولى- مرض الإلحاد ومرض القلب الذي يُزهدهم في الدين كله، ولذا فإنه لا يناسبهم مناقشة المصدر وإنما ما هو أعلى منه، ويكفي فقط ذكر قولهم الخطير وأبعاده الإلحادية وآثاره، بخلاف الفريق الثاني فهم يُظهرون الإقرار بالدين مع إقصاء مصدره، فهذه مناقشة نقدية لموقفهم: ١ - لا يخالف الاتجاه الإِسلامي في كون العلم التجريبي الصحيح مصدرًا مهما من مصادر الحقائق، ولكنهم يعلمون حدود العلم وإمكانياته، ولهذا لا يجعلونه المصدر الوحيد، وإنما هو مصدر من المصادر، فإذا جاء الأمر إلى الدين: فإن من مسائله ما يصل إليها العلم، ومنها ما لا يصل إليه لكونه من "عالم الغيب"، ولكن الطريق الموصل إليها قد ثبت صحتها عند أهله، وبمعايير موضوعية لا يرقى إليها الشك إلا من سفسط في الحقائق اليقينية. ولهذا يكون الوحي عند الاتجاه الإِسلامي المصدر الأساسي للدين مع الاعتراف بمصدرية العقل والحس فيما يناسبهما، ويتميزون بأنهم اعتصموا بالوحي في أمور الدين: فمنعوا الأقيسة العقلية والوجدانيات الباطنية وأقوال أئمة أو أولياء يدعون العصمة ومعرفة الغيب، قد يصيب أهل المناهج الثلاثة في مسائل ولكن طريقهم محكوم عليه بالانحراف ما لم يعتصم أهله بالوحي، فالذين يتركون الوحي والاعتصام به ويقدمون العقل أو الكشف أو شخصًا معصومًا يزعمونه ضلالهم وانحرافهم لازم لهم لا محالة؛ لأنهم يخوضون في أبواب لا يمكن معرفتها إلا بالوحي. ويقابل هؤلاء من جعل الحل هو في إبعاد الوحي بحجة أن أهل الأقيسة العقلية أو الأذواق الكشفية أو متبعي الأشخاص المدعين للعصمة يأتون بما لا يمكن التأكد من صحته. فهدى الله أهل السنة ليكونوا وسطًا في هذا الباب، فيقبلون الحق من المصادر، ويجعلون كل مصدر لما يناسبه من الأبواب. ٢ - ينطبق على موقف الاتجاه التغريبي التوفيقي حكمهم على غيرهم؛ فإن مذاهبهم الفلسفية التي سلكوها واتبعوا بما أعلنته من ثنائية "العقل والوجدان" هي أول من ينطبق عليها حكمهم، فكما سبق مع الصنف الأول: يبقى المذهب الفلسفي مذهبًا ذاتيًا لا يخضع للتحقق العلمي، ومن ذلك قسمتهم الثنائية التي لا يمكن التحقق العلمي منها بموازينهم أنفسهم، حيث تبقى قسمة فلسفية وليست قسمة علمية، ولذا فموطنها الوجدان.

стр. 827

٣ - لم يُبعد الوحي في الفكر الغربي إلا بسبب ظهور الإلحاد والعلمنة أو بسبب مشكلة الوحي الذي يعرفونه، ويختلف العالم الإِسلامي، فهو لا يعرف الإلحاد ولا يوجد أي مبرر للشك في الوحي، فقد آمنوا بنبوة محمَّد ﷺ ، كما ثبت عندهم الوحي، وثبت عندهم حفظه من قبل رب العالمين وهو خير الحافظين قال -تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، قال الشيخ السعدي ﵀: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾؛ أي: في حال إنزاله وبعد إنزاله، ففي حال إنزاله حافظون له من استراق كل شيطان رجيم، وبعد إنزاله أودعه الله في قلب رسوله، واستودعه فيه ثم في قلوب أمته، وحفظ الله ألفاظه من التغيير فيها والزيادة والنقص، ومعانيه من التبديل، فلا يحرف محرف معنى من معانيه، إلا وقيض الله له من يبين الحق المبين، وهذا من أعظم آيات الله ونعمه على عباده المؤمنين، ومن حفظه أن الله يحفظ أهله من أعدائهم، ولا يسلط عليهم عدوًا يجتاحهم" (١)، وقال -تعالى-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ [فصلت: ٤١ - ٤٢]، قال ابن كثير ﵀: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾؛ أي: ليس للبطلان إليه سبيل؛ لأنه منزل من رب العالمين، ولهذا قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾؛ أي: حكيم في أقواله وأفعاله، حميد بمعنى محمود، أي: في جميع ما يأمر به وينهى عنه الجميع محمودة عواقبه وغاياته" (٢)، وقال الشيخ السعدي ﵀: ""و" الحال ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ﴾ جامع لأوصاف الكمال ﴿عَزِيزٌ﴾ أي: منيع من كل من أراده بتحريف أو سوء، ولهذا قال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾؛ أي: لا يقربه شيطان من شياطين الإنس والجن، لا بسرقة، ولا بإدخال ما ليس منه به، ولا بزيادة ولا نقص، فهو محفوظ في تنزيله، محفوظة ألفاظه ومعانيه، قد تكفل من أنزله بحفظه كما قال -تعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ " (٣). وقد نُقل بالتواتر إلى كل جيل عمن سبقه، لهذا فعند أهل الإِسلام مصدر

стр. 828

لا يأتيه الباطل ولا يقع فيه التغير، فيكون مصدر معارفهم الدينية، ويثقون فيه أكثر من ثقتهم بأنفسهم. بخلاف من اضطرب عندهم "الوحي" بعد أن تأكد لهم التحريف في نصوصه، وفقدوا إمكانية إيجاد سند متصل إلى قائله، فيصبح مصدرًا للقلق والشك، وقد وجدها أهل الإلحاد في الفكر الأوروبي الحديث فرصة لإقصاء "الوحي" تمامًا من ميدان الحقائق، إما بإنكارها صراحة كما هو حال الملحدين أو بجعلها في قسم الوجدان من قبل طائفة منهم. ٤ - ومن باب التنزّل مع المخالف، فإن الناقد يعرف أن مكونات الوجدان لا تعتبر عند أصحابها مصدرًا للحقيقة، فلا الأديب ولا الفنان ومن في حكمهما يقول: إن محتوى مادته مصدرٌ للحقيقة، وإنما هي تعبير عن المشاعر، فكيف يوضع الدين ضمن هذه الدائرة! صحيح أن هناك عناصر أساسية في الدين لا تدخل ميدان التحقق التجريبي والحسي، فهي من عالم الغيب (١)، ولكنها في الوقت نفسه لا تدخل في دائرة الوجدان، فهي ليست تعبيرًا عن المشاعر، وإنما هي أخبار يُصدق بها أو شرائع يعمل بها، وإذا كان الأمر كذلك فلابد من طريق ثالث، فلسنا عبيدًا لتقسيمات اصطنعتها مذاهب فلسفية تحصرنا بداخلها وتضطرنا لإضاعة ما جاءنا من ربنا. فليكن مصدر العلوم البشرية الاستنباط العقلي والتجريب الواقعي، وليكن حظ الوجدان في الآداب والفنون والأمور الممتعة، ولكن الدين لا مصدر له إلا الوحي، وكمال الحياة البشرية ليس بالعلم وحده ولا بالمتع الوجدانية وحدها وإنما بالدين الحق، والعلم البشري والإبداع البشري سيبقى قاسيًا على حياة البشر ما لم يستضئ بنور الوحي. ٥ - توصلنا الفقرة السابقة إلى مفهوم الدليل الشرعي عند أهل السنة: فقد كان كثير من أهل الكلام يرون أن الدليل الشرعي مقتصر على ما أفاده الخبر، فيكون التصديق بالموضوعات والأصول الدينية متوقفًا فقط على التصديق بالخبر، ورأوا أن الكتاب والسنة ليس فيهما أدلة عقلية، وإنما أخبار محضة عن مغيبات يجب التصديق بها، وغفلوا عن أن الأدلة القرآنية التي جادلت المشركين وأهل الكتاب كانت تجادل من لا يقرون بالنبوة ولا يقرون بالوحي، فكانت

стр. 829

مجادلتهم بأدلة عقلية دلّ عليها الشرع، وقد عرض شيخ الإِسلام ابن تيمية ﵀ هذه المسألة المهمة في كتبه، وهذا تلخيصها: "الدليل الشرعي قد يكون سمعيًا وقد يكون عقليًا. فالدليل الشرعي يراد به أمران: ١ - أن الشرع أثبته ودل عليه. ٢ - ويراد به أن الشرع أباحه وأذن فيه. والآن بيان المراد من النوعين السابقين: ١ - الدليل الشرعي الذي أثبته الشرع ودل عليه، له صورتان: الأولى: أن يكون معلومًا بالعقل أيضًا، ولكن الشرع نبه عليه ودل عليه، فيكون "شرعيًا عقليًا"، ومثاله: الأدلة التي نبّه الله تعالى عليها في كتابه العزيز، من الأمثال المضروبة وغيرها الدالة على توحيده وصدق رسله، وإثبات صفاته وعلى المعاد، فتلك كلها أدلة عقلية يعلم صحتها بالعقل، وهي براهين ومقاييس عقلية، وهي مع ذلك شرعية. الثانية: أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك "شرعيًا سمعيًا". وكثير من أهل الكلام قديمًا -ومثل ذلك طوائف من المفكرين حديثًا- يظنون أن الأدلة الشرعية منحصرة في خبر الصادق فقط، وأن الكتاب والسنة لا يدلان إلا من هذا الوجه. ولهذا يجعلون أصول الدين نوعين: "العقليات والسمعيات" ويجعلون القسم الأول مما لا يُعلم بالكتاب والسنة. وهذا غلط منهم، بل القرآن دلّ على الأدلة العقلية وبينها ونبّه عليها، وإن كان من الأدلة العقلية ما يُعلم بالعيان ولوازمه، كما قال -تعالى-: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣)﴾ [فصلت: ٥٣]. ٢ - الدليل الشرعي الذي أباحه الشرع وأذن فيه: يدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دلّ عليه ونبه عليه القرآن، وما دلت عليه وشهدت به الموجودات" (١)، ثم أعقب هذا الكلام بقوله:

стр. 830

"وأما الدليل الذي يكون عقليًا أو سمعيًا من غير أن يكون شرعيًا: فقد يكون راجحًا تارة ومرجوحًا أخرى. كما أنه قد يكون دليلًا صحيحًا تارة، ويكون شبهة فاسدة أخرى. فما جاءت به الرسل عن الله تعالى إخبارًا أو أمرًا لا يجوز أن يعارض بشيء من الأشياء، أما ما يقوله الناس فقد يعارض بنظيره، إذ قد يكون حقًا تارة وباطلًا أخرى، وهذا مما لا ريب فيه، لكن من الناس من يدخل في الأدلة الشرعية ما ليس منها، كما أن منهم من يُخرج منها ما هو داخل فيها، والكلام هنا على جنس الأدلة، لا على أعيانها" (١). ونواصل الانتفاع بهذا النص المهم لابن تيمية ﵀ من جهة الكلام عن جنس الأدلة، فالموصل للحق منها هو الوحي، وهو الدليل الشرعي، ومنه ما هو عقلي، ومنه ما هو سمعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق، فإن اعترض معاند وقال: كيف لي التحقق من "السمعي"؟ كان جوابه: إن الدليل الشرعي العقلي الذي جادل المعاندين بالمعقول والمحسوس، وثبت عند أهل العقل الصحيح والحس والسليم أنه الحق من ربهم، فآمنوا بالخبر الذي لا يمكن لعقل أو حس أن يعلمه؛ لأنه من علم الغيب المحض، فهو وإن كان من الغيب المحض إلا أنه قد ثبت بطريق الخبر الصادق. كما أنه يوجد أدلة غير شرعية، سواء كانت عقلية أو حسية أو خبريه، وهذه بحسب أحوالها حتى في الأمور الدينية، فقد تكون صحيحة تارة وقد تكون شبهة فاسدة أخرى، ولهذا كان الحق في أمور الدين الاكتفاء في معرفته بالدليل الشرعي. فيكون الدليل الشرعي (الخبري العقلي) للدين، ويكون الاستنباط للأمور الرياضية، ويكون التجريب والاستقراء للأمور الحسية، وتكون جميع العلوم تنطلق نحو تحقيق الأمر الرباني ولا تتعارض مع التصور الإِسلامي. ٣ - القول بجعل النظريات العلمية في مقام النص الشرعي وتقديمها عليه: تمتلئ الكتابات التغريبية التي تدّعي صلتها بمذاهب علمية أنها تعتمد العلمَ وتجعله مصدرها في العلم، فيكفي أنه علم يخضع للتحقق ويستطيع كل الناس التأكد منه. ولا شك أن الناس عندهم ثقة بالعلم، يكفي أن يأتي من يقول: هذه

стр. 831

من العلم حتى تجد الاحترام لقوله والثقة في مقولته، وذلك أن المسلم يحترم العلم، ففي دينه من الحثّ على العلم وتعظيمه ووضع الأجور عليه وتمييز أهله ما يجعل في وعي أغلب المسلمين مثل هذه المنزلة للعلم. وربما لهذا السبب يجدها أهل التغريب أسلوبًا مناسبًا للتضليل؛ لأننا إذا بحثنا عن محتوى ما يزعمون علميته إذا هي نظريات علمية حولها التباس شديد أو اختلاف كبير، ويجعلون هذا النوع مقدمًا على الوحي بحجة انتمائه للعلم، ثم يجعلون مكونات النظرية دليلًا على بطلان المصادر الدينية أو التشكيك فيها. إذا نظرنا إلى الجيل التغريبي الأول نجد العلم عندهم هو في النهاية النظرية الدارونية بعد تعميمها على جميع التصورات والنشاطات، والعلم والعمل، الماضي والحاضر والمستقبل، الدين والدنيا والآخرة، وكل شيء، إذًا فبديل النص الشرعي هو النظرية الدارونية، أصبحت الدارونية هي دينهم وهي مصدرهم في الوقت نفسه، فإذا تجاوزنا مسألة "التبعية"، ومسألة "الصراع"، ووقفنا مع الجانب المعرفي فقط، فإننا نقف مع موقف متهافت لا وزن له، أكتفي بأمرين يوضحان ذلك: الأول: التعميم غير العلمي لنظرية علمية. ظهرت تعميمات فلسفية لنظريات علمية مع التيارات العلمانية الغربية، سواء كانت النظريات ذات مكونات صلبة أو لم تكن، وقع تعميم لنظريه نيوتن وداروين مع الماديين، أو ما حدث في القرن الرابع عشر/ العشرين من تعميم فلسفي للنظرية النسبية لأينشتين أو نظرية فرويد النفسية أو حتى تعميم النظرية اللغوية لسوسير لتصبح نظامًا فلسفيًا يحوي عوالم كثيرة. ثم أصبحت هذه التعميمات مذاهب مشهورة داخل الفكر الغربي، وبدأت عبر نَقَلتها تنتشر في بلاد المسلمين. بينما النظرية العلمية هي جزئية تدل على قضية جزئية مهما اتسع مجال تفسيرها، والانتقال من الجزئي إلى الكلي لاسيّما بتحولها إلى نظام فلسفي لا يعد علمًا، بل فلسفة، والأمور الكلية والمذاهب الفلسفية لا يمكن إلحاقها بالعلم؛ لأن شروط قبولها تختلف عن شروط قبول العلم؛ أي: أن المذهب الداروني لا صلة له بالعلم إلا من خلال التعميم لنظرية علمية، وإذا كانت النظرية ذاتها لم تُقبل بكل مكوناتها، ولم تصح بكل عناصرها فكيف يصح التعميم الفلسفي بالاعتماد عليها؟ فضلًا عن أن أي تعميم فلسفي إنما هو تأمل ذاتي، لا يدخل كما سبق تحت شروط التحقق العلمي.

стр. 832

والنتيجة: أنهم يدّعون تقديم العلم، بينما ما يقدمونه هو مذهب فلسفي أو اجتهاد فكري شخصي "الدارونية مثلًا التي دعا إليها العرب المتغربون هي تعميمات "بوخنر" أو "سبنسر"". فيكون حالهم دائرًا بين أمرين: إما الجهل أو التجاهل، وهما أمران واردان ملتصقان بتيار التغريب، فالمقلد جاهل يحاول التعلم ولكنه كان فريسة علم لا ينفع، والمتجاهل هدفه إخفاء نواياه عن طريق تلبيس المذاهب الفلسفية لباس العلم. الثاني: تقديم الظني في أحسن أحواله على اليقيني. يعيش الغرب في تنبيه ويركض لاهثًا يبحث عن مصدر منذ أن فقد الوحي، لم يعد يثق في الدين ومصدريته ومع ذلك لم يجد المصدر الذي يجد فيه كل ما يحتاجه ولاسيّما في عالم الغيب والروح، فبقي بسبب علمانيته ووضعيته أسير مصادر لا تتحمل ما حُمّلت من أثقال؛ لأن لها حدودها. ومع ذلك فقد نجد ما يفسر اكتفاءهم بمصادرهم وتقديمها على الدين، مع أنهم غير متفقين على جعل العلم المصدر الوحيد. ولكن هل يصح من الجاهل بالشيء، أو الذي لا يمكنه التحقق من دعواها، أن يعلن وضع النظريات العلمية في مقام النصوص الشرعية؟ دعوى تقديم تلك النظريات العلمية على النصوص الشرعية فضلًا عن القول بالاستبدال دعوى لا تصح أخلاقيًا أو عقليًا -وهذا من باب التنزل في المجادلة-، كيف؟ لقد ركّز أهل التغريب على النظريات التي هي موطن خلاف حتى داخل الإطار العلمي، وأهملوا الحقائق العلمية والموضوعات العلمية النافعة البيّن نفعها، وهو يكشف أن في الأمر ما وراءه، فهذا يكشف الجانب الأيديولوجي والأخلاقي، ومع ذلك نكتفي بالبعد المعرفي في الموضوع، فيقال بأن هذه الدعوى لا تصح على سبيل التقليد فقط، فلابد أن يتمكن المسلمون -عبر فريق منهم ممن يوثق به- من أساليب التحقق من النظرية، فالنظرية هي في النهاية نتيجة ملاحظة وتجارب وحسابات وافتراضات، وكلها تحتاج إلى امتلاك أدواتها. فإذا أخذنا النموذج المقدم باسم العلم عند الجيل التغريبي الأول، وهو النظرية الدارونية نجد أن دعاتها من العرب لا يملكون أي أداة تؤهلهم للتحقق سوى ثقتهم في المتبَعين، ونضرب على ذلك أمثلة:

стр. 833

هل عند هؤلاء الحد الكافي من علم الأحافير؟ هل عند هؤلاء الحد الكافي من علم الأرض؟ هل عندهم الحد الكافي من علم الأحياء؟ هل عندهم الحد الكافي من الاستيعاب النقدي للنظريات الاقتصادية والاجتماع والتاريخية؟ هل عندهم الحد الكافي من علم الوراثة؟ هل عندهم منهجية قوية بأدواتها المعرفية والفكرية للتحقق من النظريات؟ هل عندهم أخيرًا الأجهزة الدقيقة التي تساعدنا في إجراء التجارب المرتبطة بالأحافير وأعمارها أو الأرض وطبقاتها ومكوناتها أو الأحياء وأعضائهم وغير ذلك؟ (١). والنظرية الدارونية ترجع في جزئياتها إلى كل هذه الأبعاد، إما من جهة البناء أو من جهة التحقق، ويبقى حال من لا يملك كل هذه الأمور -أو المهم منها- وكان مقتنعًا بإمكانياتهم في البحث العلمي، فيقبل ما يمكنه قبوله منها في حدود النافع له منها، دون أن تتجاوز حدودها من كونها نظرية علمية ضمن علم الحياة. أما أن تُرفع إلى مصاف النصوص الشرعية بحيث نبدأ في التفكير: هل هي توافق النصوص أم تخالفها -فضلًا عن القول بتقديمها أو بالاستبدال- فهذا لا يقوله إلا من في قلبه مرض. والاتجاه الإِسلامي كما أسلفنا مرارًا يُقرّ بمصدرية العلم فيما يناسبه، والجانب الحسي منه هو في الأساس من خلق الله سبحانه، والنصوص الشرعية هي من كلامه سبحانه، ذاك من آياته الكونية وهذه آياته الشرعية، وآيات الله الكونية والشرعية هي من مصادر المعرفة، فكلٌ من عند الله، وإذا كان الكل من

стр. 834

عند الله فلا يصح قول الاستبدال أو التقديم، فالمقدم مطلقًا هو الوحي، فبه نعرف آيات الله الكونية من الحق العقلي أو الحسي، من الاستنباط أو الاستقراء. والنتيجة: كيف يصح بعد هذا أن يقال بجعل العلم هو المصدر الوحيد للمعرفة وبالقول بتقديمه على النصوص الشرعية، وعلى الوحي؟ والقول هذا فقط من باب التنزل مع الخصم حتى يفهم كل مطلع أن حقيقة أمرهم هو الدعاوى.

стр. 835

المبحث الثاني التأثر المنهجي في منهج الاستدلال تُعد طرائق الاستدلال من الأمور المهمة للوصول إلى الحقيقة أو فهمها، أو لمعالجة مشكلة، أو لإبداع أمر جديد. وقد أُبدع في العلم الطبيعي والاجتماعي مناهج مهمة، تُعد فاتحة النشاط العلمي في أي باب من أبواب العلم، وكما أن دارس الدين الإِسلامي يحتاج لمناهجه من أصول التفسير وأصول الحديث وعلم الجرح والتعديل والإسناد وأصول الفقه وغيرها من المنهجيات الإِسلامية، فكذلك العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية لها مناهجها، وقد تأسست بصورتها الحديثة في إطار الحضارة الغربية العلمانية مما جعلها تكتسب الكثير من أثر تلك البيئة، ومن ذلك ما يتعلق بطريقة الاستدلال. فإذا كانت المنهجية العلمانية الحديثة قد استبعدت الوحي كمصدر للمعرفة، فإنها أيضًا قد شكّلت منهجياتها الخاصة في الاستدلال، ورغم وجود الجيد فيها إلا أنه قد اخترق بالفلسفة العلمانية لتتحول إلى منهجيات خطرة إن لم يُحسن التعامل معها. لقد انصرف الفكر العلماني عن الوحي ووضع مصادره الخاصة في المعرفة، ثم قام بعد ذلك بتكوين منهجية للاستدلال ترجع في الغالب إلى المنهج

стр. 836

التجريبي القائم على التجريب بطرقه وشروطه، أو إلى المنهج الرياضي القائم على الاستنباط بطرقه وشروطه، وبسبب نجاح المنهجين في الطبيعة والرياضة فقد سلك أصحاب العلوم الاجتماعية مسالك منهجية تحاكي التجريبي والرياضي لعلها تحقق نجاحه. لقد كان من بين معالم هذه الطريقة المنهجية التجرد للحسية، ومن ثم الابتعاد عن أي باب غيبي، ومن ثم إهمال الغيب أو التكذيب به لعدم الإحساس به. ومن المعالم تعظيم السببية والحتمية والآلية الذاتية والعلية لدرجة إلغاء أي نظر لرب مباين عن العالم الطبيعي يقوم بالخلق والتدبير والتسخير والفعل والتغيير، فما هناك إلا هذا العالم المحسوس، وهو محكوم بسببية وآلية وحتمية ثابتة لا مكان للبحث خارجها عن مدبر لها أو التفكير بإمكانية أي خرق لها ولو من خالقها. كما أنها بالبحث عن السبب وإهمال الغايات تحولت لمنهجية دنيوية حسية لا تُلقي بالًا لأبواب مهمة من حياة الإنسان اهتم بها الدين. وهي تعتني بالظاهر وتبتعد عما بطن، وبهذا أهملت الجانب الداخلي للإنسان في أثناء النشاط العلمي، ورمت به لساحة الوجدان، وجعلته للفنون والآداب. وغيرها من المعالم الخطيرة التي صبغت المنهجية الحديثة، فهي في أبواب ناجحة ولكنه نجاح لم يكتمل بسبب الغلو في باب على حساب أبواب، مما جعلها في حاجة للتكميل أو التصحيح حتى تتفق مع الشرع وتلبي بتكامل حاجة الإنسان. ويأتي الانحراف التغريبي كما العلماني في هذا الباب ولاسيّما في العلاقة بالجانب الديني بصورتين: ١ - أن تُنقل تلك المناهج من مجالها المناسب إلى مجال لا يناسبها. ٢ - أو جعل المعرفة محصورة فيما بين أيديهم ومن ثم مُصادرة كل ما لا تنطبق عليه. وإذا بحثنا عن أفضل الأمثلة التغريبية التي تدل بصراحة على الموضوع وتحوي في الوقت نفسه كل ما سواها، نجد مثالين: التيار الماركسي للقسم الأول، والتيار الوضعي للقسم الثاني. فالماركسية تدّعي أنها مذهبٌ علميٌ، معتمدة في ذلك على شخصيات علمية ذات نزعة مادية، بينما الوضعية ترى أن العلمي فقط هو الجانب المحسوس، ونكتفي به، دون تعميم على الدين والفن والأدب، التي لا تخضع لمناهج العلم. التيار الأول يرى الحقيقة منحصرة في

стр. 837

مذهبه المزعوم بعلميته التي تشمل كل ميادين الحياة، بينما الثاني يراها في العلوم فقط ولا يمكن الوصول إليها بغير العلم، وغيرها ليس علمًا. وغالب التيارات الأخرى تجدها إما تأخذ بالطريقة الماركسية -كليًا أو جزئيًا- أو تأخذ بالطريقة الوضعية. ولا يعني هذا أن المناهج العلمية لو تُركت في بابها أنها سليمة من المشكلات، فالحقيقة أنه بعد نجاح العلمنة في اختراق العقل الغربي الحديث ما بقي شيء من المناهج سالمًا، ولذا فإن المناهج الناجحة في ميدانها لا يعني ذلك سلامتها من المشكلات، نوع من هذه المشكلات يتعلق بنقصها، وهذا تتكفل به عقول العلماء لتطويره، ونوع يتعلق بما هو أعلى من ذلك وأخطر؛ أي: المشكلات الأيديولوجية التي تلبّس بها المنهج العلمي الحديث، وذلك بسبب نشأته في بيئة علمانية، فانبنى على أصول وارتبط بغايات تتعارض تعارضًا بينًا مع الدين، وهذا يدل على وجود مشكلات أعمق تواجه الفكر الإِسلامي أمام هذه المناهج الناجحة، فهي رغم ما تظهر به من تقنية عالية، إلا أنها تحوي مخاطر ولاسيّما إذا كان للباب الذي تتعامل معه صلة بالدين، ولذا فينبغي إعادة تقويم تجربة التعامل مع المناهج العلمية بما فيها تلك التي تظهر بوجه حيادي، وهذه شهادة لأحد المبرزين في فلسفة العلم المعاصرة المفكر طه عبد الرحمن فيقول: "لئن سلمنا بأن المتخلق بأخلاق الدين الإِسلامي يلزمه أن يطلب الاتصاف بالعقل والعلم، فلا نسلّم بأنه يلزمه، في تحصيل هذا الاتصاف، الاندفاع في الأخذ بكل مناهج العقل ونتائج العلم التي جاء بها النمط المعرفي الحديث، ذلك أن هذه المناهج والنتائج أُشبعت، من حيث يدري المتخلق أو لا يدري، بمذهب واضعيها في العقل والعلم، ومن هنا، فلسنا نعترض على هذه المناهج والنتائج لمجرد نسبتها إلى هؤلاء الواضعين من حيث إنهم مسلمون أو غير متدينين، فذاك أمر لا يقول به عاقل؛ وإنما لأن مذهبهم فيها يقوم على مبادئ لا يمكن للمتخلّق بأخلاق الدين أن يقبلها أو يدعو إلى قبولها" (١)، وذلك أن النظام "العلمي - التقني الحديث" قد انبنى على تصور خاص للعقل معتمدًا على مكانة خاصة للتجريب والترويض فيه، "حتى طار في الناس أنه لا عقلانية إلا بتحصيل

стр. 838

الوصفين التاليين: "التجريب" و"الترويض"" (١)، "ولمّا أصبحت المعرفة العلمية قائمة على التجريب والترويض، لم يعد يَعنيها من الموضوعات التي تنظر فيها أمر كثافتها الوجودية، وإنما مجرد لطافتها "الإجرائية"، بحيث يكون نصيب كل موضوع من "العلمية" على قدر ما يقبل من أساليب الإجراء. . . ." (٢)، وقد تولّد عن هذه المنهجية الجديدة بأبعادها العلمانية آثار خطيرة ينبغي الحذر منها، وكما يقول عبد الرحمن: "ينبغي التوسل في تشييد البناءات النظرية بمقولات وبنيات متولدة من التحقق بالعمل ومستمدة من الاشتغال الشرعي؛ فقد ساد التصور الأجنبي للعلم بيننا، حتى أصبحنا لا ندرك من إمكاناته إلا ما توصل أهل الغرب إلى تحقيقه، ولا نتصور من آفاقه إلا ما خطوه، وصرنا نعتقد أن العلم واحد لا تعدد في طرائقه، وأنه ضروري لا جواز في مراحله، وأنه مطلق لا نسبية في نتائجه، وليس هذا كله إلا توهمًا محضًا؛ فالعلم في حقيقته أبواب عدة ومسالك شتى، وما انفتح للغرب من أبوابه وانتهجه من مسائله ليس إلا غيض من فيض؛ وإذا كان قد اختار أن يجرد علمه من قيود العمل وحدود الشرع، وأن يطلق على هذا التجريد أسماء تُوهِم بمشروعية هذا الاختيار مثل "الموضوعية" و"السببية" و"الآلية" و"الإجرائية" و"العلمية" وما أشبه ذلك، فليس هذا السلوك إلا إمكانًا واحدًا تضاهيه إمكانات أخرى كثيرة، على رأسها إمكان اختيار علم يتقيد بالعمل ويتحدد بالشرع" (٣). مشكلة الموضوعية: نجد من بين أبرز ما يُرَكز عليه في المنهج الحديث مفهوم "الموضوعية"، نجدها في مقدمات كتب المناهج والمنطق وفلسفة العلم، وفي مقدمات كتب العلوم العصرية، وقد أصبح المصطلح سائدًا حتى عند الناس العاديين البعيدين عن مجال النشاط الفكري والبحوث العلمية. ولكن الناظر لمدلولاته داخل ميادين الفلسفة والمناهج والعلوم يجده أعقد مما يتصوره الإنسان العادي، وبقدر ضرورته

стр. 839

في جانبه الإيجابي لأي نشاط علمي يحرص على معرفة صحيحة بقدر ما هو قابل للتوظيف السلبي ضد الدين والقيم والأخلاق والمبادئ، فأصبح المصطلح موطن انحراف، كما هو أداة بناء كأي مصطلح ينبت في بيئة علمانية معادية للدين. لقد أصبحت الموضوعية رديفة للعلمية، وكأن الموضوعي هو العلمي، وتعرف الموضوعية بأنها: "سمة ما هو موضوعي -أو بحسب صليبا: وصف لما هو موضوعي- كائنًا ما كان معنى هذه الكلمة. وهي (١) بنحو خاص: موقف، استعداد فكري لدى ذلك الذي "يرى الأشياء كما هي" الذي لا يشوّهها لا بضيق فكري ولا بتمذهب أو تحزب -أو بحسب صليبا: وهي بوجه خاص مسلك الذهن الذي يرى الأشياء على ما هي عليه، فلا يشوهها بنظرة ضيقة، أو بتحيز خاص" (٢). ويحيلنا التعريف إلى المشكلة الحقيقية للمصطلح، وهي أن الموضوعية إنما هي وصفة "لما هو موضوعي"، ولكن هذا الموضوعي تختلف فيه الفلسفات العامة وفلسفات العلم، فلا تحيلنا الموضوعية على شيء واحد، كما أنها لا تحيل على أمور متقاربة، بل هي تحيل إلى تصورات كثيرة في الفكر الحديث، وهي تصورات يصل اختلافها أحيانًا لدرجة التضاد. وقد كان هناك نوع من الاتفاق على الأقل في العلوم الرياضية والطبيعية، وكانت الحقائق الطبيعية تُعدّ حقائق موضوعية لا يمكن الاختلاف حولها، ويصعب قبول مذاهب مثالية فيها أو رؤى ذاتية حولها، ولكن مع ظهور نظرية النسبية ونظرية الكم اهتز مفهوم الموضوعية حتى في العلوم الطبيعية الدقيقة، ولا تعني الإحالة إلى النسبية إلغاء الحقائق الموضوعية في جوانب الطبيعة بقدر ما هو يعيد الاعتبار للمذاهب المنافسة لدعاة الموضوعية من أصحاب التيارات المثالية والذاتية (٣)، كما أنها تُخفف من تعصب مزاعم دعاة الموضوعية المؤدلجة، فإن من أهم رسائل

стр. 840

النظريات الحديثة في الفيزياء بأن الحقائق المادية ليست من السهولة بحيث يمكن إدراكها دون تدخل العقل في تشكيلها ومن ثم اشتراكه في رسم معالم الحقيقة (١)، إنه اشتراك حتمي بين الذاتي والموضوعي، وهو المنعطف الكبير الذي حدث للموضوعية وما زال. إذًا فلا يوجد "موضوعي" واحد؛ لأن هناك لكل مذهب تصوره عن "الموضوعي"، كما أن وجود "موضوعي" خارجي أصبح أكثر صعوبة حتى في العلوم الطبيعية. فإذا كان هذا هو حاصل الموقف الفلسفي حول الموضوعية، فإن ذلك يفتح إشكالًا آخر حول قدرة الذهن لوحده على "رؤية الأشياء كما هي"، فإنه على مستوى التنظير الفلسفي يعد ذلك من أعقد الأمور (٢)، فإنه رغم جمال الشروط في ظاهرها من عدم إغلاق الفكر أو عدم التأثر بمذهب أو تحيز في رؤية الحقيقة إلا أنه لم يعد ممكنًا بالسهولة التي يُبديها التعريف. تبرز في محتويات "الموضوعية" قضايا سليمة هي مطلب لكل باحث عن الحقيقة، ولذا فهي من صلب المنهج الإِسلامي، فالبحث عن الحق وقوله ولو كان على النفس، ولو جاء من أبغض الأعداء هو من مكونات المنهج الإِسلامي في الأمور المعنوية فكيف به في الأمور المادية والعلمية، بل حتى في أمور العقيدة، فلو جاء الحق من غير المسلم قبله المسلم، فعن قتيلة -امرأة من جهينة- "أن يهوديًا أتى النبي ﷺ فقال: إنكم تندّدون -قال السندي في حاشيته على النسائيُّ: أي: تتخذون أندادًا- وإنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، ويقولون: ما شاء الله ثم شئت" (٣)، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀ حول هذا الحديث: "وفيه: قبول الحق ممن جاء به كائنًا من كان" (٤)، وقال

стр. 841

الشيخ صالح آل الشيخ حول الحديث وحديث آخر في الموضوع نفسه: "مما يستفاد منه أن صاحب الهوى قد يفهم الصواب، فإذا فهم الصواب، فإن الواجب أن يقبل منه؛ لأن المسلم يجب عليه أن يقبل الحق ممن جاء به، ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا، فهذا اليهودي والنصراني توجها إلى المؤمنين بالقدح فيهم بالشرك، ولم يمنع النبي ﷺ من قبول الحق الذي قالوه أنهم يهود، بل قبل ما جاء به ذلك اليهودي فأوصاهم أن يتركوا ذلك التنديد؛ لأن الحق هو ضالة المؤمن أين وجده أخذه، فلا يمنعه من قبول الحق أن قاله مشرك، أو قاله كافر، أو قاله فاسق، أو قاله مبتدع، أو قاله ضال، إذا كان الكلام في نفسه حقًا؛ لأنه كما قال النبي ﵊: "الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها". . . . ولابن ماجه عن الطفيل -أخي عائشة لأمها- قال: "رأيت: كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله، قالوا: وإنكم لأنتم القوم، لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمَّد": هذا فيه أن صاحب الهوى أو صاحب الملة الباطلة قد يرد على صاحب الحق بأن عنده باطلًا كما أن عند ذاك باطلًا، فإذا واجهه بذلك فالواجب عليه أن يتجرد للحق وأن لا يرد الحق لأجل أن من أتى به صاحب باطل، فالقاعدة عند أهل السنة والإيمان أن البدعة لا ترد ببدعة والباطل لا يرد بباطل. . . . بل إذا ووجهت بحق، ولو كان من أضل الضلال فاقبل، فإبليس -الشيطان- قبل منه بعض الحق الذي جاء به، وأرشد إليه أبا هريرة، وهؤلاء اليهود والنصارى في هذين الحديثين قبلنا منهما حقًا أرشدونا إليه في أعظم المسائل وأجل المطالب، وهو توحيد الله (١)، فإذا كان المسلم يقبل الحق حتى في هذه الأبواب ومن أبغض الخصوم فكيف بما هو أقل منها؟! كما أن الإِسلام له موقف شديد في الدعوة لتخليص القلب والعقل من

стр. 842

الهوى، الحق هو المهم وهو المطلوب، وطلب الحق والبعد عن الهوى يتحقق بطلب العلم وطلب الإيمان (١)، قال -تعالى-: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ [الإسراء: ٣٦]، وقال -تعالى-: ﴿وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ [النجم: ٢٨]، وقال -تعالى-: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧]، وقال -تعالى-: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وقال -تعالى-: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٩)﴾ [الروم: ٢٩]، وقال -تعالى-: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١١٩]، وغيرها كثير في طلب الحق وعدم الميل إلى الهوى، وهي وإن كانت في حال المكذبين بالدين والمنحرفين فيه، إلا أنها تصبح منهجًا للمسلم، فيبتعد عن الظن والهوى، ويحرص على الحق في كل شيء، وعلى الصدق وعدم القول دون علم. ولا يشكل هذا نقطة خلاف بين المنهج الإِسلامي وبين المناهج الأخرى التي تصور الموضوعية بهذه الصورة، ولكن يتعجب أصحاب المنهج الإِسلامي من حال المتغربين وأمثالهم من تجاهلهم لدور الإِسلام في تأسيس هذا البعد في صميم المنهج العلمي، وقد بدأ ذلك مع أعز شيء على نفوس المسلمين "حديث الرسول ﷺ "، فمع محبة المسلمين لحديث الرسول ﷺ فهي محبة لم تجعلهم يغمضون أعينهم، ويقبلون بأي حديث ينقله الناقلون، بل قام علم الجرح والتعديل بصرامة، وطُبق على أناس لهم محبة ومكانة في نفوس المحدّثين، ومع ذلك لم يُقبل حديثهم أو بعضه لبعض المشكلات حول الراوي، كما أن الأحاديث قد طبق عليها الصرامة نفسها (٢)، وأُمّة بمثل هذه الصرامة في طلب

стр. 843

الحق وإقامة المنهج والبعد عن الهوى لا يصح تجاهل دورها على البشرية في تخليص المناهج من الهوى والظن والكذب. لا يشكل المفهوم السابق للموضوعية -بمعنى الحرص على الحق والبعد عن الهوى- مشكلة، فالإِسلام موقفه صريح من ذلك، ولكن المشكلة تقع في محتويات أخرى أُقحمت ضمن مصطلح الموضوعية، ويُراد تعميمها في كل منهج علمي، وقد التصقت بحركة العلم الحديثة وذهبت معها في أي مكان تبناها، وقد تبنى الاتجاه التغريبي تلك المضامين بقوة، وقد يكون فيهم الغافل عن خطئها، إلا أن هناك المتعمد في التركيز عليها لهدف واضح عنده. ويبرز من المحتويات السلبية لمصطلح الموضوعية أمران خطيران يحرص عليهما أهل المنهج التغريبي: الأول، نجد تلميحًا عنه في التعريف "لا بتمذهب أو تحزب" فيُدْخَل فيه طلب الباحث أن يتخلى عن معارفه الدينية إن كان متدينًا، وكما يقولون: العلم لا علاقة له بالدين. والثاني، أوسع من ذلك وأخطر، حيث تُرفض المعرفة الدينية، ويصبح وجود شيء منها ضمن المعارف الحديثة متنافيًا مع الموضوعية والعلمية، وبهذا تكون الموضوعية أداة رفض أو إقصاء لكل مضمون ديني في المعارف العلمية، وتتوازى الموضوعية هنا مع دعوى العقلانية أو العلمية، فشرط المعرفة كما يقولون أن تكون عقلانية وعلمية وذلك يعني إقصاء كل ما هو ديني. ولهذا فإني أطلق عليها اسم الموضوعية العلمانية لارتباطها بحضارة علمانية، ومن ثم لا يوجد موضوعية مطلقة، فكل موضوعية هي مرتبطة بوضعها الخاص، فهي تكتسب من البيئة خصائصها. يعود مفهوم الموضوعية العلمانية لقائمة مفاهيم "العقلانية العلمية العلمانية" التي اشتهرت في الغرب، وقد تحدد في المنهج العقلي الذي أرسى منهجه ديكارت. . . . غايات ومقاصد، سعى المنهج العلمي في تحقيقها، ولكن تلك "العقلانية العلمية" لم تحقق النفع في غاياتها (١)، فهل حققت النجوع في الوسائل؟ وقد بحثها المفكر طه عبد الرحمن تحت عنوان: "المنهج العقلي العلمي وحدود النجوع في الوسائل" وقال فيه: "من ينظر في وسائل المنهج

стр. 844

العقلي العلمي، يجدها، هي الأخرى، متصفة بالصفات الثلاث الآتية: تكلف الموضوعية، والجمود على الظاهر، واتخاذ الوسائط. أ- تكلف الموضوعية: تزعم الممارسة العقلانية العلمية تطهير وسائلها من كل أثر للمعاني والقيم الذاتية بحجة التزام طريق "الموضوعية"، هذا الطريق الذي يوجب، في نظرها، الاقتصار في كل شيء على الرجوع إلى الملاحظة الظاهرة والتجربة الحسية، حتى أصبحت المعاني الدينية والقيم الأخلاقية تُعدُّ عندها بمنزلة عوائق أو عقبات تثبِّط العمل العلمي وتخرجه عن حقيقته وفائدته؛ والصواب أن تحصيل تمام الموضوعية غير ممكن، وكل ما تفعله هذه الممارسة العقلانية هو أنها تستبدل بالمعاني الأخلاقية الدينية معاني وقيمًا أخرى غير دينية وغير أخلاقية بما فيها "الموضوعية" نفسها. ولما كان العلم الحديث مبنيًا على هذا التصور الخاص للمعرفة الموضوعية، فاته تحصيل الوسيلة الناجعة في خدمة حياة الإنسان؛ لأن هذه الوسيلة تقتضي الجمع بين طلب المعرفة العلمية، وبين التزام المعاني والقيم الروحية والأخلاقية" (١). اكتسب مصطلح الموضوعية مثل هذه المضامين الخطيرة بعد توسيع مدلوله ليقوم على "غياب لكل عوامل التحيز، وكف لتأثيرها"، وعوامل التحيّز هي كما يقول جيبسون: "ما ينتج عن التأثير المناوئ للاستخدام السليم للشواهد والبينات المتاحة للباحث، وهو تأثير دوافع الشخص وعرفه وقيمه وموقفه الاجتماعي، فأن تكون موضوعيًا معناه ألا تتأثر بدوافعك وعرفك وقيمك وموقفك الاجتماعي" (٢). ويمكن تصور حجم دور مصطلح الموضوعية بالنظر إلى دلالاته بحسب مستويات مختلفة في دائرة الفكر والعلم، وهي: ١ - دلالتها القيمية: تعد الموضوعية تجردًا من كل حكم من أحكام القيمة. ٢ - دلالتها المعرفية: وهي تتجاوز التعريف التقليدي "معرفة الأشياء كما هي" إلى العناية بالصلة بين الذات العارفة والموضوع المعروف، وهنا تبرز المدارس الفلسفية المختلفة.

стр. 845

٣ - دلالتها النفسية: تعد تمحيصًا لأثر العوامل النفسية في تشكيل المعرفة. ٤ - دلالتها الثقافية: التي تشير إلى الاتفاق أو التواضع حول المعايير والتدابير السائدة في المناخ الفكري عند بحث موضوع ما، والسائد هو ما اتفق عليه المجتمع العلمي في ذاك الوقت (١). نلحظ وجودًا لشبكة معقدة من المعاني ضمن مصطلح الموضوعية، وهي شبكة قابلة لأن تكون غير موضوعية؛ بسبب ارتباطها بتيارات ذات تحيز لا يمكن التخلص منه، كما أن هذه الشبكة المعقدة قابلة لتسريب الميول السائدة في عصر تشكل هذه المفاهيم إلى صميم المصطلح، وأهمها وأخطرها أن صُناع هذه المفاهيم والقيم قد شكلوها وقتَ صراعهم مع الدين والغيبيات، ووقت غلبة النزعات المادية والمذاهب الإلحادية والمواقف اللا أدرية مما جعل مفهوم الموضوعية يتلطخ بتلك الأبعاد. نجد في أحد كتب المنطق والمنهج ما يأتي: "يسعى العالم قبل كل شيء إلى الموضوعية. فغاية العلم هي تحديد طابع الأشياء لا في علاقتها بنا، بل في علاقتها بعضها مع البعض الآخر. فالروح العلمي يقتضي تنحية كل اعتبار غريب عن الجهد الذي يبذل نحو الموضوعية الخالصة وبخاصة كل اعتبار انفعالي عاطفي، ديني أو أخلاقي، وكذلك التحرر من سلطة العرف. . . ." (٢)، ومثله قول متخصص -لطفي- في العلوم الاجتماعية: "ليس المقصود بالموضوعية هنا عدم التشويه المتعمد للحقائق فقط، أو العرض المضلل لها بقصد نشر مُثُل أو مبادئ معينة، وإنما نقصد أيضًا تحاشي تأثرنا عن غير عمد أثناء الدراسة، فلا ننقد أو نحكم على المجتمعات الأخرى التي تختلف عن مجتمعنا في الزمان والمكان على أساس القيم والاتجاهات والعقائد السائدة في مجتمعنا. . . . إن المقصود بالموضوعية هو ألا نكون متحيزين في ملاحظاتنا للظواهر الاجتماعية وترددها، وألا نتأثر بأية ناحية تعصبية دينية أو سياسية أو طبقية. . . ." (٣)، وفي بحثه المهم
следующие страницы →