← Книги сунны

Книги сунны · id 12444

العرش وما روي فيه

محمد بن عثمان بن أبي شيبة

Полный текст (430 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُم﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٥، وقوله تعا لى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ ٦ وقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ ٧ وقد زعم حلولية الجهمية أن المراد بهذه النصوص: معية الذات، وقرب الذات، فلذلك قالوا: إن الله بذاته في كل مكان. الرد عليهم: قد أبطل علماء السلف زعم هؤلاء الجهمية واستدلالهم بهذه الآيات، وبينوا أن كل نص يحتجون به هو في الحقيقة حجة عليهم، فنصوص المعية التي استدلوا بها لا تدل بأي حال من الأحوال على ما زعمه هؤلاء،

стр. 107

وذلك لأن كلمة "مع" في لغة العرب لا تقتضي أن يكون أحد الشيئين مختلطا بالآخر، وهي إذا أطلقت فليس ظاهرها في اللغة إلا المقارنة المطلقة، من غير وجوب مماسة، أو محاذاة عن يمين أو شمال، فإذا قيدت بمعنى من المعاني دلت على المقارنة في ذلك المعنى. ولفظ المعية قد استعمل في الكتاب والسنة في مواضع، واقتضت في كل موضع أمورا لم تقتضها في الموضع الآخر، وذلك بحسب اختلاف دلالتها في كل موضع، وهي قد وردت في القرآن بمعنيين هما: المعنى الأول: المعية العامة والمراد بها أن الله معنا بعلمه، فهو مطلع على خلقه، شهيد عليهم، ومهيمن، وعالم بهم، وهذه المعية هي المرادة بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . فالله- قد افتتح الآية بالعلم، وختمها بالعلم، ولذلك أجمع علماء الصحابة والتابعين الذين حمل عنهم تفسير القرآن على أن تفسير الآية هو أنه معهم بعلمه، وقد نقل هذا الإجماع ابن عبد البر١، وأبو عمرو الطلمنكي، وابن تيمية٢، وابن القيم٣.

стр. 108

وعلى هذا فلا حجة للمخالفين في ظاهر هذه الآية. وكذلك- أيضا- ما جاء في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ . فظاهر الآية دال على أن المراد بهذه المعية هو علم الله- ﵎، واطلاعه على خلقه، فقد أخبر الله- تعالى- في هذه الآية بأنه فوق العرش، يعلم كل شيء، وهو معنا أينما كنا، فجمع- تعالى- في هذه الآية بين العلو والمعية، فليس بين الاثنين تناقض ألبتة، وهو كقوله عليهم في حديث الأوعال: "والله فوق العرش، يعلم ما أنتم عليه". المعنى الثاني: المعية الخاصة وهي معية الاطلاع، والنصرة، والتأييد، وسميت "خاصة" لأنها تخص أنبياء الله وأولياءه مثل قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ١. فهذه المعية على ظاهرها، وحكمها في هذه المواطن النصر والتأييد. ولفظ المعية على كلا الاستعمالين ليس مقتضاه أن تكون ذات الرب مختلطة بالخلق، ولو كان معنى المعية أنه بذاته في كل

стр. 109

مكان لتناقض الخبر العام والخبر الخاص، ولكن المعمى. أنه مع هؤلاء بنصره وتأييده دون أولئك١. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، فقد أجاب عنه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن هذه الآية لا تخلو إما أن يراد بها قربه- سبحانه-، أو قرب ملائكته، كما قد اختلف الناس في ذلك. فإن أريد بها قرب الملائكة: فدليل ذلك من الآية قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ ، ففسر ذلك القرب الذي هو حين يتلقى المتلقيان، فيكون الله- سبحانه- قد أخبر بعلمه هو- سبحانه- بما في نفس الإنسان، ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ، وأخبر بقرب الملائكة الكرام الكاتبين منه، ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ، وعلى هذا التفسير تكون هذه الآية مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ ٢. أما إذا كان المراد بالقرب في الآية قربه- سبحانه-، فإن ظاهر السياق في الآية دل على أن المراد بقربه هنا: قربه بعلمه، وذلك لورود لفظ العلم في سياق الآية: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ "٣. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه﴾ ،

стр. 110

فمعنى الآية: أي هو إله من في السموات، وإله من في الأرض، قال ابن عبد البر: "فوجب حمل هذه الآيات على المعنى الصحيح المجتمع عليه، وذلك أنه في السماء إله معبود من أهل السماء، وفي الأرض إله معبود من أهل الأرض، وكذلك قال أهل العلم بالتفسير"١. وقال الآجري: "وقوله : ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه﴾ : فمعناه أنه جل ذكره إله من في السموات وإله من في الأرض، وهو الإله يعبد في السموات، وهو الإله، يعبد في الأرض، هكذا فسره العلماء"٢. وروى الآجري بسنده في تفسيره هذه الآية عن قتادة قوله: "هو إله يعبد في السماء، وإله يعبد في الأرض"٣. وأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه﴾ فقد فسرها أئمة العلم، كالإمام أحمد، وغيره، أنه: المعبود في السموات والأرض٤. وقال الآجري: "وعند أهل العلم أن أهل الحق: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَه يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ هو كما قال أهل

стр. 111

الحق: يعلم سركم. فمما جاءت به السنن أن الله- على عرشه، وعلمه محيط بجميع خلقه، يعلم ما تسرون وما تعلنون، ويعلم الجهر من القول، ويعلم ما تكتمون"١. القول الثاني من أقوال المخالفين وهو قول من يقول: إن الله بذاته فوق العرش، وهو بذاته في كل مكان. وهذا هو قول طائفة من أهل الكلام والتصوف، كأبي معاذ التومني٢، وزهير الأثري٣، وأصحابهما٤، وهو موجود في كلام السالمية٥

стр. 112

كأبي طالب المكي١ وأتباعه كأبي الحكم بن برجان٢ وأمثاله، ما يشير إلى نحو من هذا، كما يوجد في كلامهم ما يناقض هذا٣، فهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه، وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم، ولا محدود، ولا يجوز عليه الحلول، ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ ٤، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم، الذين يقولون بأنه لا نهاية له٥. والفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو، ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.

стр. 113

ويزعم أصحاب هذا القول أنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها، سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب. الرد عليهم: إنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ، وغاية في التناقض. أما بيان خطئه، فهو يكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان، فهو مخالف للكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة وأئمتها، مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول، وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه، واستوائه على عرشه، وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث كقصة المعراج، وصعود الملائكة ونزولها من عند الله، وعروج الروح إليه، واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، وسيأتي عرض تلك الأدلة عند الكلام على مذهب السلف، مع الإشارة إلى دليل الفطرة، والأدلة العقلية، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته. وأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين، أي: متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات. أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون

стр. 114

بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون بأنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون: بأنه فوق العرش، ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف - كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك، فإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش. وإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية، ومنهم صاحب "منازل السائرين"١.

стр. 115

المبحث الثاني: قول السلف ومن وافقهم فالسلف يقولون بأن الله فوق سمواته، مستو على عرشه، عال على خلقه، بائن منهم، وهم بائنون منه. وقد وافقهم على قولهم بإثبات علو الله عامة الصفاتية، كأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه١، وأبي العباس القلانسي٢ وأبي الحسن الأشعري والمتقدمين من أصحابه كأبي المعالي الجويني وغيره، وهو قول الكرامية ومتقدمي الشيعة الإمامية٣.

стр. 116

أدلتهم: وهذا القول الذي ذهب إليه السلف ومن وافقهم هو الذي دل عليه القرآن والسنة، وإجماع سلف الأمة، والمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح، والفطر السليمة التي فطر الله عليها الخلق، وسوف نتعرض لهذه الأدلة جميعها. أولا: الأدلة من القرآن إن القرآن الكريم من أوله إلى آخره مملوء بما هو إما نص وإما ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه عال على خلقه، ومستو على عرشه، وقد تنوعت تلك الدلالات، فوردت بأصناف من العبارات، وما ذلك إلا لتدل دلالة واضحة على علوه- سبحانه-، وبينونته من خلقه، وارتفاعه على عرشه، ثم لا تدع بعد ذلك مجالا للمتأول أن يؤولها، أو يحرف معانيها. فتارة يخبر- تعالى- بأنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، وقد ذكر استواءه على العرش في سبعة مواضع تقدم ذكرها. وتارة يخبر بعروج الأشياء وصعودها وارتفاعها إليه كقوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيّ﴾ ٢،

стр. 117

وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْه﴾ ١، وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ٢ وتارة يخبر بنزولها من عنده كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَق﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ٥. وتارة يخبر بأنه العلي الأعلى كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ٦، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ٧. وتارة يخبر بأنه في السماء، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً﴾ ٨، فذكر السماء دون الأرض، ولم يعلق بذلك ألوهية أو غيرها، كما ذكر في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ .

стр. 118

وتارة يجعل بعض الخلق عنده دون بعض، ويخبر عمن عنده بالطاعة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ ١، فلو كان موجب العندية معنى عاما، كدخولهم تحت مشيئته وقدرته وأمثال ذلك، لكان كل مخلوق عنده، ولم يكن أحد مستكبرا عن عبادته، بل مسبحا له ساجدا٢. ثانيا: الأدلة من السنة كما أن السنة مليئة بالأحاديث الدالة على علو الله- واستوائه على عرشه، وقد تكلم على إثبات ذلك في خلال الكثير من الأحاديث، كأحاديث المعراج، وأحاديث صعود الملائكة ونزولها من عند الله، وعروج الروح إليه، واستواء الخالق على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ورؤيته في الآخرة، وسأكتفي بما ورد في متن الكتاب الذي أقوم بتحقيقه من أحاديث، تجنبا للتكرار والإطالة، وفيها الكفاية- إن شاء الله-. ثالثا: دليل الإجماع إجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه، وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله- تعالى-

стр. 119

ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته"١. وقال أبو نصر السجزي: "فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله- سبحانه- بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق العرش"٢. وقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: "وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه"٣. وكلام السلف من الصحابة والتابعين،- من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك٤، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه "إجتماع الجيوش الإسلامية".

стр. 120

رابعا: دليل العقل وكما أن علو الله ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع السلف، فهو - أيضا- ثابت بالمعقول الصريح الموافق للمنقول الصحيح. والأدلة العقلية على إثبات العلو كثيرة، وسنورد ههنا ثلاثة منها: الأول: قول الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله- تعالى-. حين زعم أنه في كل مكان، ولا يكون في مكان دون مكان. فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟ فسيقول: نعم. فقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه، أم خارجا عن نفسه؟ فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل: واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه. وإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا- أيضا- كفرا حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء. وإن قال خلقهم خارجا عن نفسه. لم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع"١. الثاني: قول ابن القيم: "إن كل من أقر بوجود رب للعالم، مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه، وعلوه عليهم".

стр. 121

فمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتا وماهية مخصوصة أو لا، فإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربا لا ذات له، ولا ماهية له، هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذا" مخصوصة وماهية، فيما أن يقر بتعينها أو يقول: إنها غير معينة، فإن قال: إنها غير معينة كانت خيالا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين، فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته - سبحا نه- واجب. وإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم - قطعا- مباينة أحد المتعينين للآخر، فاز" إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه. فإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلا فيه، ولا خارجا عنه. قيل: هذا- والله- حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له، ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرا عدميا محضا، ونفيا صرفا، وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض. وأيضا، فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء، وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم- قطعا- من إثبات ذاته تعيين تلك

стр. 122

الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها، لما تقدم من تقريره"١. الثالث: إنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف لي العلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلا عن السفول. والمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة، وعلو القهر، ؤعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، لا محاذيا له ولا سافلا عنه. ولما كان العلو صفة كمال، كان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليا عليه، لا يكون- قط غير عال عليه٢ وبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه، وكذلك مدى

стр. 123

مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول، وصحيح المنقول. خامسا: دليل الفطرة من المعلوم أن الفطرة السليمة قد جبلت على الاعتراف بعلو الله- ، ويظهر هذا الأمر حينما يجد الإنسان نفسه مضطرا إلى أن يقصد جهة العلو ولو بالقلب حين الدعاء، وهذا الأمر لا يستطيع الإنسان دفعه عن نفسه، فضلا عن أن يرد على قائله وينكر هذا الأمر عليه. ومن أجل ذلك لم يجد الجويني- إمام الحرمين- جوابا حين سأله الهمداني محتجا عليه بها، فقد ذكر محمد بن طاهر المقدسي أن الشيخ أبا جعفر الهمداني حضر مجلس الأستاذ أبا المعالي الجويني المعروف بـ"إمام الحرمين"، وهو يتكلم في نفي صفة العلو، ويقول: "كان الله ولا عرش، وهو الآن على ما كان"، فقال الشيخ أبو جعفر: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش- يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع- أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قط: يا ألله، إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو، لا يلتفت يمنة ولا يسرة، فكيف تدفع هذه الضرورة عق قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني١.

стр. 124

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارا بذلك، وتصديقا من غير أن يتواطئوا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم. وكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى دعائه وسؤاله هم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجها إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها، وخلو القلوب عن قصد جهة من الجهات، بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات. فهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو، وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك"١.

стр. 125

الفصل الثاني: الاستواء والأقوال فيه المبحث الأول: أقوال نفاة الاستواء ... سبق أن ذكرنا في الفصل الأول من هذا الباب أن المعطلة من الفلاسفة والجهمية ومتأخري الأشاعرة على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجا مستقلا في مسألة الصفات إلا أنهم يتفقون جميعا على إنكار الصفات الخبرية، بما فيها صفتا العلو والاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة، التي يزعمون أن فيها تنزيها لله عن مشابهة المخلوقين. وإن سبب ذلك التأويل الباطل، هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفسه الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر- وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى- بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف، وبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات، وهي في الحقيقة شبهات.

стр. 126

وبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال- منها: القول الأول: من هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء، والقهر، والغلبة. وهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية١، والمعتزلة٢، والحرورية٣، وكثير من متأخري الأشاعرة٤، كسيف الدين الآمدي٥، وأبي حامد الغزالي٦، والبغدادي٧، وغيرهم. وقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن هذا التأويل الذي هو تأويل الاستواء بالاستيلاء هو أمر مشهور في لغة العرب، ومن ذلك قول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ولا دم مهراق

стр. 127

وقال الآخر: هما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور وقال الآخر: فلما علونا واستوينا عليهم ... تركناهم صرعى لنسر كاسر وقد ذكر عمر بن عبد البر- رحمه الله تعالى- أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان١. ومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات، وأرفعها، وأوسعها، فخصص بالذكر تنبيها على ما دونه. ومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى: الملك٢، ويزعم

стр. 128

أن معنى الآية أنه استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول: إن الله قد عبر بالعرش كناية عن نفس الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك لأن العرش- في كلامهم- هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك، ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْر﴾ فقالوا: إن قوله: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْر﴾ جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ "١. الرد عليهم: لقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل، ترده نصوص القرآن والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد الذي لم يذهب إليه صاحب، ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذي يحكون قول السلف. ولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول: أولا: إنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه

стр. 129

استولى- كما يزعم هؤلاء- لكان استعماله في أكثر موارده، كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود. أما أن يأتي إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد، ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأتي ذلك١. ثانيا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد "ثم" التي حقيقتها الترتيب والمهملة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في "صحيح مسلم" عنه ﷺ أنه قال: "إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء" ٢. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ .

стр. 130

وفي "صحيح البخاري" عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: "كان الله ولم يكن شيء غيره، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات والأرض" ١. فالآية والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستول على العرش إلى أن خلق السموات والأرض٢. ثالثا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى: القدرة، أو القهر، أو نحو ذلك، عام في المخلوقات كالربوبية. والعرش وإن كان أعظم المخلوقات، ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ، فلو كان استوى بمعنى: استولى كما هو عام في المخلوقات كلها، لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء، وعلى الهواء، وعلى البحار، والأرض، وعليها، ودونها، ونحوها، إذ هو مستو على العرش، فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش، وليس عاما كعموم الأشياء٣.

стр. 131

رابعا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله- تعالى- أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض، ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره وحكم عليه أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك إليه وأنه أراد بقوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ : أي: اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه١. خامسا: أن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم أن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين. فهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، فقال: "هو كما أخبر ، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادا فإذا غلب أحدهما قيل استولى أما سمعت النابغة: إلا لمثلك أن من أنت سابقه ... سبق الجواد إذا استولى على الأمد"٢ وقد سئل الخليل بن أحمد هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟

стр. 132

فقال: "هذا ما لا تعرفه العرب، ولا هو جائز في لغتها، والخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله- فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل"١. وكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: لا يجوز استوى بمعنى استولى إلا في حق من كان عاجزا ثم ظهر، والله - سبحانه- لا يعجزه شيء، والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى. وقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: "استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٢: أقبل، و ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ : علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها، واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب"٣. فبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة، وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة. وأما ما استدل به هؤلاء من أبيات- كقول الشاعر: قد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ولا دم مهراق

стр. 133

وقول الآخر: هما استويا بفضلهما جميعا ... على عرش الملوك بغير زور فهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة قد أنكرهما. قال ابن فارس: "هذان البيتان لا يعرف قائلهما"١. فهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله عام لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده، وقد طعن فيه أئمة اللغة. قال عمر بن عبد البر: "وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله- أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله تعالى: ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا.

стр. 134

قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى، أي: انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد"١. وأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس- ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس، ورواته مجهولون وضعفاء، كما تقدم ذكره. القول الثاني: أن معنى استوى: أقبل على خلق العرش، وعمد إلى خلقه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ٢ أي:. عمد إلى خلق السماء. وهذا هو قول بعض الجهمية٣، وإليه ذهب الفراء٤، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي٥. الرد عليهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن العرش كان على الماء قبل خلق السموات والأرض. وكذلك ثبت في "صحيح البخاري" عن عمران عن النبي ﷺ أنه

стр. 135

قال: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء ... " فإذا كان العرش مخلوقا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟! لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا بمعنى أنه عمد إلى فعله، وهذا لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازا، ولا في نظم ولا في نثر. ومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة- أيضا- ولا هو قول أحد من مفسري السلف، بل المفسرون من السلف، قولهم بخلاف ذلك"١. وقال ابن القيم- رحمه الله تعالى..: "إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجب من جهله، بل من إقدامه على- حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم"٢.

стр. 136

القول الثالث: أن استوى بمعنى: علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، إنما المراد علو المكانة والقهر. وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم أبو بكم بن فورك١، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل. الرد عليهم: إن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة٢.

стр. 137

المبحث الثاني: أقوال مثبتة الاستواء القول الأول: وهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش، وليس على أساس أنه صفة الله- تعالى-. وأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش، بمعنى أنه يحدث في العرش قربا فيصير مستويا عليه من غير أن يقوم به- أي بالله- فعل اختياري. وهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري١ وأئمة أصحابه المتقدمين، كالباقلاني وغيره، وهو- أيضا- قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى، وابن الزاغوني، وابن عقيل في كثير من أقواله٢. والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله- تعالى- هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته-

стр. 138

ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته - كالنزول والاستواء - كأفعاله المتعدية- كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله. وهم يقولون: "إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضا، إذ هي قديمة ولا تزول"١. وحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله- تعالى- أنهم يقولون: "إن كل ما صح قيامه بالبارئ- تعالى- فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون، فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة. وإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف البارئ بها، لأن إجماع الأمة على أن صفات البارئ بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر-غير جائز"٢. الرد عليهم: لقد اعتمد أصحاب هذا القول فر، منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى- على حجة منع قيام الحوادث بذاته- تعالى-، وهي حجة واهية، وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: "إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن

стр. 139

الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنها في الأزل لا يكون خلوا عما يمكن الاتصاف به في الأزل. ثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي، ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع، فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع. وقولهم باجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعا، فإن أهل الكلام يقولون: إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص، والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفا. ثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم، فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلاما وفعلا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور، ولا مراد، أو يكون بائنا عنه، لكانت العقول تقتضي بأن الأول أكمل من الثاني. وكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين، أو مطلقا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء، والتصرف بنفسه، والآخر لا يمكنه ذلك، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل.

стр. 140

فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به، والتي يفعل بها المفعولات المباينة له- صفات كمال"١. وكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: "إنه لو كان الاستواء عائدا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى"٢. القول الثاني: القول بالتفويض ويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون أن إن الاستواء ثابت في القرآن، حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة، وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز، وهو استواء لا نعلمه٣. وقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه "الاعتقاد"٤، وهو

стр. 141

أحد قولي الرازي١. وقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف٢. ويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف، ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله- تعالى ذكره- فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته- جل وعلا-". وقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب". والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: "إن طريقة السلف أسلم"، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيّ﴾ ٣. الرد عليهم: معلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هو محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين

стр. 142

لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحدة منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل إن الوارد عنهم جميعا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو: العلو والارتفاع على العرش، ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة. قال شيخ الإسلام: "وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعا مثل أن الله فوق العرش، فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك"١. وقال في موضع آخر: "وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات، فبين معانيها آية آية، وحديثا حديثا، ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله، مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبا لأهل السنة، وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها، بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها، وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف، ولا يلحد فيها"٢.

стр. 143

ويقول ابن القيم- رحمه الله تعالى-: "تنازع الناس في كثير من الأحكام، ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى، لا فهم الكنه والكيفية"١. وأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: "الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة"، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء، ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قال: "الكيف مجهول"، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى٢. والاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما، بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية لأنه أثبت الصفة، وأراد بقوله: الاستواء معلوم، أي: أنه معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن، فعلى هذا يكون معلوما في القرآن. ومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر- كان مع ذلك

стр. 144

لابد للنصوص من معنى- فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي، والرازي.، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقا، بل غالبا ما يخالفونه، كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض. القول الثالث: قول المشبهة، والمقصود بها الهشامية١ من الروافض، والكرامية٢ وغيرهم. وهؤلاء يثبتون استواء الله، وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء. فالهشامية مثلا يقولون إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه٣ وأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه: فمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.

стр. 145

ومنهم من يقول: إن العرش مكان له، وأن العرش امتلأ به. ومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانا له، لأنه أكبر منها كلها. ومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا بالجواهر لاتصلت به١. وقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته. فالهشامية يقولون: "إن الله جسم ذو أبعاض، له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء". ونقل عنهم أنهم قالوا: إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأن له مكانا مخصوصا، وجهة مخصوصة، وأنه يتحرك، وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان، وهو متناه بالذات، غير متناه بالقدرة، وأنه مماس لعرشه، ولا يفضل منه شيء من العرش، ولا يفضل عن العرش شيء منه٢. وأما الكرامية فيقول عنهم ابن كرام: "إن معبوده مستقر على العرش استقرارا، وإنه بجهة فوق ذاتا، وإنه أحدي الذات، أحدي الجوهر، وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا". ولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: "إنه مع وحدته على
следующие страницы →