← Книги сунны

Книги сунны · id 12444

العرش وما روي فيه

محمد بن عثمان بن أبي شيبة

Полный текст (430 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وعبد الله بن الإمام أحمد، وهناء بن سعد، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وغيرهم. قال الخطيب: كان إماما ربانيا، عالما، حافظا، ثبتا، متقنا، توفي بالمدينة سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وحمل على سرير النبي ﷺ وله نحو سبع وسبعين سنة١. ٨- الحافظ أبو عثمان سعيد بن عمرو بن سهل بن إسحاق بن محمد بن الأشعث، الكندي، الأشعثي، الكوفي، روى عن أبي زيد عبثر بن القاسم، وعبد الله بن المبارك، وعنه مسلم، والنسائي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وأبو زرعة، وغيرهم. وقال عنه أبو زرعة: ثقة٢. ٩- الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، الأنصاري، الكوفي، روى عن أبيه، وأيوب بن جابر. وروى عنه البخاري في"كتاب الأدب"، والترمذي، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وغيرهم. قال أبو حاتم: كوفي، صدوق، وقال مسلمة بن قاسم: ثقة"٣.

стр. 177

١٠- الحافظ أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد بن عبد الله بن ميمون بن عبد الرحمن الحماني الكوفي، روى عن أبيه، وسليمان بن بلال، وقيس بن الربيع. وروى عنه مسلم، وأبو حاتم، ومطين، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة وغيرهم. قال ابن حجر: حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث١. طائفة من تلاميذه: ١- الحافظ الأوحد، أبو بكر محمد بن سليمان بن الحارث بن عبد الرحمن، الأزدي، الواسطي، المعروف بابن الباغندي، سمع محمد بن عبد الله بن نمير، وأبا بكر عثمان ابنا أبي شيبة، وشيبان ابن فروخ، وعلي بن المديني، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وغيرهم. وروى عنه الحسين بن إسماعيل المحاملي، ومحمد بن مخلد الدوري، وأبو بكر الشافعي، وغيرهم. قال عنه الخطيب: عامة ما رواه حدث به من حفظه، وقال إسماعيل: لا أتهمه بالكذب، لكنه خبيث لتدليس، ومصحف - أيضا-، وقال ابن عبدان: هو أحفظ من أبي بكر بن داود، توفي سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة٢.

стр. 178

٢- الإمام أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد، كاتب مولى ابن جعفر المنصور، الهاشمي، البغدادي، كان مولده سنة ثمان وعشرين ومائتين، سمع ابن منيع، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة. وروى عنه البغوي، والدارقطني، وقال عنه: ثقة، ثبت، حافظ، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة١. ٣- أبو عبد الله الحسين بن إسماعيل، بن محمد بن إسماعيل بن سعيد ابن آبان الضبي، القاضي، المحاملي، سمع يوسف بن موسى القطان، وأبا هاشم الرفاعي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وغيرهم. وعنه دعلج بن أحمد، وأبو الحسن الدارقطني، قال عنه الخطيب: كان فاضلا، صادقا، دينا، توفي سنة ثلاثين وثلاثمائة٢ ٤- الحافظ الإمام الحجة أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير، اللخمي، الشامي، الطبراني. روى عن هاشم بن مرثد الطبراني، وأبي زرعة الثقفي، وبشر بن موسى، وأبي عبد الرحمن النسائي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وغيرهم. وعنه أبو خليفة الجمحي، وابن عقده، وأحمد بن محمد الصحاف، وهم من شيوخه، وأبو بكر بن مردويه، وأبو نعيم الأصبهاني، وغيرهم.

стр. 179

أثنى عليه العلماء، ووصفوه بالحفظ، وسعة الاطلاع، وبالصدق، والثقة، والأمانة. وكانت وفاته في ذي القعدة سنة ستين وثلاثمائة١. ٥- الإمام المفيد أبو عبد الله محمد بن مخلد بن حفص الدوري، العطار، الخطيب، مسند العراق، سمع مسلم بن الحجاج، والحسن بن عرفة، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، صنف، وخرج، وكان معروفا بالثقة والصلاح روى عنه الدارقطني، وقال: ثقة، مأمون، توفي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة٢. ٦- أبو بكر أحمد بن سليمان بن الحسن بن إسرائيل بن يونس النجاد، الفقيه، الحنبلي. روى عن هلال بن العلاء، وأبي قلاب، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ورحل، وصنف السنن. روى عنه ابن مردويه، والدارقطني، قال الخطيب: كان صدوقا، عارفا، توفي سنة ثمان وأربعين وثلاثه سائة٣. ٧- أبو بكر أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة القاضي، أحد أصحاب

стр. 180

محمد بن جرير الطبري، تقلد قضاء الكوفة، وكان من العلماء بالأحكام، وعلوم القرآن، والنحو، والشعر، وأيام الناس، وتواريخ أصحاب الحديث، وله مصنفات في ذلك. حدث عن محمد بن سعيد العوفي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن الجهم السمري، وغيرهم. وروى عنه أبو الحسن الدارقطني، وغيره، قال أبو الحسن زرقويه: لم تر عيناي مثله، ولينه الدارقطني، ومشاه غيره، توفي سنة خمسين وثلاثمائة١. ٨- أبو محمد إسماعيل بن علي بن إسماعيل بن يحيى بن بيان، الخطبي، سمع الحارث بن أبي أسامة التميمي، وبشر بن موسى الأسدي، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين، وغيرهما. وكان فاضلا، فهما، عارفا بأيام الناس، وأخبار الخلفاء، قال الدارقطني: ما أعرف إلا خيرا، كان يتحرى الصدق، وقال - أيضا-: ثقة. توفي سنة خمسين وثلاثمائة٢. ٩- الإمام الحجة المفيد أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدوية، الشافعي، البغدادي، البزار، ولد سنة ستين ومائتين. سمع موسى بن سهل الوشاء، ومحمد بن شداد المسيجي، ومحمد

стр. 181

ابن عثمان بن أبي شيبة، وروى عنه الدارقطني، وابن شاهين، قال الخطيب: ثقة، ثبت، حسن التصنيف، جمع أبوابا، وشيوخا، توفي في ذي الحجة سنة أربع وخمسين وثلاثمائة١. ١٠- أبو الحسن شعبة بن الفضل بن سعيد بن سلمة التغلبي، اسمه سعيد، وغلب عليه شعبة، حدث بمصر عن بشر بن موسى، ومحمد بن عثمان بن أبي شيبة، روى، عنه جماعة، وكان ثقة. توفي بمصر سنة إحدى وأربعين ومائة٢. عقيدته: تتبين عقيدة المؤلف- رحمه الله تعالى - من كتابه هذا الذي نقوم بتحقيقه، فهو سلفي العقيدة، على طريقة أهل الحديث. وقد ألف كتابه هذا ناصرا لمذهب السلف القائلين بعلو الله واستوائه على عرشه، متبعا لطريقة أهل الحديث أن الاستدلال بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين. وقد رد المؤلف في كتابه هذا على أكبر الطوائف المخالفة للسلف في مسألة الصفات، وهم الجهمية، والمعتزلة المنكرين لصفات الله، وقد تكلم في بداية كتابه عن مذهب هؤلاء، كلام خبير بأقوالهم وأدلتهم، ورد تلك الأقوال بطريقة السلف ومنهجهم.

стр. 182

ولقد كان محمد بن عثمان- كما كان أبوه وعمه أبو بكر- منافحا عن مذهب السلف، ناصرا لأقوالهم، رادا على المعتزلة، والجهمية، وأقوالهم وأكاذيبهم، فقد كان أبوه وعمه وأبو بكر ممن أشخصهم المتوكل في سنة أربع وثلاثين ومائتين لكي يحدثوا بالأحاديث التي فيها الرد على المعتزلة والجهمية، فجلس عثمان بن أبي شيبة في مدينة المنصور، واجتمع عليه نحو ثلاثين ألفا، وجلس أبو بكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة، وكان أشد تقدما من أخيه، واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفا١. ومن هذا وذاك يتبين لنا اعتقاده السلفي، ومناصرته لمذهب السلف واتباعه لمنهجهم. مؤلفاته: قال عنه الذهبي:"جمع وصنف ... "٢، وقال في موضع آخر:"له تواليف مفيدة ... "٣. وقد ذكرت المراجع التاريخية سبعة من مؤلفاته، غالبها يدور حول الحديث والرجال. وهذه هي أسماؤها: ١-"سؤالات محمد بن عثمان بن أبي شيبة لعلي بن المديني": وهي عبارة عن رسالة صغيرة الحجم، تقع في سبع ورقات، وهي

стр. 183

موجودة ضمن مجموعة في سراي أحمد الثالث، برقم ٦٢٤/ ٢١"من ٢٢٠- ٢٢٦ ب"، وقد ذكرها السخاوي في"الإعلان بالتوبيخ": ص ٢٣١. وذكرها فؤاد سزكين في كتابه"تاريخ التراث العربي"١. وموضوع الرسالة هو: في الجرح والتعديل، حيث إنها اشتملت على ستين ومائتي ترجمة مع التراجم المكررة، وهي عبارة عن أجوبة أجابها علي بن المديني عن سؤالات سأله عنها محمد بن عثمان بن أبي شيبة في الرجال. وقد طبعت هذه الرسالة بتحقيق موفق بن عبد الله بن عبد القادر، ونشرتها مكتبة المعارف بالرياض. ٢-"سؤالات محمد بن عثمان لطائفة من شيوخه في الجرح والتعديل": وهي- أيضا- عبارة عن رسالة صغيرة الحجم، تقع في خمس ورقات، وهي موجودة في المكتبة الظاهرية ضمن مجموع برقم"مجمع ٤٠/٩ من ٢٠٦أ- ٢٢١أ) سنة ٥٢٠ وموضوعها في الجرح والتعديل، حيث إنها عبارة عن سؤالات، سأل فيها طائفة من شيوخه، أمثال علي بن المديني، ويحيى بن معين، ووالده عثمان ابن أبي شيبة عن أحوال الرجال جرحا وتعديلا. وقد وعد محقق الرسالة السابقة بنشرها قريبا٢.

стр. 184

٣-"كتاب في خلق آدم، وخطيئته، وتوبته": هكذا ورد اسمه في فهرس الظاهرية"مجمع ١٩/ الأوراق ٤٦-٥٧"١. وكذلك فؤاد سزكين في"تأريخ التراث العربي": (١/ ٤١٥) . وقد اطلعت على مصورة له في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية، فاتضح لي أنها ليست كتابا مستقلا، وإنما هي جزء من كتاب، ويغلب على ظني أنها قطعة من كتاب"التاريخ" للمؤلف، لأنه قال في الورقة ٥٣/ ب باب في نبوة النبي، وما كان من ذكره قبل أن يخلق، وقال في نهاية هذه الأوراق:"آخر الجزء الثاني": وقد حوت هذه القطعة آثارا عن خلق آدم، وإدخاله الجنة، وخطيئته، وإخراجه من الجنة، وكذلك عن مولد النبي محمد ﷺ ، وما جاء في ذكره قبل أن يولد. ٤-"كتاب التاريخ": وقد وصفه الخطيب بأنه"تاريخ كبير"٢. ولم أقف على نسخة له، وإن كان يغلب على ظني أن الكتاب السابق ذكره هو قطعة من هذا الكتاب. والله أعلم. ٥-"كتاب العرش": وهو الكتاب الذي أقوم بتحقيقه. ٦-"السنن في الفقه":

стр. 185

وقد ذكره ابن النديم في"الفهرست"١. ٧-"فضائل القرآن": وقد ذكره الداودي في"طبقات المفسرين" حيث قال:"له تصانيف مفيدة منها كتاب"فضائل القرآن""٢. وفاته: كانت وفاته- رحمه الله تعالى- ببغداد في يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر ربيع الأول سنة سبع وتسعين ومائتين. وهذا ما أورده الخطيب في تاريخ وفاته٣، وقد اتفقت المصادر الأخرى التي ترجمت له مع ما ذكره الخطيب على سنة وفاته، ولكن بعضها قد خالفه في تحديد الشهر الذي توفي فيه، فقالوا: إنه توفي في جمادى الأولى كما بين ابن الحماد في"شذرات الذهب"٤، والذهبي في"العبر"٥، و"سير أعلام النبلاء"٦، والسيوطي في"طبقات الحفاظ"٧، ولعل الأقرب للصواب هو ما ذكره الخطيب، لكونه قد

стр. 186

روى ذلك بسنده عن إسماعيل بن علي، وحدد فيه بدقة اليوم والشهر والسنة. وقد ذكر ابن المنادي وفاته ثم قال، كنا نسمع شيوخ الحديث وكهولهم يقولون مات حديث الكوفة بموت موسى بن إسحاق ومحمد ابن عثمان وأبي جعفر الحضرمي وعبيد بن غنام١. مكانته العلمية وأقوال العلماء فيه: بالرغم مما يكتنف الجزء الأكبر من حياة الحافظ محمد بن عثمان ابن أبي ثييبة- ﵀ من الغموض، وعدم إحاطة الكتب التاريخية بها، إلا أن هناك إشارات وعلامات متناثرة في بطون الكتب، تدل على حفظه وعلى شأنه، وبخاصة في الحديث وعلومه. وقد شهد العلماء له بذلك، فوصفوه تارة بالحفظ وسعة الرواية، وتارة بالمعرفة والفهم، وتارة أخرى بالإمامة والجمع والتصنيف. ومن تلك الشهادات قول الخطيب:"وكان كثير الحديث واسع الرواية ذا معرفة وفهم...."٢. وقول الذهبي:"الإمام الحافظ المسند..، جمع وصنف..، وكان من أوعية العلم"٣.

стр. 187

وقال عنه السيوطي:"الحافظ البارع، محدث الكوفة..، صنف وجمع ... "١. فهو على هذا كان يتمتع بالحفظ والفهم وسعة الرواية إلى جانب الإمامة في الجرح والتعديل، وهذه مميزات كبيرة قل أن يجمع عالم بينها، ولعل هذه المميزات هي التي يسرت، الجمع في التأليف بين عدة علوم كما تبين لنا عند سرد مؤلفاته. ولكنه مع هذا العلم وهذه الجلالة لم يكن له حظ كما قال عنه الذهبي:"لم يرزق حظا، بل نالوا منه"٢. وقد تضاربت أقوال العلماء فيه، فمنهم من وثقه وأثنى عليه، واعترف بفضله وعلمه وإمامته، ومنهم من ذمه وشانه وطعن فيه. أقوال من أثنى عليه: سئل أبو علي صالح بن محمد جزره٣ عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة فقال: ثقة٤.

стр. 188

وسئل عنه عبدان١: فقال ما علمنا إلا خيرا، كتبنا عن أبيه المسند بخط ابنه٢. وسئل ابن عدي عبدان: وكان إذ ذاك رجلا، قال: نعم٣. وقال ابن عدي٤:"ومحمد بن عثمان هذا على ما وصفه عبدان، لا بأس به.. ولم أر له حديثا منكرا فأذكره"٥. وقال ابن المنادي:"كنا نسمع شيوخ الحديث وكهولهم يقولون: مات حديث الكوفة بموت موسى بن إسحاق، ومحمد بن عثمان، وأبي جعفر الحضرمي، وعبيد بن غنام". وقد ذكره ابن حبان في"الثقات" وقال:"كتب عنه أصحابنا...."٦.

стр. 189

وقال مسلمة بن قاسم:"لا بأس به، كتب الناس عنه، ولا أعلم أحدا تركه"١. ويبدو أن مكانته عند ابن معين وعلي بن المديني كانت طيبة، فقد كان من المقربين إليهما، كما يظهر ذلك، من سؤالاته لهما وإجابتهما عليها، وقد كان ابن معين يخاطبه بـ"يا ابن أخي"، وفي هذا ما يشعر أن له منزلة خاصة عنده. والمتأمل لشيوخه وتلاميذه يشعر بمنزلته العلمية التي لا يتطرق إليها الشك، وقد كان- ﵀ موضع تقدير، سواء في المدة التي مكث فيها بالكوفة، أو بعد ارتحاله إلى بغداد، وقد استطاع أن يكتسب هذا التقدير وهذه المنزلة في وقت كانت فيه الكوفة وبغداد تزخران بكبار الأئمة وأشهر العلماء. أقوال من ضعفه وتكلم فيه: لعل أشد نقاده وأكثرهم خصومة له هو محمد بن عبد الله الحضرمي الملقب بمطين٢، وقد كان سيء الرأي فيه، ويقول: عصا موسى تلقف ما يأفكون.

стр. 190

وقد كانت بين الاثنين مشاقة، ساق الخطيب البغدادي بعض خبرها عن الحافظ أبي نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي الجرجاني، الذي توسط بينهما١. وقد ذكر أبو نعيم بن عدي أن هذه الخصومة قد استمرت بينهما حتى خرج كل واحد منهما إلى حد الخشونة والوقيعة في صاحبه، وقد ساق أبو نعيم فصلا طويلا ذكر فيه ما أخذ كل واحد منهما على الآخر، وأن هذه الخصومة قد استمرت إلى ما بعد سنة تسعين ومائتين، إلى أن قال: والذي يظهر لي أن الصواب الإمساك عن القبول من كل واحد منهما في صاحبه. وليس في القصة ما هو بين في التكذيب، فعلى هذا لا يعتد بقول مطين لأنهما كوفيان، ومن عصر واحد، وخلاف الأقران لا يعتد به. وقد نقل ابن عقدة٢ تكذيب محمد بن عثمان عن تسعة من علماء الحديث المشهورين حيث قال: سمعت عبد الله بن أسامة الكلبي يقول: محمد بن عثمان كذاب، أخذ كتب ابن عبدوس الرازي، مازلنا نعرفه بالكذب.

стр. 191

وقال- أيضا- سمعت إبراهيم بن إسحاق الصواف يقول: محمد بن عثمان كذاب، يسرق حديث الناس، ويحيل على أقوام بأشياء ليست من حديثهم. وقال داود بن يحيى يقول: محمد بن عثمان كذاب، وقد وضع أشياء كثيرة، ويحيل على أقوام أشياء ما حدثوا بها قط. وقال سمعت عبد الرحمن بن يوسف بن خراش يقول: محمد بن عثمان كذاب، مازلنا نعرفه بالكذب منذ هو صبي. وقال سمعت عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل يقول: محمد بن عثمان كذاب بين الأمر، يقلب هذا على هذا، ويعجب عمن يكتب عنه. وقال: سمعت جعفر بن محمد بن أيوب عثمان الطيالسي يقول: ابن عثمان هذا كذاب، يجيء عن أقوام بأحاديث ما حدثوا بها قط، متى سمع؟ أنا عارف به جدا. وقال: سمعت عبد الله بن إبراهيم بن قتيبة يقول: ابن عثمان أخذ كتب ابن عبدوس وادعاها، مازلنا نعرفه بالتزيد. وقال سمعت محمد بن أحمد العدوي يقول: محمد بن عثمان كذاب مذ كان، متى سمع هذه الأشياء التي يدعيها؟ وذكر كلاما غير هذا في بدئه. وقال: حدثني محمد بن عبيد بن. حماد قال: سمعت جعفر بن هذيل يقول: محمد بن عثمان كذاب"١. اهـ.

стр. 192

وهذا التكذيب الذي نقله ابن عقدة فيه نظر، وذلك لأن هذا التكذيب قد انفرد بنقله ابن عقدة وحده، فلم يرد - فيما أعلم- من طريق آخر غير طريق ابن عقدة، بالرغم من أن الذين نقل عنهم هم من المحدثين المشهورين، وكذلك فإن محمد بن عثمان كان في بغداد بغاية الشهرة، وكثير الخصوم، فانفراد ابن عقدة بهذا النقل عن هذا الجم الغفير من العلماء، مع إضافة أن الخطيب البغدادي قد روى بسنده عن علي بن محمد بن نصر أنه قال: سمعت حمزة السهمي يقول: سألت أبا بكر بن عبدان عن ابن عقدة إذا حكى حكاية عن غيره من الشيوخ في الجرح فهل يقبل قوله أم لا؟ قال: لا يقبل. وهذا دليل على توهين هذا النقل وتضعيفه، حيث إنه قد جمع بين انفراد ابن عقدة بنقله، وكونه ممن لا يقبل قوله فيما ينقله من الجرح، وفوق هذا وذاك فابن عقدة مخالف لابن أبي شيبة في المذهب. ومما جاء في تضعيفه ما نقله حمزة السهمي في سؤالاته للدارقطني حيث قال: وسألته عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة، فقال: كان يقال أخذ كتاب أبي أنس وكتب منه فحدث١. وهذا القول للدارقطني ليس فيه ما هو بين الجرح، لأنه لا يدرى من القائل، وليس فيه ما يثبت أن محمدا قد أخذ الكتاب بغير حق، أو روى منه بغير حق، ومن المعلوم أن الحافظ العارف قد يشتري كتب

стр. 193

غيره ليطالعها، كما كان الإمام أحمد يطلب كتب الواقدي وينظر فيها١. وقال الخطيب: سألت البرقاني عن ابن أبي شيبة فقال: لم أزل أسمع الشيوخ يذكرون أنه مقدوح فيه٢. وليس في قول البرقاني هذا ما يوجب الجرح، إذ لم يبين من هو القادح، وما هو قدحه، ومن المعلوم أن الجرح لا يقبل إلا إذا كان مفصلا، وكأن ذلك إشارة إلى كلام مطين ونقل ابن عقدة، وقد مر ما في ذلك٣. وروى الخطيب- أيضا- عن ابن المنادي أنه قال:"أكثر الناس عنه على اضطراب فيه"٤. والجواب على هذا: أن اضطرابه في بعض أحاديثه ليس بموجب جرحا"٥. وبعد استعراض هذه الأقوال المتضاربة التي أثنت عليه أحيانا وقدحت فيه، وجرحته أحيانا أخرى، أرى أن في إطلاق الكذب عليه الكثير من المبالغة، كما أن الذين شنعوا عليه واتهموه هم من أقرانه،

стр. 194

وفي نظري أن أعدل الأقوال وأرجحها هو ما قاله ابن عدي ومسلمة بن القاسم من أنه لا بأس به. هذا من حيث الحديث وروايته، أما من حيث علوم الرجال، وفنون الجرح والتعديل، فهو من أئمة هذا الشأن، كما أطلق عليه ذلك الذهبي والسخاوي، وكفاه فخرا في هذا أنه تلميذ لإمامين من أئمة الجرح والتعديل، وهما ابن معين وابن المديني.

стр. 195

الباب الخامس: التعريف بالكتاب وبالمخطوطة الفصل الأول: التعريف بالكتاب ... أولا: اسم الكتاب: إن الكتب التي ذكرت هذا الكتاب أو استشهدت بشيء منه قد تنوعت عباراتها في مسمى الكتاب فتارة سمى: ١-"كتاب العرش وصفته"، وهذا ما ذكره حاجي خليفة١. ٢- وتارة:"صفة العرش"، وهذا ما ذكره شارح"العقيدة الطحاوية"٢، وابن كثير٣. ٣- وتارة:"كتاب العرش وما روي فيه"وهذا الاسم هو الموجود على نفس مخطوطة الظاهرية٤. ٤- وتارة:"كتاب العرش"، ذكره الذهبي٥، وابن حجر٦، وابن تيمية٧، وابن

стр. 196

القيم١، وابن الجوزي٢، وأبو الحسن علي بن محمد الكناني٣، والسخاوي٤، والسيوطي٥، وغيرهم. وهذا الاسم هو ما ختم به الناسخ آخر الكتاب حيث قال: آخر كتاب العرش. وهو- أيضا- ما ورد في السماع الثاني من السماعات الموجودة في آخر الكتاب، حيث قال:"سمع هذا الجزء وهو كتاب العرش على شيخنا ... ". وهذه الأسماء جميعها متقاربة، وليس هناك اختلاف كبير بينها، وإن كنت أرى أن الاسمين الأول والثاني قد حصل فيهما نوع من التصرف من قبل الناقلين، وأن أشهر هذه الأسماء هو الاسم الرابع، وهو الشائع عن كثير من العلماء عند حديثهم عن هذا الكتاب، ولعلهم حذفوا العبارة الواردة في الاسم الثالث اختصارا، وأرى أن أقرب الأسماء إلى تسمية المؤلف هو الاسم الثالث لوروده نصا في عنوان الكتاب، ولمناسبته لمضمون الكتاب، والله أعلم.

стр. 197

ثانيا: الكتاب ومنهج المؤلف فيه: يبحث الكتاب في واحدة من المسائل، الاعتقادية الهامة، وبالتحديد في مسألة من مسائل الصفات، تعددت فيها المذاهب والأقوال، ولا يزال الخلاف مستمرا فيها إلى اليوم، وهذه المسألة هي مسألة علو الله واستوائه على عرشه. وقد بين المؤلف- رحمه الله تعالى- في هذا الكتاب منهج السلف، ومعتقدهم في هذه المسألة، من إثبات علو الله، واستوائه على عرشه، وذلك عن طريق النصوص التي بينت هذه المسألة، وأوضحتها سواء كانت نصوصا من القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة والتابعين. وقد تعرض المؤلف في بداية كتابه لسبب تأليفه، فعرض نبذة مختصرة عن مذهب الجهمية في هذه المسألة، وبين مخالفتهم لمنهج السلف، وذلك بإنكارهم لعلو الله واستوائه، والحجب التي احتجب بها عن خلقه، وإنكارهم لوجود عرشه، وكل ذلك بصورة موجزة دون التعرض لشبههم واعتراضاتهم، والمؤلف في عمله هذا قد سلك طريقة السلف، واتبع منهجهم من حيث إنهم لا يتعمقون في عرض شبه مخالفيهم واعتراضاتهم، بل يكتفون بعرض أقوالهم بصورة موجزة، ومما تجدر الإشارة إليه هنا أن السلف قد سلكوا طريقة خاصة في تأليف الكتب الاعتقادية، وهذه الطريقة تعتمد على منهجين هما: الأول: منهج الرد: ويعتمد هذا المنهج على عرض شبه خصومهم على الطريقة السالفة الذكر، ثم بعد ذلك يبينون الحق في تلك المسألة

стр. 198

مدعمين كلامهم بالأدلة النقلية من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين، ومن المؤلفات هذا المنهج: ا-"كتاب الإيمان" لأبي عبيد القاسم بن سلام (٢٢٤ هـ) . ٢-"الرد على الزنادقة والجهمية" للإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) . ٣-"الرد على الجهمية، والرد على بشر المريسي" لعثمان بن سعيد الدارمي"٢٨٥ هـ) . ويدخل ضمن هذا المنهج"كتاب العرش" الذي نحن الآن بصدد الكلام عليه. المنهج الثاني: هو منهج العرض، ويعتمد على عرض العقيدة الصحيحة المستمدة من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، دون التعرض للمذاهب المخالفة في المسألة. ومن مؤلفات هذا المنهج: ا-"كتاب السنة" للإمام أحمد بن حنبل. ٢-"كتاب السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (٢٩١ هـ) . ٣-"كتاب التوحيد" لابن خزيمة (٣١١ هـ) . وبعد عرض المؤلف الموجز لمذهب الجهمية، أشار إلى دليل العقل في إثبات علو الله وإبطاله لمذهب الجهمية. ثم بين مذهب السلف في المسألة، فبين أنهم يثبتون علو الله واستواءه على عرشه، وقولهم في آيات المعية، وإثباتهم للحجب. ثم بعد ذلك ذكر الآيات القرآنية المثبتة للعلو، ثم ذكر دليل الفطرة على إثبات العلو لله.

стр. 199

ثم بعد ذلك بدأ بذكر الأحاديث والآثار الدالة على إثبات علو الله واستوائه على عرشه، وإثبات أن العرش موجود حقيقة، وأنه أعظم مخلوقات الله، وما جاء في ذكر صفته وحملته، ثم ختم الكتاب بذكر بعض الأحاديث المثبتة للنزول، ويعتبر"كتاب العرش" لابن أبي شيبة هو أول كتاب من كتب السلف من حيث إفراده هذا الموضوع بمؤلف مستقل - على حسب ما وصل إلينا من المصادر التي جاء فيها ذكر مؤلفات السلف - وقد ألف بعد ذلك مؤلفات اختصت بهذا الموضوع مثل كتاب"العلو" لابن قدامة المقدسي، وكتاب"العلو" للذهبي، الذي يعتبر"كتاب العرش" مصدرا من المصادر التي اعتمد عليها في تأليفه للكتاب، وكذلك"الرسالة العرشية" لشيخ الإسلام ابن تيمية. ثالثا: سبب تأليفه: بين المؤلف ﵀ في بدء كتابه السبب الذي دعاه إلى تأليف هذا الكتاب، فذكر أنه ألفه ردا على طائفة الجهمية في واحد من المسائل التي خالفوا فيها الكتاب والسنة، وحادوا فيها عن طريق الحق، وهي مسألة العلو والاستواء، ومما تجدر الإشارة إليه أن المؤلف قد عاش في فترة زمنية انتشرت فيها آراء الجهمية ومذهبهم الباطل المتمثل في التعطيل، وإنكار الصفات، والقول بخلق القرآن، حتى أصبحت السلطة السياسية تحت تصرفهم ورهن إشارتهم، فهذا المأمون يمتحن المحدثين والفقهاء في مسألة خلق القرآن تحت قهر السيف وسياط التعذيب، ومن بعده المعتصم ثم الواثق.

стр. 200

وقد دفع هذا الأمر الكثير من علماء السلف- ومن ضمنهم: محمد ابن عثمان بن أبي شيبة- إلى التصدي لهذه الفرقة بالرد عليها، وبيان ضلالها وانحرافها، وبطلان عقائدها وفسادها، فظهرت في هذه الحقبة الزمنية- القرن الثالث- الكثير من مؤلفات السلف، التي ترد على هذه الفرقة الزائغة، وأفكارها المنحرفة، التي لا تتفق مع الكتاب والسنة، ولا مع نصوصها الصريحة الواضحة التي ليلها كنهارها. وقد وصلنا العديد من هذه الردود التي ألفت في ذلك القرن، وقد كان منها كتاب"الرد على الجهمية" للإمام أحمد بن حنبل (٢٤١ هـ) ، و"الرد على الجهمية" لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري (٢٥٦ هـ) ، و"الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة" لعبد الله بن مسلم ابن قتيبة (٢٧٦ هـ) ، و"الرد على الجهمية"، و"الرد على بشر المريسي" لعثمان بن سعيد الدارمي (٢٨٠ هـ) ، وغيرها من الكتب الكثيرة التي يصعب حصرها. وهذا العدد الكبير من المؤلفات التي ألفت في هذه المدة يشعرنا بأهمية هذه المؤلفات، وعظم السبب الذي ألفت من أجله. رابعا: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف: إن توثيق نسبة"كتاب العرش" إلى المؤلف هو أمر واضح جلي، لا يحتاج معه الباحث إلى كبير جهد أو عناء. وذلك لأن جميع المصادر التي ذكرت الكتاب أو التي اقتبست منه قد اتفقت على نسبة الكتاب إلى المؤلف، وعلى أنه كان من ضمن

стр. 201

الكتاب على الأحاديث والآثار التي يرويها بسند متصل إلى أصلها الذي أخذت منه. كما أنه لا يكاد يمر وقت من الأوقات إلا ويذكر الكتاب بعض العلماء الذين يستفيدون منه، وذلك بنقل بعض النصوص للاستشهاد بها، وسنحاول هنا ذكر بعض العلماء من فترات زمانية مختلفة نقلوا من الكتاب مع ذكر بعض النصوص التي نقولها: ١- عبيد الله محمد بن بطة العكبري (٣٨٧ هـ) : نقل من الكتاب بدون ذكر اسمه وإنما يذكر السند ثم ينقل النص، مثال ذلك:"حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان قال حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان العبسي- ثم ساق بسنده إلى أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول الله، أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "في عماء، ما فوقه هواء، ثم خلق عرشه على الماء"١. وقد نقل عنه ثلاثة نصوص أخرى٢. ٢- ابن تيمية (٧٢٨ هـ) : ذكره ابن تيمية، ونقل عنه في كتابه"نقض التأسيس" حيث قال:"وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة في"كتاب العرش" له: ذكروا أن الجهمية يقولون ليس بين الله وبين خلقه حجاب ... "٣.

стр. 202

٣- ابن أبي العز الحنفي (٧٤٦ هـ) : قال:"وروى ابن أبي شيبة في كتاب"صفة العرش" ... عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ ١ أنه قال: "الكرسي موضع القدمين ... "٢ ٤- الذهبي (٨٤٨ هـ) : وقد استفاد كثيرا من"كتاب العرش" لابن أبي شيبة، ونقل منه في مواطن متعددة في كتابه"العلو"، وقد كان يصرح أحيانا بنقله منه، وأحيانا أخرى لا يصرح. ويعتبر"كتاب العرش" مصدرا من المصادر التي اعتمد عليها في تأليفه لكتاب"العلو"، وقد روى"كتاب العرش" بسنده إلى محمد بن عثمان بن أبي شيبة كما جاء في ص ٤٦ من كتاب"العلو". مثال لما رواه: قال: حديث للعبسي في"كتاب العرش" قال: حدثنا سفيان بن بشر- ثم ساق بسنده إلى ابن عباس قال:"أمر رسول الله ﷺ المهاجرين والأنصار صفين ... "٣. وقد نقل عنه أربعة نصوص أخرى٤.

стр. 203

٥- ابن كثير (٧٧٤ هـ) : قال: وذكر الحافظ ابن الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتاب"صفة العرش" عن بعض السلف:"أن العرش من ياقوتة حمراء...."١. ٦- ابن القيم (٧٥١ هـ) : وقد ذكره في كتابيه:"الصواعق المرسلة"، و"اجتماع الجيوش الإسلامية"، حيث قال في كتابه"الصواعق": "وفي كتاب العرش لابن أبي شيبة أن داود ﵇ كان يقول في دعائه ... "٢. وكذلك في"اجتماع الجيوش الإسلامية"، حيث قال:"روى ابن أبي شيبة في"كتاب العرش" بإسناد صحيح ... قال: بلغني أن داود ... "٣. وله ذكر في موضع آخر من هذا الكتاب٤. كما أنه امتدح الكتاب بقوله في قصيدته النونية: واقرأ كتاب العرش للعبسي وهو محمد المولود من عثمان ٧- السيوطي (٩١١ هـ) : وقد ذكر الكتاب في عدة مواطن في كتابه"الدر المنثور"، وكذلك في كتابه"الحبائك في أخبار الملائك".

стр. 204

ومن ذلك قوله في"الدر المنثور":"وأخرج ابن أبي شيبة في"كتاب العرش": ... عن علي- ﵁ عن رسول الله ﷺ :"يقول الله وعزتي وجلالي ... " ١. خامسا: أهمية الكتاب: على الرغم من صغر حجم الكتاب، واقتصاره على موضوع معين، ومع ما عليه من الملاحظات والمآخذ التي سنبينها، إلا أن الكتاب يتصف بأهمية لا يمكن التغافل عنها أو تجاهلها. وهذه الأهمية تنجلي في الموضوع الذي حواه الكتاب، حيث إنه يبحث في مسألة عظيمة وخطيرة من مسائل الصفات التي دار حولها جدل كبير وعميق، واختلفت حولها الآراء والمذاهب وتشعبت، حتى أنه قد زلت فيها أقدام كثير من العلماء قديما وحديثا، واستمر الخلاف فيها من بداية القرن الثاني الهجري حتى زماننا الحاضر، وقد نتج عن هذا الخلاف نشوء فرق مستقلة بذاتها من جراء ما ذهب إليه البعض من أقوال في هذه المسألة، ومن تلك الفرق الحلولية، والاتحادية، كما نتج من تلك الأقوال الحكم بكفرها وخروجها عن ملة الإسلام، بسبب ما ذهبت إليه من إنكار ذات الله، أو القول بحلوله في الأجسام أو اتحاده بها. ولأهمية هذه المسألة في عقيدة المسلم، ومدى ما لها من تأثير كبير في مسألة الإيمان بوجود الله - تعالى-، كان لزاما أن يقوم علماء السلف، والأئمة بالكتابة والتأليف في هذا الموضوع الهام، وبينوا

стр. 205

للمسلمين منهج القرآن والسنة في هذه المسألة، مستدلين على ذلك بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الصحيحة، وأقوال الصحابة، والتابعين في هذه المسألة، ويردوا على كل من خالف هذا المنهج، ويفندوا مزاعمه وشبهه وافتراءاته. وقد قام علماء السلف الأوائل بهذه المهمة، وأدوها على أكمل وجه، وبينوا طريق الحق فيها، لكن كان كلامهم في هذه المسألة بنوع من الاختصار، وضمن مواضيع أخرى في مجال العقيدة. ولكن رقعة الخلاف قد اتسعت في هذه المسألة، وتشعبت الأقوال، وكثرت الشبه، وكثر أعوان المخالفين وأنصارهم في هذا الأمر؟ مما جعل المؤلف- رحمه الله تعالى- يشعر بما لهذه المسألة من أهمية كبرى، وبما لها من تأثير عظيم في عقيدة المسلم سلبا وإيجابا، ذلك لأن أي خلل في هذه المسألة قد يقلب كثيرا من الأمور الاعتقادية، ويميل بها عن الطريق الصحيح، فقام المؤلف- رحمه الله تعالى- بتأليف هذا الكتاب في هذه المهمة، فبين القول الحق السليم فيها، وذلك بالرجوع إلى المنبع الأساسي لعقيدة المسلم، وهو الكتاب والسنة، ومع البعد كل البعد عما خالط الأقوال المنحرفة في هذه المسألة، من الفلسفة الصابئية، وأقوال النصارى النسطورية، وتأويل وتحريف الباطنية. فبين- رحمه الله تعالى- اعتقاد السلف المستند إلى الكتاب والسنة في مسائل عظيمة، مثل مسألة علو الله واستوائه على عرشه، وبينونته من خلقه، وكذلك معتقد السلف في معية الله وقربه ونزوله، كل ذلك

стр. 206

بما ورد فيها من النصوص القرآنية والأحاديث والآثار، كما أشار إلى إثبات وجود عرشه، وخلقه له، وما جاء في وصفه، وذكر حملته، ومسائل أخرى متعددة. ويعتبر كتاب المؤلف هذا، أول كتاب سلفي يخص هذه المسألة، ويفردها بكتاب مستقل، وقد تلت هذا الكتاب عدة مؤلفات اختصت بهذه المسألة بالذات. ومن تلك المؤلفات كتاب"العلو" لابن قدامة، وكتاب"العلو" للذهبي- الذي يعتبر"كتاب العرش" واحدا من المصادر التي اعتمد عليها الذهبي في تأليف كتابه، حيث إنه قد اقتبس منه في عدة مواضع- وكذلك"الرسالة العرشية" لابن تيمية، وغيرها من المؤلفات. ومع كون"كتاب العرش" هو أول كتاب للسلف اختص بهذا الموضوع، فإنه- أيضا- يكتسب أهمية أخرى من حيث كونه يعتبر مرجعا في عدة أمور منها: ١- أنه مرجع من المراجع التي تبين موقف السلف في قضية العلو والاستواء وما يتعلق بهما من المسائل، الأخرى، حيث إن المؤلف قد سلك في تأليف هذا الكتاب منهج السلف، وطريقتهم، وبين فيه اعتقادهم على ضوء ما جاء في الكتاب والسنة. ٢- والكتاب- أيضا- مرجع من مراجع الحديث في عدة مسائل من مسائل العقيدة ذلك لأن المؤلف قد سلك في تأليفه طريقة المحدثين، فالكتاب من أوله إلى آخره- ما عدا المقدمة- كان

стр. 207

عبارة عن مجموعة من الأحاديث، والآثار رواها المؤلف بأسانيده، وقد بلغت تلك الأحاديث والآثار التسعين، لذلك يعتبر الكتاب مرجعا في عدة مسائل هي: العلو، الاستواء، المعية، العرش والكرسي وصفتهما، حملة العرش: خلقهم، وعددهم، وصفاتهم، ووظائفهم. كما أنه يمكن اعتباره مرجعا من مراجع التفسير في هذه المسائل، لارتباطها ببعض الآيات القرآنية. ٣- ويعتبر مرجعا من المراجع في قضية الجهمية والرد عليهم، وذلك لأن السبب الرئيسي في تأليف الكتاب إنما هو للرد على الجهمية لإبطال أقوالهم. ولهذا يلحق هذا الكتاب في سلسلة كتب السلف التي اعتنت بقضية الرد على الجهمية. سادسا: المآخذ على الكتاب: إن الإقدام على نقد عمل من أعمال السلف القدامى كعمل ابن أبي شيبة الذي اشتهر بغزارة علمه وسعة اطلاعه ومعرفته وفهمه، هو أمر صعب جدا، ولاسيما لشخص مثلي. ولكن لابد من الإقدام على مثل هذا الأمر الصعب، ولعل عذري في إقدامي هذا هو أنه ما من كتاب من الكتب البشرية يخلو من صفات النقص والخطأ، لأن الإنسان مهما بلغ من العلم والمعرفة معرض للخطأ والنسيان، إذ العصمة لم يجعلها الله- تعالى- إلا لأنبيائه ورسله.

стр. 208

و"كتاب العرش" هو واحد من تلك الكتب التي ألفها بشر، ومن المآخذ التي تؤخذ عليه ما يلي: ١- المقدمة: لاحظت أن النسخة التي بيدي قد خلت من البسملة، والحمدلة، والثناء عليه، كما هي السنة في مثل هذا المقام، وقد كان بدء كلام المؤلف فيها بقوله:"ذكروا أن الجهمية ... " إلخ، ولعل العذر في هذا المقام، هو احتمال أن يكون المؤلف قد بدأ بالبسملة، ولكن بعض رواة لكتاب أو نساخه قد حذفها مكتفيا بذكرها قبل سند الكتاب. والله أعلم. والذي نلاحظه على المؤلف في مقدمته بوجه عام هو: عدم الاعتناء بتنظيمها وتنسيقها، واحتواءها على عبارات مجملة وغير مترابطة، والمعروف عن المؤلف ﵀ أنه ذو معرفة وفهم، فكان الأولى به أن يقدم لكتابه بمقدمة يشرح فيها مذهب السلف في المسألة، وما يتعلق بها من مسائل، ثم بعد ذلك يورد قول الجهمية في المسألة، ويبطله ويرد عليه ويفند كل ادعاء لهم على حدة. ٢- لقد كان جل اهتمام المؤلف هو جمع الأحاديث والآثار الواردة في الموضوع، دون الاهتمام بجانب التنظيم فيها، فقد ساق الأحاديث والآثار جملة واحدة، دون أن يصنف الأحاديث التي تختص بأمر معين ويجعل لها بابا مستقلا عن الأحاديث الأخرى التي تختص بجانب آخر في المسألة، ودون أن ينظمها فيقدم الأحاديث

стр. 209

المرفوعة على الموقوفة، والموقوفة على الإسرائيليات وهكذا. ٣- لم يهتم المؤلف حين جمعه للأحاديث والآثار التي أوردها بدرجة تلك الأحاديث والآثار من حيث الصحة والضعف؟ فقد جمع في كتابه هذا الغث والسمين، فكان هناك الكثير من الأحاديث والآثار الضعيفة، والإسرائيليات، إلى جانب بعض الأحاديث الموضوعة التي لا يصح أن يستدل بها بأي حال من الأحوال. والمؤلف ﵀ محدث حافظ، وله باع طويل في معرفة رجال الأحاديث، جرحا وتعديلا، فكان الأولى به أن يجنب كتابه مثل هذه الأمور، وخاصة أن كتابه يتحدث في مسائل اعتقادية لا يقبل فيها إلا ما صح من الأحاديث، ولكن يبدو أن المؤلف قصد من إيراده لهذه الأحاديث والآثار جمع كل ما ورد في الموضوع بغض النظر عن الصحة والضعف، وذلك لأن عصره عصر الرواية والإسناد، والمحدثون يرون أنهم إذا ساقوا الحديث بالإسناد فقد خرجوا من العهدة وبرئت الذمة، وفي هذا يقول ابن حجر:"إن أكثر المحدثين في الأعصار الماضية من سنة مائتين وهلم جرا إذا ساقوا الحديث بإسناده اعتقدوا أنهم برئوا من عهدته"١.

стр. 210

الفصل الثاني: التعريف بالمخطوطة أولا: دراسة النسخة الخطية: لم أقف للمخطوطة إلا على نسخة واحدة فقط، وقد بذلت ما في وسعي من أجل البحث عن نسخة أخرى للكتاب، فقمت باستعراض الكثير من فهارس المخطوطات الموجودة في مكتبات العالم على أمل أن أوفق في الاهتداء إلى نسخة أخرى، ولكن جهدي في هذا الأمر لم يكلل بالنجاح. ومن المعلوم أنه متى تعددت النسخ للمخطوطة المراد تحقيقها، كان ذلك مما يسهل على الباحث مشكلة تقويم النص، وتلافي ما قد يقع فيه من السهو، أو الشطب، أو الطمس أو غير ذلك من المشكلات الأخرى. ولكن إذا لم يتوفر سوى نسخة واحدة فسيكون في ذلك صعوبة- وأي صعوبة- لأن ذلك يحتاج إلى الوقوف على مراجع متعددة لتحقيق النص والتثبت منه، وهذا ما حصل لي أثناء تحقيقي للكتاب حيث إنني لم أعثر على نسخة أخرى. والنسخة التي اعتمدت عليها في تحقيقي لهذا الكتاب موجودة في المكتبة الظاهرية تحت رقم (٢٩٧- حديث) .

стр. 211

وقد ذكرها الألباني في فهرس الظاهرية (قسم المنتخب من مخطوطات الحديث ص ١٧) حيث قال:"كتاب العرش ما ورد فيه، حديث ٢٩٧، (ق ١٠٦- ١١٩) "، وكذلك فؤاد سيزكين في"تاريخ التراث العربي" (١/ ٣٢٠١) حيث قال:"كتاب العرش وما ورد فيه- الظاهرية- حديث ٢٩٧، الأوراق ص ١٠٦- ١١٩". ولهذه النسخة مصورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٥٥٩ (مصورات) . ويبلغ عدد صفحات المخطوطة سبعا وعشرين صفحة، وعدد أسطرها يتراوح بين سبعة عشر سطرا وأربع وعشرين سطرا ومقاسها هو ١٨×٢٤ سم. وخطها عادي. ولم يذكر فيها اسم الناسخ، ولا تاريخ نسخها. وتمتاز هذه النسخة بأنها مقابلة على الأصل المنسوخة منه أكثر من مرة، كما ذكر في الصفحة الأخيرة حيث قال:"بلغ مقابلة غير مرة". وتمتاز هذه النسخة- أيضا- بقلة أخطائها ووضوح خطها، كما تمتاز بكثرة سماعاتها. ثانيا: سند الكتاب: جاء في الورقة الأولى (١٠٦/ ب) ذكر سند الكتاب حيث قال: كتاب العرش وما روي فيه، تأليف: محمد بن عثمان بن أبي شيبة ﵀:

стр. 212

رواية أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف عنه١. رواية أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس عنه٢. رواية أبي طالب٣ محمد بن علي العشاري٤، وأبي علي الحسن

стр. 213

بن أحمد بن عبد الله بن البنا١ كلاهما عنه. رواية أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش٢ عنهما.

стр. 214

رواية أبي إسحاق إبراهيم بن بركة بن طاقويه١ وأبي القاسم هبة الله بن الحسن بن المظفر بن السبط٢ كلاهما عنه. رواية يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي٣

стр. 215

عنهما١. سماع لصاحبه الشيخ الصالح أبي محمد محمود بن القاسم بن بدران الدشتي٢ - نفعه الله به-. رواية الإمام فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن أحمد المقدسي٣
следующие страницы →