Полный текст (430 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
وقد ذكرها الألباني في فهرس الظاهرية (قسم المنتخب من مخطوطات الحديث ص ١٧) حيث قال:"كتاب العرش ما ورد فيه، حديث ٢٩٧، (ق ١٠٦- ١١٩) "، وكذلك فؤاد سيزكين في"تاريخ التراث العربي" (١/ ٣٢٠١) حيث قال:"كتاب العرش وما ورد فيه- الظاهرية- حديث ٢٩٧، الأوراق ص ١٠٦- ١١٩". ولهذه النسخة مصورة في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ٥٥٩ (مصورات) .
ويبلغ عدد صفحات المخطوطة سبعا وعشرين صفحة، وعدد أسطرها يتراوح بين سبعة عشر سطرا وأربع وعشرين سطرا ومقاسها هو ١٨×٢٤ سم.
وخطها عادي.
ولم يذكر فيها اسم الناسخ، ولا تاريخ نسخها.
وتمتاز هذه النسخة بأنها مقابلة على الأصل المنسوخة منه أكثر من مرة، كما ذكر في الصفحة الأخيرة حيث قال:"بلغ مقابلة غير مرة". وتمتاز هذه النسخة- أيضا- بقلة أخطائها ووضوح خطها، كما تمتاز بكثرة سماعاتها.
ثانيا: سند الكتاب:
جاء في الورقة الأولى (١٠٦/ ب) ذكر سند الكتاب حيث قال: كتاب العرش وما روي فيه، تأليف: محمد بن عثمان بن أبي شيبة ﵀:
стр. 212
رواية أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصواف عنه١.
رواية أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس عنه٢.
رواية أبي طالب٣ محمد بن علي العشاري٤، وأبي علي الحسن
الحواشي
(١) ١ هو محمد بن أحمد بن الحسن بن إسحاق بن إبراهيم أبو علي، المعروف بابن الصواف، ولد في شعبان سنة سبع ومائتين.
روى عن محمد بن عثمان بن أبي شيبة وغيره، وعنه محمد بن أبي الفوارس وغيره.
قال محمد بن الحسين: كان ثقة، مأمونا، من أهل التحرز، ما رأيت مثله في التحرز مات لثلاث خلون من شعبان سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
انظر:"تاريخ بغداد": (١/ ٢٨٩) .
٢ هو محمد بن أحمد بن محمد بن فارس بن سهل، أبو الفتح بن أبي الفوارس، وكان جده سهل يكنى أبا الفوارس البغدادي. ولد سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
قام برحلة إلى بلاد فارس، وخراسان، وأصبهان، والبصرة، وجمع وصنف. قال عنه الخطيب:"كان ذا حفظ وأمانة، مشهورا بالصلاح، وبالانتخاب على المشائخ، وكان يملي في جامع الرصافة، سمع من أبي علي محمد بن أحمد الصواف، وغيره، توفي يوم الأربعاء السادس عشر من ذي القعدة سنة اثنتي عشر وأربعمائة. انظر:"تاريخ بغداد": (١/ ٣٥٢) ،"المنتظم": (٨/ ٥، ٦) ،"شذرات الذهب": (٣/ ١٩٦) .
٣ في"الأصل": أبو الفتح وهو خطأ، والصواب ما أثبته.
٤ هو محمد بن علي بن الفتح بن محمد بن علي أبو طالب، الحربي المعروف بالعشاوي (بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة والراء بعد الألف) ،"الأنساب": (٩/ ٣٠٦) ، ولد في المحرم سنة ست وستين وثلاثمائة.
قال الذهبي عنه:"شيخ صدوق، لكن أدخلوا عليه أشياء فحدث بها بسلامة باطن، وهو ليس بحجة".
وقال الخطيب:"كتبت عنه، وكان ثقة دينا صالحا، توفي يوم الثلاثاء التاسع والعشرين من جمادى الأولى من سنة إحدى وخمسين وأربعمائة".
انظر:"تاريخ بغداد": (٣/ ١٥٧) ،"ميزان الاعتدال": (٣/ ٦٥٦) .стр. 213
بن أحمد بن عبد الله بن البنا١ كلاهما عنه.
رواية أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش٢ عنهما.
الحواشي
(١) ١ هو الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا، أبو علي المقرئ، الحنبلي، البغدادي، كان مولده سنة ست وتسعين وثلاثمائة. قرأ القراءات السبع على أبي الحسن الحمامي، وغيره، وسمع الحديث من أبي الفتح بن أبي الفوارس، والقاضي بن أبي يعلى، وهو من قدماء أصحابه، وهو إمام، مقرئ، محدث، فقيه، واعظ، صاحب تصانيف، ذكر عنه أنه قال: صنف خمسمائة مصنف، ومنها"شرح الخرقي"، و"طبقات الفقهاء"، و"تجريد المذاهب" وغيرها، قال ابن شافع: كتبت الحديث عن نحو ثلاثمائة شيخ ما رأيت فيهم من كتب بخطه أكثر من ابن البنا، وكانت وفاته في ليلة السبت الخامس من رجب سنة إحدى وسبعين وأربعمائة. انظر:"المنتظم": (٨/ ٣١٩) ،"شذرات الذهب": (٣/ ٣٣٨، ٣٣٩) ، (المنهج الأحمد) : (٢/ ١٣٨) .
٢ هو أحمد بن عبيد الله بن محمد بن أحمد أبو العز، السلمي (بمضمومة وفتح لام،"المغني": ص ١٣٩) ، ويعرف بابن كادش العكبري.
روى عن القاضي الماوردي، وأبو طالب محمد بن علي العشاري، مشهور من شيوخ ابن عساكر، أقر بوضع حديث، وتاب وأناب، سمع الكثير بنفسه، وقرأ على المشائخ، وكتب بخطه، وكان يفهم طرفا في علم الحديث، وقد خرج وألف.
"لسان الميزان": (١/ ٢١٨) ،"شذرات الذهب": (٤/ ٧٨) .стр. 214
رواية أبي إسحاق إبراهيم بن بركة بن طاقويه١ وأبي القاسم هبة الله بن الحسن بن المظفر بن السبط٢ كلاهما عنه.
رواية يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي٣
الحواشي
(١) ١ هو إبراهيم بن بركة بن إبراهيم بن علي بن طاقويه، أبو إسحاق فخر الدين الديرعاقولي (بفتح الدال المهملة وسكون الياء المنقوطة باثنتين من تحتها،"الأنساب": ٥/ ٣٩٥) البغدادي كان يذكر أن له نسبا بالإمام أحمد بن حنبل من جهة أمه، ولد سنة ثلاث وخمسمائة، قرأ بشيء من القراءات على أبي بكر المزرقي، وأبي الفضل الإسكافي و. غيرهما، وسمع من ابن كادش وغيره.
قال ابن الدبيثي: سمعنا منه على تخليط كان فيه على صحة سماعه. توفي في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وخمسمائة ببغداد.
انظر:"المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي": (١/ ٢٢٩) ،"التكملة" للمنذري: (١/ ٢٩٩) .
٢ هو هبة الله بن الحسن بن أبي سعد المظفر، أبو القاسم، الهمذاني الأصل البغدادي المولد والدار، المراتبي، المعروف بابن السبط، سمع من أبيه ومن أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش وغيرهما، وهو من بيت حديث، حدث هو، وأبوه، وجده.
توفي في بغداد سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة الزيات، وكان مولده تقريبا سنة عشر وخمسمائة.
انظر:"التكملة لوفيات النقلة": (٩/ ٣١٩، ٣٢١) ،"النجوم الزاهرة": (٦/ ١٨١) ،"شذرات الذهب": (٤/ ٣٣٨) .
٣ هو يوسف بن خليل بن قرجا بن عبد الله، أبو الحجاج، شمس الدين، الدمشقي، ثم الحلبي، محدث، حنبلي، ولد سنة خمس وخمسين وخمسمائة بدمشق وتفقه فيها، وقد اشتغل بالحديث وعمره ثلاثون سنة، وقام برحلة إلى بغداد، وأصبهان، ومصر، وتفرد في وقته بأشياء كثيرة عن الأصبهانيين، فكان أوسع معاصريه رحلة، وأكثرهم كتابة، وجمع لنفسه"معجما" عن أزيد من خمسمائة شيخ و"ثمانيات" و"عوالي"، وكتب بخطه كثيرا، قال الذهبي عنه: وهو يدخل في شروط الصحيح، وقد تفرد بشيء كثير بحران، وأصبهان. وقد استوطن في آخر عمره بحلب، وتصدر بجامعها، وقد روى عنه خلق كثير، وكانت وفاته في سحر يوم الجمعة عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وستمائة بحلب.
انظر:"تذكرة الحفاظ": (٤/١٤١٠) ،"شذرات الذهب": (٥/ ٢٤٣، ٢٤٤) ،"ذيل الطبقات" لابن رجب: (٢/ ٢٤٤) .стр. 215
عنهما١.
سماع لصاحبه الشيخ الصالح أبي محمد محمود بن القاسم بن بدران الدشتي٢ - نفعه الله به-.
رواية الإمام فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد ابن أحمد المقدسي٣
الحواشي
(١) ١ في"الأصل":"عنه" وهو خطأ، و. الصواب ما أثبته.
٢ هو أبو محمد محمود بن اسغنديار بن القاسم بن بدران الدشتي سمع الكثير من جعفر الهمداني وابن المقير وابن رواحة، وروى عنه الدمياطي في"معجمه".
انظر:"تاج العروس": (٤/) كلمة: دشت.
٣ هو علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد بن عبد الرحمن، فخر الدين، أبو الحسن، السعدي، المقدسي، الصالحي، الحنبلي، ابن البخاري، ولد في آخر سنة خمس وتسعين وخمسمائة مسند الشام وهو من أعيان الأئمة الأعلام.
قال عنه الذهبي: كان فقيها، عارفا بالمذهب، فصيحا، صادق اللهجة.
وقال عنه المزني: أحد المشايخ الأكابر والأعيان الأماثل من بيت العلم والحديث، لا نعلم أحدا حصل له من الحظوة في الرواية في هذه الأزمان مثل ما حصل له.
قال ابن تيمية: ينشرح صدري إذا أدخلت ابن البخاري بيني وبين النبي ﷺ في حديث، وكانت وفاته سنة تسعين وستمائة.
"العبر": (٥/ ٣٦٧، ٣٦٨) ،"شذرات الذهب": (٥/ ٤١٤، ٤١٦) .стр. 216
عن أبي القاسم هبة الله بن المظفر بن الحسن بن السبط كتابة١.
رواية مالكه يحيى بن إسحاق بن خليل بن فارس، الشيباني، الشافعي٢، بحق إجادته من الشيخ السند فخر الدين أبي الحسن علي ابن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، البخاري، بسنده المذكور أعلاه.
السماعات الموجودة على الكتاب:
السماعات الموجودة على الورقة الأولى ١٠٦:
الحواشي
(١) ١ حصل تقديم وتأخير في اسم أبي القاسم، والصواب ما أثبته في ترجمته.
٢ هو يحيى بن إسحاق بن خليل بن فارس، محيي الدين، أبو زكريا الشيباني، ولد سنة ثمان وأربعين وستمائة.
سمع من والده، وابن أبي عمرو، وأحمد بن أبي الخير، وغيرهم.
اشتغل وحصل الكثير، وولي القضاء بأذرعات وغيرها وكان حسن السيرة، كثير التواضع، خزئي له الذهبي جزء وحدث به.
مات في شهر ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وسبعمائة.
"الدرر الكامنة": (٥/ ١٨٩) .стр. 217
السماع الأول:
(ق ١٠٦/ أ) سمع هذا الجزء على أبي القاسم هبة الله بن الحسن السبط١ بقراءة أبي الفتح محمد بن عبد الغني المقدسي٢، وإخوانه٣: عبد الله٤، وعبد الرحمن٥، وعبد اللطيف٦، وعبد المنعم٧.
الحواشي
(١) ١ تقدم ترجمته في سند الكتاب.
٢ هو الحافظ محمد بن الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد بن أحمد، أبو الفتح المقدسي، ولد سنة ست وستين وخمسمائة، ورحل إلى بغداد وهو مراهق، وكذلك إلى أصبهان، كان حافظا، فقيها، حنبليا، توفي في سنة ثلاث عشرة وستمائة.
"العبر": (٥/ ٤٧) ،"شذرات الذهب": (٥/ ٥٦، ٥٧) .
٣ في"الأصل":"واخواه" وهو خطأ لا تستقيم معه العبارة، والصواب ما أثبته.
٤ هو الحافظ عبد الله بن عبد الغني بن عبد الواحد بن أحمد، أبو موسى، جمال الدين المقدسي، ولد في شوال سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، رحل إلى بغداد، ودمشق، ومصر، وأصبهان، ونيسابور، واشتغل بالحديث، والفقه، وصار من الأعلام. توفي سنة تسع وعشرين وستمائة.
"العبر": (٥/ ١١٤، ١١٥) ،"شذرات، الذهب": (٥/ ١٣١) .
٥ هو عبد الرحمن بن عبد الغني بن عبد الواحد بن أحمد، أبو سليمان المقدسي، الحنبلي، الفقيه، الزاهد، درس وأفتى، وكان إماما فاضلا، توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
"العبر": (٥/ ١٧٦) ،"شذرات الذهب": (٥/ ٢١٩) .
٦ لم أقف على ترجمته.
٧ لم أقف على ترجمته.стр. 218
وكاتب السماع في الأصل محمد بن عبد الواحد المقدسي١، وآخرون في العشر الأول من ذي القعدة سنة ست وتسعين وخمسمائة ببغداد.
السماعات الموجودة على الورقة (١١٩/ ب) :
سمع جميع هذا الجزء على الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن بركة ابن طاقويه٢ بروايته عن ابن كادش٣، بقراءة صاحبه الشيخ الإمام العالم أبي الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي٤، محمد بن [....] ٥، وذلك في سنة سبع وثمانين وخمسمائة.
وسمعه على أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن المظفر بن السبط، بروايته عن ابن كادش، بقراءة صاحبه الشيخ الإمام أبي الحجاج يوسف ابن خليل بن عبد الله الآدمي٦، جماعة لم أذكرهم وذلك في رمضان سنة سبع وثمانين وخمسمائة بباب المراتب نقله مختصرا.
الحواشي
(١) ١ هو محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، الحنبلي، الحافظ، أحد الأعلام، ولد سنة تسع وستين وخمسمائة.
محدث عصره، وقد أفنى عمره في طلب الحديث، انتفع الناس بتصانيفه، والمحدثون بكتبه، توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
"العبر": (٥/ ١٧٩) ،"شذرات الذهب": (٥/ ٢٢٤) .
٢ تقدم ترجمته في سند الكتاب.
٣ تقدم ترجمته في سند الكتاب.
٤ تقدم ترجمته في سند الكتاب.
٥ في"الأصل" كلمة لم أستطع قراءتها.
٦ هكذا في"الأصل" ولم أعرف من هو.стр. 219
سمع هذا الجزء وهو كتاب العرش على شيخنا الإمام العالم الحافظ [......] ١ أبي الحجاج يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي آدم الله [ ... ] ٢ صاحبه الشيخ محمود بن أبي القاسم بن بدران الدشتي وجماعة.
وذلك بقراءة الفقير إلى الله- تعالى -، محمد بن صالح بن إبراهيم الامدي [ ... ] ٣ عفا الله عنه.
السماعات الموجودة على الورقة (١٢٠/ أ) :
سمع هذا الجزء على الشيخ الإمام أبي الحجاج يوسف بن خليل الدمشقي، عن شيخيه بقراءة محمد بن عبد المنعم بن هامل الحرافي٤، إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم بن النحاس٥، وآخرون
الحواشي
(١) ١ في"الأصل" كلمتين لم أستطع قراءتهما.
٢ في"الأصل" كلمة لم أستطع قراءتها.
٣ هناك كلمة لم أستطع قراءتها.
٤ هو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد المنعم بن عمار بن هامل الحراني، الحنبلي، المحدث، الرحال، نزيل دمشق، ولد بحران سنة ثلاث وستمائة، وكانت له عناية بالحديث، توفي سنة إحدى وسبعين وستمائة.
"العبر": (٥/ ٢٩٦) ،"شذرات الذهب": (٥/ ٣٣٤) .
٥ هو كمال الدين إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم الأسدي الحلبي ابن النحاس، المسند، العالم، سمع ابن يعيش وابن قميرة وابن رواحة، وابن خليل فأكثر، ونسخ الأجزاء، توفي في رمضان سنة عشر وسبعمائة، عن بضع وسبعين أو بضع وثمانين سنة.
"شذرات الذهب": (٦/ ٢٢) .стр. 220
يوم الثلاثاء الحادي والعشرون من ذي القعدة سنة ثلاث وأربعين وستمائة بحلب.
وسمعه على الشيخ الإمام فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاري المقدسي، بإجادته من أبي القاسم هبة الله بن الحسن بن السبط بسنده، أوله بقراءة كاتب السماع يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي١، شمس الدين محمد بن عبد الرحمن ابن شامة الطائي٢ يوم السبت الثاني من أيام التشريق سنة ثمان وسبعين
الحواشي
(١) ١ هو جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف ابن علي بن أبي الزهر، أبو الحجاج، المزي، الشافعي، قال ابن قاضي شهبة:"شيخ المحدثين، عمدة الحفاظ، أعجوبة الزمان، الدمشقي، المزي.، مولده في ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وستمائة.
برع في الحديث، وإليه المنتهى في معرفة الرجال وطبقاتهم، وله في ذلك كتابه"تهذيب الكمال"، توفي سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة.
انظر:"شذرات الذهب": (٦/ ١٣٦، ٣٧ ١) .
٢ هو شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن شامة بن كوكب الطائي، السوادي، الحكمي، الحنبلي، الحافظ، الزاهد، مفيد مصر، ولد سنة اثنتين وستين وستمائة ورحل سنة ثلاث وثمانين إلى مصر، وبغداد، والبصرة، وأصبهان، وحلب، وواسط، واشتغل بالحديث.
قال عنه الذهبي في"معجمه":"أحد الرحالين والحفاظ المكثرين، وكان ثقة، صحيح النقل، عارفا بالأسماء، من أهل الدين والعبادة". وقال ابن رجب:"سمع منه البرزالي، والذهبي، وعبد الكريم الحلبي، وذكروه في معاجمهم، توفي سنة ثمان وسبعمائة""شذرات الذهب": (٦/ ١٧، ١٨) .стр. 221
وستمائة بسفح جبل قاسيون بظاهر دمشق.
وسمعه عليه بقراءة الإمام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني١، عبد الرحمن بن أحمد بن شامة الطائي، ومحمد بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف المزي٢، وكاتب السماع في الأصل القاسم بن محمد بن يوسف بن النقيب البرزالي٣ يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وستمائة.
الحواشي
(١) ١ هو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن عبد الله بن تيمية، الحراني، الحنبلي، ولد بحران سنة إحدى وستين وستمائة، وهو أشهر من أن يعرف، توفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة.
"شذرات الذهب": (٦/ ٨٠، ٨٦) .
٢ هو محمد بن عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف الكلبي أبو عبد الله المزي، الطحان، أخو الشيخ جمال الدين، ولد سنة أربع وخمسين وستمائة، سمع من المسلم بن علان والفخر وغيرهم بإفادة أخيه، وكان خيرا مات سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
"الدرر الكامنة": (٤/ ٨) .
٣ هو الحافظ علم، الدين القاسم بن محمد بن يوسف بن محمد البرزالي الشافعي، ولد سنة ثلاث وستين وستمائة، وسمع الجم الغفير، وكتب بخطه ما لا يحصى كثرة.
قال الذهبي:"الإمام، الحافظ، محدث الشام، وصاحب التاريخ والمعجم الكبير".
توفي سنة تسع وثلاثين وسبعمائة.
"شذرات الذهب": (٦/ ١٢٢) .стр. 222
قرأت جميع هذا الجزء على شيخنا الإمام الأوحد البارع، العلامة، بقية السلف، شيخ الإسلام، عمدة الحفاظ، إمام النقد، الحجة، الرحالة، جمال الدين، أبي الحجاج يوسف بن الزكي، عبد الرحمن بن يوسف المزي- نفع الله به- قال: قرأته على الإمام فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن البخاري، المقدسي، قال: أنبأنا أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن المظفر بن السبط قال: أخبرنا أبو العز أحمد بن عبيد الله بن كادش العكبري قال: أخبرنا أبو طالب محمد ابن علي بن الفتح العشاري، وأبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البناء، قالا: أخبرنا أبو الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس، قال: أخبرنا أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن بن الصواف، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة فذكره عن شيوخه.
وصح ذلك لي وثبت في يوم الخميس التاسع والعشرين من شهر شعبان سنة تسع وثلاثين وسبعمائة، وهو مما أجاز شيخانا أبو العباس شيخ الإسلام ابن تيمية، وأبو محمد البرزالي.
стр. 223
الباب السادس: قسم التحقيق
...
قسم التحقيق: كتاب العرش وما روي فيه
تأليف: محمد بن عثمان بن أبي شيبة (ت ٢٩٧)
(ق ٥٠/ ب) تأليف محمد بن عثمان بن أبي شيبة- ﵀.
رواية أبي علي محمد بن أحمد بن الحسن الصوف عنه.
رواية أبي الفتح محمد بن أحمد بن أبي الفوارس عنه.
رواية أبي طالب١ محمد بن علي العشاري، وأبي علي الحسن بن أحمد بن عبد الله بن البنا كلاهما عنه.
رواية أبي العز أحمد بن عبيد الله بن كادش عنهما.
رواية أبي إسحاق إبراهيم بن بركة بن طاقويه وأبي القاسم هبة الله ابن الحسن بن المظفر بن السبط كليهما عنه.
رواية يوسف بن خليل بن عبد الله الدمشقي عنه٢.
سماع لصاحبه الشيخ الصالح أبي محمد محمود بن القاسم ابن بدران الدشتي- نفعه الله به-.
الحواشي
(١) ١ في "الأصل": "أبي الفتح، وهو خطأ، والصواب ما أثبته، ولعله وهم من الناسخ.
٢ هكذا في "الأصل" والصواب: "عنهما".стр. 224
رواية الإمام فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي، عن أبي القاسم هبة الله بن المظفر بن الحسن ابن السبط كتابة١.
رواية مالكه يحيى بن إسحاق بن خليل بن فارس الشيباني الشافعي، بحق إجادته من الشيخ المسند فخر الدين أبي الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي البخاري بسنده المذكور أعلاه.
الحواشي
(١) ١ حصل هنا تقديم وتأخير في اسم أبي القاسم، والصواب هو: "هبة الله بن الحسن بن المظفر بن السبط".стр. 225
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(ق ٥١/ أ) أَخْبَرَنَا١ شَيْخُنَا أَبُو الْحَجَّاجِ يَوسُفُ بْنُ خَلِيلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدِّمَشْقِيُّ- ﵀، وَرَحِمَ وَالِدَيْهِ-، قِرَاءَةً وَأَنَا أسمع في جماد الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِجَامِعِ حَلَبٍ٢ قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكُمْ أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَرَكَةَ بْنِ طَاقُويَه، وَأَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ الْمُظَفَّرِ بْنِ السَّبْطِ بِقِرَاءَتِكَ عَلَيْهِمَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، فَأَقَرَّ بِهِ، قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعِزِّ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَادِشَ الْعُكْبَرِيُّ، قِرَاءَةُ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَسْمَعُ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ عِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ الْعُشَارِيُّ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنُ الْبَنَّا، قَالَا: أَخْبَرَنَا
الحواشي
(١) ١ القائل هنا هو: محمد بن القاسم بن بدران الدشتي.
٢ حلب: بالتحريك، مدينة عظيمة واسعة تقع في بلاد الشام، ويقع مسجد جامعها داخل المدينة، وقد قال ابن جبير في وصف هذا الجامع: "وجامعها من أحسن الجوامع وأجملها، وفي صحنه بئران معينان ... ، وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره، فلم أر في بلد من البلاد منبرا على شكله وغرابة صنعه، واتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب، فتخللت صفحاته كلها حسنا على تلك الصفة الغريبة..، وهو مرصع كله بالعاج والأبنوس، وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف".
انظر: "رحلة ابن جبير": ص ٢٠٤، ط. دار مكتبة الهلال، بيروت، و"معجم ما استعجم": (٤٦٤/٢) .стр. 226
أَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّوَّافِ، أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ: ذَكَرُوا أَنَّ الْجَهْمِيَّةَ١
الحواشي
(١) ١ الجهمية: فرقة من الفرق التي ظهرت في بداية القرن الثاني وانتحلت مذهب الجهم في مسائله المدونة في كتب المقالات والكلام. والجهم هو: ابن صفوان، ويكنى أبا محرز، وهو من أهل خراسان، وينسب إلى سمرقند وترمذ، ويقال: إن أصله من الكوفة، وكان جهم مولى لبني راسب من الأزد.
وقد أخذ الكلام عن الجعد بن درهم حين لقيه بالكوفة بعد هرب الجعد إليها من دمشق، وكان جهم فصيحا وصاحب خصومات وكلام، وكان أكثر كلامه في الله تعالى.
وأول ظهور مذهب جهم كان بترمذ، حيث أظهره فيها للملأ وأشاعه وحاور فيه ثم أقام ببلخ، فكان يصلي مع مقاتل بن سليمان البلخي المفسر المشهور، وكان مقاتل يقص في الجامع بمرو، فقدم جهم فجلس إلى مقاتل، فوقعت الخصومة بينهما، فوضع كل منهما على الآخر كتابا ينقض عليه، ثم بعد ذلك نفي الجهم إلى ترمذ، وهناك اتصل بالحارث بن سريج الذي خرج على أمراء خراسان، وقد زعم الجهم أن الحارث قد خرج داعيا للكتاب والسنة والشورى، فاتخذه الحارث كاتبا له، وكان يقص في بيت الحارث في عسكره، وكان يخطب بدعوته وسيرته فيجذب الناس إليه، وكان يحمل السلاح ويقاتل معه، وكان مقتل جهم في سنة ثمان وعشرين ومائة على يد نصر بن سيار.
وقد توسع مذهب الجهم بعد مقتله شأنه في ذلك شأن المذاهب كلها التي استفحل أمرها وكثرت رجالها، وتفرعت مسالكها، وتنوعت مصنفاتها، وقد يظن أنها أمست أثرا بعد عين، مع أن المعتزلة فرع منها، وكذلك المتكلمون المتأخرون من الأشاعرة يرجعون في كثير من مسائلهم إلى مذهب الجهمية، فمن ظن أن الجهمية لا وجود لها فهو مخطئ وإطلاق المؤلف لفظ الجهمية هنا يدخل فيه المعتزلة- أيضا-، فإن أئمة السلف كالإمام أحمد في كتابه "الرد على الجهمية"، والبخاري في "الرد على الجهمية" ومن بعدهما إنما يعنون بالجهمية هنا المعتزلة وغيرهم، ويعود السبب في ذلك إلى ما يجمع بين الفرقتين من مسائل تتفقان عليها، فإن المعتزلة قد أخذت عن الجهمية القول بنفي الرؤية والصفات، وخلق الكلام، ووافقتها عليها، وإن كان لكل فروع واختيارات غير ما للأخرى، إلا أن ما توافقوا فيه من هذه المسائل الكبيرة جعلهم كأهل المذهب الواحد، فلذلك أطلق أئمة السلف لفظ الجهمية على المعتزلة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "لما وقعت محنة الجهمية- نفاة الصفات- في أوائل المائة الثالثة، على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق، دعوا الناس إلى التجهم، وإبطال صفات الله تعالى، وطلبوا أهل السنة للمناظرة، ولم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والنجارية والضرارية، وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزليا، ولكن جهما أشد تعطيلا لأنه ينفي الأسماء والصفات، وبشر المريسي كان من المرجئة ولم يكن من المعتزلة، بل كان من كبار الجهمية".
وقد ذكر شيخ الإسلام أن الجهمية ثلاث درجات:
فشرها: "الغالية": الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى، قالوا هو مجاز، فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا متكلم ولا يتكلم.
و"الدرجة الثانية": من التجهم هو تجهم المعتزلة ونحوهم، الذين يقرون بأسماء الله في الجملة لكن ينفون صفاته، وهم- أيضا- لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.
و"الدرجة الثالثة": هم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية لكن فيهم نوعا من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية وغير الخبرية، ويتأولونها، كما تأول الأولون صفاته كلها.
ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث.
ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار- أيضا- في الجملة، لكن مع نفي وتعطيل لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري، وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعا عظيما فيما يثبتونه من الصفات أعظم من منازعتهم لسائر أهل الإثبات فيما ينفونه.
وأما المتأخرون فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوائلهم.
ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر الناس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. اهـ.
انظر: "الرد على الزنادقة والجهمية" للإمام أحمد: ص ٦٥، و"الرسالة التسعينية": ص ٤٠، ٤٢، ط. دار الفكر، و"تاريخ الجهمية والمعتزلة": ص ٥٩، ٦٠.стр. 227
يَقُولُونَ لَيْسَ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ حِجَابٌ١ وَأَنْكَرُوا
الحواشي
(١) ١ ينكر الجهمية أن يكون بين الله وبين خلقه حجاب، لأن الله على قولهم ليس فوق العرش، وهم إنما ينفون الحجاب وعلو الله فوق عرشه بدعوى أن هذه الأمور تستلزم الجهة والمحايثة والمكان وهذه من صفات الأجسام، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، فلذلك هم يقولون بأن الله بذاته في كل مكان، وليس عندهم للحجاب أي معنى، وقد حكى الدارمي عنهم إنكارهم للحجاب في كتابه "الرد على الجهمية": ص ٣٧، حيث قال: "وليس كما يقول هؤلاء الزائغة: إنه في كل مكان، ولو كان كذلك ما كان للحجب هناك معنى، لأن الذي هو في كل مكان لا يحتجب بشيء من شيء، فكيف يحتجب من هو خارج الحجاب كما هو من ورائه؟ فليس لقول الله : ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَاب﴾ عند القوم مصداق".
وقال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٦/ ١٠) : "والجهمية لا تثبت له حجابا أصلا، لأنه عندهم ليس فوق العرش".
وأما السلف فإنهم يثبتون الحجاب لله ﵎ كما دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ [سورة الشورى، الآية: ٥١] .
ومن السنة ما رواه مسلم في "صحيحه" عن أبي موسى قال: قام فينا رسوله الله ﷺ بخمس كلمات فقال: "إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرقع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور- وفي رواية لأبي بكر: النار- لو كشفه لأحرقت سبخات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه". انظر "صحيح مسلم بشرح النووي": (٣/ ١٢- ١٣) .
فهذا الحديث فيه ذكر لحجاب الله تعالى الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
وقد قام المعطلة بتأويل هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة الدالة على إثبات الحجاب لله فصرفوا الحجاب الذي أثبته الله تعالى لنفسه إلى المخلوقين فقالوا: إن معنى الحديث: أنه لو كشف الحجاب الذي على أعين الناس ولم يثبتهم لاحترقوا. مع أن الحديث فيه تصريح بأن حجابه النور.
وقد عقد الدارمي في كل من كتابيه "الرد على الجهمية": ص ٣١، و"الرد على بشر المريسي": ص ٥٢٦، بابين لذلك فقال في الأول: "باب الاحتجاب" وأورد تحت هذا الباب بعض الأحاديث والآثار الدالة على الحجب، ثم قال: "من يقدر قدر هذه الحجب التي احتجب الجبار بها، ومن يعلم كيف هي، غير الذي أحاط بكل شيء علما؟ ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً﴾ [سورة الجن، الآية: ٢٨] ، ففي هذا أيضا دليل على أنه بائن من خلقه محتجب عنهم لا يستطيع جبريل مع قربه إليه الدنو من تلك الحجب".
وقال في الثاني: "الحجب التي احتجب الله بها عن خلقه"، ثم أورد تحته النصوص الدالة عليه، كما تعرض لبعض تأويلات الجهمية ورد عليها.
وكذلك عقد ابن أبي زمنين في كتابه "أصول السنة": ص ٣١٨، بابأ باسم: "باب الإيمان بالحجب" وقال: "ومن قول أهل السنة إن الله بائن من خلقه، محتجب عنهم بالحجب. فتعالى الله عما يقول الظالمون، كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا" اهـ.стр. 228
الْعَرْشَ١ وأن يكون الله هُوَ فَوْقَهُ، وَفَوْقَ
الحواشي
(١) ١ ينكر بعض الجهمية عرش الرحمن ﵎، ويدعون أن معنى العرش في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، إنما هو الملك، فهم لا يقرون بأن لله عرشا معلوما موصوفا فوق السماء السابعة تحمله الملائكة، بل يقولون: إن الله لما خلق الخلق- يعني السموات والأرض وما فيهن- سمى ذلك كله عرشا له، وهذا القول يقول به- أيضا- بعض المعتزلة وعامة متأخري الأشاعرة، وقد بينت هذا كله في قسم الدراسة، وذكرت ردود السلف على زعمهم هذا وإبطالهم له.стр. 229
السَّمَاوَاتِ١، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ فِي كُلِّ مَكَانٍ٢، وَإِنَّهُ لَا يَتَخَلَّصُ مِنْ
الحواشي
(١) ١ ينكر الجهمية ومن وافقهم من المعتزلة والفلاسفة النفاة وعامة متأخري الأشاعرة والقرامطة الباطنية علو الله وارتفاعه فوق خلقه واستوائه على عرشه، تحت دعوى التوحيد والتنزيه ونفي التشبيه والتأويل، وذلك لأنهم يقولون: إن إثبات العلو يستلزم الجهة والمحايثة والحد والحركة والانتقال، وهذه الأمور على زعمهم تستلزم الجسمية لأنها أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، فقاموا تحت هذه الدعوى بتأويل النصوص الثابتة في إثبات العلو، فزعموا أن المراد بها علو القهر والغلبة، وأولوا نصوص الاستواء بالاستيلاء، وهم في كل ذلك إنما استندوا على حجج عقلية- على حسب زعمهم- ابتدعوها وأسسوها وجعلوها مقدمة على كل نص، وليس لهم في دعواهم هذه أي دليل من القرآن والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وجميع أهل البدع فد يتمسكون بنصوص، كالخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة وغيرهم إلا الجهمية، فإنه ليس معهم عن الأنبياء كلمة واحدة توافق ما يقولونه في النفي" "الفتاوى": (٥/ ١٢٢) ، وقد تقدم في قسم الدراسة ذكر أقوالهم وأدلتهم والرد عليهم.
٢ ينقسم الجهمية المنكرون لعلو الله إلى قسمين:
القسم الأول: وهم الذين ذكر المؤلف مذهبهم هنا وهم القائلون بأن الله بذاته في كل مكان وهذا هو قول النجارية وكثير من الجهمية وبخاصة عبادهم وصوفيتهم ومتكلموهم وأهل المعرفة والتحقيق منهم، كما يقول به "أهل الوحدة" القائلون بوحدة الوجود، ومن كان قوله مركبا من الحلول والاتحاد.
ويحتج هؤلاء لقولهم هذا بمقدمات وحجج عقلية مبتدعة، بنوها على أصول فلسفية كانوا قد تأثروا بها من غير أساس يعتمد عليه في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ . كما أنهم- أيضا- يحتجون ببعض النصوص من القرآن، كنصوص "المعية" و"القرب". وقد تقدم في قسم الدراسة ذكر أدلتهم والرد عليها.
أما القسم الثاني: فهم نفاة المعطلة القائلون بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته، ولا هو مباين له، ولا محايث له، فهم ينفون بذلك الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما.
وهذا القول هو ما يذهب إليه النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة الجهمية، ويرجع السبب في قولهم هذا أنهم بالغوا في نفي التشبيه حتى أدى بهم ذلك إلى نفي وجوده بالكلية خشية أن يشبهوا، فهم يقولون بهذه المقالة هربا- على حد زعمهم- من إثبات الجهة والمكان، لأن في ذلك تجسيما وهو تشبيه عندهم، فلذلك هم يقولون: "إنه يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات، فنحن نسد الباب بالكلية".
وقد استند هؤلاء المعطلة على حجج عقلية مزعومة، وليس لهم على قولهم هذا أي مستند أو شبهة في القرآن أو السنة.
كما أن كثيرا من هؤلاء الجهمية المعطلة من يجمع بين كلا المذهبين فتجدهم في حالة نظرهم وبحثهم يقولون بسلب الوصفين المتقابلين فيقولون: لا هو داخل العالم ولا خارجه، وفي حالة تعبدهم وتألههم يقولون بأنه في كل مكان ولا يخلو منه شيء، وقد تقدم تفصيل المسألة في الباب الثالث من قسم الدراسة.стр. 230
خَلْقِهِ، وَلَا يَتَخَلَّصُ الْخَلْقُ مِنْهُ إِلَّا أن يفنيهم أجمع، فَلَا يَبْقَى مِنْ خَلْقِهِ شَيْءٌ، وَهُوَ مع الآخر، الْآخَرِ مِنْ خَلْقِهِ مُمْتَزِجٌ بِهِ، فَإِذَا أَفْنَى خَلْقَهُ تَخَلَّصَ مِنْهُمْ وَتَخَلَّصُوا
стр. 231
مِنْهُ١ ﵎ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
الحواشي
(١) ١ هذا القول هو مذهب طوائف من الجهمية كالقرامطة والاتحادية والحلولية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض وأتباعهم الذين يبنون مذهبهم على الحلول والاتحاد ووحدة الوجود، كما أن هذا القول وقع فيه كثير من متأخري الصوفية، وهو لازم قول الفلاسفة والمعتزلة.
فالحلولية والاتحادية يقولون: إن الوجود واحد، فالوجود الواجب للخالق هو الوجود الممكن للمخلوق، ويظهر قولهم جليا عند تفسيرهم لقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَاّ وَجْهَهُ﴾ ، فيقولون: إن ذلك الوجه هو وجود الكائنات، ووجه الله هو وجوده، فيكون وجوده وجود الكائنات دون تميز بين الوجود الواجب والوجود الممكن، وهذا عندهم هو غاية التحقيق والعرفان. أما بيان كون هذا القول لازم لقول الفلاسفة فإن ابن سينا وأمثاله يجعلون وجود الله وجودا مطلقا بشرط الإطلاق- أي أن وجوده في الذهن لا في الأعيان- فلا يتميز بحقيقة تخصه.
وهذا هو النوع الأول من أنواع الحلول، ويسمى الحلول المطلق وقول الجهمية من المتقدمين والمتأخرين لا يخرج عن هذا.
والنوع الثاني من الحلول: هو الحلول الخاص، وهو قول النسطورية من النصارى ونحوهم ممن يقول: إن اللاهوت حل في الناسوت وتدرع به كحلول الماء في الإناء، وهؤلاء حققوا كفر النصارى بسبب مخالطتهم للمسلمين، وكان أولهم في زمان المأمون، وهو قول من وافق هؤلاء النصارى من غالية هذه الأمة، كغالية الرافضة الذين يقولون: إنه حل بعلي ابن أبي طالب وأئمة أهل بيته، وغالية النساك الذين يقولون بالحلول في الأولياء ومن يعتقدون فيه الولاية، أو في بعضهم: كالحلاج ويونس والحاكم ونحو هؤلاء. "الفتاوى": (٢/ ٢٥- ٢٦، ١٧١- ١٧٢، ٢٩٤- ٢٩٦) .стр. 232
وَمَنْ قَالَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ فَإِلَى التَّعْطِيلِ يَرْجِعُ قَوْلُهُمْ.
وَقَدْ عَلِمَ الْعَالِمُونَ أَنَّ اللَّهَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقَهُ قَدْ كَانَ مُتَخَلِّصًا مِنْ خَلْقِهِ بَائِنًا مِنْهُمْ، فَكَيْفَ دَخَلَ فِيهِمْ١؟
الحواشي
(١) ١ بعد أن بين المؤلف مذهب هؤلاء الجهمية في إنكارهم لعلو الله واستوائه على عرشه، وإنكارهم للعرش، وقولهم بأن الله حال بذاته في كل مكان، شرع بعد ذلك في بيان مذهب السلف في هذه الأمور وأدلتهم عليها، والرد على زعم هؤلاء المعطلة فيما ذهبوا إليه، وبدأ هنا بالإشارة إلى الدليل العقلي الذي يثبت علو الله على خلقه وبينونته عنهم، وقد ورد تفصيل هذا الدليل في كلام الإمام أحمد- ﵀ الذي أورده في كتابه "الرد على الزنادقة والجهمي": ص ٩٥ - ٩٦، حيث قال: "إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان، فقل له: أليس كان الله ولا شيء، فيقول: نعم.
فقل له: حين خلق الشيء خلقه في نفسه أو خارجا من نفسه؟
فإنه يصير إلى ثلاثة أقاويل، لابد له من واحد منها:
إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أن الجن والإنس والشياطين في نفسه.
وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه، ثم دخل فيهم، كان هذا كفرا أيضا حين زعم أنه دخل في مكان وحش قذر رديء.
وإن قال: خلقهم خارجا من نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله أجمع، وهو قول أهل السنة والجماعة.
ولعل المؤلف أراد بالبدء بالدليل العقلي قبل غيره من الأدلة- الإشارة إلى فساد هذا القول من حيث العقل الذي له الدرجة العالية عند الجهمية بحيث إنهم يقدمونه على الكتاب والسنة.
وقد أورد الدارمي في "الرد على الجهمية": ص ١٨ هذا الدليل العقلي في معرض رده على هؤلاء الجهمية حيث قال: "أرأيتم إذا قلتم: هو في كل مكان، وفي كل خلق، كان الله إلها واحدا قبل أن يخلق الخلق والأمكنة، قالوا: نعم.
قلنا: فحين خلق الخلق والأمكنة أقدر أن يبقى كما كان في أزليته في غير مكان، فلا يصير في شيء من الخلق والأمكنة التي خلقها بزعمكم، أولم يجد بدا من أن يصير فيها ولم يستغن عن ذلك قالوا: بلى.
قلنا: فما الذي دعا الملك القدوس إذ هو على عرشه في عزه وبهائه بائن من خلقه أن يصير في الأمكنة القذرة، وأجواف الناس والطير والبهائم، ويصير بزعمكم في كل زاوية وحجرة ومكان منه شيء، لقد شوهتم معبودكم إذا كانت هذه صفته، والله أعلى وأجل من أن تكون هذه صفته فلا بد لكم أن تأتوا ببرهان بين على دعواكم من كتاب ناطق أو سنة ماضية أو إجماع من المسلمين، ولن تأتوا بشيء منه أبدا.стр. 233
تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُوصَفَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
بَلْ هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ كَمَا قَالَ١، مُحِيطٌ بِالْعَرْشِ٢،
الحواشي
(١) ١ جاء ذكر استواء الله- على عرشه في سبعة مواضع من القرآن الكريم، وفي كل هذه المواضع تمدح رب السموات والأرض نفسه بهذه الصفة التي هي صفة الاستواء، وقد جاء ذكر الاستواء في هذه المواضع مصحوبا بما يبهر العقول من صفات جلاله وكماله التي هي منها، وفى ذلك أعظم رد على المعطلة الذين نفوا علو الله واستواءه على عرشه.
٢ الله كما أخبر عن نفسه في كتابه العزيز- محيط بعلمه وقدرته بالعرش وبكل شيء في هذا الوجود قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ﴾ [سورة فصلت، الآية: ٥٤] ، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة البروج، الآية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ [سورة النساء، الآية: ١٢٦] .
فهذه الإحاطة الواردة في هذه الآيات المراد بها إحاطة عظمته وسعة علمه وقدرته ، فعلمه نافذ في جميع المخلوقات فلا تخفى عليه خافية من عباده، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، وليس المراد بالإحاطة هنا إحاطة ذاته ، وأن المخلوقات داخل ذاته المقدسة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والله أعلم.стр. 234
مُتَخَلِّصٌ مِنْ خلقه، بائن منه١.
عِلْمُهُ فِي خَلْقِهِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ عِلْمِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنَّ الْعَرْشَ كان قبل خلق السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى الماء، وأخبرنا أَنَّهُ صَارَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ وَمِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْعَرْشِ فَاسْتَوَى على العرش٢، قال عز جَلَّ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى
الحواشي
(١) ١ لفظة "بائن" لم تكن معروفة على عهد الصحابة- رضوان الله عليهم- ولم يتلفظوا بها في أقوالهم عند الكلام على مسألة العلو، وقد كان السبب في استعمال السلف لها هو ابتداع الجهمية لقولهم بأن الله بذاته في كل مكان، فاقتضت ضرورة البيان والإيضاح أن يتلفظ أئمة السلف بهذه اللفظة، وقد تتابع استعمالها منهم دون أن ينكر أحد منهم ذلك.
٢ تعبير المؤلف بكلمة "صار" قد يفهم منه أن الله قبل استوائه على العرش كان شيء من المخلوقات فوقه، والمؤلف لا يقصد هذا المعنى ولكن لو كان تعبيره بما ورد كلفظة "استوى" لكان أولى.
وخلاصة مذهب السلف في هذه المسألة أن الله لم يزل ولا يزال عاليا على مخلوقاته، وصعوده وارتفاعه إلى السماء إنما هو من جنس نزوله إلى السماء الدنيا، فإذا كان في نزوله لم يصر شيء من المخلوقات فوقه، فهو- سبحانه- يصعد إلى السماء وإن لم يكن منها شيء فوقه، واستواءه- على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام إنما هذا الاستواء هو:- علو خاص-، ذلك لأن من المعلوم أن كل مستو على شيء هو عال عليه، وليس كل عال على شيء مستويا عليه، ولهذا لا يقال لكل ما كان عاليا على غيره أنه مستو عليه، ولكن كل ما قيل فيه: إنه استوى على غيره، فإنه عال عليه.
والذي أخبر الله أنه كان بعد خلق السموات والأرض "الاستواء" لا مطلق العلو، مع أنه يجوز أنه كان مستويا على العرش قبل خلق السموات والأرض لما كان عرشه على الماء، ثم لما خلق هذا العالم كان عاليا عليه ولم يكن مستويا عليه، وبعد الانتهاء من خلق هذا العالم استوى على العرش.
فالأصل أن علوه على المخلوقات وصف لازم له، كما أن عظمته وكبرياءه وقدرته كذلك، وأما الاستواء فهو فعل يفعله بمشيئته وقدرته، ولهذا قال فيها ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ ومن أجل ذلك كان الاستواء من الصفات السمعية المعلومة بالخبر، وأما علوه على المخلوقات فهو عند أئمة أهل الإثبات من الصفات العقلية المعلومة بالعقل مع السمع.
انظر: "الفتاوى": (٥/ ٥٢١- ٥٢٣) بتصرف.стр. 235
الْمَاءِ﴾ ١، وقال: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ... ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ٢.
الحواشي
(١) ١ سورة هود، الآية: ٧.
٢ سورة فصلت، الآيات: ٩- ١١.стр. 236
ثُمَّ قَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ مَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ﴾ ١.
"ق ٥١/ ب" وَقَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ ٢.
ففسرت الْعُلَمَاءُ قَوْلَهُ: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يَعْنِي: عِلْمَهُ٣.
الحواشي
(١) ١ سورة المجادلة، الآية: ٧.
٢ سورة الحديد، الآية: ٤.
٣ ذكر المؤلف هنا أن السلف يجمعون على تفسير المعية في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ بمعية العلم، وقد نقل هذا الإجماع غير واحد. قال أبو عمر بن عبد البر في كتاب "التمهيد" (١٣٨/٧) : "إن علماء الصحابة والتابعين الذين حملت عنهم التأويل في القرآن قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله".
وقال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (٥/ ١٩٣) - بعد أن نقل كلام ابن عبد البر هذا وأقره-: "فهذا ما تلقاه الخلف عن السلف إذ لم ينقل عنهم غير ذلك، إذ هو الحق الظاهر الذي دلت عليه الآيات القرآنية والأحاديث النبوية" اهـ. وقال- أيضا-: "وقد ثبت عن السلف أنهم قالوا: هو معهم بعلمه. وقد ذكر ابن عبد البر وغيره أن هذا إجماع من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولم يخالفهم فيه أحد يعتد بقوله، وهو مأثور عن ابن عباس والضحاك ومقاتل بن حيان وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل وغيرهم.
ثم ذكر الشيخ ما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس- ﵄ في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ، قال: هو على العرش، وعلمه معهم. وروى- أيضا- عن سفيان الثوري أنه قال: علمه معهم. وروى- أيضا- عن الضحاك بن مزاحم في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم﴾ إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ قال: هو على العرش، وعلمه معهم.
وقال أبو عمرو الطلمنكي: وأجمعوا- يعني أهل السنة والجماعة- على أن لله عرشا، وعلى أنه مستو على عرشه، وعلمه وقدرته وتدبيره بكل ما خلقه قال: فأجمع المسلمون من أهل السنة على أن معنى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ونحو ذلك في القرآن أن ذلك علمه وأن الله فوق السموات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء. انظر: "مجموع الفتاوى": (٥/٥١٩) .
وقد استدل حلولية الجهمية بهذه الآية على قولهم بأن الله بذاته في كل مكان فادعوا أن المراد بالمعية في قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ معية الذات وقد تقدم الرد على زعمهم هذا وإبطاله.стр. 237
وَقَالَ : ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ١، فَاللَّهُ تَعَالَى اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَرَى كُلَّ شيء في السموات والأراضين، وَيَعْلَمُ وَيَسْمَعُ كُلَّ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ وَهُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ، لَا الْحُجُبُ الَّتِي احتجب بها عن خَلْقِهِ تَحْجُبُهُ مِنْ أنْ يَرَى وَيَسْمَعَ مَا فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى٢، وَلَكِنَّهُ خَلَقَ الْحُجُبَ وَخَلَقَ الْعَرْشَ كَمَا خَلَقَ الْخَلْقَ لِمَا
الحواشي
(١) ١ سورة طه، الآية: ٥.
٢ إن الله مع استوائه على عرشه واحتجابه عن خلقه فهو لا يخفى عليه مثقال ذرة، قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة يونس، الآية: ٦١] ، وقال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ، الآيتان: ٢- ٣] .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (٦/ ١٥) في معرض كلامه على الحجب: "وأما حجبها لله عن أن يرى ويدرك فهذا لا يقوله مسلم، فإن الله لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وهو يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة السوداء، ولكن يحجب أن تصل أنواره إلى مخلوقاته كما قال ﷺ : "لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه" فالبصر يدرك الخلق كلهم، وأما السبحات فهي محجوبة بحجابه النور أو النار".стр. 238
شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ وَمَا يَحْمِلُهُ إِلَّا عَظَمَتُهُ١ فَقَالَ: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ ٢، وَقَالَ
الحواشي
(١) ١ إن السلف ومن وافقهم في إثبات استواء الله على العرش يقولون بأن الله غني عن العرش وعن كل ما سواه، وأنه سبحانه لا يفتقر إلى شيء من المخلوقات، بل هو سبحانه مع استوائه على العرش فهو يحمل العرش وحملة العرش بقدرته، ولا يمثل استواء الله باستواء المخلوقين، ومن قال: إنه في استوائه على العرش محتاج إلى العرش كاحتياج المحمول إلى حامله فإنه كافر، لأن الله غني عن العالمين حي قيوم، وهو الغني المطلق وما سواه فقير إليه، واستواؤه سبحانه ثابت بالكتاب والسنة واتفاق سلف الأئمة، فيجب إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات، وأن ينفى عنه مماثلة المخلوقات، ويعلم أن ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا أفعاله.
انظر: "مجموع الفتاوى": (٢/ ١٨٨) ، (٥/ ٢٦٢- ٢٦٣) .
٢ سورة السجدة، الآية: ٥.стр. 239
جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ ١، وَقَالَ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢، وَقَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ ٣.
وَأَجْمَعَ الْخَلْقُ جَمِيعًا أَنَّهُمْ إِذَا دَعَوُا اللَّهَ جَمِيعًا رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ، فَلَوْ كَانَ اللَّهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى مَا كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مَعَهُمْ عَلَى الْأَرْضِ٤.
ثُمَّ تَوَافَرَتِ الْأَخْبَارُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ بِذَاتِهِ ثُمَّ خلق الأرض والسموات، فَصَارَ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَمِنَ السَّمَاءِ إلى العرش.
(٥٢/ أ) فَهُوَ فَوْقَ السَّمَاوَاتِ وَفَوْقَ الْعَرْشِ بِذَاتِهِ٥ مُتَخَلِّصًا
الحواشي
(١) ١ سورة فاطر، الآية: ١٠.
٢ سورة آل عمران، الآية: ٥٥.
٣ سورة النساء، الآيتان: ١٥٧- ١٥٨.
٤ ما ذكره المؤلف هنا هو من دليل الفطرة، وقد تقدم الحديث عليه في قسم الدراسة صر،١٥٥.
٥ لفظة "بذاته" لم تكن معروفة في عهد الصحابة- رضوان الله عليهم-، ولكن لما ابتدع الجهم وأتباعه القول بأن الله في كل مكان- ذكرها بعض المتأخرين من السلف للتوضيح والتفرقة بين كونه تعالى معنا، وبين كونه تعالى فوق العرش، فهو كما قال معنا بعلمه، وأنه على العرش كما أعلمنا حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، وقد تلفظ بهذه الكلمة جماعة من العلماء منهم عثمان بن سعيد الدارمي، ويحيى بن عمار - واعظ سجستان- في رسالته، والحافظ أبو نصر الوائلي السجزي في كتاب "الإبانة" له، وأبو عمر بن عبد البر، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو إسماعيل الأنصاري الهروي، وعبد القادر الجيلي، وذكر ابن القيم أن أكثر من صرح باستعمال كلمة بذاته أئمة المالكية، ومنهم أبو محمد بن أبي زيد القيرواني، والقاضي عبد الوهاب، وأبو بكر الباقلاني، وأبو عبد الله القرطبي وغيرهم.
وقد أنكر الذهبي استعمال هذه العبارة ولعل السبب في ذلك يرجع لكون أوائل السلف لم يقولوا بها، ولم ترد في أقوالهم، وإنما قالها بعض المتأخرين منهم، فأنكر ذلك مبالغة منه في المحافظة على نهج السلف. والكلمة معناها سليم، وليس فيها إثبات ما لم يرد، واستعمال بعض السلف لها إنما هو من باب تأكيد على أن الاستواء حقيقة وليس مجازا كما يزعم الجهمية وأتباعهم. والله أعلم.
انظر: "مختصر الصواعق المرسلة": (٢/ ١٣٤) ، "مختصر العلو" للذهبي: ص ٢٥٦٠٢٥٥.стр. 240
مِنْ خَلْقِهِ بَائِنًا مِنْهُمْ، عِلْمُهُ فِي خَلْقِهِ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ عِلْمِهِ.
стр. 241
١- قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ ذَلِكَ مَا حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ١، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ٢، عَنِ الْأَعْمَشِ٣، عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ٤، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ
الحواشي
(١) ١ هو أحمد بن عبد الله بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي: ثقة حافظ من كبار العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، أخرج له الجماعة.
"تهذيب التهذيب": (١/ ٥٠) ، "تقريب التهذيب": ص ١٤.
٢ هو أبو بكر بن عياش "بتحتانية ومعجمة" بن سالم الأسدي الكوفي المقرئ الحناط "بمهملة ونون" مشهور بكنيته، والأصح أنها اسمه، وقيل: اسمه محمد أو عبد الله أو شعبة أو روبة أو مسلم أو خداش أو مطرف أو حماد أو حبيب، عشرة أقوال، ثقة، عابد إلا أنه لما كبر ساء حفظه، وكتابه صحيح، من السابعة، مات سنة أربع وتسعين ومائة. أخرج له الجماعة. "تهذيب التهذيب": (١٢/ ٣٤) ، "تقريب التهذيب": ص ٣٩٦.
٣ هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي مولاهم أبو محمد الكوفي الأعمش، يقال: أصله من طبرستان وولد بالكوفة، ثقة، حافظ، عارف بالقراءة، ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، مات سنة سبع وأربعين ومائة أو ثمان وأربعين ومائة، وكان مولده سنة إحدى وستين.
قال الذهبي: متى قال "حدثنا" فلا كلام، ومتى قال "عن" تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ أكثر عنهم.
"ميزان الاعتدال": (٢/ ٢٢٤) ، "تهذيب التهذيب": (٤/ ٢٢٢) ، "تقريب التهذيب": ص ١٣٦.
٤ هو جامع بن شداد المحاربي، أبو صخرة الكوفي.
روى عن صفوان بن محرز وغيره، وعنه الأعمش وغيره، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع ومائة، ويقال ثمان وعشرين ومائة، أخرج له الجماعة. "تهذيب التهذيب ": (٢/ ٥٦) ، "تقريب التهذيب": ص ٥٣.стр. 242
مُحْرِزٍ١، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ٢ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كَانَ اللَّهُ وَلَا شَيْءَ غَيْرَهُ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ كَائِنٌ، ثم خلق السموات".
قَالَ: قِيلَ لِي: أَدْرِكْ نَاقَتَكَ، قَالَ: فَقُمْتُ فَإِذَا السَّرَابُ يُنْقَطِعٌ دُونَهَا، فَلَيْتَهَا ذَهَبَتْ، قَالَ: يَقُولُ لِمَا فَاتَهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣.
الحواشي
(١) ١ هو صفوان بن محرز (بمضمومة وسكون مهملة وكسر راء فزاي، "المغني": ص ٢٢٣) بن زياد المازني، وقيل الباهلي، قال الأصمعي: كان نازلا في بني مازن وليس منهم.
روى عن عمران بن حصين وغيره، وعنه أبو صخرة جامع بن شداد وغيره، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة أربع وسبعين.
روى له البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه.
"تهذيب التهذيب": (٤/ ٤٣٥) ، "تقريب التهذيب": ص ١٥٣.
٢ هو عمران بن حصين بن عبيد بن خلف بن عبد نهم الخزاعي أبو نجيد (بنون وجيم مصغرا) ، أسلم عام خيبر سنة سبع، وشهد ما بعدها من غزوات مع رسول الله ﷺ ، وكان من فضلاء الصحابة، وقض بالكوفة، ومات سنة اثنتين وخمسين بالبصرة.
"الإصابة": (٣/ ٢٧) ، "تقريب التهذيب": ص ٢٦٤.
٣ هكذا أورده ابن أبي شيبة مختصرا.
والحديث أخرجه من طريق الأعمش:
البخاري في "صحيحه"، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم، الآية:٢٧] ، انظر: "فتح الباري": (٦/٢٨٦، حديث ٣١٩٠) عن عمر بن حفص بن غياث عن أبيه.
وأيضا في كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ . انظر: "فتح الباري": (١٣/ ٤٠٣، حديث ٧٤١٨) عن عبدان عن ابن حمزة.
والإمام أحمد في "مسنده": (٤/ ٤٣١، ٤٣٢) عن أبي معاوية.
والفريابي في "القدر": ص ١٨ عن يعقوب بن إبراهيم عن أبي معاوية.
كلهم عن الأعمش به، وبعضهم يزيد على بعض في الحديث.
وروى هذا الحديث عن جامع بن شداد سفيان الثوري- أيضا-.
أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق، عن محمد بن كثير، وأيضا في كتاب المغازي، باب وفد بني تميم، انظر: "فتح الباري": (٩/٨٣، حديث ٤٣٦٥) عن أبي نعيم، وأيضا في باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، انظر: "فتح الباري": (٨/٩٦، حديث ٤٣٨٦) عن عمرو بن علي بن أبي عاصم.
والترمذي في "سننه"، كتاب المناقب، باب مناقب في ثقيف وبني حنيفة: (٥/٧٣٢، حديث ٣٩٥١) عن محمد بن بشار بن عبد الرحمن بن مهدي، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
والإمام أحمد في "مسنده": (٤/٤٢٦) عن وكيع وعبد الرحمن، و (٤/ ٤٣٣) عن عبد الرزاق، و (٤/ ٤٣٦) عن وكيع.
كلهم عن سفيان الثوري به، بعضهم مختصرا وبعضهم مطولا.
وأيضا رواه عن جامع بن شداد عبد الرحمن المسعودي.
أخرجه النسائي في "الكبرى"، كتاب التفسير، انظر: "تحفة الأشراف": (٨/١٨٣) عن محمد بن عبد الأعلى عن خالد بن الحارث عن عبد الرحمن المسعودي عن جامع بن شداد به.
وأورد الحديث ابن كثير في "تفسيره": (٢/ ٤٣٧) من رواية الإمام أحمد عن أبي معاوية، وقال: "هذا حديث مخرج في صحيحي البخاري، ومسلم، بألفاظ كثيرة، فمنها قالوا: جئناك نسألك عن أول هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء قبله"، وفي رواية: "غيره"، وفي رواية: "معه، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض".
وقوله: "إنه" مخرج في "صحيح مسلم" لم أقف عليه.
التعليق:
الحديث جاء بألفاظ مختلفة فمنها قوله: "كان الله ولم يكن شيء قبله"، وفي رواية: "غيره"، وفي رواية: "معه"، ومن المعلوم أن النبي ﷺ إنما قال أحد هذه الألفاظ الثلاثة، والآخران قد رويا بالمعنى، لأن المجلس كان واحدا، وسؤالهم وجوابهم كان في ذلك المجلس، وقد اختلف في ترجيح إحدى هذه الروايات على الأخرى.
وقد ذهب شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم إلى ترجيح رواية "ولا شيء قبله"، واستدلوا على ذلك بما ثبت في "صحيح مسلم": (٤/٢٠٨٤، حديث ٢٧١٣) عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول في دعائه: "أنت الأول فليس قبلك شيء" الحديث.
كما أن أكثر أهل العلم إنما يرويه بهذا اللفظ، كالحميدي، والبغوي، وابن الأثير، وغيرهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن مراد النبي ﷺ من هذا الحديث هو إخباره عن خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه في ستة أيام، وهذا ما يشهد له سياق الحديث من عدة وجوه هي:
أولا: أن قول أهل اليمن "جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر" إما أن يكون الأمر المشار إليه هذا العالم، أو جنس المخلوقات.
فإن كان المراد هو الأول كان النبي ﷺ قد أجابهم.
وإن كان المراد هو الثاني لم يكن قد أجابهم لأنه لم يذكر إلا خلق السموات والأرض.
وهذا لا يجوز في حق رسول الله ﷺ بل هو منزه عنه، فمن هذا نستدل على أن قوله "جئناك لنسألك عن أول هذا الأمر" كان مرادهم خلق هذا العالم، والله أعلم.
ثانيا: أن قولهم "هذا الأمر" إشارة إلى حاضر موجود، ولو سألوه عن أول الخلق لم يشيروا إليه بهذا، لأنه أمر لم يشهدوه ولم يعلموه أيضا، والرسول لم يخبرهم عنه، فعلم أن سؤالهم كان عن أول هذا العالم المشهود.
ثالثا: أن قوله: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء" ليس في هذا ذكر لأول المخلوقات مطلقا، بل ولا فيه الإخبار بخلق العرش والماء، وإن كان ذلك كله مخلوقا كما أخبر عن ذلك في مواضع آخر، ولكن هنا في جوابه لأهل اليمن إنما. كان مقصوده إخباره إياهم عن بدء خلق السموات والأرض وما بينهما، لا بابتداء ما خلقه الله قبل ذلك.
رابعا: أنه يثق ذكر تلك الأشياء: التي هي العرش والماء- بما يدل على كونها ووجودها، ولم يتعرض لابتداء خلقها، وذكر السموات والأرض بما يدل على خلقها. اهـ.
وابن تيمية- رحمه الله تعالى- يقرر بكلامه هذا أن الله لم يزل فعالا لما يريد، ويرد على من يقول المعنى: كان الله ولا شيء معه أي لا مخلوق، ولا فعل، ولا مفعول، ثم صار يخلق ويفعل بعد أن لم يكن يخلق أو يفعل، وهذا هو قول الجهمية والمعتزلة.
ولما كان ابن تيمية يقرر هذه المسألة، ويرد على الجهمية والمعتزلة ظن كثير ممن لم يفهم مراده ولم يعرف مذهب السلف في هذه المسألة ظن أنه يقول بقدم العالم، لأنه يقول بحوادث لا أول لها، لأنهم يسمون أفعال الله الاختيارية، التي يفعلها بإرادته حوادث.
ولم يعلم هؤلاء أن لازم قولهم أشنع وأفظع، وهو أن الرب تعالى كان معطلا عن الفعل ثم صار فاعلا لأفعاله بعد أن لم يكن كذلك.
مع أن ما قال به شيخ الإسلام ابن تيمية هو ما قال به السلف:
كالإمام أحمد في "الرد على الجهمية": ص ٩٠، ٩٢.
والدارمي في "نقض عثمان بن سعيد على بشر المريسي".
والبخاري في "خلق أفعال العباد".
أما الحافظ ابن حجر فقد اختار في مسألة الترجيح بين الألفاظ الثلاثة الجمع بين الروايات، وقال إن قضية الجمع تقتضي حمل رواية: "ولم يكن شيء قبله" على رواية: "ولا شيء غيره" لا العكس، والجمع يقدم على الترجيح باتفاق.
والجواب على هذا الترجيح: ممكن لو احتمل أن يكون الحديث صدر منه ﷺ في مقامين، أما إذا كان في مجلس واحد، والراوي واحدا، وقد أخبر أنه لم يبق إلى نهاية المجلس، بل قام لما سمع هذا القول من النبي ﷺ ولحق براحلته، فلا بد أن اللفظ الذي سمعه أحد هذه الألفاظ الثلاثة، والآخرين قد رويا بالمعنى، فأصبح الجمع لا وجه له.
وحمل هذه الرواية على رواية: "ولا شيء غيره" تحكم بلا دليل، حمل عليه التعصب للمذهب، وإلا فالواجب حملها على المعروف من كلام النبي ﷺ الموافق لكلام الله تعالى.
وأما قول الحافظ: إن هذه المسألة من مستشنع ما ينسب إلى ابن تيمية، فقد تقدم أن هذا هو مذهب السلف، وأن ما يريد ترجيحه الحافظ هو مذهب الجهمية، والمعتزلة، والأشعرية، وأهل البدع. وقد أورد بعض الاتحادية الملاحدة زيادة على هذا الحديث وهي "وهو الآن على ما عليه كان".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وهذه الزيادة كذا مفترى على رسول الله ﷺ ، اتفق أهل العلم بالحديث على أن هذا اللفظ موضوع مختلق، وليس هو في شيء من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها، ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد، لا صحيح ولا ضعيف، ولا بإسناد مجهول، وإنما تكلم بهذه الكلمة بعض متأخري متكلمي الجهمية، فتلقاها منهم هؤلاء الاتحادية الذين وصلوا إلى آخر التجهم وهو التعطيل والإلحاد.
وقد قصد الجهمية بهذه الزيادة نفي الصفات التي وصف الله بها نفسه، من الاستواء على العرش، والنزول إلى السماء الدنيا، وغير ذلك، فقالوا: كان في الأزل وليس مستويا على العرش، وهو الآن على ما عليه كان، فلا يكون على العرش لما يقتضي ذلك من التحول والتغير.
انظر: "مجموع الفتاوى": (٢/ ٢٧٢) ، (١٨/ ٢١٠، ٢٤٢) ، "مدارج السالكين ": (٣/ ٣٩١) ، "فتح الباري": (٦/ ٢٨٩) ، (١٣/٤١٠) ، "شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري" للشيخ عبد الله الغنيمان، ص ٣٧٩- ٣٨٢.стр. 243
والأحاديث كلها مدرجة على شيوخ المصنف محمد بن عثمان بن أبي شيبة١
الحواشي
(١) ١ هكذا في "الأصل"، والذي يتضح من سياق هذه العبارة أنها ليست من كلام المؤلف، ولعلها كانت تعليقا من أحد الرواة أو القراء ثم أدخلها بعض النساخ في "الأصل"، وقوله بأنها مدرجة على شيوخ المصنف لا صحة له.стр. 244
٢- حَدَّثَنَا أَبِي١ وَعَمِّي أَبُو بَكْرٍ٢ قَالَا،. حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ٣ عَنْ سُفْيَانَ٤، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ
الحواشي
(١) ١ هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان بن خُواستي (بضم معجمة فخفة واو فألف مهملة فسين ساكنة فمثناة فوق فتحته، "المغني": ص ٩٦) العبسي مولاهم أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي صاحب المسند والتفسير. ثقة، حافظ، شهير، وله أوهام، وقيل: كان لا يحفظ القرآن، من العاشرة، مات سنة تسع وثلاثين ومائتين، وله ثلاث وثمانون سنة.
أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
"تهذيب التهذيب": (٧/ ١٤٨) ، "تقريب التهذيب": ص ٢٣٥.
٢ هو عبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم بن عثمان بن خواستي، الواسطي الأصل أبو بكر بن أبي شيبة. ثقة، حافظ، صاحب تصانيف، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.
أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
"تهذيب التهذيب": (٦/ ٢) ، "تقريب التهذيب": ص ١٨٧.
٣ هو وكيع بن الجراح بن مليح (بمفتوحة وكسر لام وبحاء مهملة، "المغني": ص ٢٤٠) الرؤاسي (بضم الراء وهمزة ثم مهملة) أبو سفيان الكوفي، ثقة، حافظ، عابد، من كبار التاسعة.
مات سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومائة، وله سبعون سنة.
أخرج له الجماعة. "تقريب التهذيب": ص ٣٦٩.
٤ هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي.
ثقة حافظ، فقيه، عابد، إمام، حجة، من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس، مات سنة إحدى وستين ومائة، وله أربع وستون سنة. أخرج له الجماعة. "تهذيب التهذيب": (٤/ ١١١) ، "تقريب التهذيب": ص ١٢٨.стр. 245
عَمْرٍو١، عْنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ٢ قَالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ، قَالَ: "عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ"٣.
الحواشي
(١) ١ هو المنهال بن عمرو الأسدي مولاهم الكوفي.
روى عن سعيد بن جبير وغيره، وعنه الأعمش وغيره.
صدوق ربما وهم، من الخامسة.
روى له البخاري والأربعة.
"تهذيب التهذيب": (١٠/ ٣١٩) ، "تقريب التهذيب": ص ٣٤٨.
٢ هو سعيد بن جبير الأسدي، مولاهم الكوفي.
ثقة، ثبت، فقيه، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم يكمل الخمسين.
"تقريب التهذيب": ص ١٣٠.
٣ أخرجه ابن جرير في "تفسيره": (١٥/ ٢٤٩) ، والدارمي في "الرد على بشر المريسي": ص ٤٤٥، وابن أبي عاصم في "السنة": (١/ ٢٥٨) ، والحاكم في "المستدرك": (٢/ ٣٤١) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات": ص ٤٨٠. كلهم بإسنادهم عن سفيان عن الأعمش بنحوه.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وإسناده جيد موقوف.
التعليق:
إن أمور العرش وما يتعلق به هي من الأمور الغيبية التي يجب أن يتوقف علم الإنسان وإحاطته بها على ما جاء به الخبر من الكتاب أو السنة، لأن هذا هو السبيل الوحيد إلى ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَاّ بِمَا شَاءَ﴾
ومما جاء ذكره في القرآن عن عرش الرحمن ﵎ أنه كان على الماء قبل خلق السموات والأرض قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ .
وبمثل ذلك جاء الخبر من السنة، كما في حديث عمران بن حصين الذي تقدم، ففي ذلك إخبار عن مكان العرش قبل أن يخلق الله السموات والأرض وما فيهما، وحين البدء في خلقهما، فهذا ما ورد به الخبر عن مكان العرش قبل خلق السموات والأرض، وأما مكانه قبل أن يكون على الماء، فهذا ما لم يرد به خبر من الكتاب والسنة، ولذلك قال سليمان التيمي- رحمه الله تعالى-: "لو سئلت أين الله؟ لقلت في السماء، فإن قال: أين كان عرشه قبل السماء، لقلت: على الماء، فإن قال: فأين كان عرشه قبل خلق الماء، لقلت: لا أعلم". "خلق أفعال العباد": ص ١٢٧.
وإن كان ما يشير إليه حديث أبي رزبن الذي جاء فيه: "كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء" أن العرش من حين ابتدأ خلقه كان على الماء.
وأما الماء المذكور أنه تحت العرش فليس المراد به ماء البحر، لأن ماء البحر إنما وجد بعد خلق السموات والأرض، وإنما الماء المذكور هنا هو ماء آخر تحت العرش، والله أعلم بكيفيته، وهذا الماء الذي تحت العرش ورد ذكره في حديث الأوعال عند قوله: "ثم فوق ذلك بحر ما بين أعلاه وأسفله كما بين السماء والأرض" وفي ذلك إشارة إلى بقاء هذا الماء بعد خلق السموات والأرض وأن الذي اختلف إنما هو كون العرش تحمله الملائكة بعد أن كان محمولا على الماء.
وأما ما روي عن ابن عباس من أن هذا الماء على متن الريح، فلعل المراد بهذه الريح الهواء الذي جاء ذكره في حديث أبي رزين عند قوله ﷺ : " كان في عماء، ما فوقه هواء وما تحته هواء، ثم خلق عرشه على الماء"، وأما كيفية هذه الريح وخلقها فالله أعلم به.стр. 246
٣- حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ١، حَدَّثَنَا مَيْمُونٌ أَبُو مُحَمَّدٍ السَّكُونِيُّ٢، حَدَّثَنِي شَيْخٌ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ : ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ، قَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: مِنْ أَيِّ الْعِرَاقِ؟ قَالَ: مِنْ أهل الكوفة (٥٢/ ب) قَالَ: أَمَا إِنِّي سَأُحَدِّثُكَ وَلَا أَجِدُ مِنْ ذَلِكَ بُدًّا، كَانَ الْمَاءُ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ وَكَانَتِ الرِّيحُ عَلَى الْهَوَاءِ٣.
الحواشي
(١) ١ هو عقبة بن خالد بن عقبة السكوني، (بمفتوحة وضم كاف وبنون، "المغني": ص ١٣٨) أبو مسعود الكوفي المجدر (بفتح الجيم) .
صدوق، صاحب حديث، من الثامنة، مات سنة ثمان وثمانين ومائة.
أخرج له ابن ماجه في "التفسير. "تقريب التهذيب": ص ٢٤١.
٢ لم أقف على ترجمته.
٣ تقدم تخريجه وإسناده ضعيف لإبهام من روى عنه ميمون، وميمون أبو محمد السكوني لم أقف على ترجمته.
التعليق:
جاء في هذه الرواية زيادة وهي قوله: "وكانت الريح على الهواء" ولم أجد هذه الزيادة في الروايات الأخرى، بل إن باقي الروايات اقتصرت على قوله: "وكان الماء على متن الريح" ولا يخفى ضعف سند هذه الرواية، فلعل هذه العبارة زيادة من أحد الرواة. والله أعلم.стр. 247
٤- حَدَّثَنَا الْمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ١، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ٢ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ٣ عَنِ أبن عباس و ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ثُمَّ رُفِعَ بُخَارُ الْمَاءِ ففتقت منه السموات، ثُمَّ خُلِقَ النُّونُ فُدُحِيَتِ٤ الْأَرْضُ عَلَى ظَهْرِ النُّونِ٥ فَتَحَرَّكَ فَمَادَتِ (٦) ، فَأُثْبِتَتْ
الحواشي
(١) ١ هو: منجاب (بكسر أوله وسكون ثانيه ثم جيم ثم موحدة) بن الحارث بن عبد الرحمن التميمي أبو محمد الكوفي.
ثقة، من العاشرة، مات سنة إحدى وثلاثين ومائتين، أخرج له مسلم، وابن ماجه في "التفسير".
"تهذيب التهذيب": (١/٢٩٧) ، "تقريب التهذيب": ص ٣٤٧.
٢ هو علي بن مسهر (بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء) القرشي الكوفي، قاضي الموصل، روى عن الأعمش وغيره.
ثقة، له غرائب بعد ما أضر، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومائة.
أخرخ له الجماعة.
"تهذيب التهذيب": (٧/ ٣٨٣) ، "تقريب التهذيب": ص ٢٤٩.
٣ هو حصين بن جندب بن الحارث بن وحشي بن مالك الجنبي (بفتح الجيم وسكون النون ثم موحدة، "المغني": ص ٦٧) أبو ظبيان (بفتح المعجمة وسكون المعجمة) الكوفي.
ثقة، من الثانية، مات سنة تسعين، وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة.
"تهذيب التهذيب": (٢/ ٣٧٩) ، "تقريب التهذيب": ص ٧٦.
٤ هو من الدحو، وهو البسط. "لسان العرب": (٢/ ١٣٣٨) ، مادة. دحا.
٥ المراد بالنون هنا هو الحوت الذي يزعم أن الأراضين عليه.стр. 248
بِالْجِبَالِ، فَإِنَّ الْجِبَالَ لَتَفْخَرُ عَلَيْهَا١.
الحواشي
(١) ١ أخرجه ابن جرير في "تفسيره": (٢٩/ ١٤) ، والآجري في "الشريعة": ص ١٧٨، ١٧٩، والحاكم في "المستدرك ": (٢/٤٩٨) ، والبيهقي في "الأسماء والصفات": ص ١٢٧.
كلهم بإسنادهم عن الأعمش عن أبي ظبيان به.
وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وإسناد المؤلف جيد ورجاله ثقات.
التعليق:
ما ذكره ابن عباس في هذا الأثر يتضمن مسألتين:
الأولى: هي مسألة ترتيب خلق السموات، والأرض بالنسبة لخلق العرش، وهذه المسألة هي الشاهد من إيراد المؤلف لهذا الأثر في هذا الكتاب، وقد بين ابن عباس- ﵄ مذهب السلف في هذا الشأن وذلك بأنهم يقولون بما دلت عليه النصوص الواردة في القرآن والسنة الدالة على أن خلق العرش سابق لخلق السموات والأرض، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ ، ومن السنة ما تقدم في حديث عمران الذي جاء فيه: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض".
وفي "صحيح مسلم" (٨/ ٥١) عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه قال: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء".
وقد أجمع على هذا سلف الأمة وأئمتها،، ولم يخالفهم في ذلك سوى طوائف من المتكلمين زعموا أن السموات والأرض كانتا مخلوقتين قبل العرش، وهذا زعم باطل لا دليل لهم عليه، بل إن نصوص القرآن ترده. والله أعلم.
وأما المسألة الثانية: التي جاء ذكرها في هذا الأثر فهي مسألة خلق السموات والأرض، وقد دلت الآيات القرآنية على أن خلق الأرض سابق لخلق السموات، قال تعالى: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة فصلت، الآيات: ٩- ١٢] ،.
وقد مر خلق السموات والأرض بمراحل:
وقد كانت المرحلة الأولى هي مرحلة خلق الأرض كما تقدم في الآيتين السابقتين، وقد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ أي: هيأ أماكن الزرع ومواضع العيون والأنهار.
وأما المرحلة الثانية: فهي خلق السموات، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ ، فالسموات خلقت من بخار الماء كما قال ابن عباس: "ثم رفع بخار الماء ففتقت منه السموات"، وفي ذلك رد على بعض المتكلمين الذين يزعمون أن السموات خلقت. من العدم المحض، وفي هذه المرحلة تم بناء السماء كما قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ، وقال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات، الآيات: ٢٧- ٢٩] ،.
وأما المرحلة الثالثة: فهي دحي الأرض كما قال تعالى: ﴿وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [سورة النازعات، الآيات: ٣٠- ٣٣] .
فدحى الأرض فأخرج منها ما كان مودعا فيها، فخرجت العيون، وجرت الأنهار، وهذه المرحلة هي التي أشار إليها ابن عباس بقوله: "فدحيت الأرض".
وأما قول ابن عباس: "فمادت الأرض، فأثبتت بالجبال" فهذا ما يشهد له قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [سورة الأنبياء، الآية: ٣١] .
وجاء في "مسند" الإمام أحمد بن حنبل (٣/١٢٤) عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "لما خلق الله الأرض جعلت تميد، فخلق الله الجبال فألقاها عليها فاستقرت، فتعجبت الملائكة من خلق الجبال...." الحديث.
وأما قول ابن عباس: "فدحيت الأرض على ظهر النون" فالمراد بالنون هنا هو الحوت الذي يزعمون أن الأرض على ظهره، وأمر الحوت هذا لا أصل له في القرآن والسنة، وإنما هو من الإسرائيليات التي أخذها ابن عباس عن كعب الأحبار وغيره.стр. 249
٥- حَدَّثَنَا الْمِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَامِرٍ الْأَسَدِيُّ١، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ٢ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ٣، عَنْ
الحواشي
(١) ١ هو القاسم بن محمد أبو عامر "الأسدي".
سمع سفيان الثوري وعبد الله بن عمر، وروى عنه أبو ثميلة ومنجاب بن الحارث.
"الجرح والتعديل": (٧/ ١١٩) .
٢ هو سفيان الثوري، وتقدم ترجمته في.
٣ هو إبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي (بمفتوحة وسكون جيم، "المغني ": ص ٤٥) أبو إسحاق الكوفي.
روى عن مجاهد بن جبر وغيره.
وعنه سفيان الثوري وغيره.
صدوق لين الحفظ من الخامسة.
أخرج له مسلم والأربعة.
"تهذيب التهذيب": (١/ ١٦٧) ، "تقريب التهذيب": ص ٢٣.стр. 250
مُجَاهِدٍ١ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "كَانَ عَلَى عَرْشِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا، ثُمَّ خَلَقَ الْقَلَمَ فَكَتَبَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"٢.
الحواشي
(١) ١ هو مجاهد بن جبر (بفتح الجيم وسكون الموحدة) المكي أبو الحجاج المخزومي، مولاهم المقرئ مولى السائب بن أبي السائب.
ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة وله أربع وثمانون سنة.
"تهذيب التهذيب":. (١٠/ ٤٥) ، "تقريب التهذيب": ص ٣٢٨.
٢ أخرجه الدارمي في "الرد على الجهمية": ص ١٥، ١٦، وابن جرير في "تفسيره": (١٧/٢٩) ، والآجري في "كتاب الشريعة": ص ١٧٩، واللالكائي في "السنة": (٣/ ٣٩٦) .
كلهم بإسنادهم عن مجاهد به، بنحوه.
وقد ورد هنا مختصرا عن الباقين بلفظ أتم من هذا وهو: "قيل لابن عباس إن ناسا يقولون بالقدر، فقال: يكذبون بالكتاب، لإن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه، إن الله- كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا، ثم خلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، فإنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه".
وفي سند ابن أبي شيبة ضعف، وذلك لجهالة أبي عامر الأسدي إلا أنه قد توبع، فقد رواه الباقون من طرق أخرى يصح باجتماعها سند الحديث، وللحديث شاهد من حديث مرفوع في كتابة المقادير أخرجه أبو داود في "سننه"، كتاب السنة، باب في القدر: (٥/٧٦) ، والترمذي في "سننه"، كتاب التفسير، تفسير سورة نون: (٥/ ٤٢٤، الحديث ٣٣١٩) بسندهما عن عبادة بن الصامت- ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب، وماذا كتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة...." الحديث.
التعليق:
في قول ابن عباس: "كان على عرشه قبل أن يخلق شيئا" إثبات أن الله مستو على عرشه قبل خلق السموات والأرض لما كان عرشه على الماء، وهذا لا يتعارض مع الاستواء الذي كان بعد خلق السموات والأرض، فإن الله كان على عرشه قبل خلق السموات والأرض وفي فترة خلق السموات والأرض كان عاليا على خلقه، ولم يكن مستويا على عرشه، ثم بعد خلق السموات والأرض استوى على عرشه بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ .
وأما مسألة خلق العرش والقلم وأيهما أسبق خلقا فقد تقدم ذكر الخلاف على ذلك في قسم الدراسة.следующие страницы →