أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه، فقال فبينا النبي ﷺ بالجعرانة، وعليه ثوب قد أظل به، معه ناس من أصحابه، إذ جاءه أعرابي عليه جبة، متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بالطيب؟ فأشار عمر إلى يعلى بيده: أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبي ﷺ محمر الوجه، يغط كذلك ساعة، ثم سري عنه، فقال: أين الذي يسألني عن العمرة آنفا؟ فالتمس الرجل فأتي به، فقال: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجك اه اصنع في عمرتك أي اترك.
(٣) - البخاري [٢١٠٢] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبو عاصم أخبرنا ابن جريج قال أخبرني موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: خرج ثلاثة يمشون فأصابهم المطر فدخلوا في غار في جبل فانحطت عليهم صخرة قال فقال بعضهم لبعض: ادعوا الله بأفضل عمل عملتموه - فاقتص الحديث ثم قال - وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء فقالت لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار فسعيت حتى جمعتها. فلما قعدت بين رجليها قالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه! فقمت وتركتها. فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا فرجة. الحديث.
فسمى الترك فعلا وعملا.
(٤) - مسلم [٢٧٧] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم - واللفظ له - حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اه صنعت أي تركت الوضوء لكل صلاة.
(٥) - البخاري [٣٨٣٤] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا
стр. 107
تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يحل هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. سمى تركها الكلام عملا.
(٦) - مالك [١١٩٥] عن سعيد بن أبي سعيد المقبُرِي عن عبيد بن جريج أنه قال لعبد اللهِ بن عمر: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها! قال: وما هن يا ابن جريج؟ قال: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ورأيتك تلبس النعال السِّبْتِيَّة ورأيتك تصبغ بالصفرة، ورأيتك إذا كنت بمكة أهل الناس إذا رأوا الهلال ولم تهلل أنت حتى يكون يوم الترويةِ. الحديث. [خ ١٦٦] فاستفسر عن صنيعه: أنه ترك ذلك.
(٧) - الترمذي [٥٣٨] حدثنا أبو عمار الحسين بن حريث حدثنا وكيع عن أبان بن عبد الله البجلي عن أبي بكر بن حفص وهو ابن عمر بن سعد بن أبي وقاص عن ابن عمر أنه خرج في يوم عيد فلم يصل قبلها ولا بعدها. وذكر أن النبي ﷺ فعله اه [ش ٥٧٨٦]
أي ترك الصلاة قبلها وبعدها.
(٨) - البخاري [٦٣٣٧] حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا حبان بن هلال أبو حبيب حدثنا هارون المقرئ حدثنا الزبير بن الخريت عن عكرمة عن ابن عباس قال: حدث الناس كل جمعة مرة فإن أبيت فمرتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، ولا تمل الناس هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم، فتقص عليهم، فتقطع عليهم حديثهم فتملهم، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك. يعني: لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب اه بلفظه.
فسمى الاجتناب فعلا.
(٩) - الحاكم [٣٥٨٢] حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة أنبأ ثابت عن أنس ﵁ عند قوله عز و جل (وألنا له الحديد أن اعمل سابغات) قال أنس: إن لقمان كان عند داود و هو يسرد الدرع فجعل يفتله هكذا بيده فجعل لقمان يتعجب و يريد أن يسأله و يمنعه
стр. 108
حكمته أن يسأله فلما فرغ منها ضمها على نفسه فقال: نعم درع الحرب هذه. فقال لقمان: الصمت من الحكمة و قليل فاعله كنت أردت أن أسألك فسكت حتى كفيتني اه الصمت ترك الكلام وقليل من يفعل هذا الترك.
(٢٧) باب الدلالة على أن الترك بيان نبوي وتشريع مقصود من حيث الجملة
وقال عمر بن عبد العزيز: فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا اه
(١) - البخاري [٦٨٥٨] حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم اه
فبين أن تركه من حيث الجملة مقصود لا نسيان، كما صرح ﷺ في مناسبات مثل ما روى:
(٢) - مسلم [٢٧٧] حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا أبي حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد ح وحدثني محمد بن حاتم - واللفظ له - حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان قال حدثني علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد ومسح على خفيه فقال له عمر: لقد صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه قال: عمدا صنعته يا عمر اه فبين أنه ترك تجديد الوضوء لكل صلاة عمدا لبيان التشريع.
(٣) - البخاري [٢١٦٨] حدثنا المكي بن إبراهيم حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: كنا جلوسا عند النبي ﷺ إذ أتي بجنازة فقالوا: صل عليها فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: لا، فصلى عليه. ثم أتي بجنازة أخرى فقالوا: يا رسول الله صل عليها، قال: هل عليه دين؟ قيل: نعم قال: فهل ترك شيئا؟ قالوا: ثلاثة دنانير فصلى عليها. ثم أتي بالثالثة فقالوا: صل عليها،
стр. 109
قال: هل ترك شيئا؟ قالوا: لا، قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة صل عليه يا رسول الله وعلي دينه فصلى عليه اه فقصد زجر الناس بالترك.
في الباب غير هذا .. يدل على أن ما تُرك العمل به فالأصل عدم القصد إلى تشريعه.
(٢٨) باب من أخذ بالمتروك لعلمه أن الترك كان لعلة خاصة أو لمانع
(١) - قال إسحاق بن راهويه [المسند ٨٢٧] أخبرنا عبد الله بن الحارث المخزومي نا يونس الأيلي عن الزهري أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ خرج في جوف الليل فصلى في المسجد فصلى الناس وأصبح الناس يتحدثون ذلك. فكثر الناس فخرج عليهم الليلة الثانية فصلى فصلوا بصلاته فأصبحوا يتحدثون ذلك حتى كثر الناس فخرج الليلة الثالثة فصلى فصلوا بصلاته. فأصبحوا يتحدثون ذلك فكثر الناس حتى عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم فطفق الناس يقولون: الصلاة! فلم يخرج إليهم حتى خرج لصلاة الفجر. فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال: أما بعد فإنه لم يخفَ علي شأنكم الليلة ولكني خشيت أن يفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عن ذلك. قال: فكان يرغبهم في قيام الليل من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر ويقول: من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. قال: فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك. ثم كذلك حتى كان في خلافة أبي بكر الصديق وصدرا من خلافة عمر، حتى جمعهم عمر على أبي بن كعب فقام بهم في رمضان. فكان ذلك أول اجتماع الناس على قارئ واحد في رمضان اه رواه الشيخان مفرقا [خ ١٩٠٨/ م ١٢٧١].
فلما زال المانع (خشيتُ أن يفرض عليكم) أخذوا بسنة القيام.
стр. 110
(٢) - مالك [٣٢٤] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأستحبها، وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه [م ٧١٨] فيه دليل على أن الترك حجة مَنْ خالفه خالف السنة، لأنها بينت علة الترك للضحى فأشعرت بأن الترك لمعنى خاص لا يقدح في الأصل، ولو لم يكن عندها الترك معتبرا ما احتاجت أن تبين وجه تركِها التركَ. وإنما نفت المداومة لما روى:
- مسلم [٧١٩] حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا عبد الوارث حدثنا يزيد يعني الرِّشْك حدثتني معاذة أنها سألت عائشة: كم كان رسول الله ﷺ يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات، ويزيد ما شاء اه فأثبتت العمل ونفت الرؤية.
(٣) - مسلم [٣٣٠٩] حدثنا هناد بن السري حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني ابن أبي سليمان عن عطاء قال: لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاها أهل الشام فكان من أمره ما كان تركه ابن الزبير حتى قدم الناس الموسم يريد أن يجرئهم - أو يحربهم - على أهل الشام فلما صدر الناس قال: يا أيها الناس أشيروا علي في الكعبة أنقضها ثم أبني بناءها أو أصلح ما وهى منها. قال ابن عباس: فإني قد فرق لي رأي فيها: أرى أن تصلح ما وهى منها، وتدع بيتا أسلم الناس عليه وأحجارا أسلم الناس عليها، وبعث عليها النبي ﷺ . فقال ابن الزبير: لو كان أحدكم احترق بيته ما رضي حتى يُجِدَّه، فكيف بيت ربكم؟! إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري. فلما مضى الثلاث أجمع رأيه على أن ينقضها، فتحاماه الناس أن ينزل بأول الناس يصعد فيه أمر من السماء، حتى صعده رجل فألقى منه حجارة فلما لم يره الناس أصابه شيء تتابعوا فنقضوه حتى بلغوا به الأرض، فجعل ابن الزبير أعمدة فستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه. وقال ابن الزبير إني سمعت عائشة تقول إن النبي ﷺ قال: لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائه لكنت أدخلت فيه من الحجر خمس أذرع ولجعلت لها بابا يدخل الناس منه وبابا يخرجون منه. قال: فأنا اليوم أجد ما أنفق ولست أخاف الناس. قال: فزاد فيه خمس أذرع من الحجر حتى
стр. 111
أبدى أسا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء وكان طول الكعبة ثماني عشرة ذراعا، فلما زاد فيه استقصره فزاد في طوله عشر أذرع وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه. الحديث.
فعمد ابن الزبير إلى المتروك لعلمه أن الترك كان لمانع زال، وخالفه ابن عباس مستدلا بالترك وأنه الحكمة والأصل.
(٢٩) باب ما يدل على أن من البدع ما يكون من جهة الترك
(١) - البخاري [٥٠٦٣] حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن جعفر أخبرنا حميد بن أبي حميد الطويل أنه سمع أنس بن مالك يقول: جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه ليس من سنته ﷺ التعبد بترك النكاح ونحوه ..
(٢) - البخاري [٦٧٠٤] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ : مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه اه فنهاه عن ترك ما لا يُتعبد بتركه.
(٣) - البخاري [٣٨٣٤] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يَحِل! هذا من عمل الجاهلية! فتكلمت. الحديث. أنكر عليها ترك الكلام تعبدا.
стр. 112
(٣٠) باب الدلالة على وجوب الاتباع في القصد وأن الابتداع قد يكون من جهة النية
وقول الله تعالى (فاتبعوه لعلكم تهتدون) وقال النبي ﷺ " إنما الأعمال بالنيات"
(١) - ابن أبي شيبة [٧٦٣٢] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا! من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل اه
فأمرهم ألا يقصدوا مكانا لم يقصده النبي ﷺ بالعبادة حين صلى فيه.
(٢) - مسلم [١٣١١] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب قالا حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت: نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه
(٣) - البخاري [١٦٧٧] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو عن عطاء عن ابن عباس ﵄ قال: ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله رسول الله ﷺ .
فأنكرا أن يُتعبد بفعل لم يقصد النبي ﷺ التعبد به. فتحروا القصد والاتباع في النية.
(٤) - عبد الرزاق [٧٠٦] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يُذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذاً اه فبالنية تغير الحكم، فصار العمل محدثا.
стр. 113
(٣١) باب المباح الممتن بإباحته لا يتعبد لله بتركه ويتعبد بفعله
وقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) وقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)
(١) - مسلم [٣٤٦٩] حدثني أبو بكر بن نافع العبدي حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه اللحم ونحوه مباح امتن الله على عباده بإباحته لهم، وليس من سنة نبيه ﷺ تركه على وجه التعبد.
(٢) - البخاري [٤٧٨٧] حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا جرير عن إسماعيل عن قيس قال: قال عبد الله كنا نغزو مع رسول الله ﷺ وليس لنا شيء، فقلنا ألا نستخصي؟ فنهانا عن ذلك، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب ثم قرأ علينا (يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) اه
(٣) - البخاري [٦٧٠٤] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينما النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه، فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال النبي ﷺ : مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه اه التظلل ونحوه مما أباح الله على وجه الامتنان، وليس من سنة النبي ﷺ تركه تعبدا.
(٤) - البخاري [١٧٦٦] حدثنا ابن سلام أخبرنا الفزاري عن حميد الطويل قال حدثني ثابت عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ رأى شيخا يهادي بين ابنيه قال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي. قال: إن الله عن تعذيب هذا نفسه لغني وأمره أن يركب.
стр. 114
(٥) - النسائي [٣٢١٦] أخبرنا محمد بن عبد الله الخلنجي قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم قال حدثنا حصين بن نافع المازني قال حدثني الحسن عن سعد بن هشام أنه دخل على أم المؤمنين عائشة قال: قلت إني أريد أن أسألك عن التبتل، فما ترين فيه؟ قالت: فلا تفعل، أما سمعت الله يقول (ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية) فلا تتبتل اه
(٦) - البخاري [٥٦] حدثنا الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره أن رسول الله ﷺ قال: إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك اه فأرشد إلى احتساب الأجر على نفقة العيال ونحوها ..
(٧) - البخاري [٤٠٨٦] حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك عن أبي بردة قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن - فذكر الحديث ثم قال- فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي اه فاحتسب الأجر على النوم.
(٨) - أحمد [١٩٩٤٨] ثنا روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس ثنا أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال أن رسول الله ﷺ قال: من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه اه
فالمباح الذي أمرنا أن نشكر الله عليه عبادة، لم نُتعبد بتركه جملة، فتركه تعبدا بدعة.
(٣٢) باب ما أبيح من جهة الإقرار لا يتعبد لله بفعله ويتعبد بتركه
وقول الله تعالى (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) وقوله سبحانه (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) كانوا يتدينون باللهو واللعب! وقول الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون)
стр. 115
(١) - النسائي [الكبرى ٨٩٤٠] أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال نا محمد بن سلمة الحراني قال نا أبو عبد الرحيم عن عبد الوهاب بن بخت عن عطاء بن أبي رباح قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عمير الأنصاريين يرميان، فمل أحدهما فجلس، فقال الآخر: كسلت؟ سمعت رسول الله ﷺ يقول: كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربعة خصال: مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة اه [الصحيحة ٣١٥] المشي بين الغرضين التبختر عند القتال. فبيَّن ما يمكن أن يُتعبد به من تلك المباحات .. وما سواها لغو وباطل لا أجر فيه، وهذا من جوامع الكلم.
(٣٣) باب ما نهي عنه لمشابهته أهل الكتاب ونحوهم
وقول الله تعالى (غير المغضوب عليهم ولا الضالين)
(١) - قال البخاري [٣٨٣٤] حدثنا أبو النعمان حدثنا أبو عوانة عن بيان أبي بشر عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر على امرأة من أحمس يقال لها زينب، فرآها لا تَكَلَّم، فقال: ما لها لا تكلم؟ قالوا: حجت مُصمِتَةً، قال لها: تكلمي، فإن هذا لا يَحِل! هذا من عمل الجاهلية!
(٢) - ابن أبي شيبة [٩٨٥١] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن وَبَرَةَ بن عبد الرحمن عن خَرَشَةَ بن الْحُرِّ قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجِفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية اه
(٣) - ابن أبي شيبة [٦٥٤٢] حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن أبيه أن عليا رأى قوما يصلون وقد سدلوا، فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم! اه فهرهم موضع مدارسهم.
(٤) - ابن أبي شيبة [٦٥٤٥] حدثنا وكيع قال حدثنا فضيل بن غزوان عن نافع عن ابن عمر أنه كره السدل في الصلاة مخالفة لليهود، وقال: إنهم يسدلون اه
كرهوا سدل اللباس في الصلاة للتشبه، ومن خالفهم من السلف ففي "تحقيق المناط".
стр. 116
(٥) - سعيد بن منصور [اقتضاء الصراط المستقيم ١٢٧] ثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب قال: دخلت مع ابن عمر مسجدا بالجحفة فنظر إلى شرفات، فخرج إلى موضع فصلى فيه ثم قال: لصاحب المسجد: إني رأيت في مسجدك هذا - يعني الشرفات - شبهتها بأنصاب الجاهلية فمر بها أن تكسر اه
(٦) - عبد الرزاق [٩٠٥٣] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: هل بلغك أن النبي ﷺ أو بعض أصحابه كان يستقبل البيت حين يخرج ويدعو؟ قال: لا، ثم أخبرني عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال لبعض من يستقبل البيت كذلك يدعو إذا خرج عند خروجه: لم يصنعون؟ هذا صنيع اليهود في كتابهم، ادعوا في البيت ما بدا لكم ثم اخرجوا اه
(٧) - ابن أبي شيبة [١٣٧١٣] حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: سمعته ورأى رجلا يلتفت إلى الكعبة عند باب المسجد فنهاه وقال: اليهود يفعلون هذا اه
(٣٤) باب الدلالة على أنهم كانوا يفرقون في اتباع السنن بين ما سن فيه حد معلوم وما هو مطلق في العمل
(١) - وقال ابن أبي شيبة [١١٥٦٩] حدثنا وكيع عن إسماعيل عن الشعبي عن علقمة بن قيس أنه قدم من الشام فقال لعبد الله: إني رأيت معاذ بن جبل وأصحابه بالشام يكبرون على الجنائز خمسا فوقتوا لنا وقتا نتابعكم عليه. قال فأطرق عبد الله ساعة ثم قال: كبروا ما كبر إمامكم، لا وقت ولا عدد اه
(٢) - ابن أبي شيبة [١١٤٨٨] حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن سعيد بن المسيب والشعبي قالا: ليس على الميت دعاء موقت اه
(٣) - ابن أبي شيبة [١١٤٩٢] حدثنا غندر عن شعبة عن أبي سلمة قال: سمعت الشعبي يقول في الصلاة على الميت ليس فيه شيء موقت اه
(٤) - عبد الرزاق [٦٤٣٥] عن الثوري عن منصور قال قلت لإبراهيم: على الميت شيء موقت؟ قال: لا أعلمه. ابن أبي شيبة [١١٤٨٧] حدثنا حفص بن غياث
стр. 117
عن الأعمش عن إبراهيم قال: ليس في الصلاة على الميت دعاء موقت، فادع بما شئت اه
(٥) - ابن أبي شيبة [١١٤٨٩] حدثنا غندر عن عمران بن حدير قال: سألت محمدا عن الصلاة على الميت، فقال: ما نعلم له شيئا موقتا، ادع بأحسن ما تعلم اه
(٦) - ابن أبي شيبة [١١٤٩٠] حدثنا معتمر بن سليمان عن إسحاق بن سويد عن بكر بن عبد الله قال: ليس في الصلاة على الميت شيء موقت اه
(٧) - ابن أبي شيبة [٦٩٦٦] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: ليس في قنوت الوتر شيء مؤقت، إنما هو دعاء واستغفار اه
(٨) - ابن أبي شيبة [٨٩٣٤] حدثنا جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال: ليس فيه شيء موقت اه يعني في الذكر بين السجدتين في الصلاة.
(٩) - عبد الرزاق [١٢٠٤] عن ابن جريج قال قلت لعطاء: هل للحائض من غسل معلوم قال: لا إلا أن تنقي، تغرف على رأسها ثلاث غرفات أو تزيد. فإن الحيضة أشد من الجنابة اه
(١٠) - ابن أبي شيبة [١٤٧١٣] حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج عن عطاء قال: لم نسمع على الصفا والمروة دعاء موقتا اه
(١١) - ابن أبي شيبة [١٤٧١٤] حدثنا أبو عامر العقدي عن أفلح عن القاسم قال: ليس عليهما دعاء موقت فادع بما شئت، وسل ما شئت اه
(١٢) - ابن أبي شيبة [١٤٧١٥] حدثنا أبو داود الطيالسي عن معاذ بن العلاء قال: سمعت عكرمة بن خالد المخزومي يقول: لا أعلم على الصفا والمروة دعاء موقتا اه
(١٣) - ابن أبي شيبة [١٤٢١٨] حدثنا أبو خالد عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: في الجمرة شيء موقت لا يزاد عليه؟ قال: لا، إلا قول جابر اه
في الباب منه كثير، يدل على أنهم كانوا يتحرون في اتباع السنن الفرق بين ما جعل له حد معلوم يداوم عليه، وما ليس كذلك، ولا يرون الوجهين سواء.
стр. 118
(٣٥) باب ما ذموه من جهة المواظبة عليه
(١) - أحمد [٨٧٩٠] حدثنا سريج قال ثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني اه "عيدا" تعتادون ذلك.
عبد الله بن نافع هو الصائغ المدني صحيح الكتاب وهذا الحديث عرضه عليه أحمد بن صالح قراءة، قال أبو داود [٢٠٤٢] حدثنا أحمد بن صالح قرأت على عبد الله بن نافع قال أخبرني ابن أبي ذئب فذكره. وهو إسناد مدني، وحديث يخص قبر رسول الله ﷺ يحتاجه أهل المدينة جيران النبي خاصة. فمثله مما تنصرف هممهم إلى حفظه، وكان العمل عليه، مع ما عرف من حالهم من إقلال الرواية. فنهى النبي ﷺ فيه عن المواظبة وأثبت الجواز.
(٢) - البخاري [١١٢٨] حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن الحسين عن ابن بريدة قال حدثني عبد الله المزني عن النبي ﷺ قال: صلوا قبل صلاة المغرب. قال في الثالثة: لمن شاء كراهية أن يتخذها الناس سنة اه أي عادة جارية يواظَب عليها، فالمواظبة على ما هذا بابه مذمومة.
(٣) - ابن أبي شيبة [٧٦٣٢] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المعرور بن سويد قال: خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل) و (لإيلاف قريش) فلما قضى حجه ورجع والناس يبتدرون فقال: ما هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله ﷺ فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بيعا! من عرضت له منكم فيه الصلاة فليصل، ومن لم تعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل اه أي لئلا يتخذ مكانا تعتاد فيه الصلاة.
(٤) - عبد الرزاق [٧٨٥٤] عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتخذ عيدا اه
(٥) - عبد الرزاق [٧٨٥٥] عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن
стр. 119
صيام الشهر كاملا، ويقول ليصمه إلا أياما، وكان ينهى عن إفراد اليوم كلما مر به، وعن صيام الأيام المعلومة، وكان يقول: لا يصم صياما معلوما اه
- ابن أبي شيبة [٩٣٤٤] حدثنا محمد بن بكر عن ابن جريج عن عطاء قال: كان ابن عباس ينهى عن افتراد اليوم كل ما مر بالإنسان وعن صيام الأيام المعلومة وكان ينهى عن صيام الأشهر لا يُخطأن اه
- ابن أبي شيبة [٩٣٢٩] حدثنا أسباط بن محمد ويزيد بن هارون عن هشام عن عكرمة عن ابن عباس أنه سئل عن صوم يوم الاثنين والخميس. فقال: يكره أن يوقت يوما يصومه. قال ابن أبي شيبة: إلا أنَّ يزيدَ قال: ينصب يوما إذا جاء ذلك اليوم صامه اه
(٦) - عبد الرزاق [٨٠٢٢] عن ابن جريج عن عطاء أن عائشة نذرت جوارا في جوف ثبير، مما يلي منى، قلت: فقد جاورَتْ؟ قال: أجل. وقد كان عبد الرحمن بن أبي بكر نهاها أن تجاور خشية أن يتخذ سنة، فقالت عائشة: حاجة كانت في نفسي اه
(٧) - ابن أبي شيبة [١٦٠٨] حدثنا وكيع عن الأعمش عن إبراهيم قال: إنما كانوا يكرهون المنديل بعد الوضوء مخافة العادة اه
رواه أبو داود [٢٤٥] عن الأعمش وقال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: كانوا لا يرون بالمنديل بأسا، ولكن كانوا يكرهون العادة اه
(٨) - ابن أبي شيبة [٩٣٤٥] حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يفرضوا على أنفسهم شيئا لم يفترض عليهم اه ذَكَره في "من كره أن يصوم يوما يُوَقِّته، أو شهرا يوقته، أو يقوم ليلة يوقتها" من كتاب الصيام.
(٩) - ابن أبي شيبة [٩٣٥٠] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان، ولا تصوموا يوما واحدا من الجمعة فتتخذونه عيدا إلا أن تصوموا قبله أو بعده يوما اه
(١٠) - عبد الرزاق [٥٢٧٢] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أرى الأئمة إذا نزلوا على المنبر استلموا الركن قبل أن يأتوا المقام، أبلغك فيه شيء؟ قال: لا. قلت: أتستحبه؟ قال: لا، إلا أن استلام الركن ما أكثرت منه فهو خير اه فلم يستحبه ما دام مقيدا راتبا للجمعة، وبَيَّن أنه ما كان مطلقا فأكثر ما شئت.
стр. 120
(٣٦) باب ما واظبوا عليه للعلم أن ذلك مقصود للشرع وكان الترك لمانع
وقال رسول الله ﷺ لعبد الله بن عمرو: يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فترك قيام الليل. [خ ١١٥٢ م ١١٥٩] وقال رسول الله ﷺ : من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كأنما قرأه من الليل. [م ٧٤٧] وكان آل محمد ﷺ إذا عملوا عملا أثبتوه [م ٧٨٢].
(١) - البخاري [١٩٨٧] حدثنا مسدَّد حدثنا يحيى عن سفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قلت لعائشة ﵂: هل كان رسول الله ﷺ يختص من الأيام شيئا؟ قالت لا، كان عمله ديمة. وأيكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟ [م ٧٨٣]
فبينت أن الدوام هو في عدم اتخاذ يوم مخصوص بالعمل.
- البخاري [١٩٦٩] حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم. فما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر إلا رمضان وما رأيته أكثر صياما منه في شعبان اه
(٢) - مالك [٥١٩] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصلي سبحة الضحى قط وإني لأستحبها وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه [م ٧١٨]
فالدوام مقصود للشرع، فإذا كان العمل موقتا في السُّنة داوم العبد عليه كذلك. وإن كان غير موقت داوم العبد عليه بالفعل والترك من غير توقيت زمان أو مكان أو صفة.
(٣٧) باب ما ذموه من العمل المطلق إذا كان يضاهي السنة
وقول الله تعالى (إنما النسي زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله)
(١) - ابن حبان [٢٤٢٩] أخبرنا الحسن بن سفيان قال حدثنا حرملة حدثنا ابن
стр. 121
وهب حدثني سليمان بن بلال عن صالح بن كيسان عن عبد الله بن الفضل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا توتروا بثلاث، أوتروا بخمس، أو بسبع، ولا تشبهوا بصلاة المغرب اه فنهى عن التنفل بما يشبه الفريضة.
(٢) - عبد الرزاق [٩١٦٤] عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن ابن المسيب قال بينا عمر في نعم من نعم الصدقة مر به رجلان فقال من أين جئتما قالا من بيت المقدس فعلاهما ضربا بالدرة وقال: حج كحج البيت! قالا: يا أمير المؤمنين إنا جئنا من أرض كذا وكذا فمررنا به فصلينا فيه. فقال: كذلك إذاً، فتركهما. الفاكهي [أخبار مكة ١١٥٣] حدثنا محمد بن أبي عمر قال ثنا سفيان عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن المسيب قال: بينا عمر بن الخطاب ﵁ يقسم نعما من نعم الصدقة إذ مر به رجلان فقال: من أين أقبلتما؟ فقالا: من بيت المقدس، فعلاهما بالدرة ضربا وقال: أحجا كحج البيت؟ فقالا: إنا كنا مجتازين اه
(٣) - البيهقي [١٤٩٨١] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس الدوري حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو جعفر الخطمي عن محمد بن كعب قال: دعي عبد الله بن يزيد إلى طعام فلما جاء رأى البيت منجدا فقعد خارجا وبكى. قال فقيل له: ما يبكيك؟! قال: كان رسول الله ﷺ إذا شيع جيشا فبلغ عقبة الوداع قال: أستودع الله دينكم وأماناتكم وخواتيم أعمالكم. قال: فرأى رجلا ذات يوم قد رقع بردة له بقطعة قال: فاستقبل مطلع الشمس وقال هكذا ومد يديه ومد عفان يديه وقال: تطالعت عليكم الدنيا ثلاث مرات - أي أقبلت - حتى ظننا أن يقع علينا ثم قال: أنتم اليوم خير أم إذا غدت عليكم قصعة وراحت أخرى ويغدو أحدكم في حلة ويروح في أخرى وتسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ فقال عبد الله بن يزيد: أفلا أبكى وقد بقيت حتى تسترون بيوتكم كما تستر الكعبة؟ اه فكره ستر البيت مضاهاة للكعبة.
стр. 122
(٤) - ابن أبي شيبة [٩٣٥٠] حدثنا عبيد الله بن موسى عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه فنهى عن مشابهة الفريضة حفاظا عليها.
(٥) - ابن أبي شيبة [٣٦٢٤١] حدثنا حسين بن علي عن جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن أناسا من الناس التمسوا الدنيا بعمل الآخرة، وإن أناسا من القصاص قد أحدثوا من الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عِدْلَ صلاتهم على النبي ﷺ فإذا أتاك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبي ﷺ وعلى النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة، ويدعوا ما سوى ذلك اه صلاتهم على خلفائهم أي دعاؤهم لأمرائهم في الخطب والقصص. حسنه الحافظ ابن كثير تحت الآية (صلوا عليه) [الأحزاب ٥٦] وابن حجر في الفتح تحت الحديث [٤٤٢٤] وصححه الشيخ الألباني في تحقيق "فضل الصلاة على النبي ﷺ " للقاضي إسماعيل [٧٦] (١).
(٦) - عبد الرزاق [٨١٢٢] أخبرنا معمر عن قتادة قال: قال عدي بن أرطأة للحسن: ألا تخرج بالناس فتعرف بهم؟ وذلك بالبصرة، فقال الحسن: إنما المعرف بعرفة اه كره أن يضاهي السنة بعمل مطلق.
(٧) - ابن أبي شيبة [٦٠٢٤] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يعدون من السنة أربعا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء وركعتين قبل الفجر. قال إبراهيم: وكانوا يستحبون ركعتين قبل العصر، إلا أنهم لم يكونوا يعدونها من السنة اه [عبد الرزاق ٤٨٣٠] ففرق بين السنة التي يواظب عليها والمستحب الذي لا يعمل إلا المرة بعد المرة. فتبين أن المضاهاة للعمل المشروع في السنة علة موجبة للمنع، والمستحب ليس كالسنة.
стр. 123
(٣٨) باب ما ذموه لإظهاره مما السنة الجارية إخفاؤه
(١) - الطبراني [٩٤٦٢] حدثنا محمد بن النضر الأزدي ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن الأعمش عن مسلم عن مسروق قال: كنا إذا قام عبد الله نجلس بعده فنُثَبّت الناس في القراءة فإذا قمنا صلينا. فبلغه ذلك فدخلنا عليه فقال: أتحملون الناس ما لا يحملوا، يرونكم فيحسبون أنها سنة. إن كنتم لا بد فاعلين ففي بيوتكم اه [ش ٧٨٦١] هذا له صلة بالباب قبله، وعبد الله لم يكن يرى صلاة الضحى شيئا مؤقتا، إلا أن يصلي الرجل صلاة غير ديمة.
(٢) - ابن أبي شيبة [٣٦٦١] حدثنا عبد الأعلى عن داود عن الشعبي أن سعيد بن العاص صلى بالناس الظهر - أو العصر - فجهر بالقراءة فسبح القوم، فمضى في قراءته، فلما فرغ صعد المنبر فخطب الناس، فقال: في كل صلاة قراءة، وإن صلاة النهار تخرس، وإني كرهت أن أسكت، فلا ترون أني فعلت ذلك بدعة! اه رواه البيهقي [٣٦٨٢] من طريق عبد الوهاب بن عطاء ثنا داود بن أبي هند به ولفظه: قال: إن في كل صلاة قراءة، وما حملني على ذلك خلاف السنة ولكني قرأت ناسيا فكرهت أن أقطع القراءة. ورواه ابن المنذر [١٦٨٧] حدثنا علي بن عبد العزيز قال ثنا حجاج بن منهال قال ثنا حماد عن داود عن الشعبي أن سعيد بن العاص جهر في صلاة الظهر أو العصر، فمضى في جهره فلما قضى صلاته قال: إني كرهت أن أخفي القرآن بعدما جهرت به اه المعنى والله أعلم: ما جهرت لاعتقاد أنه سنة النهار فيكون بدعة، ولكن سهوا. فالشاهد أنه سمى إظهار ما السنة الجارية إخفاؤه بدعة يبرأ منها.
(٣) - ابن أبي شيبة [٤١٦١] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال: جهر الإمام ببسم الله الرحمن الرحيم بدعة اه
(٤) - مسدَّد بن مسرهد [إتحاف الخيرة ١٧٠٢] ثنا أبو عوانة عن مغيرة قال: قلت لإبراهيم: أصلي بالنهار في مسجد قومي فأرفع صوتي؟ قال: ذلك بدعة اه
(٥) - ابن أبي شيبة [٣٤١٠٥] حدثنا وكيع قال: حدثنا شعبة عن أبي المعلى عن سعيد بن جبير أنه كره رفع الصوت عند القتال، وعند قراءة القرآن، وعند الجنائز اه
стр. 124
في الباب غير هذا يدل على أن ما كان في السنة الجارية إخفاؤه من الأقوال والأعمال لم يصلح أن يجعل ظاهرا.
(٣٩) باب ما ذموه من العمل الثابت خشية وقوع الناس في المخالفة مآلا
(١) - الطحاوي [معاني الآثار ١٨٣١] حدثنا أبو بكرة قال ثنا أبو داود قال ثنا عبيد الله بن إياد بن لقيط عن إياد بن لقيط عن البراء بن عازب قال: بعثني سلمان بن ربيعة بريدا إلى عمر بن الخطاب في حاجة له فقدمت عليه فقال لي: لا تصلوا بعد العصر، فإني أخاف عليكم أن تتركوها إلى غيرها اه أي أن تتمادوا إلى وقت النهي الأصلي. ونهي عمر عن الركعتين بعد العصر للذريعة مشهور.
(٢) - ابن أبي شيبة [٦٠٥١] حدثنا أبو معاوية وابن إدريس عن الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مسهر عن خرشةَ قال: كان عمر يكره أن يصلَّى خلف صلاة مثلُها اه
(٣) - ابن أبي شيبة [٦٠٥٢] حدثنا ابن إدريس عن حصين عن إبراهيم والشعبي قالا: قال عبد الله: لا يصلَّى على إثر صلاة مثلها اه أي حتى لا يزاد في الفريضة مع الزمان.
(٤) - البخاري [٤٧٠٢] حدثنا موسى حدثنا إبراهيم حدثنا ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق اه
стр. 125
(٥) - مالك [٦٧٧] عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما مُنِعَه نساء بني إسرائيل. قال يحيى بن سعيد فقلت لعمرة: أوَ مُنع نساء بني إسرائيل المساجد؟ قالت: نعم اه [خ ٨٣١/ ١٠٢٧]
(٦) - ابن أبي شيبة [٩٨١٧] حدثنا حسين بن علي عن أبي موسى عن الحسن قال: إذا ذكر عنده الستة الأيام التي يصومها بعض الناس بعد رمضان تطوعا قال: يقول: لقد رضي الله بهذا الشهر للسنة كلها اه يريد شهر رمضان. رواه الترمذي تحت الحديث [٧٥٩] فقال ثنا هناد أخبرنا الحسين بن علي الجعفي عن إسرائيل أبي موسى عن الحسن البصري فذكره. خشي أن يرى الناس أن رمضان لا يفي بما قصدوا إليه حتى يتبع بست من شوال.
(٤٠) باب من كره تخصيص يوم بعمل يظن فيه الفضل على غيره من الأيام
(١) - مسلم [٢٧٤٠] حدثني أبو كريب حدثنا حسين يعني الجعفي عن زائدة عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم اه
(٢) - ابن أبي شيبة [٩٨٥١] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن وَبَرَةَ بن عبد الرحمن عن خَرَشَةَ بن الحر قال: رأيت عمر يضرب أكف الناس في رجب حتى يضعوها في الجِفان ويقول: كلوا فإنما هو شهر كان يعظمه أهل الجاهلية اه نهاهم عن تعظيم ما لم يعظم في السُّنَّة، وتخصيصه بعمل.
(٣) - مسلم [٢٧٠٧] حدثني محمد بن حاتم حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال: دخل الأشعث بن قيس على ابن مسعود وهو يأكل يوم عاشوراء فقال: يا أبا عبد الرحمن إن اليوم يوم عاشوراء! فقال: قد كان يصام قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل رمضان ترك، فإن كنت مفطرا فاطعم اه
стр. 126
رواه الأعمش عن عمارة عن عبد الرحمن بن يزيد قال دخل الأشعث بن قيس على عبد الله وهو يتغدى فقال: يا أبا محمد ادن إلى الغداء. فقال: أوليس اليوم يوم عاشوراء؟! قال: وهل تدري ما يوم عاشوراء؟ قال: وما هو؟ قال: إنما هو يوم كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك اه [م ٢٧٠٤]
أي ترك الأمر بتعاهده وتخصيصه وصار يوما من الأيام كما روى:
- مسلم [٢٧٠٨] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبيد الله بن موسى أخبرنا شيبان عن أشعث بن أبي الشعثاء عن جعفر بن أبي ثور عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا ولم يتعاهدنا عنده اه زاد ابن خزيمة [٢٠٨٣] "وكنا نفعله".
هذا يدل على أن الأحاديث المؤكدة لصومه وفضله كانت قبل فرض رمضان، فلما نزل رمضان كان عاشوراء يوما من أيام الله لا مزية له على غيره كما روى:
- مسلم [٢٦٩٨] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير ح و حدثنا ابن نمير واللفظ له حدثنا أبي حدثنا عبيد الله عن نافع أخبرني عبد الله بن عمر ﵄ أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء وأن رسول الله ﷺ صامه والمسلمون قبل أن يفترض رمضان، فلما افترض رمضان قال رسول الله ﷺ : إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه اه وفي لفظ له: وكان عبد الله ﵁ لا يصومه إلا أن يوافق صيامه اه [م ٢٧٠١]
ففهم أنه يوم كسائر الأيام. وعلى هذا القول يحمل صوم النبي ﷺ ذلك اليوم في خاصة نفسه على قاعدة الدوام أنه كان إذا عمل عملا أثبته كالركعتين بعد العصر [م ١٩٧١]. وليس المعنى أن يُنهى عنه، ولكن ألا يتعاهد عليه كما يفعل في يوم له فضل في السُّنة.
ومن خالفهم من الصحابة كابن عباس فلأنه فهم من صوم النبي ﷺ أن الفضل مستمر. فعلى هذا القول يحتمل أن يكون قول النبي ﷺ : " يوم من أيام الله " مثل قول
стр. 127
الله تعالى (وذكرهم بأيام الله) [إبراهيم ٥] فأمر بصومه من غير إيجاب. فمن صامه بقي على الأمر الأول وتأسى بالاستمرار، ومن تركه تنبه إلى منهج التشريع (١). والقصد هنا ملحظ ابن مسعود ومن وافقه. والله أعلم. وقد يكون ملحظ ابن مسعود من معنى الباب بعده:
(٤١) باب إذا اشتبه المستحب بالواجب أو المباح بالمستحب فالسنة تركه للبيان
(١) - البيهقي [ك ١٩٥٠٧] أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد المصري حدثنا ابن أبي مريم حدثنا الفريابي حدثنا سفيان عن أبيه ومطرف وإسماعيل عن الشعبي عن أبي سريحة الغفاري قال: أدركت أبا بكر أو رأيت أبا بكر وعمر ﵄ لا يضحيان. في بعض حديثهم: كراهية أن يقتدى بهما اه أي حتى لا يظن الناس أنها واجبة.
(٢) - مالك [٧٠١] عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب قرأ سجدة وهو على المنبر يوم الجمعة فنزل فسجد وسجد الناس معه. ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء،
стр. 128
فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا اه
فبين بالترك أن المستحب ليس بواجب.
(٣) - عبد الرزاق [١٤٤٨] عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه أنه اعتمر مع عمر بن الخطاب في ركب فيهم عمرو بن العاص فعرس قريبا من بعض المياه، فاحتلم فاستيقظ وقد أصبح فلم يجد في الركب ماء، فركب وكان الرفع حتى جاء الماء. فجلس على الماء يغسل ما في ثوبه من الاحتلام، فلما أسفر قال له عمرو بن العاص: أصبحت دع ثوبك يغسل والبس بعض ثيابنا، فقال: واعجبا لك يا عمرو! لئن كنت تجد الثياب أفكل المسلمين يجدون الثياب؟ فوالله لو فعلتها لكانت سنة بل أغسل ما رأيت وأنضح ما لم أر.
(٤) - مالك [١١٦٤] عن نافع أنه سمع أسلم مولى عمر بن الخطاب يحدث عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبا مصبوغا وهو محرم فقال عمر: ما هذا الثوب المصبوغ يا طلحة؟! فقال طلحة: يا أمير المؤمنين إنما هو مدر! فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدي بكم الناس فلو أن رجلا جاهلا رأى هذا الثوب لقال: إن طلحة بن عبيد الله كان يلبس الثياب المصبغة في الإحرام. فلا تلبسوا أيها الرهط شيئا من هذه الثياب المصبغة اه
(٥) - عبد الرزاق [٨١٤٨] عن الثوري عن منصور عن أبي وائل عن عقبة بن عمرو قال: لقد هممت أن أدع الأضحية وإني لمن أيسركم بها مخافة أن يُحسب أنها حتم واجب اه
(٦) - الطبري [تهذيب الآثار ٦٧٠] حدثني الحسين بن محمد الذارع حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن معاذ بن العلاء عن نافع قال: رأيت ابن عمر يدعو بالماء يوم عاشوراء من غير ظمأ اه
(٧) - النسائي [ك ٢٨٢١] أنبأ يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا يحيى عن ابن جريج قال أخبرني عطاء عن ابن عباس أنه دعا أخاه عبيد الله يوم عرفة إلى طعام فقال: إني صائم فقال: إنكم أهل بيت يقتدى بكم! رأيت رسول الله ﷺ أتي بحلاب بلبن في هذا اليوم فشرب اه فنهاه حتى لا يُظن أن الصوم سنة ذلك اليوم.
стр. 129
(٨) - ابن أبي شيبة [٩٤٦٦] حدثنا الفضل بن دكين عن عمر بن الوليد قال: سئل عكرمة عن صيام يوم عاشوراء ويوم عرفة؟ فقال: لا يصلح لرجل يصوم يوما يرى أنه عليه واجب إلا رمضان اه
فاعتقاد المباح ندبا أو المستحب فرضا .. ممنوع حفظا لحدود السنة، والسنة ترك ذلك أحيانا حتى لا ينشأ من يظن أن المندوب فرض أو المباح مندوب ..
(٤٢) باب ما ذموه من معقول المعنى إذا قصد به التعبد
(١) - مالك [٥٨٥] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان أنه قال: كنت أصلي وعبد الله بن عمر مسند ظهره إلى جدار القبلة، فلما قضيت صلاتي انصرفت إليه من قبل شقي الأيسر، فقال عبد الله بن عمر: ما منعك أن تنصرف عن يمينك؟ قال فقلت: رأيتك فانصرفت إليك. قال عبد الله: فإنك قد أصبت، إن قائلا يقول: انصرف عن يمينك! فإذا كنت تصلي فانصرف حيث شئت، إن شئت عن يمينك، وإن شئت عن يسارك اه
(٢) - عبد الرزاق [٧٠٦] عن ابن جريج قال: سئل عطاء عن المنديل المهدب أيمسح الرجل به الماء؟ فأبى أن يرخص فيه، وقال: هو شيء أحدث. قلت: أرأيت إن كنت أريد أن يذهب المنديل عني برد الماء؟ قال: فلا بأس به إذا ًاه
- ابن أبي شيبة [١٥٩٦] ثنا عباد بن العوام عن عبد الملك عن عطاء أنه كان يكرهه ويقول: أحدثتم المناديل اه
(٣) - عبد الرزاق [٥٠٩١] عن ابن جريج قال عن عطاء قال: إذا وضعت المرأة على رأسها شعرا بغير وصل قال: فلتضعه إذا قامت للصلاة فإنه محدث.
- عبد الرزاق [٥٠٩٠] عن ابن جريج قال: سألت عطاء عن الشعر الذي يوصل في الرأس والوحا في الشعر الذي يجعل على الرأس فإن شاءت المرأة وضعت على رأسها قال: أما الوصل فإن رسول الله ﷺ لعن الواصلة والمستوصلة، قال أنس حينئذ: وآكل الربا وموكله والشاهد والكاتب والواشمة والمستوشمة والعاضهة والمستعضهة، قال عطاء: قد سمعنا ذلك، قال: وكن نساء العرب يشمن أيديهن قال:
стр. 130
وأما هاتين فهو شيء أحدثتموه، ولكن لم يكن على عهد النبي ﷺ فلتضعه المرأة عند الصلاة اه
(٤) - عبد الرزاق [٦١٩٧] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: ماذا بلغك أنه يستحب من كفن الميت؟ قال: البياض أدناه، قلت: إني أرى الناس قد علقوا القباطي قال: محدث، وأين القباطي من ذلك الزمان؟ أَرَهْوًا حياً؟ وزَهْوًا ميتا اه القباطي ثياب كتان تجلب من القبط. يريد: عليكم بالأدنى غير الفاخر فإنه محدث. قرينة التعبد في قوله: "يستحب".
(٥) - ابن أبي شيبة [٤٠٥٧] حدثنا عبدة عن سعيد عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال: الصلاة على الطنفسة محدث اه
(٦) - ابن أبي شيبة [٢٨٠٨] نا الثقفي عن أيوب عن محمد قال: السجود على الوسادة محدث اه
(٧) - ابن الجعد [٦٦٦] أنا شعبة عن المغيرة عن إبراهيم أنه كره الصلاة في المنديل اه
استعمال الوسادة والمنديل مباح أصلا، بدعة ما دام اقترن بعبادة.
(٨) - ابن أبي شيبة [١١٧٥٩] ثنا غندر عن شعبة عن ابن أبي عروبة عن أيوب عن أبي قلابة قال: والله إن قيامهم على القبر لبدعة حتى توضع في قبرها إذا صلي عليها اه ذكره في "من كره القيام على القبر حتى يدفن". ورواه معمر [عبد الرزاق ٦٣٤٥] عن أيوب سمعت أبا قلابة فذكره.
(٩) - الطبري [تهذيب الآثار ٢٥٧] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها، فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه ما اقترن بالدفن ونحوه، فيه قرينة التعبد بالاعتبار والدعاء ونحوه.
(١٠) - عبد الرزاق [٦٢٩٦] عن الثوري عن أبي حيان عن الشعبي قال: خروج النساء على الجنائز بدعة اه معنى التعبد في قصد تشييع الميت والاعتبار.
стр. 131
(٤٣) باب ما استثنوه من معقول المعنى في التعبد
(١) - قال البخاري [٤٦٧٩] حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري قال أخبرني ابن السباق أن زيد بن ثابت الأنصاري ﵁ وكان ممن يكتب الوحي- قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، وعنده عمر، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهب كثير من القرآن، إلا أن تجمعوه، وإني لأرى أن تجمع القرآن. قال أبو بكر: قلت لعمر: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: هو والله خير، فلم يزل عمر يراجعني فيه حتى شرح الله لذلك صدري، ورأيت الذي رأى عمر، قال زيد بن ثابت: وعمر عنده جالس لا يتكلم، فقال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل ولا نتهمك، كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فقال أبو بكر: هو والله خير، فلم أزل أراجعه حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر. الحديث.
جمع القرآن في مصحف جامع لم يكن ليشرع عندهم لولا حدوث الداعي: " إن القتل قد استحر يوم اليمامة بالناس". فتوقفهم أولا هو الأصل، وذكرهم السبب في القبول مشعر بالتعليل. فرأوا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لأجل تحقيقه القصد، وعدم وجود قرينة تدل على تعمد النبي ﷺ تركه.
(٢) - البخاري [٩١٢] حدثنا آدم قال حدثنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة، أوله إذا جلس الإمام على المنبر، على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث على الزوراء اه
زاده في الجمعة لأنه رآه مقصودا بخلاف العيد لم يناد له لعلمه أن التنادي غير مقصود، وقد تمهد أن أفعالهم تدل على مقاصد الشريعة. وقد كانوا في عهد النبي ﷺ إذا أرادوا جمع الناس نادوا: "الصلاة جامعة" [م ٢٩٤٢]، فزاد ما له أصل عملي مما
стр. 132
عقل معناه، وحدث الداعي الذي لم يكن. ولو كان زاده لأنه " بدعة حسنة " لجعله في الأمصار مكة والشام واليمن ومصر .. لكنه مما احتاجه أهل المدينة فسنه لهم خاصة.
وروى ابن أبي شيبة [٥٤٣٦] حدثنا شَبَّابة قال حدثنا هشام بن الغاز عن نافع عن ابن عمر قال: الأذان الأول يوم الجمعة بدعة اه
- وكيع [أحكام القرآن للجصاص ٥/ ٣٣٦] ثنا هشام بن الغاز قال: سألت نافعاً عن الأذان يوم الجمعة؟ فقال: قال ابن عمر: بدعةٌ، وكل بدعة ضلالة، وإن رآه الناس حسناً اه
أنكر ما أحدثت الأمراء بعدُ لما جعلوه سنة في سائر الأمصار. والله أعلم.
وقد ذهب عطاء إلى أن هذا الأذان نداء مثل قولهم "الصلاة جامعة" لا أذان، رواه عبد الرزاق [٥٣٤٠] عن ابن جريج قال: قال سليمان بن موسى: أول من زاد الأذان بالمدينة عثمان. قال عطاء: كلا إنما كان يدعو الناس دعاء، ولا يؤذن غير أذان واحد اه عطاء عن عثمان مرسل.
الحاصل أنهم منعوا وسائل اقترنت بالتعبد في الباب قبل هذا، وأخذوا بوسائل في هذا الباب. وإنما ترخصوا في ما حدثت الحاجة إلى الأخذ به بعد أن لم تكن وعلموا أنه جار على قصد الشرع.
(٤٤) باب ما يجوز من الاجتهاد في أحكام القربات الثابتة عند الحاجة لا لاختراع عبادة
وقول الله تعالى في صيد المحرم (أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره) وقول النبي ﷺ : لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه، فإن غم عليكم فاقدروا له اه
(١) - قال البخاري [٤١١٩] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا
стр. 133
نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم اه هذا اجتهاد في معرفة القصد.
(٢) - عبد الرزاق [٧٣٩٢] عن ابن جريج قال حدثني زيد بن أسلم عن أبيه قال: أفطر الناس في شهر رمضان في يوم مغيم، ثم نظر ناظر فإذا الشمس، فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا، نقضي يوما اه رواية القضاء أصح، رواتها أفقه ممن خالفهم وأكثر، والله أعلم. [هق ٤/ ٢١٧] [إعلام الموقعين ٢/ ٤٦]. هذا اجتهاد في العمل بالأمر الشرعي.
(٣) - البخاري [١٤٥٨] حدثني علي بن مسلم حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المِصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنا، وهو جَوْرٌ عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنا شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحد لهم ذات عِرق اه وهذا اجتهاد عند نازلة لم تكن.
فإنما اجتهدوا في ضبط أحكام القربات الثابتة في السنة عند الحاجة، ولم يخترعوا ما لم يكن.
(٤٥) باب ما جاء في عموم الدين والسنة أمورَ العادات
لقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فدخل فيه الحياة كلها بعاداتها. (في دين المَلِك) في حكم الملك.
(١) - البخاري [الأدب المفرد ٢٧٣] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح السمان عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: إنما بعثت لأتمم صالحي الأخلاق اه صالح الأخلاق أي صالح الأديان [مشكل الآثار ١١/ ٥٣] فإصلاح العادات من مهمات الدين.
(٢) - مسلم [٣٤٦٩] حدثني أبو بكر بن نافع العبدي حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ سألوا أزواج النبي ﷺ عن
стр. 134
عمله في السر فقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه. فقال: ما بال أقوام قالوا كذا وكذا! لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني اه فأمور العادات ونحوها هي من السنة التي جاء بها ﷺ .
(٣) - مسلم [٦٣٠] حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش ومنصور عن إبراهيم عن عبد الرحمن بن يزيد عن سلمان قال: قال لنا المشركون: إني أرى صاحبكم يعلمكم حتى يعلمكم الخراءة! فقال: أجل إنه نهانا أن يستنجي أحدنا بيمينه، أو يستقبل القبلة، ونهى عن الروث والعظام، وقال: لا يستنجي أحدكم بدون ثلاثة أحجار اه
(٤) - الترمذي [٤٨٧] حدثنا عباس العنبري حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك بن أنس عن العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده قال: قال عمر بن الخطاب: لا يبع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين اه فأمور البيع والأسواق هي من الدين الذي وجب التفقه فيه.
(٤٦) باب ما استشار فيه النبي أصحابه من أمور العادات فهو بيان بأن السنة فيه الاجتهاد للحاجة
(١) - مسلم [٦٢٧٧] حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد كلاهما عن الأسود بن عامر قال أبو بكر حدثنا أسود بن عامر حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وعن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح. قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟! قالوا: قلتَ كذا وكذا! قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم اه
إنما معنى قول النبي ﷺ : " لو لم تفعلوا لصلح " ظن رآه لا إخبار عن حكم في الدين، كما روى عكرمة وسماك بن حرب وقد تتابعا على المعنى:
- مسلم [٦٢٧٦] حدثنا عبد الله بن الرومي اليمامي وعباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالوا حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة وهو ابن عمار
стр. 135
حدثنا أبو النجاشي حدثني رافع بن خديج قال: قدم نبي الله ﷺ المدينة وهم يأبرون النخل - يقولون يلقحون النخل - فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كنا نصنعه. قال: لعلكم لو لم تفعلوا كان خيرا. فتركوه، فنفضت - أو فنقصت - قال: فذكروا ذلك له فقال: إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر. قال عكرمة: أو نحو هذا. قال المعقري فنفضت. ولم يشك اه
- مسلم [٦٢٧٥] حدثنا قتيبة بن سعيد الثقفي وأبو كامل الجحدري - وتقاربا في اللفظ وهذا حديث قتيبة - قالا حدثنا أبو عوانة عن سماك عن موسى بن طلحة عن أبيه قال مررت مع رسول الله ﷺ بقوم على رءوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح. فقال رسول الله ﷺ : ما أظن يغني ذلك شيئا. قال: فأخبروا بذلك فتركوه فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله اه فبين أنما هو مشورة ورأي كما يكون منه في الحروب ونحوها.
(٢) - عبد الرزاق [٩٧٢٠] عن معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم صدق كل واحد منهما صاحبه قالا خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية في بضع عشرة مئة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد رسول الله ﷺ الهدي وأشعره وأحرم بالعمرة وبعث بين يديه عينا له من خزاعة يخبره عن قريش وسار رسول الله ﷺ حتى إذا كانوا بغدير الأشطاط قريبا من عسفان أتاه عينه الخزاعي فقال: إني قد تركت كعب بن لؤي وعامر بن لؤي قد جمعوا لك الأحابيش وجمعوا لك جموعا وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت! فقال النبي ﷺ : أشيروا علي أترون أن نميل إلى ذراري هؤلاء الذين أعانوهم فنصيبهم، فإن قعدوا قعدوا موتورين محروبين، وإن يجيئوا تكن عنقا قطعها الله، أم ترون أن نؤم البيت فمن صدنا قاتلناه؟ فقالوا: رسول الله أعلم يا نبي الله، إنما جئنا معتمرين ولم نجيء لقتال أحد، ولكن من حال بيننا وبين البيت قاتلناه. قال النبي ﷺ : فروحوا إذاً. قال معمر قال الزهري وكان أبو هريرة: يقول ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ اه
стр. 136
فكان هذا من منهاج النبي ﷺ في بيان الأحكام ومراتبها. وفيه دلالة على أن ما سكت عنه فهو بيان بأنه جائز وأنه ليس من صلب ما يتدين به.
(٤٧) باب ما سمي من العادات بدعة إذا اعتُقد على غير رسم الشرع أو كان مظنة لذلك
(١) - ابن أبي شيبة [١١٧١] حدثنا هشيم قال أخبرنا منصور عن ابن سيرين عن ابن عمر قال: لا تدخل الحمام فإنه مما أحدثوا من النعيم اه منصور هو ابن زاذان كما بينه مسدد في مسنده [المطالب العالية ١٧٦] كان يدخله ثم تركه للنهي عن التنعم ولما فيه من المنكر.
(٢) - عبد الرزاق [١٠٢٥٧] عن ابن جريج قال أخبرني أيوب بن أبي تميمة عن ابن سيرين أن رجلا سأل عمران بن الحصين فقال: رجل طلق ولم يشهد وراجع ولم يشهد. قال: بئس ما صنع! طلق في بدعة وارتجع في غير سنة، ليُشهد على ما فعل اه
(٣) - عبد الرزاق [١١١٨٢] عن ابن جريج قال أخبرني عطاء أن شريحا دعاه بعض أمرائهم، فسأله عن رجل قال لامرأته: أنت طالق البتة، فاستعفاه، فأبى أن يعفيه، فقال: أما الطلاق فسنة وأما البتة فبدعة، أما السنة في الطلاق فأمضوه، وأما البدعة البتة فقلدوها إياه، ينوي فيها اه
ورواه سعيد بن منصور [١٥٨٨] فقال حدثنا هشيم قال أخبرنا سيار وإسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي بنحوه. ورواه من طريق هشيم [١٥٨٩] قال أنا داود بن أبي هند عن الشعبي وزاد قال شريح: إن الله سن سننا، وإن العباد ابتدعوا بدعا، فعمدوا إلى بدعتهم فخلطوها بسنن الله. فإذا سئلتم عن شيء من ذلك فميزوا السنن من البدع، ثم امضوا بالسنن على وجهها واجعلوا البدع لأهلها. وأما قوله: طالق، فهي طالق، وأما قوله: البتة، فهي بدعة، نقفه عند بدعته، فإن شاء فليتقدم، وإن شاء فليتأخر اه
(٤) - عبد الرزاق [٧٢١١] عن الثوري عن سليمان الشيباني عن الشعبي قال سمعته يقول: الخرص اليوم بدعة اه
стр. 137
(٥) - مسلم [١٧١٨] حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعا عن أبي عامر قال عبدٌ حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم قال سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها قال يجمع ذلك كله في مسكن واحد ثم قال أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه فذكر الحديث في المعاملات أيضا.
(٦) - قال ابن أبي شيبة [١١٧٥١] ثنا زيد بن حباب عن ثعلبة قال: سمعت محمد بن كعب يقول هذه الفساطيط التي على القبور محدثة اه
(٧) - الفاكهي [أخبار مكة ١١٥٢] حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال ثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: سمعت طاوسا يقول: سكرة نبيذ السقاية محدث اه
(٨) - ابن أبي شيبة [٣٦٩٢٣] حدثنا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري في اليمين مع الشاهد: بدعة، وأول من قضى بها معاوية اه روي عن النبي أنه قضى باليمين مع الشاهد، والغرض هنا كلمة ابن شهاب.
(٩) - النسائي [٤١٣٥] أخبرنا عمرو بن يحيى قال حدثنا محبوب يعني ابن موسى قال أنبأنا أبو إسحاق وهو الفزاري عن الأوزاعي قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه: وقَسْمُ أبيك لك الخمس كله، وإنما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين، وفيه حق الله وحق الرسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل. فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة! فكيف ينجو من كثرت خصماؤه؟ وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام! ولقد هممت أن أبعث إليك من يجز جمتك جمة السوء اه
(١٠) - ابن أبي شيبة [٣٢٢٨١] حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن منصور قال: سألت إبراهيم عن بيع الولاء؟ فقال: هو محدث اه
(١١) - ابن سعد [١٢٢٣] أخبرنا أبو أسامة ومحمد بن عبيد وإسحاق بن يوسف الأزرق عن عبد الملك بن أبي سليمان قال سئل عطاء عن خضاب الوسمة فقال: هو
стр. 138
مما أحدث الناس. قد رأيت نفرا من أصحاب رسول الله ﷺ فما رأيت أحدا منهم خضب بالوسمة وما كانوا يختضبون إلا بالحناء والكتم وهذه الصفرة اه
- رواه ابن أبي شيبة [٢٥٥٣٢] حدثنا أبو أسامة عن عبد الملك بنحوه.
(١٢) - عبد الرزاق [٦٧٩] عن ابن جريج قال قلت لعطاء: أكنت متوضأ من اللحم وغاسل يدك من أثره؟ قال: نعم. قلت: بأشنان أو بماء؟ قال: بل بالماء، إنما الأشنان شيء أحدثوه اه
(١٣) - عبد الرزاق [١٤٥٣٥] أخبرنا معمر عن قتادة قال: أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر: ضراب الفحل، وقسمة الأموال، وتعليم الغلمان اه
(١٤) - أبو داود [٥٢٤١] حدثنا عبيد اللّه بن عمر بن ميسرة وحميد بن مسعدة قالا ثنا حسان بن إبراهيم قال: سألت هشام بن عروة عن قطع السِّدر وهو مستند إلى قصر عروة فقال: أترى هذه الأبواب والمصاريع؟ إنما هي من سدر عروة، كان عروة يقطعه من أرضه وقال: لا بأس به، زاد حميد فقال: هِي يا عراقي جئتني ببدعة. قال: قلت: إنما البدعة من قِبَلكم، سمعت من يقول بمكة: لعن رسول اللّه ﷺ من قطع السدر اه الشاهد عندي في المقطوع.
(٤٨) باب ما يدل على جريان التعبد في العادات
وقول الله تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقول الله تعالى (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين) فدخلت العادات في العبادة.
(١) - البخاري [٥٦] حدثنا الحكم بن نافع قال أخبرنا شعيب عن الزهري قال حدثني عامر بن سعد عن سعد بن أبي وقاص أنه أخبره: أن رسول الله ﷺ قال: إنك
стр. 139
لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها، حتى ما تجعل في في امرأتك اه فأرشد إلى التعبد بالنفقة على العيال ونحوها ..
(٢) - مسلم [٢٣٧٦] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي حدثنا مهدي بن ميمون حدثنا واصل مولى أبي عيينة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عن أبي ذر أن ناسا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ : يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم! قال: أوليس قد جعل الله لكم ما تصدَّقون؟ إن بكل تسبيحة صدقة وكل تكبيرة صدقة وكل تحميدة صدقة وكل تهليلة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة وفي بُضع أحدكم صدقة. قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر اه فبين أن إتيان الأهل عبادة لأنه وقوف مع الحلال الذي أذن الله فيه دون الحرام.
(٣) - أحمد [١٩٩٤٨] ثنا روح ثنا شعبة عن الفضيل بن فضالة رجل من قيس ثنا أبو رجاء العطاردي قال: خرج علينا عمران بن حصين وعليه مطرف من خز لم نره عليه قبل ذلك ولا بعده فقال أن رسول الله ﷺ قال: من أنعم الله عليه نعمة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه اه
(٤) - البخاري [٤٠٨٦] حدثنا موسى حدثنا أبو عوانة حدثنا عبد الملك عن أبي بردة قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن - فذكر الحديث ثم قال- فقال: يا عبد الله كيف تقرأ القرآن؟ قال: أتفوقه تفوقا. قال: فكيف تقرأ أنت يا معاذ؟ قال: أنام أول الليل، فأقوم وقد قضيت جزئي من النوم، فأقرأ ما كتب الله لي فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي اه فتعبد بالنوم كما يتعبد بالصلاة.
(٥) - ابن أبي شيبة [٣٥٨٨٤] حدثنا وكيع عن مسعر عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن الأسود عن عائشة قالت: إنكم لتدعون أفضل العبادة التواضع اه فسمَّت التواضع وهو من معاملات الناس عبادة لأنه في الله ويحبه الله سبحانه.
стр. 140
(٤٩) باب ما يدل على أن من العادات ما لا يعقل معناه ويؤخذ مثل القربات تعبدا
(١) - الترمذي [٧٩] حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا سفيان بن عيينة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الوضوء مما مست النار ولو من ثور أقط. قال: فقال له ابن عباس يا أبا هريرة أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال فقال أبو هريرة: يا ابن أخي إذا سمعت حديثا عن رسول الله ﷺ فلا تضرب له مَثَلاً اه فأخذ الادهان ونحوه من أمور العادات مأخذ التعبد بالوضوء منه دون تكلف البحث عن حكمته، ثم ذكَّره قاعدة عامة لا تخص القربات فحسب.
(٢) - مالك [٣١٩٥] عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: سألت سعيد بن المسيب: كم في إصبع المرأة؟ فقال: عشر من الإبل. فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل فقلت: حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها! فقال سعيد: أعراقي أنت؟! فقلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي اه
(٣) - عبد الرزاق [١٤٢٠٢] أخبرنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: أعياني أن أدري ما العروض إذا بيع بعضها ببعض نظرة اه فيدل على أن شيوخه من أصحاب رسول الله عملوا بهذه السنة في أسواقهم دون تكلف السؤال عن وجهها.
(٤) - أبو عبيد [الأموال ٩١] حدثنا حجاج عن حماد بن سلمة عن حميد قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى الحسن يسأله: ما بال من مضى من الأئمة قبلنا أقروا المجوس على نكاح الأمهات والبنات؟ وذكر أشياء من أمرهم قد سماها. قال: فكتب إليه الحسن: أما بعد، فإنما أنت متبع ولست بمبتدع والسلام اه حجاج هو ابن محمد الأعور.
فتبين أن العادات لها شبه بالقربات لأن العبد أمر بالطاعة وإن جهل وجه التشريع.
стр. 141
(٥٠) باب بيان أن التعبد لله هو طاعته والتدين بدينه
وقول الله تعالى (أن لا تعبدوا الشيطان) أن لا تطيعوه (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) أطاعه
(١) - قال الترمذي [٣٢٤٧] حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن منصور و الأعمش عن ذر عن يسيع الحضرمي عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الدعاء هو العبادة ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) اه عبادتي دعائي والتذلل لي للذي أمرتهم أن يطيعوني فيه بقولي: "ادعوني". فهذا بمعنى الطاعة والذل.
(٢) - البخاري [٢٧٣٠] حدثنا يحيى بن يوسف أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض اه عبد الدنيا لأنه تعلق بها قلبه رضى وسخطا، وأطاع هواه فيها .. فهذه عبودَة المحبة وطاعة الهوى فيها.
(٣) - سعيد بن منصور [التفسير ٩٥٩] نا هشيم قال نا العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت قال حدثني أبو البختري الطائي قال: قال لي حذيفة: أرأيت قول الله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)؟ فقال حذيفة: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه، وما حرموا عليهم من الحلال حرموه فتلك ربوبيتهم اه ثم قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) فبين أن طاعتهم عبادة لهم.
فالتدين والتعبد الطاعة، فمن عمل عملا معتقدا أن الله شرعه كذلك فقد تعبد لله به، فإضافته إلى الدين تعني أنه ممتثل للأمر دائر معه. والقصد هنا مطلق ما يسمى طاعة وعملا بالدين، وأعلاه ما يكون مع الإحسان وتمام المحبة لأمر الله، والله أعلم.
стр. 142
(٥١) باب ما جاء في ذم محدثات اللسان وحفظ حروف الشرع
وقول الله تعالى (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)
(١) - البخاري [٥٣٨] حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو قال حدثنا عبد الوارث عن الحسين قال حدثنا عبد الله بن بريدة قال حدثني عبد الله المزني أن النبي ﷺ قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب. قال: وتقول الأعراب هي العشاء اه
(٢) - مسلم [٦٠٠٦] حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم اه
فسن للأمة حفظ الأسامي الشرعية، واجتناب ما تحدثه ألسنة الذين لا يعلمون.
(٣) - البخاري [٢٤١٤] حدثنا محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: لا يقل أحدكم أَطعِم ربَّك وضِّئ ربك اسق ربك، وليقل سيدي مولاي. ولا يقل أحدكم عبدي أمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي اه
- مسلم [٦٠١١] حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا حدثنا إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي اه
(٤) - ابن أبي شيبة [١٠٩١٢] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن واصل عن بشار بن أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده فإذا وجهه مما يلي الجدار وامرأته قاعدة عند رأسه قلت: كيف بات أبو عبيدة قالت: بات بأجر فأقبل علينا بوجهه، فقال: إني لم أبت بأجر، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة اه [ك ٥١٥٣] فصحح لهم القول أنه حطة وكفارة لا أجر.
стр. 143
(٥) - ابن أبي شيبة [٨١٦٢] حدثنا وكيع قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة غضب غضبا شديدا، أو نهى نهيا شديدا اه كره أن يقال للعِشاء العتمة.
(٦) - عبد الرزاق [١٤١١٥] أخبرنا إسماعيل عن ابن عون عن ابن سيرين أن ابن عمر كره ذلك الكلمة أن يقول أسلمت في كذا وكذا يقول، إنما الإسلام لله رب العالمين اه
كره ذلك - في بيع السَّلَم - حفظا للفظ الشرعي العَلَمِ على معنى شرعي أن يشبهه غيره.
(٧) - ابن أبي شيبة [٧٦٨٧] حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمير بن يريم أبي هلال قال: سمعت ابن العباس يقول: لا يقول انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضيت الصلاة اه
- سعيد بن منصور [٥/ ٣٠١] نا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: لا تقولوا انصرفنا فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة اه
(٨) - الفاكهي [أخبار مكة ٦١٨] حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف قال ثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه كان يكره أن يقول شوطا أو شوطين، ويقول: إنما سماه الله الطواف، فقل: طوف وطوفين اه
- البيهقي [المعرفة ٣٠٦٩] أنبأني أبو عبد الله إجازة عن أبي العباس عن الربيع عن الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن مجاهد أنه كره أن يقول: شوط، دور للطواف، ولكن ليقل: طواف، طوافين. قال الشافعي: وأكره ما كره مجاهد لأن الله تعالى قال (وليطوفوا بالبيت العتيق) فسماه طوافا اه
(٩) - عبد الرزاق [٨٩٧٩] عن ابن جريج قال قلت: يستريح الإنسان فيجلس في الطواف؟ قال: نعم. قال: وكان عطاء يكره أن يقول دور، قل طواف اه
(١٠) - وقال أبو عبيد في فضائل القرآن [١٤٤] حدثنا أبو إسماعيل عن عاصم قال: قال خالد الحذاء لابن سيرين: سورة خفيفة. قال ابن سيرين: من أين تكون
стр. 144
خفيفة والله تعالى يقول (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)؟! ولكن قل: يسيرة، فإن الله تعالى يقول (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) اه [ش ٣٠٧٢٠]
(١١) - ابن أبي شيبة [٨١٦٣] حدثنا وكيع قال حدثنا يزيد بن طهمان أبو المعتمر عن ابن سيرين: أنه كره أن يقول العتمة اه
(١٢) - أبو عبد الله محمد بن الضُرَيس [فضائل القرآن ١٤٦] أخبرنا عبد الرحمن بن المبارك قال حدثنا وهيب عن أيوب أن محمدا كان يكره أن يقول "أم الكتاب" قال: ويقرأ قال تعالى (وعنده أم الكتاب) ولكن يقول: فاتحة الكتاب اه
(١٣) - ابن أبي شيبة [٣٣٨٣] حدثنا محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الشفق، قال: لا تقل الشفق، إن الشفق من الشمس، ولكن قل حمرة الأفق اه
(١٤) - ابن أبي شيبة [٣٤١٤] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يقولوا: قد حانت الصلاة، فقال: إن الصلاة لا تحين، وليقولوا: قد حضرت الصلاة اه أبو معشر هو زياد بن كليب.
(١٥) - ابن أبي شيبة [٣٠٨١٢] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم كره أن يقول: قراءة فلان، ويقول: كما يقرأ فلان اه
(٥٢) باب ما يدل على أن للفظ أثرا في النفس والفهم
وقال النبي ﷺ لما رأى سهيلا يوم الحديبية: لقد سهل لكم من أمركم. [خ ٢٥٨١]
(١) - البخاري [٥٨٣٦] حدثنا إسحق بن نصر حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل. قال: لا أغير اسما سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد اه
(٢) - مسلم [٥٧٢٩] حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر - واللفظ لعمرو - قالا حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس
стр. 145
قال كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برة اه
(٣) - البخاري [٣٣٤٠] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مُذَمَّماً ويلعنون مذمما وأنا محمد اه
(٤) - مالك [٣٥٧٠] عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جمرة فقال: ابن من؟ فقال: ابن شهاب. قال: ممن؟! قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟! قال: بحرة النار. قال: بأيها؟! قال: بذات لظى. قال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب ﵁ اه رواه أبو القاسم ابن بشران [الإصابة لابن حجر ١/ ٥٣٩] من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة. قال: بأيها؟ قال بذات لظى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا. [كنز العمال ٣٥٩٨٢] ورواه عبد الرزاق [الإصابة ١/ ٥٣٩] عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: قال عمر فذكر نحوه.
فمن أحدث لفظا (مصطلحا) دون ما في كتاب الله وكلام رسول الله فقد خسر أحد الأمرين: إما المعنى أو ما يقوم في النفس من أثر مطلوب ..
(٥٣) باب ما جاء في رد محدثات الفتيا والأقضية
لقول النبي ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه
(١) - ابن الجعد [١١٧٣] أخبرنا شعبة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي. فكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى على علي الكذب اه رواه البخاري.