(٥٠) باب بيان أن التعبد لله هو طاعته والتدين بدينه
وقول الله تعالى (أن لا تعبدوا الشيطان) أن لا تطيعوه (أرأيت من اتخذ إلهه هواه) أطاعه
(١) - قال الترمذي [٣٢٤٧] حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن منصور و الأعمش عن ذر عن يسيع الحضرمي عن النعمان بن بشير قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الدعاء هو العبادة ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) اه عبادتي دعائي والتذلل لي للذي أمرتهم أن يطيعوني فيه بقولي: "ادعوني". فهذا بمعنى الطاعة والذل.
(٢) - البخاري [٢٧٣٠] حدثنا يحيى بن يوسف أخبرنا أبو بكر عن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة إن أعطي رضي وإن لم يعط لم يرض اه عبد الدنيا لأنه تعلق بها قلبه رضى وسخطا، وأطاع هواه فيها .. فهذه عبودَة المحبة وطاعة الهوى فيها.
(٣) - سعيد بن منصور [التفسير ٩٥٩] نا هشيم قال نا العوام بن حوشب عن حبيب بن أبي ثابت قال حدثني أبو البختري الطائي قال: قال لي حذيفة: أرأيت قول الله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)؟ فقال حذيفة: أما إنهم لم يصلوا لهم، ولكنهم كانوا ما أحلوا لهم من حرام استحلوه، وما حرموا عليهم من الحلال حرموه فتلك ربوبيتهم اه ثم قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا) فبين أن طاعتهم عبادة لهم.
فالتدين والتعبد الطاعة، فمن عمل عملا معتقدا أن الله شرعه كذلك فقد تعبد لله به، فإضافته إلى الدين تعني أنه ممتثل للأمر دائر معه. والقصد هنا مطلق ما يسمى طاعة وعملا بالدين، وأعلاه ما يكون مع الإحسان وتمام المحبة لأمر الله، والله أعلم.
стр. 142
(٥١) باب ما جاء في ذم محدثات اللسان وحفظ حروف الشرع
وقول الله تعالى (فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم)
(١) - البخاري [٥٣٨] حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو قال حدثنا عبد الوارث عن الحسين قال حدثنا عبد الله بن بريدة قال حدثني عبد الله المزني أن النبي ﷺ قال: لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب. قال: وتقول الأعراب هي العشاء اه
(٢) - مسلم [٦٠٠٦] حدثنا زهير بن حرب حدثنا جرير عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: لا تسموا العنب الكرم، فإن الكرم الرجل المسلم اه
فسن للأمة حفظ الأسامي الشرعية، واجتناب ما تحدثه ألسنة الذين لا يعلمون.
(٣) - البخاري [٢٤١٤] حدثنا محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة ﵁ يحدث عن النبي ﷺ أنه قال: لا يقل أحدكم أَطعِم ربَّك وضِّئ ربك اسق ربك، وليقل سيدي مولاي. ولا يقل أحدكم عبدي أمتي، وليقل فتاي وفتاتي وغلامي اه
- مسلم [٦٠١١] حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر قالوا حدثنا إسماعيل - وهو ابن جعفر - عن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم عبيد الله وكل نسائكم إماء الله، ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي اه
(٤) - ابن أبي شيبة [١٠٩١٢] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن واصل عن بشار بن أبي سيف عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده فإذا وجهه مما يلي الجدار وامرأته قاعدة عند رأسه قلت: كيف بات أبو عبيدة قالت: بات بأجر فأقبل علينا بوجهه، فقال: إني لم أبت بأجر، ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة اه [ك ٥١٥٣] فصحح لهم القول أنه حطة وكفارة لا أجر.
стр. 143
(٥) - ابن أبي شيبة [٨١٦٢] حدثنا وكيع قال حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع قال: كان ابن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة غضب غضبا شديدا، أو نهى نهيا شديدا اه كره أن يقال للعِشاء العتمة.
(٦) - عبد الرزاق [١٤١١٥] أخبرنا إسماعيل عن ابن عون عن ابن سيرين أن ابن عمر كره ذلك الكلمة أن يقول أسلمت في كذا وكذا يقول، إنما الإسلام لله رب العالمين اه
كره ذلك - في بيع السَّلَم - حفظا للفظ الشرعي العَلَمِ على معنى شرعي أن يشبهه غيره.
(٧) - ابن أبي شيبة [٧٦٨٧] حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن عمير بن يريم أبي هلال قال: سمعت ابن العباس يقول: لا يقول انصرفنا من الصلاة فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضيت الصلاة اه
- سعيد بن منصور [٥/ ٣٠١] نا أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن ابن عباس قال: لا تقولوا انصرفنا فإن قوما انصرفوا صرف الله قلوبهم، ولكن قولوا: قد قضينا الصلاة اه
(٨) - الفاكهي [أخبار مكة ٦١٨] حدثنا إبراهيم بن أبي يوسف قال ثنا عبد المجيد بن أبي رواد عن عثمان بن الأسود عن مجاهد أنه كان يكره أن يقول شوطا أو شوطين، ويقول: إنما سماه الله الطواف، فقل: طوف وطوفين اه
- البيهقي [المعرفة ٣٠٦٩] أنبأني أبو عبد الله إجازة عن أبي العباس عن الربيع عن الشافعي أخبرنا سعيد بن سالم عن ابن جريج عن مجاهد أنه كره أن يقول: شوط، دور للطواف، ولكن ليقل: طواف، طوافين. قال الشافعي: وأكره ما كره مجاهد لأن الله تعالى قال (وليطوفوا بالبيت العتيق) فسماه طوافا اه
(٩) - عبد الرزاق [٨٩٧٩] عن ابن جريج قال قلت: يستريح الإنسان فيجلس في الطواف؟ قال: نعم. قال: وكان عطاء يكره أن يقول دور، قل طواف اه
(١٠) - وقال أبو عبيد في فضائل القرآن [١٤٤] حدثنا أبو إسماعيل عن عاصم قال: قال خالد الحذاء لابن سيرين: سورة خفيفة. قال ابن سيرين: من أين تكون
стр. 144
خفيفة والله تعالى يقول (إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا)؟! ولكن قل: يسيرة، فإن الله تعالى يقول (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) اه [ش ٣٠٧٢٠]
(١١) - ابن أبي شيبة [٨١٦٣] حدثنا وكيع قال حدثنا يزيد بن طهمان أبو المعتمر عن ابن سيرين: أنه كره أن يقول العتمة اه
(١٢) - أبو عبد الله محمد بن الضُرَيس [فضائل القرآن ١٤٦] أخبرنا عبد الرحمن بن المبارك قال حدثنا وهيب عن أيوب أن محمدا كان يكره أن يقول "أم الكتاب" قال: ويقرأ قال تعالى (وعنده أم الكتاب) ولكن يقول: فاتحة الكتاب اه
(١٣) - ابن أبي شيبة [٣٣٨٣] حدثنا محمد بن عبيد عن العوام بن حوشب قال: قلت لمجاهد: الشفق، قال: لا تقل الشفق، إن الشفق من الشمس، ولكن قل حمرة الأفق اه
(١٤) - ابن أبي شيبة [٣٤١٤] حدثنا هشيم قال أخبرنا مغيرة عن أبي معشر عن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يقولوا: قد حانت الصلاة، فقال: إن الصلاة لا تحين، وليقولوا: قد حضرت الصلاة اه أبو معشر هو زياد بن كليب.
(١٥) - ابن أبي شيبة [٣٠٨١٢] حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن إبراهيم كره أن يقول: قراءة فلان، ويقول: كما يقرأ فلان اه
(٥٢) باب ما يدل على أن للفظ أثرا في النفس والفهم
وقال النبي ﷺ لما رأى سهيلا يوم الحديبية: لقد سهل لكم من أمركم. [خ ٢٥٨١]
(١) - البخاري [٥٨٣٦] حدثنا إسحق بن نصر حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبيه أن أباه جاء إلى النبي ﷺ فقال: ما اسمك؟ قال: حزن. قال: أنت سهل. قال: لا أغير اسما سمانيه أبي. قال ابن المسيب: فما زالت الحزونة فينا بعد اه
(٢) - مسلم [٥٧٢٩] حدثنا عمرو الناقد وابن أبي عمر - واللفظ لعمرو - قالا حدثنا سفيان عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة عن كريب عن ابن عباس
стр. 145
قال كانت جويرية اسمها برة فحول رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال خرج من عند برة اه
(٣) - البخاري [٣٣٤٠] حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، يشتمون مُذَمَّماً ويلعنون مذمما وأنا محمد اه
(٤) - مالك [٣٥٧٠] عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب قال لرجل: ما اسمك؟ فقال: جمرة فقال: ابن من؟ فقال: ابن شهاب. قال: ممن؟! قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟! قال: بحرة النار. قال: بأيها؟! قال: بذات لظى. قال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا. قال: فكان كما قال عمر بن الخطاب ﵁ اه رواه أبو القاسم ابن بشران [الإصابة لابن حجر ١/ ٥٣٩] من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: قال عمر بن الخطاب لرجل ما اسمك؟ قال: جمرة. قال: ابن من؟ قال: ابن شهاب قال: ممن؟ قال: من الحرقة. قال: أين مسكنك؟ قال: الحرة. قال: بأيها؟ قال بذات لظى. فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فرجع الرجل فوجد أهله قد احترقوا. [كنز العمال ٣٥٩٨٢] ورواه عبد الرزاق [الإصابة ١/ ٥٣٩] عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب قال: قال عمر فذكر نحوه.
فمن أحدث لفظا (مصطلحا) دون ما في كتاب الله وكلام رسول الله فقد خسر أحد الأمرين: إما المعنى أو ما يقوم في النفس من أثر مطلوب ..
(٥٣) باب ما جاء في رد محدثات الفتيا والأقضية
لقول النبي ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه
(١) - ابن الجعد [١١٧٣] أخبرنا شعبة عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي قال: اقضوا كما كنتم تقضون، فإني أكره الاختلاف حتى يكون للناس جماعة، أو أموت كما مات أصحابي. فكان ابن سيرين يرى أن عامة ما يروى على علي الكذب اه رواه البخاري.
стр. 146
(٢) - مسلم [١٧١٨] حدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد جميعا عن أبي عامر قال عبدٌ حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا عبد الله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم قال سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن فأوصى بثلث كل مسكن منها. قال: يجمع ذلك كله في مسكن واحد. ثم قال: أخبرتني عائشة أن رسول الله ﷺ قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه
(٣) - ابن أبي شيبة [٣٦٩٢٣] حدثنا حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب عن الزهري في اليمين مع الشاهد: بدعة، وأول من قضى بها معاوية اه قول الزهري.
في الباب غير ذا، وقد تقدم له نظائر في باب ما أنكروه من البدع .. فكل فتوى لم يكن عليها الأولون فليست من أمر النبي ﷺ فترد ..
(٥٤) باب ما سمي من القربات بدعة وليس على رسمها
(١) - قال مالك [٣٧٨] عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: والله إني لأرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب. قال: ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون يعني آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله اه [خ ٢٠١٠]
стр. 147
ما أراد عمر استحسان البدع بالعمومات وهو القائل: كل بدعة ضلالة، وهو الذي نهى عن صور مما قد يظن بدعة حسنة. والبدعة عندهم ما لم يكن عليه العمل، وهذه لها أصل في العمل.
- مالك [٣٧٥] عن ابنِ شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ صلى في المسجد ذات ليلة، فصلى بصلاتهِ ناس، ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إليهم رسول الله ﷺ ، فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم، وذلك في رمضان اه [خ ١١٢٩/ م ٧٦١] فبين ﷺ وجه الترك فدل أن العلة إذا زالت (خشية نزول الوحي بوجوبها) لم يمتنع الاجتماع. والدليل على صحة ما فهموه من أن الاجتماع لها مقصود للشرع ما روى:
- النسائي [١٦٠٥] أخبرنا عبيد الله بن سعيد قال حدثنا محمد بن الفضيل عن داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله ﷺ في رمضان فلم يقم بنا حتى بقي سبع من الشهر. فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل. ثم لم يقم بنا في السادسة. فقام بنا في الخامسة حتى ذهب شطر الليل. فقلت: يا رسول الله لو نَفَّلْتَنَا بقية ليلتنا هذه. قال: إنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب الله له قيام ليلة. ثم لم يصل بنا ولم يقم حتى بقي ثلاث من الشهر. فقام بنا في الثالثة، وجمع أهله ونساءه حتى تخوفنا أن يفوتنا الفلاح. قلت: وما الفلاح؟ قال: السحور اه [د ١٣٧٥] وقد شهدها عمر وعرف العلة كما روى:
- عبد الرزاق [٧٧٤٦] عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: صلى رسول الله ﷺ ليلة في شهر رمضان في المسجد ومعه ناس، ثم صلى الثانية فاجتمع تلك الليلة أكثر من الأولى فلما كانت الثالثة أو الرابعة امتلأ المسجد حتى غص بأهله فلم يخرج إليهم، فجعل الناس ينادونه: الصلاة، فلما أصبح قال عمر بن الخطاب: ما زال الناس ينتظرونك البارحة يا رسول الله قال: أما إنه لم يخف علي أمرهم ولكني خشيت أن يكتب عليهم اه وقد روى:
стр. 148
وقال ابن خزيمة في صحيحه [٢٢٠٨] حدثنا الربيع بن سليمان المرادي حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنا مسلم بن خالد عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: خرج رسول الله ﷺ وإذا الناس في رمضان يصلون في ناحية المسجد، فقال: ما هؤلاء؟ فقيل: هؤلاء ناس ليس معهم قرآن وأبي بن كعب يصلي بهم، وهم يصلون بصلاته، فقال رسول الله ﷺ : أصابوا، أو نعم ما صنعوا اه كذا قاله مسلم، وله شاهد، يأتي في كتاب الصلاة من فتاوى الصحابة، إن شاء الله.
وقال جعفر الفريابي [الصيام ١٧٢] حدثنا تميم بن المنتصر أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا ابن أبي ذئب عن مسلم بن جندب عن نوفل بن إياس الهذلي قال: كنا نقوم في عهد عمر بن الخطاب فرقا في رمضان في المسجد إلى هاهنا وهاهنا، فكان الناس يميلون على أحسنهم صوتا، فقال عمر: ألا أراهم قد اتخذوا القرآن أغاني! أما والله لئن استطعت لأغيرن هذا. قال: فلم يلبث إلا ثلاث ليال حتى أمر أبي بن كعب فصلى بهم. ثم قام في مؤخر الصفوف فقال: إن كانت هذه بدعة لنعمت البدعة اه ورواه ابن سعد [٦٧٥٥] أخبرنا يزيد بن هارون فذكره.
وهذا سند حسن. نوفل بن إياس الهذلي جليس عبد الرحمن بن عوف وثقه ابن حبان، واحتج به البخاري في خلق أفعال العباد، فأخرج الأثر دون آخره مكتفيا بالشاهد على عادته في تقطيع الحديث ﵀. وقد صحح روايته الضياء في المختارة [٩٠٩] واحتج به الطبري في سياق قوله: "غير معروف عندهم في نقلة العلم والآثار" [تهذيب الآثار الجزء المفقود ٢/ ١٢١] فيدل على أنه سماها بدعة كالمنكر على من ظنها كذلك، وإنما جمعهم لما حدث ما يكره، فأحيى سنة عَلم قصدَ الشرع إلى الرخصة في إظهارها لمن احتاج. وهو معنى قوله: إني لأرى، أي ليس وصية عمل بها ولكن شيء علم قصد الشرع إليه .. وكان رأي عمر كيقين رجل.
(٢) - ابن أبي شيبة [٧٨٥٩] حدثنا ابن علية عن الجريري عن الحكَم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى وهو مستند ظهرَه إلى حجرة النبي ﷺ ، فقال: بدعة ونعمت البدعة اه والنطر فيه موقوف على معرفة مذهب ابن عمر في صلاة الضحى:
- قال ابن الجعد [المسند ٢٧٧٧] أخبرنا ابن أبي ذئب عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان إذا سئل عن سبحة الضحى قال: لا آمر بها ولا أنهى عنها، ولقد أصيب عثمان وما أحد يصليها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي اه ليس هذا استحبابا لها، فما أَمَرَ ولا فَعَل ..
- البخاري [١١٧٥] حدثنا مسدَّد قال حدثنا يحيى عن شعبة عن توبة عن مُوَرِّق قال: قلت لابن عمر: أتصلي الضحى؟ قال: لا، قلت: فعمر؟ قال: لا، قلت:
стр. 149
فأبو بكر؟ قال: لا، قلت: فالنبي؟ قال: لا إخاله اه قوله: "لا إخاله" مشعر بتردده في الرفع إلى النبي ﷺ ، وقد روى:
- البخاري [١١٩١] حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا أيوب عن نافع أن ابن عمر كان لا يصلي من الضحى إلا في يومين: يوم يقدم بمكة، فإنه كان يقدمها ضحى، فيطوف بالبيت، ثم يصلي ركعتين خلف المقام. ويوم يأتي مسجد قباء، فإنه كان يأتيه كل سبت، فإذا دخل المسجد كره أن يخرج منه حتى يصلي فيه. قال: وكان يحدث أن رسول الله ﷺ كان يزوره راكبا وماشيا. قال: وكان يقول: إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون، ولا أمنع أحدا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها اه
- ابن خزيمة [١٢٢٩] حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف نا سالم بن نوح العطار أخبرنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ لم يكن يصلي الضحى إلا أن يقدم من غيبة.
فيدل على أن أصل الرفع عنده، لكنه تردد في قصد الصلاة تلك الساعة، هل هي صلاة عرضت أم هو وقت مقصود؟ لذلك قال: "ولا أمنع أحدا أن يصلي في أي ساعة شاء من ليل أو نهار، غير أن لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها"، وقال: " لا آمر بها ولا أنهى عنها". فهو مشعر بتردده في المسألة. وقد روى:
- مالك [٥٢٣] عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبيه أنه قال: دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح، فقمت وراءه فقربني حتى جعلني حذاءه عن يمينه فلما جاء يَرْفَأُ تأخرت فصففنا وراءه اه ذكره في جامع سبحة الضحى.
- أبو داود [١١٢٨] حدثنا مسدد أخبرنا إسماعيل أنبأنا أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر يطيل الصلاة قبل الجمعة ويصلي بعدها ركعتين في بيته. الحديث.
وشأن الصحابة في الجمعة التهجير والصلاة ضحى. فتبين أنه إنما استحسنها مطلقة لا مع الدوام عليها في تلك الساعة، بل توقف في التخصيص، ولم يخرج كلامه عن أصل العمل، ولم يرد ما يُظن من استحسان البدع وتشريعها للناس. وسيأتي بحثه
стр. 150
إن شاء الله.
(٣) - أبو داود [٩٧١] حدثنا نصر بن علي حدثني أبي ثنا شعبة عن أبي بشر سمعت مجاهداً يحدث عن ابن عمر عن رسول اللّه ﷺ في التشهد: "التحيات للّه، الصلوات الطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة اللّه وبركاته" قال: قال ابن عمر: زدت فيها "وبركاته" "السلام علينا وعلى عباد اللّه الصالحين، أشهد أن لا إله إلا اللّه قال ابن عمر: زدت فيها: "وحده لا شريك له" وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله (١) اه أبو بشر هو جعفر بن إياس.
إنما زادها - إن كان الخبر محفوظا - من حديث آخر للنبي ﷺ فَهِمَ أنه من سنة التشهد، لظنه أنه فاته أخذه عن النبي ﷺ فزاد من رواية غيره (٢)، ولم يبتدع، ولم يخالف إلى ما أنكره على العاطس في الأثر المتقدم. وقد روى:
- النسائي [١١٧٣] أخبرنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي البصري قال حدثنا المعتمر قال سمعت أبي يحدث عن قتادة عن أبي غلاب وهو يونس بن جبير عن حطان بن عبد الله أنهم صلوا مع أبي موسى فقال إن رسول الله ﷺ قال: إذا كان عند القعدة فليكن من أول قول أحدكم: التحيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اه قتادة صرح بالتحديث [د ٩٧٣] وأشار مسلم إلى صحة هذا الحرف [٤٠٤]
- مالك [٣٠٢] عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها
стр. 151
كانت تقول إذا تشهدت: التحيات الطيبات الصلوات الزاكيات لله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين السلام عليكم اه
وقد كان عُمر - والد عبد الله - يعلم الناس التشهد على المنبر [الموطأ ٣٠٠] بزيادة "وبركاته". وغيرهم ﵏. فلم يخرج عن أصل العمل، وما رواه نافع عنه يخالف ما ههنا، يأتي مخرجا إن شاء الله في كتاب الصلاة، وهو خبر معلول.
(٤) - ابن أبي شيبة [٢٢٥٥] حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله عن نافع قال: كان ابن عمر ربما زاد في أذانه "حي على خير العمل"اه يعني في السفر.
ليس فيه أنه زاده استحسانا وابتداعا، بل له أصل في العمل الأول:
- قال ابن أبي شيبة [٢٢٥٣] حدثنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر عن أبيه ومسلم بن أبي مريم أن علي بن حسين كان يؤذن فإذا بلغ حي على الفلاح قال: حي على خير العمل ويقول: هو الأذان الأول اه وهذا في السفر.
وهذا محمول على أنه كان عندهم من المحكم في السفر، وقد كان الكبار من أصحاب رسول الله ﷺ يأخذون من سنته الأحدث فالأحدث.
(٥) - ابن أبي شيبة [١٢٨٦٨] حدثنا الثقفي عن يحيى بن سعيد قال أخبرني محمد بن إبراهيم أن ربيعة بن عبد الله بن الهَدِير أخبره أنه رأى ابن عباس وهو أمير على البصرة في زمان علي بن أبي طالب متجردا على منبر البصرة، فسأل الناس عنه، فقالوا: إنه أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد، فلقيت ابن الزبير، فذكرت ذلك له، فقال: بدعة وربِّ الكعبة اه ذكره ابن أبي شيبة في: من كان يمسك عما يمسك عنه المحرِم، من كتاب الحج.
ابن الزبير تمسك بالأصل فمنع، وابن عباس اتبع عملا تقدمه ولم يره بدعة، فقد روى:
- ابن أبي شيبة [١٢٨٦٦] حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن جعفر بن محمد عن أبيه أن عُمَر وعليا وابن عباس كانوا يقولون في الرجل يرسل ببدنته إنه يمسك عما يمسك عنه المحرم ليس أن لا يلبي. قال جعفر: يواعدهم يوما، فإذا كان ذلك اليوم الذي
стр. 152
يواعدهم أن يُشْعِرَ، أمسك عما يمسك عنه المحرم اه
- ابن أبي شيبة [١٢٨٦٧] حدثنا ابن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر كان إذا بعث بالهدي، يمسك عما يمسك عنه المحرم، غير أن لا يلبي اه
وقد كان نحو هذا زمنَ النبي ﷺ :
- ابن حبان [٣٧٧٧] أخبرنا أبو عروبة قال حدثنا محمد بن وهب بن أبي كريمة قال حدثنا محمد بن سلمة عن أبي عبد الرحيم قال حدثنا زيد بن أبي أنيسة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال حدثنا علي بن أبي طالب أن رسول الله ﷺ خرج من المدينة حاجا، وخرجت أنا من اليمن قلت: لبيك إهلالا كإهلال النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : فإني أهللت بالعمرة والحج جميعا اه [خ ١٦٩٣/ م ١٢١٦ من حديث جابر]
ونحوه عن أبي موسى [خ ١٦٣٧/ م ١٢٢١] فأحرم حيث قلد الهدي، لذلك روي عن علي مثل قول ابن عباس. وهو مستند من وافقهم من بعدهم. فإنما احتج السلف بالعمل لا الاستحسان. فانظر مسلك ابن الزبير وابن عباس في الاستدلال، ولا يحجبنك المثال.
(٦) - ابن أبي شيبة [٣٧٠٧٥] حدثنا أبو أسامة عن جرير بن حازم أبي النضر سأل رجل محمدَ بن سيرين: ما تقول في مجالسة هؤلاء القُصاص؟ قال: لا آمرك به ولا أنهاك عنه، القصص أمر محدث، أحدث هذا الخلقُ من الخوارج اه إن كان محفوظا متصلا، وإلا فهو من باب ما أنكروه.
رواه ابن الجوزي في جزء القصاص [١٩٦] من طريق أبي مسعود أحمد بن الفرات قال حدثنا حجاج بن منهال قال حدثنا جرير بن حازم قال: سأل رجل محمد بن سيرين عن القصص فقال: بدعة إن أول ما أحدث الحرورية القصص اه وقال مسدد في مسنده [المطالب العالية ٣٢٠٣] حدثنا حماد عن خالد بن دينار عن محمد بن سيرين قال: إن القصص بدعة اه وهذان سندان بصريان صحيحان.
(٧) - وقال ابن الجوزي في جزء القصاص والمذكرين [١٢] أخبرنا عبد الوهاب بن المبارك الحافظ قال أخبرنا أبو الحسين بن عبد الجبار قال: وجدت في كتاب الحسين بن علي الطناجيري قال أخبرنا عبيد الله بن عثمان قال حدثنا علي بن محمد
стр. 153
المصري قال حدثنا علي بن الحسن بن عيسى قال حدثنا شيبان بن فروخ قال حدثنا أبو الأشهب عن الحسن قال: القصص بدعة ونعمت البدعة، كم من دعوة مستجابة، وسؤال معطى، وأخ مستفاد، وعلم يصاب اه هذه وجادة لا بأس بها، أبو الحسين هو الطيوري الحافظ والطناجيري شيخه، وعبيد الله بن عثمان هو أبو زرعة الصيدلاني، وعلي بن محمد هو أبو الحسن البغدادي الواعظ ثقات خبرهم في تاريخ بغداد. وعلي بن الحسن لم أعرفه.
وإن صح لم يرد البدعة على اصطلاح المتأخرين، فقد كان يرفعه إلى الأوائل. قال ابن شبة في تاريخ المدينة [١/ ١٠] حدثنا أيوب بن محمد الرقي قال حدثنا ضمرة بن ربيعة عن السري بن يحيى قال: قيل للحسن: متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان ﵁. فقيل: من أول من قص؟ قال: تميم الداري اه يريد أول من قص بالمدينة، وهذا سند جيد. ففرق بين أول من قص ومتى أحدث أي صار ظاهرا، فأول من قص تميم زمان عمر بن الخطاب رواه ابن المبارك وابن وهب وأحمد وغيرهم، وهو الذي قص خبر الجساسة على النبي ﷺ . وإنما أُحدث زمان عثمان أحدثته الخوارج وهم الذين أنكر على أوائلهم ابن مسعود.
وقال ابن سعد [٩٥٧١] أخبرنا مسلم بن إبراهيم قال حدثنا السري بن يحيى قال: سمعت الحسن يحدث عن الأسود بن سريع وكان رجلا شاعرا وكان أول من قص في هذا المسجد قال: غزوت مع رسول الله ﷺ أربع غزوات. ثم قال ابن سعد أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن يونس عن الحسن قال: كان الأسود بن سريع يُذَكِّرُ في مؤخر المسجد اه أي مسجد البصرة، صحيح. وقد تقدمت حكايته عن ابن عباس في التعريف بالبصرة ..
فلم يرد الحسن أنه بدعة لم تكن، بل هو ككلمة عمر في التراويح، وكأنه قال ذلك - إن كان قاله - ردا على قول ابن سيرين وكلاهما بصري، وكان الحسن يقص، وكأنه قال: يقال القصص بدعة، ونعمت البدعة أي إن زعموا ذلك.
وروى ابن الجوزي في جزئه [١١] وابن عساكر في تاريخ دمشق [٥٨/ ١٣٠] من طريق عباس الدوري أخبرنا أبو بكر بن أبي الأسود أخبرنا حميد بن الأسود عن ابن
стр. 154
عون قال: أدركت هذا المسجد مسجد البصرة وما فيه حلقة تنسب إلى الفقه إلا حلقة واحدة تنسب إلى مسلم بن يسار، وسائر المسجد قصاص اه سند جيد، يدل على ظهوره في البصرة قبلُ، لذلك أنكره محمد.
وقد قال ابن الجوزي في جزئه [١٦٢] وقد روى ضمرة عن ابن شوذب عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال الحسن: إن رفع الأصوات بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة اه هكذا حكاه ابن الجوزي معلقا، وقد ذَكر قبلُ طريقَه إلى ضمرة بن ربيعة في خبر يرويه [١٢٢] من طريق عبد الله بن أحمد قال حدثني أبي قال حدثنا هارون بن معروف قال حدثنا ضمرة عن ابن شوذب فساق الخبر. وذكره ابن تيمية في الاقتضاء [ص ٣١١] وعزاه إلى الخلال. وهو سند جيد. يدل على أنه أنكر ما أُحدث في القصص مما لم يكن، وأن الأمر اتباع عمل الأولين في مجالسهم. فليس الرجل على مذهب الاستحسان من العمومات، وقد تقدم من أقواله في البدع، وقال: اعرفوا المهاجرين بفضلهم واتبعوا آثارهم وإياكم وما أحدث الناس في دينهم، فإن شر الأمور المحدثات اه وسئل عن رجل تفوته الصلاة في مسجد قومه فيأتي مسجدا آخر؟ فقال: ما رأينا المهاجرين يفعلون ذلك اه فليس عمل الأولين عنده محدثا، إلا حرفا ترخص فيه وإطلاق عربي قديم.
(٥٥) باب إثبات جريان المتشابهات في أفعال أهل العلم
وقول النبي ﷺ : على رسلكما إنما هي صفية بنت حيي اه [خ ١٩٣٠/ م ٥٨٠٨]
(١) - مسلم [٢٣٢٤] حدثني زهير بن حرب حدثنا علي بن حفص حدثنا ورقاء عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصدقة فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها معها. ثم قال: يا عمر أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه اه
стр. 155
(٢) - عبد الرزاق [٢٠٧٥٠] عن معمر عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال: أدركت أبا الدرداء ووعيت عنه، وأدركت شداد بن أوس ووعيت عنه، وأدركت عبادة بن الصامت ووعيت عنه، وفاتني معاذ بن جبل فأخبرني يزيد بن عميرة أنه كان يقول في كل مجلس يجلسه: الله حكم قسط تبارك اسمه، هلك المرتابون، من ورائكم فتن يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن حتى يأخذه الرجل والمرأة والحر والعبد والصغير والكبير. فيوشك الرجل أن يقرأ القرآن فيقول قد قرأت القرآن فما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن! ثم يقول: ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة. اتقوا زيغة الحكيم، فإن الشيطان يلقي على في الحكيم الضلالة، ويلقي المنافق كلمة الحق. قال: وما يدرينا يرحمك الله أن المنافق يلقي كلمة الحق وأن الشيطان يلقي على في الحكيم الضلالة؟! قال: اجتنبوا من كلام الحكيم كل متشابه الذي إذا سمعته قلت: ما هذا؟! ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورا اه
(٣) - البخاري [٣٤٩٥] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة حدثنا عثمان هو ابن موهب قال: جاء رجل من أهل مصر وحج البيت فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: هؤلاء قريش. قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم. فقال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم. قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. قال: الله أكبر! قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له. وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال رسول الله ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان. فضرب بها على يده فقال: هذه لعثمان. فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك اه
стр. 156
(٤) - مسلم [المقدمة ٢٢] حدثنا داود بن عمرو الضبي حدثنا نافع بن عمر عن ابن أبي مليكة قال كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني. فقال: ولد ناصح أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه. قال: فدعا بقضاء علي فجعل يكتب منه أشياء ويمر به الشيء فيقول: والله ما قضى بهذا علي إلا أن يكون ضل اه
(٥) - الحاكم [ك ٨٦١٨] أخبرنا أحمد بن عثمان المقري وبكر بن محمد المروزي قالا ثنا أبو قلابة حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا أبي ثنا حسين بن ذكوان المعلم ثنا عبد الله بن بريدة الأسلمي أن سليمان بن ربيعة الغنوي حدثه أنه حج مرة في إمرة معاوية ومعه المنتصر بن الحارث الضبي في عصابة من قراء أهل البصرة قال: فلما قضوا نسكهم قالوا: و الله لا نرجع إلى البصرة حتى نلقى رجلا من أصحاب محمد ﷺ مرضيا يحدثنا بحديث يستظرف نحدث به أصحابنا إذا رجعنا إليهم. قال: فلم نزل نسأل حتى حُدثنا أن عبد الله بن عمرو بن العاص نازل بأسفل مكة، فعمدنا إليه فإذا نحن بثَقَل عظيم يرتحلون ثلاث مائة راحلة، منها مائة راحلة ومائتا زاملة فقلنا: لمن هذا الثقل؟! قالوا: لعبد الله بن عمرو. فقلنا: أكل هذا له! وكنا نحدَّث أنه من أشد الناس تواضعا؟ قال فقالوا: ممن أنتم؟ فقلنا: من أهل العراق قال: فقالوا: العيب منكم حق يا أهل العراق، أما هذه المائة فلإخوانه يحملهم عليها و أما المائتا زاملة فلمن نزل عليه من الناس. الحديث اه ويقال سليمان بن الربيع العدوي.
(٦) - الطحاوي [المشكل ٢/ ١٣٩] ثنا أحمد بن عبد المؤمن المروزي حدثنا علي بن الحسن بن شقيق حدثنا أبو حمزة عن يزيد النحوي عن عكرمة قال: ذكر لابن عباس قول ابن مسعود: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أنه إن تزوجها طلقت. فقال ابن عباس: ما أظن أنه قال هذا، ولئن كان قالها فرب زلة من عالم! إن الله يقول (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن) اه
ففي تصرفات أهل العلم من الصحابة فمن دونهم متشابهات مشكلة، لا ينبغي أن يطار بها حتى ترد إلى أصولهم المحكمة.
стр. 157
(٥٦) باب الدلالة على أن اللفظ المطلق في صفة القربات متشابه حتى يحكمه العمل
وقول الله تعالى (لتبين للناس ما نزل إليهم) فبين بالعمل الأوامرَ المجملة كالزكاة والحج وهي صيغ مطلقة.
(١) - قال البخاري [٥٩٩٦] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الحكم قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقيني كعب بن عجرة فقال: ألا أهدي لك هدية؟ إن النبي ﷺ خرج علينا فقلنا: يا رسول الله قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اه فسألوا كيف الصلاة ولم يجتهدوا فيه من ألفاظ الآية (صلوا عليه) [الأحزاب ٥٦] وهو لفظ مطلق.
(٢) - مسلم [٣٣٥] حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن عاصم عن معاذة قالت: سألت عائشة فقلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟! فقالت: أحرورية أنت؟! قلت: لست بحرورية، ولكني أسأل. قالت: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه ولو جاز الاحتجاج بالأمر الأول - وهو لفظ مطلقٌ - ما توقفن عن القضاء حتى يأتي النهي.
(٣) - البيهقي [المدخل ٢٩٢] أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان أبنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان ثنا عبد الله بن يوسف ثنا محمد بن مهاجر ثنا العباس بن سالم اللخمي عن ربيعة بن يزيد عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني قال: قام فينا عبد الله بن مسعود على درج هذه الكنيسة فما أنسى أنه يوم خميس فقال: يا أيها الناس، عليكم بالعلم قبل أن يرفع فإن مِنْ رفعه أن يقبض أصحابه، وإياكم والتبدع والتنطع، وعليكم بالعتيق. فإنه سيكون في آخر هذه الأمة أقوام يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله، وقد تركوه وراء ظهورهم اه قوله: إلى كتاب
стр. 158
الله أي يحتجون بالمحتملات المجملة، المخرج من ذلك: عليكم بالعتيق.
(٤) - أبو خيثمة [العلم ٥٤] ثنا جرير عن العلاء عن حماد عن إبراهيم قال: قال عبد الله: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم وكل بدعة ضلالة اه وفي الباب عن ابن عباس.
أي كفيتم أن تجتهدوا في استخراج تعبد ولو بالتماس عموم، ولكن اتبعوا أثر الأولين.
(٥) - ابن أبي شيبة [١٣٥٥٩] حدثنا وكيع عن محمد بن شريك عن سليمان الأحول قال: ذكرت لطاووس صوم عرفة أنه يعدل بصوم سنتين؟ فقال: أين كان أبو بكر وعمر عن ذلك؟ اه أي بعرفة. فعدل عن العمومات للعمل.
(٦) - الطبري [تهذيب الآثار ٢٥٧] حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن محمد بن عبد الرحمن أنه سمع عروة يقول لسليمان بن يسار ورآه قائما ينتظر أن توضع الجنازة: ما يقيمك يا أبا يسار؟ قال: الذي يحدث أبو سعيد الخدري فيها (١)، فقال له عروة: أما والله إنك لتعلم أنها لمن المحدثات اه تَرَك الاستدلال بالقول لأجل أن العمل على خلافه. وسليمان عنده الخبر عن أبي سعيد وعمله به وكذا ابن عمر وطائفة [تهذيب الآثار للطبري ٧٩٣ - ٨٠٧]
(٧) - عبد الرزاق [٦٢٣٩] عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: قوله استغفروا له غفر الله لكم؟ قال: محدثة، وبلغني عن النبي ﷺ أنه قال لذي البجادين: استغفروا له غفر الله لكم اه
فترك الحديث - في فضائل الأعمال - وتمسك بالعمل.
كل الآثار المتقدمة في باب ما أنكروه شاهدة هنا، لأن الاستدلال بعمومٍ في ما أنكروه سهل لو كان سائغا. فدل على أنه ليس حجة عندهم في ما لم يقع عليه العمل.
стр. 159
(٥٧) باب ما جاء في ذم الاعتراض على السنن
وقول الله تعالى (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة)
(١) - البخاري [٦٩٣٣] حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا هشام أخبرنا معمر عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال بينا النبي ﷺ يقسم جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال اعدل يا رسول الله. فقال: ويلك من يعدل إذا لم أعدل. قال عمر بن الخطاب دعني أضرب عنقه. قال: دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته، وصيامه مع صيامه، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل إحدى يديه أو قال ثدييه مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد أشهد سمعت من النبي ﷺ وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه، جيء بالرجل على النعت الذي نعته النبي ﷺ . قال فنزلت فيه (ومنهم من يلمزك في الصدقات) اه فهذا أول الخروج.
(٢) - البخاري [٣٠١٠] حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة قال سمعت الأعمش قال: سألت أبا وائل: شهدت صفين؟ قال: نعم، فسمعت سهل بن حنيف يقول: اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر النبي ﷺ لرددته. وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا لأمر يفظعنا إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا اه
(٣) - البخاري [٥١٦٢] حدثنا يوسف بن راشد حدثنا وكيع ويزيد بن هارون واللفظ ليزيد عن كهمس بن الحسن عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مغفل أنه رأى رجلا يخذف فقال له: لا تخذف فإن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف أو كان يكره الخذف وقال إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو ولكنها قد تكسر السن وتفقأ العين. ثم رآه بعد ذلك يخذف، فقال له: أحدثك عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن الخذف أو كره الخذف وأنت تخذف! لا أكلمك كذا وكذا اه
стр. 160
(٤) - مالك [١٣٠٢] عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال أبو الدرداء سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل. فقال له معاوية: ما أرى بمثل هذا بأسا. فقال أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية أنا أخبره عن رسول الله ﷺ ويخبرني عن رأيه! لا أساكنك بأرض أنت بها.
(٥) - مسلم [١٠١٧] حدثني حرملة بن يحيى أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب قال أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها. قال فقال بلال بن عبد الله: والله لنمنعهن. قال: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبا سيئا ما سمعته سبه مثله قط وقال: أخبرك عن رسول الله ﷺ وتقول والله لنمنعهن اه
(٥٨) باب في أن الأدب لا يقدم على الامتثال وأن الامتثال هو الأدب
وقول الله تعالى (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)
(١) - قال أحمد [١٣٦٢٣] حدثنا عفان حدثنا حماد قال أخبرنا حُمَيد عن أنس بن مالك قال: ما كان شخص أحب إليهم رؤيةً من رسول الله ﷺ وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك اه [ت ٢٦٧٨] تركوا القيام (الأدب) وقدموا الامتثال.
(٢) - ابن حبان [٤١٧١] أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى قال حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن القاسم الشيباني عن ابن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : ما هذا!؟ قال: يا رسول الله قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك. قال: فلا تفعل فإني لو أمرت شيئا أن يسجد لشيء لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها اه [د ٢١٤٠ - ق ١٨٤٣] أمره بالامتثال وتركِ الأدب. ولا أدري ذكر الشام محفوظ أم لا.
стр. 161
(٣) - الطبراني [الأوسط ٢٧٩٣] حدثنا إبراهيم قال نا أبي قال نا يحيى بن آدم قال نا مفضل بن مهلهل عن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، فقال الرجل: وحده لا شريك له، فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه لم يقل عبد الله: هذا أدب مع الله لا بأس به، أو هو أفضل، ولكن الامتثال هو الأدب.
(٤) - الترمذي [٢٧٣٨] حدثنا حميد بن مسعدة حدثنا زياد بن الربيع حدثنا حضرمي من آل الجارود عن نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ ! علمنا أن نقول الحمد لله على كل حال اه لقد كان ابن عمر يحسن الأدب ولا يبتدع.
(٥) - مالك [٣٥٢٥] عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء أنه قال: كنت جالسا عند عبد الله بن عباس، فدخل عليه رجل من أهل اليمن فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ثم زاد شيئا مع ذلك أيضا قال ابن عباس وهو يومئذ قد ذهب بصره: مَنْ هذا؟! قالوا: هذا اليماني الذي يغشاك. فعرَّفوه إياه، قال فقال ابن عباس: إن السلام انتهى إلى البركة اه أراد أن يسلك معه سبيل الأدب، فنهاه وأمره بالاتباع.
(٦) - الطبراني [٩٩٢٧] حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا أبو كريب ثنا يحيى بن آدم ثنا مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف قال: زاد ربيع بن خيثم في التشهد بركاته ومغفرته، فقال علقمة نقف حيث علمنا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته اه الدعاء بالمغفرة كلام حسن وأدب، فتركه علقمة للاتباع لأنه الأدب.
(٧) - ابن أبي شيبة [٣١٠٥] حدثنا محمد بن عُبَيد عن الأعمش قال: سئل إبراهيم عن الإمام إذا سلم فيقول: صلى الله على محمد ولا إله إلا الله فقال: ما كان من قبلهم يصنع هكذا اه ومثله عن أبي البختري قال: بدعة، تقدم.
стр. 162
فلم يكونوا يبتدعون بدعوى سلوك الأدب مع الله أو مع رسوله وأهل الفضل منهم ..
(٥٩) باب جواز ترك الامتثال إذا عُلم أن الأمر ليس بحتم
(١) - قال البخاري [٤٩٧٩] حدثنا محمد أخبرنا عبد الوهاب حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس أن زوج بَريرة عبد أسود يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته فقال النبي ﷺ لعباس: يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا! فقال النبي ﷺ : لو راجعته. قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع. قالت: لا حاجة لي فيه اه
(٢) - مالك [٥٦٥] عن أبي حازم بن دينار عن سهل بن سعد الساعدي أن رسول الله ﷺ ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم، فحانت الصلاة، فجاء المؤذن إلى أبي بكر، فقال: أتصلي للناس فأقيم؟ قال: نعم، فصلى أبو بكر. فجاء رسول الله ﷺ والناس في الصلاة، فتخلص حتى وقف في الصف، فصفَّق الناس، وكان أبو بكر لا يلتفت في صلاته، فلما أكثر الناس التصفيق التفت، فرأى رسولَ الله ﷺ ، فأشار إليه رسول الله ﷺ : " أن أمكث مكانك ". فرفع أبو بكر يديه، فحمد الله على ما أمره به رسول الله ﷺ من ذلك، ثم استأخر أبو بكر حتى استوى في الصف، وتقدم رسول الله ﷺ فصلى، فلما انصرف قال: "يا أبا بكر، ما منعك أن تثبت إذ أمرتك". فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يصلي بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "ما لي رأيتكم أكثرتم التصفيق؟ من رابه شيء في صلاته فليُسَبح، فإنه إذا سبح التُفِت إليه، وإنما التصفيق للنساء اه [خ ٦٥٢]
إنما ترك الامتثال لعلمه أن الأمر لم يكن إلا رخصة وتفضلا، لكن لما راجعه النبي ﷺ في ذلك لم يَعُد، كما روى:
- البخاري [٦٥٥] حدثنا أحمد بن يونس قال حدثنا زائدة عن موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: دخلت على عائشة فقلت: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله ﷺ ؟ قالت: بلى، ثقل النبي ﷺ فقال: أصلَّى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: ففعلنا، فاغتسل، فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق، فقال ﷺ : أصلى الناس؟ قلنا: لا،
стр. 163
هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. قالت: فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، قال: ضعوا لي ماء في المخضب. فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟. قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله، والناس عكوف في المسجد، ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة، فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر: بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر، وكان رجلا رقيقا: يا عمر صل بالناس، فقال له عمر: أنت أحق بذلك، فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين، أحدهما العباس، لصلاة الظهر، وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر، قال: أجلساني إلى جنبه. فأجلساه إلى جنب أبي بكر، قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ ، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي ﷺ قاعد. الحديث.
لما أومأ إليه النبي ﷺ ألا يتأخر أجاب هذه المرة، لأن الامتثال هو الأدب.
ومثله ما روى مسلم [٦٥٦] عن المغيرة بن شعبة قال: تخلف رسول الله ﷺ وتخلفت معه. فذكر الحديث ثم قال: فانتهينا إلى القوم وقد قاموا في الصلاة يصلي بهم عبد الرحمن بن عوف وقد ركع بهم ركعة فلما أحس بالنبي ﷺ ذهب يتأخر فأومأ إليه فصلى بهم فلما سلم قام النبي ﷺ وقمت فركعنا الركعة التي سبقتنا اه
(٣) - البخاري [٢٦٩٨] حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر قال شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت البراء بن عازب قال: لما صالح رسول الله ﷺ أهل الحديبية كتب عليٌ بينهم كتابا، فكتب: محمد رسول الله ﷺ ، فقال المشركون: لا تكتب محمد رسول الله، لو كنت رسولا لم نقاتلك، فقال لعلي: امحه. فقال علي: ما أنا بالذي أمحاه، فمحاه رسول الله ﷺ بيده " الحديث.
ففهم من قرائن الحال أن النبي ﷺ ترخص بذلك كارها، وأحب أن يغيظ الكفار.
стр. 164
وتحرى بامتناعه ألا يغيَّر شيء من الشرع، حتى رأى من النبي مضيا في ما ترخص. فلا حجة فيه لمن أراد أن يغير الشريعة بالبدع.
(٦٠) باب ما يدل على أن مطلق السكوت عن الإنكار ليس إقرارا لاحتمال مانع خفي عنا
وقول الله تعالى (إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق)
(١) - أحمد [٢٠٦٩٤] حدثنا بهز وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن طفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه مر برهط من اليهود، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن اليهود، قال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تزعمون أن عزيرا ابن الله، فقالت اليهود: وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مر برهط من النصارى فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن النصارى فقال: إنكم أنتم القوم، لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. قالوا: وأنتم القوم، لولا أنكم تقولون ما شاء الله، وما شاء محمد. فلما أصبح أخبر بها من أخبر، ثم أتى النبي ﷺ ، فأخبره. فقال: هل أخبرت بها أحدا؟ قال عفان: قال: نعم، فلما صلوا، خطبهم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن طفيلا رأى رؤيا فأخبر بها من أخبر منكم، وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم، أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا: ما شاء الله، وما شاء محمد اه فسكت أولا تدرجا في التشريع من غير إقرار، في ما يمنع منع ذرائع لا منع مقاصد ..
(٢) - مسلم [١١١] حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس بن مالك قال نهينا أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله ونحن نسمع. الحديث.
(٣) - البخاري [٢٩٨٠] حدثنا يحيى بن بكير حدثنا مالك عن إسحاق بن عبد الله عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد نجراني غليظ
стр. 165
الحاشية، فأدركه أعرابي فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي ﷺ قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، ثم قال: مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء اه [م ٢٤٧٦]
السكوت هنا يقتضيه الرفق بالجاهل، فلم يكن دالا على جواز ما فعله الأعرابي.
(٤) - البخاري [١٥٠٨] حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﷺ : لولا حداثة قومك بالكفر لنقضت البيت ثم لبنيته على أساس إبراهيم ﵇ فإن قريشا استقصرت بناءه وجعلت له خلفا اه
فبين أن ترك البيت على ما فعلت قريش لا عن رضى منه ولكن لمانع. وفي الباب غيره كثير يدل على أن النبي ﷺ قد يسكت عن إنكار ما لا ينبغي لمصلحة وعدم تعيُّن الإنكار في المقام نفسه. وليس منه تأخير البيان عن وقت الحاجة، ولكنه تأخير إلى وقت الحاجة.
(٦١) باب ما يصاحب الواقعة من الإنكار بقرينة الحال
(١) - مسلم [٧٧٤] حدثنا عمرو بن محمد الناقد وابن أبي عمر جميعا عن ابن عيينة قال عمرو حدثنا سفيان بن عيينة عن منصور بن صفية عن أمه عن عائشة قالت: سألت امرأة النبي ﷺ كيف تغتسل من حيضتها قال: فذكرت أنه علمها كيف تغتسل، ثم تأخذ فرصة من مسك فتطهر بها. قالت: كيف أتطهر بها؟ قال: تطهري بها سبحان الله! واستتر - وأشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه - قال قالت عائشة: واجتذبتها إلي وعرفت ما أراد النبي ﷺ ، فقلت: تتبعي بها أثر الدم اه فلم ينكر عليها لفظا، ولكن بقرينة الحال التي رأتها عائشة ففهمت بها أنه أنكر ..
(٢) - البخاري [٢٤٧٢] حدثنا حجاج بن منهال حدثنا شعبة قال أخبرني عبد الملك بن ميسرة قال سمعت زيد بن وهب عن علي قال: أهدي إلي النبي ﷺ حلة سيراء فلبستها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي اه
في الباب كثير، وهو دال على أن من شهد ليس كمن لم يشهد.
стр. 166
(٦٢) باب الدلالة على أن الإشارة بيان نبوي
(١) - البخاري [١٢٤٢] حدثنا أصبغ عن ابن وهب قال أخبرني عمرو عن سعيد بن الحارث الأنصاري عن عبد الله بن عمر قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له فأتاه النبي ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه فوجده في غاشية أهله فقال: قد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله. فبكى النبي ﷺ فلما رأى القوم بكاء النبي ﷺ بكوا فقال: ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا وأشار إلى لسانه أو يرحم وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه اه
(٢) - البخاري [٧٧٩] حدثنا معلى بن أسد قال حدثنا وهيب عن عبد الله بن طاووس عن أبيه عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم على الجبهة وأشار بيده على أنفه. الحديث.
(٣) - البخاري [٤٩٩٢] حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي ﷺ : لا يمنعن أحدا منكم نداء بلال - أو قال أذانه - من سحوره فإنما ينادي - أو قال يؤذن - ليرجع قائمكم وليس أن يقول كأنه يعني الصبح أو الفجر، وأظهر يزيد يديه ثم مد أحدهما من الأخرى اه
(٤) - البخاري [٦٩٧٢] حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا جويرية عن نافع عن عبد الله قال: ذكر الدجال عند النبي ﷺ فقال: إن الله لا يخفى عليكم إن الله ليس بأعور - وأشار بيده إلى عينه - وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية اه
(٥) - البخاري [٨٤] حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا وهيب قال حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي؟ فأومأ بيده قال: ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح؟ فأومأ بيده: ولا حرج اه
стр. 167
(٦) - البخاري [٨٥] حدثنا المكي بن إبراهيم قال أخبرنا حنظلة بن أبي سفيان عن سالم قال: سمعت أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: يقبض العلم، ويظهر الجهل والفتن ويكثر الهرج. قيل: يا رسول الله وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل اه
(٧) - البخاري [١٩١٣] حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا الأسود بن قيس حدثنا سعيد بن عمرو أنه سمع ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا. يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين اه [م ٢٥٥٨]
في الباب غير هذا كثير يدل على أن من سنة البيان الإفهام بالإشارة وإتمام المعنى بها (١).
(٦٣) باب الدلالة على أن الإشارة تسمى قولا وأنها بمنزلة الكلام
وقول الله تعالى (قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا)
(١) - مسلم [٧٤٧٧] حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ومحمد بن المثنى ح وحدثنا عبيد الله بن سعيد كلهم عن يحيى القطان قال القواريري حدثني يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر حدثني نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قام عند باب حفصة فقال بيده نحو المشرق: الفتنة ها هنا من حيث يطلع قرن الشيطان. قالها مرتين أو ثلاثا اه
(٢) - البخاري [٥٩٤٩] حدثنا أحمد بن يونس حدثنا أبو شهاب عن الأعمش عن عمارة بن عمير عن الحارث بن سويد حدثنا عبد الله بن مسعود حديثين أحدهما عن النبي ﷺ والآخر عن نفسه قال: إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه. وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا. قال أبو شهاب بيده فوق أنفه. الحديث.
стр. 168
(٣) - مسلم [٨٧٤] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن عمارة بن رؤيبة قال رأى بشرَ بن مروان على المنبر رافعا يديه فقال قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعيه المسبحة اه
(٤) - البخاري [٤٤٥٠] حدثني قتيبة بن سعيد قال حدثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس - فذكر حديث الخضر وموسى ثم قال - (فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض) فقال بيده هكذا فأقامه اه
(٥) - مسلم [٢٤٠٧] حدثني سليمان بن عبيد الله أبو أيوب الغيلاني حدثنا أبو عامر يعني العقدي حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن طاوس عن أبي هريرة قال: ضرب رسول الله ﷺ مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه حتى تغشى أنامله وتعفو أثره. وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت وأخذت كل حلقة مكانها. قال: فأنا رأيت رسول الله ﷺ يقول بإصبعه في جيبه فلو رأيته يوسعها ولا توسع اه
(٦) - ابن أبي شيبة [١٤٧٨٧] حدثنا حفص عن هشام عن ابن سيرين عن أنس أنه رأى النبي ﷺ قال للحلاق هكذا، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن اه [م ٣٢١٣]
(٧) - ابن أبي شيبة [٣٥٦١٥] حدثنا وكيع عن سفيان عن الربيع بن قزيع قال: سمعت ابن عمر قال: كان عمر بن الخطاب يؤتى بخبزه ولحمه ولبنه وزيته وبقله وخله فيأكل، ثم يمص أصابعه ويقول هكذا فيمسح يديه بيديه ويقول: هذه مناديل آل عمر (١) اه
стр. 169
(٦٤) باب إثبات مرتبة العفو وأنه بمعنى عدم المؤاخذة
(عفا الله عما سلف) لم يؤاخذكم (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم) "عفوت عن صدقة الخيل والرقيق" [ت ٦٢٠] أي لا أواخذكم على ألا تخرجوا منها.
(١) - الحاكم [ك ٣٤١٩] أخبرنا أبو جعفر محمد بن علي الشيباني ثنا أحمد بن حازم الغفاري ثنا أبو نعيم ثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه عن أبي الدرداء ﵁ رفع الحديث قال: ما أحل الله في كتابه فهو حلال و ما حرم فهو حرام و ما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية فإن الله لم يكن نسيا ثم تلا هذه الآية (و ما كان ربك نسيا) اه فهو عافية أي عافاكم من المؤاخذة. فالعفو غير مطلوب العمل، ولكن مسكوت عنه ..
(٢) - أبو داود [٣٨٠٢] حدثنا محمد بن داود بن صبيح حدثنا الفضل بن دكين حدثنا محمد يعني ابن شريك المكي عن عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرا، فبعث الله تعالى نبيه وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه. فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما) إلى آخر الآية اه ففرق بين العفو المسكوت عنه والحلال المصرح به.
(٣) - عبد الرزاق [١٠١٢٢] أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه أن ابن عباس سأله إبراهيم بن سعد وكان إبراهيم عاملا بِعَدَنٍ فقال لابن عباس: ما في أموال أهل الذمة؟ قال: العفو. قال قلت: إنهم يأمروننا بكذا وكذا قال: فلا تعمل لهم قال: فما في العنبر؟ قال: إن كان فيه شيء فالخمس اه [ش ٣٣٣٠٩]
(٤) - عبد الرزاق [٨٧٦٨] أخبرنا ابن جريج قال أخبرني عطاء عن عبيد بن عمير أنه كان يقول: إن الله أحل وحرم، فما أحل فأحلوه، وما حرم فاجتنبوه، وترك من ذلك أشياء لم يحرمها ولم يحلها فذلك عفو من الله ثم يقول (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء) الآية اه
стр. 170
فالعفو من الله - في الحلال والحرام - تشريع مثل "التقرير" في حق رسوله ﷺ إذ كلاهما سكوت عن الإنكار والمؤاخذة. فإذا كانت الحاجة لبيان الحكم في زمن التشريع ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ومنهاج العلماء معه السكوت كفعل النبي ﷺ لأنهم ورثته، ولا يشغل بقياس أو اجتهاد إذ نهينا أن نبحث عنه .. إنما القياس في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ التشريع فقد تبين قصد العفو عنه. والشريعة تناولت كل أعمال العباد المطلوبة ثم كان منها ما هو عفو غير مأمور به ولا منهي عنه ولا مأذون فيه، فهو غير مقصود أصالة للتشريع أي لم يتوجه إليه قصد الشرع بالطلب، وليس هو من القربات في شيء لأن بيانها بالعمل، وبيان "العفو" السكوت كما قال: "وسكت عن أشياء ".
(٦٥) باب ما جاء في ذم الاختلاف في الدين بين العلماء الراسخين
وقول الله في الذين جاءوا بعد المختلفين (وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب)
(١) - ابن أبي شيبة [٣٢٠٧] حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف أبي بن كعب وابن مسعود في الصلاة في الثوب الواحد، فقال أبي: ثوب، وقال: ابن مسعود: ثوبان، فخرج عليهما عمر فلامهما وقال: إنه ليسوؤني أن يختلف اثنان من أصحاب محمد ﷺ في الشيء الواحد! فعن أي فتياكما يصدر الناس؟ أما ابن مسعود فلم يأل، والقول ما قال أبي اه
فأفاد أن اختلاف أهل العلم يورث الشبهة والإشكال في الدين .. وقد تقدم عن علي نحوه.
(٢) - الطحاوي [٣٣٥] حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال ثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن معمر بن أبي حبيبة قال سمعت عبيد بن رفاعة الأنصاري يقول: كنا في مجلس فيه زيد بن ثابت فتذاكرنا الغسل من الإنزال. فقال زيد: ما على أحدكم إذا جامع فلم ينزل إلا أن يغسل فرجه، ويتوضأ وضوءه للصلاة. فقام رجل من أهل المجلس، فأتى عمر فأخبره بذلك. فقال عمر
стр. 171
للرجل: اذهب أنت بنفسك فائتني به حتى يكون أنت الشاهد عليه. فذهب فجاء به، وعند عمر ناس من أصحاب رسول الله ﷺ فيهم علي بن أبي طالب ومعاذ بن جبل فقال عمر: أنت عدو نفسك تفتي الناس بهذا؟ فقال زيد: أم والله ما ابتدعته ولكني سمعته من عماي رفاعة بن رافع ومن أبي أيوب الأنصاري. فقال عمر لمن عنده من أصحاب النبي ﷺ : ما تقولون؟ فاختلفوا عليه. فقال عمر: يا عباد الله، فمن أسأل بعدكم وأنتم أهل بدر الأخيار. الحديث. [ش ٩٥٢]
(٣) - عبد الرزاق [٩٥٤] عن ابن جريج قال أخبرني يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يختلفون في الرجل يطأ امرأته ثم ينصرف عنها قبل أن ينزل فذكر أن أبا موسى الأشعري أتى عائشة فقال: لقد شق علي اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في أمر إني لأعظمك أن أستقبلك به. فقالت: ما هو؟ مرارا فقال: الرجل يصيب أهله ولم ينزل قال فقالت لي: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. قال أبو موسى: لا أسأل عن هذا بعدك أبدا اه [م ٨١٢]
(٤) - البيهقي [المدخل ٦٨٨] أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار ببغداد أبنا أبو بكر الشافعي ثنا جعفر بن محمد الأزهر ثنا المفضل بن غسان الغلابي ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد عن المثنى بن سعيد عن أبي تميمة عن أبي العالية قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من زلة العالم. قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه فيلقى من هو أعلم منه برسول الله ﷺ فيخبره ويرجع ويقضي الأتباع بما حكم اه المثنى بن سعيد وقيل ابن سعد هو أبو غفار الطائي [الفقيه والمتفقه ٦٣٩].
(٥) - يعقوب بن سفيان [المعرفة ١/ ٤٤٥] حدثنا أبو بكر الحميدي قال حدثنا سفيان قال حدثني أمي الصيرفي قال: قال أبو العبيدين لعبد الله: لا تختلفوا علينا يا أصحاب محمد فنختلف من بعدكم. فقال: يرحمك الله أبا العُبَيدَين، إنما أصحاب محمد الذين دفنوا معه في البُرُد اه أبو العبيدين معاوية بن سبرة يروي عن ابن مسعود.
في الباب غير هذا كثير يدل على أن الاختلاف بين أهل العلم مذموم، و أنه غير مأذون فيه .. وأن أحسن حال من خالف منهم أنها زيغة حكيم يعذر عليها ولا يؤمر باتباعها ..
стр. 172
(٦٦) باب بيان صفة العالم المعتبر قوله في الدين
وقول الله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون)
(١) - البخاري [١٠٠] حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا اه فبين أن العلماء معه لا يزالون يموتون، حتى يخلف من بعدهم مَنْ يخالفونهم فيضلون ..
(٢) - اللالكائي [اعتقاد أهل السنة ١٠٢] أخبرنا الحسين بن علي بن زنجويه أنبأ محمد بن هارون بن الحجاج المقري القزويني ثنا أبو زرعة الرازي ثنا موسى بن أيوب النصيبي ثنا ابن المبارك عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي قال: قال رسول الله ﷺ : إن من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال موسى قال ابن المبارك: الأصاغر: من أهل البدع اه فتبين أن العلماء هم الصحابة ثم من تبعهم، وأن البدع جهل وضلال، فكل من جوز مخالفة ما كان عليه أصحاب النبي ﷺ من الميراث فليس من أهل العلم. ومن التزم بما كانوا عليه كان في سعة، ولم يصلح أن يُبَدَّع على اختياره إذا اختلفوا.
(٣) - ابن وهب [جامع بيان العلم وفضله ٢/ ١٦٠] عن نافع بن أبي نعيم عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: لقد أعجبني قول عمر بن عبد العزيز: ما أحب أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنه لو كانوا قولا واحدا كان الناس في ضيق وأنهم أئمة يقتدى بهم، فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة اه كان في سعة أي وسعه من الاختلاف ما وسعهم، لا أنه مصيب، لذلك كانوا يردون خطأ الفتاوى كما تقدم في باب ما أنكروه من البدع. ودل قوله هذا على أنه لا يسوغ الخلاف ما لم يختلفوا.
стр. 173
(٦٧) باب ما يعفى عنه من الاختلاف بعد الوقوع
وقال رسول الله ﷺ : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه [خ ٦٩١٩] وكان أهل العلم من أصحاب النبي ينكرون كل بدعة.
(١) - أبو داود [٤٦٠٧] حدثنا أحمد بن حنبل ثنا الوليد بن مسلم ثنا ثور بن يزيد قال حدثني خالد بن معدان قال حدثني عبد الرحمن بن عمرو السّلمي وحجر بن حُجْر قالا: أتينا العرباض بن سارية - فذكر الحديث إلى قوله - فإِنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة اه فدل على أن ما حدث من الاختلاف بعد الصحابة فهو بدعة يحَذَّر منها، وسكت عن اختلافهم فدل على أنه عفو، كما كان عفوا ما روى:
(٢) - البخاري [٤١١٩] حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة. فأدرك بعضَهم العصرُ في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ذلك. فذُكر ذلك للنبي ﷺ فلم يعنف واحدا منهم اه فذكر أنه لم يعنف أحدا، ليُفهِم أن بعضهم كان مرتَقَب التعنيف .. فهذا السكوت عفو، والعفو غير مطلوب للتشريع، ولكن مما يعذر صاحبه، ويؤجر على النية. والعفو سعة ورحمة بعد الوقوع لا قبله. وإذا اختلف ورثة العلم بعد الصحابة في النوازل كان بمنزلته ..
(٦٨) باب ما جاء في بيان الجماعة المأمور باتباعها
وقول النبي: من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي.
(١) - البخاري [٣٤١١] حدثنا يحيى بن موسى حدثنا الوليد قال حدثني ابن جابر قال حدثني بسر بن عبيد الله الحضرمي قال حدثني أبو إدريس الخولاني أنه سمع
стр. 174
حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم. قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال نعم وفيه دخن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله صفهم لنا؟ فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك اه فحذر النبي ﷺ ممن يريد يهدي بغير هديه، وأمر بالاعتصام بما عليه حذيفة من السنة ولو كان وحده، ويدع المتفرقين في الدين.
(٢) - اللالكائي [١٦٠] أخبرنا علي بن عمر بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عتاب قال حدثنا عبيد بن شريك قال حدثنا نعيم يعني ابن حماد قال حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري قال حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية عن عبد الرحمن بن سابط عن عمرو بن ميمون قال قدم علينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله ﷺ فوقع حبه في قلبي فلزمته حتى واريته في التراب بالشام، ثم لزمت أفقه الناس بعده عبد الله بن مسعود فذكر يوما عند تأخير الصلاة عن وقتها فقال: صلوها في بيوتكم واجعلوا صلاتكم معهم سبحة. قال عمرو بن ميمون: فقيل لعبد الله بن مسعود وكيف لنا بالجماعة؟ فقال لي: يا عمرو بن ميمون إن جمهور الجماعة هي التي تفارق الجماعة! إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك اه [الفقيه والمتفقه ١١٧١]
(٣) - المروزي [السنة ٢٧] حدثنا محمود بن غيلان أنبأ أبو النضر يعني هاشم بن القاسم ثنا حمزة بن المغيرة قال أبو النضر: وكان أعبد رجل بالكوفة قال ثنا عاصم الأحول عن أبي العالية في قول الله (اهدنا الصراط المستقيم) قال: هو النبي ﷺ وصاحباه أبو بكر وعمر. قال: فذكرت ذلك للحسن فقال: صدق أبو العالية ونصح اه
فالجماعة هي ما كان عليه السابقون الأولون، وما حدث بعدهم من البدع ففرقة وضلالة.
стр. 175
فصل: نُتَفٌ من أقوال المتأخرين من أئمة الدين
- مالك [المدونة ١/ ١١٦] عن حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان كلهم لم يكن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتحوا الصلاة. قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا اه احتج بالترك وسماه أمرا أي عملا.
- يحيى بن يحيى [الموطأ باب جامع الصيام]: سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام بعد الفطر من رمضان إنه لم ير أحدا من أهل العلم والفقه يصومها ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك، ويخافون بدعته، وأن يُلحِق برمضان ما ليس منه أهلُ الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك اه
- حكى ابن المنذر [الأوسط ٣/ ٢٧٤] عن مالك بن أنس قوله: أكره ما يصنع بعض الناس من النظر إلى موضع سجودهم وهم قيام في صلاتهم. وقال: ليس ذلك من أمر الناس، وهو شيء أحدث، وصنعة صنعها الناس، وذلك مستنكر، ولا أرى بأسا لو مد بصره أمامه اه
- وقال ابن المنذر [الأوسط ٥/ ٣١٦]: وأنكر مالك الصلاة عند الزلزلة وقال: ما أسرع الناس إلى البدع اه
- ابن وضاح [البدع والنهي عنها ٩٧] حدثني أبان بن عيسى عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك أنه قال: التثويب بدعة، ولست أراه. قال ابن وضاح: ثوب المؤذن بالمدينة في زمان مالك، فأرسل إليه مالك، فجاءه، فقال له مالك: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر فيقوموا. فقال له مالك: لا تفعل، لا تُحْدث في بلدنا شيئا لم يكن فيه، قد كان رسول الله ﷺ بهذا البلد عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان فلم يفعلوا هذا، فلا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف المؤذن عن ذلك وأقام زمانا. ثم إنه تنحنح في المنارة عند طلوع الفجر فأرسل إليه مالك فقال له: ما هذا الذي تفعل!؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر. فقال له مالك: ألم أنهك ألا تحدث عندنا ما لم يكن؟ فقال: إنما نهيتني عن التثويب، فقال له مالك: لا تفعل،
стр. 176
لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف أيضا زمانا، ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه اه
- ابن وضاح [١٠٢] حدثني سحنون وحارث عن ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن قراءة (قل هو الله أحد) مرارا في ركعة، فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوها اه
- ابن وضاح [١٠٤] حدثني مالك بن علي عن سعيد عن أشهب قال: سألت مالكا عن الحديث الذي جاء أن أبا بكر الصديق لما أتاه خبر اليمامة سجد، قال: فقال لي: ما يكفيك أنه قد فتح لرسول الله ﷺ الفتوح فلم يسجد، وفتح لأبي بكر في غير اليمامة فلم يسجد، وفتح لعمر بن الخطاب فلم يسجد؟ قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، إنما أردت أن أعرف رأيك فأرد ذلك به، قال: بحسبك إذا بلغك مثل هذا ولم يأت ذلك عنهم متصلا أن ترده بذلك، فهذا إجماع. وقد كان مالك يكره كل بدعة، وإن كانت في خير، ولقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك، وقد جاءت الآثار عن النبي ﷺ بالرغبة في ذلك، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه. قال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول: لما أتاها سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل قيل: وسئل ابن كنانة عن الآثار التي بالمدينة فقال: أثبت ما عندنا في ذلك قباء، إلا أن مالكا كان يكره مجيئها خوفا من أن تتخذ سنة اه
- مالك [المدونة ١/ ٣٣٣]: إنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة والصيام والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أو بأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة. وقد اعتكف رسول الله ﷺ وعرف المسلمون سنة الاعتكاف اه
- الجوهري [مسند الموطأ ٩٠] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا صفوان بن صالح قال حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس عن إمام
стр. 177
كبر على الجنازة خمس تكبيرات أن أكبر معه؟ قال: لا، قف حيث وقفت السنة اه
- أبو شامة [الباعث على إنكار البدع والحوادث ٤٧] أخبرنا أبو الحسن ثنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر الطرطوشي قال ابن وهب سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة يجلس أهل البلد في مسجدهم ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى للناس إلى غروب الشمس، فقال مالك: ما نعرف هذا وإن الناس عندنا اليوم يفعلونه. قال ابن وهب: سمعت مالكا يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع. قال مالك رحمه الله تعالى في العتبية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد اه وذكره الطرطوشي في «الحوادث والبدع» ص ٩١.
- المدونة [١/ ٤١٩] قال سحنون: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن هذا الذي يقول الناس عند استلام الحجر: إيمانا بك وتصديقا بكتابك؟ فأنكره، قلت لابن القاسم: أفيزيد على التكبير أم لا عند استلام الحجر والركن اليماني؟ قال: لا يزيد على التكبير في قول مالك. قلت لابن القاسم: أرأيت إن وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك وقال: هذا بدعة اه
- المدونة [١/ ٥٤٤] قال سحنون لابن القاسم: كيف التسمية عند مالك على الذبيحة؟ قال: باسم الله والله أكبر. قلت: هل كان مالك يكره أن يذكر على الذبيحة صلى الله على رسول الله بعد التسمية، أو يقول محمد رسول الله بعد التسمية؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا وذلك موضع لا يذكر هنالك إلا اسم الله وحده. قلت: أرأيت الضحايا هل يذكر عليها اسم الله، ويقول بعد التسمية اللهم تقبل من فلان؟ قال: قال مالك: يقول على الضحايا باسم الله والله أكبر، فإن أحب قال: اللهم تقبل مني، وإلا فإن التسمية تكفيه. قال: فقلت لمالك: فهذا الذي يقول الناس اللهم منك وإليك؟ فأنكره، وقال: هذا بدعة اه
- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ١١٧]: قال مالك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان: ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة كما يفعل أهل الإسكندرية،
стр. 178
هذا مكروه ولا يعجبنا اه
- محمد بن رشد الجد [البيان والتحصيل ١/ ٢٩٨] قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعاً فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس. قال محمد بن رشد: إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضاً وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بيّن، والله أعلم اه
- البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠١] قال: وسئل عن الجلوس إلى القاص فقال: ما أرى أن يجلس إليهم وإن القصص لبدعة. قال محمد بن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك ﵀. روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معي فتى من طرابلس إلى المدينة فكنا لا ننزل منزلاً إلا وعظنا فيه حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب بذلك منه، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بنا، فرأيته في سماطى أصحاب السفط وهو قائم يحدثهم ولقد لهوا عنه والصبيان يحصبونه ويقولون له: أسكت يا جاهل. فوقفت متعجباً لما رأيت. فدخلنا على مالك فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأينا من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذ لهوا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله. قال يحيى: وسمعت مالكاً يكره القصص، فقيل له يا أبا محمد فإذ تكره مثل هذا، فعلى ما كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه، وكان يأمرهم وينهاهم، وبالله التوفيق اه أبو محمد هو يحيى بن يحيى الليثي.
- الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ٤٤] روى محمد بن أحمد في المستخرجة عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو فقال: ما سمعت أنه يدعا عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس اه فأنكر عملا مستحسنا عند المخالف، وسمى الدعاء وهو قول عملا.
ثم قال [ص ٤٥] وروى ابن القاسم أيضا عن مالك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه فأنكر وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود.
стр. 179
قال مالك: التقليص رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين اه قال الطرطوشي: " وروى ابن القاسم أيضا قال: سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع! وأنكر ذلك إنكارا شديدا ". ثم قال: "وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو فقال: ما سمعته إنما هو شيء أحدثه المسودة. فقيل له: بعض البلدان يكبرون دبر المغرب وفي الصبح، فقال: هذا مما أحدثوه. ثم قال: وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما فقال: ليس بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. " وقال [ص ٧٥]: " قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له مسجد الخلوق ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر ﵇ أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين الصلاة فيه؟ قال: لا والله. "
- القاضي عياض [ترتيب المدارك ١/ ٨٨] " قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رفعه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال: من ها هنا من الحرس؟ فجاءه نفسان. فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس. فقيل له: ابن مهدي! فوجه إليه وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وأشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﷺ : من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي ﷺ ولا في غيره ". [الاعتصام ١/ ٣٣٧]
- قال أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام ٤٦٣] حدثنا الأصم حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم حدثنا أبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الزبير بن بكار حدثني سفيان بن عيينة قال قال رجل لمالك: من أين؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. فأعاد عليه مرارا قال: فإن زدتُ على ذلك؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة! قال: وما في هذا من الفتنة؟ إنما هي أميال أزيدها! قال: إن الله يقول (فليحذر الذين يخالفون) الآية [النور ٦١] قال: وأي فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى
стр. 180
أنك أصبت فضلا قصر عنه رسول الله أو ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسول الله!
- وقال أحمد [العلل رواية عبد الله ٢٣٧٣] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول: الوقت بدعة يعني في المسح على الخفين اه
- قال الفسوي [المعرفة والتاريخ ٣/ ٩٩] حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة، وكان يعيب الرأي ويقول: قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا نتبع الرأي، وإنه من اتبع الرأي جاء رجل أقوى منك في الرأي فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا الأمر لا يتم اه
- أبو إسحاق الشاطبي [الاعتصام ١/ ٣٣] قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا اه
- البيهقي [الكبرى ٧١٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف القاضي حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال: ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم فقال مالك: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي ﷺ في الاِحفاء ولكن يبدي حرف الشفتين والفم. قال مالك بن أنس: حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس اه
- البيهقي [الشعب ٥٨٠٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت عبد الله بن موسى يقول: سمعت الفضل بن محمد يقول: سمعت أبا مصعب يقول: دعا أمير الأمراء مالكا إلى غدائه قال: فلما قربت الإبريق والطشت قال: لا أعود إلى غدائك! قال: لِمَ!؟ قال: لأن غسل اليدين بدعة عند الطعام. قال أحمد - أي البيهقي -: وكذلك صاحبنا الشافعي استحب تركه اه المقصود.
- وروى ابن عساكر [تاريخ دمشق ٥٨/ ٣٦٥] من طريق نصر بن إسحاق صاحب سحنون حدثني علي بن يونس المدني قال: كنت جالسا في مجلس مالك بن أنس