← Общие книги

Общие книги · id 1246

الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل

محمد بن مبارك حكيمي

Полный текст (400 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه. فكف أيضا زمانا، ثم جعل يضرب الأبواب، فأرسل مالك إليه فقال له: ما هذا الذي تفعل؟ قال: أردت أن يعرف الناس طلوع الفجر، فقال له مالك: لا تفعل، لا تحدث في بلدنا ما لم يكن فيه اه - ابن وضاح [١٠٢] حدثني سحنون وحارث عن ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن قراءة (قل هو الله أحد) مرارا في ركعة، فكره ذلك، وقال: هذا من محدثات الأمور التي أحدثوها اه - ابن وضاح [١٠٤] حدثني مالك بن علي عن سعيد عن أشهب قال: سألت مالكا عن الحديث الذي جاء أن أبا بكر الصديق لما أتاه خبر اليمامة سجد، قال: فقال لي: ما يكفيك أنه قد فتح لرسول الله ﷺ الفتوح فلم يسجد، وفتح لأبي بكر في غير اليمامة فلم يسجد، وفتح لعمر بن الخطاب فلم يسجد؟ قال: فقلت له: يا أبا عبد الله، إنما أردت أن أعرف رأيك فأرد ذلك به، قال: بحسبك إذا بلغك مثل هذا ولم يأت ذلك عنهم متصلا أن ترده بذلك، فهذا إجماع. وقد كان مالك يكره كل بدعة، وإن كانت في خير، ولقد كان مالك يكره المجيء إلى بيت المقدس خيفة أن يتخذ ذلك سنة، وكان يكره مجيء قبور الشهداء، ويكره مجيء قباء خوفا من ذلك، وقد جاءت الآثار عن النبي ﷺ بالرغبة في ذلك، ولكن لما خاف العلماء عاقبة ذلك تركوه. قال ابن كنانة وأشهب: سمعنا مالكا يقول: لما أتاها سعد بن أبي وقاص قال: وددت أن رجلي تكسرت وأني لم أفعل قيل: وسئل ابن كنانة عن الآثار التي بالمدينة فقال: أثبت ما عندنا في ذلك قباء، إلا أن مالكا كان يكره مجيئها خوفا من أن تتخذ سنة اه - مالك [المدونة ١/ ٣٣٣]: إنما الاعتكاف عمل من الأعمال كهيئة الصلاة والصيام والحج، فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل فيه بما مضى من السنة في ذلك، وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه الأمر بشرط يشترطه أو بأمر يبتدعه، وإنما الأعمال في هذه الأشياء بما مضى فيها من السنة. وقد اعتكف رسول الله ﷺ وعرف المسلمون سنة الاعتكاف اه - الجوهري [مسند الموطأ ٩٠] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا صفوان بن صالح قال حدثنا الوليد بن مسلم قال: سألت مالك بن أنس عن إمام

стр. 177

كبر على الجنازة خمس تكبيرات أن أكبر معه؟ قال: لا، قف حيث وقفت السنة اه - أبو شامة [الباعث على إنكار البدع والحوادث ٤٧] أخبرنا أبو الحسن ثنا أبو طاهر أخبرنا أبو بكر الطرطوشي قال ابن وهب سألت مالكا عن الجلوس يوم عرفة يجلس أهل البلد في مسجدهم ويدعو الإمام رجالا يدعون الله تعالى للناس إلى غروب الشمس، فقال مالك: ما نعرف هذا وإن الناس عندنا اليوم يفعلونه. قال ابن وهب: سمعت مالكا يُسأل عن جلوس الناس في المسجد عشية عرفة بعد العصر واجتماعهم للدعاء فقال: ليس هذا من أمر الناس، وإنما مفاتيح هذه الأشياء من البدع. قال مالك رحمه الله تعالى في العتبية: وأكره أن يجلس أهل الآفاق يوم عرفة في المساجد للدعاء، ومن اجتمع إليه الناس للدعاء فلينصرف، ومقامه في منزله أحب إلي، فإذا حضرت الصلاة رجع فصلى في المسجد اه وذكره الطرطوشي في «الحوادث والبدع» ص ٩١. - المدونة [١/ ٤١٩] قال سحنون: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن هذا الذي يقول الناس عند استلام الحجر: إيمانا بك وتصديقا بكتابك؟ فأنكره، قلت لابن القاسم: أفيزيد على التكبير أم لا عند استلام الحجر والركن اليماني؟ قال: لا يزيد على التكبير في قول مالك. قلت لابن القاسم: أرأيت إن وضع الخدين والجبهة على الحجر الأسود؟ قال: أنكره مالك وقال: هذا بدعة اه - المدونة [١/ ٥٤٤] قال سحنون لابن القاسم: كيف التسمية عند مالك على الذبيحة؟ قال: باسم الله والله أكبر. قلت: هل كان مالك يكره أن يذكر على الذبيحة صلى الله على رسول الله بعد التسمية، أو يقول محمد رسول الله بعد التسمية؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئا وذلك موضع لا يذكر هنالك إلا اسم الله وحده. قلت: أرأيت الضحايا هل يذكر عليها اسم الله، ويقول بعد التسمية اللهم تقبل من فلان؟ قال: قال مالك: يقول على الضحايا باسم الله والله أكبر، فإن أحب قال: اللهم تقبل مني، وإلا فإن التسمية تكفيه. قال: فقلت لمالك: فهذا الذي يقول الناس اللهم منك وإليك؟ فأنكره، وقال: هذا بدعة اه - الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ١١٧]: قال مالك في مختصر ما ليس في المختصر لابن شعبان: ولا يجتمع القوم يقرؤون في سورة واحدة كما يفعل أهل الإسكندرية،

стр. 178

هذا مكروه ولا يعجبنا اه - محمد بن رشد الجد [البيان والتحصيل ١/ ٢٩٨] قال ابن القاسم: قال مالك في القوم يجتمعون جميعاً فيقرؤون في السورة الواحدة مثل ما يفعل أهل الإسكندرية، فكره ذلك وأنكر أن يكون من فعل الناس. قال محمد بن رشد: إنما كرهه لأنه أمر مبتدع ليس من فعل السلف، ولأنهم يبتغون به الألحان وتحسين الأصوات بموافقة بعضهم بعضاً وزيادة بعضهم في صوت بعض على نحو ما يفعل في الغناء، فوجه المكروه في ذلك بيّن، والله أعلم اه - البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠١] قال: وسئل عن الجلوس إلى القاص فقال: ما أرى أن يجلس إليهم وإن القصص لبدعة. قال محمد بن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك ﵀. روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معي فتى من طرابلس إلى المدينة فكنا لا ننزل منزلاً إلا وعظنا فيه حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب بذلك منه، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بنا، فرأيته في سماطى أصحاب السفط وهو قائم يحدثهم ولقد لهوا عنه والصبيان يحصبونه ويقولون له: أسكت يا جاهل. فوقفت متعجباً لما رأيت. فدخلنا على مالك فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأينا من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذ لهوا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله. قال يحيى: وسمعت مالكاً يكره القصص، فقيل له يا أبا محمد فإذ تكره مثل هذا، فعلى ما كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه، وكان يأمرهم وينهاهم، وبالله التوفيق اه أبو محمد هو يحيى بن يحيى الليثي. - الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ٤٤] روى محمد بن أحمد في المستخرجة عن ابن القاسم قال: سئل مالك عن الذي يقرأ القرآن فيختمه ثم يدعو فقال: ما سمعت أنه يدعا عند ختم القرآن، وما هو من عمل الناس اه فأنكر عملا مستحسنا عند المخالف، وسمى الدعاء وهو قول عملا. ثم قال [ص ٤٥] وروى ابن القاسم أيضا عن مالك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن رأى رجلا قائما عند المنبر يدعو ويرفع يديه فأنكر وقال: لا تقلصوا تقليص اليهود.

стр. 179

قال مالك: التقليص رفع الصوت بالدعاء ورفع اليدين اه قال الطرطوشي: " وروى ابن القاسم أيضا قال: سئل مالك عما يعمل الناس من الدعاء حين يدخلون المسجد وحين يخرجون ووقوفهم عند ذلك؟ فقال: هذا من البدع! وأنكر ذلك إنكارا شديدا ". ثم قال: "وسئل عن التكبير خلف الصلوات بأرض العدو فقال: ما سمعته إنما هو شيء أحدثه المسودة. فقيل له: بعض البلدان يكبرون دبر المغرب وفي الصبح، فقال: هذا مما أحدثوه. ثم قال: وسئل مالك عن الرجل يدعو خلف الصلاة قائما فقال: ليس بصواب ولا أحب لأحد أن يفعله. " وقال [ص ٧٥]: " قال ابن وهب: سمعت مالكا يسأل عن مسجد بمصر يقال له مسجد الخلوق ويقولون فيه كذا وكذا، حتى ذكر أنه رئي فيه الخضر ﵇ أفترى أن يذهب الناس إليه متعمدين الصلاة فيه؟ قال: لا والله. " - القاضي عياض [ترتيب المدارك ١/ ٨٨] " قال أبو مصعب: قدم علينا ابن مهدي فصلى ووضع رداءه بين يدي الصف فلما سلم الإمام رفعه الناس بأبصارهم ورمقوا مالكاً، وكان قد صلى خلف الإمام، فلما سلم قال: من ها هنا من الحرس؟ فجاءه نفسان. فقال: خذا صاحب هذا الثوب فاحبساه، فحبس. فقيل له: ابن مهدي! فوجه إليه وقال له: أما خفت الله واتقيته أن وضعت ثوبك بين يديك في الصف وأشغلت المصلين بالنظر إليه، وأحدثت في مسجدنا شيئاً ما كنا نعرفه، وقد قال النبي ﷺ : من أحدث في مسجدنا حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. فبكى ابن مهدي وآلى على نفسه أن لا يفعل ذلك أبداً في مسجد النبي ﷺ ولا في غيره ". [الاعتصام ١/ ٣٣٧] - قال أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام ٤٦٣] حدثنا الأصم حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم حدثنا أبو بكر محمد بن إدريس وراق الحميدي حدثنا الزبير بن بكار حدثني سفيان بن عيينة قال قال رجل لمالك: من أين؟ قال: من حيث أحرم رسول الله. فأعاد عليه مرارا قال: فإن زدتُ على ذلك؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة! قال: وما في هذا من الفتنة؟ إنما هي أميال أزيدها! قال: إن الله يقول (فليحذر الذين يخالفون) الآية [النور ٦١] قال: وأي فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى

стр. 180

أنك أصبت فضلا قصر عنه رسول الله أو ترى أن اختيارك لنفسك خير من اختيار الله واختيار رسول الله! - وقال أحمد [العلل رواية عبد الله ٢٣٧٣] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال سمعت مالك بن أنس يقول: الوقت بدعة يعني في المسح على الخفين اه - قال الفسوي [المعرفة والتاريخ ٣/ ٩٩] حدثني الحسن بن الصباح حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنيني قال: قال مالك: ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة، وكان يعيب الرأي ويقول: قبض رسول الله ﷺ وقد تم هذا الأمر واستكمل، فإنما ينبغي أن نتبع آثار رسول الله ﷺ وأصحابه، ولا نتبع الرأي، وإنه من اتبع الرأي جاء رجل أقوى منك في الرأي فاتبعته، فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته، أرى هذا الأمر لا يتم اه - أبو إسحاق الشاطبي [الاعتصام ١/ ٣٣] قال ابن الماجشون: سمعت مالكا يقول: من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا ﷺ خان الرسالة، لأن الله يقول: (اليوم أكملت لكم دينكم) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا اه - البيهقي [الكبرى ٧١٩] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أحمد بن كامل بن خلف القاضي حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي قال: ذكر مالك بن أنس إحفاء بعض الناس شواربهم فقال مالك: ينبغي أن يضرب من صنع ذلك، فليس حديث النبي ﷺ في الاِحفاء ولكن يبدي حرف الشفتين والفم. قال مالك بن أنس: حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس اه - البيهقي [الشعب ٥٨٠٥] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت عبد الله بن موسى يقول: سمعت الفضل بن محمد يقول: سمعت أبا مصعب يقول: دعا أمير الأمراء مالكا إلى غدائه قال: فلما قربت الإبريق والطشت قال: لا أعود إلى غدائك! قال: لِمَ!؟ قال: لأن غسل اليدين بدعة عند الطعام. قال أحمد - أي البيهقي -: وكذلك صاحبنا الشافعي استحب تركه اه المقصود. - وروى ابن عساكر [تاريخ دمشق ٥٨/ ٣٦٥] من طريق نصر بن إسحاق صاحب سحنون حدثني علي بن يونس المدني قال: كنت جالسا في مجلس مالك بن أنس

стр. 181

حتى إذا استأذن عليه سفيان بن عيينة قال مالك: رجل صالح وصاحب سنة أدخلوه. فلما دخل سلم ثم قال: السلام خاص وعام السلام عليك أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته. فقال له مالك: وعليك السلام أبا محمد ورحمة الله وبركاته. وقام إليه وصافحه، وقال: لولا أنه بدعة لعانقتك. فقال سفيان: قد عانق من هو خير منا ومنك! فقال له مالك: النبي ﷺ جعفرا؟ فقال له سفيان: نعم. فقال مالك: ذاك خاص ليس بعام. فقال له: ما عم جعفرا يعمنا وما خص جعفرا يخصنا إذا كنا صالحين اه ومذهب مالك في تبديع المعانقة وكراهتها لأنها لم تكن مشهور. ففي البيان والتحصيل [١٨/ ٢٠٥] "وسئل عن تعانق الرجلين إذا قدم من سفر، قال: ما هذا من عمل الناس. قيل له فالمصافحة؟ فكرهها وقال: هي أخف. قال: وسئل عن معانقة الرجل أخته إذا قدم من سفر، قال: ما هذا من عمل الناس. قال وسئل مالك عن معانقة الرجلين أحدهما صاحبه إذا التقيا أترى بها بأساً؟ قال: نعم. قيل له: فالمصافحة؟ قال: ما كان ذلك من أمر الناس وهو أيسر. قال وسمعته يقول: إنما أفسد على الناس تأويل ما لا يعلمون. " - قال ابن القاسم [المدونة ١/ ٢٥٦] قال مالك: أكره أن يتبع الميت بمجمرة أو تقلم أظفاره أو تحلق عانته، ولكن يترك على حاله، قال: وأرى ذلك بدعة ممن فعله اه - قال ابن رشد [البيان والتحصيل ٢/ ٢٢٠]: " كره مالك البناء على القبر، وأن يجعل عليه البلاطة المكتوبة، لأن ذلك من البدع التي أحدثها أهل الطَّول إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، فذلك مما لا اختلاف في كراهته ". و قال ابن رشد في إعلان النكاح [٥/ ١١٥]: " قال أصبغ: فالإعلان به عندي الملاك والعرس جميعاً أن يعلن بهما، ولا يستخفي بهما سراً في التفسير ويظهر بهما ببعض اللهو، مثل الدف والكَبَر للنساء، والغربال هو الدف المدور، وليس المِزْهَر، والمزهر مكروه وهو محدث، والفرق بينهما أن المزهر ألها، وكل ما كان ألهى فهو أغفل عن ذكر الله، وكان من الباطل، وما كان من الباطل فمحرم على المؤمنين اللهو والباطل .. " ثم قال ﵀: [١٨/ ٤٥٣] "وسئل عن التهادي للقرابة في يوم العيد والتزوار بعضهم بعض، فأجاز ذلك. ومعناه إذا لم يقصد زيارته في يوم العيد من أجل أنه يوم العيد حتى يجعل ذلك

стр. 182

من سنة العيد، وإنما زار قريبه أو أخاه في الله من أجل تفرغه لزيارته في ذلك اليوم. فما أحدث الناس اليوم من التزام التزوار في ذلك اليوم كالسنة التي تلزم المحافظة عليها وترك تضييعها، هو بدعة من البدع المكروهة تركها أحسن من فعلها اه فجعل البدع جارية في العادات أيضا. فهذه نتف عن مالك ﵀ تنبيك عن أصله الذي كان يلاحظه في التبديع والاتباع. - البغوي [مسند ابن الجعد ١٨٠٩] قال أبو سعيد الأشج سمعت يحيى بن يمان يقول سمعت سفيان يقول: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢٣٨] [حلية الأولياء ٣/ ١٥٩] فعمم سفيان الثوري ﵀ ولم يخصص. - اللالكائي [أصول اعتقاد أهل السنة ١١٣] أخبرنا عيسى بن علي أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي ثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق ثنا عبدان عن عبد الله يعني ابن المبارك قال سفيان: وجدت الأمر الاتّباع. - محمد بن وضاح [١٠١] نا محمد بن عمرو عن مصعب قال: سئل سفيان عن رجل يكثر قراءة قل هو الله أحد، لا يقرأ غيرها كما يقرأها، فكرهه، وقال: إنما أنتم متبِعون، فاتبعوا الأولين، ولم يبلغنا عنهم نحو هذا، وإنما نزل القرآن ليقرأ ولا يخص شيء دون شيء اه - الخطيب البغدادي [شرف أصحاب الحديث ص ٦] أخبرنا أبو منصور محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان قال: حدثنا عبيد الله بن سعيد القاضي ببروجرد قال: حدثنا عبد الله بن وهب الحافظ الدينوري قال: حدثنا زيد بن أخزم قال: حدثنا أبو داود الطيالسي قال: قال سفيان الثوري: إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي، إنما الدين بالآثار ليس بالرأي اه أي الرأي في العقائد والقربات. - ابن وضاح [١١٢] نا غير واحد منهم زيد عن سفيان عن موسى بن أبي عيسى أن نافعا كره الضج مع الإمام حين يقرأ مثل قوله (أنا ربكم الأعلى) ومثل قوله (ما علمت لكم من إله غيري) قال سفيان: إنما ينصت اه سفيان هو ابن عيينة

стр. 183

وزيد هو أبو البشر الحضرمي المالكي. - ابن جرير [التفسير ١٥١٥١] حدثني المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا عبد الله بن الزبير عن ابن عيينة في قوله (وكذلك نجزي المفترين) قال: كل صاحب بدعة ذليلٌ اه ورواه ابن أبي حاتم [التفسير ٩٠٠٨] حدثنا أبي ثنا محمد بن أبي عمر العدني قال سفيان فذكره. وذلك لأنه ينسب بدعته إلى الله تعالى افتراء عليه. - الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ١٠٨]: وقال الأوزاعي: بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به اه روي مرفوعا [ذم الكلام ٤٤١] - اللالكائي [٣١٥] أخبرنا الحسن بن عثمان قال أخبرنا أحمد بن حمدان قال حدثنا بشر بن موسى قال حدثنا معاوية بن عمرو قال حدثنا أبو إسحاق قال: سألت الأوزاعي فقال: اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم اه وهذا منهج في الاعتقاد والعمل. - وقال أبو بكر الخلال [الحث على التجارة والصناعة ٩٤] أخبرنا طالب بن قرة الأذني ثنا محمد بن عيسى ثنا ابن المبارك قال: ما رأيت أحدا منهم عاقلا، يعني الصوفيين اه طالب احتج به الضياء المقدسي في الصحيحة. - أبو عبيد [فضائل القرآن ٢٣٨] حدثني يحيى بن سعيد عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث: زينوا القرآن بأصواتكم. قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب - فيما نرى - أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في هذه الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به اه أي لئلا يُفهم من الحديث - الذي صيغته مطلقة - غير ما يجوز في العمل، فترك اللفظ المطلق للعمل. - وقال البيهقي [المعرفة ٥/ ١٨٥] أخبرنا أبو سعيد قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال أخبرنا الشافعي قال: ولا أعلم التسميع في التكبير والسلام في الصلاة إلا محدثا، ولا أراه قبيحا مهما أحدث إذا كبر الناس. قال: والمحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث مخالفا كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا، فهذه البدعة

стр. 184

الضلالة. والثانية ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدثة غير مذمومة، وقد قال عمر ﵁ في قيام شهر رمضان: نعمت البدعة هذه يعني أنها محدثة لم تكن وإذ كانت فليس فيها رد لما مضى اه ذكره في تسميع التكبير والسلام خلف الإمام. - أبو نعيم [الحلية ٤/ ٩٧] حدثنا أبو بكر الآجري حدثنا عبد الله بن محمد العطشي حدثنا إبراهيم بن الجنيد حدثنا حرملة بن يحيى قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: البدعة بدعتان، بدعة محمودة، وبدعة مذمومة. فما وافق السنة فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذموم، واحتج بقول عمر بن الخطاب في قيام رمضان: نعمت البدعة هي اه فعلل الحكم بالمخالفة، فما خالف السنة عنده هو البدعة، لكن السنة - عنده - تشمل الترك أيضا، فما ظهر له أن النبي ﷺ تركه منع من فعله احتجاجا بالترك. فقد قال في زكاة التبر غير الذهب والفضة [الرسالة ٥٢٨]: "فلما لم يأخذ منه رسول الله ﷺ ولا أحد من بعده زكاة تركناه اتباعا بتركه". فأسس للترك في كتاب الأصول ﵀، وجعله من البيان بالسنة. قال ابن حجر [الفتح ٤/ ٢٧٥] "وأجاب الشافعيّ عن قول من قال ليس شيء من البيت مهجورا بأَنَّا لَمْ نَدَّعِ اِسْتِلَامهمَا هَجْرًا للبيت، وكيف يهجُره وهو يَطُوف به، ولكنَّا نَتَّبِع السُّنَّة فِعْلا أَوْ تركا اه فهذا أصله في اتباع سنة التَرك، أن الترك سنة. إذا ضممنا كلامه في اعتبار الترك، وإنكاره لصور من التعبد كقوله مثلا [الأم ١/ ٢٧٢]: "ولا قنوت في صلاة العيدين ولا الاستسقاء، وإن قنت عند نازلة لم أكره. وإن قنت عند غير نازلة كرهت له". وقوله [الأم ١/ ١٥٤] " ولو أطال القيام بذكر الله يدعو أو ساهيا وهو لا ينوى به القنوت كرهت ذلك له". وقوله [الأم ١/ ٢٢١]: " ولا يجمع في مصر وإن عظم أهله وكثر عامله ومساجده إلا في موضع المسجد الأعظم وإن كانت له مساجد عظام لم يجمع فيها إلا في واحد. وأيها جمع فيه أولا بعد الزوال فهي الجمعة وإن جمع في آخر سواه بعده لم يعتد الذين جمعوا بعده بالجمعة وكان عليهم أن يعيدوا ظهرا أربعا ". وقال البيهقي [المعرفة ١٧٩٥] أخبرنا أبو سعيد قال حدثنا أبو العباس قال أخبرنا الربيع قال حدثنا الشافعي قال: فإذا كان مصر

стр. 185

عظيم رأيت أن يصلي الجمعة في مسجده الأعظم. وذلك أن رسول الله ﷺ ومن بعده كانوا يصلون الجمعة في مسجد النبي ﷺ وبالمدينة وحول المدينة في العوالي وغيرها - أظنه قال: مساجد - لا نعلم منهم أحدا جمع إلا في مسجد النبي ﷺ . فاحتج بالترك كما في قوله [الأم ١/ ٨٥] " ولا أحب التثويب في الصبح ولا غيرها لأن أبا محذورة لم يحك عن النبي ﷺ أنه أمر بالتثويب فأكره الزيادة في الأذان وأكره التثويب بعده اه وما روى الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر [١٩٥] أخبرني زكريا بن يحيى الناقد حدثنا الحسين بن الحروري حدثنا محمد بن يعقوب قال سمعت يونس بن عبد الأعلى قال سمعت الشافعي قال: تركت بالعراق شيئا يسمونه التغبير، وضعته الزنادقة يشغلون به عن القرآن اه إلى أمور هي أعمال خير عند المخالف .. إذا نظرنا فهمنا معنى بدعة الضلال عنده وهي ما خالف فعلا في السنة أو تركا، فيكون خلافه للهدي الأول قريبا وإن خالفه في مسائل، والله أعلم. والإنصاف أن يوزن كلام الشافعي بالعتيق هدي الأولين، فهو الأصل لا ما كان بعدهم، عليهم رحمة الله جميعا. - قال أبو عبيد [فضائل القرآن ٢٣٩] سمعت الحارث المكفوف يسأل يزيد بن هارون في التحبير فقال: بدعة وضلالة! قال: ما تقول في قراءة الحزن؟ قال: فاذهب فحزن نفسك في بيتك. قال: ما تقول في قراءة الألحان؟ قال: بدعة. قال: يا أبا خالد يشتهيه الناس! قال: لك غيره. - قال عبد الله بن أحمد [مسائل أحمد ١/ ١٤٥]: سألت أبي عن الرجل يحمل معه المصحف إلى القبر يقرأ عليه قال: هذه بدعة اه - أبو بكر الخلال [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢٠٦] أنا أبو بكر المروذي قال: سئل أبو عبد الله عن القراءة بالألحان؟ فقال: بدعة لا يسمع اه - عبد الله بن أحمد [مسائل أحمد ١/ ٤٤٢]: سألت أبي عن القراءة بالألحان فقال: محدث إلا أن يكون طباع ذلك. يعني الرجل طبعه كما كان أبو موسى الأشعري اه - قال إسحاق بن منصور [مسائل الإمام أحمد وإسحاق ١٧٧] قلت: التطريب في

стр. 186

الأذان؟ قَالَ: كل شيء مُحْدَثٌ، كأنه لم يعجبه. قال إسحاق: كما قال، لأنه بدعة اه وفيه [٣٤٩٩] قلت: يكره أن يجتمع القوم يدعون الله ويرفعون أيديهم؟ قال: ما أكرهه للإخوان إذا لم يجتمعوا على عمد إلا أن يكثروا. قال إسحاق: كما قال. وإنما معنى: أن لا يكثروا يقول: أن لا يتخذوها عادة حَتَّى يعرفوا به اه - أبو بكر الخلال [الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ١٨٤] أخبرني محمد بن موسى قال: سمعت عبدان الحذاء قال: سمعت عبد الرحمن المتطبب قال: سألت أحمد بن حنبل قلت: ما تقول في أهل القصائد قال: بدعة لا يجالسون. وقال [١٨٩] أخبرني محمد بن أبي هارون ومحمد بن جعفر أن أبا الحارث حدثهم قال: سألت أبا عبد الله: ما ترى في التغبير أنه يرقق القلب؟ فقال: بدعة. - قال ابن قدامة [المغني ٣/ ٤٠٠] " قال أحمد: ولا يقول خلف الجنازة: سلم رحمك الله فإنه بدعة". - قال البرذعي في سؤالاته لأبي زرعة [٢/ ٥٦١]: شهدت أبا زرعة سئل عن الحارث المحاسبي وكتبه فقال للسائل: إياك وهذه الكتب هذه كتب بدع وضلالات، عليك بالأثر فإنك تجد فيه ما يغني عن هذه الكتب. قيل له: في هذه الكتب عبرة! قال: من لم يكن له في كتاب الله عبرة فليس له في هذه الكتب عبرة. بلغكم أن مالك بن أنس وسفيان الثوري والأوزاعي والأئمة المتقدمين صنفوا هذه الكتب في الخطرات والوساوس وهذه الأشياء؟ هؤلاء قوم خالفوا أهل العلم فأتونا مرة بالحارث المحاسبي ومرة بعبد الرحيم الدبيلي ومرة بحاتم الأصم ومرة بشقيق البلخي! ثم قال: ما أسرع الناس إلى البدع! اه - الترمذي تحت الحديث [٨٠] قال: " والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ والتابعين ومن بعدهم مثل سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق رأوا ترك الوضوء مما مست النار ". فسمى الترك عملا. وهذا في جامعه كثير.

стр. 187

- وقال ابن حبان [٢/ ٢٧٣] " ذكر الزجر عن أذى الجيران إذ تركه من فعال المؤمنين ". وقد ذكر في مقدمة التقاسيم أنواعا من أفعال النبي ﷺ وجعل منها تروكه. كلمات أهل العلم أكثر من أن تحصى، هذا طرف منها يغني المنصف الأواب عن التكاثر.

стр. 188

الجزء الثاني في فقه معالم الآثار تلقى فقهاء الصحابة من النبي ﷺ الدين كله الشريعة والمنهاج. ويدخل في المنهاج منهجية الفتوى والاستنباط ومنهجية السؤال وأصول البدعة وقواعد الدين .. وكيفية استعمال ذلك بالفعل والقول والتقرير.

стр. 189

فصل في بيان معنى البدعة جملة الأبواب المتقدمة مع ما كان في الحُكم أو"تحقيق المناط" - وممارستهم بيان - تثمر العلم بأن "البدعة" عندهم ما أضيف إلى المطلوب شرعا وليس منه، وأن ضابط كونه منه هو العمل العتيق. وهذا تعريف يجمع كل المحدثات في الاعتقاد والقربات والعادات. ففي الاعتقاد هو ما توهم صاحبه طلب الشرع اعتقاده. وفي القربات ما زعم أن الشرع طلب السلوك عليه. وفي العادات ما ظُنَّ أنه من المكارم أو من الحلال الطيب وليس هو في الدين كذلك. والتعبد والتدين عندهم هو الامتثال لأمر الرب تعالى، أي أن يعمل العبد العمل على أن الله أذن فيه كذلك. فإذا صلى أو ذكر ربه .. فهو عند نفسه مطيع ممتثل فهذا تعبد، كذلك إذا أخذ بمباح وفي نفسه أنه في دين الله مباح فهو امتثال وتعبد لأنه تقيد بالمباح في موضعه المأذون. وسيأتي في فصل العادات من بيان وجه ذلك ما يشفي إن شاء الله تعالى. والذي يتعجل النظر فيه ابتداء هو القربات ووسائلها التي كثر فيها الخلاف إلا ممن عصم الرحمن بمنه، ثم أمور العادات تباعا. - فرق: كانت العرب تستعمل لفظ البدعة في "الدين" إذ كان لها دين وعبادات واستحسان فيها، وتفرق بين البدعة والمعصية .. وكانت تستعمله في المذموم والمحمود، إذا أطلقت اللفظ إطلاقا انصرف للذم، فتستغني بالوصف عن ذكر الحكم، فتقول: "هذا بدعة " تُحذر من حدث مزخرَف غَرور في عباداتها أو عاداتها، فيدل اللفظ على الوصف والحكم. وإذا أرادوا مدحا قيدوه بما يدل على الاستحسان في السياق، فيدل لفظ البدعة على مجرد الوصف (الحدوث) من غير تناول للحكم. ثم استعمله الشرع في المذموم فقط في كل ما نسب إلى الدين وليس عليه أمرنا. لذلك واظب النبي ﷺ على الإطلاق في مساق الذم. فبين الاستعمالين عموم وخصوص، والفرق بينهما أن علة الذم عند العرب ليست مطلق الابتداع ولكن المخالفة لما عليه جماعتهم. وعلة الذم شرعا هي مطلق الابتداع الذي يلزم منه المخالفة، لأن الشرع اكتمل ولم يُحوج الناس إلى نظر في وجوه تدينهم، فمن زاد بدعة فقد انتقص سنة .. والمعنى الشرعي هو في ملاحظة

стр. 190

العمل خاصة دون المعنى اللغوي الذي كان في الجاهلية. فصل في بيان معنى قول النبي: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" وهو أن القربات توقيف وهذا معنى محكم الثبوت، تواتر في الآثار السابقة في مجموع الأبواب وإن كان خبر واحد. ولو تأملت عامة الأبواب وباب الترك علمت ذلك، لأن كل ما تركوه أو أنكروه محتجين بالترك يدل على أن الأصل التوقف ليس الإذن. قال الله تعالى (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله) [الشورى ١٩] أي ينبغي أن يتوقفوا في أمر الدين حتى يعلموا إذن الله. إذ لم يقل: ما خالف دين الله أو ما نهى عنه الله. لكن النهي عن العمل قبل الإذن. فلا يتخذ العمل دينا حتى يأذن الله. وقال الله في قواعد المحرمات المقدمة في التنزيل (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) [الأعراف ٣٢] كذلك لا تعملوا ما لا تعلمون، إذ التعبد لله بعمل فرع عن نسبته إلى شرعه أنه محبوب إليه سبحانه. وقوله (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) يتناول القول عليه في صفاته، والقول عليه في شريعته التي هي تفاصيل محابه سبحانه. فكما الأصل التوقف هنا، الأصل التوقف هناك. والعلم الشرعي أبدا قبل القول والعمل (١). وقوله تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم) [الإسراء ٣٦] لا تقف: لا تتبع ولا تقل، هما قولان صحيحان لأهل العلم. فيتناول القول في الدين والعملَ، كله منهي عنه إلا ببرهان من الله مبين. ولما ذكر الله تعالى هذه الآية في آيات أوصى العباد بها قال (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة) فكان توقف العبد عما لا يدري من الحكمة ومن العلم كما قال ابن مسعود: " فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم لا أعلم " [خ ٤٤٩٦] لذلك كان قول " لا أدري " نصف العلم كما سيأتي إن شاء الله، ومن أخطأ هذا الأصل أخطأ الحكمة.

стр. 191

وقوله تعالى لنوح (فلا تسألني ما ليس لك به علم) [هود ٤٦] لا تدْعُ دعاء لا تعلم الإذن فيه. فقال نوح ﵊ (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم) وهذا شأن المؤمن أبدا. وقال إبراهيم ﵊ (وأرنا مناسكنا) [البقرة ١٢٧] فسأل البيان وتوقف. ثم أمرنا الله أن نتبعه فقال سبحانه (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه) أوردها سفاهة من العمل. فخلاف هذا المنهج سفه بين. فالآية تضمنت شريعة وهي مناسك الحج، ومنهجا وهو التوقف حتى يأتي الشرع. وقال الله تعالى (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) [يونس ١٥] ونظائرها كثيرة تخبر أن شأن النبي اتباع الوحي لا التصرف من تلقاء نفسه. ومنها قول الله تعالى (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) [الأحزب ٤٦] فما دعا ولا قام بالأمر إلا أن أذن الله له. وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) [الحجرات ١] أمر للمؤمنين صريح بالتوقف عن كل عمل حتى يأتي الإذن .. وهذا كما أخبر الله عن ملائكته أنهم (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) [الأنبياء ٢٧ - ٢٨] فهذا شأن عباد الله الصالحين في السماء والأرض .. بل وفي الآخرة كما قال تعالى جَده (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) [النبأ ٣٨]. وقال النبي ﷺ : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" [م ١٧١٨] فيُتوقف في العمل حتى يكون من أمرنا، لأن هذا تعليل للحكم العدمي بالوصف العدمي، فقوله: "رد" حكم بعدم القبول، تعلق بوصف عدمي وهو ألا يكون من أمرنا. فمن أراد إثبات عمل عليه أن يتوقف حتى يجده في أمرنا وهو السنة الأمر العتيق. ومثله حديث: "كل بدعة ضلالة" أي كل ما لم يكن من سنة النبي ﷺ ضلالة، وسبيل العمل

стр. 192

بهذين الحديثين أن تقف حتى تجده في العمل الأول. وهذا هدي أصحاب رسول الله ﷺ ، قال الصديق وزيد بن ثابت في جمع المصحف: كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ فتضمن كلامهم حكما فقهيا وهو حكم جمع المصحف، ومنهجا وهو التوقف عما لا يعلم طلبه شرعا إلا ببينة. ومنها قول عمر: وافقت ربي في ثلاث فقلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزلت (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) [خ ٣٩٣] اه فتوقف قبل العمل حتى يستأذن .. كذلك قول عائشة في قضاء الصلاة بعد الطهر: كان يصيبنا ذلك، فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة اه ولو كان الأصل في القربات الإذن لما توقفن عن قضاء الصلاة حتى يأتي الأمر، بل لصمن حتى يأتي النهي .. وإنما كان هذا النظر من الحرورية يفتون نساءهم بقضاء الصلاة كأنهم رأوا أن الأصل في العبادات الإذن، وهو من سنن أهل الكتاب كما قالوا لهارون وجادلهم في ما أحدثوا من عبادة العجل (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى) [طه ٩١] فكأنهم قالوا: لا نزال على ما أحدثنا حتى يأتينا النهي عنه مسندا. فمن خرج عن أصول الصحابة وقع في أصول المبتدعة السفهاء الأحلام الحدثاء الأسنان في الدين والعلم. صان الله أهل الخير من ذلك. وهذا معنى سائر في كل ما أنكره الأولون من الأعمال، إذ لو كان الأصل الإذن لما كان لإنكارهم معنى ولكانوا أولى بأن يُنكِرَ عليهم المنكَرُ عليه، ولما كان للفظ " البدعة " إذًا معنى. وهو معنى متفق عليه من حيث الجملة، معلوم عند أهل العلم بالضرورة (١)، بل هو فطرة، اتفق العقلاء على أن كل علم لا يخوض فيه جاهل حتى

стр. 193

يتعلم حدوده من مظانها، وإنما الخلاف في تعيين الدليل القاضي بالإذن الناقل عن الأصل، وقد عرفناه، وسيأتي بسطه. والذي يهمنا هنا فائدتان على طريقة الأصوليين: أولاهما أن المتمسك به ليس متبعا للمتشابه، فحيث تعارضت الأدلة ظاهرا واشتبه حُكمُ المسألة المتنازع فيها على من طلب صحة التقرب إلى الله، كان البقاء على الأصل هو الأسلم والأحكم. لأن تحريم البدع أصل محكم، فالمخلص يتبع الواضح، والخروج من الخلاف مستحب. وفي العمل العتيق سعة. ثانيهما أن من أثبت شرعية عبادة فزعم أنها مطلوبة للشرع طولب بالدليل. فالأصل هنا مع النافي القائل بالتوقف. فصل في بيان أن المطلق في صفات القربات متشابه والقصد دلالته على الكيف ونحوه لا الأشخاص لأن في النص نظرين: عموم في الأشخاص، وهذا محكم. وشبهة إطلاق في الأحوال أو الصفات. وإنما أشبه المطلق في الصيغة، لكن دورانه - قبل البيان بالعمل - بين حقيقة شرعية وأخرى لغوية جعله محتاجا إلى البيان. مثاله قول الله ﷻ (خذ من أموالهم صدقة) [التوبة ١٠٤] ففي الآية عموم بالإضافة في الأموال وعموم بالضمير المتصل في الأعيان، وهذان محكمان. فحين يمثل الأصوليون بالآية للمجمل ففي لفظ " صدقة " الذي صيغته مطلقة، لكن دلالته الشرعية على الكيف مجملة بَيَّنَها العمل. كذلك قوله تعالى (ولله على الناس حج البيت) [آل عمران ٩٧] فالمصدر المشتق "حج" مطلق. وقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) [المزمل ١٨] الفعل مطلق. وآية الوضوء [المائدة ٦] أطلقت مسح الرِّجلين في قراءة الجر فكان مجملا بينته السنة بالمسح على الخفين لا القدمين مكشوفتين. وهكذا النماذج التي ذكروا للمجمل صيغها صيغ المطلق، لكن أريدَ بذلك وصف مقيد، والمطلق مع إرادة الخصوص من المتشابه الذي لا يحتج به إلا تبعا. فهذا يثمر ألا احتجاج بالمطلقات في صفة

стр. 194

التعبد للإجمال، وهذا النظر هو على طريقة الأصوليين أنفسهم (١). وثَم وجه آخر نحوه، أن نقول في الظاهر الذي صيغته صيغة المطلق إما ظاهر يحتمل التأويل أي يحتمل حقيقتين شرعية ولغوية، أو ظاهر يحتمل التقييد بمعنى أنه مطلق. فإن قلنا بالأول - وهو المتعين - لم يكن مطلقا لما تقدم أنه يحمل على الحقيقة الشرعية المبيَّنة بالعمل. وإن قلنا بالثاني - تنزلا - لم يدل على استحسان عمل لم يكن عند الصحابة، وذلك من وجوه: - الأول: أنه معارَض بدليل خاص أو مقيد وهو الترك، فيتعين تقييده به، أو الاستدلال به على أن المتروك غير داخل في عموم اللفظ أو إطلاقه. - الثاني: أن هذه الصورة المتنازع فيها لو تناولها اللفظ لكان الصحابة مع النبي ﷺ وبعده أولى الناس بالعلم والعمل بها. فتركهم لذلك الاستدلال موجب للاحتمال على أقل تقدير، وما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال. إذ كل معنى حادث لم يفهموه فدليله متشابه، لأن المحكم - وهو واضح المعنى - واضح عندهم بالأَولى. وكل صاحب بدعة سيجد لدعواه متمسَّكا، وما هو إلا شبهة عموم أو إطلاق. فتعين أن العموم أو الإطلاق الذي لم يعملوا به غير مراد وأنه متشابه. - الثالث: أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة في غيره (٢) فليس هو الظاهر الذي يحتج به بعد التقييد أو التخصيص على لسان الأصوليين. والمتشابه - على تقريب طريقتهم - نوعان: متشابه لذاته أي محتمل في لفظه كالقروء، وهذا ونحوه وإن مثلوا به للمجمل ليس كما قالوا لأن اللفظ لا يدل بمفرده ولكن سياقه بيان لمعناه، وإنما الشأن في الثاني، وهو:

стр. 195

المتشابه لغيره وهو ما ظُن أنه محكم كبعض العمومات أو الإطلاقات التي يراد منها الخصوص، أي تُتَأول على غير المراد الذي بُيِّن للراسخين في العلم من الصحابة، كقول الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [المائدة ٤٤] فظاهره - على طريقة الأصوليين المتكلمين - يعم كل من لم يحكم بما أنزل الله ولو خطأ .. لذلك ظنت الخوارج أنه دليل محكم في ما تأولت، لكن لما رد إلى المحكمات علم أنه متشابه. كذلك استدلالهم على تكفير صاحب الكبيرة بمثل قول الله تعالى (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) [الجن ٢٣] وقول الله تعالى (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين) [المائدة ١٤] فالفعل "يعص" مطلق بادي الرأي لكن تبين تشابهه بالمحكمات (١). وله نظائر كقول النبي ﷺ : ليس من البر أن

стр. 196

تصوموا في السفر اه [م ٢٦٦٨] عام مراد به خصوص السفر الشاق وهو سبب الورود لما ثبت عن النبي ﷺ وأصحابه أنهم كانوا يصومون في السفر .. فمن عمم هذا النوع من الصيغ التي ما ظهر له منها غير مراد كان واهلا .. وإنما سبب الاشتباه هنا قلة العلم والغفلة عن القرائن التي صاحبت الكلام، فمن شهد بيان النبي ﷺ كان ظاهر الكلام معلوما كأن يشير بيده إلى الرجل ويقول: ليس من البر الصيام في السفر، فيفهم كل من شهد أن المعنى الظاهر المتبادر للذهن هو الصوم مع المشقة. بخلاف من بلغه الكلام وليس له معرفة بالمعهود وقرائن الكلام ظن الظاهر أشمل من ذلك لنظره في اشتقاق اللفظ وعمومه القياسي، والعموم إنما يحمل على المعهود لا القياس العقلي .. فالاشتباه هنا إنما يكون عند قلة العلم (١). كذلك المحكم نوعان: محكم لذاته وهو المحكم الأصلي الذي ظاهره هو المراد، الذي لا تتغير دلالته مع جمع النصوص، وهو أم الكتاب أي معظمه (٢). ومحكم بغيره وهو المتشابه الذي أحكمت دلالته برده إلى المحكمات، قال تعالى (كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير) [هود ١] فكل آياته قد أحكمت حتى المتشابهات إذا ردت إلى المحكمات الأصلية ففسرت بها، وقال سبحانه (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) [الزمر ٢٣] فهو متشابه المعاني يشبه بعضه بعضا، فمن كان مفسرا المتشابه منه تعين عليه حمله على المعنى الذي يشبه المحكمات من الكتاب والسنة. بهذا المعنى يكون القرآن كله محكما، لذلك وجب جمع النصوص عند الاستدلال مع الآثار.

стр. 197

فمن استخرج من حرف عام من القرآن أو السنة صفة للتعبد كان متبعا للمتشابه غير واصل ما أمر الله به أن يوصل، وإن كان الحرف صيغته ظاهرة ابتداء، لأن المحكم في صفات التعبد هو العمل. وإنما كان المطلق متشابها لقلة علم من احتج به، وتنزيله في غير ما نزل له، وإلا فهو عند الأكابر محكم معلومة مظان تنزيله. قال ربنا ﵎ (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل ٤٤] فما كان بيانه بالقول بَيَّنَهُ به ﷺ ، وما بيانه بالفعل بينه به. والقربات إنما يكون بيان صفتها بالعمل لا بالوصف الكلامي، والأمر بها في القرآن يدل على الوجوب والعموم في كل شخص، وهذا لا يستفاد من العمل، ولكل وظيفته، فلما كان الفعل أبين من جهة الكيف بين النبي ﷺ تفاصيله بالعمل، ولما لم يكن الفعل يدل على الوجوب ولا يخبر عن الثواب ولا يدل على العموم جاء البيان بالقول الذي هذه وظيفته، فمن طلب الكيف التمسه في السنة التي تبينه وهي العمل، ومن أراد معرفة الحكم وثوابه وعمومه فمن الأوامر والأخبار. ومن لم يعرف هذا الفقه - وهو على طريقة أهل الأثر الأوائل - قلب المنهاج، وسيأتي لهذا ذكر إن شاء الله. فمن حيثما توجه النظر لم يكن في المطلق دليل على استحسان بدعة. ولو تأملت ما أنكروه مما يجري على رسم البدعة الحسنة عند من أثبتها وجدت السلف لا يلتفتون إلى العموم، ولو كان عندهم في إثبات قربة معتبرا لما عجزوا عن الاستدلال، وهم الذين نقلوا الدين .. فرق: حيث قلت إن القول مجمل فالمعنى الأمر - ومثله النهي - الذي له عموم وإطلاق بالوضع، بخلاف القول الذي هو عمل مثل أذكار النبي ﷺ فإنها أفعال (١)، لذلك لم يكن لها عموم ولا مفهوم. وقد قال تعالى (إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا) [النساء ١٠٧] فسمى القول عملا. وقال ﷻ (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم) [النحل ٣٥] كذلك فعل: كذلك قال

стр. 198

الذين من قبلهم مثل قولهم. وقال سبحانه (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) [يونس ١٠٦] فإن فعلت إن دعوت غير الله. وقال جل في علاه (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون) [الأعراف ١٨٠] والإلحاد مطلق يتناول القول والعمل. وقال النبي ﷺ : " لا حسد إلا في اثنتين: رجل علمه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فسمعه جار له فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت مثل ما يعمل ". [خ ٥٠٢٦] عملت مثله أي قمت أتلوه مثله. وفي الصحيح [خ ١١٤٤] عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ علمهم التشهد فقال: "قولوا التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح، في السماء والأرض". فعلتم ذلك قلتم ذلك. وقال رسول الله ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه" [خ ٦٠٤٠] فسمى القول عملا. ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: من عد كلامه من عمله قل كلامه اه [عبد الرزاق ١٩٧٩٥ وغيره] ويروى عن أبي هريرة نحوه [جامع ابن وهب ٣٧٤] وكان مالك يسمي فتاوى أهل المدينة عملا. وهذا شائع جدا. فصل في بيان الفرق بين الحديث والسنة السنة في لسان العرب الذي به نزل القرآن وبه تكلم رسول الله ﷺ الطريقة المتبعة المعمول بها بعد من سنها، إنما يسمى الخطاب سنة إذا عُمل به، فإذا عُمل به كان سنة (١)، كما قال رسول الله ﷺ : من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده. الحديث. كذلك سنة رسول الله هي طريقته وطريقة أصحابه بعده.

стр. 199

والحديث أعم منها فقد يكون منسوخا، أو معلولا، أو متشابها كأن يكون مرادا به الخصوص بيَّنَه النبي ﷺ بقرينة الإشارة التي من رآها عرف المراد، أو يكون مقصودا به غير ما قد يُفهم منه مثل قول عائشة في التحصيب: نزول المُحَصَّب ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه أو يكون خاصا برسول الله ﷺ أو خاصا بزمانه كملازمة السؤال عن الرؤيا كل صباح أو ما يكون فيه وصف لخَلْقه .. ونحو ذلك. ومن سوى بين الحديث والسنة فمن هذه الجهة أي وجد الحديث أو ما فَهِمَ منه معمولا به مقصودا للتشريع. وفي هذا المعنى ألَّف أبو عيسى الترمذي جامعه، يروي الحديث وينبه على العمل، كما بين في كتاب العلل. وقال الجوهري [مسند الموطأ ١/ ١١] أخبرنا محمد بن أحمد الذهلي قال حدثنا جعفر قال حدثنا أبو قدامة قال قالَ عبد الرحمن بن مهدي: السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث اه (١) ففرق بينهما. وروى ابن وضاح في البدع [٢٤٤] بسند صحيح عن دراج أبي السمح قال: يأتي على الناس زمان يسمن الرجل راحلته حتى تعقد شحما، ثم يسير عليها في الأمصار حتى تعود نقضا، يلتمس من يفتيه بسنة قد عُمل بها فلا يجد من يفتيه إلا بالظن اه

стр. 200

ومنه ما تقدم عن سليمان الأحول قال: ذكرت لطاووس صوم عرفة أنه يعدل بصوم سنتين. فقال: أين كان أبو بكر وعمر عن ذلك؟ اه وله نظائر كثر (١). وكل من أجاز ترك الحديث الصحيح السند لما ثبت عنده من الإجماع (٢) فحاصل فعله التفريق بين الحديث والسنة. فالصحابة رووا لنا الحديث وعملوا بالسنة المقصودة منه. فإذا ظهر معنى في حديث لم يعمل به أحد من الصحابة زمان الخلافة - التي كانت على منهاج النبوة - لا في الحرمين ولا في الشام ولا في العراق .. فذلك المعنى ليس سنة، ومن عول على فهمه للحديث أخطأ وصيةَ النبي ﷺ قوله: فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ اه فسوى بين سنته وسنة الخلفاء من بعده في قوله "عليها "ولم يقل عليهما إذ هما شيء واحد، وذلك ليُضبط قصدُ النبي ﷺ من حديثه، ويُعلم المحكم من أمره. فإن قيل هذا يعارض بادي الرأي ما علم أن السنة حَكَمٌ على كل أحد، وألا كلام لأحد بعد النبي ﷺ ، وقد كان الأكابر يتركون اجتهادهم للحديث، وكان الصحابي ربما يعزب عنه الشيء بعد الشيء من سنة النبي ﷺ ، أو ينسى شيئا مما كان علمه .. وقد كانوا يَرُد بعضهم على بعض، ويصير إلى ما عنده من العلم عن النبي ﷺ ويترك قول غيره من الصحابة .. والجواب أن هذا كله ليس مما نحن فيه، وإنما القصد أن عمل الصحابة زمان الخلافة من حيث الجملة بيان لوجوه السنن، إذ قد عملوا بكل ما أمروا، ثم أمرنا أن

стр. 201

نتبعهم، وألا نحدث في الدين ما ليس يعرفونه عن النبي ﷺ باستنباط يستنبطه أحدنا .. وإذا اختلفوا في شيء نظرنا أشبههم بسنة رسول الله، ثم لا نخرج بعد عن خلافهم، إذ كل بدعة ضلالة. وإن جوزنا الخطأ على أحدهم امتنع على جماعتهم. فإذا تركتَ قولَ واحد منهم لما ثبت عندك من الحديث فلستَ هناك حتى تأتي بقولِ صاحبٍ غيرِه يشهد لفهمك كَيْمَا تصيب السنة، وليس يوجد للنبي سنة مقصودة للتشريع لم يعمل بها أحد منهم (١). كذلك كان التابعون الذين ربما ظُنَّ بهم خلاف هذا، إنما يترك أحدهم فتوى الصحابي إلى فتوى غيره إذا استبانت لأحدهم الحجة من أمر رسول الله ﷺ ، كما روى الحميدي في المسند [٢٢٣] حدثنا سفيان قال حدثنا عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال قال عمر بن الخطاب: إذا رميتم الجمرة وذبحتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء حرم عليكم إلا النساء والطيب. قال سالم بن عبد الله وقالت عائشة: طيبت رسول الله ﷺ لحرمه قبل أن يحرم، ولحله بعد ما رمى الجمرة وقبل أن يزور. قال سالم: وسنة رسول الله ﷺ أحق أن تتبع. [صحيح] أي لما رأى عائشة تفتي به، وهو مشهور عنها [خ ٢٦٢/ م ٢٨٩٩]. وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله، ولا يجتمعون بعده على ترك سنة. ومثله ما روى البيهقي [١٦٧١٩] من طريق جعفر بن عون أخبرنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قضى عمر ﵁ في الأصابع في الإبهام بثلاثة عشر وفي التي تليها باثني عشر وفي الوسطى بعشرة وفي التي تليها بتسع وفي الخنصر بست، حتى وجد كتاب عند آل عمرو بن حزم يذكرون أنه من رسول الله ﷺ ، وفيما هنالك من الأصابع عشر عشر. قال سعيد: فصارت الأصابع إلى عشر عشر اه هذا خبر استدل به من توهم أن التابعين تركوا قضاء عمر لما ثبت في الخبر، وقال لو أن عمر اطلع على ما وصل إلينا لقال به، وسوغ ناسٌ بعده أن يُحتج بالحديث دون

стр. 202

فقه العلماء من أصحاب رسول الله ﷺ .. وليس كما تأول ﵀ بل هو مختصر، فقد رواه عبد الرزاق [١٧٦٩٨] عن الثوري عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر جعل في الإبهام خمس عشرة وفي السبابة عشرا وفي الوسطى عشرا وفي البنصر تسعا وفي الخنصر ستا حتى وجدنا كتابا عند آل حزم عن رسول الله ﷺ أن الأصابع كلها سواء، فأخذ به. وروى عبد الرزاق [١٧٧٠٦] عن معمر عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري عن ابن المسيب قال قضى عمر بن الخطاب في الأصابع بقضاء ثم أخبر بكتاب كتبه النبي ﷺ لآل حزم في كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل فأخذ به وترك أمره الأول اه وهذا القضاء محفوظ عن الفقهاء عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس، وكان يرويه عن النبي ﷺ أبو موسى الأشعري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن عباس وهي أخبار مشهورة. نعم قول رسول الله أصل في نفسه مستغن عن شهادة من دونه، لا يوهنه قولٌ خالفه، ولا يقويه رأي وافقه وهو الحجة على العالمين بأبي هو وأمي ﷺ ، لكن ليست هذه نكتة الباب، إنما الشأن فينا، إذا بلغنا الحديث عن رسول الله ﷺ توقفنا عن العمل به حتى ينظر في الإسناد وشواهده، ثم إلى تحكيم لسان العرب، وجمع قرائن الأحوال، ومعرفة المتقدم من أمره والآخر .. فكما لا يسمى هذا تأخيرا لاستعمال الحديث وتحكيما لكلام البشر في الوحي، كذلك سؤال العلماء أصحاب النبي هو لمعرفة حاصل سنته ومراده من حديثه ﷺ . ومعاذ الله أن نعمد إلى شيء من أمر رسول الله ﷺ فنرده، إنا إذاً لفي ضلال مبين. ولكنا نتحرى العمل بما أراد وأن نصل ما أمر الله به أن يوصل. وإن الذي يراه استغنى بنفسه في فهم الحديث المروي لواقع في الافتراء، إذ ينسب إلى النبي ﷺ أنه أراد كذا .. وإنما يعرف قصده بسؤال أهل العلم الذين علمهم الله ورسوله ﷺ . فنستدل بآثارهم على قصد الشرع، ونبحث في عملهم عن السنة، ونحفظ وصية الله ورسوله ﷺ بعون من لدنه سبحانه. وليس معنى هذا أن نتخذ رجلا منهم مصمدا للاتباع، لا نصدر إلا عنه، ذاك

стр. 203

رسول الله ﷺ بأبي هو وأمي. ولكن أن لا نخرج عن جماعتهم فإنهم لم يجمعوا على ضلالة. وكيف يُظَن ذلك وقد كان لمن كان منه أفراد خالف فيها السنة متأولا، كما أتم عثمان في منى، ورخصت عائشة لغلمانها المحرمين في لبس التبان، وأفتى ابن عباس بمتعة النساء، ولم يرخص عمر وعبد الله في تيمم الجنب .. إلى ما هو مشهور عند الناس. فالقصد النظر في مجموع العمل .. وإنما رُدَّ على من تفرد منهم بقول من وافق السنة منهم. وكم من محدثات في الفتيا دخلت في الدين، ونسبت إلى السنة، وإنما أُتي من جاء بها من استقلاله بالنظر في الحديث دون التفقه على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار .. قال الفسوي [المعرفة ١/ ٤٨٠] حدثنا أبو النعمان قال ثنا حماد عن خالد قال: إنا لنرى أن الناسخ من قول رسول الله ﷺ ما كان عليه أبو بكر وعمر اه صحيح. وقال [المعرفة ١/ ٤٨٠] حدثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: إذا بلغك اختلاف عن النبي ﷺ ، فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر ﵄ فشد يدك به فإنه الحق وهو السنة اه صحيح. فما عليه فقهاء الصحابة هو مراد النبي ﷺ من الحديث الذي رووا ولم يعملوا بما ظهر للمتأخر منه. وهذا ملحظ من نظر في العمل مع الحديث فرجح ما عليه العمل لأنه السنة. قال ابن سعد [٧٩٤٠] أخبرنا مطرف بن عبد الله اليساري عن مالك بن أنس قال: كان محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم على القضاء بالمدينة، فكان إذا قضى القضاء مخالفا للحديث ورجع إلى منزله قال له أخوه عبد الله بن أبي بكر وكان رجلا صالحا: أي أُخَيَّ قضيت اليوم في كذا وكذا بكذا وكذا. فيقول له محمد: نعم أي أخي. فيقول له: عبد الله: فأين أنت أي أخي عن الحديث أن تقضي به؟ فيقول له محمد: أيهات فأين العمل؟ يعني ما اجتُمع عليه من العمل بالمدينة، والعمل المجتمع عليه عندهم أقوى من الحديث اه إسناد حسن. وقال أبو خيثمة [العلم ٩٧] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن أيوب

стр. 204

قال: قال رجل لمطرف: أفضل من القرآن تريدون؟ قال: لا، ولكن نريد من هو أعلم بالقرآن منا اه فكذلك كل معنى ليس في عمل النبي ﷺ وأصحابه ليس مقصودا من آية أو حديث، هم كانوا أعلم بكتاب الله تعالى ومراد رسوله ﷺ . ومن هذا ما روى أحمد بن حنبل [٢٢٧٧] حدثنا عفان حدثنا وَهيب حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة قال قالَ عروة لابن عباس: حتى متى تضل الناس يا ابن عباس؟ قال: ما ذاك يا عرية؟ قال: تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج وقد نهى أبو بكر وعمر. فقال ابن عباس: قد فعلها رسول الله ﷺ فقال عروة: هما كانا أتبع لرسول الله ﷺ وأعلم به منك اه سند صحيح. كذلك كل تصرفاتهم المذكورة في باب ما أنكروه من التعبد شاهدة هنا لأن الاستدلال بالعمومات فيه سهل لو كان سنة. فدل على أنه ليس حجة عندهم في ما لم يقع عليه العمل، وهو حاصل ما نحن فيه. والقربات - وهي أهم مباحث هذا السِفر - لا تؤخذ بالاجتهاد وإنما بالاتباع، فما عملوا علمنا أنه سنة، وما لم يعملوا مطلقا لا جميعهم ولا بعضهم علمنا أنه فهمٌ منا خطأ. وراوي الحديث أدرى بما روى. وقد قال النبي ﷺ : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه [م ١٧١٨] قوله أمرنا أي عملنا كما كان مالك بن أنس يقول " الأمر عندنا " يريد عمل أهل المدينة. وليس هذا خاصا بأهل المدينة، وإن كان لهم فيه الحظ الأكبر (١)، ولكن حيث كان عمل أصحاب النبي ﷺ ، كما نبه الليث بن سعد في رسالته إلى مالك (٢) عليهم رحمة الله تعالى.

стр. 205

ولو تأملت القرآن لانفتح لك باب العلم بأن اتباع عمل العلماء أصحاب النبي ﷺ الذي يبين وجوه السنن واجب، وأنه وصية الله ورسوله (١). فمنه قول الله تعالى (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [التوبة ١٠١] (اتبعوهم) مطلق في الاتباع عند الإجماع والخلاف والتشريع والمنهج … فما لم يثبت فيه خلاف بينهم لم يجز أن نختلف فيه، وما اختلفوا فيه نظرنا من يشهد له علمٌ عن رسول الله ﷺ .. وإنما اتباعهم في ما اختصوا به وهو الموقوفات لا في ما رووا عن النبي ﷺ ، لأن اتباع الرواية اتباع للنبي ﷺ لا للناقل عنه، وإنما هو اتباع عملهم وفهمهم. وهم السابقون الذين سبقوا إلى كل خير ولم يُسبقوا، وهم الأولون في كل خير. وقد علمت أنهم كانوا يتأسون بالنبي ﷺ في كل الأمور حتى في منهج البيان، فكانوا يبينون بالفعل والترك كما كان النبي ﷺ يبين، فما فعله الصاحب فإنه من جنس الرواية، هذا هو الأصل، ولا يشكل عليه النادر الذي خالفه. ومن رصد سنة التعليم في زمان الخلفاء الراشدين قطع بأن العلم نقل بالموقوفات أكثر من المرفوع، فكانوا يُعَلمون الناس أمور دينهم لا يكاد أحدهم يرفع إلى النبي ﷺ إلا قليلا، كذلك كان الناس زمان أبي بكر وعمر حتى أصيب، فجعلت تظهر الرواية شيئا فشيئا حتى فشت زمان الفتنة واحتاج الناس إلى الإسناد .. فمن خلع يده من الموقوفات قَبْلُ فكأنما ردَّ تسعةَ أعشار العلم. ومنه قول الله تعالى (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [الحشر ١٠] الإيمان القول والعمل، فهم الذين سبقوا إلى كل شُعَب الإيمان الظاهرة والباطنة. فيُستدل بدلالة الإشارة على اتباعهم في الظاهر والباطن. وأيضا سمى الله المهاجرين ومنهم الخلفاء الراشدون الصادقين [الحشر ٨] ثم أمرنا أن نكون معهم حيث كانوا فقال (يا أيها الذين آمنوا

стр. 206

اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) [التوبة ١٢٠]. كحديث العرباض سواء بسواء .. وقال سبحانه (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) [الجمعة ٣] منهم من جنسهم في مطلق القول والعمل، وهو إن شاء الله هديهم الذي ذكره قبل (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [الجمعة ٢] فبين أمر النبي ﷺ وما كان منه مع أصحابه أنه يعلمهم معاني الكتاب، إذ فرّق بين تلاوة آياته وتعليم الكتاب، ويزكيهم أي يربيهم كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه فعلمهم الكتاب والحكمة وهي السنة التي تحكم دلالات القرآن عملا، وتبين مراد الله تعالى. فالذين منهم الذين اتبعوهم في ذلك. وفي قوله (لما يلحقوا بهم) بشرى لمن اتبعهم أنه سيلحق بهم. فمن كان معهم فقد أصاب السنة الحكمة. جعلنا الله منهم في الدنيا والآخرة. ومنه ما روى مسلم في الصحيح [١٨٨] عن ابن مسعود يرفعه إلى النبي ﷺ قال: ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. الحديث. فهذا صريح في أن الصحابة يأخذون بكل سنته ﷺ ، ويقتدون بكل أمره ﵃، لأن قوله " بسنته" "بأمره " مضاف، والمضاف من صيغ العموم، فيتناول كل سنة أرادها بأمره ﷺ . وروى الجوهري [مسند الموطأ ٧٨٣] بسنده عن إسماعيل بن أبي أويس قال: قال مالك: كان وهب بن كيسان يقعد إلينا ثم لا يقوم أبدا حتى يقول لنا: إنه لا يصلح آخر هذا الأمر إلا ما أصلح أوله. قلت: يريد ماذا؟ قال: يريد التقى اه وأيم الله لا يثبت للعبد تقوى حتى يجتنب البدع المهلكات فيتقيها تقاة. ولا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يتخذ السابقين الأولين إماما، ففيهم نزل قول الله ﵎ ينوه بقولهم (واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان ٧٤]. وقال رسول الله ﷺ : إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم. وإن أمتكم هذه جعل عافيتها في أولها وسيصيب آخرها بلاء وأمور تنكرونها. الحديث. فأبان أن العافية مضمونة للصحابة،

стр. 207

فالمعافاة في اتباع السنة التي سلكوا. وإنما ضل الخوارج لأنهم ردوا هذا الأصل، فقد خرجوا على الصحابة في الفهم والاتباع، وقبلوا منهم الرواية! فتصرفوا من تلقاء أنفسهم دون الرجوع إلى العلماء لذلك صدق فيهم فراسة ابن مسعود وقال: إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم! ثم تولى عنهم. فقال عمرو بن سَلِمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج اه وقال لهم قبلُ: وَيْحَكُمْ يا أمة محمد! ما أسرع هلكَتَكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون اه أي هلا رجعتم إليهم فاتبعتموهم. فهذه أول بدعتهم أنهم خرجوا عليهم بالنظر في وجوه التدين، ثم خرجوا عليهم بالسيف. ومن لم يرض بفهمهم بدعوى جواز الخطأ في الفهم لزمه رد ما رووا عن النبي ﷺ بالمعنى لأنه فهم الراوي. ومن ذلك أمور كانت من رسول الله ﷺ لم ينقلها العلماء الأمناء من أصحابه مثل ألفاظ اللعان في قصة العجلاني، لم يذكروا كيف لفظ النبي في أمرهما باللعان، ولا كيف لفظ تبايعه ونكاحه وإنكاحه وإيلائه .. ونحو ذلك، مما يدل على أنهم فهموا من رسول الله أنه لم يسن فيها شيئا مؤقتا، وهذا كله مما فهم الصحابي. والرواية بالمعنى سنة العرب في لسانها، وبه نزل القرآن وجرى في حديث رسول الله ثم ورثه الراسخون في العلم من أصحابه، فلا غرو أن يرووا لنا بالمعنى الذي أُفهموا. وإذا اعتبرت ما قص الله علينا من أنباء الذين خلوا وجدت الشواهد تأتيك تترا، قال الله تعالى شأنه في قصة موسى (قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى) الآية [طه ٢٠] وقال في سورة النمل (وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب) الآية [١٠] فهي قصة واحدة بألفاظ مختلفة، وفي أخبار موسى نظائر. كذلك قوله سبحانه في خبر إبراهيم (ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث أن جاء بعجل حنيذ) الآية [هود ٦٩] وقال في سورة الذاريات (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين) الآية [٢٦]. كذلك في سورة إبراهيم نحوها

стр. 208

بسياق مختلف لفظه موتفق معناه .. وقال سبحانه في خبر آدم وعدوه (فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين) [الأعراف ٢١] وأخبر عن المعنى نفسه في سورة طه فقال (فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) [١٢٠] والخبر واحد .. وهذا في القرآن كثير، لأنه لسان العرب (١). فمن تأمله علم أن الرواية بالمعنى الذي فهموا كانت فيهم الأمر الكاثر، وأن ما ذهبوا إليه مع الحديث هو السنة، وهذا دين محفوظ. وبه تعلم أن تلك البدعة مآلها إلى رد الدين من أصله، وقاتل الله الحرورية، لم تزل بدعتهم في مضي مذ أحدثوها .. وأيضا فإن طائفة من البيان النبوي لم تنقل لتعذر نقله وهو قرائن الأحوال (٢)، وهي من أصرح الأدلة في بيان المقصود، فإن للإشارة بالكف أو البصر أو لحن الصوت عند الكلام دلالةً وقوةً .. من شهدها ليس كمن سمع عنها، وليس الخبر كالمعاينة .. وقد استدل ناس لرد هذا المعنى بقول النبي ﷺ : فرب مبلَّغ أوعى من سامع [خ ١٦٥٤] وهو مما يزيده قوة، فرُبَّ في لسان العرب للتقليل، أي أحيانا يكون الذي يبلغه الخبر أفهم للمعنى من السامع، فيدل على أن الأصل في السامع أنه أفهم للكلام ممن بلغه. وهذه الكلمة قالها النبي ﷺ في حَجته التي جمعت آلاف الخلق، وكان منهم من لم ير النبي ﷺ إلا يومه، فربما سمع منه الكلمة فيضعها على غير مراده، فأرشدهم إلى التثبت بالأفقه .. فليس الحديث في فقهاء الصحابة، أنه قد يعزب عنهم معنى يدركه من بعدهم!! فأما من صحب النبي فالدلالة على القصد قريبة، ثم لما كان الموالي حدث لهم

стр. 209

حاجة جديدة كمعرفة اللسان والتخلص من أوضار العجمة، وسؤال أهل العلم، ثم حدث شرط الإجماع المتقدم ألا يحدثوا قولا جديدا .. فازدادت مع الزمن شرائط معرفة السنة .. ثم ترى كثيرا من الخلق يعترض بسؤال غير وارد: يقولون: هل فهمهم معصوم؟! وإنما السؤال اللازم: هل بين لهم الذي جاء بالبلاغ المبين وزكاهم؟ فإنا نشهد لله أن نبيه قد بلغ وشفى، وترك أصحابه على البيضاء ليلها كنهارها، وأنهم تلقوا عنه وفهَّمهم الله ورسوله، وتعلموا الحكمة، وكانوا أحق بها وأهلها .. ثم علَّموا من كان بعدهم كيف يؤخذ الدين بعد نبيهم، كيف الرواية عنه، كيف يُقضى في النوازل، كيف يكون الرد إلى الله والرسول، كيف تضبط البدعة التي لا تكون إلا بعد موته ﷺ .. وأيضا أُمر الناس أن يسألوا أهل العلم، وقد تواترت الأخبار بالشهادة لفقهاء الصحابة كالخلفاء الراشدين بالعلم والفقه في الدين .. ولما جاء التابعون كان العلم يلتمس عند العلماء الراسخين وهم الصحابة (١)، ولم يختلف الأمر بعد موتهم وإن تطاول الزمان، ونسي ناس حظا مما ذُكروا به .. والأقوال لا تموت بموت قائليها .. وإن من الكبر والاغترار أن يقال لأهل العلم أنتم رجال - في فهم الحديث - ونحن رجال! والأصل أن ليس يوثق في علم أحد إلا بحجة لأن الله تعالى قال (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) [النحل ٧٨] الآية، فدل على أن الأصل في الناس الجهل، ولا يوصف أحد بالعلم إلا بدليل من الله ورسوله ﷺ ، وإنما جاء البيان في أعيان علماء الصحابة، فمن شهدوا له بالعلم وإلا فهو على أصله الجهل .. كما قال تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة ١٤٣] وقال (هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا

стр. 210

عليكم وتكونوا شهداء على الناس) [الحج ٧٨] فمن لم يشهدوا له بالعلم فليس هناك، وإن استدل فإنما هو المتشابه، وشهادتهم أن يأتي الآخرون بشاهد من آثارهم. لذلك كان العلم عند الناس بعدُ هو ما كان عليه الأولون، كما روي عن سعيد بن جبير: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين. [جامع بيان العلم ٧٤٥] وقال ابن رشد [البيان والتحصيل ١٨/ ٥٢٣] قال مالك ﵀: العلم الذي هو العلم معرفة السنن، والأمر المعروف الماضي المعمول به اه وهذا يشبه ما رواه عن نافع عن ابن عمر قال: العلم ثلاثة: كتاب ناطق وسنة ماضية ولا أدري اه رواه الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٠٦] فالسنة الماضية هي العمل العتيق الذي مضى في الناس قبل. وقال ابن عبد البر [جامع بيان العلم ٢/ ١٠٣] وروى عيسى بن دينار عن ابن القاسم قال: سئل مالك قيل له: لمن تجوز الفتوى؟ فقال: لا تجوز الفتوى إلا لمن علم ما اختلف الناس فيه، قيل له: اختلاف أهل الرأي. قال: لا! اختلاف أصحاب محمد ﷺ وعلم الناسخ والمنسوخ من القرآن، ومن حديث الرسول ﵇ وكذا يفتي اه وروى أبو عمر [الجامع ٧٤٠] بسنده عن الأوزاعي قال: العلم ما جاء عن أصحاب محمد وما لم يجئ عن واحد منهم فليس بعلم اه وروى البيهقي [المدخل ١٧٤] عن عبد الله بن المبارك قال: سمعت سفيان الثوري يقول: إنما العلم كله العلم بالآثار اه (١) وقال ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل [١/ ٤] حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال سمعت الشافعي يقول قال لي محمد بن الحسن: أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم؟ يعني أبا حنيفة ومالك بن أنس قلت: على الإنصاف؟ قال: نعم. قلت: فأنشدك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم يعني مالكا. قلت فمن أعلم بالسنة صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: اللهم صاحبكم، قلت: فأنشدك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله ﷺ والمتقدمين صاحبنا أو صاحبكم؟ قال: صاحبكم، قال الشافعي: فقلت: لم يبق إلا القياس، والقياس لا

стр. 211

يكون إلا على هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟ اه وقال أبو عمر [الجامع ٣/ ١٧٦]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم اه فمهما وجدت حديثا عن النبي ﷺ خالف ما فهم منه المتأخرون العلماءَ أصحاب النبي، فلا تَعْجَل بالظن أنهم كانوا أوعى له من الأولين! وخذ للعبرة قبسا مُعَجَّلاً: ذهب الخلفاء الراشدون إلى أن أفضل الحج الإفراد مع إثبات الفضل للأنساك، وهو عن أبي بكر وعمر وعثمان صحيح مشهور كما تقدم في مناظرة عروة ابنَ عباس، وقال البيهقي [المعرفة ٢٨٤٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا العباس بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عبد الحميد بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب أنه كان يأمر بنيه وغيرهم بإفراد الحج ويقول: إنه أفضل اه وقال في الكبرى [٨٦٠٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو قتيبة سلم بن الفضل الآدمي بمكة ثنا محمد بن نصر الصانع ثنا أبو مصعب الزهري أحمد بن أبي بكر ثنا عبد العزيز الدراوردي عن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما أن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا بني أفرد بالحج فإنه أفضل (١) اه هذا حديث حسن. وتعليل نهي عمر عن المتعة - من غير منع - مشهور، منه ما روى مالك [١٢٥٩] عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج اه

стр. 212

وروى الطحاوي [شرح معاني الآثار ٣٤٢١] حدثنا ابن أبي داود قال ثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: قلت لسالم لم نهى عمر ﵁ عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ وفعلها الناس معه؟ فقال أخبرني عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج، والحج أشهر معلومات، فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور. فأراد عمر ﵁ بذلك تمام العمرة لقول الله (وأتموا الحج والعمرة لله) وذلك أن العمرة التي يتمتع فيها المرء بالحج لا تتم إلا بأن يهدي صاحبها هديا أو يصوم إن لم يجد هديا. وإن العمرة في غير أشهر الحج تتم بغير هدي ولا صيام. فأراد عمر ﵁ بالذي أمر به من ذلك أن يزار البيت في كل عام مرتين وكره أن يتمتع الناس بالعمرة إلى الحج فيلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة واحدة في السنة اه تابعه ابن بكير [هق ٩١٣٤] فصرح أنه يراه أتم الأنساك، وأنه يحقق قصد الاختلاف إلى بيت الله وعمرانه. ثم ذهب ناس من أهل العلم بعدهم إلى أن التمتع أفضل لقول النبي ﷺ : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا [خ ٦٨٠٢] ومحال أن يعزب هذا المعنى عن الخلفاء وهم مع رسول الله كانوا، وسمعوا ما استدل به من خالفهم .. وأُمرنا باتباعهم (١) .. وإنما وجه ذلك ما قال ابن عباس عن المشركين قبلُ [خ ٣٦٢٠]: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض، وكانوا يسمون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر. قال فقدم رسول الله ﷺ وأصحابه رابعة مهلين بالحج وأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عمرة. قالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله اه فبين أن قريشا كان مما أحدثوا في دين إبراهيم أن حرموا العمرة في أشهر الحج فأراد النبي ﷺ أن يكسر تلك البدعة بما أراه الله من

стр. 213

منهج التشريع والحكمة .. وبيَّن الصحابةُ أن الأصل في الحج هو الإفراد، وإذا أطلق لفظ الحج فالمعنى هو الإفراد كما قال النبي ﷺ [م ٣٠٨٩]: والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما اه حاجا أي مفرِدا، معتمرا أي متمتعا، ليثنينهما إذا قرن. وقال ابن أبي شيبة [١٣١٩٤] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سئل عبد الله عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال عبد الله (الحج أشهر معلومات) ليس فيهن عمرة اه وقال ابن جرير [٣٥٥٢] حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سألت ابن مسعود عن امرأة منا أرادت أن تجمع مع حجها عمرة، فقال: أسمع الله يقول (الحج أشهر معلومات) ما أراها إلا أشهر الحج اه [صحيح] أي ليس فيها عمرة. والتفث والشعث في مثل قول الله (ثم ليقضوا تفثهم) [الحج ٢٩] وكذا في الخبر عن مقال الله يوم عرفة: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين [ابن حبان ٣٨٥٣] لا يكون مع التمتع إذ له حظ من اسمه تمتع. وتمام الحج أن يحرم له من دويرة أهله كما قال الراسخون أي يخصه بسفر لا يخلطه بعمرة فهذا الأصل في الحج. وهو كان حَجة أبي بكر سن تسع كما روى الدارقطني [السنن ٢٤٨٨] بسنده عن عبد الله بن نافع عن عبد الله بن عمر - وفي نسخ عبيد الله بن عمر - عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج. الحديث. وله شواهد. وهو الذي خرجوا به من المدينة مع رسول الله عام حجة الوداع كما قالت عائشة رحمة الله عليها: خرجنا موافين مع رسول الله ﷺ لهلال ذي الحجة لا نرى إلا الحج الخ. [م ٢٩٧٣] وقال جابر في سياق حَجة النبي ﷺ : .. لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة - ثم قال: - حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا

стр. 214

هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا بل لأبد أبد. الحديث. [م ٣٠٠٩] فتبين أن ترخيصه في فسخ الحج إنما كان لحال العرب ليبين أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة لا كما أحدثت العرب من تحريمها في أشهر الحج بيانا بالعمل. لذلك قال عمر [م ٣٠٠٦]: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله. الحديث. فالأصل هو الإتمام الذي نزل في القرآن، وإنما عزم عليهم النبي ﷺ أن يفسخوا الحج رخصة كما قال عمر: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء اه فلما استقر التشريع عُلم ما كان من السنة الأصلَ، وما كان تشريعا موقوتا لعلة. نَعم العمرة في أشهر الحج تامة لكن التمام نوعان كمال واجب مجزئ وكمال مستحب كما هو مشهور، وهو مقتضى كلام عمر قبل (١). وإنما أنكر عليٌ على عثمان [خ ١٤٨٨] نهيه عن المتعة لا أن الإفراد أفضل، وكان ابن عباس يأمر بالمتعة لما ظهر في الناس من ينكرها على غير مراد عمر (٢). فهو في الحقيقة ليس اختلافا بينهم.

стр. 215

فحري بأهل السنة أن يحيوا القول والعمل بالإفراد الذي يوشك أن ينسى .. والمقصود أن الحديث قد صح عن النبي ﷺ وفهم منه المتأخرون خلاف ما فهم منه السابقون، فخالفوا السنة، وبالله التوفيق. لذلك متى قيل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فمعناه لا يتم إلا بتقدير محذوف اقتضاء: وكان سنة فهو مذهبي، كما يقدر ألا يكون منسوخا ولا متشابها ولا خاصا ونحو ذلك، والمعنى: إذا صحت السنة فهي مذهبي .. فما يذكر الأصوليون في تعريف السنة أنها قول النبي وفعله وتقريره ينظر فيه، فما كل ما روي من فعل رسول الله ولا قوله يكون سنة، وما التقرير في أصله سنة رسول الله، ولكنه عفو عفا عنه، وقد تثبت السنة من غير أن يروى حديث ينسند إلى رسول الله ﷺ (١). ومن اهتدى للفرق بين الحديث الذي يجري فيه ما ذكروا والسنة التي هي العمل المتبع وزالت عنه حجب التقليد، أصاب إن شاء الله خيرا كثيرا. فصل في بيان أن الترك سنة فعلية له حكم الأفعال قال الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) [الكهف ٣٠] ولم يقل وتركوا السيئات، لأن ترك السيئات عمل صالح. ونظائرها في القرآن كثير. وقوله سبحانه (ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله
следующие страницы →