← Общие книги

Общие книги · id 1246

الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل

محمد بن مبارك حكيمي

Полный текст (400 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

يكون إلا على هذه الأشياء فمن لم يعرف الأصول فعلى أي شيء يقيس؟ اه وقال أبو عمر [الجامع ٣/ ١٧٦]: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات الفقهاء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم اه فمهما وجدت حديثا عن النبي ﷺ خالف ما فهم منه المتأخرون العلماءَ أصحاب النبي، فلا تَعْجَل بالظن أنهم كانوا أوعى له من الأولين! وخذ للعبرة قبسا مُعَجَّلاً: ذهب الخلفاء الراشدون إلى أن أفضل الحج الإفراد مع إثبات الفضل للأنساك، وهو عن أبي بكر وعمر وعثمان صحيح مشهور كما تقدم في مناظرة عروة ابنَ عباس، وقال البيهقي [المعرفة ٢٨٤٣] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال حدثنا العباس بن محمد قال حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني أخي عبد الحميد بن أبي أويس عن سليمان بن بلال عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن محمد بن علي بن حسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه عن جده علي بن أبي طالب أنه كان يأمر بنيه وغيرهم بإفراد الحج ويقول: إنه أفضل اه وقال في الكبرى [٨٦٠٠] أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرني أبو قتيبة سلم بن الفضل الآدمي بمكة ثنا محمد بن نصر الصانع ثنا أبو مصعب الزهري أحمد بن أبي بكر ثنا عبد العزيز الدراوردي عن عثمان بن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله والحسن ابني محمد بن علي عن أبيهما أن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: يا بني أفرد بالحج فإنه أفضل (١) اه هذا حديث حسن. وتعليل نهي عمر عن المتعة - من غير منع - مشهور، منه ما روى مالك [١٢٥٩] عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: افصلوا بين حجكم وعمرتكم، فإن ذلك أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته أن يعتمر في غير أشهر الحج اه

стр. 212

وروى الطحاوي [شرح معاني الآثار ٣٤٢١] حدثنا ابن أبي داود قال ثنا عبد الله بن صالح قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن ابن شهاب قال: قلت لسالم لم نهى عمر ﵁ عن المتعة وقد فعل ذلك رسول الله ﷺ وفعلها الناس معه؟ فقال أخبرني عبد الله بن عمر ﵄ أن عمر ﵁ قال: إن أتم العمرة أن تفردوها من أشهر الحج، والحج أشهر معلومات، فأخلصوا فيهن الحج واعتمروا فيما سواهن من الشهور. فأراد عمر ﵁ بذلك تمام العمرة لقول الله (وأتموا الحج والعمرة لله) وذلك أن العمرة التي يتمتع فيها المرء بالحج لا تتم إلا بأن يهدي صاحبها هديا أو يصوم إن لم يجد هديا. وإن العمرة في غير أشهر الحج تتم بغير هدي ولا صيام. فأراد عمر ﵁ بالذي أمر به من ذلك أن يزار البيت في كل عام مرتين وكره أن يتمتع الناس بالعمرة إلى الحج فيلزم الناس ذلك فلا يأتون البيت إلا مرة واحدة في السنة اه تابعه ابن بكير [هق ٩١٣٤] فصرح أنه يراه أتم الأنساك، وأنه يحقق قصد الاختلاف إلى بيت الله وعمرانه. ثم ذهب ناس من أهل العلم بعدهم إلى أن التمتع أفضل لقول النبي ﷺ : لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولحللت مع الناس حين حلوا [خ ٦٨٠٢] ومحال أن يعزب هذا المعنى عن الخلفاء وهم مع رسول الله كانوا، وسمعوا ما استدل به من خالفهم .. وأُمرنا باتباعهم (١) .. وإنما وجه ذلك ما قال ابن عباس عن المشركين قبلُ [خ ٣٦٢٠]: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من الفجور في الأرض، وكانوا يسمون المحرم صفرا، ويقولون: إذا برأ الدبر وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر. قال فقدم رسول الله ﷺ وأصحابه رابعة مهلين بالحج وأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوها عمرة. قالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله اه فبين أن قريشا كان مما أحدثوا في دين إبراهيم أن حرموا العمرة في أشهر الحج فأراد النبي ﷺ أن يكسر تلك البدعة بما أراه الله من

стр. 213

منهج التشريع والحكمة .. وبيَّن الصحابةُ أن الأصل في الحج هو الإفراد، وإذا أطلق لفظ الحج فالمعنى هو الإفراد كما قال النبي ﷺ [م ٣٠٨٩]: والذي نفسي بيده ليهلن ابن مريم بفج الروحاء حاجا أو معتمرا أو ليثنينهما اه حاجا أي مفرِدا، معتمرا أي متمتعا، ليثنينهما إذا قرن. وقال ابن أبي شيبة [١٣١٩٤] حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سئل عبد الله عن العمرة في أشهر الحج؟ فقال عبد الله (الحج أشهر معلومات) ليس فيهن عمرة اه وقال ابن جرير [٣٥٥٢] حدثنا ابن بشار قال حدثنا عبد الرحمن قال حدثنا سفيان عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال: سألت ابن مسعود عن امرأة منا أرادت أن تجمع مع حجها عمرة، فقال: أسمع الله يقول (الحج أشهر معلومات) ما أراها إلا أشهر الحج اه [صحيح] أي ليس فيها عمرة. والتفث والشعث في مثل قول الله (ثم ليقضوا تفثهم) [الحج ٢٩] وكذا في الخبر عن مقال الله يوم عرفة: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين [ابن حبان ٣٨٥٣] لا يكون مع التمتع إذ له حظ من اسمه تمتع. وتمام الحج أن يحرم له من دويرة أهله كما قال الراسخون أي يخصه بسفر لا يخلطه بعمرة فهذا الأصل في الحج. وهو كان حَجة أبي بكر سن تسع كما روى الدارقطني [السنن ٢٤٨٨] بسنده عن عبد الله بن نافع عن عبد الله بن عمر - وفي نسخ عبيد الله بن عمر - عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ استعمل عتاب بن أسيد على الحج فأفرد ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج. الحديث. وله شواهد. وهو الذي خرجوا به من المدينة مع رسول الله عام حجة الوداع كما قالت عائشة رحمة الله عليها: خرجنا موافين مع رسول الله ﷺ لهلال ذي الحجة لا نرى إلا الحج الخ. [م ٢٩٧٣] وقال جابر في سياق حَجة النبي ﷺ : .. لسنا ننوى إلا الحج لسنا نعرف العمرة - ثم قال: - حتى إذا كان آخر طوافه على المروة فقال: لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا

стр. 214

هذا أم لأبد؟ فشبك رسول الله ﷺ أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا بل لأبد أبد. الحديث. [م ٣٠٠٩] فتبين أن ترخيصه في فسخ الحج إنما كان لحال العرب ليبين أن العمرة دخلت في الحج إلى يوم القيامة لا كما أحدثت العرب من تحريمها في أشهر الحج بيانا بالعمل. لذلك قال عمر [م ٣٠٠٦]: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله. الحديث. فالأصل هو الإتمام الذي نزل في القرآن، وإنما عزم عليهم النبي ﷺ أن يفسخوا الحج رخصة كما قال عمر: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء اه فلما استقر التشريع عُلم ما كان من السنة الأصلَ، وما كان تشريعا موقوتا لعلة. نَعم العمرة في أشهر الحج تامة لكن التمام نوعان كمال واجب مجزئ وكمال مستحب كما هو مشهور، وهو مقتضى كلام عمر قبل (١). وإنما أنكر عليٌ على عثمان [خ ١٤٨٨] نهيه عن المتعة لا أن الإفراد أفضل، وكان ابن عباس يأمر بالمتعة لما ظهر في الناس من ينكرها على غير مراد عمر (٢). فهو في الحقيقة ليس اختلافا بينهم.

стр. 215

فحري بأهل السنة أن يحيوا القول والعمل بالإفراد الذي يوشك أن ينسى .. والمقصود أن الحديث قد صح عن النبي ﷺ وفهم منه المتأخرون خلاف ما فهم منه السابقون، فخالفوا السنة، وبالله التوفيق. لذلك متى قيل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، فمعناه لا يتم إلا بتقدير محذوف اقتضاء: وكان سنة فهو مذهبي، كما يقدر ألا يكون منسوخا ولا متشابها ولا خاصا ونحو ذلك، والمعنى: إذا صحت السنة فهي مذهبي .. فما يذكر الأصوليون في تعريف السنة أنها قول النبي وفعله وتقريره ينظر فيه، فما كل ما روي من فعل رسول الله ولا قوله يكون سنة، وما التقرير في أصله سنة رسول الله، ولكنه عفو عفا عنه، وقد تثبت السنة من غير أن يروى حديث ينسند إلى رسول الله ﷺ (١). ومن اهتدى للفرق بين الحديث الذي يجري فيه ما ذكروا والسنة التي هي العمل المتبع وزالت عنه حجب التقليد، أصاب إن شاء الله خيرا كثيرا. فصل في بيان أن الترك سنة فعلية له حكم الأفعال قال الله تعالى (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا) [الكهف ٣٠] ولم يقل وتركوا السيئات، لأن ترك السيئات عمل صالح. ونظائرها في القرآن كثير. وقوله سبحانه (ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله

стр. 216

) الآية [البقرة ٢٧٧/ ٢٧٨] إن لم تفعلوا: إن لم تذَروا ما بقي من الربا، ووَذَرَ بمعنى ترك، فهو كقولك "إن لم تتركوا". وقوله تعالى (لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) [المنافقون ٩] يفعل ذلك: يترك ذكر الله، لأن الذم في الآية متجه إلى ترك ذكر الله لا مجرد القيام بالأموال والعيال. وقول الله تعالى (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) [المائدة ٨١] بيس فعلهم: أي تركهم الإنكار. وقال سبحانه (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله) [البقرة ١٩٧] ومِن فعل الخير ترك الرفث والفسوق والجدال في الحج. وقال ﵎ (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم) [البقرة ٢٨٣] فدخل في ما تعملون كتمان الشهادة وهو ترك. ومثله قوله سبحانه (ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون) [البقرة ١٤٠] ولها في القرآن نظائر. وهكذا سائر ما ثبت في باب الترك مما يفيد العلم أنه في لسان العرب والقرآن والسنة فعل من الأفعال. فما ثبت للفعل من أحكام ثبت للترك، إذ كلاهما ليس له عموم، ولا مفهوم مخالفة. وكما أن فعل النبي ﷺ سنة، كذلك تركه سنة. لكنهما إذا اجتمعا في سياق افترقا كما في الحديث: اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات [ت ٣٢٣٥]. وإذا أطلق الفعل دخل فيه الترك كما قال أهل العلم في مسمى الإيمان ودخول العمل فيه. ويتفرع عن هذا أمور: - منها أن الفعل إذا ظهر فيه قصدُ التعبد دل على الندب، أو قصدُ الحظ أفاد الإباحة، كما دل خلاف الصحابة في التحصيب وغيره [م ١٣١٠ وما بعده]. كذلك الترك، ما تركه النبي ﷺ فإما أن يتركه لمعنى تعبدي أو لمعنى غير تعبدي (جِبِلِّي أو عادي)، فما ظهر فيه معنى التعبد حكمه استحباب الترك وكراهة الفعل. وما تركه لمعنى جبلي أو عادي فهو على الأصل في الإباحة إذ لم يكرهه شرعا، ولكن عادة أو طبعا، كما قال ﷺ في لحم الضب: لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه اه [خ ٥٠٧٦/ م ١٩٤٥]

стр. 217

والفرق بين التَركَين هو ظهور القصد الذي يدل عليه أصل العمل كان من جنس ما يُتعبد به أو من المباحات. قال تعالى (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة) [الأحزاب ٢١] فطلب الأسوة من جهة الرسالة، إذ لم يقل: " لقد كان لكم في محمد أسوة " إذن لاحتمل أن ينصرف الطلب إلى كل ما صدر منه ﷺ ، ولكن علق التأسي بما صدر منه من جهة كونه رسولا ﷺ وذلك إن شاء الله بدلالة التنبيه والإيماء، لذلك جعل سبحانه التأسي (لمن كان يرجو الله واليوم الآخر) أي يرجو الثواب وهو التعبد. وذلك في الفعل والترك. وهذا ما لم يندرج تحت نهي خاص كالفعل مع الأمر سواء بسواء. - ومنها أن الترك يفيد استحباب الترك وكراهة الفعل، لأن الفعل يفيد الندب وكراهة الترك، والترك فعل من الأفعال، فهو دال على استحباب الترك وأن فعل المتروك مكروه. فكل عبادة ترك العمل بها لا يحكم باستحبابها، بل المستحب تركها، وفاقا للعمل الأول. - ومنها أن الترك بيان للنهي كما أن الفعل بيان للأمر. فكما أن الفعل يقوي دلالة الأمر، كذلك الترك يشد من دلالة النهي، ولو أن النبي ﷺ نهى عن شيء ثم فعله، كان الفعل مشكلا على النهي كما في خبر الوصال في الصوم [خ ٦٤٥٩]، ومتى ترك ما نهى عنه كان أشد بيانا لدلالة النهي على أن الخير كله في الاجتناب، فالترك - أي المستمر - إذا تظاهر مع النهي يصيره "قطعيا"، وهذا معنى قولنا أنه بيان له. لذلك كان الترك بيانا شافيا لعموم قول النبي ﷺ : وإياكم ومحدثات الأمور .. كما سيأتي. - ومنها أن المتروك في السنة غير مقصود التشريع، إذ لو قصده رسول الله ﷺ وخطر في ذهنه بكلامه العام، فلا بد إذن أن يفعله، ولو فواقا (سويعة) في سنوات التشريع، أو لحض عليه خاصة ليعمل به أصحابه، أو لنبه على فضل هذا العمل ومقدار ثوابه على سَنَن التشريع النبوي. إذ كيف يكون مطلوبا فعله بذلك الأمر العام ثم لا يفعله الذي أمر به في عموم خطابه ﷺ ، ويرى أصحابه لا يفعلونه ثم لا ينبههم! هذا محال! وللقائل به لوازم منكرة .. فكان في الترك دلالة بينة على عدم التشريع.

стр. 218

فالتعبد به على خلاف المقاصد (١). وما هذا شأنه لا يستحسن من العمومات بوجه. وسواء علينا اعتبرنا فرقا بين الترك والكف أم لا - والكف ما تعمد تركه وهو أخص- فإنه على كل حال لم يقصد فعله. فاستوى من هذه الجهة القصد إلى عدم التشريع، وعدم القصد إلى التشريع، فتدبر. والمخالف يشنع علينا احتجاجنا بالترك زاعما أنه عدم محض لا يدل على القصد إلى عدم التشريع! وهذه حيدة، لأن محل النزاع زعمهم في المحدث أنه مقصود للشرع التعبد به. ونحن نقول: لو قصده لفعله، فإذ لم يفعله في ثلاث وعشرين سنة، ولا الخلفاء الراشدون في ثلاثين سنة دل على أنه غير مراد من عموم يستدل به، أو معنى أصل يشبه به .. فإن زعموا قصد الشرع إلى ذلك، فستكتب شهادتهم ويسألون. - ومنها أن ما تركه النبي ﷺ لعلة لم يمتنع فعله عند عدمها، مثل صلاة الضحى والتراويح، إذ بينوا أن النبي ترك المداومة عليهما تيسيرا. فذلك التعليل مشعر بالإذن وليس لغوا. فحصل لنا نوعان من الترك: نوع مطلق وهو ما تقدم، وهذا لا يصح التعبد به. ونوع تركه النبي ﷺ وعلل الترك بوصف كقوله: خشيت أن تفرض عليكم اه هذا التعليل يدل على أن المتروك يمكن أخذه عند زوال المانع (٢)، لذلك فعله عمر والصحابة فهم أعلم بالمقاصد. كذلك ما فعلت عائشة في الضحى فهمت أن ترك المواظبة عليها لِما ذكرت. وهذا هو المستحب الذي جوَّزَ بعض أهل العلم وَسْمَه بالبدعة توسعا، لا على رسم المستأخرين الذين قاسوا عليه ما ليس عليه العمل مطلقا، ولا قياس مع الفارق. فيجوز - على هذا الوجه - أن يقال لشيء تركه النبي ﷺ ثم فُعِل من بعده "نعمت البدعة" لأن فعل الصحابة له بعده دليل على أن الدوام عليه مقصود للشرع، وأن الترك كان لمانع كما في صلاة التراويح. وليس يمكن في الدليل مطلقا أن نقيس عليه

стр. 219

ما لم يكن عليه العمل مطلقا لا في زمن النبي ﷺ ولا زمن الصحابة بعده. والترك كما تمهد دال على أن المتروك غير مقصود التعبد به. وبالله التوفيق. - ومنها العلم بأن من البدع ما يكون بالترك كما يكون بالعمل إذا أراد صاحبها خيرا، كما في حديث أبي إسرائيل وخبر أبي بكر مع المرأة التي حجت مصمتة ونظائرِه. فمن تعبد بتركٍ مثلِ ذلك فقد عمل عملا ليس عليه أمر رسول الله ﷺ وأصحابه. - ومنها أن الترك أي مع وجود مظنة العمل ينبغي اعتباره مع الحديث المروي في الباب، فإن من الناس ممن يحتج بالترك لا يُعمِله إلا إذا عدم الإسناد في المسألة كالقول في المولد أنه لا يشرع لأن الداعي كان موجودا فهُجر العمل به، لكن إذا صح الحديث عنده أعمله على الإطلاق وذهل عن تتبع العمل والترك. والصواب أنه ينبغي ملاحظته مع الحديث نفسه في ما دل عليه الحديث، وهذا كما قال مالك في الجهاد من الموطأ وسئل عمن قتل قتيلا من العدو أيكون له سلبه بغير إذن الإمام قال: لا يكون ذلك لأحد بغير إذن الإمام ولا يكون ذلك من الإمام إلا على وجه الاجتهاد ولم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين اه فرأى أن ترك النبي الإذن في ذلك بعد حنين مع وجود المقتضي هو من أمره الذي ينبغي أن يُنظر في مجموعه. ومن هنا كان نظر الليث بن سعد في إنكاره الجمع في المطر في رسالته إلى مالك بن أنس فراجعها، ولهذا نظائر في الحديث كثير. وهو أيضا مما ينفع في معرفة مذاهب الصحابة بعد نبيهم ﷺ ، فقد صح عن عائشة أنها كانت تأمر غلمانها بلبس التبابين وهم محرمون، وقد كان الفقهاء من الصحابة يتجردون ولا يأخذون بهذه الرخصة ولا يفتون بها وهم أحوج إليها لو كانوا يرونها، فترك الإفتاء أو العمل بها حيث مظنتها يدل على ثبوت الخلاف بينهم في المسألة. فمن عول على مجرد الإسناد ظن أنه أمر لم يثبت فيه خلاف. والصحيح مراعاة الترك عند وجود مظنة العمل مع ما ينقل رواية. - فائدة: الترك يدل على أن المحدث غير مقصود للشرع، وقول النبي ﷺ : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه وهو من جوامع الكلم هو الدال على إبطال البدع.

стр. 220

- فائدة: يعرف الترك تارة بنقل العدم أي عدم الفعل، فيحكي الصحابي أن ذلك لم يكن. كما حدثونا أن النبي ﷺ صلى العيد بلا أذان ولا إقامة [خ ٩٦٠/ م ٨٨٥]. ويثبت تارة بعدم النقل (١) لأن الصحابة نقلوا الدين كله وحُمِّلوا الأمانة فكانوا أحق بها وأهلها، فإن لم ينقلوا شيئا بقول أو عمل (٢) علمنا أنه لم يكن، وقد عرفت أنهم متبعون للنبي ﷺ في طريقة البيان يبينون بالعمل والترك والسكوت كما يبينون بالقول. وهذا إن شاء الله من معاني قول النبي ﷺ : وإن العلماء ورثة الأنبياء اه [د ٣٦٤٣ وغيره]. واعلم أن ما ذكروا من الترك إنما حدَّثوا به لمناسبة أدركوها ليس شيئا تصدى له أحدهم ابتداء، كأن يُسأل عن الشأن في العيدين فيخبر أنه لم يكن يُؤَذن لها، أو إذا رأى ما ينكر كأن يخبر أن النبي لم يكن يسرد الحديث .. فالترك ترك النبي إنما نقل بالترك منهاجا موروثا، وإنما نبهوا عليه بالقول لأحوال شهدوها، وما لم ينقل بالقول أضعاف أضعافِ ما نقل حكاية، وإنما تركوه اتباعا للسنة. فتتبع عملهم مما يستدل به على هذا الأمر. ومن اشترط الإسناد لإثبات الترك فاته علم كثير، وأخطأ سننا ثابتة. وكم من عمل رده المخالف لأجل "مخالفته النص"، وإنما النص حكاية الصحابي للترك لا أكثر، مثل ردهم استحباب الأذان للعيدين لما في الصحيحين [خ ٩١٧/ م ٢٠٨٥] عن جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة اه وكذا احتجاجهم على أن شهيد المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه بقول جابر في شهداء أحد: وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم اه [خ ١٢٧٨] وإنما هو ترك. فتنبه كيف احتجوا بالترك عملا وهم له منكرون .. ! وقد قال عبد الله بن الصديق الغماري في رسالته في الترك ينفي الاحتجاج به داعيا لاستحسان البدع!:

стр. 221

الترك ليس بحجة في شرعنا لا يقتضي منعا ولا إيجابا فمن ابتغى حظرا بترك نبينا ورآه حكما صادقا وصوابا قد ضل عن نهج الأدلة كلها بل أخطأ الحكم الصحيح وخابا لا حظر يمكن إلا إن نهيٌ أَتَى متوعد لمخالفيه عذابا أو ذم فعل مؤذن بعقوبة أو لفظ تحريم يواكب عابا فقلت متعقبا: الترك هدي للنبي وسنة عند الصحابة لا تكن مرتابا الترك فعل فالتمسه بسنة فِعْلِيَّةٍ يا من يريد صوابا والترك فعل أجره في تركه لا تتبع لغوا و لا كِذَّابا فدع الذي لم يتخذه وسيلة لم يَكتَرِثْهُ فَلا تظن ثوابا الأمر في القُرُبات وقفٌ ثابتٌ هو مقتضِي الإنكار خذه جوابا والتركُ دَلَّكَ أن ذلك مُحدَث لا يُستحب فخلِّصِ الأسبابا ليس العموم بحجة في قربة حتى ترى العمل العتيق أصابا فكذاك مذهب مالك تبعٌ لهم سَدَّ الذريعةَ ثَمَّ والأبوابا ويا ليت شعري كيف تحصل الغفلة عن اعتبار الترك وهو من تمام المتابعة للنبي ﷺ وأصحابه، وهو أمر معقول، لو قيل لامرئ اتبع فلانا في مسيره، فاتبعه من وراءه ثم رآه يترك أشياء لا يلتفت إليها، لكان قادحا في متابعته أن يخالفه إلى ما ترك، ولأنكر عليه كل العقلاء فعله وما رأوه إلا مخالفا غير متبع بإحسان .. وقد قال ربنا ﷻ (فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله) [الأنفال ٨١] فسمى تركهم ما فعله النبي ﷺ خلافا له. وقد تعبدنا الله بترك أمور مما نهى عنه جملة مثل البدع، أو تفصيلا مثل النهي عن

стр. 222

قراءة القرآن في الركوع والسجود. فالترك من حيث الجملة مطلوب شرعا، والنبي ﷺ أول التاركين لما نهى عنه، فهذا الترك منه سنة وبيان لقصد الشرع. فأنت ترى أن المحَرَّم واجب الترك، والواجب محرم الترك، والمستحب مكروه الترك، والمكروه مستحب الترك، والمباح منه منهي الترك جملة، ومنه مطلوب الترك جملة، فما دام الترك مطلوبا من العبد فهو مقصود للشرع. والنبي ﷺ مبين عن الله مقاصد التشريع بالفعل والترك. فكيف يجحده الجاحد؟! ذكر الفرق بين المباح الذي يكون بالفعل بدعة والذي بالترك المباح من أفعال الناس نوعان: ١ - نوع أذن الشرع فيه تصريحا وامتن الله علينا بإباحته كالنكاح والنوم وأنواع الأطعمة .. وسائر ما به قوام حياة ابن آدم كما في سورة النحل وهي سورة النعم وغيرها. فتجد الشرع يأمر به، سواء الأمر بعد الحظر كقوله سبحانه (وإذا حللتم فاصطادوا) [المائدة ٢] أو ما شابهه مثل (كلوا من ثمره إذا أثمر) [الأنعام ١٤١] ويضبطه بالآداب أدب النوم والفراش .. وهي وجوه الشكر عملا. هذا النوع كان عليه العمل عمل النبي ﷺ وأصحابه يتعبدون به، كما تجده في أذكار اليوم والليلة، وكما في قول معاذ ﵀: أحتسب نومتي كما أحتسب قومتي. ونظائره. هذا المباح جعله الله للاستعانة على تقواه وتحقيق العبودَة، لأن أحكام الشرع الخمسةَ كما علم راجعة إلى الواجب والحرام، فالمندوب خادم للواجب مكمل للقصد منه وسياج يحفظه، فمن واظب على المستحب كان أقدر على الواجب، كذلك المكروه سياج أمان دون المحرم، والمباح معين على أداء الواجب وترك الحرام، مثل الزواج والأكل للتقوي على الطاعة وهكذا .. فهذا الصنف قصد الشرع اتخاذه وسيلة للطاعة، وندب إلى ذلك كما بيَّن معاذ ﵀.

стр. 223

فمن اعتقد أن ترك ذلك سنة كان بدعة، بل السنة فعله كالنبي ﷺ ، وهو خير الهدى. وقوله هنا: فمن رغب عن سنتي فليس مني اه دليل على أنه لا يتعبد بتركه وأنه داخل في السنة. والعبادة الصحيحة ما كان مقصودا للشرع، كما أن البدعة فعل ما لم يثبت قصد الشرع إلى فعله فكيف بما ثبت أنه لم يقصد؟ فالمباح المطلوب جملة لا ينقلب بالترك عبادة، والتعبد بتركه خلاف مقاصد الشريعة (١). وكيف يكون تركه مقصودا وإنما شرع لحفظ ما أسماه الأصوليون "الكليات الخمس"؟ وكيف يزهدنا الله فيه وهو يأمرنا به ويمتن به - وله المنة سبحانه - ويأمر بالشكر عليه؟ لذلك ذكروا في قواعد الفقه أن من نذر ترك مباح لم يلزمه الوفاء به، خلافا للأصل في النذر أنه لازم. ٢ - والمباح المسكوت عنه الراجعة إباحته إلى رفع الحرج، المعفو عنه الذي علم قصد الشرع إلى تركه، وهو إما مكروه من حيث الجملة أو محرم، لذلك كان العمل الأول على تركه إلا أحيانا نادرة مثل التغني بالكلمات المباحة، والترفه، والمزاح، واللغو .. لا للأجر ولكن ترخصا، واعتبار الفسحة، ولم يكن واقعا من ذوي الهيئات .. وتأمل قول الله تعالى في الخمر قبل التحريم (ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا) [النحل ٦٧] فهذا تعريض لا إباحة وليس هو إذنا في شرب الخمر، إذ فرق بين السكر والرزق الحسن، والواو للمغايرة، فدل على أن السكر ليس رزقا من الله حسنا، وإنما هو شيء اتخذه الناس. لذلك كان قبل التحريم مباحا بالجزء محرما بالكل لذلك نهي عنه عند الصلاة، وإباحته مسكوت عنها لا مصرح بها، فما كان النبي ﷺ يفتي بحلها أبدا، ولكن يقرهم. فهذا يرشد إلى أن ما لم يثبت حكمه إلا من جهة الإقرار فرتبته متأخرة.

стр. 224

هذا لا تجد الشرع يمدحه، ولا يحمد فاعله، ولا يمتن الله علينا بإباحته كاللهو .. وقد كان يتنزه عنه النبي ﷺ والأكابر، ويشير إلى هذا المعنى قوله ﷺ : كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو ولهو إلا أربعة خصال: مشي بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة اه فهذا صريح في أن هذه الأمور هي التي يصلح أن تتخذ عونا على الطاعة، وهو نية التعبد، فلا تكون لغوا. وما سواها فهو لهو ولعب مباح وفسحة لا حرج فيه، لكن لا يؤخذ على نية التعبد، إذ لم يوضع وسيلة إلى الشكر لا شرعا ولا قدرا، ولكنه مستراح النفس لمن شاء. ومن هذا الباب رقص الحبشة في المسجد [خ ٤٩٣٨] هو فسحة لا تعبد، لذلك قالت عائشة لما حكت ذلك: " فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو " أي لا تجعلوها مثل الكبار تنزه عن ذلك اللهو، بل اجعلوا لها فسحة. وهذا مثل الغناء لا يتعبد لله به كما يفعل بعض من استعذب وَخَمَ البدعة .. أحدثوا لترقيق القلوب أشعارا تضاهي في القصد كلام الله فتغنوا به، كما وقع للمشركين الذين كانت صلاتهم عند البيت المكاء وهو الصفير والتصدية وهو التصفيق وقول الشِعر .. فتعبدوا باللهو، ونهينا عنه، إذ الدعاء والتعبد حزم وجدٌّ، فمن اتخذ اللهو في التعبد كان لاعبا بدينه معتديا فيه كما قال ربنا ﷻ (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين) [الأعراف ٥٦]. وقوله تعالى (وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا) [الأنعام ٧٠]. فهذا يدلك على أن اتخاذ الأناشيد والمسرح .. وسيلة للدعوة مناقض لمقاصد الشريعة، مخالف للعمل الأول. هذا المباح مرتبته متأخرة عن الأول من وجوه: - ترك النبي ﷺ وأكابر أصحابه .. كذلك ما ثبت حكمه بالتقرير لا يكون كالفعل في المنزلة، إذ الترك يعارضه، كما أن الفعل لو كان لنهض به. - عدم التصريح بالإباحة ولا عده من النعم الممتن بها، والسكوت عن المدح تعريض.

стр. 225

- تتجاذبه خوارم المروءة، إذ يتنزه عنه ذووا الهيئات، فهو من جنس المكروه المستثنى من الممنوع والمكروه لا يكون مطلوبا ولكن مرخصا فيه. لذلك أخطأ من زعم أن حديث "إياكم ومحدثات الأمور" مستثنى منه بدع مستحبة، فالمستحب لا يستثنى من المذموم إذ ليس من جنسه. وما يخرم جنسُهُ مروءةَ ذوي الهيئات لم يصلح للتعبد. وهذه المعاني إنما تتمكن في الذهن إذا لاحظتَ منهاج التشريع. والفرق بينهما: أن المباح الأول خادم للضروريات (حفظ الدين والنفس .. ) متفرع عنها، فيصح أن يجعل عبادة فهو مصلحة شرعية في أصله وفرعه، بالكل والجزء. والمباح الثاني أصله لا يخدم الضروريات بل يعطلها أو يقللها، فهو في العزائم منع، وإنما جاز رخصة لا أصلا، فلا يصلح أن يكون خادما للضروريات، فلا يكون عبادة. كاللهو فإنه مضر بالدين في عزيمته ومضر بالمال كدوام التفسح بالأسفار .. وهكذا. فهو في أصله غير خادم إنما جاز من باب الترويح على النفس لتعلم يهود أن في ديننا فسحة لا أنه من السنة. فتدبر. المباح الأول مباح من باب العزائم، والثاني من باب الرخص المستثناة. والتعبد مشروع عزيمة فهو مثل المباح الأول لذلك يجتمعان بخلاف الثاني. المباح الأول إن طرأ عليه ما يجعله مخالفا كالإسراف فإنه منهي عنه ويصح أن يترك ما قاربه من باب التحرز، لكن لا يترك ذلك المباح رأسا كالنوم. ففرق بين الدوام ومجاوزة الحد، فالأول يداوم عليه ما لم يسرف، والثاني لا يداوم عليه يوميا .. كاللهو والمزاح لو عددته في السيرة لم تجده في الغالب إلا إقرارا وفي ساعات من كل تلك السنوات. بخلاف المباح المطلوب فإنه السنة الجارية. لذلك من اعتصم بالعمل الأول وافق قصد الشرع وسلم من المعارضة يقينا. ومن سلك سبيل اليسر في الاستدلال دون هذا التفصيل الذي قد لا تتسع له أذهان كثير فإن لك أن تقول في التعبد بترك المباح المطلوب أو بفعل المعفو عنه: تعبد لم يثبت عن النبي ﷺ وأصحابه فيكون بدعة. وهذا أشبه بهذه الشريعة الأمية (١)

стр. 226

السمحة، وأبعد عن التكلف في العمل والاستدلال، وقد نهينا عن التكلف [خ ٦٨٦٣]، وإنما ذكرت هذا ونحوه لأبين بطلان ما انتحلوا على لسان الأصوليين أنفسهم (١). وقد رام هذا النهج الحكيم بعض أهل العلم في زماننا فأشارت إليه أصابع التهم والسخرية .. ! ثم إنهم يوم القيامة عند ربهم يختصمون. فصل في بيان أن قول الله تعالى (فاتبعوه) جامع للاتباع في القصد مع العمل كما قال عمر: من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها ولا يتعمدنها اه ومنه إنكار عائشة وابن عباس التحصيب لأنه ليس مقصودا شرعا قالت عائشة: نزول المُحَصَّب ليس بسنة إنما نزله رسول الله ﷺ لأنه كان أسمح لخروجه إذا خرج اه [خ ١٧٦٥/ م ١٣١١] أي لم يقصد التعبد به. ومن أثبته من الصحابة فلقرينة أفادت ثبوت القصد وصحة التعبد به، فقد روى مسلم [٣٢٢٧] عن ابن عمر أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا ينزلون الأبطح. ورَوَى مسلم [٣٢٣٥] عن أبي هريرة قال: قال لنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى: نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر اه فهذا يدل على أن نزول النبي ﷺ لمعنى شرعي، وهذه زيادة علم. والشاهد هنا معرفة سبيل النظر والاستدلالِ عندهم، إذ كانوا يَتَّبَّعون مقاصد النبي ﷺ . وقال البخاري في «باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال من كتاب الصلاة»: وكان أنس ينفتل عن يمينه وعن يساره ويعيب على من يتوخى أو من يعمد الانفتال عن يمينه اه ثم روى [٨٥٢] عن عبد الله بن مسعود قوله: لا يجعل أحدكم للشيطان شيئا من صلاته يرى أن حقا عليه أن لا ينصرف إلا عن يمينه، لقد رأيت النبي ﷺ كثيرا ينصرف عن يساره اه فلا بد من اتباع السنة في النية في الظاهر والباطن. فما لم يتحره لم يصلح تحريه. وقد قال الله

стр. 227

تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) [آل عمران ٣١] فأطلقت الآية الأمر بالاتباع. وليس يشكل على هذا الأصل ما نقل من تحري ابن عمر [خ ٤٦٩] مواضع صلى فيها رسول الله ﷺ لأنه فعل ذلك تبركا بآثار رسول الله لا أن السنة قصد الصلاة ثَمَّ. ولو سُلم لكان كما روى البخاري [٤٨٠] عن يزيد بن أبي عبيد قال: كنت آتي مع سلمة بن الأكوع فيصلي عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة؟ قال: فإني رأيت النبي ﷺ يتحرى الصلاة عندها اه فظهر له قصد النبي إلى الصلاة هناك، فهو يؤكد هذا الأصل أنهم كانوا يتتبعون مقاصد النبي ﷺ دون ما لم يتحره. وقد كان للنبي ﷺ أعمال وقصد، فكما أمرنا أن نتبع العمل والترك أمرنا أن نتبعه في النية، ومن تمام الاتباع أخذ الأحكام بمقاصدها (١). وقد بينها ﷺ لأنه جاء بالبيان والبلاغ، وهو أن يظهر العربي مراده ومقصده من كلامه وأفعاله. وقد جاء الشرع بأعمال القلوب، وأول من عمل بها النبي ﷺ فالاقتداء به فيها من تمام السنة. عرف ذلك أصحابه الأكابر ﵃ لذلك أمرنا باتباعهم. ومن هذا ما يكون من قصد زمان أو مكان بعبادة مخصوصة، إذا وجد القصد امتنع العمل، وإذا كان عارضا لم يمتنع كما نبه نهي النبي ﷺ عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام قال: لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي. ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم اه [خ ١٩٨٤/ م ١١٤٤] (٢) فدل هذا النهي على أن التخصيص نفسه مفسدة وإلا لم يكن لترتيب الحكم عليه فائدة. وكما في قول عمر: من أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله فليصل فيها، ولا يتعمدنها اه

стр. 228

فما لم يُتَحرَّ في العمل الأول تقييده بزمان أو مكان أو كيفٍ أو عدد فالقصد إلى القيد خلاف السنة ووقوع في البدعة (١)، ثم إذا ديمَ عليه والتُزم كان أشد، وإذا أُظهر في الناس كان أعظم. والشرع إذا أطلق الأمر بعبادة فحقيقة العمل بالمطلق ألا يقع على وجه مقيد، إذ قد عرفت أن العمل يؤخذ وجهه من العمل لا اللفظ المطلق، ومن التزم قيدا فقد عمل بدليل مقيد غير موجود فهذه مخالفة. والإطلاق والتقييد واردان في العمل كورودهما في الخطاب لأنه ثمرته وبيانه (٢). فإن قيل: إن الشرع طلب من العبد المداومة على العمل، وأحب الأعمال إلى الله أدومها، فمن اتخذ لنفسه يوما خاصا أو وصفا أو عددا خاصا وردا ليومه يلتزمه، كان عاملا بهذا الأصل موافقا قصد الشرع إلى الدوام! فالجواب أن عمل العبد من حيث التأسي لا يخلو: إما لم يعمل به النبي ﷺ ، وإما عمل به. وإن عمل به فإما واظب عليه بغير ترك، أو لم يواظب عليه. فهذه ثلاث حالات: فأما ما لم يعمله أصلا فبدعة. وأما ما واظب عليه فقد علم به أن المواظبة مقصودة، فلا شك أن الدوام على العمل مطلوب كصلاة الوتر وركعتي الفجر ونحو ذلك من أبواب الخير. وأما ما لم يواظب عليه فهو نوعان: نوع قام الدليل على أن عدم مداومة النبي ﷺ كان لمانع مثل خبر عائشة في صلاة الضحى، ومثل تعليل النبي ﷺ ترك المداومة على الاجتماع في المسجد للتراويح. فهذا ظاهر في أن ذلك التعليل مشعر بألاَّ حرج في المداومة، فَبِهِ يُعلَم قصد الشرع إلى الدوام، وإنما سلك بالترك مسلك التيسير. ونوع لم يظهر فيه ذلك، فهذا لا ريب في أن ترك المداومة عليه مقصود للشرع، وأن الدوام المطلوب فيه إنما هو بالعمل به أحيانا، كما في خبر عائشة لما سألها

стр. 229

علقمة: هل كان رسول الله ﷺ يختص من الأيام شيئا قالت: لا، كان عمله ديمة اه فظهر أن الدوام المقصود في ما لم يوقِّت فيه قيدا هو في عدم اتخاذ يوم أو وصف مخصوص بالعمل، والمحافظةِ على الفعل والترك. فالسنة فيه اتباع الفعل والترك من غير توقيتٍ موظَّف. ويتأيد هذا بوجوه تدل على أن المواظبة عليه مرجوحة غير مقصودة للشرع: - منها أن الترك معارِض للمداومة، والتركُ سنة ينبغي اتباعها، فمن واظب على هذا اللون خالف من هذا الوجه، فأتى ما ينبغي تركه، وقد عرفنا ما في الاحتجاج بالعمومات المطلقة، والمقتضي للمواظبة زمن النبي ﷺ كان قائما وهو الرغبة في زيادة التعبد لله تعالى، وقد كان النبي ﷺ إذا عمل عملا أثبته [م ٧٤٦]. فالترك مع وجود المقتضي للفعل وانتفاء المانع دليل على عدم الاستحباب. وقد تقدم أن الأصل في المتروك عدم التشريع إلا ما قام الدليل على أن تركه كان لمانع زال. - ومنها أن في المداومة على قيد مفسدة المضاهاة للطريقة الشرعية، كما قال مجاهد: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه فتوقيت قيد بغير برهان من الله ورسوله ﷺ تسور على مقام ليس للعبد منه نصيب. - ومنها أن فيه مخالفة للمقصود من التوسعة، فإن العمل إذا بقي مطلقا ليعمل العبد على نشاط نفسه إقبالا وإدبارا كان أوسع من التزام قيد مفض إلى الملل أو ترك السنة الراتبة. وكم ترك الناس من سنن متفق عليها لانشغالهم بأوراد أحدثوها، فوجدوا في أنفسهم إقبالا على ما أحدثوا، واستقبلوا السنن بنفوس فاترة، لم تشتغل بها أو بإحسانها إلا قليلا! - ومنها أن المواظبة إذا اقترنت بالإظهار بين الناس كانت موهمة بأنها سنة راتبة أو فريضة موقتة. وقد بلغني عن ناس من أهل ناحيتنا يحسبون من إِلْفِهِم صيام الست من شوال دهورا أنه تمام صوم رمضان، وظنوا أنه لا يتم صوم عبد حتى يُتبِع رمضان بست من شوال، فتكرر ما خاف منه مالك وعلماء المدينة قبله (١) .. ومنهم من رأى أن

стр. 230

جفاء بقوم يدعون الله لا يرفعون أيديهم إلا أحيانا، وما علم هؤلاء أن سيد العُباد ﷺ لم يلتزم ذلك في كل دعائه .. بل كره ما هذا بابه كما في حديث الصلاة قبل المغرب [خ ١١٨٣] " كراهية أن يتخذها الناس سنة" ففرق بين العمل الذي يواظَب عليه وما لم يُرِد المواظبة عليه، فيكون هذا النوع مكروه المواظبة. ومن شأن المستحب أحيانا ألا يُشَبَّه في العمل بالسنة الراتبة، كما أن المباح من شأنه في العمل ألا يشَبَّه بالمندوب ولا المندوب بالواجب .. (١) وخلط ذلك بعضه ببعض من تغيير أحكام الشريعة. وقد تقدم قول إبراهيم النخعي: وكانوا يستحبون ركعتين قبل العصر، إلا أنهم لم يكونوا يعدونها من السنة اه ففرَّقوا بين المستحب وهو العمل المطلق، وبين السنة التي هي العادة الجارية (٢). لذلك كان الخلفاء الراشدون والصحابة ربما تركوا المستحب لئلا يظن الناس أنه واجب. ويتركون ما السنة فعله أحيانا للبيان، وحتى لا يعتاد الناس ما ليس السنة اعتياده كالضحى عند من لم يرها من العمل الراتب. والعادة إذا استحكمت عند العبد أو كانت عرفا بين الناس كانت كالفرض الشرعي. ومن جرب الناس ليحملهم على السُنن علم ما في استحكام العادة من صوارف .. وخذ مثلا إمام مسجد يلزم قدرا معينا من التلاوة فإنه يصير كالفرض اللازم، حتى إذا غيَّرَه يوما شق على الناس وقيل غيرت السنة … فما لم يجعله الشرع لك عادة فلا تجعله عادة فإن المصلحة في ترك الاعتياد.

стр. 231

الحاصل أن نقول في كل عمل: الأصل التوقف، فإذا ثبت العمل مطلقا فأكثِرْ ما شئتَ غير قاصد تخصيصه بزمان أو مكان .. ومن ادعى في عمل تردَّدَ في سنة النبي ﷺ وعملِ أصحابه بين الفعل والترك أن المداومة عليه مقصودة شرعا كان عليه أن يأتي بالبرهان على أن عدم المواظبة كان لمانع، وهيهات! فمن أمحل المحال أن يكون ذلك مقصودا للشرع ثم يعزب عن السابقين الأولين خير الناس فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا. وهذا اللون من الإحداث يكون بقصد ذلك التخصيص أو بما دل على القصد أو أفضى إليه كالمواظبة، لذلك لم ينكر النبي ﷺ على الصحابة الذين عملوا أعمالا مطلقة إذ كانت في مظانها. وهذا الذي سماه المتأخرون تخصيصا وتقييدا كان السلف يسمونه شيئا موقتا ويكرهون أن يوقتوا شيئا من العمل كما روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يكره أن يوقت يوما يصومه. وكانوا لأجل هذا يعرفون للسنن منازلها، فيفرقون بين ما جعل فيه وقت وما لم يوقت فيه شيء، وهذا لسانهم وهو خير بيانا وأعظم بركة، وإنما صَدَّرتُ السياق بلسان الأصوليين للتنبيه على هذه النكتة. ومن تتبع العمل العتيق عرف مظان ما وقت فيه حد يُنتهى إليه مما لم يوقت وهو أكثر. كأذكار الصلاة فإن النبي ﷺ لم يوقت منها شيئا في السجود والركوع وبعد القيام منه وما بين السجدتين وقبل السلام .. كما لم يوقت سنة في دعاء الجنازة ولا في الطواف ولا على الصفا والمروة (١) .. كل هذا يُعلم بمجموع العمل - عملِ النبي وأصحابه - مظانُّه. وفي الصحيحين عن رفاعة بن رافع قال: كنا يوما نصلي وراء النبي ﷺ ، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده. قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم. قال: أنا. قال: رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول. [خ ٧٩٩/ م ١٣٨٥] فإذا قال المؤتَمُّ ربنا ولك الحمد كسائر التكبير عند الانتقال وهو شيء مؤقت كانوا يتعاهدونه

стр. 232

ويتواصون به فقد رُخص له في الثناء بما شاء. وإنما عَمِل الصحابيُّ بالسنة، وبنحو هذا الأثر تعرف مظان ما لم يوقت فيه سنة مطردة. ولقد تكلم في الأمر مَنْ لو أمسك عن بعض ما قال لكان خيرا إن شاء الله، إذ لم يَصِلْ ما أمر الله به أن يوصل، فتجانف إلى إبطال السنة بما هو لها شاهد غير ناقض! بمثل ما في الصحيح [خ ٢٨٨٠] عن أبي هريرة قال في قصة خبيب: فكان خبيب هو سَنَّ الركعتين لكل امرئ مسلم قُتل صبرا اه وخبر عبد الله بن عمرو في الصحيحين [خ ١٩٧٥/ م ١١٥٩] أنه عزم على صوم الدهر حتى بلغه النهي ونحو ذلك .. مما قالوا فيه: دخل الصحابي في العبادة ولم يتوقف ولم يستأذن! كذا قالوا! ونحن نقول: نعم لا يَتوقف مَنْ عنده علم بوجه العبادة في العمل. فمن أين لكم أن الصحابي عمل بلا دليل أو أنه استحسن استحسانا؟! هؤلاء أصحاب النبي ﷺ عملوا بما أصله العمل، ولم يبتدعوا هيأة لم تشرع، ولا التزموا زمانا مخصوصا أو مكانا مخصوصا .. يتحرونه، وهم كانوا أعرف الناس بما وقت مما لم يوقت فيه حد. فخبيب صلى لنفسه صلاة لا ليسنها للناس يلتزمونها بعده، وإنما عرفنا أنها سنة تُلتزم في حال معينة من النبي ﷺ . وعبد الله بن عمرو رأى النبي ﷺ يصوم حتى يقال: لا يفطر، ففهم أنها عبادة مطلقة يكثر ما أطاق، فأكثرَ الصومَ حتى نهاه النبي ﷺ . كذلك الأمر في كل نظائره. ففيم المراء؟! وبعض ما استدلوا به هنا خارج عن محل النزاع كحديث بلال الذي رواه الترمذي [٣٦٨٩] وغيره من طريق الحسين بن واقد حدثني عبد الله بن بريدة قال حدثني أبي بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلالا فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ ما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي. دخلت البارحة الجنة فسمعت خشخشتك أمامي فأتيت على قصر مربع مشرف من ذهب فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا لرجل من العرب. فقلت: أنا عربي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من قريش. قلت: أنا قرشي، لمن هذا القصر؟ قالوا: لرجل من أمة محمد. قلت: أنا محمد لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب. فقال بلال: يا رسول الله ما أذَّنتُ قط إلا صليت

стр. 233

ركعتين وما أصابني حدث قط إلا توضأت عندها ورأيت أن لله علي ركعتين فقال رسول الله ﷺ : بهما اه فقالوا: التزم بلال قيدا (ركعتين) دون أن يرجع إلى النبي ﷺ ! ودون أن يُسَن له ذلك القيد! كذا قالوا! وقد روى مسلم [٢٣٤] عن عقبة بن عامر قال: كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي فروحتها بعشي فأدركت رسول الله ﷺ قائما يحدث الناس فأدركت من قوله: ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبل عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة اه وقصة بلال في الصحيحين من حديث أبي هريرة لفظها أن النبي ﷺ قال لبلال عند صلاة الفجر: يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة. قال: ما عملت عملا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. [خ ١١٤٩/ م ٢٤٥٨] هكذا من غير ذكر قيد، وهو دال على نكارة ذلك الحرف لأنه قال: إلا صليت ما كتب لي أن أصلي، فيدل على أنه لم يكن يتحرى عددا معلوما. وسواء علينا أكان الحرف الذي رواه ابن واقد محفوظا أم لا فليس فيه دليل للمخالف (١). والقوم ظنوا أن النبي ﷺ لم يكن يعلم أن هذا العمل قربة - وهو صاحب الشريعة - حتى اجتهد فيه بلال! وذلكم ظنهم الذي ظنوا بنبيهم! كذلك البدع مطية سوء الظن بالله ورسوله ﷺ وحسبك بها. إذا تبينت هذا عرفت أن من موارد الزلل عند المخالف أنه عمد إلى فتاوى للسلف في الإذن في أعمال أحيانا فجعلوها كالرواتب. فكذلك أقول: عامة ما يعترض به المخالف من أعمال للسلف استحسنوها هي من هذا الباب. مثل من سهل في قراءة القرآن في الطواف على أنه من العمل المستحب مطلقا في الطواف وغير الطواف، من غير دوام عليه فيه، أي من غير أن يُجعل من سنة الطواف، لذلك أنكره من أنكره منهم مع المواظبة والإظهار إذ لم يكن العمل المواظبة عليه هناك. ومثله ما قالوا في

стр. 234

المنديل بعد الوضوء ونظائره، لا يُتكأ عليه لإثبات الاستحسان عندهم، وقد عرفت الفرق بين المستحب مطلقا والسنة الموقتة .. لكن الحجة على المخالف في ما أنكره السلف، فإن الإنكار أظهر في كون العمل محدثا، بخلاف ما استحبوه. فتدبره فإنه فصل نافع لحل ما قد يشكل من الآثار إن شاء الله. فإن قيل: والذي ذموه قد يحتمل أن يكون عند المنكِرِ دليل خاص! قلنا: ما كان لأصحاب محمد وأصحابهم أن يتظاهروا على ترك شيء من الدين لا ينقلونه، وقد عرفت أن نقص الدين لا يعني ضياعه بل هو محفوظ وإن قل أشياعه .. فما أنكروه من التعبد إنما لأنه بدعة منكرة، وهو بيِّن في آثار تقدم ذكرها. وإن قيل: كذلك من استحب ذلك العمل من أهل العلم لو كان عنده دليل خاص على استحبابه لرواه، فإذ لم يروه دل على أنه استحسن ذلك العمل استحسانا. قلنا: هذا قول من لم يعرف سيرة القوم! فإنهم كانوا ينقلون السنن بالعمل كما ينقلونها بالرواية، ونقل العمل عندهم أكثر، على ما علم من تعظيمهم الحديث عن رسول الله ﷺ كما تقدم. فما عملوا عرفنا أنه مما عُلِّموا (١)، وما أنكروا علمنا أنه مما لم يكن لهم به عهد. فصل: من تمام الاتباع تمييز الأحكام بالقول والعمل والاعتقاد فإن الشرع جاء بالأحكام وبحدودها، فمن حدود ما أنزل الله على رسوله ألا يسوى بين المستحب والواجب وغيرهما .. لا في العمل ولا في الاعتقاد كما لا يسوى بينها في القول أي الأمر به (٢).

стр. 235

فمن خلاف السنة أن يُعتقد في النفل أنه فرض أو الفرض أنه نفل أو المباح أنه سنة .. كما تقدم في ترك الصحابة للأضحية وسجود التلاوة للبيان، أي حتى لا يعتقد الناس أن ذلك المستحب واجب. فإن السنة قد جاءت بالعمل وبنيته يؤخذان معا، لذلك كان الراسخون في العلم من أصحاب النبي ﷺ يَدَعون العمل لبيان منزلته وحذرا من اعتقاد غير حكمه. ومن هذه الجهة كان البيان واجبا على النبي ﷺ للمستحبات وما شابهها وإن كان العمل في نفسه مندوبا … كذلك قد يصير فعل المستحب واجبا على العالم - والعلماء ورثة الأنبياء - إذا توهم الناس أنه بدعة مثلا، كذلك يتعين عليه تركه إذا ظن الناس أنه واجب أو خيف منه كما فعل الراسخون في العلم من أصحاب النبي ﷺ لوجوب البيان من حيث الجملة. لذلك لم يصلح أن يواظَب على المستحب بحيث يشَبه بالواجب، أو تكون مظنة إلى اعتقاد وجوبه، ولكن يفرق بينهما بالترك أحيانا للبيان. ولا يكفي البيان بالقول دائما لأن أكثر الخلق يتعلقون بالعمل أكثر من الأمر، بل ربما تركوا الأمر الصريح من العالم لأجل الفعل إذا خالفه، لذلك عظمت في الدين أفعال العلماء، وكبرت زلة العالم. وليس يعزب عن هذا المعنى مَنْ دون أهل العلم، ولكن كل من كان بحيث يُظن به الاقتداء كالوالد مع بنيه، والشيخ في قبيلته .. وكل من كان له نوع رياسة .. فهو راع مسؤول يوم القيامة عن رعيته، فلينظر كيف تكون أسوته فيهم، والله المستعان. وهذا مثل الاجتماع للعقيقة صار في أزماننا سنة المولود، حتى إن من ترك جمع الناس لها، وأخذ بالعمل الأول (١) قيل: غيرت السنة!! ولا زال النبي ﷺ والصحابة زمن النبوة والخلافة يولد لهم ويذبحون ولا يجمعون الناس لها، إلا ما وقع مرة أو مرتين (٢) على غير السنة الغالبة.

стр. 236

بل تمادى الناس اليوم حتى صار الحريص على السنة يجمع الناس على قاص يذكرهم .. فنشأ الناس على أنها سنة المولود!! فحقيق على من يشار إليه بالتدين - لا أقول العلم حسب - أن يدع ذلك تأسيا بالسابقين الأولين. وبالله التوفيق. كذلك كل مباح لا ينبغي أن يترك تركا يظن منه أنه مكروه أو حرام، بل على أهل البيان أن يبينوا جوازه بما يتم به البيان بالقول أو الفعل. لئلا تتغير أحكام الشريعة اعتقادا أو عملا كأن يتعبد بترك مباح مطلوب بالجملة وهو بدعة، كما تقرر من قبل. وهذا من منهاج النبوة (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) [المائدة ٤٨]. كذلك ينبغي لِحاظ منهاج التشريع بأن يفرِّق مَنْ ابتُلي بنظر الناس إليه بين ما ثبت تشريعه بالقول وما بالعمل وما دون ذلك. فبيان النبي ﷺ مراتب، ما بينه بالعمل مع الأمر ليس كما بينه بالعمل دون أمر، وليس كما فعل رجل فسكت عنه. فما بينه بالعمل بنوعيه هو المقصود للتشريع أصالة وهو الذي جاء رسولا لأجله. أما التقرير فتوسعة من باب لا حرج (١). فمن عمد إلى ما أقر عليه فأمر به خالف منهاج التشريع، وكان له نقص عن الحكمة وكمال الاتِّباع بحسبه. مثال ذلك ما جاء في أذكار النوم من أفعال النبي ﷺ وأوامره هي أولى بالمواظبة والدلالة عليها مما أقر عليه صاحبا مثل قراءة آية الكرسي [خ ٢١٨٧]. كذلك الترتيب في أعمال يوم النحر يفرق فيها بين ما فعله وأمر به وهو الأصل الذي ينبغي أن يداوم عليه ويفتى به، وما قال فيه - بعد الفعل - "لا حرج" لا ينبغي أن يفتى بجوازه ابتداء، بل يوكل إلى الوقوع كما تركه النبي ﷺ حتى يقع. ونظائره كثيرة. وما يذكرون في "السنة التقريرية" هو نوعان: - نوع صاحبه ما يدل على الرضا بقرينة حال كما قال عمرو بن العاص في قصة احتلامه: فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئا اه [د ٣٣٤] هذا النوع إنما يدل على

стр. 237

أنه فعل حسن بالقرينة الدالة على الرضا لا بالسكوت، فهو أحرى أن يلحق بالسنة القولية، لأن الإشارة كالقول الدال على الحكم، وهذا تجده مندرجا تحت قول من الأقوال الخاصة إذا فتشت كآية التيمم في قصة عمرو فإنه بمنزلة المرض، يؤيده حديث الشجة [د ٣٣٦]. - ونوع خلا من ذلك، فهذا السكوت مع عدم الدلالة على الرضا يشعر بأنه إنما عفا لرفع الحرج خصوصا إذا كان قد زهّدَ فيه قبل ذلك، مثل العزل. ومنه ما روى البخاري [٦٧٨٩] عن أم عطية قالت: بايعنا النبي ﷺ فقرأ علينا (أن لا يشركن بالله شيئا) ونهانا عن النياحة فقبضت امرأة منا يدها فقالت: فلانة أسعدتني وأنا أريد أن أجزيها. فلم يقل شيئا فذهبت ثم رجعت. فما وفت امرأة إلا أم سليم وأم العلاء وابنة أبي سبرة امرأة معاذ أو ابنة أبي سبرة وامرأة معاذ اه هذا الصنف لا ينبغي أن يدخل في السنة أصلا، ولا يؤخذ منه أن ذلك العمل من المباح المأذون فيه، ولكن حقه السكوت عنه في مثل تلك الحال كما سكت عنه نبي الله ﷺ . والقصد معرفة منهاج النبي ﷺ في التشريع لمعرفة مراتب الأحكام، والمقصود للتشريع مما لم يقصد، والأَولى فالأولى، و لاتِّباع المنهاج في البيان فإنه سنة متبعة. وبالله التوفيق. فصل في أن أكثر بيان النبي ﷺ كان بالعمل هذا من منهاج النبي ﷺ في البلاغ، أعطي جوامع الكلم فلم يكن كثير الكلام ولكن العمل، كما قال: إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة وإن من البيان سحرا اه وهو ما فعله عمار بن ياسر وكان عليه أصحابه، كما قالت عائشة: ولا تُحَدث في الجمعة إلا مرة فإن أبيت فمرتين اه وتقدم نحوه عن ابن عباس وابن مسعود، لذلك أنكرت عائشة على أبي هريرة كثرة التحديث في المجلس الواحد وقالت: إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم اه زاد الترمذي [٣٥٧٢]: ولكنه كان يتكلم بكلام بَيِّن فصلٍ يحفظه من جلس إليه اه فأنكرت عليه منهج التحديث دون الرواية، فإنه صادق مصدَّق، وحافظ مأمون.

стр. 238

وفي الموطأ [٥٩٧] عن يحيى بن سعيد أن عبد الله بن مسعود قال لإنسان: إنك في زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه، تحفظ فيه حدود القرآن وتضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطي يطيلون فيه الصلاة ويقصرون الخطبة، يبدون أعمالهم قبل أهوائهم. وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطي يطيلون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه أهواءهم قبل أعمالهم اه [عبد الرزاق ٣٧٨٧] فبين أن قرن الصحابة كان من محامده أن العمل فيه غالبا أكثر من الكلام، بخلاف من يجيء بعدهم .. ومعلوم أن العمل يشد النفوس أكثر من الكلام، لذلك ترى الخلق يزهدون في عالم يخالف قوله فعله، فيدعون قوله لأجل العمل المخالف، فأثره أقوى من القول. والبيان بالعمل أقوى في معرفة الهيئات، وأرسخ في الحفظ، وأبعد عن سوء الفهم، بخلاف ما لو كان التشريع أكثره وصفا باللسان، إذن لدخل الوهم في الحفظ والفهم ونحو ذلك مما لا يرد مع البيان بالعمل. ثم يصاحبه القول للدلالة على ما لا يدل عليه العمل من وجوب و نحوه أو عموم ونحوه أو جزائه ونحوه (١)، فالأصل إذاً هو العمل، والقول خادم. لذلك قالوا: العلم وسيلة للعمل لا ينفع إلا حيث أثمر عملا صالحا. وقد روى مسلم [١٤٢٢] عن بريدة عن النبي ﷺ أن رجلا سأله عن وقت الصلاة فقال له: صل معنا هذين، يعني اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا فأذن ثم أمره فأقام الظهر. ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية. ثم أمره فأقام المغرب حين غابت الشمس. ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق. ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر. فلما أن كان اليوم الثاني أمره فأبرد بالظهر فأبرد بها فأنعم أن يبرد بها. وصلى العصر والشمس مرتفعة أخرها فوق الذي كان. وصلى المغرب قبل أن يغيب الشفق. وصلى العشاء بعد ما ذهب ثلث الليل. وصلى الفجر فأسفر بها. ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا يا رسول الله. قال: وقت صلاتكم بين ما

стр. 239

رأيتم اه فانظر كيف أرجأه حتى بين له بالعمل، فهو من الحكمة التي جاء بها ﷺ ، وعمل بها أصحابه مثل ما روى أحمد بسند صحيح [٩٨٧] عن أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال: إذا حُدثتم عن رسول الله ﷺ حديثا فظنوا برسول الله ﷺ أهيأه وأتقاه وأهداه وخرج علي علينا حين ثوب المثوب فقال: أين السائل عن الوتر، هذا حين وتر حسن اه وروى شعبة وإسرائيل وعمار الدهني والجراح بن مليح عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون قال: سألت عبد الله بن عمرو وهو واقف بعرفة عن المشعر الحرام فسكت حتى أفاض وتلبطت أيدي الركاب في تلك الجبال فقال: هذا المشعر الحرام اه صحيح رواه ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم والبيهقي وغيرهم. ولو شاء الله تعالى لأنزل الكتاب جملة واحدة جمع فيه تفاصيل العمل بالقول المسهب .. ولكن أرسل رسولا كريما صالح القدوة عند الناس قبل النبوة ليعمل أمامهم، ويسهل على الناس العمل والاقتداء به، وقد جُبل ابن آدم على التأسي والأنس في الطريق، فلا يستوحش ما رأى أمامه قدوة في العمل. ولله الحكمة البالغة. لذلك كان من طريقة النبي ﷺ في البيان اختيار المناسبات، لا يشغل الناس بفقه أمر حتى يأتي زمنه، فيبين لهم أمر الله تعالى حتى يروه عيانا، وهذا كالحج نادى في الصحابة أنه حاج العام، فلما كان الإحرام بين ما يلزم المحرمَ دون تفاصيل الحج، ثم سار معهم يعمل متى كان وقت العمل ويتبعونه .. لذلك قال أنس بن مالك: كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول الله ﷺ عن شيء. الحديث [م ١١٢] أي أن النبي ﷺ كان يبين لهم متى كان وقت الحاجة وجاءت المناسبة دون استعجال. وقد ورثه أهل العلم من أصحابه كانوا إذا سئل أحدهم عن مسألة لم تكن قال: دعها حتى تقع. كما قال الشعبي: سئل عمار بن ياسر عن مسألة فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال: دعونا حتى تكون، فإذا كانت تجشمناها لكم [الدارمي ١٢٣/ ابن سعد ٣٧٤٤]. وقال أبو خيثمة زهير بن حرب [العلم ٧٥] حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا موسى بن علي عن أبيه قال: كان زيد بن ثابت إذا سأله رجل عن شيء قال: آالله لكان هذا؟

стр. 240

فإن قال: نعم، تكلم فيه وإلا لم يتكلم اه [صحيح] وقال أبو خيثمة [٧٦] حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن عبد الملك بن أبجر عن الشعبي عن مسروق قال: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد؟ قلت: لا، قال: فأجمنا حتى يكون، فإذا كان اجتهدنا لك رأينا اه [صحيح]. فتركُ النظر في الأمورِ حتى يأتي وقت العمل بها يريح من الخلاف، ويُمَكِّن من العمل بما يُعلم، وهو أوقع في النفوس وأتم للبيان والحفظ، إذ النفس إذا احتاجت المسألة تشوفت إلى البيان فيقع على أتم ما يكون الانتفاع، لا كما لو كان التعليم قبل وقت الحاجة. إذا تبين هذا فإنه يدل على أمور: - منها الإعلام أن الدين جاء والعلمَ لأجل العمل لله وحده، فهو المطلوب الأصل من العباد كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات ٥٦] فمن عرف ذلك قل كلامه وكثر عمله كشأن الأولين. لذلك كان كثرة التأليف ذما، وليس عليه العمل الأول، وليس العالم من كثر تأليفه .. (١) ومن عرف هذا ترك كثيرا مما يخوض فيه الخائضون مما ليس تحته عمل، واشتغل بما ينفعه، روى أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام وأهله ٩١٦] بسنده عن الأوزاعي قال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل ومنعهم العمل اه نعوذ بالله من ذلك. وإن الله إذا أمرنا بشيء إنما يكلفنا بما يتحقق في الفطرة والعادة من العمل إذ كل من عند الله. فكل مسألة تنسب إلى العلم ليس تحتها عمل هي من جنس الأغلوطات التي نهى عنها الأولون، حقيقةٌ بأن تحذف من العلم وإن أدخلت فيه بالتأويل. كاختلافهم في من نام عن صلاة أو نسيها هل يصليها أداء أم قضاء! وهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وزعمهم في الإجماع أن الحجة منه ما كان صريحا (٢) دون

стр. 241

السكوتي! والصريح بما اشترطوه لا يقع عادة البتة لأنهم يعجزون عن أن يأتوا في ما مثلوا به للإجماع الصريح بالأسانيد الصحيحة عن كل عالم أنه صرح بوجوب الصلاة مثلا، إلا أفرادا منهم قليلا. فانتهوا إلى أن قالوا: هو أمر لا يتصور فيه اختلاف، فصار الإجماع الذي هو الحجة عندهم المفيد للعلم غير متحقق في الواقع، إنما الواقع منه السكوتي وهو عندهم لا يفيد العلم ولا يوجب العمل، فأنكروا ما يُسِّرَ للعمل، واحتجوا بما لا يقع، ولا يكون منه عمل! ومثله قولهم: هل يُعمل بالعموم قبل النظر في مخصصه؟ فتكلموا واختلفوا .. وليت شعري على من جرى الحديث؟ أما الفقيه فلا سلطان للمتكلمين عليه، هو عارف بما تفقه على مذاهب الأولين منازل العموم ونحوه، وأما المتعلم فلا سبيل له إلى "الاجتهاد" قبل أوانه .. - ومنها أن العالم هو من عرف الأمر الأول وما كان عليه العمل، كما قال سفيان الثوري: إنما العلم كله العلم بالآثار اه وقال مالك: العلم الذي هو العلم معرفة السنن والأمر المعروف الماضي المعمول به اه ويروى عن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين اه وأن من اشتغل بالكلام ونحوه مما يسمى علما لا يعد في طبقات العلماء (١)، ولا صنعته من العلم في شيء .. - ومنها معرفة أن ما طُلب للعمل من القربات ونحوها إنما يلتمس بيانه من جهة العمل عملِ النبي ﷺ وأصحابه، لذلك لم يُعَوَّل على ما يفهم من المطلقات والعمومات في بيان صفة العمل. إذ البيان كان به لا بالأمر فقط، والقول جاء لأمور أخر لا يدل عليها الفعل كالدلالة على الوجوب والعموم في كل الناس وثواب ذلك، فالله تعالى شرع الدين، والنبي أول العابدين، فمن أراد أن يعبد ربه فقد أمر باتباع نبيه في ما اتخذه وسيلة إلى ربه لا يجتهد لنفسه كالمستغني عن بيان رسول الله ﷺ . فاعرف وظائف الأدلة يستبن لك فقه كثير. - ومنها معرفة ما يوقت من أمور القربات وما لم يوقت، فإن النبي ﷺ كان ربما حد فيها سنة معلومة تلتزم وربما لم يوقت وهو الأكثر، وتتبع العمل الجاري والترك

стр. 242

هو الذي يبين ذلك. فإذا لم ينقل في الباب شيء من الأفعال فاعلم أنه مما فهموا أنه لم يوقت فيه حد وليس فراغا يملأ بالقياس والنظر. وهذا مثل هيئة اليدين بين السجدتين وبعد الركوع لم ينقل الصحابة عن النبي ﷺ فيهما شيئا لعلمهم أنه لم يجعل فيها سنة يلتزم بها. ومنه مسافة القصر، لما اختلفت الآثار فيها ولم يكن العمل على سنة مطردة عُلم أن النبي لم يحد فيها شيئا إلا ما كان فيه مخايل السفر وهو العرف على أصح الأقوال .. ومن هنا كان ملحظ مالك حين قال: وليس لغسل الميت عندنا شيء موصوف وليس لذلك صفة معلومة ولكن يغسل فيطهر اه مع علمه بحديث أم عطية، وقد رواه في الموطأ (١)، فلم يكن سنة لأنه لم يتكرر العمل به والدلالة عليه في من غسلوا من الموتى. فلا يكفي في إثبات السنة حديثٌ واحد، ولكن مجموع الأخبار الدالة على الفعل والترك، حتى يستبين ما يُواظب عليه مما يُفعل أحيانا، وأن يعرف قصد النبي ﷺ من فعله. ومنه اختلاف الناس في رص العقبين عند السجود، لا يكفي فيه ما روي عن عائشة "فوجدته ساجدا راصا عقبيه" [ابن حبان ١٩٣٣] ولم يزل النبي ﷺ يصلي أمام الناس ويعلمهم سنن صلاتهم، وكذلك أصحابه من بعده، وأنكروا على الناس أخطاء في سجودهم كافتراش المرفق ورفع القدم والأنف وتفريج الأصابع .. فلم يذكروا رص العقبين (٢). ولم يوقت رسول الله فيه شيئا. فغاية ذلك الحرف إن صح - ولا إخاله محفوظا - أن يكون ضمَّ عقبيه لبردٍ أو ضيقِ موضعٍ أو نحو ذلك ..

стр. 243

والمقصود أن السنن إنما تؤخذ من مجموع العمل. وعلى هذا كان الناس في أول الأمر، وجرى في كلام فقهاء الأثر (١). كذلك إذا ثبت خبر فيه عمل فلا تجعله سنة تُتعاهد ويواظَب عليها حتى تراها تتكرر في العمل الأول، وقد عرفتَ أن الفعل بفطرته لا يدل على العموم، وأن مأخذ السنن من جهة العمل. - ومنها أن ندرك طريقة نقل الصحابة للدين، فقد كانوا يبينون بالعمل أكثر من بيانهم بالقول كما تقدم في جزء الآثار، والعلماء ورثة الأنبياء. وقد أخبر الله تعالى عنهم قولهم (واجعلنا للمتقين إماما) [الفرقان ٧٤] فاستجاب لهم ربهم (٢)، فلا تجد متقيا إلا مؤتما بهم مقتديا بأفعالهم كما اقتدوا بإمام المتقين ﷺ ، فكان أحدهم يعمل ويفتي ولا يكاد يرفع الحديث. وأصل هذا عمل النبي ﷺ ، لم يكن يرفع إلى الله كل ما يوحى إليه من الحديث،

стр. 244

بل كانت الأحاديث القدسية التي يصرح فيها النبي ﷺ برفعها إلى ربه قليلة، كقوله: يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني. الحديث [خ ٦٩٧٠] وهي وحي منزل كما أن سائر الحديث وحي منزل، فتلقى الراسخون في العلم هذا المنهاج فبلغوا الدين على نحو ما تلقوه من النبي ﷺ . وهذا مستفيض في الآثار لم يزل أصحابهم يحتجون بأفعالهم ويقتفونها. ثم من الناس من يقول: إنما فعلوا ذلك تورعا فقط! ويضمر في نفسه أن لو صرحوا لكان أمثل، وأنه لو كان مكانهم لبلغ الأمانة كما ينبغي!! أفٍّ لظن السوء، أفيتورعون على علم ونجسر نحن على الجهالة؟! نعم هو ورع، وإنه لَسنةٌ جارية. وهذا ينبيك عن خطأ من ترخص في رواية الحديث الضعيف عن النبي ﷺ ، فإذا كانت الصحاح على ما فيها من غَناء لا يكثر من روايتها فكيف بما لا يصح! - ومنها أن نعلم أن أعمال العلماء من أصحاب النبي ﷺ سنة ونقل عن النبي بالعمل أقوى من الإسناد، لذلك رجحه مالك وغيره على الروايات. فهو أصل صحيح في الجملة لكنه غير خاص بالمدينة وإن كان أكثر ما يكون فيها. ثم لا يضرنا بعد ذلك ما يذكر من تعارض الوقف والرفع لأيهما يصار، لأن الغرض - وهو العمل - حاصل، فتدبر (١). - ومنها أن نعلم غلط من اشترط التواتر اللفظي في الاحتجاج بالأخبار، إذ غفل عن هذه السنة. فالتواتر اللفظي غير مطلوب شرعا، ولو كان كذلك لتنافسوا فيه ولحرصوا عليه. لكنهم كانوا على منهاج متبع وهدي رشيد. فمن اشترط التواتر وتنكر لخبر الواحد الثقة أو أخره فقد سفه نفسه! وتلك بدعة أحدثها من لم يعرف سيرة القوم .. - ومنها تقوية الحديث الضعيف السند بعمل الصحابة، ثم سَمِّه بعدُ صحيحا أو

стр. 245

حسنا، لذاته أو لغيره .. فالغرض أن له أصلا في السنة، وقد عرفت أن السنة هي عمل النبي ﷺ والصحابة بعده، والمقصود من الإسناد ما فيه من الفقه والعمل. وهذا مثل حديث معاذ في ترتيب الأدلة في القضاء (١)، فقد عمل به العلماء أبو بكر وعمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس (٢) .. فهو منهاج في القضاء وليس وصية وقعت من أحدهم عن اجتهاد. والإسناد ليس مقصودا لذاته، والنشاط لرفع الحديث وتكلفه في كل أمر ليس عليه العمل، فلا يضرنا إذ أثبتنا الأثر المعمول به كما جاء وعرفنا السنة أن لا نحقق في الرفع إلى رسول الله ﷺ تأسيا بالأمر الأول. وقد جرى على هذا مالك بن أنس في الموطأ إذ يذكر الأحاديث والآثار عن فقهاء الصحابة وإن كانت مراسيل ومعاضيل، وربما اكتفى بها دون أن ينمي ذلك. والله أعلم. ومنه ما روى مالك [٤٦٩] عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم أن لا يمس القرآن إلا طاهر اه وهذا كتاب توارثه آل ابن حزم، وعليه عمل الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وسلمان وجابر بن عبد الله من غير خلاف بينهم في مس المصحف، والقول بجواز مسه للحائض والجنب بدعة إنما قال بها من لم يحتج بالصحابة في الأصول كابن حزم الظاهري (٣).

стр. 246

- ومنها إثبات الترجيح بالعمل، إذا جاءت رواية مما نفهم منه عملا ليس عليها عمل أحد من أصحاب النبي ﷺ فالأمر تركُ الخبر للعمل، أي ترك فهمنا للحديث. لا تقل هذه معارضة للسنة بأقوال الصحابة وأفعالهم! ولكن قل: معارضة الحديث والرواية للسنة، فقد عرفت الفرق بينهما. ثم لا يهمنا أن نقول في الخبر هو منسوخ، أو غير محفوظ (١)، أو أن من رواه تأوله على غير تأويله، أو أننا تأولناه على غير تأويله .. كحديث بشير بن الخَصاصية [س ٢٠٤٨] أن النبي ﷺ رأى رجلا يمشي بين القبور في نعليه فقال: يا صاحب السبتيتين ألقهما اه فلو كان خلع النعال من سنة المقابر لعمل بها رسول الله وأصحابه بعده ولتواصوا لكثرة تردادهم إلى البقيع والمقابر، فليس هو سنة، وإنما للحديث وجه آخر، لذلك ذكر أهل الآثار له وجوها مشهورة (٢). ومثله حديث التسمية في الوضوء، لم يزل أصحاب النبي يتوضؤون ويحكون وضوء نبي الله ولا يذكرون التسمية، وما علموها أحدا من أبنائهم أو أصحابهم، وهي مما شرع ليَعمَل به كل عبد لو كان سنة وتتوافر الدواعي لنقله، وإنما وجه الحديث إن صح ما قال ربيعة: أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوى وضوءا للصلاة ولا غسلا

стр. 247

للجنابة. [د ١٠٢] فهذا منهاج (١). - ومنها أن تصح دعوى الخصوصية في حوادث الأعيان بإثبات أن العمل لم يستمر عليها مع وجود المقتضي لذلك. وهذا مثل حديث ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا اه [خ ١٢٥] ولم يجر عمل النبي بعد ذلك ولا أصحابه على غرز نحو ذلك على قبرٍ رجاء التخفيف .. فدل هذا على الخصوصية، وصحت الدعوى أنها حادثة عين لا يعمل بها، وأن ذلك ليس سنة. كذلك ما روى البخاري [١٢٢٥] عن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنتا لرسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان قال فقال: هل منكم رجل لم يقارف الليلة. فقال أبو طلحة أنا قال: فانزل. قال فنزل في قبرها اه وقد دفن النبي ﷺ بعدها نساء، ودُفن نساء النبي بعده وفاطمة بنت رسول الله ونساء المؤمنين .. ولم يكونوا ينادون في الدفن من لم يقارف أهله البارحة .. فدل على أنها حال خاصة ولمعنى خاص. ومن هنا كان ملحظ مالك لما ذهب إلى أن المعانقة كانت خاصة بجعفر .. - ومنها معرفة أن سنن العمل لا يشكل فيها إرسال الفقهاء التابعين، مثل ما صح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها اه أي في الخطبة الثانية [ش ٥٩١٦/ هق ٣/ ٢٩٩] فلا وجه لقول من رد مثل هذا وهو سنة ظاهرة نشأ عليها الناس أيام العلم والعمل. وعبيد الله من الفقهاء السبعة الذين ورثوا العلم والفتوى عن الراسخين من أصحاب النبي

стр. 248

ﷺ . فإذا عُلم ما تقدم تبين أن قوله: من السنة أي العمل الجاري في أهل العلم قبله وهم الصحابة. - ومنها العلم بأن "خبر الواحد" المعمول به في زمن الصحابة "قطعي الثبوت" "يوجب العلم" على اصطلاح المتكلمين. وأين هذا من القواعد التي صاغوا لها صياغة عامة وقالوا: هذه قواعد قطعية باستقراء تصرفات الشرع، وإنما هي عبارات محدثة اعتاضوا بها عن جوامع الكلم التي أوتيها نبي الله ﷺ ! ثم قالوا في الأحاديث: هذه أخبار آحاد لا توجب العلم إلا الظن لورود الاحتمالات على ثبوتها ودلالتها!! فانظر إلى المحدثات كيف شوهت الدين، وأذهبت اليقين، وأورثت الريب في الكمال والبيان .. ولا والله لا يدرك العبد اليقين حتى يعلم أن الغنية كلها في كتاب الله وبيانِهِ سنةِ نبيه ﷺ . فإذا جاء حديث عن رسول الله عليه عمله وعمل الصحابة العلماء فهو أحق بالقطع به من الجوامع التي تصاغ بالاستقراء! - ومنها العلم بأن أمور النوازل (المصالح المرسلة) التي وكل النبي ﷺ تفصيل القضاء فيها إلى زمن وقوعها - أي تحقيق المناط - على أصله في عدم إشغال الأمة بما لم يأت وقته ليس من البدعة في شيء، لأن البدعة زيادة على الكمال واستدراك، وفتاوى النوازل تنزيل للحكم المقرر في وقته وعمل بالسنة في ما جاء أوانه، ليس زيادة في الدين. وما من عبد يعمل عملا إلا وهو يرى حاجته إلى عمله في صلاح دينه، فإذا رأى هذه المصلحة قائمة في العمل نفسه وأنه محتاج إليه ولو كان مع رسول الله فهو البدعة الضلالة، وإذا كانت الحاجة إليه مما طرأ بعد وأنه مستغن عنه ولا يؤخذ به إلا بمقدار زمان الحاجة فهو ما ينظر فيه من النوازل. فلفظ "بدعة" لا يتناول أمور النوازل بحال، وهذا إنما يكون في الوسائل والأقضية التي لم يكن لها ذكر زمن النبي ﷺ ليس القربات. فمن لم يعلم أن من منهاج النبي وأصحابه أن لا يعمل عملا لم يأت وقته ولا يفتي في ما لم يأت وقته من أمور الشورى اشتبه عليه البدع بالنوازل، ولم يفهم لِمَ جمع الصحابة المصحف ولِمَ ضمنوا الصناع .. - ومنها التأسي بالنبي ﷺ في التربية، فأكثر الآباء يربون أبناءهم بالأمر والنهي أكثر من تحريهم القدوة في أنفسهم، خلافا لمنهاج النبي في تزكية أصحابه وهو خير

стр. 249

مربي ﷺ . ومَن أكثرَ الأمرَ والنهيَ عرَّض الولد إلى العصيان وكسر جدار الطاعة لا محالة، فيُسَهل على ولده عقوقه من حيث لا يدري. والله المستعان. - ومنها أن نعلم دخول العمل في الفتوى، فعمل العالم أو المتَّبَع - بفتح الباء - من جنس التوقيع عن الله ما دام منظورا إليه (١) .. - ومنها أن يحذَر اللهَ من كان منظورا إليه، إذ كان عمله محل أسوة، والعمل أقوى من الكلام، فإن زلته لا كزلة من لم يبتل بمثل بلائه! سواء كان عالما أو مظنونا به العلم، حتى الأب في رعيته فإنه مربٍّ بفعله أكثر من قوله شعر أو لم يشعر لأنها فطرة، حتى وإن أكثر عليهم الأوامر والنواهي فإنه يربيهم بعمله ذاك على أن يأمروا وينهوا مع قصر العمل .. فمن عرف هذا لم يستمرئ أن يجعل نفسه موضع قدوة بغير تحقق بالعلم، فإنها خلافة النبي ﷺ في بعض أمته .. و (إنما يخشى الله من عباده العلماؤ) [فاطر ٢٨] والله المستعان. - ومنها أن تعلم أنه لا يصلح أن يتساهل في إطلاق لقب العالم على من لم يكن أهلا للقدوة في نفسه، حتى تكون هدايته بالعمل وحبه له أكثر من اللسان .. ولا تأليفه وكتبه أكثر من تربيته وثمرتها .. لأن العلماء هم ورثة الأنبياء، فبقدر وراثته يكون علمه. وقد قال الدارمي عبد الله في سننه [٤٢٠] أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى صلاته وإلى سنته وإلى هيأته ثم يأخذون عنه اه وروى أبو القاسم الجوهري [مسند الموطأ ٣٣٠] بسنده عن مالك قال: كانت أمي تلبسني الثياب وتعممني وأنا صبي وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن وتقول لي: تأتي أنت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفهمه اه ولا أحسب شداد بن أوس أراد بقوله: أول العلم يرفع الخشوع إلا هذا، فالعالم من نصحك بحاله وعمله قبل لسانه. والله أعلم. - ومنها أن المفتي إذا أجاب السائل بلا تفعل أو أكره كذا .. ونحوه أجزأه، لأن

стр. 250

قصد السائل العمل .. ومن أَلِف الجدل لم يقنع حتى يناقشه أحرام هو .. والأمر كان على خلاف ذلك. قال الدارمي [مقدمة السنن ١٨٤] أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال ولا حرام إنما كان يقول: كانوا يتكرهون وكانوا يستحبون اه وقال ابن عبد البر: وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا حسنا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا. [جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢٨٦] فمن عرف أن القصد العمل قنع بالهدي الأول. - ومنها أن الأولى بالمفتي ألا يجيب عن كل ما يُسأل حتى يَعلَمَ السائلَ عاملا بما يعلم، فإنه مربي وارث. ومنه تعرف متى يلزم المفتي الجواب ويكون إمساكه كتمانا للعلم .. ومنه أن الجواب إنما يكون عما تحته عمل، فأكثر الناس لا يحسنون المسألة، والمفتي معلم، فإذا عودهم على ألا يسأل أحدهم إلا عما تحته عمل أصاب السنة .. - ومنها معرفة ما ينبغي أن ينشغل به الطلاب من الحديث، فإن الانصراف إلى كتب الشمائل والمغازي ونحوها .. يشغل عن القرآن ومعرفة السنن التي شرعت للعمل كما تقدم عن عمر بن الخطاب، وفي هذا المعنى ما روي عن شعبة بن الحجاج قوله: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟! [شرف أصحاب الحديث ٢٥٦] (١). وليس مراد شعبة الزهد في حديث رسول الله ﷺ كما نعق أهل البدع، ولكن أن يكون درسه على منهاج الأولين العلم مع العمل، والأَولى فالأولى. كيف وبالحديث بيان كتاب الله، وفيه الحكمة المنزلة من الله، والدلالة على خير الهدى هدى رسول الله .. لكن ليحذر امرؤ يحتج بالحديث دون شهادة أصحاب
следующие страницы →