- ومنها إثبات الترجيح بالعمل، إذا جاءت رواية مما نفهم منه عملا ليس عليها عمل أحد من أصحاب النبي ﷺ فالأمر تركُ الخبر للعمل، أي ترك فهمنا للحديث. لا تقل هذه معارضة للسنة بأقوال الصحابة وأفعالهم! ولكن قل: معارضة الحديث والرواية للسنة، فقد عرفت الفرق بينهما. ثم لا يهمنا أن نقول في الخبر هو منسوخ، أو غير محفوظ (١)، أو أن من رواه تأوله على غير تأويله، أو أننا تأولناه على غير تأويله .. كحديث بشير بن الخَصاصية [س ٢٠٤٨] أن النبي ﷺ رأى رجلا يمشي بين القبور في نعليه فقال: يا صاحب السبتيتين ألقهما اه فلو كان خلع النعال من سنة المقابر لعمل بها رسول الله وأصحابه بعده ولتواصوا لكثرة تردادهم إلى البقيع والمقابر، فليس هو سنة، وإنما للحديث وجه آخر، لذلك ذكر أهل الآثار له وجوها مشهورة (٢). ومثله حديث التسمية في الوضوء، لم يزل أصحاب النبي يتوضؤون ويحكون وضوء نبي الله ولا يذكرون التسمية، وما علموها أحدا من أبنائهم أو أصحابهم، وهي مما شرع ليَعمَل به كل عبد لو كان سنة وتتوافر الدواعي لنقله، وإنما وجه الحديث إن صح ما قال ربيعة: أنه الذي يتوضأ ويغتسل ولا ينوى وضوءا للصلاة ولا غسلا
стр. 247
للجنابة. [د ١٠٢] فهذا منهاج (١).
- ومنها أن تصح دعوى الخصوصية في حوادث الأعيان بإثبات أن العمل لم يستمر عليها مع وجود المقتضي لذلك. وهذا مثل حديث ابن عباس قال: مر النبي ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير. أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة. ثم أخذ جريدة رطبة فشقها نصفين فغرز في كل قبر واحدة. قالوا: يا رسول الله لم فعلت هذا؟ قال: لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا اه [خ ١٢٥] ولم يجر عمل النبي بعد ذلك ولا أصحابه على غرز نحو ذلك على قبرٍ رجاء التخفيف .. فدل هذا على الخصوصية، وصحت الدعوى أنها حادثة عين لا يعمل بها، وأن ذلك ليس سنة. كذلك ما روى البخاري [١٢٢٥] عن أنس بن مالك ﵁ قال: شهدنا بنتا لرسول الله ﷺ قال: ورسول الله ﷺ جالس على القبر، قال: فرأيت عينيه تدمعان قال فقال: هل منكم رجل لم يقارف الليلة. فقال أبو طلحة أنا قال: فانزل. قال فنزل في قبرها اه وقد دفن النبي ﷺ بعدها نساء، ودُفن نساء النبي بعده وفاطمة بنت رسول الله ونساء المؤمنين .. ولم يكونوا ينادون في الدفن من لم يقارف أهله البارحة .. فدل على أنها حال خاصة ولمعنى خاص. ومن هنا كان ملحظ مالك لما ذهب إلى أن المعانقة كانت خاصة بجعفر ..
- ومنها معرفة أن سنن العمل لا يشكل فيها إرسال الفقهاء التابعين، مثل ما صح عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: من السنة أن يكبر الإمام على المنبر في العيدين تسعا قبل الخطبة، وسبعا بعدها اه أي في الخطبة الثانية [ش ٥٩١٦/ هق ٣/ ٢٩٩] فلا وجه لقول من رد مثل هذا وهو سنة ظاهرة نشأ عليها الناس أيام العلم والعمل. وعبيد الله من الفقهاء السبعة الذين ورثوا العلم والفتوى عن الراسخين من أصحاب النبي
стр. 248
ﷺ . فإذا عُلم ما تقدم تبين أن قوله: من السنة أي العمل الجاري في أهل العلم قبله وهم الصحابة.
- ومنها العلم بأن "خبر الواحد" المعمول به في زمن الصحابة "قطعي الثبوت" "يوجب العلم" على اصطلاح المتكلمين. وأين هذا من القواعد التي صاغوا لها صياغة عامة وقالوا: هذه قواعد قطعية باستقراء تصرفات الشرع، وإنما هي عبارات محدثة اعتاضوا بها عن جوامع الكلم التي أوتيها نبي الله ﷺ ! ثم قالوا في الأحاديث: هذه أخبار آحاد لا توجب العلم إلا الظن لورود الاحتمالات على ثبوتها ودلالتها!! فانظر إلى المحدثات كيف شوهت الدين، وأذهبت اليقين، وأورثت الريب في الكمال والبيان .. ولا والله لا يدرك العبد اليقين حتى يعلم أن الغنية كلها في كتاب الله وبيانِهِ سنةِ نبيه ﷺ . فإذا جاء حديث عن رسول الله عليه عمله وعمل الصحابة العلماء فهو أحق بالقطع به من الجوامع التي تصاغ بالاستقراء!
- ومنها العلم بأن أمور النوازل (المصالح المرسلة) التي وكل النبي ﷺ تفصيل القضاء فيها إلى زمن وقوعها - أي تحقيق المناط - على أصله في عدم إشغال الأمة بما لم يأت وقته ليس من البدعة في شيء، لأن البدعة زيادة على الكمال واستدراك، وفتاوى النوازل تنزيل للحكم المقرر في وقته وعمل بالسنة في ما جاء أوانه، ليس زيادة في الدين. وما من عبد يعمل عملا إلا وهو يرى حاجته إلى عمله في صلاح دينه، فإذا رأى هذه المصلحة قائمة في العمل نفسه وأنه محتاج إليه ولو كان مع رسول الله فهو البدعة الضلالة، وإذا كانت الحاجة إليه مما طرأ بعد وأنه مستغن عنه ولا يؤخذ به إلا بمقدار زمان الحاجة فهو ما ينظر فيه من النوازل. فلفظ "بدعة" لا يتناول أمور النوازل بحال، وهذا إنما يكون في الوسائل والأقضية التي لم يكن لها ذكر زمن النبي ﷺ ليس القربات. فمن لم يعلم أن من منهاج النبي وأصحابه أن لا يعمل عملا لم يأت وقته ولا يفتي في ما لم يأت وقته من أمور الشورى اشتبه عليه البدع بالنوازل، ولم يفهم لِمَ جمع الصحابة المصحف ولِمَ ضمنوا الصناع ..
- ومنها التأسي بالنبي ﷺ في التربية، فأكثر الآباء يربون أبناءهم بالأمر والنهي أكثر من تحريهم القدوة في أنفسهم، خلافا لمنهاج النبي في تزكية أصحابه وهو خير
стр. 249
مربي ﷺ . ومَن أكثرَ الأمرَ والنهيَ عرَّض الولد إلى العصيان وكسر جدار الطاعة لا محالة، فيُسَهل على ولده عقوقه من حيث لا يدري. والله المستعان.
- ومنها أن نعلم دخول العمل في الفتوى، فعمل العالم أو المتَّبَع - بفتح الباء - من جنس التوقيع عن الله ما دام منظورا إليه (١) ..
- ومنها أن يحذَر اللهَ من كان منظورا إليه، إذ كان عمله محل أسوة، والعمل أقوى من الكلام، فإن زلته لا كزلة من لم يبتل بمثل بلائه! سواء كان عالما أو مظنونا به العلم، حتى الأب في رعيته فإنه مربٍّ بفعله أكثر من قوله شعر أو لم يشعر لأنها فطرة، حتى وإن أكثر عليهم الأوامر والنواهي فإنه يربيهم بعمله ذاك على أن يأمروا وينهوا مع قصر العمل .. فمن عرف هذا لم يستمرئ أن يجعل نفسه موضع قدوة بغير تحقق بالعلم، فإنها خلافة النبي ﷺ في بعض أمته .. و (إنما يخشى الله من عباده العلماؤ) [فاطر ٢٨] والله المستعان.
- ومنها أن تعلم أنه لا يصلح أن يتساهل في إطلاق لقب العالم على من لم يكن أهلا للقدوة في نفسه، حتى تكون هدايته بالعمل وحبه له أكثر من اللسان .. ولا تأليفه وكتبه أكثر من تربيته وثمرتها .. لأن العلماء هم ورثة الأنبياء، فبقدر وراثته يكون علمه. وقد قال الدارمي عبد الله في سننه [٤٢٠] أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشيم عن مغيرة عن إبراهيم قال: كانوا إذا أتوا الرجل ليأخذوا عنه نظروا إلى صلاته وإلى سنته وإلى هيأته ثم يأخذون عنه اه
وروى أبو القاسم الجوهري [مسند الموطأ ٣٣٠] بسنده عن مالك قال: كانت أمي تلبسني الثياب وتعممني وأنا صبي وتوجهني إلى ربيعة بن أبي عبد الرحمن وتقول لي: تأتي أنت مجلس ربيعة، فتعلم من سمته وأدبه قبل أن تتعلم من حديثه وفهمه اه ولا أحسب شداد بن أوس أراد بقوله: أول العلم يرفع الخشوع إلا هذا، فالعالم من نصحك بحاله وعمله قبل لسانه. والله أعلم.
- ومنها أن المفتي إذا أجاب السائل بلا تفعل أو أكره كذا .. ونحوه أجزأه، لأن
стр. 250
قصد السائل العمل .. ومن أَلِف الجدل لم يقنع حتى يناقشه أحرام هو .. والأمر كان على خلاف ذلك. قال الدارمي [مقدمة السنن ١٨٤] أخبرنا هارون عن حفص عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم يقول قط حلال ولا حرام إنما كان يقول: كانوا يتكرهون وكانوا يستحبون اه وقال ابن عبد البر: وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا ولا أدركت أحدا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا ونرى هذا حسنا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا. [جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٢٨٦] فمن عرف أن القصد العمل قنع بالهدي الأول.
- ومنها أن الأولى بالمفتي ألا يجيب عن كل ما يُسأل حتى يَعلَمَ السائلَ عاملا بما يعلم، فإنه مربي وارث. ومنه تعرف متى يلزم المفتي الجواب ويكون إمساكه كتمانا للعلم .. ومنه أن الجواب إنما يكون عما تحته عمل، فأكثر الناس لا يحسنون المسألة، والمفتي معلم، فإذا عودهم على ألا يسأل أحدهم إلا عما تحته عمل أصاب السنة ..
- ومنها معرفة ما ينبغي أن ينشغل به الطلاب من الحديث، فإن الانصراف إلى كتب الشمائل والمغازي ونحوها .. يشغل عن القرآن ومعرفة السنن التي شرعت للعمل كما تقدم عن عمر بن الخطاب، وفي هذا المعنى ما روي عن شعبة بن الحجاج قوله: إن هذا الحديث يصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة، فهل أنتم منتهون؟! [شرف أصحاب الحديث ٢٥٦] (١). وليس مراد شعبة الزهد في حديث رسول الله ﷺ كما نعق أهل البدع، ولكن أن يكون درسه على منهاج الأولين العلم مع العمل، والأَولى فالأولى. كيف وبالحديث بيان كتاب الله، وفيه الحكمة المنزلة من الله، والدلالة على خير الهدى هدى رسول الله .. لكن ليحذر امرؤ يحتج بالحديث دون شهادة أصحاب
стр. 251
رسول الله فيكذبه الله ورسوله، فإن استدلال المستدل بالعموم والمفهوم والعلة ونحو ذلك يعني أن أغلب ظنه أن الله أراده وأن نبيه قصده في مقاصد كلامه، فيقذف بالظن من مكان بعيد، وإنما القصد من الحديث ما جرى في عمل النبي ﷺ وأصحابه.
- ومنها أن من السنن المنسية سنة الصمت ولو كان المرء في جماعة، وقد روى ابن أبي عاصم في الزهد [٥٥] وغيره بسند صحيح عن إبراهيم قال: كانوا يجلسون، فأطولهم سكوتا أفضلهم في أنفسهم اه وانظر جامع ابن وهب وكتاب الصمت لابن أبي الدنيا.
وروى البخاري [٦٠٧٨] عن أبي ذر قال: خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله ﷺ يمشي وحده وليس معه إنسان قال: فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد، قال: فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني فقال: من هذا؟ قلت: أبو ذر جعلني الله فداءك. قال: يا أبا ذر تعال. قال فمشيت معه ساعة فقال: إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفح فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا. قال: فمشيت معه ساعة .. الحديث. فانظر كيف كلمه بكلمة ثم سار ساعة ثم زاده أخرى كل ذلك صمت وسكينة.
وروى أبو داود [٤٧٥٥] عن البراء بن عازب قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ وجلسنا حوله كأنما على رءوسنا الطير. الحديث.
وفي صحيح ابن حبان [٤٨٦] عن أسامة بن شريك قال: كنا عند النبي ﷺ كأن على رؤوسنا الرخم ما يتكلم منا متكلم، إذ جاءه ناس من الأعراب فقالوا: يا رسول الله أفتنا في كذا أفتنا في كذا. الحديث. وقد تقدم نحوه عن الصحابة والتابعين، وهو أمر مشهور. والقصد بالصمت ترك اللغو، والإقبال على الذكر في السر.
- ومنها أن تعلم وجوها للمخالفة في بدع يدعي أصحابها عدم المخالفة فإذا خالفت سنة الصمت فحسبك بها .. كالجهر بالذكر عند الجنائز وملازمة الوعظ عند الدفن .. ومن جهل هذه المعاني ظن في الدين الكامل نقصا وفراغا!! فلم ير الابتداع مخالفة ..
стр. 252
- ومنها أن من عرف هذا لم ير لاجتهاد إحداث بدعة فائدة، إذ القصد العمل، والعمل العتيق كاف لمن صدق في قصده ..
- ومنها معرفة أن ما يوافق شهوات الخَلق ولا ينشزون عنه بفطرتهم لم يؤكد الشرع الأمر به، لأن القصد من الأمر حاصل وهو العمل، وهذا كالوطء فإنه واجب بالجملة يستدل على وجوبه بمجموع الشريعة، لذلك كان حكم الإيلاء .. والخلق جبلوا على ذلك، فلم يأت تقريره لأنه كاللغو حينئذ. فإذا عرفت هذا عرفت أن من مسالك الوجوب أن يخبر الشرع أن ذا من سنن الفطرة التي لا تبديل لها، واستمرار العمل عليها .. فمن رخص في حلق اللحية، وزعم أن ليس في السنة دليل على منعه، كان من غفلته، إنما كانوا قوما على أصل فطرتهم في مثل هذا، فلم يكن بهم حاجة إلى تأكيد الأمر به كل حين، لذلك لم يتواتر الخبر فيه عن رسول الله ﷺ ، ولم يحتاجوا فيه إلى تصريح بحرمته كما صرح بتحريم الخمر والميتة وما أشبه ذلك مما كانوا يتعاطونه في الجاهلية، ويحتاجون إلى بيان شره وتذكير بخطره. والله أعلم.
فصل في بيان أن السنة في القربات أن لا يُسأل عن حِكمها (١).
وذلك أن شيمة العبد الطاعة دون أن يسأل لِمَ وفيمَ؟ لذلك امتنع القياس في القربات، والحاجة إليه فيها منعدمة.
وحقيقة التعبد هو الانقياد والذل، والعبد هو الذلول الذي لا يتلكأ، والسؤال عن حِكَم الأوامر قادح في العبودية. والقصد في هذا المقام التعبد من الله، إذ للتعبد إطلاقان:
تعبد من الله لعباده: وهو امتحانهم بالأمر الذي حجب عنهم حكمته، وهو الشائع عند الأصوليين يجعلونه قسيم المعلل الذي ظهرت حكمته.
وتعبد من العبد لله وهو التقرب إليه بامتثال أمره على وجه الذل له سبحانه، سواء عرف وجوه الأمر أم جهلها، فهو ممتثل مطيع.
فالأول فعل الله، والثاني فعل ابن آدم. وكلاهما متلازم، فالتعبد الذي هو فعل الله حجب الحِكم والامتحان بالعمل بلا مراجعة. والتعبد من العبد هو امتثال ذلك وأخذ الحُكم دون الالتفات إلى العلل، أي بالتسليم بلا علم تفصيلي .. وهو حقيقة الذل، لذلك سميت القربات كذلك لأن أخذها يكون دون معرفة وجوه الحكم فيها. والله
стр. 253
أعلم. فحقيقة العبد أنه لا يراجع .. وهذا جار في الأوامر وفي النواهي كالنهي عن البدع، سواء النهي الخاص كتخصيص يوم الجمعة بصوم، أو النهي العام كقوله ﷺ : وإياكم ومحدثات الأمور اه فكل عبادة سواء بالترك أو الفعل لا يقال فيها لِمَ، إذ لا يسأل الرب عما يفعل وهو يسألون.
وإذ قد علم أن القربات من حيث الجملة لا تعلم حِكمها، فالسؤال عنها حينئذ لغو أو تنطع. غير لائق بالعبد، وهذا ظاهر بحمد الله. وينبني عليه أمور:
- منها أن الأمر عندهم في الذكر الراتب ونحوه التوقيف بلا تصرف مثل ألفاظ التشهد ونحوه مما تقدم. فقد كانوا يتعلمون ذلك ويعلمونه على الحروف. فمن زاد شيئا من عنده فإنما يُزري على خير القرون! ويشذ عن القواعد المحكمة. كمن زاد في الأذان والتشهد لفظ "سيدنا " .. وكل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة!
- ومنها أن يسقط كثير من الاشكالات التي يوردها بعض المسلمين، إذا قيل له: عملك هذا بدعة! قال: وماذا فيه؟! فكأنه قال معترضا: لأي معنى منع هذا العمل؟! أو أي مفسدة شرعية فيه؟! والسؤال من أصله غير صحيح وغير وارد. فإذا نهاك الله ورسوله ﷺ عن عمل بنص خاص كالنهي عن القراءة في الركوع والسجود، أو بعام كقوله: إياكم ومحدثات الأمور اه فقل: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، تكن متبعا للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان.
- ومنها أن يتبين خطأ من زعم أن سلوك الأدب يقدم على امتثال الأمر، وجعله قاعدة بنى عليها استحسان زيادات مبتدعة! واستدل لها بحديث إمامة أبي بكر بالنبي ﷺ وبحديث علي ﵄ في الحديبية فقال: أمرهما النبي ﷺ بأمر فتركاه للأدب! ثم أجاز لنفسه أن يزيد لفظ " سيدنا " في الأذان والتشهد عند ذكر رسول الله ﷺ بدعوى الأدب، مخالفا خير القرون، ناسيا أن كل بدعة عند صاحب الشرع ضلالة وأنها ليست من الأدب في شيء. وما احتج به لا يدل على المطلوب، وبيان ذلك من وجوه:
- الأول: أن القاعدة المقررة عند الصحابة في حياة النبي ﷺ هي الامتثال (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة منَ أمرهم) [الأحزاب ٣٦]. وهذا من جوامع الكلم عموم في كل أمر لأنه نكرة في سياق الشرط. بل كانوا يتركون
стр. 254
العمل الذي هو في عرف من حولهم أدب إذا جاء النهي أو الأمر بخلافه. كما في قصة سجود معاذ وحديث أنس في القيام وحديث أبي بكر في مرض النبي ﷺ . وإنما كانوا ربما تركوا ما علموا أنه ليس قضاء واجبا. فما احتج به المخالف هو من هذا الباب قطعا. والواجب رد المتشابه القليل إلى المحكم الغالب.
- الثاني: أن الصحابة لم يكونوا بعد النبي ﷺ يتركون الأمر والاتباع لدعوى الأدب. وهديهم الثابت أن الابتداع مخالفة للأدب لا سلوك له كما في حديث نافع أن رجلا عطس إلى جنب ابن عمر فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله. قال ابن عمر: وأنا أقول الحمد لله والسلام على رسول الله، وليس هكذا علمنا رسول الله ﷺ علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال اه كذلك حديث المسيب بن رافع الكاهلي قال: كان عبد الله بن مسعود يعلم رجلا التشهد، فقال عبد الله: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال الرجل: وحده لا شريك له فقال عبد الله: هو كذلك، ولكن ننتهي إلى ما علمنا اه وقد كانوا يحسنون الأدب حين وقفوا مع الامتثال! وهل في تلك الزيادات المحدثة في التشهد والأذان إلا نسبتهم إلى مخالفة الأدب!؟ إذِ انصرم قرنهم وهم لا يؤَذِّنون ولا يتشهدون إلا كما عُلِّموا؟ حاشاهم من ذلك كله! فالقاعدة المزعومة ليست من هديهم.
- الثالث: أن ما احتجوا به حكايات أفعال، وحكايات الأفعال مَظنة الاحتمال لعدم الاطلاع على قرائن الحال. فعلى أقل تقدير يحتمل أن الصحابي فهم أن الأمر ليس اقتضاء من قرينة الحال التي رأى ولم نرها، وما دخله الاحتمال سقط به الاستدلال (١).
- الرابع: غاية ما في فعل أبي بكر تعارض أمر بمعنى الإذن مع أصل مقرر وهو
стр. 255
إمامة الأفضل. ذلك أن إمامة أبي بكر بالنبي ﷺ رخصة وتفضل، فتمسك الصديق بالعزيمة بالأمر الأول في مقابل الإذن. والعزيمة مقدمة ليست تأدبا يجتهده الصديق. والبدع التي يحتجون لها غير مأمور بها أصلا.
كذلك حديث علي، فإنه علم من قرائن الحال أن النبي ﷺ لا يحب محو الكلمة، وأنه ما كان ليفعل لولا عناد المشرك، فأبى أن يعطيه ما أراد. ولم يتركه لأن الأدب عندهم مقدم. ولكن ليغيظ به الكفار، فلم يسرع في هواه، بل حرص على ألا يغيَّر من الشريعة شيء. ومعلوم أن ما أمر به النبي ﷺ هو الحكمة وأولى مما فعل علي ﵁، فإذا ثبت هذا لم يكن الأدب هناك أولى من الامتثال. وأيضا إننا نزعم أن النبي سكت عن علي لأن المقام ليس مقام إنكار، إذ لكل مقام مقال .. وكم من أمور كانت في الحديبية على غير الأصل كما قال أبو بكر: " امصص بَظْرَ اللات " فلم ينكر عليه النبي ﷺ ، وكانوا عند رأسه قياما وهو جالس ولم ينكر عليهم، وتردد الصحابة عن امتثال أمره بالحلق والنحر فلم يواجههم بالإنكار. وكل ذلك كان من العفو والترخص لا السنة التي تقصد للتشريع ويتناولها الطلب!
- الخامس: أن ما استحسنوه إنما استندوا فيه إلى القياس على فعل الصحابيين، وقد تقرر أن التعبد لا يثبت بالقياس.
- السادس: أن وجه استدلالهم هو بإقرار النبي ﷺ للصاحبين على ذلك العمل، والاقرار يدل على الجواز لا الاستحباب، أي أن ما فعله الصحابي جائز عفوٌ لا أكثر، يجوز ترك الأمر لا يستحب. والذي استدل له المخالف هو استحبابٌ أصلي لا إباحةٌ، فلا وجه للاستدلال منه. يوضحه:
- السابع: أن الإقرار في الأصل راجع إلى رفع الحرج، لا يدل على أن الفعل مقصود للشرع أي أن ما فعله الصحابي عفو لا حرج فيه لا أنه مراد من الشرع فعله. وما يجري على المقاصد يتصدى الشرع لبيان حكمه ابتداء، أو تنبيها عند الوقوع، كأن يقول إن أبا بكر سن لكم سلوك الأدب فاعملوا به، لكنه لم يقل ذلك. وما هذا شأنه لا ينتزع منه قاعدة مطلوبة العمل. وليس كل إقرار مقصودا للتشريع (١) أو ما كل
стр. 256
سكوت إقرارا كما تقدم. والقاعدة المستقراة دليل على أن معناها مقصود للشرع في تصرفاته. فما بَعُدَ جريانه على المقاصد امتنع اعتباره من القواعد.
- الثامن: أن القواعد كما يقولون لا تؤخذ من دليل أو اثنين! ولكن بالاستقراء والعمل، فبناء القاعدة المزعومة من هذه الجهة هش. كيف وهي تعارض الأصل المقطوع به وهو لزوم الامتثال؟
- التاسع: أن الحديثين لا يدلان على العموم في كل حالة، لأن الإقرار بمنزلة الفعل في عدم الدلالة على العموم، فهو مركب من فعلين: فعل الصحابي وترك إنكار النبي ﷺ عليه، والترك فعل. كذلك ما يقال له "سنة تقريرية" حاصلها فعل صحابي ترك النبي ﷺ الإنكار عليه. فليس له عموم بفطرته، ولا بالمعنى إذ قد علمت أنه بخلاف الدعوى.
- العاشر: أن ما فعله الصحابيان ترك لأمر ترك النبي الإنكار عليهما فيه، والقوم أمةٌ منهم لا يحتجون بالترك! فما الذي جعله هنا حجة؟!
- الحادي عشر: أن "سلوك الأدب" اجتهاد، وهم قائلون ألا اجتهاد مع الدليل.
- الثاني عشر: أن النبي ﷺ دل أمته على كل جوامع الكلم التي أوحيت إليه، بينها الله في كتابه أو حُفظت عن رسوله في حديثه، أو جرت على لسان العلماء الوارثين من أصحابه، ولم تكن هذه الكلمة من ذلك في شيء، فإنما هي مما أحدث!
فإذا جاء الأمر أو النهي عزما امتنع سلوكٌ غيرُ الامتثال، لأنه هو الأدب. وهو عمل حبيب إلى قلوبٍ حبب الله إليها الإيمان وزينه فيها، وكره إليها الكفر والفسوق والعصيان .. والله تعالى يقول (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) [الحجرات ١] وهذا عموم بحذف المتعلق فلا تُقَدمنْ قولا ولا اجتهادا ولا أدبا تُراه ..
ولو تأملت كل بدعة أنكرها السلف لوجدت لها تعلقا هنا، إذ يريد صاحبها أن يسلك الأدب مع الله ليزداد تعبدا .. فترك الوقوف عند حدود السنة! لكنهم نهوا عن ذلك لأن الابتداع نفسه سوء أدب .. فهذه إذًا قاعدة محدثة لفظا ومعنى، وإنما القاعدة الجامع الحق قول ربنا ﷻ (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم).
стр. 257
- ومنها أن السنة في الذكر والدعاء السر، وهو في القرآن، قال الله تعالى (واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول) [الأعراف ٢٠٥] أفاد الإسرار قوله (في نفسك) وأكده قوله (دون الجهر) والتأكيد في معنى النص لرفعه الاحتمال كما قالوا.
وكذا قوله سبحانه (ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين) [الأعراف ٥٤] أفاد السر قوله (خفية) وتأكد بقوله (إنه لا يحب المعتدين) أي المعتدين في الدعاء بخلاف الوصف المطلوب ومنه الإسرار بالدعاء.
وقال النبي ﷺ وسمعهم يجهرون بالذكر: "يا أيها الناس! اِربَعوا على أنفسكم. إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبا، إنكم تدعون سميعا قريبا، وهو معكم" [م ٢٧٠٤]. لذلك كانوا يكرهون رفع الصوت بالذكر والدعاء كما تقدم.
وقال ابن أبي شيبة [٣٠٨٠٠] حدثنا وكيع قال حدثنا هشام الدستوائي عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عباد قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يكرهون رفع الصوت عند الذكر اه يشهد له الاستقراء أنهم كانوا يكرهون ذلك، وهو أثبت من الإسناد. ومن ذاق طعم المناجاة وجد ما في الجهر من التكلف والفساد ..
وما شرع في العمل الأول على خلاف الأصل فعلى قدره وليس هو الغالب، مثلما روي عن عمر أنه جهر في الصلاة بدعاء الافتتاح لتعليم الناس [ابن أبي شيبة ٢٤٠٤ والدارقطني ١٧] وكالتكبير أيام التشريق. فيدل هذا على رد كثير من الحوادث كالدعاء أدبار الصلوات بصوت واحد جهرا. تُرد لوصف الإحداث، ثم لمخالفتها هذا السَنن، فضلا عن مصادمتها للأدلة الخاصة.
ومن احتج بحديث ابن عباس [خ ٨٤٢/ م ٥٨٣]: " كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير" فهو محمول عند الشافعي [الأم ١/ ١٥٠] وغيره على التعليم لعدم جريان العمل عليه. ويدل له أن ذلك كان في زمن الوفود لأن ابن عباس متأخر الصحبة. فلم يكن عليه العمل قبل الوفود ولا بعدهم زمان الخلفاء الراشدين لذلك قال: "كنت".
стр. 258
لكن يشكل عليه أنه ذكر التكبير خاصة، وليس في العمل الأول الذكر بالتكبير وحده إلا أيام التشريق، ولو كان شيء غيره - على فرض أن الحديث محكم - لأوشك أن ينقله أكثر من نفس بالعمل أو بالقول، لأنه مما تتوافر الدواعي لبيانه في الأمصار، ولسرى عليه العمل لظهوره، ولنقل من عمل الصحابة، ولبينوا لفظه وعدده .. وأين أصحاب ابن عباس من هذا؟ سعيد بن جبير وعكرمة وطاووس ومجاهد وعطاء وأبو الشعثاء؟ أم أن ابن عباس ترك العمل بما روى وتابعه أصحابه .. ؟ أم أن أبا معبد مولى ابن عباس إنما أنكر معنى ما حَفظ عنه عمرو بن دينار؟ قال عمرو في رواية مسلم: فذكرت ذلك لأبي معبد فأنكره وقال: لم أحدثك بهذا! قال عمرو: وقد أخبرنيه قبل ذلك اه
ومن حمل التكبير في هذه الرواية على الرواية التي أخرجها البخاري قبلها عن ابن جريج قال أخبرني عمرو أن أبا معبد مولى ابن عباس أخبره أن ابن عباس ﵄ أخبره أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي ﷺ . وقال ابن عباس كنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته اه وقال أن الخبر مروي بالمعنى فحمل التكبير على الذكر، وَهِمَ لأن الذكر هو المجمل والذي يسوغ أن يعبر به عن معنى التكبير، إذا بلغك أن رجلا يكبر صح أن تقول: هو يذكر الله. وإن قيل لك: سمعتُ رجلا يذكر الله، لم يصح أن تقول إذا رويت بالمعنى: هو يكبر .. بل الصواب أن نقول: إن رواية الذكر هي الرواية بالمعنى المعبر بها عن التكبير.
فيشبه أن يكون ما روي عن ابن عباس في أيام منىً من حجة الوداع فهو الذي جرى عليه عمل السلف الجهر بالتكبير أدبار الصلوات أيام التشريق، وهذا إسناد مكي. والله أعلم.
стр. 259
ذكر البيان لمعنى قول الله (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا)
هذا من جوامع الكلم الدالة على أن الله لا يقبل يوم القيامة من العمل إلا ما كان سنة ومن السنة إلا الخالص له سبحانه، وقال الله جل في علاه (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) هذا اتباع السنة (إنه بما تعملون بصير) [هود ١١٢] الإخلاص. وقال سبحانه (واتبع ما يوحى إليك من ربك) أمر باتباع السنة (إن الله كان بما تعملون خبيرا) [الأحزاب ٢] تنبيه على الإخلاص. وقال جل في علاه (إنما تنذر من اتبع الذكر) اتباع السنة (وخشي الرحمن بالغيب) [يس ١١] الإخلاص. وقال: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) [التوبة ١٠٠] فالشرط هو جمع الاتباع لهم بالإحسان وهو في معنى الإخلاص في حديث جبريل. وقال سبحانه (وأن أقم وجهك للدين حنيفا) اتباع السنة (ولا تكونن من المشركين) [يونس ١٠٥] إخلاص الدين لله. كذلك قوله سبحانه (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) هو السنة (ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) [الكهف ١١٠] الإخلاص (١).
فهذه من جوامع الكلم التي أعطيها نبي الله ﷺ ، ونظائرها في السنة مشهورة.
لذلك كانت النية الحسنة لا تصيِّرُ البدعةَ حسنةً، وقد كان الأوائل ينكرون العمل ولا يستفصلون عن صلاح النية، فيدل على عدم الاشتراط في القبول والرد، و ترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال كما ذكر عن الشافعي ﵀.
يؤيدها ما صرح فيه المنكَر عليه بصلاح القصد كما قالوا لابن مسعود: ما أردنا إلا الخير! بل ما من عامل إلا وهو يزعم أنه قاصد ببدعته الخير والزلفى إلى الله. فشرط قبول العمل الإخلاص مع وفاق السنة، فإذا عدم أحدهما كان العمل ردا عياذا بالله تعالى.
стр. 260
فصل في بيان قول النبي: إنه لا يأتي الخير بالشر
هذا من جوامع الكلم [خ ١٣٩٦/ م ٢٤٧٠]، فالسنة لا ينتج عنها إلا الخير، والبدعة لا تأتي إلا بالشر، فهذا الحديث جامع طردا وعكسا يدل - بمفهومه - على أن الشر لا يأتي إلا بالشر. كما نبه قول الله تعالى (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا كذلك نصرف الآيات لقوم يشكرون) [الأعراف ٥٨] فكذلك البدع لا ينتج عنها إلا الشر والضلال.
لكن قد يعرض بعد البدعة مصلحة يُظن أنها أثمرتها، والنبي ﷺ أخبرنا أن البدع كلها شر! فاعلم أن كل بدعة ضلالة وإن وقع بعدها ما هو مصلحة، لذلك أنكر السلف كل بدعة مطلقا. لذلك قال الأوزاعي: "بلغني أن من ابتدع بدعة خلاه الشيطان والعبادة وألقى عليه الخشوع والبكاء لكي يصطاد به"، فالخشوع والبكاء ثمرة مطلوبة شرعا لم تَجعل البدعةَ حسنةً، بل كانت فتنة يخشى معها تزيين العمل الباطل. وقد اتفق الناس على أن الأذان للعيدين والجنازة لا يستحب وإن حصل القصد المطلوب في تَيْنِكَ العبادتين وهو اجتماع الناس.
كذلك الذي يتعاهد القرآن راكعا أو ساجدا، فإنه وإن حصل له المقصود وهو الاستذكار فالعمل باطل. ومنه رد العلماء على الوضاعين أحاديثهم وإن أثمرت في الناس رقة مطلوبة. ومنه قراءة الحائض القرآنَ للحفظ، فإنها وإن تم لها المقصود المطلوب شرعا أثمت ولم يكن ما تسببت به عملا صالحا. كذلك من تصدى للفتوى وليس لها أهلا، فإنه وإن نطق بالحق أثم وعمله غير صالح. وقريب منه قول رسول الله ﷺ : إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر اه [خ ٢٨٩٧] فإجراء المصلحة على يده وهي النكاية في العدو لا يعني أنه من الله بمنزلة. ومنه قول العلماء أن الكرامة ليست دليلا على استقامة من جرت على يده ..
وهي مصالح لا تنفع صاحبها في دينه، وإن توهم ذلك. وهذا سارٍ في القربات والعادات كآكل الخنزير للشِبَع، المسبب مباح بخلاف السبب وهلم جرا (١) ..
стр. 261
ومن عرف الفرق بين الإذن الشرعي والإذن القدري، والفرق بين السبب الحقيق وبين ما احتف به أدرك هذا، فإن التعاهد سبب منتج للحفظ قدرا، ثم يختلف حكمه على حسب العمل. فالذي يتعاهد القرآن راكعا قد يحصل له الاستذكار بسبب التعاهد لأنه وضع سببا له قدرا، وإنما المنع شرعا من صورة العمل. كذلك في العادات، فإن حصول الولد نتج عن إلقاء البُضع في الرحم وهو سببه، ثم يكون حكمه شرعا على حسب ما قارن السبب من نكاح أو سفاح. فإذا أذن الله تعالى بحكمته في حصول الولد من الزنا قدرا لم يعنِ أنه يأذن فيه شرعا. فاحفظ الفرق بين المسبَّب في الشرع والمسبب في القدر، فإن الشرع يجري على المصالح المرضية، والقدر يجري على الحِكَم المخفية.
والله تعالى يمتحن العباد بتلك المتشابهات كما نبه الأوزاعي، فَيُضِلُّ الله من يشاء ويهدي من يشاء ولله الحكمة البالغة. كحال قريش كانت تستدل بحادثة الفيل - وهي نتيجة في الواقع - على أن دينها حق حتى كانت تؤرخ بها .. وتستدل على صحة دعاء الأصنام بإجابة الدعاء، فكان الرب الحكيم يجري عليهم أرزاقهم امتحانا، ولو لم يجربوا جريان الرزق ما ثبتوا، فيستدلون بالنتيجة الصحيحة على صحة السبب الباطل .. فيزدادون اجتهادا في بدعتهم، ويزدادون من الله بعدا. لا يُحَصلون التقوى والولاية المترتبة على العبادة الصحيحة، وهو المقصود الأصلي من العبادة، وإن حصل لهم عاجل حظ وفتنةٌ مريبةٌ. نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.
والمقصود أنه إذا اتفق أن حصل على إثر بدعة مصلحةٌ مطلوبة شرعا، مثل حفظ القرآن، فذلك لا يعني أن البدعة مشروعة مرضية.
стр. 262
فصل في بيان السنة في الوسائل
الأمر عندهم أن وسائل القربات يتوقف فيها لاقترانها بها، وإن كان الأصل فيها مجردة عن القربة الإذن. كقولهم في المنديل للوضوء والوسادة في الصلاة ونحو ذلك، وربما أخذ التابع حكم متبوعه كما قال الآخِرون.
فينظر إن كانت تعارض سنة الترك أي وجدت مظنة الحاجة إليها زمن النبي ﷺ ثم تركها فالسنة الزهد فيها اتباعا لنبي الله، وتلحق بالبدع، مثل الأذان للعيد لم يشرع العمل به لأنَّ تركه دليل الإلغاء.
ولا يقال هنا: إن للوسائل أحكام مقاصدها وإذا صح المقصود صحت الوسيلة! لأن هذا المعنى هو في الوسائل التي يتوقف حصول المطلوب عليه، كما قالوا: ما لا يتم المطلوب إلا به فهو مطلوب بدلالة الالتزام. وما هذا بابه لا يتركه النبي ﷺ ما وجد في زمانه. ومن زعم في شيء من ذلك أنه مطلوب غلط.
والأمثلة عليها في أزماننا كثيرة، منها اتخاذ السياسة وسبلها .. وسيلة للإصلاح، فإنها - فضلا عما فيها من محاذير ووجوه المخالفة - لم تكن من هدي النبي ﷺ وكان الداعي للأخذ بها في زمانه قائما، وكذلك لم يحرص عليها المسلمون في هجرة الحبشة على ما علم من قربهم من النجاشي الملك ﵀.
وحال عامة من وثب "للتغيير" و"الخلافة" وذهل عن العلم والعمل والرجوع به إلى زمن الخلافة الراشدة كما روى البخاري [٦٦٩٥] عن أبي المنهال قال: لما كان ابن زياد ومروان بالشأم ووثب ابن الزبير بمكة ووثب القراء بالبصرة فانطلقت مع أبي إلى أبي برزة الأسلمي حتى دخلنا عليه في داره وهو جالس في ظل علية له من قصب، فجلسنا إليه فأنشأ أبي يستطعمه الحديث فقال: يا أبا برزة ألا ترى ما وقع فيه الناس؟ فأول شيء سمعته تكلم به: إني احتسبت عند الله أني أصبحت ساخطا على أحياء قريش، إنكم يا معشر العرب كنتم على الحال الذي علمتم من الذلة والقلة والضلالة وإن الله أنقذكم بالإسلام وبمحمد ﷺ حتى بلغ بكم ما ترون، وهذه الدنيا التي أفسدت بينكم! إن ذاك الذي بالشأم والله إن يقاتل إلا على الدنيا وإن هؤلاء الذين بين
стр. 263
أظهركم والله إن يقاتلون إلا على الدنيا وإن ذاك الذي بمكة والله إن يقاتل إلا على الدنيا اه
كذلك اتخاذ الخط لتسوية الصفوف للصلاة، فمن المسلمين من يراها من أمور النوازل (مصلحة مرسلة) وليست هي كذلك! إذ تركُ النبي ﷺ للخط مع يسره وإمكانه يدل على إلغائه، وعدم اعتباره. وليس كل ذلك مما حدث الداعي إليه بعد أن لم يكن. ثم فيه وجوه للمخالفة خاصة لمن تفطن لها، أقربها أنها تخالف ما كانوا يفعلون من إلزاق الكعب بالكعب، فتسوية الأقدام بالخط يكون من جهة الأصابع فينشأ عنها تفاوت الكعوب لتفاوت الأقدام طولا وقصرا .. فمن أخذ بالخط ترك ذلك، فليست هي مصلحة مرسلة ولكنها ملغاة مهملة. وكل خير في الاتباع.
فإن لم يكن لها ذكر زمن النبي ﷺ ثم حدث لم تحمد المسارعة إلى الأخذ بها حتى لا نجد عنها بدا، فهي التي أسماها الأصوليون مصلحة مرسلة راجعة إلى تحقيق المناط (١)، مثل جمع المصحف، فإن المناط متحقق فيه، والقصد بالمناط المصلحة الشرعية التي ثبتت صحتها بالأدلة وهي هنا حفظ القرآن من الضياع. فالمناط دليل الإذن، أي وجود المصلحة المطلوبة شرعا في هذا الفرع (النازلة) دليل على طلب الأخذ به إذا وجد، وعدم قيام المقتضي في عهد النبي ﷺ دليل على مطلق عدمِ قصد الإلغاء - وهو المانع إذا وجد - وعلى إمكانِ قصد التشريع فلا يخالف سنة التَّرك إذاً.
وينبغي أن يعلم أن أقضية النوازل (المصالح المرسلة) إنما تؤخذ عند الحاجة، فهي بمنزلة الرخصة التي ينبغي الاحتياط في العمل بها، لأنها مأذون فيها عند الحاجة المعينة، فمتى وجدت شرعت بمقدار، وإلا رجعنا إلى الأصل. وكثير من هذه الوسائل إنما احتاجتها الأمة عند ضعفها كتضمين الصناع (٢). فليست من المطلوبات
стр. 264
الأصلية. فمتى فصلت الوسيلة عن مقصدها وجعلت سنة دائمة صارت غاية، فتنقلب إذاً بدعة.
ثم كثير مما استحسنه المخالف وقال: هو وسيلة إلى عبادة، يصح الاعتراض عليه بأنه وسيلة إلى الابتداع وفتح بابه فيمنع، ويقال: للوسائل أحكام المقاصد. وقد عرفنا أن الأولين كانوا يلاحظون المآل في كراهة الأعمال، كما تقدم. فكل عمل خيف من إفضائه إلى بدعة فهو مذموم. وهذا يدل على أنهم كانوا يرون الذم في التعبد أشد من الاستحباب، سواء قدرنا أنها كراهة أو تحريم فجانبها مغلب. فكيف يطلق القول في الوسائل بالجواز؟
فصل في بيان أن السنة جاءت بالنهي عن التشبه بالكافرين
ففي الصحيحين [خ ٧٣٢٠/ م ٢٦٦٩] عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ اه وفي الصحيح [خ ٦٨٨٨] عن النبي ﷺ قال: لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع. فقيل يا رسول الله كفارس والروم؟ فقال: ومن الناس إلا أولئك؟ اه فكل ما كان من شعار الكافرين في دينهم فلسنا منهم في شيء. قال ربنا ﵎ (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا لست منهم في شيء) [الأنعام ١٦٠] وتالله ما فرقوا دينهم إلا بالبدع. فأصل الإحداث سنة جاهلية، نهى عنها الله ورسوله ﷺ وحسم مادتها.
وكثير من البدع في تاريخ الأمة كان مأخذها من مضاهاة اليهود والنصارى ونحوهم. قال ابن كثير [البداية والنهاية ١/ ٢٢٨]: قال ابن عساكر وغيره: وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم زوج ابنته، وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الذي سحر رسول الله ﷺ عن يهودي باليمن، وأخذ عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري اه فكان منشأ بدعة الجهمية والتأويل
стр. 265
من اليهود. وكانت القدرية بذرة مجوسية، ومن سلك في تعبده تعذيب النفس شابه فيها عباد الهند، والكلام والمنطق أخذ من اليونان، والسبائية أصل قولهم من عبد الله بن سبأ اليهودي، والاحتفال بالميلاد سنة النصارى، والتغني في الدعاء والتعبد بالمعازف سنة الرهبان، والتمايل عند قراءة القرآن مضاهاة لليهود في تلاوتهم، واتخاذ القبور والمشاهد مساجد سنة أهل الكتاب في أنبيائهم وصالحيهم .. وهكذا في بدع العلم والعمل منشأها من المغضوب عليهم أو الضالين، لذلك كان السلف الناصحون المؤصِّلون يسدون الذريعة متى ما ظهرت لهم المشابهة، وهذا إنما يكون إن شاء الله في الأعمال المطلقة غير الموقتة.
وقد ذكر الله في آيات معايب لأهل الكتاب من تتبعها وجد آثارها في هذه الأمة، وأولها النظر والاجتهاد في إحداث التعبد، فما أن ذهب موسى لميقات ربه حتى اتخذوا العجل بدعة وقالوا وما أقبح ما قالوا (هذا إلهكم وإله موسى فنسي) [طه ٨٨]، وقد كانوا يهمون بذلك وهو بين أظهرهم حتى إذا غاب عنهم عملوا، قال تعالى (وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون. قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين) [الأعراف ١٣٨/ ١٤٠]. لذلك ذكر النبي هذه الآية للحدثاء في الدين لما سألوه ذات أنواط [ت ٢١٨٠] ولزم السنة السابقون الأولون العلماء الوارثون كما لزمها هارون النبي الوارث من قبل. وقول الذين استَضعفوا هارونَ النبيَّ الوارث وكادوا يقتلونه وخرجوا عليه بالرأي وهم يعلمون أن نبي الله موسى استخلفه وأمرهم باتباعه أشبه شيء بأمر الحرورية الذين خرجوا على الصحابة الوارثين الذين زكاهم الله ورسوله وأوصى باتباعهم .. فالخروج على العلماء والأنبياء سنة يهودية أخذت طوائفُ من هذه الأمة منها نصيبا، كما أخبر الصادق المصدوق، والعصمة في الاتّباع.
فتتبع كتاب الله تجد مثل هذا في القرآن كثيرا، لتعاين أن التحذير من سَنن أهل الكتاب والمشركين وصية عتيقة. وقد بسط القول في هذا الشيخ أبو العباس ابن تيمية ﵁ في اقتضاء الصراط المستقيم مخالفةَ أصحاب الجحيم فأغنى وشفى.
стр. 266
فصل في وجه إطلاقهم اسم البدعة على العمل الثابت في السنة
بيانه من وجهين عام وخاص:
أما العام فقد تقرر أن أصلهم المطرد في الفرق بين البدعة والسنة هو العمل، فما أصله العمل سنة وما أصله الاستنباط بدعة. لكن بقي هنا تفصيل يجري على طريقة بعض أهل العلم:
وهو أن العمل في زمن النبي ﷺ باعتبار المداومة والترك نوعان:
*- عمل مطرد على الدوام مثل الوتر كان النبي ﷺ وأصحابه يداومون عليه الدهرَ. فهذا لا شك في كونه سنة، وأنه لا يسوغ تسميته بدعة.
*- وعمل لم يقع إلا أحيانا مثل صلاة الضحى والجماعة في التراويح، إذ كلاهما عمل لم يواظب عليه النبي ﷺ ولا أصحابه زمن الوحي. فالمواظبة على هذا النوع سنة من جهة، محدث من جهة أخرى إذا تُوُسِّع في اللفظ. فمن حيث العمل سنة، ومن حيث الترك أحيانا بدعة لأن البدعة فعل ما تُرِك. هذا النوع هو الذي ترخص ناس من أهل العلم في تسميته بدعة - جريا على طريقة العرب الأولى - يريدون الوصف لا الحكم في قولهم "نعمت البدعة"، فالحكم دل عليه الفعل الجامد "نعمت" ولفظ "بدعة" إنما دل على الوصف.
لكن لا يخفاك أن هذه الفتاوى حوادث أعيان لا عموم لها في كل الأحوال لأن الفتاوى أفعال لا أقوال، والفعل لا عموم له، وإنما تحدثوا عن عمل خاص، فلا يعم إلا بقياس إن قلنا به، والقياس المحتمل إجراؤه هنا هو قياس الشبه لا العلة، لأن القربات لا يجري فيها التعليل أي بالمعنى المناسب. فيقاس عليها ما شابهها وهو العمل الدائر بين الفعل والانقطاع في إمكان الوصف بنعم البدعة.
لكن لا يخلو هذا الترك من أحد وجهين:
الأول: إما أن يُترك ويُنَبَّه على مانع من المواظبة مثل ما تقدم في التراويح، ومنه قول عائشة في الضحى: وإن كان رسول الله ﷺ ليدع العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم اه فبينت أنه من هذا النوع، وقد كان أبو
стр. 267
هريرة يحدث الناس في المسجد بوصية النبي ﷺ بها [خ ١١٢٤/ م ٧٢١] فهذا وجه ظهر قصد الشرع إلى إمكان المواظبة عليه، فلا شك في شرعية المداومة عليه إذا زال المانع، ويسوغ على قولٍ تسميةُ المواظبة عليه بدعة باعتبار الوصف وهو إظهار العمل بعد أن لم يكن لا باعتبار الحكم، وهذا إطلاقٌ إنما ترخص فيه من ترخص لخلو مقامه من المحاذير لا ليحض الناس على استحسان البدع. ومنه ما روي عن ابن عمر في الضحى والحسن البصري في القصص.
ثم للعامل بعد ذلك وجهان: إما أن يبقى على العمل الأول كما فعل ابن عمر لم يكن يصلي الضحى إلا عَرَضا. وإما أن يأخذ بالمداومة مثل عائشة. ومن هذا فِعلُ عمر في التراويح، استصحب العمل الأول، فلم يكن يجمع معهم.
فهذا وجه ما أطلق عليه اسم البدعة من السنن. وقد علمنا أن من أصولهم المحكمة " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ". فمن قاس على فتوى هي حادثة عين ما لا يشبهها - وليس له إلا قياس الشَبَه - لم يصل ما أمر الله به أن يوصل، ولم يعط كل دليل حقه. فإنما مدح ما أصله العمل، وظهر له قصد الشرع إلى إمكان المداومة، أو تردد فيه.
الثاني: أن يترك العمل ولا ينبَّه على قصد المداومة عليه، ثم يبقى العمل على حاله من الفعل والترك زمن الصحابة. فهذا لا شك في أن المواظبة عليه بدعة مخالفة لقصد الشرع، والبدعة فعل ما لم يثبت قصد الشرع إلى فعله.
هذا كلام من حيث الجملة يجري على قول بعض أهل العلم، لكن بقي هنا نكات هن جواب خاص:
ما روي عن ابن عمر في الضحى أنه قال: " نعمت البدعة " ليس طلبا لفعلها وتحريضا وإنما هو إقرار. كما في رواية ابن الجعد أنه كان إذا سئل عن سبحة الضحى قال: لا آمر بها ولا أنهى عنها ولقد أصيب عثمان وما أحد يصليها، وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي اه وكذا رواها البغوي في جزء أبي الجهم العلاء بن موسى فقال [١٧] حدثنا أبو الجهم ثنا ليث عن نافع عن عبد الله بن عمر كان يُسأل عن صلاة الضحى، فلا ينهى ولا يأمر بها ويقول إنما أصنع كما رأيت أصحابي يصنعون، ولكن لا تصلوا عند طلوع الشمس ولا عند غروبها اه صحيح، ليث هو ابن سعد.
стр. 268
وكيف يستحبها للناس وهو القائل في ما روى ابن أبي شيبة [٧٧٧٤] حدثنا وكيع ثنا ابن أبي خالد عن الشعبي عن ابن عمر قال: ما صليت الضحى منذ أسلمت إلا أن أطوف بالبيت اه وهذا سند صحيح، ورواه عبد الرزاق [٤٨٩٣] عن ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد به. وكان ربما صلاها لسبب فاعتذر كما روى ابن أبي شيبة [١٧٤٣] حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب عن نافع أن ابن عمر صلى يوما من الضحى وقال: إني كنت مسست ذكري فنسيت اه صحيح.
فإنما قال نعمت البدعة - إن صح عنه - في شيء تركه ولم يندب الناس إليه. ولقد كان حقا على من احتج بهذا الحرف أن يجمع كلام ابن عمر ليعرف مذهبه في الضحى. فهذه زلة منهجية.
كذلك الأمر في ما روي عن الحسن، فقد روى سعيد بن منصور في التفسير [٥/ ١٨٣] نا عون بن موسى عن معاوية بن قرة قال: سألت الحسن أقرأ في مصحف أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: اقرأ في مصحفك. قلت: أعود مريضا أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: عد مريضك. قلت: أشيع جنازة أحب إليك أم أجلس إلى قاص؟ قال: شيع جنازتك. قلت: استعان بي رجل على حاجة أحب إليك أن أذهب معه أو أجلس إلى قاص؟ قال: اذهب إلى حاجة أخيك. حتى جعله خير مجالس الفراغ اه ورواه ابن الجوزي في جزء القصاص من طريق سعيد به [٢٠٨] وهو خبر صحيح. والذين أسسوا ما سمي "البدعة الحسنة" أمروا بالمحدثات وتعاهدوها، بل جعلوها أصلا من أصول التشريع كما نطق بعضهم! فمحل استدلالهم غير مطابق للدعوى! فتدبر.
وأيضا قول ابن عمر: "وإنها لمن أحب ما أحدث الناس إلي". ليس مدحا ولكن كما يقول المحَدِّث: "أصح شيء في الباب كذا" وهو خبر ضعيف عنده (١) .. ألا ترى
стр. 269
أنه لم يفعلها ولم يأمر بها؟ ولو كانت عنده من الخير لأمر به لأن المؤمنين يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف. أما قوله: "ولا أنهى عنها" فلأنه متردد في نسبة فعلها إلى النبي ﷺ كما نبه قوله لمورق: "لا إخاله". أو لتردده في قصد ذلك الوقت بصلاة. وتوقف عن العمل لأنه الأصل، ولأنه لاحظ الترك كما تقدم. فقوله: " أحب إلي " لا يلزم منه إثبات المحبة لذلك، وهذا جار في لسانهم ففي القرآن (نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما) [طه ١٠٤] أي أقومهم وأعقلهم، وليس المعنى أنه عاقل مصيب. وقال يوسف (السجن أحب إلي مما يدعونني إليه) [يوسف ٣٣] وليس فيه إثبات المحبة للفاحشة ولا للسجن أصالة.
وروى عبد الرزاق [١٧٦٢] عن هشام بن حسان أنه سمع عكرمة يحدث عن ابن عباس قال: لأن أحمله - يريد الغائط - في ناحية من ردائي أحب إلي من أن أزاحم الغائط والبول اه صحيح.
وقال عبد الرزاق [٢١٤٨] عن ابن عيينة عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب قال: لأن أنام عن العشاء أحب إلي من أن ألغو بعدها اه سند صحيح. ليس يعني محبته تنجيس الثوب والنوم عن العشاء.
ومثله ما روى أحمد [١٧٠١١] والمروزي [السنة ٩٧] واللالكائي [١٢١] بسند ضعيف (١) عن غضيف بن الحارث الثمالي أنه قال: بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال: يا أبا أسماء إنا قد أجمعنا الناس على أمرين. قال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر. فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولست مجيبك إلى شيء منهما. قال: لم؟ قال: لأن النبي ﷺ قال: ما أحدث قوم بدعة إلا رفع مثلها من السنة. فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة اه ومنه قول عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما ابتدعوا بدعة أحب إلي من التثويب في الصلاة. وقول عبد الله بن شبرمة: هو أحسن ما ابتدعوا، أي أهون (٢) فهذا تعريض لا
стр. 270
استحسان. فكأن ابن عمر قال: لأن يحدثوا هذا الفعل الذي يشبه أن يكون فعله النبي فيما يحكون عنه خير من محدثاتهم. وهو القائل مؤصِّلا " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ".
وفي مختصر قيام الليل لابن نصر المروزي [٥٠]: وسأل رجل ابن عمر ﵁ فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل الكوفة. قال: من الذين يحافظون على ركعتي الضحى! فقال: وأنتم تحافظون على الركعتين قبل المغرب. فقال ابن عمر: كنا نحدث أن أبواب السماء تفتح عند كل أذان اه
وهذا يشبه ما روى ابن أبي شيبة [٧٨٦٢] حدثنا وكيع قال حدثني أبي وإسرائيل عن أبي إسحاق عن التميمي قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: وللضحى صلاة؟ اه رجاله ثقات. أي صلاة مخصوصة يحافظ عليها.
لكن في النفس من الحرف "نعمت البدعة" فإنما رواه عنه سعيد الجريري عن الحكم بن الأعرج قال (١): سألت ابن عمر عن صلاة الضحى وهو مستند ظهرَه إلى حجرة النبي ﷺ فقال: بدعة ونعمت البدعة. وقد خالفه حاجب بن عمر وهو ثقة وهو ابن أخي الحكم بن الأعرج فقال ابن أبي شيبة [٧٧٨٢] حدثنا وكيع ثنا حاجب بن عمر عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة اه ورواه البخاري ومسلم من وجه آخر [خ ١٦٨٥/ م ١٢٥٥] عن مجاهد قال: دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر جالس إلى حجرة عائشة، وإذا ناس يصلون في المسجد صلاة الضحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة. الحديث.
فيشبه أن يكون الحرف الزائد غير محفوظ. ورواية حاجب توافق غيرها وما عُلم
стр. 271
من فقه ابن عمر القائل: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة ". فلا تشبه فقهه والله أعلم. وعلى تقدير الثبوت فقد علمت وجه ذلك من حيث الجملة.
كذلك قول عمر رحمة الله عليه " نعمت البدعة هذه " فإن أحسن ما قيل فيه أنه ما قالها قاصدا تسميتها بالبدعة، وإنما سماها كذلك تنزلا وتجوزا في الكلام كما دلت رواية نوفل بن إياس " إن كانت هذه بدعة لنعمت البدعة "، وهما بمعنى واحد، كنحو قول الله تعالى إن شاء الله (قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين) [الزخرف ٨١] وقالت ليلى الأخيلية:
ونِعم الفتى إن كان توبةُ فاجراً وفَوْقَ الفَتَى إنْ كانَ ليْسَ بفَاجِرِ
أي إن زعمتموه فاجرا فنعم الفاجر. ومنه ما قال ابن عمر لابن الزبير: أما والله لأمة أنت أشرها لأمة خير اه رواه مسلم [٦٦٦٠] من طريق يعقوب بن إسحاق الحضرمي أخبرنا الأسود بن شيبان عن أبي نوفل، ورواه غسان بن عبيد الموصلي بمعناه فقال: والله لأمة أنت شرها لنعم تلك الأمة اه رواه ابن الأعرابي في معجمه [١٤٤٣] من طريق غسان أخبرنا الأسود بن شيبان. كلمة قالها ردا على أراجيف بني أمية على ابن الزبير. ومنه ما روى البخاري [٤١٦٣] عن طارق بن عبد الرحمن قال: انطلقت حاجا فمررت بقوم يصلون، قلت: ما هذا المسجد. قالوا: هذه الشجرة حيث بايع رسول الله ﷺ بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيب فأخبرته، فقال سعيد حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة قال: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها. فقال سعيد: إن أصحاب محمد ﷺ لم يعلموها وعلمتموها أنتم فأنتم أعلم اه فهذا إنكار منه لا إخبار، وكأنه قال: لستم أعلم منهم، فمعنى قول عمر نعمت البدعة هذه: ليست هذه بدعة.
لذلك أخرج الحديثَ حديث عمر مالكٌ في الموطأ وهو الحريص على ألا يخرج خبرا يُحتج به على البدع وقد عرفتَ أصوله رحمة الله عليه.
هذان الأثران عن عمر وابنه أسند ما احتجوا به من الرواية عن الصحابة في وصف البدعة بالحسن وليس في شيء منها حجة كما عرفت. وبالله التوفيق.
فلا تتركن المحكمات إلى ما تشابه، لأن ما خالف السنن المستقرة فإما له وجه
стр. 272
خفي على من روي له، أو أنه اجتهاد أخطأ فيه كسائر المسائل التي يختلف فيها الأولون، أو أنه مُعَلٌّ من جهة اللفظ أو السند .. والله أعلم (١).
فصل في التنبيه على جريان المتشابهات في القَدَر كجريانها في الشرع
قال الرب الحكيم (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات) [آل عمران ٧] فأخبر سبحانه أنه جعل في القرآن متشابهات، وأن ذلك من حكمته ليمتحن العباد. وهي في السورة تمهيد لخبر عيسى ﵇ وهو متشابه في القدر، فخَلقُه ﵇ من المتشابه القدري الذي هلك فيه الضالون حتى التمسوا له المتشابه من الكتاب. (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) الآية، فهم في قلوبهم زيغ وانحراف عن الهدى ثابت قبل الاستدلال عياذا بالله! نظروا في الأدلة لينتصروا لما هم عليه من الهوى. فتتبعوا المتشابهات ابتغاء الفتنة وهي البدعة كما في قول ابن مسعود " كيف أنتم إذا لبستكم فتنة " وقوله "إن ما في هذا الكتاب بدعة وفتنة وضلالة " وقد تقدم، والبدعة فتنة للقلب لأنها تغر وتضل عن خير الهدى.
وهذا كقوله سبحانه (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) [الحج ٥٢] فبين أنه سبحانه أذن إذنا كونيا للشيطان سواء من الإنس أو الجن أن ينفث الوساوس عند تمني النبي أي تلاوته وتبليغه دين الله .. فحذف الملقى من الشيطان لدلالة السياق عليه، وكل إناء بالذي فيه ينضح. فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته فتبين للناس معانيها. وفي قوله (ثم يحكم) دلالة على أن البيان والإحكام قد يتأخر للامتحان، والحرف ثم للتراخي. وبين أن ذلك كله بعلمه وحكمته والله عليم حكيم (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد. وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به
стр. 273
فتخبت له قلوبهم) فبين أن الذي يقع في اتباع المتشابهات من كان قلبه محلا قابلا وهم أهل النفاق والقاسية قلوبهم التي لم ترق للاتباع والانقياد للسنة العبادةِ الصحيحة، فمِن غِلَظها أن أهون شيء عليها تأويل ما دل عليه كلام الله ورسوله واتباع المشتبه، مع تشددهم في تحفظ كلام أئمتهم والغيرة عليها من التأويل ونحوه .. كما قال تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به) [المائدة ١٣]. فَمَنْ حرَّف دلالة شيء مما أوحي إليه كان له نصيب من ذلك، وسببه قسوة القلب والاستهانة بالأمر، وهذا من اتباع سَنَن الذين من قبل (١).
ومن الشبهات المقدرة ما حصل في فتنة الإفك بسبب شبهة في الواقع وهي تخلف عائشة وصفوان تلقفها الشيطان فَرَوَّجها بين الناس .. وتأخر الوحي ثم انتصر الله لأهل بيت نبيه ﵊.
ومنها ما حصل بين الصحابة زمن الفتنة، وقد روى البخاري [٦٦٨٨] عن أبي وائل قال قام عمار على منبر الكوفة فذكر عائشة وذكر مسيرها، وقال: إنها زوجة نبيكم ﷺ في الدنيا والآخرة، ولكنها مما ابتليتم اه
وهكذا ما يكون من زلات العلماء، وجرح الأقران .. كل ذلك من المتشابه الذي ينبغي ألا يعول عليه في استدلال ولا اتباع ..
فكذلك يشكل على الغَمر ما يرى من انفتاح الدنيا على أهل الكفر، ويرى أهل الإيمان يُقَتلون ويضيق عليهم .. فترتاب قلوبهم .. كما يحصل مع الدجال من فتنة، لما بين يديه من المتشابهات قدرا ..
ولا يزال مع الزمان تظهر الشبهات والبدع مما يلقي شياطين الإنس أو الجن .. فَيُلهِمُ الله من يشاء من عباده كما قال النبي ﷺ : لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون اه [خ ٦٨٨١] وكما قال معاذ: يا أيها الناس لا تعجلوا
стр. 274
بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هنا وهنا. فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سُدد وإذا قال وفِّق اه [الدارمي ١٥٣] فبين أن الأمة إذا احتاجت في دينها حكمة وفق الله من شاء منهم .. فيحكم الله على ألسنة العلماء ما أفسده المغيرون المبدلون ..
ومن ذلك جريان الشبهة في أفعال السلف وأقوال بعضهم كما حذر معاذ من زيغة الحكيم التي يقول من سمع: ما هذا؟! ما أراد بها؟! أو مما يكون في كلام أحدهم من الإشكال كقول بعضهم "نعمت البدعة " .. وكل ما كان مشكلا على السنن المطردة والقواعد المحكمة .. كل ذلك من المتشابه الذي جعله الله قدرا لامتحان العباد.
فوجود مثل ذلك ليس مما يفرح به، ولكنها مما ابتليتم كما قال عمار، ويقول عندها الراسخون في العلم (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب) [آل عمران ٧]
فأنت ترى أن وجود المتشابهات في القرآن والسنة والقدر بما فيه أفعال العلماء، يدل على أن الرب واحد لأنه قانون واحد. كل ذلك ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة .. وحكمة الله بالغة.
فحذار من اتباع المتشابهات. وعليك بمنار الطريق ما كان ظاهرا في الأمة زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين، ولا يلفتنك عنها تزيين رجال كثروا في الآخرين. والله المستعان.
ولا تطمعن أن لا تجد البتة خلافا في ما نحن فيه، وأن تنتظم لك كل الآثار على نسق واحد من غير شبهة إشكال! إذ لا بد من وقوع الخلاف كما أخبر الصادق المصدوق، وقد كان من بعض ذلك ما هو زيغة الحكيم يقع في بدعة وهو إمام هدى لا تَنَجَّسُ صحيفته به إذ ما بلغ الماء قلتين فحمل الخبث، وإن وقع فيه.
واعلم أن أكثر الأمصار ابتداعا وأسرعها وقوعا فيه العراق والكوفة خاصة. فزيغة الحكيم في تلك الأرض أقرب من غيرها، وليست أرض النبوة والخلافة كأرض ترعرع فيها الحوادث والشقاق، فإن للأرض أثرا في النفوس من حيث لا يشعر أكثر العباد كما قال النبي ﷺ ليلة عَرَّسَ في واد ناموا فيه عن الصبح: تحولوا عن مكانكم
стр. 275
الذي أصابتكم فيه الغفلة. [د ٤٣٦] وقال ﷺ : رأس الكفر نحو المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل الوبر، والسكينة في أهل الغنم اه [خ ٣١٢٥]
كذلك الأزمان، فزمان خير القرون خلافة أبي بكر وعمر زمان العافية ليس كزمان التابعين .. فكلما كان الزمان أقرب إلى النبوة كان خيرا مما دونه (١) .. وهذا ملحظ معتبر عند من أدرك الاختلاف والفتنة من السلف، كما روى ابن أبي شيبة [٢٢٠١٠] حدثنا أبو خالد الأحمر عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن عَبيدة عن علي قال: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد فرأيت أنا وهو إذا ولدت أعتقت. فقضى به عمر حياته وعثمان من بعده، فلما وليت الأمر من بعدهما رأيت أن أرقها. قال الشعبي: فحدثني ابن سيرين قال: قلت لعبيدة: ما ترى؟ قال: رأي عمر وعلي في الجماعة أحب إلي من قول علي حين أدرك في الاختلاف اه [صحيح]
فلا جرم أن وجدت من بعضهم ما يشكل على أصولهم والعصمة للأنبياء، وإنما ابتليتم ..
فصل: في لزوم المخالفة لكل بدعة وإن خَفِيَت
ما من بدعة إلا وفي الشرع دليل على منعها فضلا عن قاعدة النهي عن البدع عَلِمَه من عَلِمه وجَهِله من جَهِله (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) [الفرقان ٣٣] فليس يأتي مبطل بشبهة يضرب بها الأمثال إلا كان في كتاب الله تعالى إبطالها. روى الخلال [السنة ٩١٤] بسنده عن الشعبي قال: ما ابتُدع في الإسلام بدعةُ إلا وفي كتاب الله عز و جل ما يكذبه اه وقال ابن سعد [الطبقات ٩٩٧٦] أخبرنا عفان بن مسلم قال حدثنا زريك بن أبي زريك قال: سمعت الحسن يقول: إن هذه الفتنة إذا أقبلت عرفها كل عالم، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل اه [صحيح]. وقال عمر بن عبد العزيز: اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها أو عبرة
стр. 276
فيها. فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الخطأ والزلل والحمق والتعمق اه وقد تقدم أن المخالفة ليست علة يناط بها الحكم وجودا وعدما ..
والنكتة هنا أن المخالفة قد تكون لآية أو حديث خاص أو لجامع من جوامع الكلم التي سماها المتأخرون "قواعد الفقه"، كالنهي عن التشبه بالكافرين مثلما تقدم من نهي أبي بكر للتي حجت مصمتة لأنه من عمل الجاهلية. ونهي عمر عن صوم رجب لأنه شهر كان أهل الجاهلية يعظمونه.
وقد تكون المخالفة من جهة مضاهاة السنة الثابتة كما قال مجاهد: لا تصوموا شهرا كله تضاهون به شهر رمضان اه
وقد تكون المخالفة لفوات فضيلة يغفل الناس عنها كما روي عن سعيد بن المسيب والزهري أنهما كرها المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء يوزن. [ت ٥٤/ ش ١٦٠٩]
وقد تكون المخالفة من جهة النظر في المآل الذي كان السلف أجود الناس لحاظا له، وإنما يعشى عنه ناظر المتأخرين لقلة العلم وللرَّان، سواء رين الشبهة أو الشهوة فكلاهما حجاب سميك نعوذ بالله من ذلك كله. وقد تقدم التنبيه على طرف منه في باب ما ذموه من العمل الثابت خشية وقوع الناس في المخالفة مآلا.
فما من بدعة تخترع إلا وفي القرآن والسنة عدا الترك ما يدل على إلغائها. وهذان مثالان:
أ- قراءة القرآن جماعة أهدر المصلحة المظنونة منها أدلة كثيرة منها:
- قول الله تعالى (لا تحرك به لسانك لتعجل به) [القيامة ١٦] فنهاه عن قراءة القرآن مع جبريل (جماعة) للحفظ، وأمره بالاستماع. ففي البخاري [٤٧٥٧] عن ابن عباس ﵄: في قوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به) قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل جبريل بالوحي وكان مما يحرك به لسانه وشفتيه فيشتد عليه وكان يعرف منه فأنزل الله الآية التي في (لا أقسم بيوم القيامة) (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه) فإن علينا أن نجمعه في صدرك (وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) فإذا أنزلناه فاستمع (ثم إن علينا بيانه) قال: إنا علينا أن نبينه بلسانك قال: وكان إذا أتاه جبريل أطرق فإذا ذهب قرأه
стр. 277
كما وعده الله اه هذا العمل إذا قرئ القرآن.
- كذلك قوله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) [الأعراف ٢٠٤] الإنصات في لسان العرب هو السكوت، قال الخليل في العين: الإِنصاتُ السكوتُ لاستماعِ شيءٍ قال الله (وأَنصِتُوا) اه وقال الجوهري [الصحاح ن ص ت]: الإنصات السكوت والاستماع للحديث، تقول: أنصتوه وأنصتوا له اه فهي بينة في منع القراءة مع القارئ. فيا ليت قومي يعلمون! وقد تقدم قول سعيد بن جبير: إن السلف كان إذا أم أحدهم الناس كبر ثم أنصت حتى يظن أن من خلفه قد قرأ فاتحة الكتاب، ثم قرأ وأنصَتوا اه وروى مالك [٢٣٤] عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله عن مالك بن أبي عامر أن عثمان بن عفان كان يقول في خطبته قل ما يدع ذلك إذا خطب: إذا قام الإمام يخطب يوم الجمعة فاستمعوا وأنصتوا فإن للمنصت الذي لا يسمع من الحظ مثل ما للمنصت السامع اه سند صحيح.
وقوله سبحانه (لعلكم ترحمون) هو ما ذكر النبي ﷺ في الحديث "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله .. إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة " أي غشيتهم إذا أنصتوا لقراءة القارئ كما دلت الآية بسياقها. ومن قرأ مع القارئ لم يستمع ولم ينصت، أفيقال لهم: لعلكم ترحمون؟!
- قول الله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) [الأحزاب ٤] قال الطرطوشي المالكي [الحوادث والبدع ص ١١٨] أن قوله تعالى (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه) يمنع قراءة اثنين معا اه لأنه لا يستقيم أن يستمع ويقرأ فلا بد أن يكون أحدهما لغوا.
- نهي النبي ﷺ عن القراءة خلف الإمام إذا جهر، والشرع لا ينهانا عن الخير فتعين أنه ليس عمل خير.
- أن فيه مفسدةَ التشويش على المصلي إذا كان حيث يسمع وجَهَرَ القراء بعضهم على بعض وقد روى مالك [٢٦٤] عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي حازم التَّمَّار عن البَيَاضِيِّ أن رسول اللَّه ﷺ خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة. فقال: إن المصلي يناجي ربهُ فلينظر
стр. 278
بما يناجيه به ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن اه [د ١٣٣٢ من وجه آخر] فالتمسك بهذا الإطلاق - على طريقتهم - وهو النهي عن الجهر حتى يأتي دليل الإذن أولى من غيره، لأن مطلقا يوافق الأصول أولى من المعارض كما يقولون. وفي الموطأ [٢٨٦] وغيره عن ابن شهاب عن ابن أكيمة الليثي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله. قال فقال رسول الله ﷺ : إني أقول ما لي أنازع القرآن! [صحيح] فهذا النبي ﷺ سيد الخاشعين. فكيف يزعم مَنْ دونه أنه لا يضره ذلك؟! أو أنه لا بأس به! لذلك نهى عن الجهر بالذكر كثير من السلف كما تقدم.
وقال أبو عبيد [فضائل القرآن ٢٤٨] ثنا يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن حرملة قال: جاء الأعلم المؤذن فرفع صوته بالقراءة فحصبه سعيد بن المسيب وقال: أتريد أن تكون فتانا؟ سند حسن.
وقال ابن سعد [٢٧٠٠] أخبرنا سليمان أبو داود الطيالسي قال أخبرنا شعبة قال ابتداء سمعت علي بن الحكم يحدث عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ إذا قعدوا يتحدثون كان حديثهم الفقه إلا أن يأمروا رجلا فيقرأ عليهم سورة أو يقرأ رجل سورة من القرآن اه وهذا سند صحيح، وأبو سعيد أحد رواة الحديث الذي استدل به المخالف [م ٧٠٣٠] وهو ما ثبت عن النبي ﷺ من فعله [خ ٤٥٨٢] وهو القائل: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله" الحديث [م ٢٦٩٩] وهو الذي عمل بما قال، وبَيَّنَ ما أراد ﷺ .
ومعلوم أن من استمع للقرآن كان كالقارئ لما عُلم أن من رضي عملا أو أقر عليه كان عاملا حُكما، قال تعالى خبرا عن قوم صالح (فعقروها) [الشمس ١٤] فنسب العقر للقبيلة، والذي باشر العقر واحد وهو أشقاها. ولها نظائر كثيرة، لذلك قال من قال من السلف أن قراءة الإمام قراءة للمأموم (١) فسمي قارئا وهو منصت. كذلك قوله: "يتلون"، نسب التلاوة للجميع ولم يتلفظ بها غير واحد، وإنما أخبر عن
стр. 279
فعلهم الذي عرفنا صورته. قال أبو بكر الطرطوشي [الحوادث والبدع ص ١٢٢] " .. أن قوله ﷺ : "يتلونه" و"يتدارسونه" خطاب عربي، ومعلوم من لسان العرب أنهم لو رأوا جماعة قد اجتمعوا لقراءة القرآن على أستاذهم ورجل واحد يقرأ القرآن لجاز أن يقولوا: هؤلاء جماعة يقرؤون القرآن أو يتدارسونه وإن كانوا كلهم سكوتا. وكذلك لو مر عربي بجماعة قد اجتمعوا لتدريس العلم والتفقه فيه أو لسماع حديث رسول الله ﷺ لجاز أن يقول: هذه جماعة يدرسون العلم ويقرؤون العلم والحديث، وإن كان القارئ واحدا اه وهذا مثل ما في الصحيح [خ ٢٦٣٦] عن مالك بن الحويرث قال انصرفت من عند النبي ﷺ فقال لنا أنا وصاحب لي: أذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما اه فهل يصح أن نقول أَمَرَهما أن يتلفظا بالأذانين معا؟ جواب المتأول في ما تأول جوابُنا ..
وقد قال طائفة من الأصوليين أن المطلق إذا وقع العمل به على وجه لم يكن حجة فيما عداه، وأنه دون النظر في العمل متشابه، كذلك الشأن في الحديث: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله. فيه عموم في الأعيان والبيوت ("قوم" و"بيت" نكرة في سياق الشرط) وصورة إطلاق في كيف التلاوة "يتلون" لا يحتج به في غير ما بَيَّنَ دلالتَه العملُ الأول.
وانظر كم ضيعت هذه البدعة من سنن، ضيعت سنة الإنصات والخشوع وسنة التدبر والسكينة ..
وقد تقدم إنكار الضحاك بن عبد الرحمن الدراسة جماعة بقوله: إن هذا شيء ما سمعته ولا رأيته ولا سمعت أنه كان قبل. وقد تحمل العلم عن أبي موسى الأشعري الذي كان يشَبَّه بداود النبي ﵊ لحسن تلاوته، فما علَّمه تلك الدراسة وكان الضحاك بالشام حيث آثار أصحاب معاذ بن جبل الذي أوصى النبي ﷺ بأخذ القرآن عنه، فما فعلوا ذلك. وإنه ليسع الناس ما وسعهم.
فإن قيل: هي مصلحة مرسلة نريد بها الحفظ! قلنا: ليست مرسلة بل هي ملغاة بما تقدم من الأدلة. وقد كان السابقون الأولون أولى الناس بالأخذ بتلك المصلحة لو كانت معتبرة لقلة من كان يعرف الكتابة والقراءة فيهم، بخلاف زماننا، فالقلم فيهم
стр. 280
ظاهر، والوسائل (المرسلة) غيرها كثير .. وحذار من نسبة أخطاء العلماء إلى الدين!!
وقد أنزل الله القرآن على مكث، وكان الصحابة لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، ولم يمكث ابن عمر في البقرة ثمان سنين لثقل ذهن ولا لتفريط ولكنه منهج متبع وهدي رشيد. قال ابن سعد [٨٨٣٩] أخبرنا حفص بن عمر الحوضي قال حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا عطاء بن السائب أن أبا عبد الرحمن السلمي قال: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن. فكنا نتعلم القرآن والعمل به. وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز هاهنا ووضع يده على الحلق اه [صحيح]
روى معمر [الجامع ٢٠٣٦٨] عن علي بن بذيمة عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس قال: قدم على عمر رجل، فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين! قد قرأ منهم القرآن كذا وكذا، فقال ابن عباس: فقلت: والله ما أحب أن يتسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه! قال: فانطلقت إلى أهلي مكتئبا حزينا، فقلت: قد كنت نزلت من هذا الرجل منزلة فلا أراني إلا قد سقطت من نفسه، قال: فرجعت إلى منزلي فاضطجعت على فراشي حتى عادني نسوة أهلي وما بي وجع، وما هو إلا الذي تقبلني به عمر، قال: فبينا أنا على ذلك أتاني رجل، فقال: أجب أمير المؤمنين، قال: خرجت فإذا هو قائم ينتظرني، قال: فأخذ بيدي ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفا؟ قال: فقلت: يا أمير المؤمنين! إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه، وأنزل حيث أحببت، قال: لتحدثني بالذي كرهت مما قال الرجل. فقلت: يا أمير المؤمنين! متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا. فقال عمر: لله أبوك! لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها. [صحيح].
وروى أبو داود [٤٦١١] بسند صحيح عن معاذ قال: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق والرجل والمرأة والصغير والكبير والعبد والحر. فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن!
стр. 281
ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة اه فانظر كيف قرن فتح القرآن بين الناس وظهور البدع! يستبن لك أن البدع تنتج عن سوء الفهم عن الله واتباع المتشابه من كتابه ممن لم يأخذ القرآن وتأويله عن أصحاب النبي ﷺ واستعجل على حفظه وفهمه.
وفي مسلم [٧٨٩]: " وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه". فإنما سبيل الاستذكار النافع في السنة أن يقوم به آناء الليل والنهار.
فهل يقال بعد كل هذه الأدلة مع ترك النبي ﷺ لذلك طيلة ثلاث وعشرين سنة والخلفاء الراشدين ثلاثين سنة أنه قصد بقوله: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تلاوة الجماعة بصوت واحد؟! سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
ب- الاحتفال بالمولد بدعة: قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني. [أحمد ٨٧٩٠ بسند جيد] وكل عيد يعلق بشخص النبي ﷺ هو من جنس هذا المنهي، فاتخاذ المولد عيدا كاتخاذ القبر عيدا. وروى أحمد [١٢٨٥٠] ثنا سهل بن يوسف يعني المسمعي عن حميد ويزيد بن هارون أنا حميد عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما، فإن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى اه سند صحيح. فاستحسان عيد آخر لإظهار الفرح والأناشيد .. مضاهاةٌ للجاهلية، واستدراك على السنة. وقد حذر النبي ﷺ من مشابهة النصارى فقال: " لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع " [خ ٧٣٢٠/ م ٢٦٦٩] وهذا من جملته فإنهم يحتفلون بميلاد نبيهم ﵇. واتخاذ عيد بالرأي سبيل أهل الكتاب، ففي الصحيحين أن يهوديا قال لعمر: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة. [خ ٤٤٠٧/ م ٣٠١٧] فلم يتخذ أمير المؤمنين ذلك اليوم
стр. 282
عيدا سائرا في الأمة. لذلك عدل الصحابة عن التأريخ بالمولد ولم يلتفتوا إليه. ولو كان مطلوبا شرعا لبينه النبي ﷺ ، ولحفظ الله في الناس تاريخ ميلاده ﷺ باليوم لأن الدين محفوظ .. ناهيك عما تضمنته الموالد من منكرات لاطت بها .. فهذه حجج تقضي بالمنع زيادة على قاعدة النهي عن البدع ومضاهاة الطريقة الشرعية.
فترك القومُ هذه المحكمات ثم راحوا يستدلون بحديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: فيه ولدت وفيه أنزل علي. [م ١١٦٢] ووجه الاستدلال منه القياس على الصوم!! وهو منقوض من وجوه:
- الأول: أنه لا قياس في إثبات قربة. وهم يفعلون ما يفعلون لمعنى تعبدي وهو حب النبي، وما هذا شأنه لا يثبت إلا من جهة العمل. وقد زعم بعضهم أنه ليس عبادة ولكنه عادة! وإنما هي المكابرة! أليس يلتمسون به الثواب والمحبة، أليس يستدلون من القرآن والسنة لادعاء استحبابها؟!
- الثاني: ولو سلمنا لكان معارَضا بالقياس على قوله ﷺ : لا تتخذوا قبري عيدا. فكذلك لا يُتخذ مولده ﷺ عيدا. وقياسٌ عليه العمل وهو تركهم الاحتفال به أولى من غيره، وهم قائلون أن الحظر مقدم على الإذن.
- الثالث: أنه قياس مع الفارق، إذ الأصل المقيس عليه (الصوم) أولى بالعلة (التقرب والشكر) من الفرع (الأمداح … ) ولا يسوغ القياس إلا إذا كان الفرع مثل الأصل وهو قياس المثل، أو أولى بالوصف والحكم منه وهو قياس الأولى، أما إن كان دونه فهو قياس مع الفارق، ولا يصح القياس مع الفارق.
- الرابع: أن شرط اعتبار القياس ألا يعارضا شيئا من كلام الله أو سنة رسوله، وهو معارض للترك ولما تقدم من الأدلة. فتكون العلة قاصرة على الصوم.
- الخامس: لو سلمنا لم يكن القياس أولى من العموم الذي لا يحتج به حتى ينظر في العمل الأول.
غاية ما في الحديث ذكر فضيلة الصوم يوم الاثنين لا أكثر، ليس فيه التحريض على تحري يوم ميلاد النبي ﷺ ، وترتيب عمل يتقرب به إلى الله في ذلك اليوم قياسا
стр. 283
على الصوم (١). ومن أمحل المحال أن يحض النبي ﷺ على الاحتفال ثم لا يفعله ولا أحد من أصحابه! فمن لم يسعه ما وسع السابقين الأولين فلا وسع الله عليه، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.
وتأمل السبب الذي أشكل على من لم ير في العمل بالبدع مخالَفة للسنن، أنه يقول: هو عمل أعمله في ساعة فراغ من يومي، فأي سنة تركتُ؟! ولو نظر في ما تقدم لعلم أن لله في كل ساعة من دهره سنة يُندب العمل بها. فمن تركها فله وجهان:
إما أن يشغل وقتها بسنة مباحة رخص الله له فيها، فهذا مباح من حيث الجملة لا إشكال فيه.
وإما أن ينشغل بعبادة، فلا يجوز إلا بسنة، إذ قد أحصى الشرع وجوه القربات، وعَرَضَها عليك في تلك الساعة، فإذا استبدلتها بغيرها وقعت في المخالفة، وضيعت السنة. فالسنن المستحبة يجوز أن تُترك، لكن لا يجوز أن تستبدل بغيرها لأن الاستبدال هو المخالفة عينها.
فصل في بيان أن السنة جاءت بضبط أسامي الشريعة لمسمياتها
ذلك أن من تمام النعمة أن جاءت السنة بمعان بينة وألفاظ مباركة فيها العصمة والدلالة الكافية على مراد الله ورسوله، لا ينبغي استبدالها. وإن معرفتها من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ومراعاتها من تمام الاتباع بإحسان، والله المستعان.
ومن حكمة الله تعالى في اللسان أن كان للكَلِمِ أمران: دلالة على المعنى، وحال في النفس تقترن به. لذلك كان النبي ﷺ يغير الأسماء القبيحة (٢) مثل قول سعيد بن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد اه فإذا ثبت أثر الاسم على الرجل وآله فكيف بما يقوم في نفس السامع والمتعلم. لذلك كان النبي ﷺ يتعاهد أصحابه بضبط
стр. 284
الأسامي الشرعية حفظا للمعاني العلمية والأحوال النفسية التي تصاحبها ..
والبيان في القرآن والحديث - والألقاب منه خاصة - قد نزل منزله بحكمة على أحسن ما يكون البيان العربي .. تأمل مثلا حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين: على أبيض مثلِ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. والآخر أسود مُربادًّا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه [م ٣٨٦] فاختار النبي ﷺ للصورة الحسنة ألفاظا سهلة مشرقة فقال: "أبيض مثل الصفا" لتحبها النفوس. ولما أن أراد أن يزهد الأمة في القلب المنكوس أتى بألفاظ خشنة تزعج السامع وتكمل المقصود من النفور، فقال: "أسود مربادا" أي في لونه رُبدة وكدرة بين السواد والغبرة، وقال: "كالكوز مجخيا" وهو الكأس المقلوب، لكن كلمة الكأس المقلوب باردة لا يحصل منها ما يكون مع التي نطق بها خير مبين ﷺ . لذلك لم تسغ الرواية بالمعنى إلا لمن له في العربية ذوق سليم (١).
ومن طرائق شياطين الأرض في الإضلال تغيير الأسماء لتغيير المعاني .. فهي عندهم حرب قائمة. مثل لفظ "الإرهاب" و"التشدد" .. طاروا بمثل هذه الألفاظ يرددونها في مناسبات مقصودة ليسبق إلى أذهان الغافلين أن ذلك معناها، حتى ظنوا أن التزام السنة تشدد، وأن الجهاد إرهاب .. ثم سموا المحرمات بأسماء باردة ليسهل على النفوس تعاطيها، كما قال النبي ﷺ : "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" [د ٣٦٩٠] وقد وقع كل ذلك والله المستعان، سموا الخمر نبيذا وأسماء عجمية مَستُورة .. ودعَوُا الربا فوائد، وسموا الكافر مخالفا وأجنبيا، وأهل الذمة مواطنين، وسموا آيات الله كالزلازل المنذرة والخسوف ظواهر طبيعية، والمنكرات فنونا جميلة .. لتتغير المعاني النفسية التي وضع لها اللفظ وتستحيل مقاصدها الشرعية ..
стр. 285
وهذا كما فعلوا في لفظ العلم أشاعوا استعماله في كشوفهم التجريبية وأطلقوا العناوين "العلم والدين" ليتميز عنه .. حتى نشأت أجيال لا ترى العلم إلا التجربة، فتنكروا للدين وأزروا على العلماء الربانيين! لأن لفظ "العلم" يشعر بالثقة في ما دل عليه، وأن ما سواه جهل وريب .. ولو حافظوا على لفظ العلم باستعماله في العلم بالله ومحابه التي هي شريعته ثم سموا ما دونه باسمه كالطب والفلك .. ولكن غلب الإعلام على السامعين ..
ومن الحوادث في تاريخ العلم أن توسع ناس في اللسان، وفتحوا باب الاصطلاح، فعمدوا إلى ألفاظ في القرآن والسنة ولسان الراسخين في العلم، فضيقوا معانيها كلفظ الفقه والنسخ (١)، وألفاظ وضعوها على غير استعمال الشرع كالتأويل والحكمة، وأحدثوا ألفاظا جديدة لمعان شرعية قديمة كالمجتهد والاستحسان، وقالوا: هذه أدق وأحكم! وأن المصطلح لم يكن في استقرار حتى جاء المحققون!! وقالوا بعدُ لمن أنكر عليهم: لا مشاحة في الاصطلاح!
وليس الأمر كما توهموا، فإن العرب كانوا ينكرون كل لفظ غير عربي ولا معهود في استعمالهم، ويعُدون ذلك عجمة و عيّاً. والقوم إذ توسعوا في إحداث الأسامي جعلوها عنوان معرفة صاحب الفن من الدخيل فيه، فإذا زل أحد في استعمال مصطلح غمزوه بعدم العرفان، كمن سوَّى في اللفظ بين الضابط والقاعدة، والعلة والحكمة .. وما شابه ذلك، فشاحوا في الاصطلاح .. !!
وقد قرروا أن كل علم لا يسمى علما وفنا قائما بذاته إلا إذا اجتمع له ثلاث خصائص:
مصطلحات محررة خاصة، وقواعد منضبطة وهي جوامع كلم مُوَلَّفّةٌ من