← Общие книги

Общие книги · id 1246

الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل

محمد بن مبارك حكيمي

Полный текст (400 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره. فإياكم وما ابتدع فإن ما ابتدع ضلالة اه فانظر كيف قرن فتح القرآن بين الناس وظهور البدع! يستبن لك أن البدع تنتج عن سوء الفهم عن الله واتباع المتشابه من كتابه ممن لم يأخذ القرآن وتأويله عن أصحاب النبي ﷺ واستعجل على حفظه وفهمه. وفي مسلم [٧٨٩]: " وإذا قام صاحب القرآن فقرأه بالليل والنهار ذكره وإذا لم يقم به نسيه". فإنما سبيل الاستذكار النافع في السنة أن يقوم به آناء الليل والنهار. فهل يقال بعد كل هذه الأدلة مع ترك النبي ﷺ لذلك طيلة ثلاث وعشرين سنة والخلفاء الراشدين ثلاثين سنة أنه قصد بقوله: وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله تلاوة الجماعة بصوت واحد؟! سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. ب- الاحتفال بالمولد بدعة: قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا قبري عيدا ولا تجعلوا بيوتكم قبورا وحيثما كنتم فصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني. [أحمد ٨٧٩٠ بسند جيد] وكل عيد يعلق بشخص النبي ﷺ هو من جنس هذا المنهي، فاتخاذ المولد عيدا كاتخاذ القبر عيدا. وروى أحمد [١٢٨٥٠] ثنا سهل بن يوسف يعني المسمعي عن حميد ويزيد بن هارون أنا حميد عن أنس قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما، فإن الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما: يوم الفطر ويوم الأضحى اه سند صحيح. فاستحسان عيد آخر لإظهار الفرح والأناشيد .. مضاهاةٌ للجاهلية، واستدراك على السنة. وقد حذر النبي ﷺ من مشابهة النصارى فقال: " لتتبعن سَنَنَ من كان قبلكم شبرا شبرا وذراعا بذراع " [خ ٧٣٢٠/ م ٢٦٦٩] وهذا من جملته فإنهم يحتفلون بميلاد نبيهم ﵇. واتخاذ عيد بالرأي سبيل أهل الكتاب، ففي الصحيحين أن يهوديا قال لعمر: يا أمير المؤمنين آية في كتابكم تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ذلك اليوم عيدا. قال: وأي آية؟ قال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله ﷺ بعرفات في يوم جمعة. [خ ٤٤٠٧/ م ٣٠١٧] فلم يتخذ أمير المؤمنين ذلك اليوم

стр. 282

عيدا سائرا في الأمة. لذلك عدل الصحابة عن التأريخ بالمولد ولم يلتفتوا إليه. ولو كان مطلوبا شرعا لبينه النبي ﷺ ، ولحفظ الله في الناس تاريخ ميلاده ﷺ باليوم لأن الدين محفوظ .. ناهيك عما تضمنته الموالد من منكرات لاطت بها .. فهذه حجج تقضي بالمنع زيادة على قاعدة النهي عن البدع ومضاهاة الطريقة الشرعية. فترك القومُ هذه المحكمات ثم راحوا يستدلون بحديث أبي قتادة أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: فيه ولدت وفيه أنزل علي. [م ١١٦٢] ووجه الاستدلال منه القياس على الصوم!! وهو منقوض من وجوه: - الأول: أنه لا قياس في إثبات قربة. وهم يفعلون ما يفعلون لمعنى تعبدي وهو حب النبي، وما هذا شأنه لا يثبت إلا من جهة العمل. وقد زعم بعضهم أنه ليس عبادة ولكنه عادة! وإنما هي المكابرة! أليس يلتمسون به الثواب والمحبة، أليس يستدلون من القرآن والسنة لادعاء استحبابها؟! - الثاني: ولو سلمنا لكان معارَضا بالقياس على قوله ﷺ : لا تتخذوا قبري عيدا. فكذلك لا يُتخذ مولده ﷺ عيدا. وقياسٌ عليه العمل وهو تركهم الاحتفال به أولى من غيره، وهم قائلون أن الحظر مقدم على الإذن. - الثالث: أنه قياس مع الفارق، إذ الأصل المقيس عليه (الصوم) أولى بالعلة (التقرب والشكر) من الفرع (الأمداح … ) ولا يسوغ القياس إلا إذا كان الفرع مثل الأصل وهو قياس المثل، أو أولى بالوصف والحكم منه وهو قياس الأولى، أما إن كان دونه فهو قياس مع الفارق، ولا يصح القياس مع الفارق. - الرابع: أن شرط اعتبار القياس ألا يعارضا شيئا من كلام الله أو سنة رسوله، وهو معارض للترك ولما تقدم من الأدلة. فتكون العلة قاصرة على الصوم. - الخامس: لو سلمنا لم يكن القياس أولى من العموم الذي لا يحتج به حتى ينظر في العمل الأول. غاية ما في الحديث ذكر فضيلة الصوم يوم الاثنين لا أكثر، ليس فيه التحريض على تحري يوم ميلاد النبي ﷺ ، وترتيب عمل يتقرب به إلى الله في ذلك اليوم قياسا

стр. 283

على الصوم (١). ومن أمحل المحال أن يحض النبي ﷺ على الاحتفال ثم لا يفعله ولا أحد من أصحابه! فمن لم يسعه ما وسع السابقين الأولين فلا وسع الله عليه، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وتأمل السبب الذي أشكل على من لم ير في العمل بالبدع مخالَفة للسنن، أنه يقول: هو عمل أعمله في ساعة فراغ من يومي، فأي سنة تركتُ؟! ولو نظر في ما تقدم لعلم أن لله في كل ساعة من دهره سنة يُندب العمل بها. فمن تركها فله وجهان: إما أن يشغل وقتها بسنة مباحة رخص الله له فيها، فهذا مباح من حيث الجملة لا إشكال فيه. وإما أن ينشغل بعبادة، فلا يجوز إلا بسنة، إذ قد أحصى الشرع وجوه القربات، وعَرَضَها عليك في تلك الساعة، فإذا استبدلتها بغيرها وقعت في المخالفة، وضيعت السنة. فالسنن المستحبة يجوز أن تُترك، لكن لا يجوز أن تستبدل بغيرها لأن الاستبدال هو المخالفة عينها. فصل في بيان أن السنة جاءت بضبط أسامي الشريعة لمسمياتها ذلك أن من تمام النعمة أن جاءت السنة بمعان بينة وألفاظ مباركة فيها العصمة والدلالة الكافية على مراد الله ورسوله، لا ينبغي استبدالها. وإن معرفتها من تمام معرفة حدود ما أنزل الله على رسوله. ومراعاتها من تمام الاتباع بإحسان، والله المستعان. ومن حكمة الله تعالى في اللسان أن كان للكَلِمِ أمران: دلالة على المعنى، وحال في النفس تقترن به. لذلك كان النبي ﷺ يغير الأسماء القبيحة (٢) مثل قول سعيد بن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد اه فإذا ثبت أثر الاسم على الرجل وآله فكيف بما يقوم في نفس السامع والمتعلم. لذلك كان النبي ﷺ يتعاهد أصحابه بضبط

стр. 284

الأسامي الشرعية حفظا للمعاني العلمية والأحوال النفسية التي تصاحبها .. والبيان في القرآن والحديث - والألقاب منه خاصة - قد نزل منزله بحكمة على أحسن ما يكون البيان العربي .. تأمل مثلا حديث حذيفة عن النبي ﷺ قال: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء. حتى تصير على قلبين: على أبيض مثلِ الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض. والآخر أسود مُربادًّا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه [م ٣٨٦] فاختار النبي ﷺ للصورة الحسنة ألفاظا سهلة مشرقة فقال: "أبيض مثل الصفا" لتحبها النفوس. ولما أن أراد أن يزهد الأمة في القلب المنكوس أتى بألفاظ خشنة تزعج السامع وتكمل المقصود من النفور، فقال: "أسود مربادا" أي في لونه رُبدة وكدرة بين السواد والغبرة، وقال: "كالكوز مجخيا" وهو الكأس المقلوب، لكن كلمة الكأس المقلوب باردة لا يحصل منها ما يكون مع التي نطق بها خير مبين ﷺ . لذلك لم تسغ الرواية بالمعنى إلا لمن له في العربية ذوق سليم (١). ومن طرائق شياطين الأرض في الإضلال تغيير الأسماء لتغيير المعاني .. فهي عندهم حرب قائمة. مثل لفظ "الإرهاب" و"التشدد" .. طاروا بمثل هذه الألفاظ يرددونها في مناسبات مقصودة ليسبق إلى أذهان الغافلين أن ذلك معناها، حتى ظنوا أن التزام السنة تشدد، وأن الجهاد إرهاب .. ثم سموا المحرمات بأسماء باردة ليسهل على النفوس تعاطيها، كما قال النبي ﷺ : "ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" [د ٣٦٩٠] وقد وقع كل ذلك والله المستعان، سموا الخمر نبيذا وأسماء عجمية مَستُورة .. ودعَوُا الربا فوائد، وسموا الكافر مخالفا وأجنبيا، وأهل الذمة مواطنين، وسموا آيات الله كالزلازل المنذرة والخسوف ظواهر طبيعية، والمنكرات فنونا جميلة .. لتتغير المعاني النفسية التي وضع لها اللفظ وتستحيل مقاصدها الشرعية ..

стр. 285

وهذا كما فعلوا في لفظ العلم أشاعوا استعماله في كشوفهم التجريبية وأطلقوا العناوين "العلم والدين" ليتميز عنه .. حتى نشأت أجيال لا ترى العلم إلا التجربة، فتنكروا للدين وأزروا على العلماء الربانيين! لأن لفظ "العلم" يشعر بالثقة في ما دل عليه، وأن ما سواه جهل وريب .. ولو حافظوا على لفظ العلم باستعماله في العلم بالله ومحابه التي هي شريعته ثم سموا ما دونه باسمه كالطب والفلك .. ولكن غلب الإعلام على السامعين .. ومن الحوادث في تاريخ العلم أن توسع ناس في اللسان، وفتحوا باب الاصطلاح، فعمدوا إلى ألفاظ في القرآن والسنة ولسان الراسخين في العلم، فضيقوا معانيها كلفظ الفقه والنسخ (١)، وألفاظ وضعوها على غير استعمال الشرع كالتأويل والحكمة، وأحدثوا ألفاظا جديدة لمعان شرعية قديمة كالمجتهد والاستحسان، وقالوا: هذه أدق وأحكم! وأن المصطلح لم يكن في استقرار حتى جاء المحققون!! وقالوا بعدُ لمن أنكر عليهم: لا مشاحة في الاصطلاح! وليس الأمر كما توهموا، فإن العرب كانوا ينكرون كل لفظ غير عربي ولا معهود في استعمالهم، ويعُدون ذلك عجمة و عيّاً. والقوم إذ توسعوا في إحداث الأسامي جعلوها عنوان معرفة صاحب الفن من الدخيل فيه، فإذا زل أحد في استعمال مصطلح غمزوه بعدم العرفان، كمن سوَّى في اللفظ بين الضابط والقاعدة، والعلة والحكمة .. وما شابه ذلك، فشاحوا في الاصطلاح .. !! وقد قرروا أن كل علم لا يسمى علما وفنا قائما بذاته إلا إذا اجتمع له ثلاث خصائص: مصطلحات محررة خاصة، وقواعد منضبطة وهي جوامع كلم مُوَلَّفّةٌ من

стр. 286

مصطلحات الفن، ومنهج يضبط استعمال المصطلحات والقواعد. ثم تراهم بعد ذلك يحدثون في الدين مصطلحات وقواعد ومناهج! كأن النبي ما جاء ببيان ولا أعطي جوامع الكلم ولا منهاجا! وكأنما يرون أن ما بينه ليس العلم الذي ينفع للدرس! وبالجملة فكل ما يحدث بعد النبي ﷺ من "المصطلحات" التي يعبَّر بها عن معاني الشرع (الحقائق الشرعية والعرفية) نوعان: لفظ لم يكن المقتضي إلى استعماله قائما ككثير من ألقاب علم الحديث .. فإنها مصالح مرسلة، وفي مثلها يقال: ألا مشاحة في الاصطلاح، ومن العلم ضبطها، ومن البيان حسن استعمالها .. وألفاظ تضاهي الشرعية الثابتة مما خلت فيه سنة، فإن أحسن أحوالها أنها خلاف الأولى، كلفظ "المكلف" و"المجتهد" و"الصانع" .. فانظر كم من المسافة بين دلالة لفظ " العبد " الذي هو أشرح للنفوس وأدل على المحبة وتمام الانقياد طوعا .. ولفظ " المكلف " الذي يحمل معنى الكلفة والمشقة والجفاف .. ! وكم ما بين لفظ العالم الذي يدل على الثقة والبصيرة في الدين، وخلافة رب العالمين في عباده إذ هو مشتق من اسم الله العليم يذكر به، فيبعث في النفس خوفا واغتباطا .. ولفظ المجتهد الذي يدل على الجهد والمشقة في تفهم ما طلب، فينفث في النفس أن الحق غامض بعيد يحتاج إلى تكلف جهد لإدراكه، والله تعالى قد يسر القرآن للذكر، والنبي ﷺ قد بين وأبلغ، وإنما الاجتهاد في معرفة مراد الله ورسوله على قدر القصور .. وليس القصد إنكار هذا الحرف مطلقا، ولكن أن يكون عَلَما على أهل العلم الفقهاء دون لفظ العلماء، إذ للمواظبة خبر قد عرفتَه .. وأكثر ما استعمل لفظ المجتهد عند الأولين في مجتهد العبادة (١).

стр. 287

وانظر كيف اختلف الناس في بيان معنى "الاستحسان" لما أحدث على غير استعمال سابق! ولو سمي ترخصا لبان معناه، ولما اختلفوا إن شاء الله. إذ الترخص أدل على أن مظانه قليلة كحاله في الشرع، وأنه متوقف على إذن وترخيص، وأن الأصل هو الحزم والامتثال. بخلاف الاستحسان فإنه مشعر بتحكيم الهوى والأذواق، وأن الأصل الذي انتُزع منه شاق! ولكل محدثة شؤم بحسبها. كذلك لما واظب النبي على استعمال لفظ البدعة في الذم، تبيَّن أن القصد أن يصير هذا الحرف علما على الزائد المذموم، فيكون لفظا دالا على معنى، ومنفرا للنفس منه. لكن لما خلف من بعدُ من أشاع استعمال اللفظ في ما استحسنوه تعلقا بالمتشابه، أضعفوا دلالة اللفظ المعنوية والنفسية، بل سموا الابتداع تجديدا ليُلبس زينة القبول .. فخالفوا منهاج الشرع ومقاصده، والله المستعان. كذلك قسم الرب تعالى آيات كتابه إلى محكمات هن أم الكتاب ومعظمه وأخر متشابهات قليلة، وهو العليم بكتابه .. ثم بدل ناس بعدُ قولا غير الذي قيل لهم فقالوا: "قطعي" و"ظني"، وكان الظني أشبه بالظن المذموم في اللسان والشرع مما لا يفيد المعنى إلا مع الاحتمال .. فلما أحدث واستعمل في آيات العمل صار له دلالة معنوية وهو رجحانه في ظاهره على أغلب الظن، ودلالة نفسية وهي الاحتمال والريب! وقد نبئوا في الكتاب أنه لا ريب فيه! والقطعي ما لا يدخله احتمال عقلي بوجه، وليس يخلو دليل من احتمال مفترض توهموه .. فصار القطعي بوضعهم أندر شيء في الكتاب، والظني أكثره، على خلاف ما أنزل الله على رسوله! فضعف اليقين، واختلف الناس في الدين. كذلك لما أحدثوا في أصول الشريعة كلمتهم: "هل قول الصحابي حجة" دخل الإشكال! فخاضوا في العصمة والإجماع .. إلى مفاوز قفر! فلم ينتهوا حتى خالفوهم.

стр. 288

ولو عُدّل الكلم لكان الأولى أن يُعَنْوَنَ له بقولنا: هل نؤمر باتباع السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار؟ ولكان إذاً أحرى وأقطع .. وهذا كإحداثهم في إنكار بدع المبطلين قولهم: " هذا تحكم بلا دليل "! وهو إنكار بارد بكلام محدث، لو عُدِّل لكان أحرى أن يقال: هذا قول على الله بغير علم، ولكان أشبه لفظا بالسنة، ولحرك ما في النفوس من خامل دين .. ثم انظر كيف تجد كلمات الله ورسوله أعظم بركة مما أحدث الآخِرون، وما بيان النبي العربي الذي كان يفسر الأمور بالمثال والأقرب (١) كشأن المناطقة الذين هم بحدودهم يفرحون؟! فقد علم الراسخون أن البيان بالمثال ونحوه الأجرى على طريقة العرب الأميين هو من اللسان الذي به نزل القرآن (٢)، كما قال ﷺ : إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب. [خ ١٨١٤] أمية أي بسيطة غير متكلفة ما لا يطيقه الأميون .. بخلاف أتباع يونان الذين عسروا بالحدود كل يسير، حتى راحوا يُعَرفون كل معروف (٣)، ثم كان المعرَّف أوضح من التعريف!! فنزعت البركة وبعدت الشقة على

стр. 289

الناشئة، إذ شدهوا بادي الأمر بمصطلحات محدثة عسيرة، حتى انقطع الطالبون، وانحرف عن منهاج النبوة المتعلمون، فأبعَد الناس عن العلم، وشغلهم عن العمل، وتلذذ المفتونون بالقيل والجدل (١) .. وما دُرسوا جهلا أشبه بالعلم منه (٢) .. ! ثم إن أمة ممن يتحرى السنة وفقهم الله يدرسون فنونا من العلم على طريقة المناطقة، كمباحث الاعتقاد، يعرضونها عرض المتكلمين، وقد كان بنا غنى عما أحدث الآخرون، ألم يحسن النبي بيان صفات ربه وأمور الغيب لأصحابه حتى تركهم على البيضاء، ثم ورث منهاجه الراسخون في العلم من أصحابه فعلّموا الأعاجم والنشء على طريقة الأميين، وإنه ليسعنا ما وسعهم. فمن أراد معرفة صفات ربه وما يحتاجه في إيمانه فمن كتاب الله تبارك اسمه. ولو تأملت طريقة القرآن في ذكر صفات الله تجدها مفرقة عند ذكر الوعد والوعيد والأمر والنهي وهو أوفق شيء لفطرة ابن آدم، منهاج يحمله على القصد ويكفه عن الجور والإلحاد في أسماء الله، كما روى عبد الرزاق [٥٩٩٦] عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء أن رجلا قال له إن إخوانك من أهل الكوفة يقرؤون عليك السلام. قال: وأنت فأقرئهم السلام، وقل لهم فليعطوا القرآن بخزائمهم فإنه سيحملهم على القصد والسهولة ويجنبهم الجور والحزونة. يعني بخزائمهم يعني اجعلوا القرآن مثل الخزام في أنف أحدكم فاتبعوه واعملوا به اه مرسل صحيح. كذلك مباحث الفقه وأمور العمل صارت تعرض على منهاج يونان مقدمات

стр. 290

وحدود وكليات ومسائل .. والعتيق خير لهم لو كانوا يعلمون، أن يلقن الفقه بالمذاكرة والصحبة والسؤال والجواب والتفقه في القرآن والحديث. ولما استعمل لفظ "الفقه" وشاع في غير أمور الإيمان خاصة حدثت الشبهة في أحكام الردة هل الحكم على الرجل أنه مؤمن أو كافر هو من أمور "الفقه" أم "العقيدة"؟! واختلف ناس في اختلاف العلماء في تارك الصلاة ونحوها هل هو خلاف فقهي أو خلاف عقدي؟ حتى عيب على من رجع في حكاية الخلاف إلى "كتب الفقه" وزعم ناصحا أن مظانه كتب المعتقد!! وظُن بالزهري ومالك والشافعي .. أنهم دخلت عليهم شبهة الإرجاء! وإنها جناية "المصطلح". والأمر كله لا يعدو أن يكون قضاء على من تحقق فيه الشروط وانتفت عنه الموانع (١). كالخلاف بين أبي بكر وعمر في مانعي الزكاة قال عمر: كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. قال عمر ﵁: فوالله ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر ﵁ فعرفت أنه الحق [خ ١٣٣٥] أفترى عمر لم يضبط أصول الإيمان، أم أنه القضاء؟ أفما كان عمر يقرأ في الكتاب (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة

стр. 291

فخلوا سبيلهم) [التوبة ٥]؟ ولكن حسن القضاء بالإيمان أو الكفر على الرجال هو من حسن الفقه في الإيمان وضده. فلما حدث الفرق "الاصطلاحي" حدث الإشكال، والأمر أقرب مما ظنوا. والعصمة من الله تعالى. ولما أطلق لفظ "الحكمة" على فلسفة الأعاجم عظم في النفوس خطرها ونصبوها معارضة للحكمة الحق سنة النبي ﷺ ، فاجتالهم "المصطلح" عن دينهم لما حرف عن موضعه! ولفظ "التأويل" في القرآن بمعنى تحقق المخبر عنه وهو تفسير بالمعاينة كما قال تعالى (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) [يونس ٣٩] أي لم يأتهم تحققه ومعاينته بعد، وقال يوسف لأبيه لما عاين رؤياه (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف ١٠٠] وهذا كثير. لكن حدث من أطلقه في غير ما كان، في ما صُرف عن ظاهره بدليل منفصل! فصاروا يحرفون ظواهر الآيات وأخبار النبي إلى المجازات المتكلفة، وقالوا: هذا من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم وحملوه على التأويل في الآية (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) وإنما هو تحريف الكلم عن مواضعه وإحداث في "المصطلح" .. ومثله لفظ "المجاز" أحدث في اللسان على غير استعمال العرب والأولين فكدر صفو البيان، وقد تولى بيان عَواره الشيخ أبو العباس ابن تيمية رحمة الله عليه. فانظر إلى جناية حوادث "المصطلحات" على العلم، لتعلم أن كل بدعة ضلالة. وسواء علينا أقلنا عن اللغة توقيف أو اصطلاح (١) فإن الألفاظ الشرعية التي تدل على معان شرعية في كلام الله ورسوله ﷺ لا ينبغي أن تستبدل بغيرها، ولا أن توضع في غير سياقها .. وكل بدعة ضلالة، والبركة كلها في ما أنزل الله على رسوله. فليحذر العبد أن يستن بأحبار أهل الكتاب الذين كانوا يحرفون الكلم عن مواضعه المنزل لها، ويلوون ألسنتهم بالكتاب فيغيرون اللفظ ليتغير المعنى ويزول

стр. 292

أثره في النفس، ثم يزعمونه تفسيرا للكتاب، قال تعالى (وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون) [آل عمران ٧٨] فصل في ذم محدثات القواعد ثم نتج عن حوادث " المصطلحات " ما وقع في الأمة من محدثات القواعد، فقد صح عن النبي ﷺ قوله (بعثت بجوامع الكلم) [خ ٦٦١١/ م ١١٩٦] وهي الكلمات الجامعة للمعاني الكثيرة التي يسميها المتأخرون أصولا وقواعد. فالنبي قد أتم الله له الدين ورزقه حسن البيان وحسن "التأصيل"، ولم يزل العلماء من أصحاب النبي ﷺ يكتفون بجوامع الكلم التي تلقوها من نبيهم في القرآن والسنة، ويكرهون - على علم - أن يكتبوا للناس غير كتاب الله .. ثم خلف من بعدهم من أحدث كلاما غيره، قالوا مِنْ غير نطق أو قصد: هذه جوامع أفضل! وبيان أتم! والقواعد - قواعد الفقه - التي تدار بعد النبي ﷺ أنواع أربعة: أ - قواعد صحيحة المعنى صحيحة اللفظ وهي السنة جوامع الكلم التي أعطيها نبي الله في القرآن والحديث، وهي التي كان الراسخون من أهل العلم من أصحابه يقضون بها، وأسعد الناس بها في الآخِرين أهل الحديث والأثر كمالك والسفيانين وابن المبارك وحماد بن زيد والأوزاعي والليث بن سعد ومن تابعهم، قبل أن يدخل على حملة الحديث بدعة الكلام والرأي. ب - وقواعد صحيحة اللفظ محدثة المعنى مثل الآيات التي استدل بها الخوارج كما روى مسلم [٢٥١٧] عن عبيد الله بن أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أن الحرورية لما خرجت وهو مع علي بن أبي طالب ﵁ قالوا: " لا حكم إلا لله " قال علي: كلمة حق أريد بها باطل. الحديث. فقول الله تعالى (إن الحكم إلا لله) من جوامع الكلم نزلها أولئك الأصاغر في غير ما نزلت له. ج - وقواعد محدثة اللفظ محدثة المعنى كقاعدة "البدعة الحسنة" ودعوى أن

стр. 293

"سلوك الأدب مقدم على امتثال الأمر"، ونحوهما مما لم يكن لأهل العلم من أصحاب رسول الله بها عهد. د - وقواعد محدثة اللفظ صحيحة المعنى كقول من قال: " القصود معتبرة في التصرفات والعقود" أو " الأمور بمقاصدها " ونحوها مما يُذكر عنوانا وعَلَما على معنى صحيح في الشريعة، ثم يؤتى بكلام الله وبأحاديث النبي ﷺ تحته لتشهد له! وقد أغنانا بيان الله ورسوله عن إحداث مثل ذلك وهي الأدلة التي تذكر لصحة القاعدة، وقد كفانا عن قولنا "الأمور بمقاصدها" قول نبي الله: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى اه كما كفانا قول الله (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) [يونس ٣٦] وقول النبي: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث اه [خ ٤٨٤٩] عن أن نتخذ كلمة نواظب عليها كالوحي تضاهي الشرعية كقولنا "الشك لا يزيل اليقين". وأغنانا عن قولنا "الأصل براءة الذمة" قولُ النبي ﷺ : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه اه [م ٤٥٦٧]. وكفانا عن أن نتخذ قولنا "الأصل في الأشياء الإباحة" شعارا وعَلَما على معناه قول الله تعالى (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) [الجاثية ١٣] ونحوه كقول الله تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين) [البقرة ١٦٨]. ويكفينا عن قولنا " الأصل في الأبضاع التحريم " قول النبي ﷺ في حجة الوداع: فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله اه [م ٣٠٠٩] ونظائره. وعن قولنا " العادة مُحَكَّمة" قول الله تعالى (وأمر بالعرف) [الأعراف ١٩٩] ونظائره. وعن قولنا: " إذا ضاق الأمر اتسع" قول ربنا (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج ٨٧]

стр. 294

ويغني عن قولنا "المشقة تجلب التيسير" قول ربنا (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) [البقرة ١٨٥] وهي قاعدة في سياق حكم فقهي، وقول نبيه: إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا اه [خ ٣٩] وكلها جوامع للكلم أعلام على معانيها، ثم يُتتبع عمل النبي وأصحابه لمعرفة مظانها. وعن قولنا "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" قول نبي الله: ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم اه [م ٦٢٥٩] فإنه أحسن منها وأدق. وهذا كما يُسأل المفتي فيجيب بالقاعدة المشهورة: "الضرورات تبيح المحظورات" و"الضرورات تقدر بقدرها " ويشرح وجههما، وكان أولى منه ما لو تلا عليه (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) [البقرة ١٧٣] لكان في جوابه البركة، وبكل حرف له حسنة، ووجد المستفتي أن الله هو الذي أفتاه فيها، فازداد إيمانا وتسليما، وكان لقنه الإيمان مع العلم .. وكما لو قال المسلم لصاحبه وهو يحاوره أو يصحح مذهبه: " لا اجتهاد مع النص" لكان أولى منه لو تلا قول الله تعالى يعظه (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم) [الحجرات ١] إذن لما تجاوزها مؤمن. أو يجيب المفتي بقوله: أكره كذا لقاعدة سد الذريعة، خير منه لو تلا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم) [النور ٢١] فهذه الآية من أحسن جوامع الكلم إذ ذكرها الله تعالى جَدُّهُ بين آيات تمنع خطوات الشيطان، وتسد الذريعة دون الفاحشة، حيث أمر بالاستئذان وغض البصر والحجاب، وقبلها فرض حد الزنا والقذف واللعان .. فكانت الآية أحسن تأصيل في سياق مسائلها، ومن أخذ منها الأحكام واستدل بها ازداد إيمانا، ونفع السائل على نحو ما كان النبي مع أصحابه (يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) [آل عمران ١٦٤] وهذا هو المفتي الوارث خليفة النبي في أمته. وقول الله جل في علاه (فاتقوا الله ما استطعتم) [التغابن ١٦] وقول نبيه عليه الصلاة

стр. 295

والسلام: وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم اه [خ ٦٨٥٨] خير من قولنا قاعدة: "الميسور لا يسقط بالمعسور". وقول النبي ﷺ : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك اه [س ٥٧١١] أو قوله: الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى المشبهات استبرأ لدينه وعرضه. الحديث [خ ٥٢] خير من قولنا قاعدة: " إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام ". وهذا كما فعلوا في بعض القواعد القلائل كقول النبي ﷺ : الخراج بالضمان اه [د ٣٥١٠] وقوله: العجماء جبار اه [خ ١٤٢٨] من بقايا جوامع الكلم التي جُعلت تراجم في كتب القواعد. فلمَ نعدل عن جوامع الكلم السنة ثم نجتهد في اختراع جوامع أعلام على المعاني الشرعية؟! ولربما كان في بعضها من شناعة اللفظ أو الالتباس الذي أورث الاختلاف كقولهم " شرط الواقف كنص الشارع "! وهذا من شؤم التوسع في الإحداث واستخفافه .. وحتى جعلها بعضهم على هيئة القوانين الوضعية الرياضية الجافة على سنة اليونان، وسلخها عن معاني الإيمان! (١) إنما غاية تلك الكلمات الصحيحة المعنى أن تكون شرحا لمن استعجم جوامعَ الكلم لا أعلاما على المعاني وبدلا عنها (٢)، وإنه ليسعنا ما وسع الأولين، وقد عرفت أن المواظبة على ما يجوز مطلقا من غير دوام تُصَيره بدعة .. وقد انتهى بناس أن فضلوا هذه القواعد على أحاديث النبي بدعوى أنها قطعية وأن الأخبار أكثرها آحاد ظنية .. ! فحلت البدعة محل السنة، وصاروا بها يفرحون ويستدلون، وهجروا العلم .. ! فمن لم يدرك هذا ظن أن الكمال والدقة والعلم وجودة البيان والكفاية في كلام

стр. 296

المتأخرين، وانطوى قلبه على أن أهل العلم أصحابَ النبي لم يُتركوا على قواعد "محررة"! وكيف ينجو مِنْ هذا الظن وهو يُدَرَّس أن العلم لا زال في تطور من مرحلة النشأة زمن النبي وأصحابه إلى مرحلة النضج ثم الاحتراق والتخمة .. ! وإنما الكمال والوضوح والعلم كله كان زمن النبي والخلفاء الراشدين، ثم لم يزل العلم في نقصان والبدع في ازدياد حتى التبست بالسنن، ثم قيل: غيرت السنة!! والشأن ليس في صنيع العلماء الذين رووا السنن وبينوها، ولكن من نشأ بعدهم من منتحلي "الكلام"، فجعلوا الوسائل مقاصد، واخترعوا للشروح صيغا "قواعد" وواظبوا عليها حتى جعلوها بمنزلة الوحي، وصار كلام الله ورسوله هو يشرح ما أحدثوا من الجوامع! كما فعلوا في فقه أئمة المتأخرين جعلوها أصلا والسنن تبعا! وهم كانوا ينهونهم عن كَتْب مذاهبهم .. والكلام هنا في القواعد التي استندت إلى أحاديث قولية، أما ما استقري من أفعال النبي ﷺ فالصحيح منها تكفل ببيانه أصحاب النبي ﷺ فبينوا منها ما يشفي لعلمهم بالمقاصد. والقواعد التي وضعها المتأخرون بالاستقراء مثل قولهم: "التابع تابع" أو "الاستدامة أقوى من الابتداء" أو "يغتفر في النفل ما لا يغتفر في الفرض" ونحوها. فحقيقة مأخذها القياس على أفعال النبي بالنظر في عللها، أي أنهم تتبعوا تصرفاته ﵊ فاجتمع لهم معنى مشترك بين المسائل التي هي نظائر أفتى فيها أو فعلها، فوضعوا لها صيغة للإفهام. فالعمل بها إنما هو عمل بالقياس، وأول من أثارها في الناس أصحاب الرأي والأغاليط. والنكتة هنا أنه يلزمهم إثبات أن تلك المعاني هي علل الفتاوى النبوية. فكما قالوا: ينبغي الاستدلال للقواعد قبل الاستدلال بها، فمتى وَجدتَ في أدلتها دليلا عاما يذكر للقاعدة من كلام الله أو كلام رسوله فخذ به وتفقه فيه ودع القاعدة فهو القاعدة. ومتى وجدت أدلة فعلية وفتاوى للنبي متفرقة فاسألهم عن عللها، هل تَطَيَّبَ النبيُّ قبل الإحرام لأن الاستدامة أقوى من الابتداء؟ إذن لغطى رأسه قبل الإحرام ولم ينزعه بعد التلبية لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، ولِمَ لم يقر غيلان على عشر نسوة

стр. 297

لما أسلم [ت ١١٢٨] فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء؟ ومن أدخل فيها "قد" للتقليل لم يصنع شيئا. أو لما أفتى النبي بأن ذكاة الجنين ذكاة أمه كان لعلة أن التابع يأخذ حكم المتبوع دون الأصل فيه مستقلا أو لعلة الدم؟ أنه ذُكِّيَ ساعة ذكيت أمه أي أن الدم الذي حرمت لأجله الميتة خرج حين الذكاة .. وقد روى مسلم [٤٤٨٥] عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقضى رسول الله ﷺ أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم. فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل، ولا نطق ولا استهل، فمثل ذلك يُطَلُّ! فقال رسول الله ﷺ : إنما هذا من إخوان الكهان! من أجل سجعه الذي سجع اه فلِمَ لم يكن للجنين حكم التبع في الدية حتى خص بحكمه، لِم لم يقل: يجوز إهداره وإتباعُه أمَّه لأنه بعضها، وإن كان لا يجوز استقلالا، فمثل هذا إذن يطل كما قال الهذلي، أي يهدر! فكأنه قال لما اعترض: التابع لا يفرد! وهذا كما لو اشترى حائطا (بستانا) فوجد فيه كنزا من دفن الجاهلية أو من المعادن فلا ينزل منزلة ماله الذي لا تجب فيه الزكاة إلا بالحول والنصاب ويجعله مالا مستفادا تابعا لماله الذي اشترى، ولكن مضت السنة أن في الركاز الخمس لأنه كالمغنم، فأفردت التابع بحكم دون أصله. ولما عُفي عن الغرر اليسير كابتياع البهيمة بما في بطنها هل لأن التابع تابع أو لأن آفة الغرر المفضي للخصومة وفساد ذات البين منعدمة فيه؟ واليسير لا يسمى غررا لأن الغرر في اللغة الخطر، فالعلة التي بيَّن الصحابي أن رسول الله نهى عن بيع الغرر [م ٣٨٨١] محكمة طردا وعكسا وهي هنا لأنه ليس من الغرر، لا لكونه تابعا، والتبع وصف غير مطرد. وأيضا بعض ما ذكر مما يغتفر في الاستدامة أو التبع أو يسير النجاسة ونحو ذلك فإنما العلة فيه لا هذه الأوصاف المظان ولكن رفع الحرج، لأنه من العفو الذي قال

стр. 298

النبي فيه: وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله العافية اه فبين العلة وهي العافية حيث مظنة الحرج كما قال ربنا ﵎ (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم) [المائدة ١٠١] فقوله (عفا الله عنها والله غفور حليم) تنبيه على أن العلة هي الحرج، عفا عما يحرجكم ويعنتكم، وذِكرُ أسماء الله الحسنى في سياق الأحكام هو من العموم بعد الخصوص وزينة جوامع الكلم، فحيث وجد الحرج فالله غفور حليم، في الشيء اليسير أو التابع الذي يعسر التخلص منه وما لو تُتُبع لوقع الحرج. فتأمل جوامع الكلم في كلام الله وكلام نبيه تجد الغنية، وبالله التوفيق. وبالجملة فالحاجة إلى هذه القواعد المحدثة منعدمة في المسائل المذكورة في الكتب إلا ما جرى على لسان الأولين، فإنك متى نظرت في فروعها التي ينزلونها فيها وجدت أقرب حجة من كتاب الله أو السنة وعمل الأولين مغنية عن تكلف ذلك .. كقولهم: إذا طلع الفجر وهو مجامع فنزع في الحال صح صومه لأنه يغتفر في الابتداء ما لا يغتفر في الدوام عكس التي مضت، والحكم دل عليه بأيسر من ذلك وأحسن قول الله تعالى (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) [البقرة ١٨٧] فعفا عمن أقلع عن شهوته عند الفجر وإن أدركه الصوم جنبا، وكذلك كان النبي يفعل [الموطأ ٦٣٨]. وكثير من هذه المعاني كالدوام والتبع .. إنما هي أوصاف مقترنة بالعلة لا العلة نفسها .. وما ساغ منها فالعيب في لفظ العموم الذي وضع لها فما كل استدامة أقوى من الابتداء كما رأيت، وما كل نفل يغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض .. فبهذا الانكسار لا تصلح أن توضع جوامعَ للكلم، فلذلك تركها الصحابة، فإنهم على علم وقفوا وببصر نافذ كَفُّوا، وعرفوا جوامع الكلم التي قد أُحكمت طردا وعكسا .. ومن التمس اطراد تلك المعاني خالف السنة لا بد، وهذا ما شنعه الناس على أهل الرأي كما قال ابن وهب [جامع بيان العلم ١٠٤٨] أخبرني يحيى بن أيوب عن عيسى بن أبي عيسى عن الشعبي أنه سمعه يقول: إياكم والمقايسة فوالذي نفسي بيده لئن أخذتم بالمقايسة لتحلن الحرام ولتحرمن الحلال، ولكن ما بلغكم من حفظ عن

стр. 299

أصحاب رسول الله ﷺ فاحفظوه اه وروى الخطيب [الفقيه والمتفقه ٤٩٩] عن علي بن عبد العزيز البغوي نا أبو الوليد القرشي نا محمد بن عبد الله بن بكار القرشي حدثني سليمان بن جعفر نا محمد بن يحيى الربعي قال: قال ابن شبرمة: دخلت أنا وأبو حنيفة على جعفر بن محمد بن علي وسلمت عليه، وكنت له صديقا، ثم أقبلت على جعفر، وقلت: أمتع الله بك، هذا رجل من أهل العراق له فقه وعقل، فقال لي جعفر: لعله الذي يقيس الدين برأيه! ثم أقبل علي فقال: أهو النعمان!؟ - قال محمد بن يحيى الربعي: ولم أعرف اسمه إلا ذلك اليوم - فقال له أبو حنيفة: نعم أصلحك الله، فقال له جعفر: اتق الله، ولا تقس الدين برأيك، فإن أول من قاس إبليس، إذ أمره الله بالسجود لآدم، فقال: أنا خير منه، خلقتني من نار وخلقته من طين - فذكر كلاما ثم قال له - ويحك أيها أعظم عند الله: قتل النفس التي حرم الله أو الزنا؟ قال: لا، بل قتل النفس. قال له جعفر: إن الله قد رضي في قتل النفس بشاهدين، ولم يقبل في الزنا إلا أربعة، فكيف يقوم لك قياس؟ ثم قال: أيهما أعظم عند الله الصوم أم الصلاة؟ قال: لا، بل الصلاة قال: فما بال المرأة إذا حاضت تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ اتق الله يا عبد الله ولا تقس، فإنا نقف غدا نحن وأنت ومن خالفنا بين يدي الله ﵎، فنقول: قال الله وقال رسول الله ﷺ : وتقول أنت وأصحابك سمعنا ورأينا، فيفعل الله تعالى بنا وبكم ما يشاء اه لكن لما فرح بهذه المعاني من أشربها قالوا: ربما جاءت السنة بخلاف القياس! وإنما هو ما توهموه قياسا .. ثم إن جماع أصول الفقه كلها أمران: أ - العلم بلسان العرب قبل الإسلام، وهذا يؤخذ بعد كتاب الله من الحديث والأثر وأشعار العرب وأمثالها، لمعرفة الاستعمال ومقاصد العرب في كلامها (١)، فإن

стр. 300

القرآن إنما نزل بلسانها، أي بما تعارفت عليه من استعمال الألفاظ، فما يخطر بذهن العربي عادة إذا تكلم، وما يفهمه العربي عادة من اللفظ هو اللسان، فهو كلمات ومعاني (١)، لها دلالتها النفسية والعلمية (٢) .. وقد ذهل عن هذا المعنى ناس من المسلمين ممن ينظر في ما سمي "الإعجاز العلمي" ففسروا كلام الله بما لا يجري على لسان العرب، كتفسيرهم الذرّة بما اصطلحوا عليه، والصبغ في قول الله تعالى (وصبغ للآكلين) [المومنون ٢٠] ونحو ذلك مما لم يكن للعرب به عهد، وإنما نزل القرآن بعرف العرب لا بلسان "التجريبيين" .. وإنما يصح مما يذكرون ما كان من جنس التأويل أي تحقق المخبر عنه، كما قال نبي الله يوسف (هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) [يوسف ١٠٠] وقال الله تعالى

стр. 301

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله) [يونس ٣٩] فالنبي وجماعة أصحابه قد أحاطوا بعلمه بمعناه لأن النبي كان يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة، وتأويل ذلك أي وقوعه منه ما رأوا ومنه ما لم يدركوه. فما وافق العتيق من ذلك قلنا هذا تأويل ما كانوا يعرفون، وما ليس منه فهو رد، أي لا يدّعى أنه مراد الله في الآية، ثم يُخَلّى أهلُ التجربة وملاحظهم. ولو تشاء تبلو منهم زلات وهَنَات، كما ذهب بعضهم إلى دراسة "خصائص الجمل" وقال لم التنصيص عليه دون الحيوان في قول الله تعالى (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت) قال لم ينص عليه إلا لإعجاز فيه خاصة. وقد كانت العرب في أشعارها الأولى تتفنن في وصف الإبل وتتأملها فخاطبهم الله بما اعتادوه تيسيرا للفهم (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر) [القمر ١٧]. وليس لقائل أن يقول: إن فهم القرآن يطلب من كل الناس لأن القرآن جاء للناس جميعا، وهو يقرأ في الكتاب أنه منزل بلسان قوم النبي ﷺ . إذ الخطاب كان للعرب خاصة، والتكليف كان لعموم الخلق، فلا تُسَوِّ بين الخطاب والتكليف. قال ربنا تعالى شأنه في عموم الشريعة (وما أرسلناك إلا كافة للناس) [سبأ ٢٨] هذا في لزوم الشريعة للخلق. وقال في خصوص فهم الخطاب (فإنما يسرناه بلسانك) [مريم ٩٧] ونظائرها. فمن حمل على لفظ في القرآن أو الحديث معنى لا يعرفه العربي، أو أدخل في العموم ونحوه ما لا يعرفون كان من عجمته. ولا يصلح التصرف في لغة العرب، لذلك كان القياس و"توليد الألفاظ" في اللغة بدعة باطلة (١)، وإنما تؤخذ العربية بالسماع (٢).

стр. 302

ب - العلم بمقاصد النبي ﷺ ، وهذا يكون بمصاحبته وإدمان النظر في فتاوى أصحابه لمعرفة مناسبات الخطاب ودلالات الأحوال والأحدث فالأحدث وطريقة التشريع .. لبيان مراد الله ورسوله في كل آية وكل حديث على حدة .. وكثير من مسائل الأصول هي من مغاليط الأصوليين كقولهم: الأصل في صيغة افعل الوجوب إلا لقرينة، وليس هذا بسنة، ولكن كل حديث ينظر في سياقه كله لمعرفة مراده ﷺ فتارة يأمر بالأمر يبين أن مراده الوجوب في المقام نفسه إما باللفظ أو بالحال، وتارة يأمر بالأمر يُفهم أصحابَه أنه إباحة في المقام نفسه .. وهذا مثل قول جابر في حجة الوداع: أمرنا النبي ﷺ أن نحلَّ وقال: أحلوا وأصيبوا من النساء. قال عطاء قال جابر: ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم اه [خ ٦٩٣٣] كذلك قول أم عطية: نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا اه [خ ١٢١٩] أي نهاهن لا بهيئة الآمر ولكن كالمخير، فإن لحن الصوت يدل على المراد، وهو من قرينة الخطاب. وكما روى أبو داود [٢٢٣٣] عن ابن عباس في قصة بريرة لما كرهت زوجها مغيثا فقال: يا رسول الله اشفع لي إليها. فقال رسول الله ﷺ : يا بريرة اتقي الله فإنه زوجك وأبو ولدك. فقالت: يا رسول الله أتأمرني بذلك؟ قال: لا إنما أنا شافع اه وكما روى عبد الرزاق [٧٥٣٥] عن الثوري عن عبد الرحمن بن عابس عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: نهى رسول الله ﷺ عن الحجامة للصائم والمواصلة ولم يحرمها إبقاء على أصحابه اه [صحيح] ومعلوم أن خلو السياق من قرينة هو نفسه من القرائن لكن لا ينهض وحده حتى ينظر في مجموع الكلام، فإذا عُلم السياق كله علم المراد. وهذا معلوم من سنته ﷺ ، فالسياق عند العرب هو الحَكَم والقانون المطَّرد لا اللفظ الواحد بمفرده، لذلك

стр. 303

يسمون الجملة من الألفاظ كلمة كقول الله تعالى (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) [الزخرف ٢٨] والكلمة هي قوله لأبيه وقومه (إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين) وهي لا إله إلا الله، وقول النبي: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل اه [خ ٣٥٥٣] وقول عبد الله بن مسعود: قال النبي ﷺ كلمة وقلت أخرى، قال النبي ﷺ : من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، وقلت أنا: من مات وهو لا يدعو لله ندا دخل الجنة اه [خ ٤١٣٧] فالعبرة بمجموع الكلمة لا باللفظ وحده. وقد تمادى بقوم أن قالوا في مثل خبر أم عطية "ولم يعزم علينا" أنه فهمها والأصل أن نحمله على التحريم، ولم يقنعوا بالقرينة التي لا يمكن أن تنقل وشهدتها أم عطية! نعم قال الله تعالى شأنه (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) [النور ٦٣] وقال (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب ٣٦] فإذا سمع المؤمن كلمة تدل على الوجوب أو التحريم لم يختر، وليس المعنى أنه حُكم اللفظ وحده دون سياقه. كذلك قول النبي ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة اه [خ ٨٤٧] أي لأمرتهم أمر وجوب، فلقد كان يأمر به كما في صحيح ابن حبان [١٠٧٠] من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بالسواك، فإنه مطهرة للفم مرضاة للرب اه وقال ابن أبي شيبة [١٨٠٤] حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن التميمي عن ابن عباس قال: لقد كنا نؤمر بالسواك حتى ظننا أنه سينزل فيه اه تابعه شعبة عن أبي إسحاق [الطيالسي ٢٧٣٩] وقال ابن أبي شيبة [١٨٠٨] حدثنا عبيدة بن حميد قال حدثنا الأعمش عن عبد الله بن يسار عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بعض أصحاب النبي ﷺ رفعه قال: لولا

стр. 304

أن أشق على أمتي لفرضت على أمتي السواك كما فرضت عليهم الطهور اه ورواه حماد بن زيد حدثنا عبد الرحمن السراج عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك مع الوضوء. [هق ١٥٠] فكان معنى قوله: "لأمرتهم" لعزمت عليهم، ومطلق الأمر لا يدل حتى يكون في سياقه. والمقصود أن من تتبع الأثر عرف المقاصد في كل مسألة، ومن أخطأه لم يبق له إلا الظن .. فمن عرف هذا عرف لِمَ لم يصنف المتبوعون من أئمة الهدى كابن المبارك ومالك وسفيان والأوزاعي في هذه المعاني (القواعد)، وإنما كانوا يفتون بالأثر. وإنما كثر هذا الفن الجديد عند من قصر في تتبع الآثار واتبع الرأي والكلام. وهذه نماذج يستبين بها أن الصحابة سادة من تكلم في القواعد بعد نبيهم ﵊: - قال ابن أبي شيبة [٢٢٤٦٤] حدثنا ابن عيينة عن يزيد بن يزيد بن جابر عن إسماعيل بن عبيد الله عن عبد الرحمن بن غنم قال: قال عمر: إن مقاطع الحقوق عند الشروط اه [صحيح]. - عبد الرزاق [٦٥٨] عن الثوري عن وائل بن داود عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال (١): إنما الوضوء مما خرج، والصوم مما دخل وليس مما خرج اه [صحيح]. - مالك [٩٤٠] عن أيوب بن أبي تميمة السختياني عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس قال: من نسي من نسكه شيئا أو تركه فليهرق دما اه [صحيح]. - عبد الرزاق [١٧٠١٤] عن الثوري قال حدثني أبو الجويرية الجرمي قال سألت ابن عباس أو سأله رجل عن الباذق فقال: سبق محمد الباذق وما أسكر فهو حرام. قلت يا ابن عباس أرأيت الشراب الحلو الحلال الطيب؟ قال: فاشرب الحلال الطيب

стр. 305

فليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث اه [صحيح]. - عبد الرزاق [١٢٧١٨] عن الثوري عن عاصم عن عكرمة عن ابن عباس قال: - أي في ذبائح نصارى العرب - (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) اه صحيح [ط ١٠٤٢/ ش ١٦٤٥١]. - عبد الرزاق [٩٨٠٣] عن ابن جريج قال: قال عطاء، ثلاثة أسابع أحب إلي من أربعة قال: ثم أخبرني عن أبي هريرة أنه سمعه يقول: إن الله وتر يحب الوتر، فعد أبو هريرة السماوات وتر في وتر كثير، قال: من استن فليستن وترا، ومن استجمر فليستجمر وترا وإذا تمضمض فليمضمض وترا، في قول من ذلك يقول اه [صحيح] فبين أن الحديث "إن الله وتر يحب الوتر" من جوامع الكلم، وبين وجوهه في السنة. - ابن أبي شيبة [٢٤٢٢٢] حدثنا ابن علية عن أبي حيان عن أبيه عن مريم بنت طارق قالت: دخلت على عائشة في نساء من نساء الأنصار، فجعلن يسألنها عن الظروف التي يُنبذ فيها؟ فقالت: يا نساء المؤمنين، إنكن لتكثرن ظروفا وتسألن عنها، ما كان كثير منها على عهد النبي ﷺ ! فاتقين الله، وما أسكر إحداكن من الأشربة فلتجتنبه، وإن أسكر ماء حبها، فإن كل مسكر حرام اه صححه الحاكم والذهبي [ك ٧٢٣٨]. - البخاري [١٦٦] حدثنا حفص بن عمر قال حدثنا شعبة قال أخبرني أشعث بن سليم قال سمعت أبي عن مسروق عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله اه - ابن أبي شيبة [٦١٥١] حدثنا وكيع حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كانت إذا سئلت عن ولد الزنا قالت: ليس عليه من خطيئة أبويه شيء (لا تزر وازرة وزر أخرى). [صحيح] - الترمذي [٢٦٩٥] حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ قال: ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف. قال أبو عيسى هذا حديث إسناده ضعيف وروى ابن المبارك هذا الحديث عن ابن لهيعة فلم يرفعه اه الصحيح من قول عبد الله بن عمرو، فذكر القاعدة الشرعية "ليس منا من تشبه بغيرنا" ثم أفتاه في النازلة.

стр. 306

وهذا على نحو ما رباهم النبي ﷺ ، يحيلهم على القواعد الجوامع حتى عرفوها، كما روى البخاري [٤٠٨٧] عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البِتْعُ والمِزْرُ فقلت لأبي بردة ما البتع؟ قال: نبيذ العسل والمزر نبيذ الشعير فقال: كل مسكر حرام اه وروى البخاري [٤٦٧٨] عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: الخيل لثلاثة فذكر الحديث ثم قال: فسئل رسول الله ﷺ عن الحُمُر قال: ما أنزل الله علي فيها إلا هذه الآية الفاذة الجامعة (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) اه وروى مسلم [٦٦٨٠] عن النواس بن سمعان قال: سألت رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال: البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس اه وروى البخاري [٢٦٤٥] عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ في بنت حمزة: لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، هي بنت أخي من الرضاعة اه روى الترمذي [١٩٧٠] وحسنه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ كل معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إناء أخيك اه ونظائر هذا في سنة نبي الله كثير. فهؤلاء الفقهاء أصحاب النبي يبينون المعاني الشرعية المقصودة للعمل، وهي التي اتبعها النبي ﷺ وكانت سنة، فمن استغنى بها كُفي، ومن أدمنها تعلم اللسان، وعرف منهاج البيان، وأين منها كلمات المتأخرين الباردة! وإنما العلماء أصحاب محمد رحمة الله عليهم وحشرنا معهم كما رزقنا محبتهم بفضله سبحانه. فصل في بيان دخول البدعة في العادات رأينا السلف في " باب ما سمي من العادات بدعة " وصفوا طائفة من معاملات الناس بالمحدثات على وجه الإنكار. فإن قيل: هي تسمية لغوية. قلنا: فلمَ ذموها وذكروا معانٍ شرعية وأدلة شرعية؟ مما يبين أن الذم في تلك الآثار لمعنى شرعي. فالتسمية إذًا شرعية، فيدل على دخول البدعة في العادات، وأقصد بالعادات كل ما لم

стр. 307

يكن في نفسه قربة، وليس العرف خاصة. ومن أوضح الشواهد على ذلك حديث القاسم عند مسلم [١٧١٨] إذ ألغى عملا " ليس قربة " وذكر قول النبي ﷺ : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد اه وهذا الحديث هو أصل في رد محدثات "التعبد"، وراوي الحديث أدرى بما روى. ولم يزل العلماء يردون كثيرا من العادات في الجنائز والأعراس وغيرها .. ويسمونها بدعا (١). وقد علم أن الدين أحصى كل أعمال بني آدم حكما وشرع فيها سننا، ففرض المواريث ونظم أحكام الجوار والبيوع والرضاع والقضاء .. وأوصى الخلق بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فيها. والطاعةُ في ذلك كله هي التعبد عينه، وكل ذلك هو الدين المطلوب طاعة أمر الله ورسوله فيه، كما قال تعالى (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) الآيات [التوبة ٢٩] وهو ما كانوا يستبيحون كالخمر والخنزير مما أحدثوه في شريعة عيسى ﵇. لذلك كان معنى قول النبي ﷺ : " أمرنا " هو ديننا كما في بعض الروايات (٢) وهو الصراط المستقيم بقرباته وعاداته. فإن قيل: تعريف البدعة بأنه ما يضاف إلى الشرع وليس منه مشعر بأن من أعمال بني آدم ما ليس من الشرع! وهذا مشكل على ما تقرر من أنه قد أحاط بكل شيء حكما؟! الجواب: أن قولنا ما ليس من الشرع أي ما لم يوضع للعمل به. فإذا قلنا أن المعاصي مثلا ليست من الدين لا أن الشرع لم يسن فيها حكما ولكن أن ليست مما يؤمر بفعله (٣).

стр. 308

وذلك أن التشريع الأصلي والسنة والصراط والدين الذي جاء به النبي ﷺ هو العبادة أي مطلق الطاعةِ والعملِ الصالح قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) [الذاريات ٥٦] وهو العمل الصالح الذي يطلب أصالة من العباد، لذلك إنما يُذكر في أعمال الأنبياء وأهل الجنة العملُ الصالح (اعملوا آل داود شكرا) [سبأ ١٣] (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) [المؤمنون ٥١] (آمنوا وعملوا الصالحات) [البقرة ٢٥] فإنما يذكر العمل بما فيه ترك ما لا يحبه الله، وهذا هو الصراط الذي به يسار إلى الله تعالى .. دون ما يتسامح في فعله أو يعفو الله عنه كالخطأ واللغو أحيانا ونحو ذلك .. لكن ما يسلك به إلى الدار الآخرة هو السنة، وهو الذي يسميه الأصوليون مطلوب الفعل، وهو الواجب والمستحب والمباح، والواجب واجب الفعل وهو الفرض وواجب الترك وهو المحرم، والمستحب يدخل فيه مستحب الترك وهو المكروه، والمباح هو مطلوب بالكل كما تمهد قبل. كل ذلك من المحبوب الإتيان به فعلا أو تركا، واللفظ الجامع له هو السنة. ولا يشكلن ما وراء ذلك من وسائل المعاش التي قال فيها النبي: أنتم أعلم بأمر دنياكم (١)، كطريقة الحرث والزرع وتلقيح النخل ووضع السدود والصناعات .. فإنه مما سكت عنه الشرع لا مما أهمله أي مما أقر الناسَ على سنتهم فيها، من جنس الأمر بالعرف الجاري ما كان لا يخالِف سنة. وكيف يُظن وكثير من ذلك هو من "الضروريات" فيه أو مما يخدمها! لكنما وَكَلَها إلى ما جبلوا عليه (٢)، قال أحمد [الزهد ٣١٧] حدثنا عبد الرحمن قال: سمعت مالكا قال: قال عطاء بن يسار: دينَكم دينكم، لا أوصيكم بدنياكم، أنتم عليها حراص، وأنتم بها مستوصون اه

стр. 309

والدين والفطرة كل من عند الله (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) [الروم ٣٠] فسوى بين الفطرة والدين. فما علَّمه الرب سبحانه لابن آدم بالفطرة وَكَلَه إليها ولم يؤكده شرعا لأنه (خلق فسوى) و (قدر فهدى) [الأعلى ٤] فهداه بالفطرة إلى وجوه الانتفاع، إلا إذا غلط العباد في شيء من أمور معاشهم نطقت السنة لردهم إلى الفطرة كالنهي عن لحوم السباع .. فهذا منهاج شرعي من لم يبصُر به ظن أن الدين أهمل أمور الدنيا! والصواب أنه أقرها يرقبها. وهذا كما ترك النبي ﷺ الوصاة لأبي بكر بالخلافة لما علم أنه لن يكون قدرا إلا كذلك وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر اه [م ٦٣٣٢]. لكن أمور الدنيا منها ما هو من المباح المطلوب، ومنه ما هو من العفو المعذور أهله (١) .. والعفو من الله مثل الإقرار من النبي ﷺ حكمه الجواز رفعا للحرج. وقد تبين أن ما ثبت بالتقرير ليس المقصودَ أصالة من البعثة، أي ليس الذي وضع أصالة للتدين، ولكن من فعله سُكت عنه كما سكت النبي ﷺ عمن فعله. والمقصود أن معنى ما يضاف إلى الشرع أي إلى المطلوب فعله والسير عليه، وهو السنة واجبها ومندوبها ومباحها الذي يؤمر بفعله، ما سوى ذلك ليس من السنة ولا من الدين، لا بمعنى أنه أهمله، ولكن بمعنى أنه لا يتخذ عملا للآخرة وهو المحرم والمكروه والمسكوت عنه كما تقدم في فصل المباح والعفو. فمن واقع مكروها وزعم أنه محبوب فقد أضاف إلى الدين - أي إلى ما يتدين بفعله - ما ليس منه فهو محدث رد، وهكذا سائر من عمل عملا ونسبه إلى الدين فقد تدين به، والتدين في لسان العرب الطاعة (٢) فهو عند نفسه مطيع إذ ظن أنه مطلوب منه .. وإنما الاتباع بإحسان أن تأخذ العمل بِنِيَّتِهِ كما تمهد.

стр. 310

وعليه يقال: إما أن تُعَرَّف البدعة بأنها ما يضاف إلى الشرع فيشمل المباحات، فعلة الابتداع حينئذ نسبته إلى الشرع، كراكب المعصية، هي معصية ما كان يعترف أنها معصية، لكن إن ظن أنها مباح كانت بدعة لأن معناه نسبته طلب الشرع عمله، وقد عرفنا أن المباح سنة مطلوبة. وهذا هو السبيل الأمثل الذي درج عليه الناس أول الأمر، وبه يزول الإشكال من أصله، ويتضح دخول البدعة في العادات. أو نقول في البدعة: أنها معلقة بالتعبد، فالتعبد له وجهان: - استعمال بالمعنى العام الذي تقدم ذكره وهو مطلق العمل بالشرع أو بما ظُن أنه من الشرع، فلا إشكال في دخول التعبد بهذا المعنى في العادات إذ التعبد لله طاعة أمره، فمن زعم في شيء عمله أنه مأمور به فعلا أو تركا فقد تعبد. ومعنى الطاعة والامتثال أظهر في ما حجب عنا حكمته مما أَلحَقَه العلماء بالتعبد الذي يعمل به ولا يعقل معناه. كما في قصة سعيد مع ربيعة الرائي في دية الأصابع قال له: هي السنة يا ابن أخي اه ومن هذا الضرب مقادير الحدود والمواريث .. وهذا التعبد الذي هو فعل الله ﵎ أي حجب الحِكم وابتلاء العباد بالطاعة (١). إلا أنه على هذا الوجه مراتب أعلاها وأظهرها الاحتساب وتجديد نية الأجر في كل عمل، وأدناها وهو أدقها أن يعمل معتقدا أنه داخل الشرع من غير حضور نية الاحتساب الخاصة، فإنه قد دخل في عقد عام مع ربه وميثاق مجمل أن يلتزم بطاعة أمره وألا يتعدى حدوده، فحيث اعتقد في شيء أنه مباح طيب دون أن يكون في الدين كذلك فقد تعبد وابتدع. - أو التعبد بمعنى الاحتساب و نية التقرب التي يصير معها العمل مستحبا كما كان معاذ يحتسب نومته، فهو جار في العادات، إلا أنه إما تعبد حقيقي وهو ما يكون عند وجود نية التقرب والاستعانة على الطاعة، وإما أنه ذريعة إلى ذلك، وهو إذا اعتقده من الدين وأضافه إليه، فهذا الاعتقاد مَظِنة وجود الاحتساب آنا أو مآلا. فإذا عمل العبد عملا غير مطلوب للشرع يظن أنه مطلوب فهو بدعة من باب الوسائل

стр. 311

على هذا الوجه، فلربما أخذت الذرائعُ ألقاب مقاصدها كما تأخذ أحكامها، مثل ما في الحديث: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة: فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه اه [م ٢٦٥٧]. فسمى الوسيلة تسمية الغاية. كذلك قوله ﷺ : إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قيل: يا رسول الله وكيف يلعن الرجل والديه؟! قال: يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه اه [خ ٥٦٢٨] فسمى التسبب إلى اللعن لعنا. فعلى هذا الوجه يسمى بدعة ما كان مظنة لأن يصير متعبدا به بأن يلحق بما مثله في الشرع عبادةٌ وهو المطلوب الفعل، من غير أن يكون في الشرع كذلك وهو المُزهَّد فيه. فتكون البدعة على هذا الوجه منها ما يسمى بدعة من باب المقاصد وهو ما تحقق فيه نية التقرب، ومنها ما يكون من باب الوسائل. وعليه تعرف البدعة بأنها ما التُمس به الثواب أو كان مظنة لذلك. والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أن الأول يسمى فيه العمل الذي هو ذريعةٌ على الوجه الثاني بدعةً حقيقة، لأن العلة هي الإضافة إلى الدين احتسب ذلك أو لم يحتسب أجرا، وهو الأصح الأجرى على هدي الأولين، لذلك قال النبي ﷺ : "من أحدث في أمرنا" أي زاد فيه وأضاف إليه ما ليس منه، لذلك عدها أهل العلم من السلف افتراء على الله، وبينوا أن المبتدع داخل في الآيات والأحاديث المتوعدة للمفترين كما قال سفيان في قول الله تعالى (إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين) قال: كل صاحب بدعة ذليلٌ اه [تفسير ابن أبي حاتم ٩٠٠٨] أي أن قوله سبحانه (وكذلك نجزي المفترين) قاعدة في سياق خبر خاص عن بني إسرائيل لما أحدثوا بعد نبيهم في دينه ما ليس منه فكانوا بذلك مفترين، فجاء جامع من جوامع الكلم ليدل على أنه حكم عام. والله أعلم. وسواء علينا إذ كان بدعة على الوجهين قلنا هو من باب الذرائع أو المقاصد اللطيفة .. إذ القصد الاجتناب وهو واقع على الوجهين. فتبين أن البدعة على كل حال داخلة في العادات من غير إشكال، والحمد لله.

стр. 312

فرق: يتعين تحرير فرق بين البدعة والمعصية، إذ كلاهما مخالفة في الدين، وبابهما من حيث النهي واحد، لكن يتزايلان من وجه، وهو أن المعصية ما اقتحمه المرء عالما بالنهي من غير شبهة فالحامل له عليها هو الشهوة لا الشبهة. أما البدعة فتكون مع اعتقاد الإذن أو الطلب، يظن صاحبها أنه مطيع ممتثل. بخلاف المعصية تكون مع إقرار النفس بأنها مخالفة وليس فيها افتراء على الله ورسوله. لذلك كان تُرجى التوبة من العاصي بخلاف المبتدع (١). ولا بد لكل عامل من عقد قلب ونية، فما لم يكن معصية كان بدعة. إذا تبين هذا عرفنا وجه الابتداع في التزام غسل اليدين عند الطعام، أنه لزعم صاحبها أنها من مكارم الأخلاق التي يؤجر عليها ابن آدم وليست في السنة كذلك. وقد عرفنا أن المباح - وهو خاصة أمور العادات - لا ينبغي أن يعتقد مستحبا، لأنه حينئذ ينسب إلى المحبوب في الشريعة ما ليس منها. لذلك أنكره مالك حين عُدَّ مكرمة وأدبا، وهو عنده مباح في الأصل (٢)، إذ لو كان أدبا لكان أولى به نبي الله ﷺ وأصحابه. وكل عادة تجعل من مكارم الأخلاق المطردة تخالف العمل الأول فإن فيها مفسدة باطنة لزوما كالذي يرى أن غسل اليدين عند كل طعام أدب ومكرمة، حتى إذا عرف أن النبي ﷺ لم يلتزمها وأصحابه سبق إلى نفسه أنهم لم يكونوا على ما ينبغي من المحاسن! وهو بذرة نفاق (٣). لذلك لم تخلُ بدعة من سموم قد انطوت عليها ..

стр. 313

ويَبين وجهُ الابتداع في نصب الخيام على القبور، لتوهم النفع فيه وإكرام الميت به، فأدخل في صالحي الأعمال المطلوبة شرعا وفطرة. ووجه من سمى اليمين مع الشاهد بدعة ونحوها .. لإضافتها إلى الدين، واعتقاد صاحبها أنه عامل في القضاء بالشرع، وهو أيضا مظنة التماس الأجر على الطاعة .. كذلك كان من طلق في الحيض مُطَلِّقا في بدعة لظنه أن ذلك جائز، فنسب بفعله إلى الشرع جواز ذلك، فكأنه أراد أن يسرحها بإحسان عملا بالآية، فخالف السنة في الطلاق. ومنه قول عمر بن عبد العزيز: "وإظهارك المعازف والمزمار بدعة في الإسلام " فقوله: "إظهارك .. في الإسلام" مظنة استباحته لها ونسبة الترخيص فيها إلى الشرع، أو أن الإظهار مع السكوت عنه مظنة اعتقاد جواز ذلك، وهذا إضافة حكم إلى الشرع ليس منه. ومنه قول مالك في إحفاء الشارب: " ينبغي أَنْ يضرب من صنع ذلك فليس حديث النبي ﷺ في الاِحفاء ولكن يبدى حرف الشفتين والفم". وقوله: "حلق الشارب بدعة ظهرت في الناس "، أي أنهم فعلوه على أنه سنة الفطرة، لذلك ذكر الحديث الذي تأولوا ذلك منه (١). فأنت ترى أن ما نسب إلى الدين، أو خيف أن يغيَّرَ عن رسم الشريعة بوجه منعوه وسموه بدعة وحدثا لم يكن، وإن قُدِّر أنه من باب الذرائع. فتأمل هذه النكتة ونزِّل عليها ما أشكل من الآثار يتبين وجه إطلاق اسم البدعة على العادات، فقد كان السلف أعمق علما وأَحَدَّ نظرا، فَلَرُبَّ عمل عندنا هو أدق من الشَعَر، كان عندهم أوضح من الأعلام. وكثير من أبناء زماننا دب إليهم لوثة الروم الذين فصلوا الدين عن الحياة، وغفلوا عن معنى الابتداع في العادات، وظنوا أنها كلها مرسلة .. ! ولم يفرقوا بين الوسائل التي وضعت تقبل التغير مع الزمان والأحوال .. والمقاصد التي جاء الشرع بمراعاتها ..

стр. 314

فما سن النبي ﷺ وكان كذلك زمن الخلفاء فالأصل أنه تشريع قائم وحكم دائم (١)، وما استشار فيه أصحابه أو أخبرهم برأي فهو إعلام منه أنه مما يرِد فيه الاجتهاد على حسب الحال واختلاف الزمان .. وإن من الفقه أن تنتبه إلى منهاج التشريع فإنه يفتح أبوابا من العلم مشرعة .. وإن منشأ الغلط من إحداث جوامع للكلم تضاهي الشرعية، فاغتروا بعموم من قال أن عادات الناس مرسلة، فصارت دليلا شرعيا يجمع بينه وبين كلام الله ورسوله عند "التعارض"، ولم يكن هذا من جوامع الكلم التي بينها رسول الله للعلماء من أصحابه .. وما صح منه إلا ما وافق السنة، والعيب فيه إطلاق العموم وإدخاله في جوامع الكلم .. وإنما الأمر أن تتبع السنة فما وجدت فيها نهيا تركته، وما جرت به السنة فعلته، وما سُكت عنه فهو عفو .. وملاك الأمر أن نقول في كل ما يحدث بعد النبي ﷺ من العادات ضربان (٢): - الأول: ما كان من جنس ما لا يتغير مع الأزمان كآداب الدفن وآداب الطعام والشراب .. هذا النوع جاء الشرع فيه بالأدب العام الذي هو من جنس سنن الفطرة التي لا تبديل لها .. فخير الهدى فيه هدى محمد ﷺ . ومن سن فيه أدبا ليُتخذ عادة فهو استدراك. لذلك كان القول بحلق اللحية وحلق الإبط بدعة ظهرت في الإسلام لأن إعفاء اللحية ونتف الإبط من سنن الفطرة .. وهكذا كل ما كانت مظنة الأخذ به زمن النبي ﷺ ثم لم يَسُنَّه فالسنة إهماله .. وكيف يكون من الأحكام المطلوبة في الشرع مما لا يختلف مع الأزمان والأمم ثم لا يدل أمته عليه؟! - الثاني: ما كان يتغير مع اختلاف الأزمان والقرى .. مما كان النبي ﷺ والخلفاء يقرونه في أهل الآفاق على اختلافهم كهيئات اللباس الساتر .. وما كان يستشير فيه أهل العلم من أصحابه .. كذلك سائر ما أحال الشرع فيه على العرف كمقادير الصداق والنفقة .. فالنبي ﷺ لم يوقت فيه شيئا، وإنما أرشد إلى اتباع ما تعارف عليه الناس، وما

стр. 315

ظهرت مناسبته، كما دل حديث ابن عباس قال: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد اه [خ ٥٥٧٣/ م ٦٢٠٨] فما ثبت فيه سنة مطردة فكل محدثة بعده ضلالة، وإلا فهو عفو. والله تعالى أعلى وأعلم. فصل في بيان أن كل فتوى لم يكن عليها الأولون فهي بدعة ما تقدم من الجوامع سارٍ هنا إذ الفتاوى - وهي مما يضاف إلى الدين من الأحكام - لا يجوز فيها إحداث قول لم يكن عليه السابقون، ليس النوازل التي لم تكن زمن النبوة والخلفاء. إذ الأحكام في الشريعة نوعان: نوع ثابت لا يتغير مع الزمان، وهو الأصل في الأحكام كسائر القربات وأغلب المعاملات مما له حكم ثابت في العهد الأول. ونوع مسكوت عنه واقع بعد أن لم يكن وهي النوازل كالصلاة في الطائرة، وأنظمة السير .. فالأول ليس لأحد أن يحدث فيه قولا جديدا لم يكن، و إن اختلفوا على قولين، فهو اتفاق منهم على أن ما دون القولين خطأ. ولو تأملت أدلة الإجماع لوجدتها في الحقيقة أدلة النهي عن البدعة إذ فائدة البحث في الإجماع هو الامتناع من إحداث قول جديد. أما النوازل التي لم يكن المقتضي للحكم فيها فإنها ترد إلى نظائرها في العتيق بما يشبه أن لو عرضت على رسول الله أو أحد أصحابه لقضى فيها بنحوه. والله أعلم. فانظر كيف أن أطراف البدعة منتشرة في كافة أمور الدين في الشريعة والمنهاج، وفي العبادة والعادة، والفعل والترك، والمقاصد والوسائل، والظاهر والباطن، واللفظ والمعنى .. فحاجة المرء إلى معرفة ضوابطها أكثر من حاجته إلى كثير مما يخاض فيه إذ هي نصف الدين، لأن الدين فعل وترك، أمر ونهي، سنة يؤمر بها فتفعل، وبدعة ينهى عنها فتترك. روى أبو إسماعيل الهروي [ذم الكلام وأهله ١٨] عن أبي عبيد قال: جمع النبي ﷺ

стр. 316

جميع أمر الآخرة في كلمة: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد. وجمع أمر الدنيا في كلمة: إنما الأعمال بالنيات، يدخلان في كل باب اه فصل في معرفة ما يعفى عنه من الاختلاف في الدين وسُنَنِهِ جاء النبي ﷺ لتعليم الناس ما ينفعهم، ويحكم بينهم فيما فيه يختلفون. ثم أنذر الأمة، وأخبر أن الخلاف واقع فيها كحال الذين من قبل، وأنه كائن متى نسي الناس حظا مما ذكروا به كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة ١٤] ومهما اختلف الناس فنسوا، فلا تنس هذه القواعد المحكمة: أ- قول الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء ٨١] وهذه الآية أصل في أن الدين كله لا اختلاف فيه، وما ظُن اختلافا فإنما يحتاج إلى تدبر لذلك قال (أفلا يتدبرون القرآن) وهذه قضية معلومة بالضرورة لا تحتاج إلى استدلال إلا الذكرى. ب - قول الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) [النساء ٥٨] وهو من جوامع الكلم الدالة على أن كل ما ينفع الناس في دينهم مبين في الكتاب والسنة، ولفظ "شيء" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل شيء صغر أو كبر فإن جوابه عند الله في الكتاب وعند رسوله ﷺ في السنة. وقال سبحانه (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) [يونس ٥٧] أي شفاء لكل ما يختلج في الصدور، فكل مسألة دقت أو عظمت ففي القرآن الشفاء من اللَّبس الوارد عليها. وقال جل وعلا في سورة النحل (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) [النحل ٨٩] وقال (ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء) [يوسف ١١١] وغيرها كثير. وقد قسم النبي ﷺ أحكام الشريعة من حيث البيان إلى ثلاثة: حلال بين، وحرام بين، وشبهات غامضة لا يعلمها إلا القليل لجهلهم بحدود ما أنزل الله على رسوله، فقال ﷺ : إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس اه [خ ٥٢/ م ١٥٩٩] أي يعلمهن القليل وهم الراسخون.

стр. 317

فمن عمي فلا يعمَ بالظن بربه ولا بنبيه، فذاك عسى أن يُبَصّر بالحق الذي اختلفوا فيه .. لذلك فالخلاف الحاصل بين الفقهاء لا يعني أن أصله في الشرع، ولكن كل قد سعى، والمصيب من وافق حكم الله لمِا قال النبي ﷺ : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه [خ ٦٩١٩/ م ٤٥٨٤]. وإن تعجب فعجب قول من زعم أن في الشرع "منطقة العفو" مجال فراغ تشريعي للمجتهدين تُركت لتُملأ بما ظهر لأحدهم!! وهذه من أنكر البدع في أصول الاستدلال .. وإنما نادى بها دارس "القانون" غير عالم بالشرع، جعل شريعة أحكم الحاكمين بمنزلة القانون المحدث الذي يترك واضعوه لأنفسهم فراغا يغيرون منه ما ظهر لهم!! وربما استظهر على ذلك بما صح أن ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته (وما كان ربك نسيا). وهذا والله العجب! دليل على أن الشرع لم يترك شيئا إلا تناوله بحكم، يُقلب الاستدلال به قلبا؟!! إن العفو من الله تشريع مثل ما سمي "السنة التقريرية" في حق رسوله ﷺ ، لم يزل العلماء يحتجون بهذا الأصل على إباحة ما عفي عنه. بل وجعل المتأخرون الأحاديث فيه من الأدلة على أن "الأصل في الأشياء الإباحة ". والمباح في السنة من حيث منهاجُ التشريع نوعان: حلال مأذون فيه مرَغَّب، وعفو مسكوت عنه كما تقدم. فإذا كان الشيء من أمور الناس واقعا زمن النبي ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ولا يفتش فيه بقياس أو استنباط .. إنما القياس - أي للمتأخرين - في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ النبي ﷺ ثم لم يتكلم فيه ولا أحد من فقهاء أصحابه فقد تبين قصد العفو عنه. وهذا كالريح الخارجة من قُبُل المرأة، هو فطرة أكثر النساء، والمقتضي للأمر بالوضوء منه زمن النبي ﷺ كان قائما، ثم عفا عنه، ومن جعله من نواقض الوضوء قياسا على الريح الخارجة من الدبر غلط.

стр. 318

وقد تبين أن العفو مسكوت عنه لرفع الحرج، لذلك قال الله تعالى (إن تبد لكم تسؤكم) وقال نبيه ﵊ "فاقبلوا من الله العافية" بحيث لم يفرض عليكم أمورا كالحج كل عام فيكون إصرا عليكم، ولم يحرم عليكم أمورا كاللهو واللعب اليسير فيكون غلا من جنس الأغلال التي كانت على الذين من قبلكم. فبين أن السكوت ليس إهمالا لذلك قال " فإن الله لم يكن نسيا". فما استشار رسول الله أصحابه فهو بيان منه أنه موضع اجتهاد، وما أمرهم فبيان أنه موضع امتثال، وما سكت عنه وتركه فبيان أنه مما يزهد ولا يخاض فيه، وما ذكر علته فبيان منه أنه مما يوزن به نظائره .. وكل ذلك منهاج مقصود، تأسى به الراسخون في العلم من أصحابه، والعلماء ورثة الأنبياء. وكثير من الخلق يظن أن "الأدلة الشرعية " هي القرآن والسنة والاجتهاد (القياس/ الاستحسان/ الاستصلاح .. ) فيخطئ فهم الكمال والبيان، ويرى القرآن دليلا بين أدلة كثير .. وإنما الحق أن العلم كله هو القرآن، والسنة بيان لوجوه العمل به. فالاستحسان من العالم الوارث هو الرخصة التي تذكر مع العزائم في مباحث الأحكام .. فترخُّص النبي في الأمر أصل يتأسى به في مثله العالم من أصحابه عند الحاجة، فيستحسن أي يترخص اتباعا لمنهاج العمل بالعلم .. إلا أن ترخص النبي ﷺ سمي رخصة على أصله، وسمي ترخص العالم في ما بعدُ استحسانا، ولو بقي اللفظ الشرعي على أصله لزال اللَّبس، ولعُلم أن ترخه سنة متبعة (١)! لا دليل مستقل. وقد كان النبي ﷺ يأخذ بما سمي "المصالح المرسلة" كما قال أنس بن مالك رحمة الله عليه: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة اه [خ ٢٧٨٠] ليبين للعلماء أنه متى ما احتيج إلى مثل ذلك عند النوازل فلهم فيه أسوة حسنة ..

стр. 319

وقد أخذ النبي ﷺ بالقياس الصحيح الذي هو الميزان كما روى مالك [١٢٩٣] عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء. فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك اه فنبه إلى مأخذ الحكم ليعلمهم أن هذا المعنى جار في نظائره إذا أتى عليها (١)، نعم هو تعليل لإفهام السائل، ووراء ذلك تنبيه على مأخذ الحكم وسنةِ العمل في أشباهه (٢). وقد عمل النبي ﷺ بالعرف كما قال عبد الله بن عباس: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد اه [خ ٥٥٧٣/ م ٦٢٠٨] ومثل هذا هو أصل العمل بالعرف عند العلماء الوارثين. كل هذا كان من الحكمة التي أوتيها ﷺ ، فلفظ "الحكمة" جامع لوجوه حسن التصرف بالعلم .. فالدين مكتمل، والعلم كتاب الله، والسنة حكمته وبيان لوجوه العمل به. ومن ضيع منهاج البيان أورِث لبسا كثيرا .. و قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) [النساء ٦٤] الآية، أي في كل ما شجر بينهم لأن لفظ "ما" اسم موصول يفيد العموم، فلا يؤمنون حتى يحكموك ويقبلوا حكمك في كل ما شجر بينهم، أي في كل نزاع واختلاف حصل بينهم، وهذا فيما تحته عمل، وما ليس كذلك فقد نهينا عن الخوض فيه سلفا. وهذا بيان محكم يوجب العلم بأن قصد الشرع رفعُ النزاع والحكمُ بين الخلق .. فكيف يؤفك من زعم أن الخلاف "ظاهرة صحية" مأذون فيها!! بل كل اختلاف هو مطية إلى التنازع والتفرق ..

стр. 320

ج - قول الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون) [المومنون ٣] وهو من جوامع الكلم، فاللغو هو اللاغي الذي لا خير فيه. وهذه جملة اسمية تفيد الثبوت والدوام، أي أن هذا الوصف ثابت لا ينفك عن المؤمنين. وكل مسألة تضاف إلى الدين ليس تحتها عمل، أي لا تنفع عند الله فبحثها إضاعة للوقت واشتغال بما لا ينفع. وقد كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع [م ٢٧٢٢]. وقد مدح الله أصحاب الكهف بأنهم (آمنوا بربهم وزدناهم هدى) [الكهف ١٣] فقص علينا من هديهم أنهم لما بعثهم من مرقدهم قال بعضهم (لبثنا يوما) وقال الآخر (بعض يوم) ثم قالوا وقد فطنوا إلى عدم الفائدة من هذا الأمر (ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه) فتلهوا عن ذلك بالأنفع لهم. وله شواهد أخرى يغني عنها ما تقدم (١). فكل مسألة لا تنفع العبد في عمل فقد نهي عنها، وإن كانت مما أمر به غيره. قال يعقوب بن سفيان في المعرفة [١/ ٥٥٠] حدثنا زيد بن بشر الحضرمي وعبد العزيز بن عمران الخزاعي قالا أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه. قال: وربما سئل عن الشيء من ذلك فيقول: هذا من خالص السلطان اه فكيف بمن استرسل في التكفير والحكم بالردة على أعيان العصاة؟! هداهم الله. لذلك كان من نصح المفتي العدولُ بالسائل عن الجواب إذا كان لا ينتفع بمسألته أو يتضرر بها (٢)، كما فعل النبي ﷺ لما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها" [خ ٥٨١٥/ م ٦٨٧٩] وكما في حديث أبي فراس المذكور، حيث علمهم ما يسألون عنه، حين سألوا عما لا ينبغي. فبين لهم هذا المنهاج لذلك التزموه بعد نبيهم فَقَلَّ بينهم الخلاف. قال أبو خيثمة زهير بن حرب [العلم ١٠] ثنا محمد بن خازم ثنا الأعمش عن
следующие страницы →