← Общие книги

Общие книги · id 1246

الصحيح المنتخل من كلام الأولين في بدع العمل

محمد بن مبارك حكيمي

Полный текст (400 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

جميع أمر الآخرة في كلمة: من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد. وجمع أمر الدنيا في كلمة: إنما الأعمال بالنيات، يدخلان في كل باب اه فصل في معرفة ما يعفى عنه من الاختلاف في الدين وسُنَنِهِ جاء النبي ﷺ لتعليم الناس ما ينفعهم، ويحكم بينهم فيما فيه يختلفون. ثم أنذر الأمة، وأخبر أن الخلاف واقع فيها كحال الذين من قبل، وأنه كائن متى نسي الناس حظا مما ذكروا به كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة ١٤] ومهما اختلف الناس فنسوا، فلا تنس هذه القواعد المحكمة: أ- قول الله تعالى (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء ٨١] وهذه الآية أصل في أن الدين كله لا اختلاف فيه، وما ظُن اختلافا فإنما يحتاج إلى تدبر لذلك قال (أفلا يتدبرون القرآن) وهذه قضية معلومة بالضرورة لا تحتاج إلى استدلال إلا الذكرى. ب - قول الله تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) [النساء ٥٨] وهو من جوامع الكلم الدالة على أن كل ما ينفع الناس في دينهم مبين في الكتاب والسنة، ولفظ "شيء" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل شيء صغر أو كبر فإن جوابه عند الله في الكتاب وعند رسوله ﷺ في السنة. وقال سبحانه (قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور) [يونس ٥٧] أي شفاء لكل ما يختلج في الصدور، فكل مسألة دقت أو عظمت ففي القرآن الشفاء من اللَّبس الوارد عليها. وقال جل وعلا في سورة النحل (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء) [النحل ٨٩] وقال (ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء) [يوسف ١١١] وغيرها كثير. وقد قسم النبي ﷺ أحكام الشريعة من حيث البيان إلى ثلاثة: حلال بين، وحرام بين، وشبهات غامضة لا يعلمها إلا القليل لجهلهم بحدود ما أنزل الله على رسوله، فقال ﷺ : إن الحلال بين وإن الحرام بين، وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس اه [خ ٥٢/ م ١٥٩٩] أي يعلمهن القليل وهم الراسخون.

стр. 317

فمن عمي فلا يعمَ بالظن بربه ولا بنبيه، فذاك عسى أن يُبَصّر بالحق الذي اختلفوا فيه .. لذلك فالخلاف الحاصل بين الفقهاء لا يعني أن أصله في الشرع، ولكن كل قد سعى، والمصيب من وافق حكم الله لمِا قال النبي ﷺ : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه [خ ٦٩١٩/ م ٤٥٨٤]. وإن تعجب فعجب قول من زعم أن في الشرع "منطقة العفو" مجال فراغ تشريعي للمجتهدين تُركت لتُملأ بما ظهر لأحدهم!! وهذه من أنكر البدع في أصول الاستدلال .. وإنما نادى بها دارس "القانون" غير عالم بالشرع، جعل شريعة أحكم الحاكمين بمنزلة القانون المحدث الذي يترك واضعوه لأنفسهم فراغا يغيرون منه ما ظهر لهم!! وربما استظهر على ذلك بما صح أن ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته (وما كان ربك نسيا). وهذا والله العجب! دليل على أن الشرع لم يترك شيئا إلا تناوله بحكم، يُقلب الاستدلال به قلبا؟!! إن العفو من الله تشريع مثل ما سمي "السنة التقريرية" في حق رسوله ﷺ ، لم يزل العلماء يحتجون بهذا الأصل على إباحة ما عفي عنه. بل وجعل المتأخرون الأحاديث فيه من الأدلة على أن "الأصل في الأشياء الإباحة ". والمباح في السنة من حيث منهاجُ التشريع نوعان: حلال مأذون فيه مرَغَّب، وعفو مسكوت عنه كما تقدم. فإذا كان الشيء من أمور الناس واقعا زمن النبي ثم سكت عنه فهو عفو، حكمه الجواز ولا حرج في فعله، ولا يفتش فيه بقياس أو استنباط .. إنما القياس - أي للمتأخرين - في ما بعد التشريع من النوازل الحادثة، أما ما كان زمنَ النبي ﷺ ثم لم يتكلم فيه ولا أحد من فقهاء أصحابه فقد تبين قصد العفو عنه. وهذا كالريح الخارجة من قُبُل المرأة، هو فطرة أكثر النساء، والمقتضي للأمر بالوضوء منه زمن النبي ﷺ كان قائما، ثم عفا عنه، ومن جعله من نواقض الوضوء قياسا على الريح الخارجة من الدبر غلط.

стр. 318

وقد تبين أن العفو مسكوت عنه لرفع الحرج، لذلك قال الله تعالى (إن تبد لكم تسؤكم) وقال نبيه ﵊ "فاقبلوا من الله العافية" بحيث لم يفرض عليكم أمورا كالحج كل عام فيكون إصرا عليكم، ولم يحرم عليكم أمورا كاللهو واللعب اليسير فيكون غلا من جنس الأغلال التي كانت على الذين من قبلكم. فبين أن السكوت ليس إهمالا لذلك قال " فإن الله لم يكن نسيا". فما استشار رسول الله أصحابه فهو بيان منه أنه موضع اجتهاد، وما أمرهم فبيان أنه موضع امتثال، وما سكت عنه وتركه فبيان أنه مما يزهد ولا يخاض فيه، وما ذكر علته فبيان منه أنه مما يوزن به نظائره .. وكل ذلك منهاج مقصود، تأسى به الراسخون في العلم من أصحابه، والعلماء ورثة الأنبياء. وكثير من الخلق يظن أن "الأدلة الشرعية " هي القرآن والسنة والاجتهاد (القياس/ الاستحسان/ الاستصلاح .. ) فيخطئ فهم الكمال والبيان، ويرى القرآن دليلا بين أدلة كثير .. وإنما الحق أن العلم كله هو القرآن، والسنة بيان لوجوه العمل به. فالاستحسان من العالم الوارث هو الرخصة التي تذكر مع العزائم في مباحث الأحكام .. فترخُّص النبي في الأمر أصل يتأسى به في مثله العالم من أصحابه عند الحاجة، فيستحسن أي يترخص اتباعا لمنهاج العمل بالعلم .. إلا أن ترخص النبي ﷺ سمي رخصة على أصله، وسمي ترخص العالم في ما بعدُ استحسانا، ولو بقي اللفظ الشرعي على أصله لزال اللَّبس، ولعُلم أن ترخه سنة متبعة (١)! لا دليل مستقل. وقد كان النبي ﷺ يأخذ بما سمي "المصالح المرسلة" كما قال أنس بن مالك رحمة الله عليه: لما أراد النبي ﷺ أن يكتب إلى الروم قيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة اه [خ ٢٧٨٠] ليبين للعلماء أنه متى ما احتيج إلى مثل ذلك عند النوازل فلهم فيه أسوة حسنة ..

стр. 319

وقد أخذ النبي ﷺ بالقياس الصحيح الذي هو الميزان كما روى مالك [١٢٩٣] عن عبد الله بن يزيد أن زيدا أبا عياش أخبره أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن البيضاء بالسلت فقال له سعد: أيتهما أفضل؟ قال: البيضاء. فنهاه عن ذلك، وقال سعد: سمعت رسول الله ﷺ يُسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال رسول الله ﷺ : أينقص الرطب إذا يبس؟ فقالوا: نعم. فنهى عن ذلك اه فنبه إلى مأخذ الحكم ليعلمهم أن هذا المعنى جار في نظائره إذا أتى عليها (١)، نعم هو تعليل لإفهام السائل، ووراء ذلك تنبيه على مأخذ الحكم وسنةِ العمل في أشباهه (٢). وقد عمل النبي ﷺ بالعرف كما قال عبد الله بن عباس: كان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم، وكان المشركون يفرقون رؤوسهم، وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر به، فسدل رسول الله ﷺ ناصيته، ثم فرق بعد اه [خ ٥٥٧٣/ م ٦٢٠٨] ومثل هذا هو أصل العمل بالعرف عند العلماء الوارثين. كل هذا كان من الحكمة التي أوتيها ﷺ ، فلفظ "الحكمة" جامع لوجوه حسن التصرف بالعلم .. فالدين مكتمل، والعلم كتاب الله، والسنة حكمته وبيان لوجوه العمل به. ومن ضيع منهاج البيان أورِث لبسا كثيرا .. و قال الله تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم) [النساء ٦٤] الآية، أي في كل ما شجر بينهم لأن لفظ "ما" اسم موصول يفيد العموم، فلا يؤمنون حتى يحكموك ويقبلوا حكمك في كل ما شجر بينهم، أي في كل نزاع واختلاف حصل بينهم، وهذا فيما تحته عمل، وما ليس كذلك فقد نهينا عن الخوض فيه سلفا. وهذا بيان محكم يوجب العلم بأن قصد الشرع رفعُ النزاع والحكمُ بين الخلق .. فكيف يؤفك من زعم أن الخلاف "ظاهرة صحية" مأذون فيها!! بل كل اختلاف هو مطية إلى التنازع والتفرق ..

стр. 320

ج - قول الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون) [المومنون ٣] وهو من جوامع الكلم، فاللغو هو اللاغي الذي لا خير فيه. وهذه جملة اسمية تفيد الثبوت والدوام، أي أن هذا الوصف ثابت لا ينفك عن المؤمنين. وكل مسألة تضاف إلى الدين ليس تحتها عمل، أي لا تنفع عند الله فبحثها إضاعة للوقت واشتغال بما لا ينفع. وقد كان النبي ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع [م ٢٧٢٢]. وقد مدح الله أصحاب الكهف بأنهم (آمنوا بربهم وزدناهم هدى) [الكهف ١٣] فقص علينا من هديهم أنهم لما بعثهم من مرقدهم قال بعضهم (لبثنا يوما) وقال الآخر (بعض يوم) ثم قالوا وقد فطنوا إلى عدم الفائدة من هذا الأمر (ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه) فتلهوا عن ذلك بالأنفع لهم. وله شواهد أخرى يغني عنها ما تقدم (١). فكل مسألة لا تنفع العبد في عمل فقد نهي عنها، وإن كانت مما أمر به غيره. قال يعقوب بن سفيان في المعرفة [١/ ٥٥٠] حدثنا زيد بن بشر الحضرمي وعبد العزيز بن عمران الخزاعي قالا أخبرنا ابن وهب قال أخبرني ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة قال: ما سمعت أبي يقول في شيء قط برأيه. قال: وربما سئل عن الشيء من ذلك فيقول: هذا من خالص السلطان اه فكيف بمن استرسل في التكفير والحكم بالردة على أعيان العصاة؟! هداهم الله. لذلك كان من نصح المفتي العدولُ بالسائل عن الجواب إذا كان لا ينتفع بمسألته أو يتضرر بها (٢)، كما فعل النبي ﷺ لما سأله الأعرابي: متى الساعة؟ قال: "وما أعددت لها" [خ ٥٨١٥/ م ٦٨٧٩] وكما في حديث أبي فراس المذكور، حيث علمهم ما يسألون عنه، حين سألوا عما لا ينبغي. فبين لهم هذا المنهاج لذلك التزموه بعد نبيهم فَقَلَّ بينهم الخلاف. قال أبو خيثمة زهير بن حرب [العلم ١٠] ثنا محمد بن خازم ثنا الأعمش عن

стр. 321

شقيق عن عبد الله قال: والله إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه لمجنون. قال الأعمش: فقال لي الحكم: لو كنت سمعت بهذا الحديث منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي اه تابعه شعبة عن سليمان الأعمش، رواه الطبراني [ك ٨٩٢٤]. صحيح. وروى البخاري [١٢٠] عن أبي هريرة قال: حفظت من رسول الله ﷺ وعاءين فأما أحدهما فبثثته، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم (١) اه وقال الفسوي [٢/ ٣٤٨] حدثنا سليمان بن حرب قال حدثنا حماد بن زيد قال سمعت ابن شبرمة يقول: إن من المسائل مسائل لا يجمل بالسائل أن يسأل، ولا بالمسئول أن يجيب اه صحيح. وروى الخطيب [الفقيه والمتفقه ١١٩٤] بسنده عن محمد بن صدقة قال: جاء رجل إلى مالك، فسأله عن مسألة، فلم يجبه، فقال له: يا أبا عبد الله، ألا تجيبني عما أسألك عنه؟! فقال له مالك: لو سألت عما تنتفع به - أو قال: تحتاج إليه - في دينك أجبتك اه لذلك كان السلف لا يرون عالما من كان يجيب عن كل ما يُسأل كما قال ابن عدي [الكامل ١/ ٩٠] أخبرنا محمد بن أحمد بن حماد أخبرنا ابن أخي ابن وهب قال سمعت عمي يقول: قال لي مالك: إن عندي لحديثا كثيرا ما حدثت به قط، ولا أتحدث به حتى أموت، قال: ثم قال لي: لا يكون العالم عالما حتى يخزن من علمه اه صحيح. ولو أمسك طائفة من المنتسبين إلى السنة اليوم عن أمور ليست إلا لأهل العلم

стр. 322

أو القضاة منهم خاصة، لما بَدَّع بعضهم بعضا، ولما تفرقوا شيعا .. ولو تركوا الخوض في مسائل "مفترضة" في ترك "جنس العمل" وصور مما لا يقع، وإن وقع لم يختلفوا، لأنه من باب القضاء - أو تحقيق المناط - لا أصل الإيمان، ولو قالوا كما قال الأولون: دعها حتى تقع .. ولكنهم نسوا حظا مما ذُكِّروا به، فجرَّحوا وكفَّروا بغير علم، وهم كانوا قبل أيام ينعون على طوائف كلامهم في الدين بغير علم! وأنهم على غير "المنهاج" .. فوقعوا في البدعة وهم منها يحذرون! وقد روى الحاكم وصححه [٣٦٧٤] عن أبي أمامة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : ما ضل قوم بعد هدي إلا أوتوا الجدل ثم قرأ رسول الله ﷺ (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون) اه والله نسأل أن يردنا إلى السنة ردا جميلا. وكم من اللغو دس في العلم والأصول كقولهم: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ وهل كان النبي متعبدا قبل الوحي بدين إبراهيم أم عيسى أم نوح .. !؟ ووجوب شكر المنعم .. فقالوا وخاضوا مع الخائضين، وأغنانا الله بما ربى به النبي أصحابه الراسخين. هـ - قول الله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) [آل عمران ١٠٣] من جوامع الكلم الدالة على ذم كل تفرق. كذلك قول ربنا تعالى جده (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم) [آل عمران ١٠٥] والفعل "تفرقوا" "اختلفوا" مطلق. وقال تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) [هود ١١٨] فاستثنى من الاختلاف المرحومين لأن الاتفاق رحمة والفرقة عذاب كما روي في الحديث (١). ومن تتبع السنة وجدها على هذا السَنَن لا يذكر الاختلاف إلا بالذم، كما في الصحيح لما أرسل النبي ﷺ معاذا وأبا موسى إلى اليمن قال: تطاوعا ولا تختلفا. [خ ٢٨٧٣]

стр. 323

وقام في خطبته ناصحا يقول: ولا تحدثوا حلفا في الإسلام [ت ١٥٨٥] وقال ﷺ : فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة اه فأخبرنا بحصول الاختلاف في الدين، وأن المخرج منه التمسك بسنته ﷺ وسنة أصحابه الخلفاء، والحذر من البدع المحدثات التي هي منشأ الاختلاف. وقال ﷺ : اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فقوموا [خ ٤٧٧٣] أي لا تستمروا في الاختلاف. وقد تقدم من أعمال الصحابة ما شاء الله كما في قصة عمر يوم اختلف أبي وابن مسعود. فالاختلاف ليس مطلوب الوجود، ولكن معفو عنه عند الوقوع لرفع الحرج، فمتى وقع من عالم ولا عالم إلا الصحابة فمن اتبعهم، وإلا فإن خلاف الأصاغر في الدين هو البدعة، لذلك أنكر الصحابة ﵃ على الخوارج والقدرية .. دعاواهم في الاعتقاد والفتوى وهم أصاغر جاؤوا بالمحدثات بعد الكمال .. روى ابن عبد البر [جامع بيان العلم ٥٧٠] بسنده عن نعيم بن حماد قال حدثنا ابن المبارك قال أخبرنا ابن لهيعة عن بكر بن سوادة عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله ﷺ قال: إن من أشراط الساعة ثلاثًا: إحداهن أن يلتمس العلم عند الأصاغر. قال نعيم: قيل لابن المبارك من الأصاغر؟ قال: الذين يقولون برأيهم، فأما صغير يروي عن كبير فليس بصغير اه فالقصد بالأصاغر صغر العلم والعمل أي الاتباع .. لذلك كان وصف المجدد في الناس هو العالم الذي يحيي ما اندرس من الأمر العتيق لا من يأتي بالجديد المحدث .. ومن لم يضبط هذا زعم في إمامه المحبوب أنه مجدد، فيزيد الأمة فرقة واختلافا على ما فيها والله المستعان. إذا فهمنا هذا عرفنا وجه من قال في اختلاف الصحابة أنه رحمة من الله، أي عفو منه سبحانه، فما عفا عنه إلا رحمة بالعباد، إذ أمر باتباعهم وعلم أنهم سيختلفون فعفا عنه رحمة. لكن لا أن الخلاف محبوب مقصود للشرع كائن في السنة! وقد عرفت أن العفو غير مقصود للشرع ولا ينبغي قصده من العبد اختيارا، فتأمل.

стр. 324

ولو نظرت في اختلاف أصحاب محمد ﷺ وجدته على قلته غير حقيقي، فكثير منه اختلاف لفظي ككلامهم في التفسير (١). ومنه ما رجع عنه قائله إلى قول الجماعة مثل ما كان من ابن عمر وغيره في إنكار المسح على الخفين بعد الحدث، قال ابن المنذر: وقد روينا عن ابن المبارك أنه قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف أنه جائز، قال: وذلك أن كل من روي عنه من أصحاب النبي ﷺ أنه كره المسح على الخفين فقد روي عنه غير ذلك اه ومنه ما يكون من باب تغير الفتوى مع الزمان كما تقدم عن علي في تفضيله إفراد الحج، ثم أنكر على عثمان حين نهى عن العمرة في أشهر الحج حتى لبى بهما أمامه [م ٣٠٢٣]، فهذا في نفسه ليس اختلافا. فإذا نخلت اختلافهم ما ألفيت منه إلا القليل، لأجل العلم والسنة. وبالله التوفيق. ذكر مقاصد الشريعة من النهي عن البدع جملة النقول في جزء الآثار تنبيك إن شاء الله عن مقاصد التشريع من النهي عن البدع، والله تعالى أعلم بمراده ورسولُهُ ﷺ : أ - قصد الشرع إلى صون الشريعة من التغيير. فما من بدعة تحيى إلا وسنة تموت. وهل غُيِّر الدين الأول والتوراة والإنجيل .. إلا بالمحدثات والآراء والتأويلات المستحسنة؟ وهل غير دين إبراهيم إلا بما رآه عمرو بن لحي والملأ "بدعة حسنة"؟ ومن تأمل طريقة الصحابة في ترك السنن للبيان والنهي عن توقيت عمل مطلق .. ونحو ذلك علم أن مرادهم بقاء الدين كما وصى الله به نبيه. وإذا كان الإثم لازما لمن بدل وصية رجل في ماله فكيف بالذي يبدل وصية الله ورسوله (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين. فمن

стр. 325

بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم) [البقرة ١٨١]. وهذا معنى لا أحسب طلب الدلالة عليه إلا تكلفا، والله أعلم. ب- قصد الشرع إلى حصول القرب للعبد من الله تعالى. فنهى عن البدع لأنها لا تقرب إلى الله، وأمر بالسنة لأنها السبيل إليه سبحانه. وبين الابتداع والابتعاد تقارب في المعنى واللفظ، فلا يكون الابتعاد من الله قربة إليه. وما أقرب الشبه - في الاشتقاق الأصغر - بين "بَدَعَ" و"عَبَدَ" و"بَعُدَ"، كذلك البدع بُعْدٌ وَلَغوٌ واتباع سراب .. قال النبي ﷺ : إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت اه [خ ٩٣٤/ م ٨٥١] فألغى عملا مشروعا لما وضع في غير مظنته، كذلك كل عبادة لم تقع الموقع المأذون فيه كانت لغوا، وإن ظن الناس أن فيها مصلحة، كما ظن من قال لصاحبه أنصت مصلحة النهي عن المنكر وأنه عمل لصالح الخطبة، فلم يحَصل شيئا. لذلك لم يكن المتعبد ببدعة عابدا حقيقة، لأن العبادة هي الخضوع لله وامتثال أمره، والبدعة غير مأمور بها، فالمتعبد بها غير مطيع فهو غير عابد. ولا نقول هو عاص لأن العاصي على علم خالف، ولكن أصدق وصف أنه ضال، أراد أن يطيع فعمل بشيء غير مطلوب .. فلا يمكن أن تكون البدعة في الحقيقة عبادة .. والنكتة هنا أن البدع ليست في القدر - أي في الواقع - سببا للتقوى وتزكية النفوس كما قال نبي الله ﷺ : إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام [صحيح رواه ابن حبان ١٣٩١ وغيره]. ومن أسماء الله "المؤمن" وهو الذي يصدق الشرع بالواقع والقدر، فإذا حرم شيئا شرعا فقد جعل فيه الضرر قدرا، كما إذا أذِن في الشيء شرعا رفع ضرره قدرا بل يجعل فيه المصلحة. والشرع والقدر أمر واحد من الله، قال تعالى (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم) [الروم ٢٩] فالدين الذي هو شرع الله هو الفطرة التي هي خلق الله. ولما اختلج في صدور الذين لا يعلمون نهي النبي ﷺ عن أمور لِما رأوا فيها من مصلحة أظهر الله لهم آياته كما أخبر سبحانه (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) [فصلت ٥٣] كما عاينوا أن الكحول الذي كانوا يستشفون به

стр. 326

ويقولون: هذا الواقع يكذب الرواية أن الخمر لا شفاء فيها! خلاف ما كانوا يظنون، أدركوا أخيرا أنه لا يشفي من سقم بل يخدر الداء زمنا ثم يقوم أنشط ما كان، فلا يزيد المبتلى إلا علة. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون! وكما أتاهم تأويل ما كانوا فيه يترددون من شأن شراب بول الجمل وغمس الذباب في الشراب ونحو ذلك مما كان مصدقا لما بين يديه من الكتاب .. وهو مشهور. وكما عاينوا أن لحم الميتة سم مهلك قدرا، كما حرمه الله شرعا. وعاينوا أنه لا يضر المضطر الذي أوشك الهلاك جوعا، كما أباحه الله شرعا، قالوا: وجدنا المعدة تفرز في حال شدة الجوع عصارة هضمية تقضي على الداء وتجعله غداء. فلما كان حراما شرعا كان ضررا قدرا، ولما أبيح شرعا رفع الله منه الضرر قدرا، إذ الفطرة والشرعة من الله الواحد الأحد سبحانه. وكما عاينوا أن نتف الإبط هو مقتضى الفطرة لا الحلق، فقالوا: إن في أصل كل شعرة منه جراثيم تموت ما أصيبت بالهواء لا تزول إلا بالنتف، ومتى حلق الشعر بقيت وأورثت خُنُوزًا ودمامل وحكة .. وأن الحلق يقوي الشعر فيشق بعد ذلك على الحالق النتف، ويظن أنه عَسِرٌ وإنما هو عسَّر على نفسه .. فلما خالف السنة ما ازداد إلا بعدا عنها وشق عليه الرجوع إليها .. كذلك البدع لما نهى الله عنها ورسولُه لم يجعل الله فيها المصلحة الحق قدرا، وما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلا ازداد من الله بعدا، إذ لا بركة فيها، كما لا بركة في الأرض العقيم التي لا تنتج وإن زُرِعت الدهرَ، ولا يخرج زرعها إن خرج إلا نكدا. وإنما يلاحِظ هذا في وجوه العاملين مَنْ رُزِقَ السلامة من حب البدع واقترافها (١). ومن كذب بالحق لما جاءه فسوف يأتيه تأويل ما كان يُنهى عنه من البدع! ولات حين مناص. وتأمل هذا في عبودية البغض في الله مثلا، فإن النبي الذي حرم البدع ونفَّر منها

стр. 327

بأشد صيغ النهي مبغض لها قاصد تبغيضها إلى قلوب العباد. وتجد مستحسني البدع أشد الناس تهاونا فيها، لا يَنفرون مما نفَّر منه، ولا يحذرون منها العباد كما كان النبي ﷺ يفعل، بل تجد أثقل شيء عليهم أحاديث النبي في ذم كل بدعة. فلو كان من الدين استحسان البدع لأوجدت في القلوب تقوى وقربا من الله يقتضي الحب فيه والبغض فيه سبحانه. لكن أتباع النبي ﷺ على أثره سائرون، يحذرون من البدع وهم لها مبغضون، متأسون به ﷺ ظاهرا وباطنا. كذلك يجعل الله بركة الإيمان والصلاح والقبول والولاء للنبي ﷺ باتباع السنة عمل النبي ﷺ ، فترى صاحب السنة مشرق الوجه ناضر المحيا منقادا للسنة لا يتلكأ، بخلاف البدعة فإنها لا تأتي بخير .. لا أقصد دمع العين ونحوه فإنك تجده في النصارى … ولكن الحقائق التي تقوم في القلوب وكمال الانقياد والاتباع وانشراح الصدر للسنة فعلا وتركا .. وحسن المآل يوم المعاد. لذلك كلما قرب القرن من زمن النبوة كان أسلم من الخلاف والبدعة وأعظم بركة، وكلما ابتعد كان أبعد عن ذلك. فكيف يأتي متأخر بعمل أهدى من الأولين؟! تدبر عافاني الله وإياك. والمقصود أن ما فعله النبي ﷺ فالسنة والحكمة والمصلحة شرعا وقدرا فعله كذلك وما أخفاه فالسنة والمصلحة إخفاؤه، وما فعله تارة وتركه تارة فالمصلحة قدرا فعله كذلك، وهكذا .. تفكر في الصلاة مثلا: ما أظهره النبي ﷺ منها شرعا كصلاة الجماعة رفع الله عنه الضرر قدرا فليس فيه رياء بل هو المصلحة، وما أخفاه وسن إخفاءه كقيام الليل ففي إظهاره المفاسد كالرياء فإنه يتسلل إلى القلب .. ونحو ذلك كالعُجب، مما قد يكون عقوبة للمخالفة كما قال تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة) [المائدة ١٤] فلما نسوا حظا مما ذكروا به وهو سنة نبيهم عيسى ﵇ غير الله قلوبهم فضرب بعضَها ببعض عياذا بالله. كذلك فطرة ابن آدم ما يكون به قوامه منه ما المصلحة الدوام عليه كل يوم كالطعام والشراب والنوم .. ومنه ما حاجته إليه أحيانا كالجماع، فلو اتخذ ما سنةُ الفطرة فعلُه أحيانا سنةً راتبةً كل يوم لعاد عليه بالفساد .. كذلك ما سنة الشرع فعله

стр. 328

أحيانا لا يتخذ سنة راتبة، لأنه إنما ينتفع به أو يكمل انتفاعه به ما دام كذلك .. ولكن الناس يرون عاقبة ذلك في الفطرة كالجماع فيُسَلمون، لأنها معجلة، ولا يرون ذلك في الشرع، فتراهم يجادلون لأن الله أخر بيان العقبى إلى يوم الدين .. والمقصود أن الله تعالى أطلع نبيه على وجوه الأعمال النافعة قدرا وأسرعها وصولا بالعبد. فاحفظ هذا فإنه ذكرى لمن كان يرجو لقاء ربه فإنما الأمر بالاتباع. والله المستعان لا حول ولا قوة إلا به. ج- القصد إلى تزكية العبد من اتباع الهوى اللازم للابتداع. ومنه منازعة الربوبية إذ الابتداع مناف للعبودية، لأن التشريع حق الرب وحده. ففي الإحداث مضاهاة للربوبية التي معناها انفراد الله بالتشريع في وجوه القربات وما شابهها. وإنما لك من اسم ربك «الرب» أن تربي الناس بما سنه رسوله ﷺ ورُبِّي به السابقون إذا أُذن لك، (ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) [آل عمران ٧٨] لا بما بدا لكم حسنا. فإنك إن فعلت كنت متعبدا لله حقا باسمه الرب أنه هو الذي تفرد بالتربية وتعيينِ أبوابها .. وتأمل هذا في قول الله تعالى (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله) [التوبة ٣١] كانوا أربابا لما ابتدعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله. كذلك المبتدع مضاهٍ ربَّه سبحانه في هذا الحد الذي هو من حدود الله، وما الأحبار والرهبان إلا مبتدعة في دين أنبيائهم. وقد ذكروا من أسماء الله الحسنى «البديع» الذي ابتدأ الخلق من غير مثال سابق وأبدعه إبداعا، فمن ابتدع أشرك مع الله نفسه في هذا المعنى. وفي الحديث الإلهي [خ ٥٦٠٩]: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبة، وليخلقوا ذرة اه فكما امتنعت مضاهاة الله في التصوير والخلق لأنه «الخالق» «المصور» كذلك امتنعت في الأحكام والتشريع لأنه هو «الرب» «البديع» إذ له وحده الخلق والأمر. قال ربنا ﵎ (ألا له الخلق والأمر) [الأعراف ٥٤] فتفكر كيف نبه على التوحيد في الخلق والأمر الذي يتناول الأمر القدري والأمر الشرعي بتقديم لام الاختصاص والضمير بعدها، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، وقدم ذلك بآية التنبيه "ألا" ليُنبه على أنه سبحانه انفرد بحق الإحداث بغير مثال سابق في الخلق والأمر سبحانه

стр. 329

وتعالى. ومن نازع ربه في شيء من ذلك فقد انسلخ من العبودية أو من تمامها واتبع هواه، ومن أعطى القرآن بخزامه فقد برئ من الهوى كما قال أبو الدرداء .. ومن اتباع الهوى أنك تجد صاحب البدعة يوالي عليها ويعادي أكثر من حبه السنن الثابتة، لأنها أخص به، والفيصل بينه وبين غيره. فلسان حاله ينطق أن لا حق إلا فيها وأن الضلال في تركها فيستميت في نصرتها ما لا يفعل مثله في نصر السنة! وهذا هو الهوى عينه، ودليل على ما في قلبه من الفساد، فإن البدع تميز صاحبها ويمتاز بها عن المسلمين ويتراءى للناس بها، فهي من جنس لباس الشهرة الذي يعود على صاحبه بخلاف قصده (١). والعقوبة بخلاف القصد السيئ سنة شرعية وكونية. ومنه ما قال اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة [٧٣٢] أخبرنا أحمد بن محمد بن أحمد الفقيه قال أخبرنا عمر بن أحمد قال ثنا محمد بن هارون بن حميد قال ثنا أبو همام قال نا بقية قال: قال لي الأوزاعي: يا أبا محمد ما تقول في قوم يبغضون حديث نبيهم؟ قال قلت: قوم سوء! قال: ليس من صاحب بدعة تحدثه عن رسول الله ﷺ بخلاف بدعته إلا أبغض الحديث! وقال الهروي [ذم الكلام ٩١٩] أخبرنا محمد بن موسى حدثنا الأصم حدثنا الصغاني حدثنا أحمد بن أبي الطيب حدثنا بقية حدثنا نعيم بن غريب حدثني عنبسة بن سعيد الكلاعي قال: ما ابتدع رجل بدعة إلا غل صدره على المسلمين واختلجت منه الأمانة. قال نعيم: فسمعه مني الأوزاعي فقال: أنت سمعته من عنبسة؟ قلت: نعم. قال صدق، لقد كنا نتحدث أنه ما ابتدع رجل بدعة إلا سلب ورعه اه وهذا كما قال ربنا وهو أعلم بمن خلق (والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد ٣٦] فكل من تحزب في دينه ببدعة ينكر بعضا من السنن، وأقربها أدلة النهي عن البدع. (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في

стр. 330

وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا) [الحج ٧٢] ونعوذ بالله من مَثَل السوء. وقد قال النبي ﷺ : ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره ثم إنها تخلُف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل اه فهذا بيان أن الخلوف الذين يرثون الكتاب من بعد الأولين يقولون بألسنتهم ما لا يفعلون بأعمالهم وقلوبهم من حب الله وولايته والاعتصام بالسنة .. وما هم بمعتصمين! ويفعلون ما لا يؤمرون! فيا ليت شعري مَنْ أمرهم بإقامة الموالد؟! .. مَنْ أمرهم باستحسان البدع والتفنن في اختراعها؟! .. آلله أذن لهم أم على الله يفترون؟!! أوَلم يكفهم ما به تقرب النبي ﷺ وأصحابُه وما به سبقوا، حتى أحدثوا غيره؟! أَوَ لم يكن لله أولياء من السابقين الأولين أشد حبا واجتهادا في طاعته، حتى أتى المتأخرون بِبِدْعٍ من القول والعمل وقالوا: قُرُبَةٌ حسنة؟! أَوَلم يكن للنبي ﷺ أحباء من أصحابه يحتفلون به .. حتى أتى مَنْ أحدث ما لا يرى الحق والولاية إلا فيه، ويرى الضلالة والجفاء في خلافه؟!! (كذلك زينا لكل أمة عملهم ثم إلى ربهم مرجعهم فينبئهم بما كانوا يعملون) [الأنعام ١٠٨] (١). ويا ليت شعري ما يضر هؤلاء لو تركوا محدثاتهم واعتصموا بالسنة!! وقد كان العلماء ربما تركوا السنة المقررة والحديث المحكم خوفا من اشتباهه عند الناس بالسنن الراتبة أو الواجب اللازم، ولم يكتفوا بالبيان بالقول حتى بينوا بالفعل (الترك). فإذا كان هذا سَنَن السابقين الأولين مع السُنَن المقطوع بكونها مشروعة، فما الظن بما لم يثبت فيها؟! ولماذا يستميت المخالفون في نصرة ما أحدثوا بما قدروا عليه من الاحتجاج

стр. 331

بالمتشابهات وبالتواصي بها والدوام عليها!! والولاء والبراء .. فانظر كيف نزلت البدعة من صاحبها الذي خرجت من قلبه بمنزلة الولد الذي خرج من صلبه! يستميت فيها! والسعيد من وعظ بغيره. والمبتدع أهون شيء عليه تحريف كلام الله ورسوله بأنواع التأويلات لأنه يبتدع ثم يستدل، حتى إذا أُعلم بنهي عام أو خاص فكَّر وقدَّر وعبس وبسر، ثم زعم أن قصد الشرع من النهي كذا وكذا .. كما هو العهد بالمسَوَّدين منهم! وقد قال ربنا ﵎ (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) [آل عمران ٧] فالمحكمات هن أم الكتاب أي معظم الأدلة، والمتشابهات هي القليلة التي يشتبه أمرها ويُشكِل، فتتردد بين موافقة المحكمات وبين مخالفتها. فأما الذين نظروا في الأدلة بقلوب فيها زيغ سابق عن النظر، أي عندهم أفكار يهوونها زائغة عن المعنى الذي تقرره المحكمات الغالبة التي جرى عليها العمل العتيق فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة. قال البخاري في جزء رفع اليدين [ص ١٤٠] قال وكيع: من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة، ومن طلب الحديث ليقوي هواه فهو صاحب بدعة اه (١) وروى ابن أبي حاتم في التفسير [٣١٩٦] حدثنا أبي ثنا الحسن بن الربيع ثنا ابن إدريس ثنا محمد بن إسحاق قوله (وابتغاء تأويله) ما تأولوا وزينوا من الضلالة ليجيء لهم الذي في أيديهم من البدعة ليكون لهم به حجة على من خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به، كميل الأهواء وزيغ القلوب، والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة اه فهذا الصنف متبع للهوى غير محَكم للشرع في اختياره، لذلك يقع في الفتنة من حيث لا يحتسب.

стр. 332

وأي فتنة وهوى أعظم من أن يرى صاحب البدعة نفسه قد سبق إلى فضل قصر عنه النبي ﷺ والسابقون؟ وفتنةٍ تسلل بها إلى القلوب اتهام النبي ﷺ أنه لم يُبَلغ بعضا من الدين، ولم يبينه للعمل به! ولمزٍ للصحابة بالغفلة والنقص وهم الذين سماهم الله "السابقين" إلى كل خير و"الأولين" فيه وإليه .. ! وأي فتنة أعظم من بدع أورثت القلوب شكا في دلالات القرآن والسنة .. حتى رأوا المحكمات (الظواهر) التي هي أغلب أنواع الأدلة محتملات لا توجب العلم .. ؟!! فجاء الشرع ليطهر القلب من هذه الأدران بما فرض من الاتباع ونهى عن الابتداع. والله تعالى أعلم بمراده ومقاصد نبيه ﷺ . د - قصد الشرع إلى دوام العبد على العمل ومحبته. لذلك سلك الشرع به سبيل اليسر. والبدع - سواء بالزيادة أو بالترك مثلما تقدم - زيادة تكليف، آيل مع الزمن إلى الكلال عن المشروع، وللنفوس إقبال وإدبار. فمنَعَ الشرع كل بدعة حفاظا على إقبال النفوس على العبادة، ولبقاء الدين في مقدور العبد (١). ومادة "ب د ع" في لسان العرب تأتي بمعنى الانقطاع والكلال، ففي العين قال الخليل: وأُبْدِعَ البعيرُ فهو مُبْدَعٌ … وأُبْدِعَتِ الإبلُ إذا تُركت في الطريق من الهُزال. وأُبْدِعَ بالرّجلِ إذا حَسِرَ عليه ظَهْرُهُ اه ومثله وفي الصحاح. فالبدعة لا تصل بصاحبها إلى الله، وآيلٌ أمر راكبها إلى الانقطاع عن السنة، وعن ورود الحوض يوم تبلى الأعمال والسرائر. روى البخاري [٣٢٧٨] عن ابن عباس قال حدثنا أبي بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: إن موسى قال لفتاه آتنا غداءنا (قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره) ولم يجد موسى النصَب حتى جاوز المكان الذي أمر الله به اه وكذلك يَنْصَبُ من تجاوز حد السنة. وروى الفريابي في القدر [٣٢٤] حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا معاذ بن معاذ

стр. 333

حدثنا ابن عون عن محمد - يعني ابن سيرين - أنه كان يرى أن أسرع الناس ردة أهل الأهواء اه سند صحيح. هـ - قصد الشرع إلى توحيد العباد على الصراط. فالبدع تفرق عن سبيل الله، وتقطع أمر الأمة، هذا ينتصر لها، وهذا يحاربها .. وكل عند نفسه متعبد لله بما يصنع .. قال تعالى (فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون) [المومنون ٥٤] أَمْرَهم أي دينهم قطعوه بينهم زُبُرا أي كتبا جمع زبور، فألَّفُوا كتبا في "تصورات" لهم ومذاهبهم وقالوا: بها نفهم كلام الله، وهي المثناة في حديث عبد الله بن عمرو المذكور. فاختلفوا، فتقطعوا أمرهم، وصاروا أحزابا متفرقين. وتأمل الموصول " ما " كيف يدل على غاية في التحقير لأن التنكير في سياق الذم يفيد التحقير، أي أن ما أحدثوه وهم به فرحون نكرة لا يعرف في الدين، ولا قيمة له عند رب العالمين. ولماَّ ذكر الدين الذي هو الحق عرَّفه بالإضافة فقال "أمرهم " أي أنهم تركوا المعلوم صدقه وعاقبته إلى ما لا يعلمون!! وقد أخبرنا الصادق المصدوق ﷺ أن هذا الأمر واقع في الأمة بقوله: لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا في جحر ضب لاتبعتموهم قلنا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ اه [خ ٦٨٨٩/ م ٢٦٦٩]. والله المستعان. وهو ما حذر الله عباده في قوله (ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [الأنعام ١٥٤] وقد روى ابن جرير [التفسير ١٨١٣] حدثنا بشر بن معاذ قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة قوله (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء) قال: بلى! قد كانت أوائل النصارى على شيء، ولكنهم ابتدعوا وتفرقوا، وقالت النصارى (ليست اليهود على شيء) ولكن القوم ابتدعوا وتفرقوا اه وغاية ما أحدثه أولئك كان بدعوى أنه " بدعة حسنة " .. ! وقد قال أبو عبيد [فضائل القرآن ٤٤] ثنا جرير عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله قال: إن هذا الصراط محتضَر، تحضره الشياطين، يقولون: هلم يا عبد الله، ليصدوا عن سبيل الله، فعليكم بكتاب الله فإنه حبل الله اه فبين أن من أراد أن يسلك

стр. 334

الصراط اكتنفته الشياطين من الإنس والجن كل يقول: ههنا الطريق يا عبد الله! أي إن كنت تريد العبادة والصلاح فهنا الطريق. كما تفعل كافة الفرق المنتسبة إلى الدعوة اليوم، والله يهدينا وإياهم. وقد روى ابن ماجه [٣٩٩٢] وغيره عن نبي الله ﷺ أنه قال: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، فواحدة في الجنة، وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة، فإحدى وسبعون في النار، وواحدة في الجنة. والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، واحدة في الجنة وسبعون في النار. قيل: يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة اه وهو حديث حسن مليح، تعددت مخارجه، ويشهد لمعناه القرآن والسنة والآثار. ويا ليت شعري ما ينهزهم إلى رد الحديث!؟ آلسند أو المعنى!؟ أما السند فالاعتبار له سند (١). وعهدنا بهم في ما نشطت له أنفسهم من الأخبار الضعيفة السند يقولون: إذا جاء الترغيب والترهيب تساهلنا في الأسانيد! فليكن الأمر هنا كذلك. أو معناه استنكروا!؟ وقد شهدت له المحكمات من القرآن والسنة والآثار؟ فهل ينكرون أن كل ضلالة في النار!؟ بلى قد صدق الله وهو أعلم بمن خلق (ومن الأحزاب من ينكر بعضه) [الرعد ٣٦]، فكل من تحزب في دينه ببدعة لا تجده إلا منكرا بعض ما أنزل الله على رسوله، والله المستعان. وكلما أنكر الناس سنة أو تركوها ازداد ما بينهم من الاختلاف كما قال الله تعالى (ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون) [المائدة ١٤] وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود قال: كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم. ليلني منكم

стр. 335

أولو الأحلام والنهى ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم. قال أبو مسعود: فأنتم اليوم أشد اختلافا اه فما ترك الناس حظا مما ذكروا به إلا وقعوا في الاختلاف، والبدع تورث نقص السنن وتورث الاختلاف فهي ظلمات بعضها فوق بعض، وهذا كما قال النبي ﷺ : ما تواد اثنان في الله جل وعز - أو قال: في الإسلام - فيفرق بينهما أول ذنب يحدثه أحدهما اه [صحيح الأدب المفرد ٤٠٣] وفي لفظ: .. فيفرق بينهما إلا ذنب يحدثه أحدهما اه [السلسلة الصحيحة ٦٣٧] وقال ربنا ﵎ (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم أو من تحت أرجلكم أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) [الأنعام ٦٨] فقرن بين ذكر الذين يخوضون في آيات الله وما وعد الناس من أن يُلبَسوا شيعا، وهكذا شأن البدع سببها الخوض في آيات الله، ومآلها الاختلاف والاقتتال كما قال تعالى (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة ٢٥٣] وهو الذي فهم ابن عباس لما قال في الذين يعجلون بحفظ حروف القرآن: متى ما تسارعوا هذه المسارعة يحيفوا، ومتى ما يحيفوا يختصموا، ومتى ما يختصموا يختلفوا، ومتى ما يختلفوا يقتتلوا اه وكم من خلاف عند كثير من الناس صار "معتبرا" و "له حظ من النظر" وإنما سببه بدعة وقعت! إما من كلام الأصاغر في الدين ممن أشبه العلماء وليس منهم .. أو أنه زيغة حكيم ينبغي أن تطوى ويعذر عليها، من باب قول النبي ﷺ : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر اه وقال ابن عباس: ويل للأتباع من زلة العالم! قيل: وكيف ذلك!؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه، فيلقى

стр. 336

من هو أعلم برسول الله ﷺ منه فيخبره ويرجع، ويقضي الأتباع بما حكم اه فاعتد ناس بما هذا بابه حتى كثر الخلاف عندهم، وضعف اليقين في القلوب، ورأوا أن أكثر الدين مختلف فيه، وأن الإجماع قليل جدا!! وإنما الخلاف المعتبر ما كان بين فقهاء الصحابة، وكل بدعة بعدهم ضلالة، ليس النوازل التي تُخَرج على مسائلهم .. وقد تقدم أن من المتشابهات ما يقع عند كلام الأصاغر في الدين وعند الاختلاف كما قال ربنا ﵎ (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب. وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم. وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب. فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) [الشورى ١٤ - ١٥] فالذين أورثوا الكتاب من بعد المختلفين وهم المنتسبون إلى العلم وقعوا في شك مريب، لا كأهل العلم الشاهدين التنزيل، الذين شُرع لهم الدين أي بُين وأظهِر وسُهل كما قال تعالى (إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا) [الأعراف ١٦٣] شُرَّعاً أي ظاهرة ميسورة الأخذ. فبعد أن كان ميسورا ظاهرا لهم صاروا في لَبس شديد. وهذا تنبيه لأمتنا لذلك قصه الله علينا. والله المستعان. ثم أمر الله أحدنا أن يستقيم على الأمر لئلا يكون كحالهم فقال (فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم) فالاستقامة على الأمر هي السنة، والأهواء هي البدع. وقال ربنا (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير) [هود ١١٠ - ١١٢] فأمر بالاستقامة على الأمر وهو السنة وحذر من الطغيان فيه وهو الابتداع، بعد أن أخبر عن اختلاف بني إسرائيل وما هم فيه من الشك المريب.

стр. 337

ومثله قول الله تعالى في سورة فصلت (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم وإنهم لفي شك منه مريب) [٤٥] بعد أن ذكر ربنا أن كتابه هذا فصلت آياته وأحكمت وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه للمؤمنين هدى وشفاء، وهذا الذي يسميه الناس "القطعية"، فكذلك كان الكتاب الذي أنزل على موسى، فاختلفوا، فصاروا في عمى وشك مريب .. ولما اختلف الناس بعد أنبيائهم واقتتلوا صار لأهل الشوكة في كل زمان صولة يحملون الناس بالسلطان على ما أحدثوا، فإذا قام فيهم من يردهم إلى الأمر الأول قتلوهم وأرهبوهم واشتروا إدهان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب بلعاعة من الدنيا كما قال ابن مسعود: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة - أي بدعة - يهرم فيها الكبير، ويربو فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة، فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة! قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟! قال: إذا كثرت قراؤكم، وقَلَّت فقهاؤكم، وكثرت أمراؤكم، وقَلَّت أمناؤكم، والتُمِسَت الدنيا بعمل الآخرة اه فإذا كان أمراء غير أمناء على الدين وقراء يلتمسون الدنيا بعمل الآخرة داهنوهم فأفتوا بما يرضي أمراءهم، فعمت البدع وغُيِّر الدين!! وهذا المعنى الذي ذكر أبو عبد الرحمن بَيِّن في آي من القرآن قال ربنا ﷻ (إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار. ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد) [البقرة ١٧٦] فأخبر أنهم اشتروا البدع الضلالة بالهدى وهي سنة نبيهم وكتموا العلم ليأكلوا في بطونهم، ولا يُضَيق عليهم كما يضيق على الذين يأمرون بالقسط من الناس. وهذا واللهِ وعيدٌ لأهل العلم شديد. ومثله قول الله تعالى (إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم) [البقرة ١٦٠] فالبينات العلم آيات الله، والهدى العمل الصالح سنن الأنبياء، كما قال ابن مسعود: إنما هما اثنتان: الهدي والكلام،

стр. 338

فأحسن الكلام كلام الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ اه [عبد الرزاق ٢٠٠٧٦] وقال ربنا جل في علاه (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) [آل عمران ١٨٨] فأخذ الله عليهم موثقا لتبينُنَّه للناس ولا تكتمونه لدنيا تصيبونها أو تخافون عليها، ففرحوا بالكتمان وأحبوا أن يحمدوا بأنهم هم أهل العلم والدعوة القائمون بأمر الله وما هم بفاعلين! ولما صمت الصامتون وأدهن المدهنون نشأت قرون لا يعلمون من الدين إلا ما هم في شك منه مريب. وكل هذا الوبال كان سببَه حدوثُ البدع واستحسانها! نعوذ بالله من شرها. فانظر إلى جناية البدعة على الدين! لتعلم أن من حذر منها يعلم من الله ما لا تعلمون ﷺ . هذه مقاصد إن شاء الله أومأ العلماء إليها في كلمات متفرقة. ليست عللا يناط بها أحكام البدع وجودا وعدما، ولا قواعد للأحكام والنوازل، ولكن هي معانٍ يطمئن إليها قلب الحريص على دينه مجانب الحوادث والأهواء جملة. وإنما تضبط بمتابعة ما سلكه النبي ﷺ والصحابة فعلا و تركا. ومتى أُبقِيت السنة على حالها بقي الدين محفوظا سمحا محبوبا موصِلاً إلى الكمال المطلوب للعبد من طريقه الأقرب الأوحد بإذن الله الواحد الأحد. فصل في بيان أن حديث "كل بدعة ضلالة" محكم العموم ذهب جمع من المخالفين إلى أن قول النبي ﷺ في حديث العرباض: "وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة " عموم مراد به الخصوص. وهذه وهلة عظيمة غفر الله لمتأوليها! لأن الذي ينطق بالعموم يريد بعضه لا بد أن يأتي بقرينة دالة على المراد في السياق نفسه، وإلا صار العموم مجملا غير ظاهر، كقوله تعالى (تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) [الأحقاف ٢٥]

стр. 339

فاستثناء المساكن وقوله (بأمر ربها) دليل إرادة الخصوص وهو تدمير ما أمرت به. فلا تصح دعوى إرادة الخصوص في العموم إلا بقرينة في السياق، ومتى تجرد عن هذه القرائن بقي على الأصل. لكن الحديث تأكد البيان في سياقه وشواهده على إرادة العموم المحكم وذلك من وجوه: - الأول: لفظ "محدثات الأمور" عموم بالإضافة يشمل كل ما يحدث في الدين. - الثاني: "كل بدعة" عموم ثان. - الثالث: تكرار النبي ﷺ العموم في الخُطب تأكيد، والتأكيد يمنع حمل اللفظ على المجاز كما قالوا، أي يمنع أن يحمل اللفظ على غير ظاهره (١). - الرابع: العلة، فإن لفظ "محدثة" ولفظ "بدعة" مشتقان يدلان - بدلالة الإيماء والتنبيه - على أن علة الردِّ والضلالِ الإحداثُ والابتداعُ وهي علة منصوصة. والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، متى وجد الإحداث وجد الضلال والرد. فهذا عموم آخر بالعلة يبطل الدعوى. - الخامس: لفظ "إن" الذي هو للتأكيد يؤيد القصد إلى العموم الظاهر، و يفيد أن دلالة الكلام على العموم مقصودة بالتأكيد. ثم هو مذكور في السياق لفظا في قوله: "فإن كلَّ محدثة بدعة" وتقديرا في قوله: "وكلَّ بدعة ضلالة" تقديره: وإن كل بدعة ضلالة. فكأنه خطاب للمتردد في دلالة العموم على الاستغراق. - السادس: طريقة إبلاغ النبي ﷺ الخبر دليل آخر على أن العموم محكم، إذ جَعَلَه في خُطَبِه بالمجامع الحافلة كما أخبر جابر ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبَّحكم ومسَّاكم .. ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة اه وكما في حديث أبي فراس البليغ. والخطبة إعلام بالخَطْب العظيم، أي أن إعلامهم بهذا الحكم هو من الخَطْبِ الذي

стр. 340

جمعهم ليحذرهم منه. وطريقة البيان النبوي سنة فعلية و فِقْهٌ وراء النظر المجرد في الدليل، تنبيك عن مقاصد التشريع ومراتب الأدلة وأحكامها. فليس ما جمع له النبي ﷺ الناس كما أخبر به آحادا، أو نبه عليه بعد سؤال، أو أقر عليه عاملا .. فطريقة البلاغ دليل على أنه أصل محكم، وليس محتمل الدلالة على قصد العموم. - السابع: البدعة هي ما لم يُعرف في العمل الأول، والمنكر كذلك هو غير المعروف، قال تعالى (فعرفهم وهم له منكرون) [يوسف ٥٨] أي لم يعرفوه، فالبدعة إذاً منكر ليس بمعروف. وقد روى مسلم [٧٨] عن طارق بن شهاب قال: أول من بدأ بالخطبة يوم العيد قبل الصلاة مروان. فقام إليه رجل فقال: الصلاة قبل الخطبة! فقال: قد تُرك ما هنالك. فقال أبو سعيد: أما هذا فقد قضى ما عليه. سمعت رسول الله ﷺ يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. ومن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان اه والمنكر في الحديث هو بدعة تقديم الخطبة. وما كان في الشرع منكرا لا يكون منه حسن إذ لا نقول: منكر حسن، كذلك لا نقول: بدعة حسنة، بل كل بدعة ضلالة. والمؤمنون (يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) [التوبة ٧٢] - الثامن: فائدة المغايرة في السياق، ذلك أن النبي ﷺ فرق بين البدعة والسنة في قوله: "فعليكم بسنتي" إلى قوله: "وإياكم ومحدثات الأمور". الحديث، والواو للمغايرة، فيدل على أن جنس البدعة ليس من السنة في شيء إذ جعلهما متقابلتين، فأمر بهذه ونهى عن الأخرى. وهذا مثل قوله في حديث جابر: وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها اه ففرق بين هديه ﷺ وهو عمله وبين البدع، فيدل على أن جنس البدع ومطلق الابتداع ليس من هديه ﷺ . فهذه قرينة أخرى دالة على إرادة العموم المطلق. فتأملها. - التاسع: ما فرق به جماعة من الأصوليين بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص وهو القصد، إذا قصد المتكلم أول الأمر من لفظ عام أو مطلق بعض معانيه فهو مراد به الخصوص، وما قصد به العموم ثم أخرج منه بعضه فعام مخصوص وهو النسخ عند السلف العلماء. فيلزم مَنْ زعم أنه عام مخصوص أن يسلم بثبوت العموم المحكم أولا في قول النبي ﷺ "كل بدعة ضلالة" ثم يأتي بالناسخ

стр. 341

المتأخر عنه، ولا دليل. وقد عرفت أول الفصل أن دعوى من ادعى إرادة الخصوص خلاف البيان النبوي العربي، وإلا كان متشابها، وهو من جوامع الكلم. يؤيده: - العاشر: خلو السياق من المخصص أو الدال على إرادة الخصوص كما تقدم، فهو من أقوى الأدلة على إرادة العموم. ومعهود العرب في خطابها أن ما يسمى عند المتأخرين الظاهرَ نصٌ مع التجرد عن القرائن الصارفة لا تَفهمُ منه غير ظاهره (١)، وأن الاحتمال المقدر عقلا غير وارد عليه والنبي ﷺ أرسل بلسان العرب. هذه الشواهد المؤكِدَة كلها تورث "القطع" بأن العموم مستغرقٌ كافةَ أفراده، لأن الظاهر - على اصطلاح الأصوليين - إذا تعددت شواهده صار نصا لا يحتمل، كما أن حديث الواحد إذا تعددت طرقه صار متواترا محكم الثبوت عندهم. والنص لا يقبل التخصيص ولا التأويل. فتعين على طريقة الأصوليين أنفسهم كون الحديث قاعدة كلية لا مخصص لها، وألا بدعة حسنة. - الحادي عشر: ما علَّمنا ربنا ﵎ أن نقول عند سؤاله الاستقامة (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) والضالون هم النصارى ومن أشبههم في الوصف بالضلال وهي البدع، وهو بَيِّنٌ يستغنى فيه بالتنزيل عن التأويل. وهو مطلق في كل ضلالة بلا قيد كما سيأتي في فصل مُصَمَّدٍ لأم القرآن بعون الله. - الثاني عشر: الآيات الآمرة بالاتباع كقول الله تعالى (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) [آل عمران ٣٠] ونظائرِه، فإن حقيقة الاتباع هو الاقتفاء والسير تبعا لخطا سابقة .. والابتداع بخلافه فإنه ابتداء عمل ليس له فيه أسوة، فهما في اللغة ولسان الشرع ضدان، لذلك قال ابن مسعود: " اتبعوا ولا تبتدعوا " فأمر بالاتباع ونهى عن ضده. فمنطوق الآية يدل على أن المحبة والمغفرة كائنتان في الاتباع، ومفهومها أن الابتداع بخلاف ذلك، وهذا إطلاق آخر من غير قيد، إذ منطوقها مطلق لأنه فعل "فاتبعوني"، ومفهومها مطلق كذلك في النهي عن الابتداع، والمفهوم تبع للمنطوق في العموم والإطلاق. وقد تكرر الأمر بالاتباع

стр. 342

في القرآن مطلقا كذلك في آيات كثيرة، والتكرار في معنى النص كما قالوا. - الثالث عشر: قول الله تعالى (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون) [الأنعام ١٥٣] السبل البدع المحدثة التي يُزعم أنها كالسبيل في إمكان الوصول إلى الله، وهذا عموم في كل السبل سوى سبيل الله ورسوله ﷺ . قال عبد الله الدارمي [٢٠٢] أخبرنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: خط لنا رسول الله ﷺ يوما خطا ثم قال: هذا سبيل الله، ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله ثم قال: هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه ثم تلا (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) إسناد جيد. لذلك روي عن مجاهد أن "السبل" هي البدع (١)، وهو بين لا يحتاج إلى إسناد. واتباع السبل دال على العمل بالتضمن أي اتخاذ أعمالٍ أسبابا للسلوك ليست من سبيله، وعلى الاعتقاد بالالتزام لأن عقد القلب أصل الأعمال. فهي سبل عملية وسبل عقدية. وقوله (عن سبيله) معرف بالإضافة، فهي سبيل واحدة معروفة عند الصحابة، وما ليس معروفا عندهم ليس من سبيله وهي البدع. لذلك تقدم عن سعيد بن جبير أنه قال: ما لم يعرف البدريون فليس من الدين اه فهذا عموم آخر مطلق من غير قيد يدل على أن كل ما ليس من سبيله يضل عنه، وهو معنى بيان النبي ﷺ : "كل بدعة ضلالة". - الرابع عشر: قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) [المائدة ٣٥] "الوسيلة" معرفة، فهي الوسيلة المعهودة المعروفة في سنة النبي ﷺ وعمل أصحابه الذي كانوا يتوسلون به. فما لم يكن وسيلة لمرضاة الرب عندهم فليس من "الوسيلة"، وإن أدخل فيها بالتأويل. فالمحدثات إذًا لا تصلح قربات. - الخامس عشر: قول الله تعالى لنبيه (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا) [هود ١١٢] فاستقاموا كما أمروا، فما ليس من عملهم ليس من الاستقامة التي أُمر بها

стр. 343

بل هو اعوجاج في الدين وطغيان، فلا بدعة حسنة. ثم بشر الذين استقاموا كذلك إلى قيام الساعة فقال (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة) [فصلت ٣٠] - السادس عشر: قول اللطيف الخبير سبحانه (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا) [الإسراء ١٩] فللآخرة سعيها المعلوم، وهو ما ترك عليه النبي ﷺ أصحابه، لا ينال أحد أجر الآخرة إلا بالسلوك عليه. فما لم يكن من السعي المعلوم عندهم فليس من سعي الآخرة المشكور. فكل بدعة إذًا ضلالة. والآيات نحوها كثيرة جدا. - السابع عشر: قول رسول الله ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه معناه: من أحدث في ديننا محدثا فهو رد، فيدل بالعلة (الاِحداث) على عموم الحكم في كل بدعة، ويتأيد بمفهوم المخالفة في الفعل أن من لم يحدث بعمله محدثة فليس برد. فهذان دليلان في دليل واحد: العلة والمفهوم. وسيأتي رد ما ليس منه قريبا. - الثامن عشر: قول النبي ﷺ : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد عموم آخر لأن لفظ "عملا" نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل عمل ليس عليه أمر النبي ﷺ . والأمر هنا بمعنى الشأن أي الهدي الذي جمعه أمور، وهو العمل المتبع، كما دلت رواية إسحاق بن راهويه "من عمل بغير عملنا فهو رد". وكان مالك ﵀ يقول: " الأمر عندنا .. " ونحوه يريد عمل أهل المدينة. فالمعنى: من عمل عملا ليس من هدينا أو ليس عليه العمل عندنا فهو رد. فالحَكَم هو العمل. فإذا كان هذا الحديث هو الحديث المتقدم آنفا (من أحدث في أمرنا)، فلا يخلو إما أنهما جميعا لفظ النبي ﷺ فيكون تأكيدا لمعنى واحد رافعا لاحتمال التخصيص. أو أن أحدهما روي بالمعنى فيكون دليلا على أن ذلك المعنى هو المراد المفهوم عند السلف، فتدبر .. - التاسع عشر: قول النبي ﷺ : المدينة حرم من كذا إلى كذا لا يُقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين اه فقوله: "حدثٌ " و "حدثاً " نكرة في سياق الشرط تفيد العموم في كل حدث من

стр. 344

المظالم أو من البدع. سواء كان العموم باللفظ أو بالمعنى. وهذا العموم مكرر في السياق مرتين. فهو أبعد عن احتمال التأويل وأقرب إلى القطع بإرادة الظاهر. والفرق بين المدينة وغيرها إنما هو في عِظَمِ الإثم، إذ الذنب يَعْظُم في الحرم مثل الزنا، وهو حرام في الحل. - العشرون: قول النبي ﷺ : إن الله حجب التوبة عن صاحب كل بدعة اه وقد تقدم. وهذا عموم آخر من غير استثناء. - الحادي والعشرون: حديث حذيفة في الصحيحين [خ ٦٦٧٣/ م ١٨٧٤] قال: كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شر؟ قال: نعم فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دَخَن. قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي، ويهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. الحديث. فأخبر عن سبب الدخن المذموم أن قوما يريدون أن يهدوا الناس بغير سنته ﷺ . تعرف منهم ما هو معروف في السنة، وتنكر ما ليس منها. وهذا ذم مطلق لكل ما سوى السنة من عمل، لأن قوله "بغير هديي" عموم بالإضافة، فيتناول كل ما يفعلونه مما ليس من هديه وهو عمله. - الثاني والعشرون: قول النبي ﷺ في حديث أبي فراس: " إياي والبدع، والذي نفس محمد بيده، لا يبتدع رجل شيئا ليس منه إلا ما خلف خير مما ابتدع " عموم آخر مؤكد، فلفظ "البدع" عموم، والنكرة " شيئا" في سياق النفي تعم كل ما ليس منه. - الثالث والعشرون: حديث ابن عباس قال: قال لي رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو على راحلته: هات القُط لي، فلقطت له حصيات هن حصى الخذف، فلما وضعتهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين اه فبين أن ضلال من قبلنا إنما كان بالغلو وهو الزيادة في الدين على ما سُن لهم، وأن أقل زيادة على السنة غلو ولو كانت في مثل حجم حصاة الجمار. وقوله ﷺ : " وإياكم والغلو في الدين" جامع (قاعدة) في سياق خصوص يشمل الزيادة في حجم الحصاة فما فوقها، وهذا مثل قول الله تعالى (لقد كان لكم في رسول

стр. 345

الله أسوة حسنة) [الأحزاب ٢١] جامع في سياق خصوص الأمر بالصبر في الجهاد. وقوله سبحانه (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر ٧] جامع في سياق خصوص الفيء. ومثل قوله ﷺ " إنما الأعمال بالنيات " جامع "فمن كانت هجرته " خصوص. كذلك قوله: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء" جامع "فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح " [م ٥١٦٧] سياق خاص لا يخصص بل هو موافق العام. فدل الحديث إذًا بلفظه ومعناه على أن أقل زيادة في الدين غلو مذموم. وهذا عموم آخر. فيا ليت شعري أي عموم يخصَّص!؟ آلأول أم الثاني .. ؟ وحتَّامَ يستمر التخصيص ونسبة إرادته إلى الشرع أمام هذا الحشد العظيم من الأدلة!؟ ولِمَ تُقَدَّم رواياتٌ قليلة متشابهة على هذا التواتر القاطع!؟ يؤيده: - الرابع والعشرون: كلمات أصحاب النبي ﷺ في ذم البدعة مطلقا من غير إشارة إلى قيد أو تفصيل في السياق، بل بتأكيد العموم. فهذا أمير المؤمنين عمر يقول: وإن شر الأمور محدثاتها، ألا وإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار اه ويأتي بالعموم على حاله مؤكَّداً، ومنبها الغافل بآلة التنبيه "ألا ". وقال ابن عمر: " كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنا " فعمم أيضا، وأكد العموم بالتحرز من إمكان الاستحسان، وهو صريح في إرادة العموم المطلق، وفي عدم إرادة الخصوص. وهذا ابن مسعود يقول: " كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" ويقول: "فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالأمر الأول "، وقد كثرت كلماته في التحذير المطلق منها ﵁ لأنه كان بالعراق حيث كثرت البدع. فهذه وغيرها من وصاياهم ﵃، في كلمات جامعة، تظاهرت على إطلاق العموم. وإنما نطقوا به لِما فهموا من قصد النبي ﷺ إلى ذلك. يؤيدها: - الخامس والعشرون: أحكام الصحابة وأصحابهم على أعمال خاصة حضروها أو سئل أحدهم عنها في باب ما أنكروه. وعامة ذلك يستحسنه المخالفون، يقولون: لا

стр. 346

شيء فيه، وهو عمل خير!! ولم يرها الأكابر إلا بدعا منكرة. فكلها تورث اليقين بأن مسمى "البدعة الحسنة" عندهم منكر، وليست من أصولهم. وهذا مالك بن أنس الذي اشترط على نفسه اتباع عمل أهل المدينة قبله في الفقه والمنهاج، وعُرف بذلك، حتى كان يعيب على من خالفهم في الفُتيا لم يكن يَقبل تعبدا ليس عليه العمل، محتجا بالترك، لا يرى الاحتجاج بالعمومات دونه، يفرق بين الحديث المروي والسنة المتبعة. هذا أصله الذي ورثه عن التابعين عن الخلفاء الراشدين. ولقد تركت من الآثار الضعيفة ما لو أودعته هنا، وقد نهينا عن التكاثر. وأكثرها شاهد للأصل المطرد عندهم. لكن النكتة في هذا المقام أن كثيرا مما فيه ضعف خفيف من الآثار مما يرويه مثل ليث بن أبي سليم أو شريك القاضي أو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى أو ابن لهيعة وأضرابهم لا يخلو إما أنه محفوظ، وذلك كاف في المطلوب، لكن لا بد من متابع. أو أنه وهِم في السند أو في المتن، فإن المقصود من الأثر حاصل هنا، وهو أن تعبدا مستحسن جنسه عند المخالف مذموم على لسان أحد من السلف، ولا يضر بعد ذلك عدم الجزم بصاحب القول أو العمل المروي .. وقد عرفتَ أن شرط هذا السفر تتبُّعُ منهجهم في الحكم لا آحاد الأحكام، فنستأنس بنحوها شواهد للأصل لا أدلة، خصوصا في رواية من كان فقيها كشريك وابن أبي ليلى فالفقيه قلما يهم في معنى ما روى (١). وليس هذا تصحيحا لضعيف .. فبين المقامين بون شاسع. وإنما الغرض أن أكثر الضعيف شاهد للأصل أيضا وفي الصحيح غنية، ولست أتكاثر بالضعيف. ولو كان الابتداع أصلا مطلوبا لحض عليه الناصح الأمين ﷺ ولتعاهده أصحابُه، ولتواصى به السابقون الأولون، ولتحراه التابعون! إذ كانوا أحرص الخلق على أن يكونوا للمتقين إماما ..

стр. 347

- السادس والعشرون: أن إطلاقهم لفظ "بدعة" "محدث" في معرض الذم والفتوى دليل على أن الوصف يغني عن الحكم، أي صار اللفظ "بدعة" علما على المذموم شرعا، ولو كان لفظ البدعة يحتمل إطلاقه على ما يستحسن لما استُغني بذكره عن ذكر حكمه، وهذا مثل قولهم: هذا رِبا، كما روى مسلم [٤١٦٨] من حديث عن أبي سعيد قال أتي رسول الله ﷺ بتمر فقال: ما هذا التمر من تمرنا. فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا. فقال رسول الله ﷺ : هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا اه فلما استغنى بذكر الوصف (الربا) عن ذكر الحكم كان فيه دلالة على أنه كافٍ في إفادة المعنى وعَلَمٌ عليه في بابه. فكما لا يقال في الربا "ربا حسنة" كذلك لا يقال بدعة حسنة، لأنهما لا يجتمعان. - السابع والعشرون: أن السنة لما حرمت البدع إنما أريدَ المستحسنة عند الناس، فسماها «بدعة» يقال: "لقد جئت بأمرٍ بديع، أي: مبتدع عجيب" (١) ويقال: أبدع الشاعر إذا جاء بالبديع المستحسَن الذي لم يسبق إليه، أي ما من بدعة إلا وأهلها يستحسنونها (كل حزب بما لديهم فرحون) [المؤمنون ٥٤] ومن هنا نفهم نكتة التفريق بين لفظي "البدعة" و "المحدثة" في قول النبي ﷺ : "كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة" والمعنى على كل محدثة زينة وبهجة تغر وكل ذلك ضلال. والله أعلم. - الثامن والعشرون: أن في تكرار النهي عند كل مناسبة نكتة دل عليها معنى في المقاصد أن المؤكد في الخطاب هو ما خالف الهوى (٢)، فالبدع المنهي عنها إذاً ما استحسنتها النفوس، تكرر التأكيد على منعها لقوة أثرها، لذلك قال سفيان: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية اه فالتأكيد على منعها ليس لغوا، فينصرف إلى ما يراه صاحبه حسنا كما قال ابن عمر ﵀: وإن رآها الناس حسنة، لذلك ترى كثيرا من الخلق ينشطون للبدعة عند أول سماعها لأن الباطل خفيف، ولا ينشطون للسنة لأن الحق ثقيل، والشيطان يستخف بعض الخلق للبدع لما فيها من "الإبداع" الذي هو

стр. 348

التزيين. - التاسع والعشرون: أن وراء تكرار العموم والتأكيد عليه نكتة أخرى: وهي أن العرب ابتدعت في عباداتها بدعا استحسنتها، ونسبتها إلى دين إبراهيم ﵇، فتعبدوا بالمكاء والتصدية وبترك اللباس - الذي عصوا الله فيه - عند الطواف تعظيما للكعبة، وسيبوا السوائب .. واستحسنوا استحسانا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. فكان من أصولهم في التدين القولُ بالبدعة الحسنة، ينسبونها إلى دين إبراهيم ﵇. لذلك كان الاستعمال اللغوي يقبل التقسيم إلى حسن وقبيح، وهذا كما كانوا يستحبون الخَمرة ويسمونها بأسماء حسنة كالرحيق، ويَدْعون آلهتهم بألقاب يعظمونها بها كالغرانيق .. حتى دخلت هذه الأمور في اللسان .. فجاء النبي ﷺ مجددا ملة أبيه إبراهيم ﵇، ومصححا للسان معها وماحياً محا الله به الشرك والضلال الذي كان سببه استحسان البدع، لذلك أطلق العموم إطلاقا، وأكده تأكيدا، حتى تزول الشبهة من الأذهان، ويصير اللفظ "بدعة" علما على المذموم تجديدا لاستعمال لغة الدين، كأنه يقول: كل بدعة ضلالة، لا كما تحسبون، والله أعلم. إذا عرفت هذا تبين أنه لا وجه للقول بجواز إطلاق البدعة الحسنة في اللغة إلا ما يكون من باب العفو من غير إرادة لاستحسان البدع، كما يجري على لسان أحدهم عند تأكيد الكلام قوله: "لعمري" من غير قصد لحقيقة معناه وهو الحلف بغير الله. فالسنة لما جاءت بما يسمى حقائق شرعية إنما جاءت مصححة لعادات العرب واللسان تبع. كالصلاة كانت العرب تطلقه حقيقة دينية على الدعاء بهيئة مخصوصة كانوا به مشركين، فجاء الله بنبيه فصحح استعماله في هيئة مخصوصة بدعاء الله وحده في الصلاة ودعاءِ الله للميت في صلاة بَيَّنَ حدودها. والعرب تذم من تصرف في لسانها بما لا تعرف، فلم يأت النبي بالتصرف في اللغة بنقل الاستعمال اللغوي إلى عرف شرعي جديد ولكن بتصحيح العبادات الباطلة والاستعمال الديني، لذلك يأمر الله بإقام الصلاة لأنهم كانوا يصلون (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية) [الأنفال ٣٥] ويُهلون ويعرفون السجود والركوع كما قال النابغة الذبياني:

стр. 349

أوْ دُرّةٍ صَدَفِيّةٍ غوّاصُها … بَهِجٌ متى يرها يهلُّ ويسجدِ وقال عنترة بن شداد: رَغَّمتُ أنفَ الحاسِدينَ بسَطْوتي … فغدوا لها منْ راكعين وسجَّدِ كذلك كانوا يصومون، ففي الصحيح عن عائشة ﵂ أن قريشا كانت تصوم يوم عاشوراء في الجاهلية ثم أمر رسول الله ﷺ بصيامه. الحديث [خ ١٧٩٤]. وكانوا يطعمون الطعام زكاة للنفس من مذمة البخل ومحمدة في الخلق، قال لبيد بن ربيعة: أقي العِرْضَ بالمَالِ التِّلادِ وأشْتَري … بهِ الحَمدَ إنَّ الطّالبَ الحمدَ مُشترِي وفي شعر حاتم الطائي من هذا كثير. وحكى الخليل في العين قول الشاعر: والمالُ يَزْكو بك مُسْتَكْبِراً … يَخْتالُ قد أَشْرَفَ للنّاظر فذكر أن المال يزكو، لكن لا يعرفون أن الصدقة تنمي المال لذلك أكد النبي الخبر بالقَسَم قال: ثلاثة أقسم عليهن - وذكر منها - ما نقص مال عبد من صدقة. الحديث [ت ٢٣٢٥]. فكانوا في ذلك على بدع وضلال عن هدي أبيهم إبراهيم نبي الله ليسوا يعرفون الإخلاص والبعث والحساب. كذلك بقي الاستعمال في السُنة فالصلاة في الشرع دعاء، والزكاة في الشرع نماء، والحج في الشرع قصد .. كله استعمال عربي، لم يتغير إلا البدع المحدثة. فالنبي جاء محاربا للبدع كذلك ورثته. فدعك مما يقول الأصوليون أن اللفظ يحتمل حقيقة لغوية وشرعية جديدة، وأنه ظاهر في الشرعية على احتمال للغوية إن وجدت قرينة، بل هو لسان عربي واحد، وكل ذلك يعلم المراد منه في السياق، لا يحتمل عند من عاين الخطاب. والمقصود أن استحسان البدع سنة جاهلية، ولا يعدو ذلك اللفظ "بدعة حسنة" أن يكون من حروف العرب المنكرة كاستحسان الخمر والأوثان. وكلِّ منكر وضعوا له لفظا يستحسنونه به والله أعلم. - الثلاثون: أن المخالف يزعم أن المستحسنات مستثناة من العمومات الناهية،

стр. 350

على قول من قال أن النهي عام مخصوص. والمستثنى من النهي حكمه الإباحة لأنه راجع إلى رفع الحرج والمستحب لا يستثنى من النهي لأنه لا يتناوله أصلا. فلا بدعة مستحبة. وسواء علينا قلنا بكراهة البدعة الخاصة أو بتحريمها فإنها غير مندوب إليها ولا مثاب على فعلها، لأن المكروه لا ثواب في فعله. - الحادي والثلاثون: يلزم القائلين باستحسان البدع لوازم في مثل منعهم الزيادة في الصلوات والإقامة في النوافل، والجماعة في تحية المسجد .. وهلم جرا. فيلزمهم استحسان جنس ما تقدم! وجوابهم جوابنا. ومن قال أن ذلك راجع إلى أن السكوت في مقام البيان يفيد الحصر!! فَنَعَم، حياة النبي ﷺ كلها مقام بيان، فيدل تركه على أن العمل غير مشروع، ونعوذ بالله من المكابرة والعَشا .. - الثاني والثلاثون: ضابط التخصيص عند أكثر الأصوليين: أنه لا يصح التخصيص إلا إذا كان الباقي من العموم أكثره. والواقع أن أغلب أفراد هذا العام «كل بدعة ضلالة» هو ما يُدَّعى أنه بدعة حسنة، فلك أن تفترض ما لا يخرج عن الحصر من البدع في الكيف أو الزمان أو المكان أو العدد، وكله مستحسن عندهم. فلا يبقى من العموم على فرض التخصيص إلا النادر وهذا ممتنع. فبطلت دعوى التخصيص. - الثالث والثلاثون: مخالفة سنة التَّرك: فالقوم يرون أن البدعة المنكرة ما ثبتت مخالفتها لدليل. وما من بدعة إلا والمخالفة لازمة لها إما للفعل الوجودي أو الترك، وكلاهما سنة. لذلك قال حسان بن عطية: ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها اه فكما ردوا استحسان الأذان والإقامة للعيدين لمخالفته الترك، عليهم أن يلتزموه في كل مستحسن ليس عليه العمل. كذلك تركوا اللفظ المطلق في قول النبي ﷺ : فيما سقت الأنهار والغيم العشور وفيما سقي بالسانية نصف العشر اه [خ ١٤١٢/ م ٢٣١٩] فظاهره قد يحتمل بادي الرأي العموم في الخضر والفواكه، لكنهم قالوا: لا زكاة في الخضر والفواكه واستدلوا بالترك. فيلزم المنصف الذي يرجو لقاء ربه أن يقر بالترك أصلا، ثم لا يخالفه بعد .. - الرابع والثلاثون: أن قصد الشرع من تحريم البدع حفظ السنة من التغيير

стр. 351

بالزيادة والنقص وهذا واقع مع كل بدعة. وهل البدعة المستحسنة إلا ما زاد أصحابها قيدا أو هيئة .. !؟ فلا يصح استثناء شيء إذاً، والاستحسان غير جار على المقاصد. - الخامس والثلاثون: أنهم لم يختلفوا في أن ما احتج به مَنْ اتفقوا على إنكار بدعته شبهات لا حجة فيها، وإن ظنها ظاهرا محكما. فلزم من اتفاقهم أن المطلق وحده لا يكفي في إثبات عبادة، ولازم المذهب لازم. وذلك أن كل بدعة لا بد لصاحبها من شبهة دليل (١). وبالتتبع ترى أن ما استدلوا به لفظه ظاهر في الظاهر، لكن مع جمع النصوص تنصرف دلالته إلى خصوص أو تقييد أو نحو ذلك. فلا يحتج من الظواهر إلا بما رجح في الأدلة وكان عليه العمل الأول. إذ ليس المتشابه ما احتمل بذاته فحسب، ولكن ما يعدل عن ظاهره لأرجح منه أيضا على لسان الأصوليين. فتضمن هذا أن حديث «كل بدعة ضلالة» أصل محكم، وما عارضه مما يظن دليلا على استحسان البدع متشابه. - السادس والثلاثون: أن استدلال المستحسِن بالعموم يعني أن الأمر المبتدع مقصود للشرع أراده الله وعَلِمه النبي ﷺ ، وهذه عظيمة! إذ كيف يقصده ثم لا يفعله ساعة من دهره، أو يأمر به أحدا من أصحابه، أو يبين ثوابه ليحض الناس عليه؟ وقد جاء ﷺ بالبلاغ المبين وهو الغاية في الايضاح. قال تعالى (بلغ ما أنزل إليك) [المائدة ٦٩] وقال سبحانه (لتبين للناس ما نزل إليهم) [النحل ٤٤] والموصول "ما " يفيد العموم، فيتناول كل ما نُزِّل ومنه ما نحن فيه لو كان مشروعا، كذلك قوله ﷺ : ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النَّار إِلا وَقَدْ بُيِّنَ لَكم اه والبيان يعني أن يُظْهَر في الوجود ليَبِين للناس كما عرفت في البيان بالعمل. وقد علم أن المستحب للأمة واجب على النبي ﷺ لوجوب البيان، فكيف ينسب النبي ﷺ إلى التقصير في البلاغ؟!! وكيف يَترك اللطيف الخبير سبحانه نبيَّه ﷺ وخيرَ الأمة بعده ينصرم قرنهم دون فعل قربة يحبها ويثيب عليها، مع قيام الداعي إلى فعلها وهو حب الزيادة في

стр. 352

الطاعة!؟ وهل هذا إلا نسبة الصحابة إلى التقصير ومخالفة القول العمل إذ يروون آية أو حديثا فيه الأمر بطاعة لا يفعلونها وهم يقرؤون قول الله تعالى (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب) [البقرة ٤٣]؟ وقد أخبر النبي ﷺ أن من أصحابه من يُدْعى يوم القيامة من أبواب الجنة كلها لإحصائه أبوابَ الخير عملا [خ ١٧٩٨]. كما أمر الله المؤمنين بالدخول في السَلم كافة - على قراءة الفتح - وهو الإسلام بكافة شرائعه. لذلك كان ﷺ يقرأ عليهم القرآن على مكث ليتعلموه حرفا حرفا ويعملوا به. فقد تقدم قول أبي عبد الرحمن السلمي: إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به اه وقال ابن سعد [٥١٨٨] أخبرنا عبد الله بن جعفر قال حدثنا أبو المليح عن ميمون أن ابن عمر تعلم سورة البقرة في أربع سنين [صحيح]. فمن عرف سيرتهم لم يخطر في ذهنه أن ينسبهم إلى تقصير في فهم أو عمل. ومن تجنب هذا التقدير بقوله: لم يتسع وقتهم لانشغالهم بطاعات أُخَر كالجهاد! وقع في أشد منه إذ نسب القدوس السلام سبحانه إلى تكليفهم ما ليس في وسعهم، فطلب منهم عملا فوق ما يتسع له جهدهم، إلى ما لا يُقْدر عليه من اللوازم المنكرة .. ! مما تنزه عنه شريعةُ الحكيم الرحيم السمحةُ. وقد جمع الله لنبيه زمن الوحي أسباب التشريع قدرا ليسن لأمته، كما قدَّر خسف الشمس ليسن للناس سنته، وقدر سبب الاستسقاء ليسن، وقدر وقوع السهو في صلاة النبي ليسن، وقدر اجتماع العيد والجمعة ليسن، وقدر حيض عائشة ونفاس أسماء في الإحرام وحيض صفية بعد الإفاضة ليسن .. فكان المقتضي لكل عبادة مقصودة قائما زمنه، فحصلت الكفاية وتم البيان. ثم حذر أمته من الحوادث بعد. فما لم يجر عليه العمل غير مقصود للشرع من خطاب عام أو مطلق وكل بدعة ضلالة مطلقا. - السابع والثلاثون: أن الشرع نهى عن صور من التعبد التي يَستحسن جنسَها القائلون بالبدعة الحسنة، كقراءة القرآن في الركوع والسجود وتخصيص ليلة الجمعة بقيام ويومها بصيام .. ولولا النهي الخاص لاستحسنوها وإن لم يكن عليها العمل.

стр. 353

فكما عدلوا عن الاستحسان وعن قولِهم: " لا شيء فيه " لأجل النهي الخاص موافِقِ العام، فليعدلوا عن جنسه للنهي العام والقاعدة المحكمة التي هي من جوامع الكلم. وما يُظَن من المصلحة في ذلك العمل الخاص أهدره الدليل الخاص، وتوقَفَ النظرُ عن التخرص لمعرفة السر في ذلك. فما يقال في الجزء المنصوص عليه يقال في الكل المؤصل له. أي كما لم نعرف وجه النهي الخاص وقابلناه بالتسليم فكذلك الأمر في العامّ. عصمنا الله بِمَنِّه من الهوى و الحُجُب. وهذا الوجه واللهِ كافٍ للمخلصين. - الثامن والثلاثون: أن النبي ﷺ أخبر أن الدين لا يزال والسنةَ في نقصان مع الزمان، وأن البدع لا تزال تكثر، وحذر من ذلك. والناظر يرى أن البدع التي تزداد مع الزمان هي التي يدعي أهلها أنها بدع حسنة! فإنما أنذر ﷺ استشراء البدع التي يقال لها " بدع حسنة " وحذر منها. - التاسع والثلاثون: أن العمل المحدث الذي لم يعمله النبي ﷺ لا يخلو إما أنه لم يعلمه، أو أنه علمه ثم تركه. والأول باطل باتفاق، فلم يبق إلا أنه تركه على علم. ولا يخلو بعدُ إما أنه تركه وهو يعلم أنه يقرب إلى الله، أو أنه لا يقرب. ولا يجوز الاحتمال الأول إذ ما ترك النبي ﷺ شيئا يقرب إلى الله إلا وقد أعلمنا به وعمل به أصحابه رضوان الله عليهم. فلم يبق إلا أنه عمل لا خير فيه، ولا يقرب إلى الله ، وحسبك به ضلالا .. !! فإن قيل: من أين لكم أنه لم يعمله ولا أصحابه؟ قلنا: أوجدونا أنتم أنه عُمل به نَقُلْ به، فإن السؤال لكم لازم، إذ العلم قبل القول والعمل. وليس الشأن في أنه لم يفعل كل ما يُظَن قربة، ولكن الشأن في كون ما لم يفعله ولا أصحابه مشروعا مقصودا! - الأربعون: أن الحظر أقوى من الإذن كما قالوا، ذلك أن الفرع المختلف فيه إذا تردد بين القبول والرد - على فرض الإمكان - كان الرد أرجح، ودفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة عند استوائهما كما قالوا، فكيف والبدع محرمة بأشد صيغ التحريم. وغاية ما اختلفنا فيه أنه مستحب، والمندوب لا يقدم على المحظور. فيترجح جانب المنع، فلا بدعة حسنة.

стр. 354

- الحادي والأربعون: إبطال الأدلة التي تمسكوا بها في إثبات الدعوى، وقد تقدم في التمهيد طرف منها، فلتكن هنا وجها آخر، وإبطال دليل المخالف دليل. ومنه أيضا: - الثاني والأربعون: استدلالهم بما ظنوه دليل الخطاب في قول النبي ﷺ : من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد اه قالوا: مفهومه من أحدث في أمرنا ما هو منه فليس برد، فخصصوا به العمومات المطردة في رد كل بدعة! وهذا رد من وجوه: - أحدها: أن شرط اعتبار المفهوم ألا يبطل نصا، فكيف وهو يلغي - على فرض صحته - كل العمومات المحكمة التي تظاهرت على العموم حتى صارت نصا على اصطلاح الأصوليين. - الثاني: أن المنطوق إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، والمخالف مقر بأن أغلب المحدثات منكرات أي ليست من أمرنا، لأنه لا يجوز أن يكون الباقي من العموم "كل بدعة" هو الأقل على فرض التخصيص. فيكون قوله: ما ليس منه وصفا أغلبيا لا مفهوم له، هذا على لازم مذهبهم وعلى فرض صحة المفهوم. - الثالث: أن قوله "ليس منه" صلة الموصول "ما" لا محل لها من الإعراب، وإنما سيقت لبيان الإسم الموصول لأنه مبهم لا لتقييده، لذلك لا يصح في أنواع المفاهيم "مفهوم الصلة"، إنما ثَم مفهوم الصفة ومفهوم الشرط وما هو مشهور .. و"ما ليس منه" ليس قيدا للمحدث، بل هو المحدث نفسه، إذ لم يقل: من أحدث في أمرنا هذا محدثا ليس منه فهو رد فيكون نعتا ويعطى مفهوم الصفة، وإذن لَوَرَدَ الكلام السابق في شرط اعتبار المفهوم. وجملة الصلة مع اسمها في محل نصب مفعول به تقديره "محدثا"، فكأنه قال: من أحدث في أمرنا هذا محدثا فهو رد. ولو حذفنا الروابط من الجملة وجردنا المسند والمسند إليه، كان تقدير الكلام: المحدث رد، مفهومه: غير المحدث ليس برد، وهو السنة، وهذا هو نقيض المنطوق، والمفهوم إنما يتناول النقيض لا الضد (١). فالمنطوق يثبت الرد بوصف الإحداث، والمفهوم

стр. 355

ينفي الرد لانتفاء الإحداث، فأين الإذن في الابتداع؟! بل الحديث مؤكَّد في رد كل محدثة، أفاد ذلك بالمفهوم وبالعلة وهي الإحداث طردا وعكسا. لذلك اعتبره العلماء قاعدة محكمة في رد كل محدث. وفي معناه الحرف الآخر: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، مفهومه من عمل عملا عليه أمرنا فليس برد. كذلك رواية إسحاق بن إبراهيم: من عمل بغير عملنا فهو رد، مفهومه من عمل بعملنا فليس برد، وهو حديث واحد مخرجه واحد روي بالمعنى، تفسر الرواية أختها. فالحديث مثل سائر الأدلة المحكمة في رد البدع. وقد تقدم ذلك بحمد الله تعالى. - الثالث والأربعون: "تنقيح المناط" إذ أن العلة التي استخرجوها (المخالفة) منقوضة من وجوه: * الأول: أن علة المنع (الإحداث) منصوصة ومراعاة في تصرفات الشرع، فلا حاجة إلى استنباط مناط للحكم غيرها. والعلة المنصوصة مقدمة على الأوصاف المستخرجة، ولا اجتهاد مع وجود النص كما يقولون. * الثاني: أنه لا دليل على صحة التعليل بهذا الوصف (المخالفة)، ولم يثبت أن الشرع استحسن شيئا من البدع. بل أطلق الذم والتزم العموم. وإن قيل: الدليل هو الاستقراء، قلنا: الاستقراء أوجب عكس ذلك كما تقدم في الآثار .. * الثالث: من زعم أن المخالفة هي العلة أراد أن النبي ﷺ قصد النهي عما يخالف سنته فعبر بعبارة تدل على ذلك، وكان الابتداع مظنة المخالفة فعبر به عن المنع، هذا معنى تصرفهم. وهذه وهلة! لأنه لا يعدل المتكلم عن التعليل بالحكمة المقصودة أصالة إلى التعليل بالمظنة إلا لتعذر ضبط الحكم بحكمته تعذرا بعيدا، لأن عادة الشرع في ما يقرب ضبطه أن يعلل به ويصار لضبطه إلى القرائن، كالتعليل بالعمد والخطأ في القتل وهو وصف خفي - تخلف فيه شرط الظهور - يصار لضبطه إلى القرائن الظاهرة، فهذا يدل على أن التعليل بالمخالفة هنا أبعد من ذلك. ومعلوم أن الابتداع والإحداث هو المنضبط عكس المخالفة. فلما عدل النبي ﷺ عن التعليل بالمخالفة دل على أحد أمور: إما أنها لا تصلح علة. أو أن التعليق بالابتداع كان لقطع أسبابها حتى لا تقع المخالفة، فيدل هذا على أن التعليل بالإحداث مقصود. وما سُد
следующие страницы →