← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 124755

أمالي ابن الحاجب

ابن الحاجب

Полный текст (865 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

قولهم في الآخرة. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٩] [التقدير في قوله تعالى: "وكذلك نرى إبراهيم "] وقال أيضاً مملياً على قوله تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض" (١)، لما تقدم قوله: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين" (٢). أشار بقوله: وكذلك، إلى هذا، فكأنه قال: نريه ليعلم هذا كما علم أن ما تقدم لا يصلح أن يكون إلهاً، فإذا ظهر التقدير تبين الإعراب. ويجوز أن تكون الرؤية رؤية العين (٣). والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠] [توجيه القراءات في قوله تعالى: "على كل قلب متكبر "] وقال أيضاً ممليا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة على قوله تعالى: "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" (٤): قرأ أبو عمرو (٥) وابن ذكوان (٦) بتنوين (قلب)، فيكون العموم في القلبوب

стр. 107

مستفاداً من غير تأويل، لأن (كل) داخلة عليه وهو نكرة غير مضاف، كقولك: ضرب كلّ رجل، فلا تبقى الكلية مستفادة إلا في آحاد جنسه، ولا يبقى على هذه القراءة إلا وصف القلب بقوله: متكبر جبار، وهو من صفة الجملة، وهو قريب بوجه من المعنى حسن، وذلك أن العرب تصف الجزء الذي يصح نسبة ذلك المعنى له على الحقيقة بما تصف به الجملة، كما تنسبه إليه (١)، كقولك: أبصرته عيني وسمعته أذني وفهمه قلبي. ومنه قوله تعالى: "فإنه آثم قلبه" (٢)، "وقلوبهم وجلة" (٣)، وأشباه ذلك كثير. ولو قيل إنه في الحقيقة صفته ووصف الجملة به لضرب من السعة لكان صواباً، ولكنه كثر ذلك حتى صار كأنه الأصل. وقرأ باقي القراء بإضافة (قلب) إلى (متكبر) فلا يستفاد العموم في القلوب من الظاهر، ولابد من التأويل لأنه لما أضفت (قلب) إلى (متكبر)، و (متكبر) مفرد غير مضاف إليه (كل) وجب أن يبقى على حكم الإفراد، كما في قولك: أكلت كل رغيف زيد أو كل رغيف إنسان. وإذا بطل العموم في ذلك بطل العموم (٤) فيما أضيف (٥) إليه (كل)، لأنه إنما يعم إذا لم ينسب إلى ما يبطل العموم فيه. وإذا بطل العموم فيما أضيف إليه (كل) وجب حمل الكلية على أجزاء ذلك الواحد لأنه لو عم في الأول لعم في الثاني، وقد بطل التعميم في الثاني. ولو عم في الأول من غير الثاني لم يستقم لأنه ليس للمتكبّر الواحد قلوب حتى يعم قولك: كل قلب، المضاف إليه باعتبارها، فوجب تأويل الآي؛ لأن المعنى الذي سيقت له الإخبار بالطبع على جميع قلوب كل متكبر، وذلك حاصل

стр. 108

بتقدير (كل) محذوف مضاف إلى متكبر، كأنه قيل: كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وحسن لظهور المعنى المراد. وبذلك ينتفي المعارض للعموم في القلب ويحصل الموجب للعموم في المتكبر. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١١] [الفاء في قوله تعالى: "فتصبح الأرض محضرة "] وقال أيضاً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" (١): الفاء للتعقيب من غير مهلة، وإصباح الأرض مخضرة بعد النزول إنما يكون بمهلة. والجواب (٢): أن هذه الفاء فاء السببية، وفاء السببية لا يشترط فيها ذلكن وإنما شرطها أن يكون ما بعدها مسبباً عن الأول كما لو صرح بالشرط. ألا ترى إلى صحة قولك: إن يسلم زيد فهو يدخل الجنة، مع العلم بالمهلة العظيمة بينهما. ثم لو سلم ههنا أنها لمجرد العطف لم يلزم ما ذكره من نفي المهلة، فإن ذلك إنما يكون على حسب ما يعده الناس متعقباً، والاخضرار بد الإنزال بعده الناس متعقبا، ولا يعد مثل ذلك فيه مهلة (٣). ألا ترى إلى صحة قولك: تزوج زيد فولد له ولد، وإن كان لا يكون إلا بعد مهلة في الوجود،

стр. 109

ولكن يصحٌّ إذا لم يكن (١) إلا مهلة الحملة. وكذلك قوله: "ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً" (٢)، وإن كان في كل واحد مهلة وجودية. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٢] [معنى "لا" في قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن "] وقال مملياً بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" (٣): الظاهر أنه نهي (٤)، والمعنى: واتقوا فتنة مقولا فيها: لا تصيبن الذين ظلموا منكم. والنهي في الظاهر للفتنة، والمعنى نهي المعترضين لها، والفعل للإصابة (٥)، والمعنى التعرض للإصابة. وقد يعدل الناهي عن الشيء لمسببه، لأنه هو المقصود بالنهي، وإذا انتقل إلى المسبب أسنده إلى ما هو فاعل له، كقوله: "لا يفتننكم الشيطان" (٦) و"لا يحطمنكم سليمان" (٧)، وكقولك صاحبك عند تعرضه للمعصية: لا تحرقك نار جهنم، فجعلت الفعل للإحراق، والمنهي النار، وإنما المنهي عنه التعرض والمنهي مخاطبك، ولكنك عدلت إلى المسبب إذ النهي عن التعرض إنما هو خشية إحراق النار، فلما عدلت إلى المسبب أسندته إلى ما هو له وهو النار، فكذلك ههنا، فكانه

стр. 110

قال: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين بلاؤها، فعدل عن التعرض الذي هو سبب إلى الإصابة التي هي مسبب. فعلى ذلك يكون الظالمون مخصوصين بالإصابة لأن المعنى: لا يتعرض متعرض للفتنة فتصيبه خاصة، فعدل على ما ذكرناه، فصار لا تصب الفتنة متعرضاً لها خاصة. ثم ذكر المتعرض بلفظ الظالم تشنيعا عليه للصفة التي يكون عليها عند التعرض، فثبت أن المعنى على ذلك خصوص الظالمين بالفتنة. ويجوز أن تكون (لا) نافية، ودخول النون فيها على وجه ليس بالقوي (١)، فيكون المعنى: واتقوا فتنة غير مصيبة الظالمين خاصة، ولكنها تعم الظالم وغيره، فعلى هذا تكون الإصابة عامة بخلاف الوجه الأول. وقد ذكر الزمخشري (٢) هذا الوجه (٣)، وجعلها للإصابة أيضاً فيه خاصة، وليس بجيد، إذ المعنى: وصفها بأنها لا تصيب الظالمين خاصة، وإذا لم تصبهم خاصة، فكيف يصح وصفها بكونها خاصة؟ وقد قيل: إنه يجوز أن يكون جوابا للأمر (٤) ويكون دخول النون أيضاً في النفي على وجه ليس بالقوي، فقدروه بأن قالوا: واتقوا فتنة إن أصبتموها لا تُصب الظالمين خاصة، ولكنها تعم فتأخذ الظالم وغيره، وهو غير مستقيم، إذ جواب الأمر إنما يقدر فعله من جنس الأمر المظهر، لا من جنس الجواب. ألا

стр. 111

ترى أنك إذا قلت: أسلم لا تدخل النار، فإن المعنى: فإنك إن تسلم لا تدخل النار، وليس المعنى: فإنك إن تسلم تدخل النار، وههنا لو كان جواب الأمر لكان التقدير: فإنكم إن تتقوا لا تصب الظالمين، فيفسد المعنى، لأنه يصير الاتقاء سبباً لانتفاء الإصابة عن الظالمين خاصة، فكأنه (١) قيل: الاتقاء من المتقي سبب (٢) لانتفاء الإصابة عن الظالم المرتكب وهو بالعكس أشبه، فظهر أن المعنى لا يستقيم في جعله جواباً لانعكاس المعنى. وقد ذكر الزمخشري ذلك (٣)، وجعله من المعنى الذي يُوجب التعميم بالإصابة للظالمين وغيرهم، وليس بمستقيم، لما تبين فيه من فساد المعنى من أجل أن فعل الشرط المقدر لا يكون إلا إن تتقوا، وعند ذلك لا يستقيم. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٣] [عود الضمير في قوله تعالى: ﴿فنعما هي﴾] وقال أيضاً ممليا بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ (٤). الضمير في قوله: هي، يحتمل أن يكون عائدا إلى الصدقات (٥)، ويحتمل أن يكون على الإبداء (٦)، وهذا هو الظاهر، بدليل قوله: ﴿وإن

стр. 112

تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾ (١)، فذكّر الضمير العائد على الإخفاء. ولو قصد الصدقات لقال: فهي. فلئن (٢) قيل لِم أنَّث والذي عاد عليه مذكر؟ فالجواب: أن هذا على حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، كقولك: القرية اسألها، فلما حذفت المضاف، بقي المضاف إليه على حالة، والتقدير: إبداؤها. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٤] [الجواب على إشكالين في قوله تعالى: "فتذكر إحداهما الأخرى "] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ست عشرة على قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾ (٣): فيه إشكالان: أحدهما: أن قوله: أن تضل، ذُكر تعليلاً لاستشهاد المرأتين موضع رجل، ولا يستقيم في الظاهر أن يكون الضلال تعليلاً للاستشهاد، وإنما العلة التذكير. والإشكال الثاني: قال: فتذكر إحداهما الأخرى، وقياس الكلام في مثل ذلك أن يقال: فتذكرها الأخرى، لأنه قد تقدم الذكر، فلم يحتج إلى إعادة الظاهر (٤). والجواب عن الأول: أن التعليل في التحقيق هو للتذكير، ومن شأن لغة العرب إذا ذكروا علة، وكان للعلة علة قدموا ذكر علة العلة، وجعلوا العلة معطوفة عليها بالفاء لتحصل الدلالتان معا بعبارة واحدة، كقولك: أعددت الخشبة أن يميل الحائط فأدعمها؛ فالإدعام هو العلة في إعداد الخشبة،

стр. 113

والميل هو سبب الإدعام، فذكر على نحو ما ذكرناه، فقيل: أن يميل الحائط فأدعمها (١). ولو قيل: إن الميل في المثال، والضلال في الآية هو السبب لم يكن ذلك بعيد، لأن الضلال (٢) المعلوم من إحداهما (٣) يكثر وقوعه، فصلح أن يكون علة في استشهادهما مقام رجل، وإنما يجيء اللبس ههنا إذا توهم أن وقوع الضلال (٤) هو السبب فيؤدي إلى أن يكون مقصوداً وقوعه باستشهادها، وليس التعليل واجبا فيه أن يكون مقصوداً وقوعه، بل العلة هي المقتضية لذلك المعلوم. ألا ترى إلى قولك: قعدت عن الحرب من أجل الخوف، فالخوف ههنا ليس مراداً وقوعه في قصد المتكلم حتى يكون سبباً للقعود، فكذلك ههنا المقصود أن الضلال المعلوم هو السبب المقتضي في المعنى استشهادهما في موضع رجل، وذلك مستقيم على هذا التأويل. وكذلك يمكن أن يقال في مثال (٥) الحائط: إنه أيضاً هو السبب على الوجه الذي ذكرناه في الآية. وهذا الوجه الثاني يصلح أن يكون للأول ليجيء الثاني بعده، بعد تقدير التسليم. وأما الجواب عن الإشكال الثاني فهو أنا نقول: أصل الكلام على الوجه الأول أن تذكر إحداهما الأخرى عند ضلالها، فقدم على ما ذكرناه، فبقي (أن تذكر إحداهما الأخرى) على ما كان عليه. الثاني هو: أنه لا يستقيم في المعنى

стр. 114

إلا كذلك، ألا ترى أنه إذا قال: أن تضل إحداهما فتذكرها الأخرى، وجب أن يكون ضمير المفعول عائداً على الضالة، فيتعين لها. كما إذا قلت: جاءني رجل وضربته، يتعين أن يكون الجائي هو المضروب، وذلك مخل بالمعنى المقصود، لأنها قد تكون الضالة الآن في الشهادة هي الذاكرة يها في زمان آخر، فالمذكرة هي الضالة. فإذا قيل: فتذكرها الأخرى، لم يفد ذلك لتعين عود الضمير إلى الضالة. وإذا قيل: فتذكر إحداهما الأخرى، كان مبهماً في كل لو انعكس الأمر والشهادة بعينها في وقت آخر، اندرج أيضاً تحته لوقوع قوله: فتذكر إحداهما الأخرى، غير معين. ولو قيل: فتذكرها الأخرى، لم يستقم أن يكون مندرجاً تحته إلا التقدير الأول. فعلم أن العلة هي التذكير من إحداهما الأخرى كيف ما قدر، وإن اختلفت. وهذا المعنى لا يفيده إلا ما ذكرناه، فوجب لذلك أن يُقال: فتذكر إحداهما الأخرى. وهذا الوجه الثاني هو الذي يصلح أن يكون جارياً على الوجهين المذكورين أولاً؛ وإنه في التحقيق هو الذي وجب لأجله مجيثهما ظاهرين. وأما الوجه الذي قبله فلا يستقيم إلا على التقدير الأول، لأن التقدير الثاني جعل الضلال هو العلة فلا يستقيم مع (١) ذلك أن يقال: إن أصل الكلام: أن تذكر إحداهما الأخرى لضلالها، مع القول بأن الضلال هو العلة، فثبت بما ذكرناه من المعنى الصحيح وجوب مجيء الآية على ما هي عليه، وأنه لو غير إلى المضمر لاختل (٢) المعنى المقصود واختصَّ ببعضه. والله أعلم بالصواب.

стр. 115

[إملاء ١٥] [إعراب "إخوانا" في قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غلٍ إخوانا﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة تسع (١) على قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين﴾ (٢). قال: (إخوانا) منصوب بفعل مقدر تقديره: أمدح إخوانا، أو أعني إخوانا؛ والرفع جائز، ولكن النصب أحسن. ويضعف أن يكون منصوباً على الحال (٣)، لأنه إذا كان حالا، فإما أن يكون حالا من الضمير في (ادخلوها) أو من الضمير في (آمنين)، أو من الضمير في (صدورهم) (٤). ويضعف أن يكون من الأولين للفصل بينه وبينه بالجملة الأجنبية وهي: ونزعنا ما في صدورهم من غل. ولا يجوز أن يكون من الضمير في (صدورهم) لأنه مضاف إليه اسم جامد، والمضاف إليه لا ستيم أن يكون منه حال، إلا أن يكون في معنى الفاعل أو المفعول. وإنما لم يكن منه حال لأنه لا يقبل التقييد، والحال إنما جيء بها مقيدة للفاعل أو المفعول باعتبار فعله، وغير ذلك لا يقبل التقيد. ألا ترى أنك لو قلت: حصير زيد راكباً سمار، لم يستقم (٥)، لأنها سمار سواء كان

стр. 116

راكباً أو غير ذلك (١)، فوقع التقيد مفسدا، وكذلك لو قلت: زيد قائماً أبوك، لكان فاسدا، لأنه أبوك قائما أو قاعدا أو غير ذلك، فتقييده، يقع مفسدا. وكذلك لو جعلت (إخواناً) حالا من الضمير في (صدورهم) لم يستقم، لأنها صدورهم، إخواناً كانوا أو غير إخوان (٢). والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٦] [العامل في "إذا "] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: ﴿حتى إذا استيأس الرسل﴾ (٣): من الناس من يقول جواب إذا (جاءهم)، وهو العامل فيها على قول أكثر النحويين، لأن "إذا" عندهم مضافة إلى الفعل الذي هو شرطها عاملة فيه عمل كل مضاف في المضاف إليه. وإذا كان الفعل بعدها معمولا لها تعذر أن يكون عاملا فيها لئلا يؤدي إلى أن يكون عاملا معمولا من وجه واحد وهو محال (٤). وقال بعض النحويين: العامل في "إذا فعل الشرط الذي بعده، وهي عند هؤلاء غير مضافة، وقالوا: إنها في العمل كـ "متى". والفعل الواقع بعد "متى" هو العامل فيا في قول أكثر النحويين (٥)، فلو كانت "إذا" واجباً إضافتها إلى ما

стр. 117

بعدها لإبهامها وجب تقدير إضافة "متى" إلى ما بعدها لإبهامها، ولم يجب في "متى"، فلا يجب في "إذا". وقالوا أيضاً: لو كان العامل فيها جوابها لاستحال أن يقال: إذا أحسنت إلى اليوم أكرمتك غداً، لأن "إذا" ههنا عندهم ظرف للإكرام، وقد فُسّرَتْ بكونها غدا، وأضيفت عند هؤلاء إلى الإحسان (١) الذي هو في اليوم، فيؤدي إلى أن تكون هي (٢) اليوم وغدا في الكلام باعتبار الشيء الواحد، وهو محال، والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٧] [إعراب قوله تعالى: "سلام قولا "] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿ولهم ما يدعون سلام قولا﴾ (٣): في رفعه أوجه: أحدهما: أن يكون بدلا من قوله: ﴿ولهم ما يدعون﴾ (٤)، تقديره: ولهم سلام، ويكون لقوله: سلام، وجهان على هذا التأويل: أحدهما: السلامة، فلا يحتاج إلى تقدير، كأنه قال: ولهم السلامة. والآخر: أن يكون السلام المعروف، ويكون ذلك من الله أو من الملائكة، ويكون المعنى: ولهم ما يتمنونه من الملائكة أو من الله أو من الجميع. ويجوز أن يكون مرتفعا على معنى: هو سلام (٥)، تفسيراً لما يدعونه على المعنيين (٦).

стр. 118

ويجوز أن يكون مرتفعاً على معنى: يقال لهم سلام، استئنافاً أو حالاً من الضمير في (يدعون) أي: مقولا لهم سلام. و (قولا) يجوز أن يكون منصوباً بفعل مضمر محذوف مفعولاً، أعني قولا، أو امدح قولاً، أو على المصدر من القول المقدر مع (سلام) على أحد الأوجه، أو بفعل آخر مقدر له (١) على الاستئناف تقديره: يقال لهم قولا (٢). والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٨] [العطف على عاملين] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿وتصريف الرياح آيات﴾ (٣) وآيات: في التزام العطف على عاملين فيهما (٤). لأن الرفع يحتاج إلى عامل كما أن النصب يحتاج إلى عامل (٥). وأكثر الناس بفرض الإشكال في قراءة النصب لكون العامل لفظياً وهما سواء.

стр. 119

اختلف الناس في مسألة العطف على عاملين، فمنهم من يمنعه وهم أكثر البصريين، ومنهم من يجيزه وهم أكثر الكوفيين، ومنهم من يفصل فيقول: أما مثل قولك: في الدار زيد والحجرة عمرو، فجائز. وأما مثل قولك: زيد في الدار وعمرو الحجرة، فلا يجوز. ويزعم أن هذا ثابت عن العرب، ويعلله بأن إحدى المسألتين، المجرور فيها يلي العاطف، فقام العاطف فيها مقام الجار. وفي المسألة الأخرى ليس المجرور فيا يلي العاطف، فكان فيها إضمار الجار من غير عوض (١). وأما من يمنع العطف على عاملين، فيقول في الآية: إن (آيات) فيها تأكيد لآيات الأولى، ومثل هذا عنده جائز، حتى (٢) لو كانت موضع (آيات) الأخيرة لفظة أخرى لم يجز. ومن قال بالتفصيل فهذا غير جوزه، ويزعم أن مثله: ما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (٣). وقول أبي دؤاد: أكل امرئ تحسبين أمرأ ... ونار توقد بالليل ناراً (٤). ... ومعناه: إنكار أن يعتقد أن صورة الشخص بمجردها توجب الصفات الحميدة لذلك الجنس، كما أنه ليس كل نار توقد توجب أن تكون ناراً مفيدة

стр. 120

للأضياف والمحتاجين. ومعناه: كل امرئ تحسبين أمراً كاملاً وكل نار تحسبينها ناراً مفيدة، ولكن مثل ذلك يحذف للعلم ب، وهو أحسن من إثباته (١). ومخالفوه يزعمون أن المضاف محذوف مقدر، وترك المضاف إليه على إعرابه، ومثله في حذف المضاف وترك المضاف إليه على إعرابه قولهم (٢): ما مثل أبيك ولا أخيك يقولان ذلك. ومثله: ما مثل أبيك يقول ذاك ولا أخيك. ووجه الاستدلال بالمثال الأول أنه لو لم يكن المضاف مقدراً لوجب أن تقول: يقول ذاك، لأنك إذا جعلت "أخيك" معطوفاً على "أبيك" فقد دخل في حكم المضاف إليه مثل، وأنت لا تخبر إلا (٣) ن المضاف لا عن المضاف إليه، بدليل امتناع: كتاب زيد وعمرو حسنان. وإذا قدرت "مثل" كنت عاطفاً "مثل" أخرى على "مثل" الأولى، فعطفت على المضاف، وإذا عطفت على المضاف وأخبرت عنه وجب أن تخبر عنهما جميعاً بدليل وجوب: زيد وعمرو قائمان. وأما (٤) المثال الثاني فلأن المعطوف لا يفصل بينه وبين المعطوف عليه بجزء أجنبي، لأن المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، ولو جعلت "أبيك" معطوفاً على "أخيك" لكنت (٥) فاصلاً بينهما بالجزء الأجنبي الذي هو خبر، وهو: يقول ذاك، فيجب أن تقدر "مثل" لتكون عاطفاً جملة على جملة، حذفت من الجملة الثانية خبرها لدلالة الأول عليه، فكأنه قيل: ما مثل أبيك يقول ذلك ولا مثل أخيك يقول ذلك. والله أعلم بالصواب.

стр. 121

[إملاء ١٩] [إعراب قوله تعالى: "أو أشد خشية "] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة عشر على قوله تعالى: ﴿أو أشد خشية﴾ (١): يجوز في نصبه (٢) أوجه: أحدها: وهو اختيار الزمخشري (٣)، أن يكون حالاً معطوفاً على الكاف، فيكون المعنى: تخشون الناس مثل أهل خشية الله، ولا يجوز أن تكون (٤) الكاف نعتاً لمصدر محذوف عنده، لأنه كان يلزم أن يكون أو أشد خشية، لأن أفعل التفصيل إذا ذُكر بعده ما هو من (٥) جنسه وجب أن يكون مخفوضاً، لأن الغرض نسبته إلى شيء اشترك هو وهم في ذلك المعنى وزاد عليهم، وهذا معنى الإضافة، إلا أنه خالف باب الإضافة من حيث إنه تجب إضافته إلى شيء هو بعضه، فيكون التقدير: يخشون الناس مشبهين لأهل خشية الله أو أشد. فأشد على هذا في موضع نصب عطفاً على الكاف (٦). ولا ينبغي أن تكون في موضع خفض عطفاً على الأهل الذي قامت (خشية) مقامه، لأنه يكون التقدير: مثل أهل خشية الله، أو مثل قوم أشد خشية، فيكون فيه حذف موصوف وإقامة الصفة مقامه، وليس بقياس في غير المصادر.

стр. 122

والوجه الثاني: أن تكون (كخشية الله) على ظاهرها نعتاً لمصدر محذوف، فيكون قوله: (أو أشد خشية)، من باب قولهم: جد جده، كأنه جعل للخشية خشية مبالغة، كما جعل للجد جد مبالغة، فيكون ذكر خشية بعد أشد على أنه معنى للخشية لا على أنه جنس، وإن وافق لفظه، فيكون مثل قولك: زيد أشد خشية. وعلى هذا يجوز أن يكون (أشد) معطوفاً على خشية الله المجرورة بالكاف لكونه مصدراً، ولمصادر يجوز حذف موصوفاتها، يكون التقدير: خشية مثل خشية الله، أو مثل خشية أشد من خشية الله. والوجه الثالث: أن يكون (أشد) منصوباً بفعل مضمر دل عليه (يخشون) الأول، فيكون التقدير: يخشون الناس خشية مثل خشية الله، أو يخشون الناس أشد خشية، فتكون الكاف نعتاً لمصدر محذوف، و (أشد) حالاً، وهذا أولى لوجهين: أحدهم: أنه جرت فيه الكاف على ظاهرها، ولا يلزم ما ذكروه في أن المعطوف يشارك المعطوف عليه في العامل، لأن ذلك في المفردات، وهذه جمل، ولا يلزم في مفردات الجمل المعطوف بعضها على بعض أن تكون من باب واحد. والوجه الثاني: أن قوله: "فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً" (١) ليس له وجه مستيم إلا هذا، فينبغي أن يكون هذا في الإعراب مثله لموافقته لفظه، لأنك في (أشد ذكرا)، لا يستقيم أنتقول: هو حال، لأن قوله: (كذكركم)، يمنعه بالظاهر وبالتقدير، ولا يستقيم أن تكون الكاف نعتاً لمصدر محذوف، لأن (أشد ذكرا) يمنعه، ولا يمكن أن يكون (اشد) معطوفاً على (ذكركم)، لأنه كان يجب فيه الخفض، ولا يستقيم أن يكون (أشد) معطوفاً على الكاف والميم في قوله: (كذكركم)، لأنه يكون عطفاً على المضمر المجرور من غير إعادة عامل، وإذا قدرناه جملتين استقام، فيكون المعنى:

стр. 123

فاذكروا [الله] (١) ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو اذكروا الله في حال كونكم أشد ذكراً في ذكر آبائكم، وهو الذي ذكرناه. وذكر الزمخشري (٢) في هذه الآية الأخيرة وجهين: أحدهما: أنه قال: معطوف على ما أضيف إليه الذكر، وهذا عطف على المضمر المخفوض وذلك لا يجوز عنده. ورد قراءة حمزة (٣) أقبح رد (٤)، والوجه الثاني: أنه قال: معطوف على (آباءكم) فيكون التقدير: فاذكروا الله مثل ذكركم آباءكم أو مثل قوم أشد ذكراً، على معنى: مذكورين كثيراً، وهذا يلزم منه أن يكون أفعل للمفعول وهو شاذ لا يرجع إليه إلا بثبت، وأفعل لا يكون إلا للفاعل كقولهم (٥): هو أضرب الناس، على معنى: أنه فاعل الضرب، سواءً أضفته أو نصبت عنه تمييز (٦)، والله أعلم بالصواب: [إملاء ٢٠] [تثنية الضمير في قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين﴾ (٧):

стр. 124

قال أبو علي الفارسي (١): إنما جاز ذلك مع أن التثنية قد استفيدت من الاسم لأنه أريد مجرداً عن الصغر والكبر (٢)، وعلي ذلك يجوز أن يكون (٣) فيه فائدة زائدة (٤) لم تستفد من قوله: كانتا، وتقديره أنه قد علم أن السماء العدد لمطلق المعدودات من غير اعتبار صفة مخصوصة فأطلق ههنا لهذا الغرض. ويرد عليه أن اللفظ وإن كان صالحاً لإطلاقه على الشيء مجرداً عن الصفات باعتبار الذات لا يصح إطلاقه خبراً دالاً على التجريد عن الصفات، وإنما يعني باللفظ ذاته الموضوعة له. ألا ترى أنك إذا قلت: جاءني رجل، لا يفهم منه إلا ذات من غير أن يدل على تجريد عن مرض أو جنون أو عقل (٥). ثم ولو سلم صحة إطلاق اللفظ لذلك فهو ههنا لا يصح، إذ لو صح لجاز أن يقال: فإن كانتا على أي صفة حصلت، ولو قيل ذلك لم يصح، لأن تثنية الضمير في (كانتا) لم تصح إلا للإخبار عنه باثنتين، مثل قولك: من كانتا جديتك. فتثنية (كانتا) وإن كان باعتبار الضمير يعود على من لم يصح إلا للإخبار عنه بالمثني، وأولى من ذلك أن يقال: الضمير في (كانتا) عائد على الكلالة، والكلالة تكون واحداً واثنين وجماعة (٦). فإذا أخبر باثنين حصلت به فائدة، ثم لما كان الضمير الذي في (كانت) العائد على الكلالة هو في المعنى اثنين صح تثنيته،

стр. 125

فإذن تثنيته فرع عن الإخبار باثنين، إذ لولاه لم يصح، فصح (١) أنه لم تستفد التثنية إلا من قولك: اثنين (٢). وقد أورد على ذلك اعتراض وهو أن هذه الآية مماثلة لقوله: ﴿يوصيكم الله في أولادكم﴾ (٣)، ثم قال: ﴿فإن كن نساء﴾ (٤)، ﴿وإن كانت واحدة﴾ (٥)، فقوله: وإن كانت واحدة، لو كان على ما ذكرتم لوجب أن يصح إطلاق الأولاد على الواحد كما في الكلالة، وإلا كان الضمير لغير مذكور. والجواب بشيء يشمل الجميع وينفي ذلك الأول أيضاً على ما ذُكر، وهو أن يقال: إن الضمير قد يعود على الشيء باعتبار المعنى الذي سيق له ونسب إلى صاحبه، فإذا قلت: إذا جاءك رجال فإن كان واحدا فافعل به كذا، وإن كان (٦) اثنين، فصح إعادة الضمير باعتبار المعنى لأن المعنى المقصود الجائي، فكأنك قلت: فإن كان الجائي من الرجال، لأنه علم من قولك: إذا جاءك. والآية سيقت لبيان الوارث من الأولاد، فكأنه قيل: فإن كان الوارث من الأولاد، لأنه المعنى الذي سيق له الكلام، وكذلك في آية الكلالة، المعنى: فإن كان الوارث من الكلالة، لأنه الغرض المقصود، فقد دخلت الآيتان باعتبار هذا المعنى. ويجوز أن تبقى الآية الأولى على ما ذُكر، ويكون هذا الجواب مختصاً بهذه. والله أعلم بالصواب.

стр. 126

[إملاء ٢١] [العامل في قوله تعالى: ﴿إذ تدعون﴾] وقال أيضاً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة مملياً على قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون﴾ (١): العامل في ﴿إذ تدعون﴾ على وجه (لمقت الله) الأول (٢)، ومعناه: لمقت الله إياكم في الدنيا إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم في الآخرة. وليس فيه من الاعتراض سوى الفرق بين المصدر ومعموله بالأجنبي وهو (أكبر) الذي هو الخبر. والجواب عن هذا بأن الظروف اتسع فيها. وقيل: العامل فيه (مقتكم) الثاني، فيكون المعنى: لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون. فاعترض عليه (٣) بأنهم لم يمقتوا أنفسهم إذ كانوا يدعون في الدنيا. فأجيب عنه بأمرين: أحدهما: أن المراد إذ صح كونكم تدعون، مثل قوله: ﴿إذ ظلمتم﴾ (٤). معناه: إذ ثبت ظلمكم، أي: قامت الحجة به عليكم. فعلى هذا يكون: ﴿إذ تدعون﴾ زمن الآخرة أو يكون المراد بأنفسكم أمثالكم من المؤمنين، فيكون (إذ تدعون) للدنيا، والمراد باللفظ غيرهم. ويجوز أن يكون العامل فيه (أكبر) على التقديرات كلها. ويجوز على

стр. 127

الجواب الأول والثاني أن يكون لمقت الله إياكم في الدنيا، ولمقت الله في الآخرة أيضاً صالح لهما. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٢٢] [استعمال "إذ" في قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سننة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ (١): يجوز أن يكون (إذ ظلمتم) بدلا من اليوم (٢)، فيكون المعنى: إذ ثبت ظلمكم، والعامل في (إذ) ما عمل في اليوم، وهو إما النفع المنفي على معنى: أن انتفاعكم في ذلك اليوم منتف، كما تقول: ما نفعني زيد في الدنيا. فالمنفي النفع باعتبار الدنيا، وهو معنى العامل. وعلى هذا لا يكون المنفي من جهة الآية النفع مطلقاً، وإنما هو نفي نفع مخصوص مقيد بكونه في الآخرة. ويجوز أن يكون العامل ما في (لن) من معنى النفي، أي: انتفى في هذا اليوم النفع (٣)، فيكون المنفي النفع مطلقاً. فإن قلت: فالأشكال في (إذ) باق، لأنها للمضي، وإذا جعلتها من (اليوم)، واليوم يوم القيامة، فقد استعملتها لما هو مستقبل. فالجوابُ: أن النفع المقدر في ذلك اليوم المقصود بالنفي على أن يكون النفي هو العامل إنما يُقدر بعد

стр. 128

ثبوت ظُلمهم، فصار زمان ثبوت الظلم سابقاً للنفع المقدر مستمراً، فصح التعبير عنه بلفظ المضي لأنه بالنسبة إلى عامله ماض مستمر. ويجوز أن يكون تعليلاً، فيكون المعنى: لأجل ظلمكم في الدنيا، وفاعلُ (ينفعكم) إما: ﴿أنكم في العذاب مشتركون﴾ (١)، على أنه لا يسليكم التأسي، وإما مضمر يعود على ما قبله، إما القول وإما القرين، وتكون ﴿إذ ظلمتم﴾ على الوجهين المتقدمين على حاله، و ﴿وأنكم في العذاب مشتركون﴾ تعليلاً. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٢٣] [الخلاف في عرفات هل هي مصروفة أو غير مصروفة ؟] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: ﴿فإذا أفضتم من عرفات﴾ (٢): اختلف العلماء في عرفات ونحوها، هل هي مصروفة أو غير مصروفة؟. فذهب بعضهم (٣) إلى أنها لا تُوصف بصرف ولا بعدم صرف. وهو الصحيح (٤). وذهب بعضهم إلى أنها غير مصروفة، فهؤلاء يقولون: هذه

стр. 129

عرفات ورأيت عرفات ومررت بعرفات (١)، وليس بشيء. وذهب قوم إلى أنها منصرفة لعدم ما يمنع الصرف (٢)، وليس بجيد. الدليل على المذهب الأول: أن المنصرف عبارة عما يقبل الحركات الثلاث والتنوين لفظاً أو تقديراً، وهذا ليس كذلك (٣). وغير المنصرف ما يمتنع من الجر والتنوين لعلتين، وهذا ليس كذلك. فإن قال أصحاب المذهب الثاني: فهو ممتنع عندنا من الخفض والتنوين لوجود العلتين. قلنا: هذا فاسد من جهة أن الجموع إذا سمي بها بقيت على حالها التي كانت عليه قبل التسمية في الإعراب. ألا ترى أنك لو سميت بزيدون امرأة، لقلت: هذه زيدون ورأيت زيدين ومررت بزيدين. فإن قالوا: في "زيدون" إذا سميت به وجه آخر، وهو أن تقول: هذه زيدين (٤)، وإنما قبل: زيدين بالياء ولم يقل زيدون بالواو لأن الياء أخف، ولأنه أكثر، ورأيت زيدين ومررت بزيدين، فتعربه بأعراب المفرد غير المنصرف إن كانت فيه علتان، وبإعراب المنصرف إن لم يكن فيه علتان. قلنا: إنما كان كذلك من جهة أنه معرب بالحروف، وهو خلاف إعراب المفردات، فجعل له وجه آخر ليشبه المفرد في إعرابه لما جعل في المعنى اسما لمفرد. وأما عرفات وشبهه فهو معرب بالحركات، فلا يلزم من تغيير "زيدون" لما جعل مفردا لكونه معربا بالحروف أن يغير عرفات وليس معربا بالحروف.

стр. 130

ووجه آخر وهو: أن "زيدين" إذا أعرب بالحركات كان منصرفا تدخله (١) الحركات الثلاث والتنوين إن لم تكن فيه علتان، وغير منصرف يمتنع منه الجر والتنوين إن كانت فيه علتان، وأما عرفات فلا يتحقق فيه دخول الحركات الثلاث ولا امتناع الجر والتنوين لأجل العلتين، فلا يلزم من الحكم على "زيدين" بمنع الصرف الحكم على عرفات. وأما المذهب الثالث فغاية ما يقولونه: إنه منصرف لأنه لم يجتمع (٢) فيه علتان. والكلام عليهم من وجهين: أحدهما: أنا نقول: إن كان منصرفا لزم أن يدخله الحركات الثلاث والتنوين، وهذا ليس كذلك. والوجه الثاني: أنا نقول: لو سمينا به امرأة لوجب أن تكون فيه علتان بلا خلاف، وعند ذلك لا يخلو إما أن تعربوه على حاله، فوجب ألا يقل: إنه غير منصرف لأنه لم يمتنع من الجر والتنوين ولم يدخله الفتح، وإما أن تعربوه إعراب ما لا ينصرف، فيكون مذهبكم حينئذ هو المذهب الثاني، وقد تقدم بطلانه. لأن غاية ما قدره هؤلاء أنه ههنا ليست فيه علتان إذ جعلوا التأنيث اللفظي فيه لا اعتداد به لكونه للجمع، والتأنيث التقديري لا اعتداد به لتعذر تقديره مع تاء الجمع فمشوا مذهبهم في عين (٣) المسألة بعض مشي. فإذا فرض تسميتهم بها امرأة وجب أن تكون فيه علتان، وعند ذلك إما أن يسلموا ما ذكر أولاً، وإما أن يكون مذهبهم هو المذهب الثاني. والله أعلم بالصواب.

стр. 131

[إملاء ٢٤] [إعراب قوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون﴾ (١): في (٢) إعرابها أوجه: أحدها: (أنهم) مبتدأ، و (حرام) خبر مقدم واجب تقديمه لما تقرر في النحو من أن خبر "أن" لا بد أن يكون مقدما (٣). وهذا إن جعلت فيه (لا) نافية سد المعنى، إذ يصير التقدير: انتفاء رجوعهم ممتنع، فيؤدي إلى معنى الإثبات، إذ نفي النفي إثبات قطعاً. وإن جعلت (لا) زائدة استقام، ومنهم من كره زيادة لا. و (حرام) خبر مبتدأ مقدر تقديره: وهو أو ذاك حرام، يعني ما تقدم من العمل الصالح المدلول عليه قوله: ﴿فمن يعمل من الصالحات﴾ (٤)، ويكون (أنهم لا يرجعون) تعليلاً لقوله: وذاك حرام، كأنه قيل: لم كان ممتنعاً؟ فقيل: لأنهم لا يرجعون. وقد يضعف هذا الوجه بأنه معلوم امتناع العمل على الهالك، فهو إخبار بما قد تحقق وعلم. ويجاب عنه (٥): بأن المراد امتناع دخولهم الجنة، وكنى عنه بامتناع العمل الصالح وهو السبب، فكأنه ترك ذكر المسبب وذكر السبب، فكأنه قيل: ممتنع دخولهم

стр. 132

الجنة لامتناع عملهم (١). وقوله: ﴿حتى إذا﴾ (٢). غاية متعلقة بقوله: ﴿حرام﴾، وهي غاية له، لأن امتناع رجوعهم لا يزول حتى تقوم القيامة. وهي "حتى" التي يحكى بعدها الكلام. والكلام المحكي من الشرط والجزاء، أعني "إذا" وما في حيزها. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٢٥] [إعراب قوله تعالى: ﴿أيهم أشد﴾] وقال أيضا مملياً بالقاهرة سنة عشر على قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾ (٣). قال الشيخ: اختلف في إعرابها. فمذهب الخليل (٤) أنه مرفوع على الحكاية تقديره: لننزعن الذي يقال فيهم: أيهم أشد (٥). فهي على هذا استفهامية، ولذلك قدر القول ليصح وقوع الاستفهام بعده. ومذهب سيبويه (٦)

стр. 133

أنه مبنى على الضم لسقوط صدر الجملة التي هي صلته، حتى لو جيء به لأعرب، فقيل: أيهم هو أشد، فهي على هذا موصولة بمعنى الذي في موضع نصب مفعولاً. لـ (ننزعن)، أي: لننزعن، الذي هم أشد، فضمها بناء (١). وأيهم الموصولة تبني عند حذف صدر الصلة على الأفصح، فإن جاءت كاملة الصلة أعربت باتفاق كقولك: ضربت أيهم هو قائم. ومذهب سيبويه الصحيح، لأن قول الخليل يلزم منه أمور: أحدها: حذف كثير وهو على خلاف القياس. وإنما القول الذي يصح حذفه قول مفرد غير واقع صلة، مثل قوله تعالى: ﴿والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ (٢). وكذلك قوله: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم﴾ (٣). ومثله في القرآن كثير. وأما حذف الصلة والموصول جميعاً فهو بعيد .. الثاني: أن المعنى لا يستقيم إلا أن يقدر: الذي يقال فيه هو أشد، وليس الكلام كذلك. والثالث: أن الاستفهام لا يقع إلا بعد أفعال العلم أو القول على الحكاية، ولا يقع بعد غيره من الأفعال، تقول: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ ولو قلت: ضربت أزيد عندك أم عمرو؟ لم يجز. و (ننزعن) ليس من أفعال العلم. فإذا قلت: ضربت أيهم قام، فالوجه أن تقول: هي الموصولة لا أن تقول: ضربت الذي يقال فيه (٤) أيهم قام. وإنما

стр. 134

يوهم مثل ذلك لكون اللفظ صالحا لجهة أخرى مستقيمة، فيتوهم المتوهم أن حمله على الجهة الأخرى مستقيم. والذي يدل عليه أنك لو قدرت موضعه استفهاماً صريحاً ليس له جهة أخرى يستقيم باعتبارها لم يجز، فلو قلت: ضربت أزيد عندك أم عمرو؟ لكان منافياً لكلام العرب، بخلاف قولك: ضربت أيهم عندك. فلو كانت أيهم استفهاماً يجوز فيها ذلك التقدير لجاز في الاستفهام الذي بمعناها، وإنما المجوز لها ما ذكرناه من كونها موصولة، فثبت أن الوجه مذهب سيبويه، ولا يلزم إلا حذف المبتدأ، وهو سائغ في كل موضع عند قيام القرينة (١). وفي هذا الباب قياس للزوم القرينة، وإنما لم يقع الاستفهام إلا بعد أفعال العلم أو القول. أما القول فلأنه يحكى بعده كل شيء فلا إشكال فيه. وأما أفعال العلم فإنما وقع بعدها الاستفهام لأحد أمرين: إما يكون الاستفهام مستعلماً به؛ فكأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ كان معناه: أعلمني، فإذا قلت: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ كان معناه: علمتُ ما يطلبُ إعلامك بهذا، فصح وقوعه لما بينهما من الاشتراك في معنى العلم، وحُمِل الحسبان والظن عليها لكونها من بابها. وإما لكثرتها في الاستعمال (٢)، فجعل لها شأن في الكثرة ليس لغيرها، كما جُعل لها خصائص في غير ذلك. ولم يكثر غيرها كثرتها (٣)، والله أعلم بالصواب.

стр. 135

[إملاء ٢٦] [إعراب قوله تعالى: ﴿يورث كلالة﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة اثنتي عشرة على قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة﴾ (١). قال: (كلالة) يكون للوارث ممن ليس بولد ولا والد، وللموروث الذي ليس بولد ولا والد، ولنفس المعنى الذي هو القرابة التي ليست باعتبار ولد ولا والد. فإن كانت للمعنى نصبت على المفعول لأجله (٢) سواء كان الرجل وارثاً أو موروثاً، تقديره: وإن كان رجل موروث لأجل هذه القرابة. وإن كانت للميت فالمعنى: وإن كان رجل موروث في حال كونه كلالة، فنصبها على الحال من الضمير في (يورث)، والعامل (يورث)، وكذلك إن كانت للوارث فمعناها: وإن كان رجل مورث؛ ويكون (يورث) من أورث بمعنى: ورث، والرجل الذي يورث هو الوارث، فنصبه على الحال (٣). والأولى في (كان) أن تكون تامة على معنى: وإن حدث أو وقع. وبقية الأقوال المذكورة في نصبها ليست بالقوية (٤). والله أعلم بالصواب.

стр. 136

[إملاء ٢٧] [إعراب قوله تعالى: ﴿غافر الذنب وقابل التوب﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول﴾ (١): غافر الذنب: لا يستقيم أن يكون صفة لقوله: ﴿من الله العزيز العليم﴾ (٢)، لأن غافر الذنب وقابل التوب معناه: أنه يغفر الذنب ويقبل التوب، قال الله تعالى: ﴿إن الله يغفر الذنوب جميعاً﴾ (٣). وقال: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده" (٤). فيكون في معنى الحال أو الاستقبال، فتكون إضافته غير محضة، فيكون نكرة. وأجيب عن ذلك بأن غافر الذنب على معنى ثبوت ذلك له، وإذا كان على معنى ثبوت ذلك له فهو بمعنى المضي، فتكون إضافته محضة فيفيد التعريف فيصح وصف المعرفة به. وهذا الجواب وإن كان سديداً في (غافر الذنب)، و (قابل التوب) إلا أنه لا يمكن مثله في (شديد العقاب)، لأن (شديد العقاب) لا تكون إضافته إلا غير محضة على كل حال، لأنه صفة مشبهة، فلا يفرق بين ماضية وغيره بخلاف اسم الفاعل، فلا يكون إلا نكرة، فيبقى الاعتراض قائما. فحكم بعض النحويين بأن (شديد العقاب) بدل (٥) بعد أن حكم بأن (٦)

стр. 137

ما قبله صفات بالوجه الذي ذكرناه. واختار بعضهم أن يكون (غافر الذنب) من أول الأمر بدلاً كراهة أن يخالف بين الصفات فيجعل بعضها صفة وبعضها بدلا، وأجرى البواقي عليها بدلاً (١)، فكأنه قال: من الله العزيز العليم من رب غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب. وفي هذه الصفات إشكال آخر، وهو قوله: ذي الطول، فإنه معرفة فلا يحسن أن يكون صفة لقولك: من الله، لأنك فصلت بينه وبينه بالبدل، ولا يحسن أن يكون صفة للبدل لأنه نكرة، و (ذي الطول) معرفة، فالأولى أن يقال: هو بدل أيضاً ثان من البدل الأول، كأنه قال: من الله العزيز العليم من رب غافر الذنب من الله ذي الطول. فعلى هذا يستقيم، ولكن بتقدير بدل بعد بدل. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٢٨] [وضع الظاهر موضع الضمير في قوله تعالى: ﴿ذوقوا عذاب النار﴾] وقال أيضاً - هذه من خطة سألته عنها بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة، فكتبها بيده الكريمة - على قوله تعالى: ﴿وأما الذين فسقوا فمأواهم النار﴾ (٢)، إلى قوله: ﴿ذوقوا عذاب النار﴾: فإن قيل: لم أعيد ذكر النار ظاهراً؟ ولم لم يستغن بالضمير عن الظاهر لتقدم الذكر في قوله: فمأواهم النار؟. فالجواب من وجهين: أحدهما: أن

стр. 138

سياق الآية التهديد والتخويف وتعظيم الأمر، وفي ظاهر لفظ النار من ذلك ما ليس في الضمير، ألا ترى إلى قوله: لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغني والفقيرا (١) ... ومثل ذلك في جعل الظاهر موضع الضمير لغرض في مساق الكلام وإن اختلف المساقان، قوله تعالى: ﴿إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾ (٢). و ﴿إنا لا نضيع أجر من أحسن عملاً﴾ (٣). ومثل ذلك في القرآن كثير. والوجه الثاني: أن الجملة الواقعة بعد القول حكاية لما يقال لهم يوم القيامة عند إرادتهم الخروج من النار، فلا يناسب ذلك وضع المضير موضع الظاهر، لأن القول لهم إنما هو بذكر النار، وليس قولهم حينئذ متقدماً عليه ذكر النار حتى يقال: لم يأت ضمير، وإنما اتفق ذكر النار قبلها عند ذكر الجملة التي قبلها خبراً عن أحوالهم، فلما سيق بعدها للإخبار بما يقال لهم في الآخرة في ذلك الوقت، ذكر الكلام على استقلاله. ألا ترى أنك لو قلت: جاءني غلام زيد، وقلت له: سافر زيد، لم يحسن وقوع الضمير ههنا موقع (٤) الظاهر، وإن تقدم الذكر. وسببه ما ذكرناه (٥). والله أعلم بالصواب.

стр. 139

[إملاء ٢٩] [إعراب قوله تعالى: ﴿والذين لا يؤمنون في آذائهم وقر﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمي﴾ (١): يجوز أن يكون (٢) مخفوضاً عطفاً على قوله: ﴿للذين آمنوا﴾. وقوله: ﴿في آذانهم وقر﴾، مرفوع على العطف على قوله: هدى، و (في آذانهم) بيان لمحل الوقر لا خبر (٣) للمبتدأ الذي هو وقر، لأن و (الذين لا يؤمنون في آذانهم وقر) عطف على قوله: ﴿للذين آمنوا هدى وشفاء﴾، فلا بد أن يكون موافقاً له في الإعراب، فيجب أن يكون المعطوف على (للذين) مخفوضاً، والمعطوف على (هدى)، مرفوعاً بالابتداء، ويكون المخفوض مع تقدير خافضه هو الخبر، كما أن الأول كذلك، وإلا لم يكن معطوفاً عليه، ولا يستيم أن يقال: اجعل (في آذانهم وقر) جملة في موضع رفع معطوفة على هدى، لأنه يؤدي (٤) إلى أن يكون المبتدأ جملة، ولا يكون ذلك، إذ (٥) المخبر عنه لا يكون جملة أبداً، ويلزم من هذا التقدير أن يكون عطفاً على عاملين، ومثل هذا في العطف على عاملين جائز عند المحققين المتأخرين، كقولك: في الدار زيد والحجرة وعمرو، وما كل سوداء تمرة ولا بيضاء شحمة (٦)، ونظائره، وهو كثير.

стр. 140

ويجوز (١) أن يكون (والذين لا يؤمنون) مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: هو في آذانهم وقر، على أن يكون المبتدأ الثاني محذوفاً وخبره وقر، و (في آذانهم) بيان لمحل الموقر، ولا يكون الوقر مبتدأ بهذا التقدير، لأنه قد قدر: هو. فإذا جعلت (في آذانهم وقر) مبتدأ وخبراً عن (هو) لم يستقم، إذ لا عائد في الجملة على المبتدأ، وإنما احتيج إلى تقدير (هو) في هذا الإعراب ليحصل ربط بين الجملة الثانية والأولى، لأن الأولى قوله (٢): (هو للذين آمنوا هدى وشفاء) وهو إخبار عن القرآن بأنه للمؤمنين هدى وشفاء، فإذا لم يكن في الثانية ذكر القرآن كانت أجنبية عنها، فلأجل (٣) ذلك قدر (هو). ويجوز أن يكون (والذين لا يؤمنون) مبتدأ (٤)، خبره (٥) (في آذانهم وقر)، من غير تقدير: هو، ويكون العائد على (الذين) الضمير في قوله: آذانهم، ويكون الرابط المحتاج إليه في المعنى، تقديره: والذين لا يؤمنون به. ويجوز أن يكون قوله: ﴿وهو عليهم عمي﴾ مرتبطاً (٦). بقوله: ﴿هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾. فذكر في الجملة الأولى أن القرآن للمؤمنين شفاء، وفيه عكسه على الذين لا يؤمنون، لأن الضمير على (عليهم) للذين لا يؤمنون، وتكون الجملة التي هي قوله: ﴿والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر﴾ معترضة في غير تقدير ضمير كالجمل المعترضة. وفيها تقدير دم من لم يؤمن، وهو من جملة المعاني الذي سيق الكلام له، وتكون هذه الجملة المعترضة، إما على طريق الدعاء، وإما على طريق الإخبار، إذ كلا الأمرين في المعترضة جائز. وكان أصل

стр. 141

الكلام: وهو على الذين لا يؤمنون عمي، فلما قدمت الجملة المعترضة وفيها ذكرهم على الذم أو الإخبار بوقر الأذان استغنى عن الإظهار، فأضمر في (عليهم) ذكرهم، والله أعلم بالصواب. [إملاء ٣٠] [توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ (١): قرأ أبو عمرو إن هذين لساحران (٢). وهي قراءة واضحة. وكذلك روي عنه أنه قال: إني لأستحيي أن أقرأ: إن هذان لساحران، ولعله لم يثبت عنده تؤاثره. وقرأ ابن كثير (٣) وحفص (٤) إن هذا لساحران. إلا أن ابن كثير شدد النون، ولها وجهان: أحدهما: ما ذهب إليه البصريون أن إن مخففة من الثقيلة، وهذان مبتدأ، لبطلان عمل إن لتخفيفها، ولساحران: خبر، واللام

стр. 142

عندهم هي اللام الفارقة بين إن المخففة والنافية، فتدخل على الخبر إن كان بعدها جملة اسمية، وعلى ما هو في معناه إن كان بعدها جملة فعلية. ولذلك التزموا أن يكون الفعل الواقع بعدها من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر؛ وجوز الكوفيون غيره (١). والوجه الثاني: ما ذهب إليه الكوفيون أن إن نافية وما بعدها مبتدأ، واللام بمعنى إلا وما بعدها خبر المبتدأ، كأنك قلت: ما هذان إلا ساحران. وقرأ الباقون: إن هذان لساحران. وهي مشكلة، وأظهرها أن يقال: إن (هذا) مبني لأنه من أسماء الإشارة، فجاء في الرفع والنصب والجر على حال واحدة، وهي لغة واضحة، ومما يقويها أن اختلاف الصيغ في اللغة الأخرى ليست إعراباً في التحقيق لوجود علة البناء من غير معارض، لأن العلة في بناء هذا وهؤلاء كونها اسم إشارة، وهذا كذلك (٢). وقد قيل: إن (إن) بمعنى نعم (٣)، وهذان لساحران: مبتدأ وخبر، وهو ضعيف من جهة أن (إن) بمعنى نعم (٤) لم يثبت إلا شاذاً، ومن جهة أن لام الابتداء لا تدخل على الخبر مع كونها (٥) مبتدأ. وأما من قال: إن (إن) فيها ضمير الشأن محذوفاً، والمراد: إنه هذا

стр. 143

لساحران، فأضعف لدخول اللام في الخبر، ولأن حذف (١) ضمير الشأن المذكور لم يثبت إلا شاذاً في مثل قولهم: إن من يدخل الكنيسة يوما (٢). وعلى ثبوته فهو ضعيف باتفاق، والله أعلم بالصواب. [إملاء ٣١] [توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿والبحر يمده﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر﴾ (٣): من قرأ (والبحر) بالنصب (٤) فمعطوف على اسم أن، ويمده: خبر له، أي: لو ثبت أن البحر ممدود من بعده بسبعة أبحر؛ ولا يستقيم أن يكون (يمده) حالاً في قراءة النصب، لأنه يؤدي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال، لأنها بيان لهيئة الفاعل أو المفعول (٥)، والمبتدأ لا فاعل ولا مفعول، فهو (٦) ممتنع، ويؤدي إلى أن يكون المبتدأ لا خبر له، ألا ترى أنه لا يستقيم أن يكون خبر الأول

стр. 144

خبره، لأن الأقلام خبر الأول، فلا يستقيم أن يقدر مثلها خبراً له. وأما من قرأ بالرفع (١) فمعطوف على افاعل بثبت المراد بعد لو (٢)، وهو أن واسمها وخبرها جميعاً المقدرة بالمفرد المصدر من خبرها إن أمكن، وإلا قدر كوناً، فإذا قلت: أعجبني أن زيدا ضارب، فتقديره: ضرب زيد، وإذا قلت: سرني أن زيداً أخوك، فتقديره: سرني كون زيد أخاك، والتقدير ههنا: ولو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً والبحر، فالبحر معطوف على ما هو في معنى الكون المقدر، فـ (يمده) لا يصح أن يكون خبراً لأن الفاعل لا خبر له فيجب أن يكون حالاً، أي: ولو ثبت البحر في حال كونه ممدوداً بسبعة أبحر، والمعنى عليه. ولا يستقيم أن يقال: إن البحر معطوف على موضع (أن) لأن العطف على الموضع في (أن) شرطه أن تكون مكسورة، مثل: إن زيداً قائم وعمرو، أو في تأويل المكسورة في الأصل (٣)، مثل علمت أن زيداً قائم وعمرو. ومثل: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (٤). لوقوعه بعد قوله: وأذان، بمعنى: وإعلام. فكان مثل قولك: علمت أن زيداً قائم وعمرو. وإنما لم يعطف على المفتوحة لفظاً ومعنى لأنها واسمها وخبرها بتأويل جزء واحد مشرك (٥) لأن، فلو ذهبت تقدر "أن" في حكم العدم لأخللت بموضوعها بخلاف "إن" المكسورة، فإنها لا تغير المعنى، فجاز تقدير عدمها لكونها للتأكيد المحض، كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة، في قولك:

стр. 145

فلسنا بالجبال ولا الحديدا (١). والله أعلم بالصواب. [إملاء ٣٢] [تعلق "من غم" في قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم﴾ (٢): يجوز أن يتعلق قوله: ﴿من غم﴾ بيخرجوا، أي: يخرجوا من أجل الغم، ويجوز أن يتعلق بأرادوا، أي: كلما أرادوا من أجل الغم أن يخرجوا، فأخر عن مفعول (أرادوا)، لأن المفعول أولى بالتقديم. ويجوز أن يكون بدلا من قوله: منها، بدل الاشتمال، والضمير محذوف للعلم به، أي: من غم فيها، وشبهه (٣). والله أعلم بالصواب.
следующие страницы →