الكلام: وهو على الذين لا يؤمنون عمي، فلما قدمت الجملة المعترضة وفيها ذكرهم على الذم أو الإخبار بوقر الأذان استغنى عن الإظهار، فأضمر في (عليهم) ذكرهم، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٠]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾]
وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ (١):
قرأ أبو عمرو إن هذين لساحران (٢). وهي قراءة واضحة. وكذلك روي عنه أنه قال: إني لأستحيي أن أقرأ: إن هذان لساحران، ولعله لم يثبت عنده تؤاثره.
وقرأ ابن كثير (٣) وحفص (٤) إن هذا لساحران. إلا أن ابن كثير شدد النون، ولها وجهان: أحدهما: ما ذهب إليه البصريون أن إن مخففة من الثقيلة، وهذان مبتدأ، لبطلان عمل إن لتخفيفها، ولساحران: خبر، واللام
стр. 142
عندهم هي اللام الفارقة بين إن المخففة والنافية، فتدخل على الخبر إن كان بعدها جملة اسمية، وعلى ما هو في معناه إن كان بعدها جملة فعلية. ولذلك التزموا أن يكون الفعل الواقع بعدها من الأفعال الداخلة على المبتدأ والخبر؛ وجوز الكوفيون غيره (١).
والوجه الثاني: ما ذهب إليه الكوفيون أن إن نافية وما بعدها مبتدأ، واللام بمعنى إلا وما بعدها خبر المبتدأ، كأنك قلت: ما هذان إلا ساحران.
وقرأ الباقون: إن هذان لساحران. وهي مشكلة، وأظهرها أن يقال: إن (هذا) مبني لأنه من أسماء الإشارة، فجاء في الرفع والنصب والجر على حال واحدة، وهي لغة واضحة، ومما يقويها أن اختلاف الصيغ في اللغة الأخرى ليست إعراباً في التحقيق لوجود علة البناء من غير معارض، لأن العلة في بناء هذا وهؤلاء كونها اسم إشارة، وهذا كذلك (٢).
وقد قيل: إن (إن) بمعنى نعم (٣)، وهذان لساحران: مبتدأ وخبر، وهو ضعيف من جهة أن (إن) بمعنى نعم (٤) لم يثبت إلا شاذاً، ومن جهة أن لام الابتداء لا تدخل على الخبر مع كونها (٥) مبتدأ.
وأما من قال: إن (إن) فيها ضمير الشأن محذوفاً، والمراد: إنه هذا
стр. 143
لساحران، فأضعف لدخول اللام في الخبر، ولأن حذف (١) ضمير الشأن المذكور لم يثبت إلا شاذاً في مثل قولهم:
إن من يدخل الكنيسة يوما (٢).
وعلى ثبوته فهو ضعيف باتفاق، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣١]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿والبحر يمده﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر﴾ (٣):
من قرأ (والبحر) بالنصب (٤) فمعطوف على اسم أن، ويمده: خبر له، أي: لو ثبت أن البحر ممدود من بعده بسبعة أبحر؛ ولا يستقيم أن يكون (يمده) حالاً في قراءة النصب، لأنه يؤدي إلى تقييد المبتدأ الجامد بالحال، لأنها بيان لهيئة الفاعل أو المفعول (٥)، والمبتدأ لا فاعل ولا مفعول، فهو (٦) ممتنع، ويؤدي إلى أن يكون المبتدأ لا خبر له، ألا ترى أنه لا يستقيم أن يكون خبر الأول
стр. 144
خبره، لأن الأقلام خبر الأول، فلا يستقيم أن يقدر مثلها خبراً له.
وأما من قرأ بالرفع (١) فمعطوف على افاعل بثبت المراد بعد لو (٢)، وهو أن واسمها وخبرها جميعاً المقدرة بالمفرد المصدر من خبرها إن أمكن، وإلا قدر كوناً، فإذا قلت: أعجبني أن زيدا ضارب، فتقديره: ضرب زيد، وإذا قلت: سرني أن زيداً أخوك، فتقديره: سرني كون زيد أخاك، والتقدير ههنا: ولو ثبت كون ما في الأرض من شجرة أقلاماً والبحر، فالبحر معطوف على ما هو في معنى الكون المقدر، فـ (يمده) لا يصح أن يكون خبراً لأن الفاعل لا خبر له فيجب أن يكون حالاً، أي: ولو ثبت البحر في حال كونه ممدوداً بسبعة أبحر، والمعنى عليه. ولا يستقيم أن يقال: إن البحر معطوف على موضع (أن) لأن العطف على الموضع في (أن) شرطه أن تكون مكسورة، مثل: إن زيداً قائم وعمرو، أو في تأويل المكسورة في الأصل (٣)، مثل علمت أن زيداً قائم وعمرو. ومثل: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (٤). لوقوعه بعد قوله: وأذان، بمعنى: وإعلام. فكان مثل قولك: علمت أن زيداً قائم وعمرو. وإنما لم يعطف على المفتوحة لفظاً ومعنى لأنها واسمها وخبرها بتأويل جزء واحد مشرك (٥) لأن، فلو ذهبت تقدر "أن" في حكم العدم لأخللت بموضوعها بخلاف "إن" المكسورة، فإنها لا تغير المعنى، فجاز تقدير عدمها لكونها للتأكيد المحض، كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة، في قولك:
стр. 145
فلسنا بالجبال ولا الحديدا (١).
والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٢]
[تعلق "من غم" في قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم﴾]
وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم﴾ (٢):
يجوز أن يتعلق قوله: ﴿من غم﴾ بيخرجوا، أي: يخرجوا من أجل الغم، ويجوز أن يتعلق بأرادوا، أي: كلما أرادوا من أجل الغم أن يخرجوا، فأخر عن مفعول (أرادوا)، لأن المفعول أولى بالتقديم.
ويجوز أن يكون بدلا من قوله: منها، بدل الاشتمال، والضمير محذوف للعلم به، أي: من غم فيها، وشبهه (٣). والله أعلم بالصواب.
стр. 146
[إملاء ٣٣]
[تعلق الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿عنده من الله﴾]
وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾ (١):
يجوز أن يتعلق (من الله) بـ (كتم)، ويكون الكتمان كتمانه عن الأداء الذي أوجبه الله ككتمانها عن الله. ويجوز أن يتعلق بما تعلق به (عنده)، أي: شهادة حاصلة عنده من الله، على معنيين: أحدهما: أن يراد أنها من قبيل الشهادات التي حصلت من الله واجباً أداؤها. والثاني: على معنى أنها شهادة حصلت من إخبار الله تعالى، وما أخبر الله تعالى به فهو حق، وكتمان الشهادة إم، ولما أخبر الله بما تقدم كان إخباره موجباً للعلم بخبره، فهي شهادة من إخبار الله، فإذا كتمها كتم شهادة حاصلة عنده من إخبار الله. ويجوز أن يقدر (من الله) متعلقا بمحذوف غير متعلق (عنده)، والمعنى سواء. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٤]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿لما آتيتكم﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم﴾ (٢) إلى آخرها.
стр. 147
قيل: المراد ميثاق النبيين من غير حذف مضاف (١). وقيل المراد ميثاق أمم النبيين.
واللام في (لما) بالفتح هي اللام الموطئة للقسم المراد. وإن كان القسم مفهوماً من أخذ الميثاق أيضاً، ولذلك يجاب بما يجاب به القسم الإخباري تارة والطلبي أخرى. فمثال الأول، ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم﴾ (٢). ومثال الثاني: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم﴾ (٣).
و (ما) في قوله: لما، شرطية (٤)، منصوبة بآتيتكم، لأنه مسلط عليه تسلط المفعولية، كقولك: أي شيء آتيتكم فاقبله.
و (من كتاب وحكمة) تبيين للمؤتى. وقوله: ثم جاءكم رسول، معطوف على فعل الشرط. وقوله: لتؤمنن، هو في المعنى جواب القسم وجواب الشرط، إلا أنه إذا تقدم القسم على الشرط روعي القسم المقدم بجعل اللفظ له على ما يستحقه جواب القسم، كقوله: ﴿لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن﴾ (٥). وجميع ما في القرآن والكلام الفصيح على هذا. ولذلك التزم في الشرط المؤخر عن القسم المصدر أن
стр. 148
يكون فعله لا يقبل الجزم بالشرط كما تقدم في مواضع كراهية أن يعمل حرف الشرط في أول الفعلين مع جعل الجواب لغيره، فقصدوا أن يأتوا به غير عامل في الموضع (١) الذي جعلوا الجواب في اللفظ لغيره. وأما لو أتى القسم بعد الشرط فجائز جعله للشرط وجعله للقسم. فإذا جعل للشرط جعل القسم معترضاً، كقولك: إن تكرمني – والله – أكرمك. فإذا جعلته للقسم جعلت القسم وجوابه للشرط، فيجب أن تقول: إن تكرمني فوالله لأكرمنك، لأنه موضع يجب فيه دخول الفاء إذا قصد به جواب الشرط (٢).
ويجوز أن تكون (ما) موصولة: فتكون في موضع رفع بالمبتدأ (٣)، والضمير المحذوف قوله: لما آتيتكموه، و (من كتاب): على معناه، ثم (جاءكم) معطوف على الصلة، والعائد منه على الموصول محذوف، لأن الجملة المعطوفة على الصلة مشروط فيها من الضمير ما يشترط في الصلة، فيكون المعنى عنده أو بعده، أو يكون قوله: لما معكم، سد مسد الضمير، لأنه بمعناه، ويكون قوله: لتؤمنن، خبر المبتدأ. ويجوز الإخبار عن المبتدأ بالجملة القسمية، كقولك: زيد لتضربنه (٤).
وأما من قرأ بالكسر (٥) فهي لام التعليل لقوله: لتؤمنن به ولتنصرنه، من حيث كان مطلوباً في المعنى، وتكون (ما) مصدرية أو مؤصولة، أي: آمنوا بكتابي وانصروا رسولي لأجل إيتائي إياكم الكتاب والحكمة، أو لأجل الذي
стр. 149
آتيتكموه من الكتاب والحكمة، أو لقوله: وإذ أخذ الله، أي: أخذنا ميثاقهم لأجل ما فضلناهم به من إيتاء الكتاب والحكمة، وجاء على لفظ الخطاب، لأنهم إذا أخذ ميثاقهم كانوا مخاطبين. فجاء على الحكاية، كقوله: ﴿وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون﴾ (١)، بالتاء وهي قراءة الأكثرين. وأما من قرأ بالياء (٢) فلمجيئه بلفظ الغيب، وهو قوله: بني إسرائيل. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٥]
[توجيه قراءات قوله تعالى: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾ (٣):
قرأ نافع (٤) وابن كثير: وإن كلا لما، بتخفيف إن ولما. وقرأ حفص وابن عامر (٥) وحمزة: وإن كلا لما، بالتشديد في إن ولما. وقرأ أبو بكر (٦): وإن كلا
стр. 150
لما، بتخفيف الأول وتشديد الثاني. وقرأ أبو عمرو والكسائي (١): وإن كلا لما، بتشديد الأول وتخفيف الثاني. وهي واضحة إلا قراءة ابن عامر وحمزة وحفص، فإنها مشكلة، ودونها في الإشكال قراءة أبي بكر.
أما من قرأ: وإن كلاً لما، وهي قراءة ابن كثير ونافع (٢)، فإن مخففة من الثقيلة و (كلا) منصوب بها على إحدى اللغتين في الأعمال والإلغاء، وهي لغة فصيحة. واللام هي اللام الفارقة (٣)، و (ما) زائدة، أو بمعنى الذي و (ليوفينهم) جملة في موضع خبر إن، واللام فيها لام القسم، وحسن زيادة (ما) على القول بأنها زائدة لما قصد إلى جعل (ليوفينهم) جواب قسم، فلم يحسن اجتماع اللامين: اللام الفارقة، ولام جواب القسم، فلولا (ما) لقيل. لليوفينهم، فزيدت لتفرق (٤) بينهما، أو صلة لما إن جعلنا (ما) موصولة، كأنه قيل: وإن هؤلاء الذين والله ليوفينهم ربك أعمالهم.
وأما قراءة أبي عمرو والكسائي فإن (كلا) اسم (إن) وهو واضح، والكلام في (لما ليوفينهم) كالكلام في قراءة نافع ومن معه (٥) سواء إلا التخفيف والتشديد في إن.
стр. 151
وأما قراءة ابن عامر وحمزة وحفص وهي المشكلة (١)، فقيل: لما مصدر من قوله: ﴿أكلا لما﴾ (٢)، أي: وإن كلا جميعاً، ثم حذف التنوين إجراء للوصل مجري الوقف (٣)، وهو ضعيف، لأن استعمال لما في هذا المعنى بعيد، وحذف التنوين من المنصرف في الوصل أبعد.
وقيل: أصله: لمن ما، فأدغمت النون في الميم، فاجتمع ثلاث ميمات، فاستثقل اجتماع الأمثال، فحذفت الميم الأولى، فبقى لما، وهذا بعيد لا ينبغي أن يحمل عليه كتاب الله، فإن حذف مثل هذه الميم استثقالاً لم يثبت في كلام ولا شعر، فكيف يحمل عليه كتاب الله.
وقيل: (لما) فعلى من اللم (٤)، ومنع الصرف لأجل ألف التأنيث، والمعنى فيه مثل معنى لما المنصرف، وهذا أبعد، إذ لا يعرف لما فعلى بهذا المعنى ولا بغيره، ثم كان يلزم هؤلاء أن يميلوا لمن أمال، وهو خلاف الإجماع، وأن يكتبوها بالياء، وليس ذلك بمستقيم.
ولو قيل: إن (لما) هذه هي لما الجازمة، حذف فعلها للدلالة عليه، لما ثبت من جواز حذف فعلها في قولهم: خرجت ولما، وسافرت ولما، ونحوه، وهو سائغ فصيح. فيكون المعنى: وإن كلا لما يهملوا أو لما يتركوا، لما تقدم من الدلالة عليه من تفصيل المجموعين لقوله: ﴿فمنهم شقي وسعيد﴾ (٥)، ثم ذكر الأشقياء والسعداء ومجازاتهم، ثم بين ذلك بقوله: ﴿ليوفينهم ربك
стр. 152
أعمالهم﴾. وما أعرف وجهاً أشبه من هذا، وإن كانت النفوس تستبعده من جهة أن مثله لم يقع في القرآن، والتحقيق يأبي استبعاده لذلك.
وأما قراءة أبي بكر فلها وجهان: أحدهما: الوجوه المذكورة في قراءة ابن عامر، فتكون (إن) مخففة من الثقيلة في قراءتهم. والوجه الثاني: أن تكون (إن) نافية، ويكون (كلا) منصوباً بفعل مضمر تقديره: وإن أرى (١) كلا، أو وإن أعلم ونحوه، و (لما) بمعنى إلا كقوله: ﴿إن كل نفس لما عليها حافظ﴾ (٢)، ومن ههنا كانت أقل إشكالاً من قراءة ابن عامر لقبولها هذا الوجه الذي هو غير مستبعد ذلك الاستبعاد، وإن كان في نصب الاسم الواقع بعد حرف النفي استبعاد، ولذلك اختلف في مثل قوله:
ألا رجلاً جزاه الله خيراً (٣).
هل هو منصوب بفعل مقدر أو نون ضرورة؟ فاختار الخليل إضمار الفعل واختار يونس (٤) التنوين للضرورة (٥). والله أعلم بالصواب.
стр. 153
[إملاء ٣٦]
[إضافة اليوم إلى الوقت]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله تعالى: ﴿قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم﴾ (١):
إن قيل: كيف أضيف يوم إلى الوقت والمراد به الوقت، فيؤدي إلى أن يكون إلى وقت المعلوم، وكان قوله: إلى الوقت المعلوم، يفيد ذلك؟ والجواب من أوجه: أحدها: أن يكون المراد بالوقت المعلوم النفخ في الصور، فكأنه قال: إلى وقت النفخ، إما على أن يكون الوقت المعلوم (٢) غلب علماً عليه، وإما على حذف مضاف، أي: إلى يوم نفخ الوقت المعلوم والثاني: أن يكون المراد بالوقت المعلوم القيامة، فيكون مثل قوله: إلى يوم القيامة، إما على حذف مضاف، وإما على أن يكون علماً على الوجهين المتقدمين. والوجه الثالث: أن يكون المراد بالوقت المعلوم النفخ، والمراد بيومه يوم القيامة، وأضيف إليه لما بينه وبينه من الملابسة، لأنه علامة عليه وسبب إليه. والرابع: أن يكون المراد بالوقت المعلوم (٣) يوم القيامة، والمراد بيومه يوم النفخ، وأضيف يوم النفخ إلى يوم القيامة لملابسته له وسببته عليه، أو بهذه الأوجه يندفع الإشكال، ويندفع معنى إضافة يوم إلى الوقت. والله أعلم بالصواب.
стр. 154
[إملاء ٣٧]
[إعراب قوله تعالى: ﴿لابثين فيها﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة، على قوله تعالى: ﴿لابثين فيها أحقاباً﴾ (١):
الظاهر أنه حال من الموصول (٢) وهو الألف [واللام] (٣) لا من الضمير في الصلة، وإن كان (٤) مدلولهما في المعنى ذاتاً واحدة، إلا أنه لما اختلف عاملهما صح تقييد الموصول بمثل هذه، ولم يصح تقييد الضمير. فالعامل فيه الاستقرار العامل (٥) في الجار والمجرور، لأنك لو جعلته حالاً من الضمير في الطاغين لوجب أن يكون العامل طاغين، فيلزم أن يكونوا طاغين في حال كونهم لابثين، فيلزم أن يكون معناه: طغوا في حال لبثهم، وهو غير مستقيم، لأنهم لم يطغوا في حال اللبث ولأن الطغيان المراد ما كان في الدنيا، واللبث في الآخرة، فكيف يستقيم تقييد ماضٍ بحال (٦)؟.
وإذا جُعل حالا من الموصول كان المعنى: استقرت للذين كانوا طاغين في حال كونهم لابثين، أي: في حال كون الذين كانوا طاغين لابثين، لا أنهم طغوا لابثين. ومما يحقق ذلك أن رجلاً لو ضرب غلامه وهو كافر، ثم جاء بعد ذلك
стр. 155
إليك وهو مسلم، فإن قلت: جاءني الضارب [غلامه] (١) كافراً، كان حالا من الضمير، وإن قلت: جاءني الضارب مسلماً، علمت أنه حال من الموصول، إذ لم يضرب في حال كونه مسلماً، وإنما جاء في حال كونه مسلماً، فكذلك هذا سواء.
ويجوز أن يكون خبراً بعد خبر لـ (كان) على مذهب الكوفيين، كأنه قيل: كانت جهنم لابثاً الطاغون (٢) أحقاباً. فلما تقدم ذكر الطاغين وجب إضماره، وهو جار على غير من هو له، لأنه جار على جهنم خبراً، وهو في الحقيقة للطاغين. فمن جوز جرى الصفة على غير من هي له من غير إبراز الضمير (٣) فجائز أن يكون هذا منه. ومن لم يجوزه لم يجوز أن يكون منه، ولو كان منه عنده لوجب أن يقال: لابثاً فيها هم أحقاباً.
ويجوز أن يكون منصوباً بفعل مقدر مستأنف من باب الاختصاص بإضمار أعني أو أذم أي: أعني قوماً لابثين، أو أذم قوماً لابثين وشبهه والوجه هو الأول. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٣٨]
[إعراب قوله تعالى: ﴿إلا قليلاً نصفه﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله تعالى: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً نصفه﴾ (٤):
стр. 156
إن جعل (نصفه) بدلاً من (قليلاً)، ففيه إشكالان: أحدهما: ما يلزم من أن يكون النصف قليلاً لأنه بدل الكل من الكل، فيجب أن يكون الاسمان صالحين، وليس النصف قليلاً بالنسبة إلى الكل. والإشكال الثاني: أنه يؤدي إلى استثناء غير الأقل، وهو ممنوع عند كثير من النحويين والفقهاء. وإن جعل بدلا من الليل أدى إلى أن يكون المبدل منه مقصوداً غير مقصود، لأن الاستثناء منه يشعر بأنه مقصود، وكونه مبدلا منه يشعر بأنه غير مقصود، وهو ممتنع.
والجواب: أن يكون على أحد وجهين: إما بدلا من الليل (١)، وقولهم: إن الاستثناء يشعر بأنه مقصود، ليس بمستقيم، فإن الاستثناء إنما يكون باعتبار المفردات عند أهل التحقيق، لا باعتبار التركيب. وإذا كان كذلك فلا مناقضة بين كونه مستثنى منه ومبدلا منه. ألا ترى أنك لو قلت: أكرم بني فلان إلا فلاناً نصفهم أو غلمانهم، لكان جائزاً. نعم يلزم أن يكون البدل راجعاً إلى المبقي بعد الاستثناء لا إلى أصل المستثنى منه، وإلا وقع الاستثناء لغواً. فيكون (نصفه) لليل المستثنى منه القليل لا لليل بكماله، فيرجع إلى دون النصف، ويكون قوله: أو أنقص منه قليلاً، أو أنقص من هذا النصف (٢) الذي هو أقل من النصف، فيصير في التقدير ثلثاً، أو انقص من النصف الأصلي قليلاً، فيكون أدنى من النصف. ويكون (أو زد عليه) على المعنيين المذكورين، فيصير المعنى الأول في معنى (٣) النصف المكمل، والمعنى الثاني في معنى أكثر من النصف. وعلى هذين المعنيين قرئ: أدنى من ثلثي الليل نصفه وثلثه،
стр. 157
بالخفض عطفاً على ثلثي الليل (١)، فيكون المعنى أقل من نصفه وأقل من ثلثه، وبالنصب عطفاً على أدنى، فيكون المعنى نصفاً مكملاً وثلثاً مكملاً.
والوجه الثاني: أن يكون (إلا قليلاً) استثناء من نصفه مقدماً عليه لرؤوس الآي، فيكون التقدير: قم نصف الليل إلا قليلاً، موافقاً لقوله: ونصفه بالخفض أو أنقص منه قليلاً، يعني: من النصف المستثنى منه، فيكون موافقاً لثلثه بالنصب والخفض جميعاً، لأن أقل من النصف بقليل (٢) يجوز أن يكون ثلثاً، ويجوز أن يكون أقل.
وقوله: (أو زد عليه)، أو زد على النصف المكمل، فيكون موافقاً للقراءتين جميعاً، لأن أكثر من (٣) النصف يجوز أن يكون ثلثين، ويجوز أن يكون أقل منهما. هذا كله إذا لم يجعل (نصفه) بدلاً من (قليلا). فإن جعل (نصفه بدلا من (قليلاً) وصح إطلاق القليل عليه، كان المعنى: قم الليل إلا نصفه، أي: قم نصفه، فيكون موافقاً لقراءة (نصفه) بالنصب. وقوله: (أو انقص منه قليلاً)، أي: أو انقص من النصف وهو مكمل على كل تقدير، فيكون موافقاً للنصب والخفض في ثلثه، لأن أقل من النصف يجوز أن يكون ثلثاً، ويجوز أن يكون أقل من الثلث، وموافقته للخفض في نصفه واضح، ويكون قوله: (أو زد عليه)، أو زد على النصف المكمل، فيكون موافقا لقوله: (أدنى من ثلثي الليل) لا موافقاً لما بعده في نصب ولا خفض. والله أعلم بالصواب.
стр. 158
[إملاء ٣٩]
[إعراب قوله تعالى: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم﴾ (١):
في نصب (سواء) أقوال (٢): أحدها: أن يكون مفعولاً بعد مفعول لجعل (٣)، فيكون (كالذين)، و (سواء) في درجة واحدة باعتبار المفعول الثاني، كما تقول: جعلت زيداً عالماً كريماً، فعالما كريما وشبهه ولو تعددت آلافاً مفعول ثان لأن الجميع في معنى واحد باعتبار تعلق الجعل به، وهي كأخبار المبتدأ إذا تعددت، فيكون التقدير: أحسب المجترحون أن نجعلهم مماثلين مستوين في الحياة والممات،‘ أي: هذا ليس بكائن.
ويجوز أن يكون (سواء) حالاً من (الذين آمنوا)، ويكون المفعول الثاني (كالذين) وحده وما في حيزه، أي: أحسبوا أن نجعلهم مماثلين للمؤمنين في حال كون المؤمنين مستوياً محياهم ومماتهم، وهذا إذا كان المعنى على أن المؤمنين قُصد إلى أنهم مستو محياهم ومماتهم، على معنى: أنهم لا يعذبون بعد الممات كما لا يعذبون في الحياة. فأما إذا قُصد أن الكفار هم الذين استوى محياهم ومماتهم على معنى: أنهم لا ينعمون بجنة بعدها كما لم ينعموا بجنة في الحياة، فيكون الإعراب على غير ذلك، وهو أن (سواء) يتعين لأن يكون حالاً من الضمير في (نجعلهم)، لأن المراد أن حالهم قد استوت في حال حياتهم وموتهم، فيصير المعنى: أحسبوا أن نجعلهم في
стр. 159
حال كونهم استوى محياهم ومماتهم لأنهم ثابتون على هذه الحال مماثلين للذين آمنوا وعملوا الصالحات الذي هم في الآخرة في الجنة. وعلى هذين المعنيين تجري قراءة الرفع (١) في قوله: ﴿سواء محياهم ومماتهم﴾، هل الضمير في محياهم للمؤمنين، فيكون على المعنى الأول، أو للكافرين، فيكون على المعنى الثاني؟ ومحياهم ومماتهم فاعل لسواء (٢) على التقديرين. ويجوز أن يكون محياهم ومماتهم بدلا من الضمير في (نجعلهم)، على أنه بدل الاشتمال، أي: أحسبوا أن نجعلهم (٣) محياهم ومماتهم سواء، مثل الذين آمنوا، أي: مثل محيا وممات الذين آمنوا وعملوا الصالحات. ويجوز أن يكون (سواء) منصوباً على المصدر بما تضمنه التشبيه في (كالذين)، أي: نجعلهم مماثلين للذين آمنوا مماثلة متأكدة عبر عنها بالاستواء لتأكيد المثلية فيها، فيجب أن يكون محياهم ومماتهم غير مرتفع به، إذ المصدر المنصوب على أنه مفعول مطلق لا يعمل، فيكون إما بدلا من الضمير في (نجعلهم)، وإما ظرفاً، أي: في محياهم وفي مماتهم، أي: زمن الحياة وزمن الموت. وإما بدلا من (الذين آمنوا)، ويكون المعنى: أن نجعلهم، أي: أن نجعل حياتهم وموتهم كحياة الذين آمنوا وموتهم (٤). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٠]
[معنى قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم
стр. 160
إن أتاكم عذابه بياتا أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون﴾ (١).
قيل: معنى (أرأيتم) التعجب (٢)، أي: ما أعجب أمركم إذا أتاكم العذاب، واستعمل (أرأيت) في هذا المعنى لملازمة الرؤية فيما يعظم وقعه حتى صار في المعنى كأنه ما أعجب، فيكون جواب الشرط مستفاداً مما في معنى أرأيتم، أي: إذا أتاكم العذاب فما أعظم أمركم!، ويكون قوله: (ماذا يستعجل منه المجرمون) تقريراً لما ارتكبوه مما يؤدي إلى سوء منقلبهم الذي يعظم أمره حتى يتعجب منه، لأن العذاب الذي استعجلوه هو المفضي بهم إلى الحال الشنيعة التي لا مخلص لهم منها، فيحسن الابتداء على هذا بقوله: (ماذا يستعجل). وأخرج الكلام مخرج الغيبة بقوله: المجرمون، وإن كان المعنى: على ماذا تستعجلون؟ تنبيهاً لإبانة الصفة التي نشأ التجرو منها وهو الإجرام، وهو باب من بديع الكلام.
وقيل: معنى (٣) (أرأيتم) أي: أخبروني، واستعمل (أرأيتم) في هذا المعنى لكثرته في التعجيب، والتعجيب مستلزم لطلب الخبر، فيكون جواب الشرط مستفادا من معنى (أرأيتم)، ويكون (ماذا يستعجل) معمولا لمعنى أخبروني، والمعنى: ماذا تصنعون (٤) إذا وقع مما تستعجلونه (٥)، فاستعمل السبب موضع المسبب تنبيهاً على أنهم الذين يوقعون أنفسهم لتسببهم إلى مالا مخلص لهم منه، فكان أحسن لذلك من ذكر المسبب في المعنى المقصود.
стр. 161
ويجوز أن يكون جواب الشرط مستفاداً من قوله: (ماذا يستعجل منه)، أي: إن أتاكم فماذا تصنعون (١)؟. ولم يحسن مجيء الفاء، وإن كان الموضع في الظاهر على هذا التأويل موضع وجوب لكونه (٢) في سياق معنى: أخبروني، فجاء الشرط معترضياً بين الفعل (٣) وبين مفعوله، والشروط المعترضة لا فاء فيما هو في المعنى جوابها، كالقسم المعترض، كقولك: زيد والله قائم، ولو قلت: زيد والله لقائم، لم يجز. و (أرأيتم) في الوجه الأول باعتبار التقدير الأصلي محذوف مفعوله إن كان من رؤية العين، كأن الأصل: أبصروا أنفسكم أو أبصروا هؤلاء، ومفعولاه إن كان من رؤية القلب، أي: اعلموا هؤلاء جهالاً، أو اعلموكم جهالا. وعلى التقدير الثاني: ماذا يستعجل؟ ثم أخرج على المعنى الأصلي إلى ما ذكرناه من المعنيين. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤١]
[إعراب قوله تعالى: ﴿كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله أو تأتينا آية كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ (٤).
إن جعل (كذلك) نصباً على المصدر بقال التي بعدها، بقي قوله: (مثل قولهم) غير متصل لكونه في المعنى تكراراً، والفعل لا يتعدى إلى متعلقين بمعنى واحد من جهة واحدة لأنه لا يقتضيه، فلا يتعدى إليه، وإنما يتعدى الفعل إلى ما يقتضيه، ألا ترى أنك لو قلت: ضربت زيداً عمراً، لم يجز؛ لأنه
стр. 162
لا يقتضي مفعولين. وإن جعل (١) (مثل قولهم) هو المنصوب على المصدر بقي كذلك غير متصل. وإن جعل (كذلك) من تتمة قوله: (وقال الذين لا يعلمون) أو خبر مبتدأ تقديره: الأمر كذلك، بقي ما بعده من قوله: (قال الذين)، غير مرتبط بما قبله والجواب: أن قوله: (مثل قولهم)، يجوز أن يكون بدلا من قوله: (كذلك). ولا يكون في المعنى تكريراً (٢) لوقوع الأول مبهماً والثاني مبيناً، كقولك: هذا زيد يقول كذا وكذا، فزيد بدل ن هذا. وإنما يكون تكراراً لو كان مبيناً. أما إذا كان في الأول هذا الإبهام جاز التكرار كما جاز في أمثاله.
ويجوز أن يكون قوله: (كذلك)، تقريراً لما يذكره من الأشياء التي يقصد المتكلم تصديقها كقولك وقد قيل لك: سمع زيد منك كذا وكذا على صفة كذا وكذا، فتقول: سمع مني كذلك. وكقولك (٣) وقد (٤) ذكرت أشياء: الأمر كذلك. وليس ثم في الحقيقة مشبه ومشبه به. وإنما تقريره أنه لما ذكر تلك الأشياء المتقدمة، وصارت متصورة في الذهن لمن فهمها قال المصدق لها: هي كذلك، أو الأمر كذلك، مشبهاً للقضية المذكورة بما يتصوره (٥) السامع في ذهنه. إذ معنى الصدق في الحقيقة كون الخبر على وفق ما فهم، فصح التشبيه بهذا الاعتبار. فيجوز أن يكون ورد تقريراً لهذا المعنى تتمة لما بعده، ويكون (مثل قولهم) نعتاً لمصدر محذوف (٦)، أي: قولا مثل قولهم. ويكون كذلك تقريراً للمشابهة بين ما ذكر وبين ما تقرر في الذهن على ما مثل به فيما تقدم.
стр. 163
ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: الأمر كذلك (١)، ولا يلزم نفي الارتباط، لأن أمره بوجود (كذلك) وعدمه على سواء، لأنه معمول له في الحقيقة.
ويجوز أن يكون من تتمة قوله: (وقال الذين لا يعلمون)، على الوجه الذي ذكرناه في تشبيه ما يذكر بما استقر في الذهن، وفائدته في التحقيق تقرير ما ذكر وتحقيقه، وإنه على طبق ما ذكر من غير مبالغة ولا نقصان في معناه، ولا يلزم منه قطع ارتباط لما ذكرناه. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٢]
[معنى النهي في قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾]
وقال مملياً بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ (٢):
إن قيل: كيف نهى عن الموت وليس الانكفاف عنه من مقدوره، وإنما ينهى عما للمكلف تركه؟ والجواب من وجهين: أحدهما: أنا نقول: إن النهي طلب لانتفاء الفعل، وانتفاء الفعل ليس بفعل، فالنهي واقع عما للمكلف توصل إلى انتفائه وهو الموت في حال غير الإسلام، إذ لم ينه عن الموت مطلقاً وإنما نهي عن الموت في حال غير حال الإسلام، وذلك مما يتوصل إليه بالثبوت والدوام على الإسلام، فينتفي المنهي عنه على الوجه المطلوب. الثاني (٣): وإن سلمنا أن النهي طلب للترك، والترك فعل، فالنهي عنه في التحقيق مزايلة
стр. 164
للإسلام (١)، ومفارقته، فمعناه: أثبوا على الإسلام حتى يأتيكم الموت. ولما كان الموت هو غاية هذا المطلوب أخذ فعله، وصير كأنه المنهي عنه تنبيهاً على أن المقصود دوام ذلك إليه. فهو من باب النهي عن المسبب والمراد السبب، لأن مفارقته للإسلام سبب لموته على غيره. ولما كان المقصود ذلك المسبب على تلك الحال جعل الفعل المنهي عنه تنبيهاً على هذا المقصود (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٣]
[تقديم الوصية على الدين في قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾]
وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله تعالى: ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾ (٣).
إنما قدمت الوصية على الدين والدين أقوى من الوصية، وتقدمه ما هو الأقوى هو الوجه (٤). والجواب: أن "أو" حكمها في كلام العرب والقرآن حكم الاستثناء في أن ما بعدها يدفع ما قبلها. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿تقاتلونهم أو يسلمون﴾ (٥)، فإن الإسلام، دافع للمقاتلة، فكأنه قال:
стр. 165
تقاتلونهم إلا أن يسلموا أو إن لم يسلموا، فكذلك هذه الآية. فكأنه قال: من بعد وصية يوصي بها إلا أن يكون ديناً، فلا تقدم. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٤]
[معنى قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾]
وقال أيضاً مملياً بغزة سنة ست عشرة على قوله تعالى: ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (١).
فقال: العرب لا تقول: إن لم تفعل فما فعلت. فقال: عنه جوابان: أحدهما: ذكره الزمخشري (٢) والجماعة وهو أنهم قالوا معناه: يا أيها الرسول بلغ جميع ما أنزل إليك وإن لم تفعل، يعني تبليغ الجميع فما بلغت رسالته، لأنه إذا لم يبلغ الجميع فما بلغ على الحقيقة (٣). والثاني وهو المختار، وهو: أن قوله: ﴿فما بلغت رسالته﴾ وضع موضع أمر عظيم، فكأنه قيل: بلغ جميع ما أنزل إليك، وإن لم تفعل فقد ارتكبت أمراً عظيماً عبر عنه بقوله: فما بلغت رسالته. قال ﵀: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ (٤). معناه: فإنه يرجع إلى رب عظيم كريم، عبر بقوله: ﴿فإنه يتوب إلى الله متابا﴾ عن ذلك. كما يقول الرجل: إذا جئت إلى فقد جئت إلى حاتم، معناه: إلى رجل كريم يعطي، وإلا فقوله: ﴿فإنه يتوب إلى الله متابا﴾، ظاهرة كظاهر ﴿وإن لم تفعل فما بلغت﴾. والله الموفق للصواب.
стр. 166
[إملاء ٤٥]
[التعليل في قوله تعالى: ﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين﴾ (١):
إن قيل: كيف يكون (٢) تصديق المؤمنين المتقدم علة لجزاء الصادقين وتعذيب المنافقين؟ فالجواب: أنه قد تقدم ذكر صدق المؤمنين ونفاق (٣) الكافرين بقوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا﴾ (٤). وقوله في المنافقين: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً﴾ (٥)، ثم اتصل الكلام إلى قوله: ﴿ليجزي الله﴾. فسيق للتعليلين المختلفين للفعلين المختلفين، والمراد التفصيل، فيكون المراد، صدق المؤمنون ليجزيهم الله، وكذب المنافقون ليعذبهم الله. ويجوز أن يكون متعلقاً بفعل مقدر دل عليه ما قبله، كأنه قيل: قضي الله بذلك ليجزي الصادقين ويعذب المنافقين. وهو أحسن لأمرين: أحدهما: أنه فعل واحد معلل بالقضيتين جميعاً. والآخر: أنه يكون التعليل على ظاهره، وفي الأول لا يكون على ظاهره، بل يكون في الصادقين على ظاهره، وفي المنافقين على أن تكون للعاقبة، لأن المنافقين لم يقولوا ذلك لقصد أن يعذبوا فيحمل على أحد تأويلين: إما استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه جميعاً، وإما استعماله على المجاز فيهما جميعاً. والله أعلم بالصواب.
стр. 167
[إملاء ٤٦]
[العطف على اسم أن بالرفع في قوله تعالى: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾]
وقال أيضاً بدمشق سنة سبع عشرة مملياً على قوله تعالى: ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (١):
ورسوله بالرفع (٢) معطوف على اسم (أن) باعتبار المحل (٣)، وإن كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسورة (٤). وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون، فإنهم إذا قالوا: يعطف على اسم إن المكسورة دون غيرها أوهموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة (٥). والمفتوحة تنقسم قسمين: قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز. فالقسم الذي يجوز هو أن تكون في حكم المكسورة، كقولك: علمت أن زيداً قائم وعمرو، لأنه في معنى: إن زيداً قائم وعمرو، فكما (٦) جاز العطف ثم جاز ههنا. ألا ترى أن "علم" لا تدخل إلا
стр. 168
على المبتدأ أو الخبر، يدل على ذلك وجوب الكسر في قولك: علمت إن زيداً لقائم، وإنما انتصب بعدها توفيراً لما تقتضيه "علمت" من معنى المفعولية. وإذا تحقق أنها في حكم المكسورة وجب أن تكون هذه المفتوحة بعدها في حكم المكسورة، فجاز العطف على موضعها إجراء لها مجرى المكسورة لأنها في حكمها. فإن كانت المفتوحة على غير هذه الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع، مثل قولك: أعطبني أن زيداً قائم وعمراً. فلا يجوز إلا النصب، ولا يستقيم الرفع بحال عطفا على اسم "أن" لأن ليست مكسورة، ولا في حكم المكسورة، لأنها في موضع مفرد من كل وجه. وقد ذكرنا في غير موضع تعليل تخصيص المكسورة بذلك (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٧]
[معنى قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين﴾]
وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة اثنتى عشرة على قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين﴾ (٢): قوله: ﴿حتى نعلم﴾. العلم يطلق باعتبار الرؤية، والشيء لا يرى حتى يقع. والثاني: أن العلم بمعنى المجازاة، فكأنه قال: حتى نجازي المجاهدين منكم والصابرين. ومعنى الابتلاء: أن الله تعالى يفعل بنا فعلاً يسمى بلاء من بعضنا لبعض (٣). والله أعلم بالصواب.
стр. 169
[إملاء ٤٨]
[معنى قوله تعالى: ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾]
وقال أيضاً بالقاهرة سنة خمس عشرة مملياً على قوله تعالى: ﴿ولا تهوا في ابتغاء القوم﴾ (١)، إلى قوله: ﴿وترجون من الله ما لا يرجون﴾.
قال: لا يخلو إما أن نقول: الآية عامة أو خاصة. والمراد بالعموم في منكري البعث وعبدة الأوثان ونصارى العرب واليهود والنصارى. فإن كانت على ما ذكرناه كان معنى الكلام ظاهراً، وهو أنهم لا يرجون جزاء القتال لأنهم لا يؤمنون بالدار الآخرة، والمؤمنون بها يرجون شيئين، أحدهما: النصر العاجل، والآخر: الثواب الآجل.
وإن قلنا: إنها خاصة في اليهود والنصارى لأنهم يرجون المجازاة، فالمعنى: أن هذا الرجاء الذي لهم رجاء وهمي لا حقيقة له، لأن الرجاء إنما يفيد من مؤمن، وقد قامت الأدلة على كفرهم، فلما كان هذا الرجاء لا وجود له فيما يرجع إلى عدم نفعه نفاه الله عنهم، كما نفى أموراً هي فيهم موجودة حساً كالسمع والبصر، لما لم ينتفعوا بها صار وجودها وعدمها على حد سواء. قال الله تعالى: ﴿فما أغني عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم﴾ (٢) الآية. والوجه الأول أقوى وأدل على المقصود. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤٩]
[العامل في "إذا" و"متى "]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة تسع عشرة على قوله تعالى: ﴿وإذا سمعوا
стр. 170
اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين﴾ (١):
"إذا" ظرف لما يستقبل من الزمان. وفيه معنى الشرط غالباً. واحترز بذلك عن مثل قوله: ﴿والليل إذا يفشي والنهار إذا تجلي﴾ (٢)، وأشباهه. فإنه لا يستقيم أن يكون فيها معنى الشرط في هذه الحال لأنه يلزم أن يكون ما قبلها هو في المعنى مشروطها. ولا يستقيم أن يكون القسم الإنشائي مشروطاً، لوجوه: منها: أن الإنشاء ثابت فلا يقبل تعليقاً. ومنها: أن المعلق إنما يكون في المعنى خبراً، والإنشاءات ليست أخباراً. ومنها: أنا قد علمنا أن القسم ثابت في قصد المتكلم، وما كان كذلك لا يصح تعليقه.
واللغة الفصيحة ترك الجزم بإذا (٣). فيقال: إذا تركمني أكرمك. واللغة القليلة الجزم (٤). ولا فرق بين أن تدخل معها "ما" أو لا تدخل.
وأصل "إذا" أن تدخل على الأمور التي لابد من حصولها، كقولك: إذا طلعت الشمس، ومن ثم لم يجزموا بها لكونها فارقت الشرط الصريح في الإبهام. ألا ترى أن "متى" لما جرت في الإبهام مجرى "إن" جزموا بها اتفاقاً، فقالوا: متى تكرمني أكرمك. فعلى اللغة الفصيحة لا يقال: (سمعوا) في موضع جزم، وعلى الأخرى هو في موضع جزم.
وقد اختلف في عامل "إذا" الشرطية، فأكثرهم على أن العامل جوابها،
стр. 171
وأقلهم على أن العامل شرطها، وعكسها في القولين في "متى" (١). وإنما التزم الأكثرون إعمال جوابها لأنهم حملوها على معنى الإضافة لما كانت في المعنى منسوبة إليه وهو محقق. فلما حملوها على الإضافة بطل أن يكون الفعل المضاف إليه في المعنى عاملاً في المضاف لأنه لو عمل فيه لأدى أن يكون الشيء عاملاً معمولاً من جهة واحدة. وبيان ذلك أنه إذا كان مضافاً إليه الزمان لم يكن عاملاً فيه إلا من جهة كونه زماناً له. ومعنى كونه زماناً له: أنه وقع فيه. وإن أعملنا الفعل في الظرف فإنما نعمله باعتبار أنه وقع فيه. ومعنى وقوعه فيه كونه زماناً له. فصار المعنى الذي عمل به الأول هو المعنى الذي عمل به الثاني، وذلك ما أردناه.
وفي "متى" وشبهها لما لم تكن لمعين لم يحكموا بالإضافة. ولما لم يحكموا بالإضافة لما يكن مانع من عمل الفعل في الظرف لزوال المانع بزوال الإضافة. ولم يعتدوا بعمل "متى" في الفعل جزماً (٢) لأنه عمل بجهة أخرى غي الجهة التي عمل (٣) فيه بها الفعل. ألا ترى أن المعنى الذي عملت به "متى" كونها تضمنت معنى الشرط، والمعنى الذي عمل به الفعل فيها كونها زماناً له واقعاً فيه. فصار المعنى الذي عمل به "متى" غير المعنى الذي عمل به الفعل.
وأما من عمم أن العامل في الجميع الجواب فليس بجيد، لوجود: أحدها: أنه يصير الجملتين جملة واحدة، لأن الظرف مع عامله لا يكون إلا جزءاً من الجملة. وقد فهم أن الشروط جملتان يربط بينهما الشرط باعتبار الشرطية، كما في قولك: إن تكرمني أكرمك. ومنها: ما ثبت من مثل قوله: ﴿إيا
стр. 172
ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾ (١)، ومعلوم أنه ليس في الجواب ما يصح (٢) أن يكون ناصباً. ومنها: أنه يؤدي إلى أن يكون الظرفان المتضادان واقعاً فيهما الفعل الواحد في مثل قولهم: إذا أكرمتني اليوم أكرمتك غداً. ومعلوم أنه إذا جعل العامل الجواب وجب أن يكون الإكرام واقعاً فيه، وقد علق بغد على معنى وقوعه فيه، وقد علق بغد على معنى وقوعه فيه، وقيد الأول باليوم على معنى أنه هو، فيجب أن يكون الإكرام الواحد واقعاً في اليوم وفي غد جميعاً، وهو باطل من حيث المعقول، ومن حيث ما فهم من مقصود المتكلم، إذ لم يرد أن الإكرام الجزائي واقع في اليوم.
وأما من فرق بين "إذا ومتى" باعتبار التعلق المتقدم فليس أيضاً بالجيد لما ذكرناه. فالأولى أن يكون العامل فيهما جميعا فعل الشرط (٣). وما ذكروه من أنه مضاف يلزمهم مثله (٤) في "متى". فالذي حسن منه في "متى" يقدر مثله في "إذا". وذلك أن لا يقدروه مضافاً بل يقدروه واقعاً فيه كوقوع فعل الشرط في الزمن المذكور معه، كقولك: إن تضرب زيداً اليوم اضربه غداً. ولا خلاف أن اليوم متعلق (٥) بفعل الشرط، فكذلك ههنا. فإن زعم أنه ههنا متعين وفي "متى" غير متعين، فليس بمستقيم لأن التعيين ليس في "إذا" وإنما هو في الفعل
стр. 173
المذكور بعدها، على معنى أنه ليس مشكوكاً فيه. وأما معنى نسبتهما جميعاً فهما على حد سواء. فلو قدر في "إذا" مضافاً لوجب أن يكون في "متى" كذلك. ألا ترى أن نسبة الزمان في: إذا تكرمني، في المعنى كنسبته في قولك: متى تكرمني. ومما يوضح ذلك أن الذين جزموا بإذا أجروها مجرى متى، والعامل عندهم حينئذ فعل الشرط كمتي. ومعلوم أن معنى الزمان بالنسبة إلى الفعل مع الجزم كمعناه مع غير الجزم. وإذا كان المعنى فيهما سواء وثبت أن لا يكون مضافاً في أحدهما فليثبت في الآخر.
وأما "سمع" فهو من الأفعال المتعدية إلى واحد في التحقيق كقولك: سمعت كلاماً وشبهة. وقد يتوهم (١) أنه متعد إلى مفعولين من جهة المعنى والاستعمال، أما المعنى فلأنه يتوقف على مسموع منه، كما تتوقف السرقة على مسروق منه، فالوجه الذي تعدي به السرقة إلى مفعولين موجود في السماع. وأما من جهة الاستعمال فلقولهم (٢): سمعت زيداً يقول ذلك، وسمعت زيداً قائلاً، وقوله تعالى: ﴿هل يسمعونكم إذ تدعون﴾ (٣). فلولا أن الفعل يتعدى إلى مفعولين لم يقل: إذ تدعون. لأن المعنى حينئذ: هل يسمعون دعاءكم إذ تدعون، وذلك لا يحسن.
والجواب عن الأول: أن السرقة ليست كالسماع من حيث إن السرقة لا تعقل باعتبار معناها الذي وضعت له إلا بمسروق منه، ألا ترى أنك لو قدرت شيئاً موجوداً ليس في يد أحد، وأخذته خفية، لا يقال له سرقة لفقدان المسروق منه، بخلاف السماع، فإنك لو قدرت صوتاً لفهمت معنى السمع بالنسبة إليه، وكذلك لو قدرت غافلاً عن المسروق منه لم تفهم معنى السرقة. ولو قدرت
стр. 174
غافلا عن المسموع منه لم يتعذر معنى السماع. وإنما المسموع منه بالنسبة إلى السمع كالمشموم منه بالنسبة إلى الشم. فكما أن الشم لا يتعدى إلا إلى واحد باتفاق (١)، فكذلك السماع.
وأما (٢) الجواب عن الثاني: فإنهم لما حذفوا المضاف وأقاموا المضاف إليه مقامه للعلم به وجب تقديره باعتبار مرتبته، وقرينته لا تكون إلا صوتاً، فذكر بعده حال بين خصوصية ليست مفهومة من ذلك المتعلق. فقائلا، ويقول ذلك: في موضع نصب على الحال، وليس مثل قولك: سمعت قول زيد قائلا، ولا مثل ضربت زيداً ضارباً بالسوط، لأنه ههنا قدر غير الأول، وثم قدر مثله أو نوعه فافترقا لذلك. ويخرج قوله: هل يسمعونكم إذ تدعون؟، على أن المقدر: هل يسمعون أصواتكم؟ وهو أبلغ في المعنى المقصود من: هل يسمعون (٣) دعاءكم؟؛ لأنه إذا تحقق أنهم لا يدركون (٤) نفس الصوت فهم في انتفاء إدراك الدعاء أجدر.
قال: واللغو اسم لما لا فائدة فيه من الكلام. فيجوز أن يكون ههنا مصدراً موصوفاً به، كأنه قيل: الكلام اللغو أعرضوا عنه، جواب لإذا. والمقصود من سياق الآية ذكرهم بالرفق واللين مع المعرفة والإيمان، وهذه كانت صفتهم لذلك قصداً منهم إلى دعائهم والتلطف في إرشادهم، فيعرضون عما يأتون به من اللغو، ويأخذون فيما يقصدون به إرشادهم وهدايتهم وذلك معلوم من عوائد الداعين والمدعوين، فإنهم لو نافروهم من أول الأمر لكان سبباً في
стр. 175
اللجاج والعناد. وإذا لاطفوهم ولانوا لهم في القول، وطلبوا المناصفة كان ذلك أدعى إلى القبول وانتفاء العناد واللجاج.
وقوله: ﴿وقالوا لنا أعمالنا﴾، إنما قدموا ذكر أعمالهم لأنها عندهم ليست بالجيدة، فقدموها وأثبتوا عاقبة أمرها لأنفسهم، مثل قوله: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم﴾ (١). وقدم الخبر في قوله: لنا أعمالنا، دفعاً من أول الأمر لوهم أن يكون منسوباً إلى غيرهم ليقوي المعنى المقصود من جميع وجوهه.
وقوله: ﴿سلام عليكم﴾، ليس من باب: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (٢)، لأن ذلك لم يأت في ظاهر الأمر إلا منصوباً. لأن المعنى المسالمة، أي: سالمونا ونسالمكم. ويجوز أن يكون منه، وعدل إلى الرفع، كما عدل في التحية إلى الرفع في الوجه المختار. ويجوز أن يكون ذلك منهم قصداً في الدعاء لهم إلى الإرشاد، وليكون (٣) أبلغ في المقصود الذي توخوه في الرفق واللين. ويجوز أن يكون مستعملاً بينهما على معنى الإعراض على مثل ذلك، لأنه كثر استعماله في العرف عند المفارقة، فلما قصد إلى معنى المفارقة استعمل ما هو مستعمل عندها، كما تقول لمن يأتي بما تكرهه: سلام عليكم، تريد أنك إن دمت على هذا كان سبباً لمفارقتك.
وقوله: ﴿لا نبتغي الجاهلين﴾، يجوز أن يكون من خطابهم لهم، ولا يلزم أن يكون في لفظهم ذكر الجاهلين. وإنما ذكر الجاهلين عند حكاية قولهم من كلام الحاكي، إذ المقصود تعريف الذات المقول لها ذلك للمخاطبين، كما
стр. 176
تقول منكراً على إنسان ضرب زيداً: لم ضربت هذا الرجل الصالح؟، إذا كانت تلك صفته عند المخاطب أو عند المتكلم. ويجوز أن يكون ليس من خطابهم لهم، ولكن قالوه (١) لأنفسهم أو لغيرهم من المؤمنين، فيجوز أن يكون لفظ الجاهلين من قولهم، ويجوز أن يكون من الحاكي أيضاً على الوجه الأول، ليشمل ذكر الحكم والعلة بلفظ واحد، والجمل كلها في موضع نصب للمصدر (٢) المؤقت للقول عند المحققين، وفي موضع نصب على المفعول به في قول الأكثرين. والصحيح أن القول غير متعد، وأن ما يذكر بعده (٣) من مثل ذلك مصدر (٤). والدليل عليه أنه لو كان مفعولاً به لكان غيره مما تتوقف عقليته عليه، وليس كذلك، وبيان أنه ليس غيره أنك إذا قلت: قلت، فقد اشتمل دلالة على القول، كما أنك إذا قلت: قعدت، فقد دل على العقود، فكما أنك إذا ذكرت قعوداً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية في قولك: قعدت القرفصاء، باتفاق، فكذلك إذا ذكرت قولاً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية. وزيد قائم، في قولك قلت: زيد قائم، قول خاص كالقرفصاء بالنسبة إلى القعود في كونها قعوداً خاصاً. فيجب أن يحكم عليهما جميعاً بالمصدر أو بالمفعول. ولا قائل بالمفعول لما ذكرناه، فوجب الحكم بالمصدر. وإنما توهم أولئك المفعولية من وجهين: أحدهما: حملهم القول على التلفظ والمعلق على المعنى، فوجودا للفظ باعتبار المعنى تعلقاْ. والآخر: أن توهموا أن القول في تعلقه بالمقول كالعلم في تعلقه بالمعلوم، وذهلوا أن ذلك المتعلق هو نفس القول، وإنما يذكر
стр. 177
باعتبار خصائصه بخلاف العلم، فإنه ليس بالمعلوم، فافترقا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٠]
[توجيه فتح وكسر همزة "أن" في قوله تعالى: ﴿أن كنتم قوماً مسرفين﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين﴾ (١).
الهمزة للإنكار (٢)، والفاء تدل على فعل مقدر قبلها يعطف عليه ما بعدها، كأن المعنى: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر أو نترككم أو ما أشبه ذلك (٣). كما قيل (٤) في قوله تعالى: ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم﴾ (٥): إن التقدير: أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم. ويجوز أن تكون الفاء لبيان أن ما قبلها سبب لإنكار ما وقع بعدها (٦). ألا ترى أن قبل قوله: أفلم يروا، ذكر أنهم في الضلال البعيد (٧). فنبه بالفاء على أن الضلال سبب لإنكار كونهم (٨) لم
стр. 178
يروا، وكذلك ما قبل هذه الآية من ذكر الإنزال لهداهم سبب لإنكار الأضراب عنهم (١). يقال: أضربت عن كذا وضربت كذا عن فلان. فمعنى أضربت عن كذا: حدت عنه، ومعنى ضربت كذا عن فلان أي: منعته عنه، جاء الرباعي لازماً، والثلاثي متعدياً. و (صفحاً) منصوب على المصدر، لأن معنى ضربت الذكر عنه: أعرضت، فصفحاً بمعنى إعراضاً. و (أن كنتم) بالفتح تعليل، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم (٢)، وعلة للضرب الذي أنكر، أن يهملوا بغير تذكير (٣) لأجل من المسرفين. فالتعليل للفعل الذي أنكر، فالإنكار إذن متعلق بالفعل مقيد بعلته، لا مع انقطاعه عن علته، إذ قد ينكر الفعل باعتبار تعليل علة ولا ينكر باعتبار أخرى، كما تقول: أتضرب زيداً إن أحسن إليك؟، ولا تقول: أتضرب زيداً إن أساء إليك؟.
وأما قراءة حمزة ونافع والكسائي بالكسر، فشرط يدل على جوابه ما تقدمه (٤)، فانسحب معنى الإنكار على ما دل على جوابه باعتباره، فصار بهذا التقدير كمعنى المفتوحة، لأن المفتوحة إذا كانت تعليلاً فمعناها: أن ما قبلها مسبب لما في حيزها، فكذلك المكسورة إذا كان ما قبلها دالاً على جوابها تدل على أن ما في حيزها سبب لما تقدمها. فتحقق أن المعنى في المكسورة إنكار الإهمال المسبب عن كونهم مسرفين لما علق على الشرط، فرجعا بهذا التقدير إلى معنى واحد. والله أعلم بالصواب.
стр. 179
[إملاء ٥١]
[توجيه إعراب قوله تعالى: ﴿ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾]
وقال أيضاً مملياً على قوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب﴾ (١):
وجه الإشكال في الآيتين أن قوله: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، معطوف على قوله: مثقال، أو على موضع (من مثقال) في (يونس). ولذلك (٢) قرئ في يونس رفعاً وخفضا (٣) ولم يقرأ في (سبأ) إلا رفعاً لمجيء (مثقال) مرفوعاً. وإذا تقرر ظهور عطف (ولا أصغر ولا أكبر) على ما قبله، وكان الاستثناء غير مقنطع، كان قوله: (في كتاب مبين) استثناء مفرغاً، صفة لمثقال، مستثنى من صفة عامة محذوفة، كقولك: ما مررت برجل إلا في الدار. أو مستثنى من متعلق للفعل عام، كقولك: ما مررت برجل إلا في الدار، على معنى: ما مررت في مكان من الأمكنة برجل إلا في هذا المكان. وعلى التقديرين (٤) يلزم أن يكون الفعل المنفي قبل إلا مستثنى باعتبار ثبوت ما بعدها. ألا ترى (٥) أنك إذا قلت: ما مررت برجل إلا في الدار، كنت مخبراً عن مرور ثبت لك برجل في الدار، أو ثبت في الدار لرجل على التقديرين. وإذا تقرر ذلك كان المعنى ثبوت العزوب عند ثبوت الكتاب، وهو غير مستقيم، إذ ليس المراد أنه يعزب إذا كان في كتاب. والجواب من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الوقف على قوله: في الأرض ولا في السماء، في (يونس)، وعلى الأرض في (سبأ)، و (لا
стр. 180
أصغر) فيهما مستأنف، جاء في (يونس) على الوجهين الفصيحين في مثل: لا حول ولا قوة، ولا حول ولا قوة، فالتح فيه بناء كالفتح في: لا رجل، لا علامة للخفض. والرفع فيه إعراب على (١) الابتداء. وجاء في (سبأ) على أحد الوجهين، وهو الرفع لا غير، وبهذا يندفع الإشكال. الثاني: أن يكون قوله: وما يعزب بمعنى: ما يخرج إلى الوجود إلا في كتاب، فلا يلزم ما تقدم من الإشكال، إذ المعنى: أنه يخرج في كتاب، لا معنى: أنه يخفى، فيكون (ولا أصغر ولا أكبر) بهذا التقدير عطفاً على ظاهره، ويكون الفتح في (يونس) علامة للخفض عطفاً على مثقال أو على ذكرة (٢). والرفع عطفاً على موضع (من مثقال) (٣). ويكون الضم في (سبأ) عطفاً على مثقال (٤) ولم يأت الفتح فيه على هذا التقدير، إذ ليس قبله ما يصح عطفه عليه بالفتح. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٢]
[الفاء في قوله تعالى: ﴿فكرهتموه﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه﴾ (٥):
الفاء في قوله: فكرهتموه، مشكلة، فإنها إن كانت للسببية احتيج إلى أن