موقف ابن الحاجب من النحاة
إن من ينظر في كتب بن الحاجب عامة وكتاب الأمالي خاصة إنه يجده يمعن إمعاناً بارزاً في عرض الآراء النحوية المختلفة التي تدور حول كل مسألة من المسائل التي يجري البحث فيا.، ثم يدلي بالحجج التي يدعم بها القائلون آراءهم، ويناقشها رأياً رأياً. وهو في مناقشاته لا يعني بنسبة الآراء النحوية إلى أصحابها إلاَّ في القليل. وإذا ذكر فإنه لا يذكر إلاَّ أسماء النحاة الكبار من المتقدمين أمثال الخليل وسيبويه والأخفش وابن جني والفراء والمبرد والفارسي، وربما عمَّم البصريين أو الكوفيين.
إن محاولة ابن الحاجب في عرض الوجوه المختلفة للمسالة الواحدة أمر يد على نه قد هضم مسائل النحو واستوعبها وألم بجوانبها. والرجل في جوئة إلى التعليلات يسير مع البصريين في أقيستهم وعللهم، لكنه في بعض الأحيان يختلف معهم مدعماً رأيه بالحجة والبرهان. وموقفه من النحاة لا يعتمد على كونهم مشهورين أو غير مشهورين، أو كونهم بصريين أو كويين، وإنما يعتمد على قناعته بالرأي نفسه وليس بصاحبه، فهو ليس متعصباً لعالم مهما كانت منزلته. كما أنه لم يكن إمعة متابعاً عن غير وعي. وسأتحدث عن موقفه من اثنين من العلماء هما: سيبويه والزمخشري؛ لأنه قد تأثر بهما وأكثر من النقل عنهما ووافقهما في كثير من المسائل، إلا أنه قد خالفهما في بعضها.
стр. 72
أولاً: موقفه من سيبويه:
يعتبر سيبويه إمام نحاة البصرة، بل إمام النحاة جميعاً. ويعد كتابه أول كتاب اشتمل على قواعد العربية بشكل متكامل. وقد ظهرت عناية ابن الحاجب به في مصنفاته المختلفة، فقد كان كثيراً ما ينقل عنه، ويؤيده ويرجح آراءه، ويتابعه في كثير من تعليلاته، ويقال: إنه شرح كتابه. ولكن لا يعني هذا أن ابن الحاجب كان مع سيبويه في كل المسائل، فقد يخالفه إذا لم يقتنع برأيه ويستخدم في مناقشته الأدلة العقلية المنطقية، ولا يهمه على منزلته، وهذه هي سمة العالم الذي يسير على النهج العلمي الصحيح، وفيما يلي بعض المسائل التي خالفه فيها والتي وردت في الأمالي:
١ - أصلا لولا:
مذهب سيبويه أن اصلها لو زيدت عليها لا. وقد خالف ابن الحاجب في ذلك. قال سيبويه (١) في حديثه عن لا: "وقد تغير الشيء عن حالة كما تفعل ما، وذلك قولك: لولا، صارت لو في معنى آخر كما صارت حين قلت: لو ما تغيرت كما تغيرت حيث بما، وإن بما". وقال ابن الحاجب في الإملاء من الأمالي على المفصل:
"ذهب بعض الناس إلى أنها أصلها لو زيدت عليها لا، وهذا ليس بمستقيم".
٢ - كلمة مغار في قول الشاعر:
وما هي إلا في إزار وعلقة ... مغار ابن همام على حيّ خثعما
...
مذهب سيبويه أنها اسم للزمان، ومذهب ابن الحاجب أنها مصدر. قال سيبويه (٢): "فصير مغاراً وقتاً وهو ظرف". وقال ابن الحاجب في الإملاء (٦٠)
стр. 73
من الأمالي على المفصل: "فهو بالمصدر أجدر، فتقديره اسم زمان أو مكان ناء لذلك عن الصواب".
٣ - الضمير بعد لولا وعسى:
مذهب سيبويه أنه بعد لولا في محل جر، وبعد عسى في محل نصب (١). ومذهب الأخفش أنه في البابين في محل رفع، وهو ما ذهب إليه ابن الحاجب. قال في الإملاء (٦) من مسائل الخلاف: "فثبت لذلك أن مذهب الأخفش في ذلك أظهر".
ثانياً: موقفه من الزمخشري:
كان الزمخشري يميل إلى المذهب البصري، يقول بآرائهم ويستعمل مصطلحاتهم. يدل على ذلك مفصله الذي كان متأثرا فيه بكتاب سيبويه، تشهد بذلك أمثلته وعباراته. وقد تأثر ابن الحاجب بالزمخشري وأعجب به واقتفى أثره، والدليل على ذلك أنه شرح (المفصل) بكتاب سماه (الإيضاح) وأنه جعل قسماً من أماليه على المفصل. إذن فهناك الكثير من الآراء التي وافقه فيها مبثوثة في كتبه وبخاصة الكافية والإيضاح والأمالي. ولسنا بحاجة لضرب الأمثلة على ذلك فهي كثيرة. ومع هذا نجد ابن الحاجب له رأيه وشخصيته المستقلة، فإذا لم يقتنع بمسألة من المسائل فإنه يردها؛ لهذا فإنه لم يسلم للزمخشري بآرائه كلها، فقد دحض عدداً منها في معرض المناقشة والتأويل والتعليل، وعرض الآراء المختلفة. وفيما يلي بعض المسائل التي خالفه فيها والتي جاءت في الأمالي:
١ - إعراب (الكواكب) في قوله تعالى:
"إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب" (٢). قال الزمخشري: إنها
стр. 74
بدل من زينة على المحل (١) - رده ابن الحاجب بقوله في الإملاء (١٢١) من الأمالي القرآنية: "وأما قول من قال إن الكواكب بدل من زينة على المحل فضعيف ضعف قولهم: مررت يزيد أخاك، فلا ينبغي أن تحمل عليه قراءة ثابتة صحتها".
٢ - اللام في (لسوف):
مذهب الزمخشري أنها للابتداء (٢)، ومذهب ابن الحاجب أنها للتأكيد. قال في الإملاء (١٣٠) من الأمالي القرآنية: "اللام في (لسوف) لام تأكيد وليست لام الابتداء لأنها لو كانت لام الابتداء لوجب أن يكون معها الابتداء".
٣ - حد الكلمة:
قال الزمخشري (٣) والكلمة هي اللفظة الدالة على معنى مفرد بالوضع". وقال ابن الحاجب في الإملاء (١) من الأمالي على المفصل: "الأولى أن يقال اللفظ الدال".
٤ - حد التوابع:
قال الزمخشري (٤): "وهي الأسماء التي لا يمسها الإعراب إلا لى سبيل التبع لغيرها". وقال ابن الحاجب في الإملاء (٣) من الأمالي على المفصل: "غير جيد لوجهين، أحدهما: أنه ذكر لفظ التبع فيه، ومن جهل التابع جهل التبع. والآخر: أنه بيَّنه بما يتوقف عليه، لأن الغرض أن يعرف التابع فيعطي إعراب متبوعه، فإذا عرفناه بإعراب متبوعة جر ذلك إلى الدور".
٥ - التمييز في قوله تعالى: "ومن أحسن قولاً " (٥) وقوله: "ومن
стр. 75
أصدق من الله حديثاً" (١) فو عند الزمخشري (٢) منتصب عن جملة، مثله في: طلب زيد أبا.
قال ابن الحاجب في الإملاء (٥) من الأمالي على المفصل: "وهذا ليس بمستقيم لأن حقيقة التمييز المنتصب عن الجملة أن يكون مبيناً للإبهام الناشئ عن النسبة فيهان كقولك: حسن زيد وجهاً".
٦ - حد المبنى:
قال الزمخشري (٣): "هو الذي سكون آخره وحركته لا بعامل". وقال ابن الحاجب في الإملاء (١٨) من الأمالي على المفصل: "هذا الحد ليس بمستقيم لأنه أتى في الحد بواو العطف".
٧ - معنى حروف التخضيض:
قال الزمخشري (٤): "تريد استبطاءه وحثه على الفعل". وقال ابن الحاجب في الإملاء (١٩) من الأمالي على المفصل: "ليس بجيد، لأن الاستبطاء والحث على الشيء إنما يكون في الزمن المستقبل. وأما الماضي أو الحال فلا يتصور فيه حث".
٨ - معنى مِنْ المزيدة:
قال الزمخشري (٥): "ما جاءني من أحد، راجع إلى هذا". أي: إلى معنى الاتبداء.
стр. 76
وقال ابن الحاجب في الإملاء (٢٣) من الأمالي على المفصل: "ليس بمستيم لأن معنى كونها زائدة أنك لو أسقطتها كان المعنى الأصلي بحاله. ولا يستقيم على هذا أن يكون مفهوماً منها معنى الابتداء، لأنك لو حذفتها لم يبق معنى الابتداء، فيبطل كونها زائدة، ولزم منه أن تكون زائدة غير زائدة وهو باطل".
موقفه من الشواهد
عني ابن الحاجب عناية كبيرة بالقراءات، وبدأ أولى مراحل تعلمه بالتلمذة على أيدي كبار القراء كالشاطبي والغزنوي واللخمي وغيرهم. ثم إنه درس الفقه، وصار علماً بارزاً من أعلام الفقه المالكي، لهذا كان متأثرا بالقرآن وعلومه تاثراً واضحاً، وكان لعلمي الفقه والأصول أثرهما في حياته العلمية. ومن هنا نرى أن مباحث النحو عنده تتسم بطابع فقهي مؤول معلل، ويطابع رآني في الاستشهاد وتأييد الآراء. والواقع أن القرآن هو الذي فتح له باب الدراسات العربية على مصراعيها، لهذا نجده يلجأ إليه كثيراً، ولا يكاد يبحث في مسألة من مسائل النحو، ألا أيدها بشاهد قرآني.
وإذا كان هناك تعارض بينه وبين قاعدة نحوية لجأ إلى تأويل الآية ليدلل على صحتها في القياس، لأن سلامة الشاهد عنده هي التي تؤيد سلامة المسألة المقيسة.
فالآراء الصحيحة عنده هي التي يجد لها شواهد قرآنية يؤيدها ويقوي أمرها. وإن كل من يطلع على كتاب (الأمالي) وبخاصة أماليه على آيات من القرآن يجد مدى اهتمامه بالشواهد القرآنية، وكيف أنها كانت الشواهد الرئيسية في استشهاداته جميعاً، ولم يكن بينها من شواهد الشعر سوى سبعة شواهد فقط. وكذلك الأمالي المطلقة، وهي أكبر أماليه، فالشواهد القرآنية فيها هي
стр. 77
الشواهد الرئيسة. إذن فابن الحاجب كان يلجأ إلى القرآن الكريم كلما ألجأته الحاجة إلى شاهد يدعم به رأياً، أو يعلل به مسألة، أو يوضح به غامضاً. فهو يتد بالشاهد القرآني اعتداداً كبيراً، ويضعه في الذروة بين شواهده، وهو يستعين به في عرض مسائل النحو ومناقشتها.
ما شواهده من الشعر فقليلة بإزاء شواهده القرآنية قلة ظاهرة. فهو يلجأ إلى القرآن يستعين بشواهده، فإنْ أسعفه فقد وصل إلى هدفه، وإنْ لم يسعفه لجأ إلى شعر العرب يستعين بالشواهد الفصيحة، ولا يقبل شاهداً شاذاً أو نادراً، ولا يقيس عليه جرياً على مذهب البصريين. ومعظم شواهده معروفة في كتب النحو. وقد أورد أبياتاً لشعراء محدثين، وكان الهدف منها الاستدلال على مسائل أدبية أو لوية أو بلاغية، ليس لها علاقة بقضايا النحو.
وأما شواهده من الأحاديث الشريفة فكانت قليلة جداً. فما أملي عليه واستشهد به من الأحاديث بلغ ثلاثة عشر حديثاً قط، بعضها ليس له علاقة بمسائل النحو. وابن الحاجب في ذلك نهج منهج النحاة الذين سبقوه.
الآراء التي خالف بها جمهور النحاة
عرفنا فيما سبق أن ابن الحاجب كان يميل إلى المذهب البصري، وأنه تابع البصريين في مسائل كثيرة، وسايرهم في المنهج والقياس وإعمال المنطق، ولجأ إلى التعليل والتأويل في تأييد وإسناد الآراء التي يميل إليها. ولكن يجب أن نعرف أنه لم يكن إمعة متابعاً من غير وعي. يتقصى أقوال البصريين وغيرهم، ثم يكون له فيها رأي أو اختيار. فقد كان له من هذه العدة الجدلية التي أوتيها بحكم ثقافته الواسعة في الفقه والأصول، واتصاله المباشر يكتب النحو، ما أمده بقدرة عالية من التمحيص وعرض الآراء، والإسهاب في التأويلات، وتعليل كل حالة من الإعراب وعوامله. ومن هنا كان له في كثير من
стр. 78
المسائل آراء واجتهادات، وإنْ كان يكتفي أحياناً بسرد الآراء المختلفة دون أن يتبين مواطن الصواب.
وسأعرض فيما يأتي لآرائه التي يغلب على ظني في ضوء دراستي لكتابه الأمالي أنه خالف بها جمهور النحاة وهي:
١ - اسم الإشارة (هذان) مبني. قال في الإملاء (٣٠) من الأمالي القرآنية على قوله تعالى: "إن هذان لساحران" (١): "وقرأ الباقون إن هذان لساحران. وهي مشكلة، وأظهرها أن يقال: إن (هذان) مبنى لأنه من أسماء الإشارة، فجاء في الرفع والنصب والجر على حال واحدة، وهي لغة واضحة. ومما يقويها أن اختلاف الصيغ في اللغة الأخرى ليست إعراباً في التحقيق لوجود علة البناء من غير معارض، لأن العلة في بناء هذا وهؤلاء كونها اسم إشارة، وهذا كذلك".
٢ - جواز العطف على اسم (أن) المفتوحة بالرفع. قال في الإملاء (٤٦) من الأمالي القرآنية على قوله تعالى: "أن الله بريء من المشركين ورسوله" (٢): "ورسوله بالرفع، معطوف على اسم أن باعتبار المحل، وإنْ كانت مفتوحة لأنها في حكم المكسرورة. وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون، فإنهم إذا قالوا: يعطف على اسم إن المكسورة دون غيرها أوهموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة. والمفتوحة تنقسم قسمين: سم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز. فالقسم الذي يجوز هو أن تكون في حكم المكسورة كقولك: علمت أن زيداً قائم وعمرو، لأنه في معنى: إن زيداً قائم وعمرون فكما جاز العطف ثم جازها هنا".
٣ - العامل في (إذا الشرط وليس الجواب. قال في الإملاء (٤٩) من
стр. 79
الأمالي القرآنية على قوله تعالى: "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا تبتغي الجاهلين" (١): "وأما من فرق بين (إذا) و (متى) باعتبار التعلق المتقدم فليس أيضاً بالجيد لما ذكرناه. فالأولى أن يكون العامل فيهما جميعاً فعل الشرط".
وقال في الإملاء (١٩٢) من الأمالي المطلقة: "اختلف الناس في العامل في (إذا) و (متى). فقيل: العامل فيهما فعل الشرط، وقيل: العامل في (إذا) جواب الشرطن وفي (متى) الشرط، وهذا قول أكثر المحققين". ثم قال: "والصحيح أن العامل الشرط فيهما جميعاً، وما توهم من الإضافة في (إذا وانتفائه في (متى) أو فيهما جميعاً غير صحيح".
٤ - إعراب كلمة (السماوات) في قولهم: خلق الله السماوات والأرض، بأنها مفعول مطلق وليست مفعولاً به. قال في الإملاء (٢٣٩ من الأمالي المطلقة: "قولهم: خلق الله السماوات والأرض. من قالك إن الخلق هو المخلوق، فواجب أن تكون السماوات مفعولاً مطلقاً لبيان النوع، إذ حقيقة المصدر المسمى بالمفعول المطلق أن يكون اسماً لما دل عليه فعل الفاعل المذكور وهذا كذلك". ثم قال: "ومن قال إن المخلوق غير الخلق وإنما هو متعلق الخلق وجب أن يقول: ن السماوات مفعول به، مثله في قولك: ضربت زيداً، ولكنه غير مستقيم، لأنه لا يستقيم أن يكون المخلوق متعلق الخلق. ثم قال: "وإذا كان اللازم محالا فملزومه كذلك. فثبت أن الخلق هو المخلوق، وإنما جاء الوهم لهذه الطائفة من جهة أنهم لم يعهدوا في الشاهد مصدراً إلا وهو غير جسم، فتوهموا أنه لا مصدر إلا كذلك، فلما جاءت هذه أجساماً استبعدوا مصدريتها لذلكن ورأوا تعلق الفعل بها، فحملوه على المفعول به،
стр. 80
ولو نظروا حق النظر لعلموا أن الله تعالى يفعل الأجسام كما يفعل الأعراض، فنسبتها إلى خلقه واحدة، فإذا كان كذلك، وكان معنى المصدر ما ذكرناه، وجب أن تكون مصادر".
٥ - الجملة في باب الحكاية بالقول مفعول مطلق. قال في الإملاء (٤٩) على قوله تعالى: "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" (١): "والجمل كلها في موضع نصب للمصدر المؤقت للقول عند المحقين، وفي موضع نصب على المفعول به في قول الأكثرين. والصحيح أن القول غير متعد، وأن ما يذكر بعده من مثل ذلك مصدر. والدليل عليه أنه لو كان مفعولاً به لكان غيره مما تتوقف عقليته عليه، وليس كذلك. وبيان أنه ليس غيره أنك إذا قلت: قلت، فقد اشتمل دلالة على القول، كما أنك إذا قلت: قعدت، فقد دل على القعود، فكما أنك إذا ذكرت قعوداً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية في قولك: قعدت القرفصاء، باتفاق، فكذلك إذا ذكرت قولاً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية".
وقال في الإملاء (٦٠) من الأمالي القرآنية على قوله تعالى: "ونزعنا ما في صدورهممن غل إخواناً" (٢) قال: "لأن الجملة المقولة وإن تعددت أجزاؤها في حكم المفعول الواحد أو المصدر".
وقال في الإملاء (٨٨) من الأمالي القرآنية لى قوله تعالى: "ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون" (٣). قال: "لأن القول يحكي بعده الجمل، وهي في موضع نصب بلا خلاف. إلا أنها هل هي مصدر أو مفعول به؟ ينبني على
стр. 81
أن القول هل يتعدى أو لا يتعدى؟ وفيه قولان: فإن قلنا: يتعدى، تعينت لقيامها مقام الفاعل إذا بني الفعل لما لم يسم فاعله، وإن قلنا: لا يتعدى، كانت الجملة في موضع نصب بالمصدر".
ويلاحظ أن ابن الحاجب قرر أولاً أن ما يذكر بعد القول مصدر وليس مفعولاً به، ثم بعد ذلك ذكر أنه يجوز أن يكون مفعولاً به أو مصدراً. وفي هذا شيء من التردد والاضطراب. بل أستطيع أن أقول إن فيه شيئاً من التراجع؛ لأن الإملاء الذي قرر فيه أن القول غير متعدٍ، وأن ما يذكر بعده مصدر كان في دمشق سنة ٦١٩ هـ، وأن الإملاءين اللذين ذكر فيهما أنه ما بعد القول يحتمل أن يكون مصدراً أو مفعولاً به كان أحدهما في دمشق سنة ٦٢١ هـ، والآخر أيضاً في دمشق سنة ٦٢٢ هـ.
٦ - عدم جواز: سرت والجبل. قال في الإملاء (٤٥) من الأمالي على المفصل: "وقد توهم من لا عبرة به جواز: سرت والجبل. وهو غير جائز لما ذكرناه؛ إذ الجبل لا يسيرن بخلاف ما تقدم في صحة نسبة الفعل إليهما على سبيل المعية. ثم ولو سلم جوازه فلابد فيه من تأويل وهو أن يجعل كأن كل جزء من الجبل سائر؛ لأنه إذا سار من موضع من نواحي الجبل فذاك مفارق له فيسمى سائراً".
مآخذ عليه
لقد أطرى المؤرخون ابن الحاجب، وأفاضوا في الإشادة به وبآثاره، وبخاصة كافيته وشافيته وأماليه. وانطلق المترجمون له في إغراقه بالمديح والثناء. ولا شك أنه كان ذا شخصية مؤثرة في المجتمع العلمي في عصر الأيوبيين في مصر والشام، وأن كتابه (الأمالي) فاق كتب الأمالي التي ألفت قبله. لقد لقي اهتماماً كبيراً من العلماء، وعرفوا قدره، فكان مرجعاً لهم فيما
стр. 82
يكتبون، وعرضوا لما أتى فيه من آراء، وأثنى بعضهم عليه ثناء غاطراً، واعتبروه من أعظم مؤلفات ابن الحاجب، إلا أنني أثناء دراستي لهذا الكتاب وجدت بعض المآخذ على ابن الحاجب، وبالرم من أن هذه المآخذ يسيرة لا تنقص من قيمة الكتاب وأهميته، غير أني وجدت نفسي كباحث ملزماً بالحديث عنها، وإن كنت أعترف أن طبيعة الأمالي ربما تفرض بعضاً من هذه المآخذ، وأن ابن الحاجب ربما وقع فيها دون قصد بل جاءت بشكل عفوي. وسأذكر فيما يلي ما استطعت إدراكه منها:
١ - الاضطراب وعدم الدقة في النقل . من ذلك ما جاء في الإملاء (٨٢) من الأمالي على المفصل: قال: "شبه الحال بالمفعول من حيث إنها مفعول فيها". وعبارة المفصل (١): "شبه الحال بالمفعول من حيث إنها فضلة مثله جاءت بعد مضي الجملة ولها بالظرف شبه خاص من حيث إنها مفعول فيها".
ومن ذلك ما جاء في الإملاء (١٣٢) من الأمالي القرآنية على قوله تعالى: "وأرجلكم" (٢) قال ابن الحاجب: "وقال الإمام: إن مخفوض على الجوار". وما قاله الإمام الجويني إمام الحرمين هو: "والمصير إلى أنه محمول على محل (رؤوسكم) أمثل وأقرب إلى قياس الأصول من حمل قراءة الكسر على الجوار). ثم قال: "وكسر الجوار خارج عن القانون" (٣).
ومن ذلك أيضاً ما جاء في الإملاء (٨) من الأمالي على المقدمة في مسألة المعطوف الممتنع دخول يا عليه. قال ابن الحاجب: "والخليل في المعطوف يختار الرفع، وأبو عمرو النصب، وأبو العباس إن كان كالحسن فكالخليل وإلا فكأبي عمرو". قال المبرد: "وكلا القولين حسن". ثم قال:
стр. 83
"والنصب عندي حسن على قراءة الناس" (١) فلا يوجد ي كلام المبرد هذا التفصيل الذي ذكره ابن الحاجب.
٢ - التناقض في بعض المسائل . فقد جاء في الإملاء (٧٧) على قول الزمخشري في المفصل: "وما نقله الكوفيون من قولهم: الثلاثة الأثواب فبمعزل عند أصحابنا عن القياس واستعمال الفصحاء". قال ابن الحاجب: "أما القياس فلما ذكرنا. وأما استعمال الفصحاء فنحو ما أنشده وما تمسك به الكوفيون لغة ضعيفة فلا تقوي لمعارضة ما ذكره البصريون من القياس واستعمال الفصحاء". ثم قال: "فكما لا يجوز: الغلام زيد، بالإجماع، كذلك لا يجوز: الخمسة الأثواب". وقال في الإملاء (٦٤) من الأمالي على المفصل: "ولم يجيء على واحدة من الأربع الصور المذكورة". فناقض نفسه.
٣ - طرح بعض المسائل وعدم إبداء رأيه فيها وتركها دون جواب والاكتفاء بذكر الأوجه التي لا تجوز فيها . من ذلك ما جاء في الإملاء (٨٦) من الأمالي على المقدمة: وقال مملياً في وجوب النصب في قوله: ما خلا زيداً وما عدا زيداً: "لا جائز أن تكون (ما) نافية وهو ظاهر، ولا بمعنى الذي، لأن الذي توصل بالجار والمجرور والفعل. فلو كانت بمعنى الذي لجاز الخفض على لغة من خفض. ولما جاء هذا منصوباً ليس إلاّ، علم أن ثم مانعا منع أن تكون بمعنى الذي".
٤ - الإكثار من العلل . فقد كان مغرماً بها إلى حد الإغراق، ويرجع ذلك إلى تاثره الواضح بالفقه والمنطق. وكان يعتمد عليها في إثبات آرائه ودعمها، أو في مناقشة آراء النحاة، وتأييدها أو نقضها. فهو لم يستطع أن يتخلص من معالجة مسائل النحو بأسلوب الفقهاء والأصوليين.
стр. 84
أهم القضايا النحوية التي اشتمل عليها الكتاب
١ - العلل . وقد أولع بها ابن الحاجب وأكثر منها في أماليه. فمن ذلك ما جاء في الإملاء (١٣٩) من الأمالي المطلقة في علة جعل الإعراب آخر الكلمة: "وقال: إنما جعل الإعراب آخر الكلمة ولم يجعل لا أولاً ولا وسطاً لأنه ليس مما تعد حركته وسكونه من بنية الكلمة، بدليل أنه محل التغيير والوقف والحذف بخلاف غيره". ومن العلل التي تحدث عنها: علة كون الإنشاء بالحروف، وعلة بناء أسماء الأفعال التي هي بمعنى الأمر، وعلة صرف ما لا ينصرف إذا دخلته اللام أو الإضافة، وعلة بناء لدن مع الإضافة، وعلة بناء الاسم لشبه واحد، والعلة في عدم كون الفاعل جملة، وعلة وقوع أن في خبر عسى دون السين وسوف.
٢ - الحدود . لابن الحاجب عناية واضحة بالحدود والتعريفات. وهو حريص على أن تكون حدوده دقيقة شاملة. فقد تحدث عن حد الكلمة والتوابع والمبنى والكلام واسم الجنس والمعرب والمضمر والمفعول به والمفعول المطلق وغيرها، وجاء أكثر حديثه عن الحدود في قسم الأمالي على المقدمة، فمن ذلك ما جاء في الإملاء (٢٨) في حدود عطف البيان: "وقع في بعض نسخ المقدمة في حد عطف البيان قوله: تابع من الجامدة أوضح من متبوعة. فسئل عن ذلك فقال مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة: هذا كان في النسخة الأولى، وأولى منه المذكور الآن في النسخ، وهو: تابع غير صفة بوضح متبوعة".
٣ - الحذف . ومنه حذف مفعول الفعل المتعدي، وحذف خير إن، وحذف المنادي، وحذف الفعل بعد قد، وحذف لام المفعول به، وحذف نون الوقاية، وحذف التنوين، وحذف حرف الجر وغيره. قال في الإملاء (٦٩)
стр. 85
من الأمالي على المقدمة في حذف لام المفعول له: "وقال مملياً بدمشق سنة عشرين على قوله في المفعول له: وإنما يجوز حذفها إذا كان فعلاً لفاعل الفعل المعلل ومقارناً له. وإنما اشترط ذلك لتقوي القرينة الدالة على حذف اللام، لأن الأصل إثباتها، كما أن الأصل إثبات في الظروف، فكرهوا أن يحذفوها في موضع لم تقو قرينتها".
٤ - التقديم . فمن ذلك وجوب تقديم المبتدأ، ووجوب تقديم الخبر، ووجوب تقديم الفاعل على المفعول، وعدم تقديم خبر كاد على اسمها. جاء في الإملاء (١٢) من الأمالي على المقدمة: "وقال مملياً بدمشق سنة عشرين وستمائة على قوله: أو متساويين مثل: أفضل منك أفضل مني، وجب تقديمه. قال: لأن الأصل تقديم المبتدأ، وإذا كان المتقدم صالحاً لأن يكون مبتدأ لم تجز المخالفة فيه لأنه يؤدي إلى المخالفة من غير فائدة بخلاف: حسن زيد، وشبهه، فإنه لم يحكم عليه بالخبر مع صلاحية أن يكون مبتدأ، فلذلك وجب الحكم بالمخالفة ليصح الكلام".
٥ - المسائل الخلافية . فقد تحدث عن الخلاف بين سيبويه والأخفش حول دخول الفاء في خبر إن، وعن الخلاف بين سيبويه والأخفش في صرف (أحمر) إذا نكر، وعن الخلاف في (جوار٩ هل هي مصروفة أو غير مصروفة؟ وعن الخلاف في المعطوف على المنادى الممتنع دخول (با) عليه، وعن الخلاف بين الخليل ويونس حول لحاق علامة الندبة الصفة، وعن الخلاف بين سيبويه والأخفش حول إعراب الضمائر بعد لولا وعسى.
٦ - إعادة الظاهر بدلاً من الضمير . جاء في الإملاء (٧٧) من الأمالي القرآنية: وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاثة وعشرين على قول تعالى: "يوم
стр. 86
ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيباً مهيلاً" (١): إنما أعيد لفظ الجبال، والقياس الإضمار، لتقدم ذكرها. وقال: هذا مثل ما ذكرناه في قوله في: "ألَمَ. السجدة" في أحد الوجهين، وهو قوله: "كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار" (٢) وهو أن الآيتين سيقتا للتخويف والتنبيه على عظم الأمرن فإعادة الظاهر أبلغ".
٧ - الممنوع من الصرف . فمن ذلك كلامه عن حكم الاسم الذي لا ينصرف، وعن الصرف للضرورة أو التناسب، وعن العدل ووزن الفعل، وعن شرط المعرفة المانعة من الصرف، وعن شرط التركيب المانع من الصرف، وعن الجمع المانع من الصرف، وعن وجه تسمية ما لا ينصرف بهذا الاسم.
٨ - الإضافة . فمما تحدث عنه في ذلك: الإضافة اللفظية والمعنوية، وإضافة ما فيه الألف واللام إلى الضمير المتصل، وإضافة الصفة إلى موصوفها، وعم جواز إضافة اسم مماثل للمضاف إليه، وحد المضاف إليه، والمنفي المضاف بلام الإضافة، وإعراب المضاف إلى ياء المتكلم.
٩ - الضمائر . كحديثه عن عود الضمير، وفائدة ضمير الفصل، واتصال الضميرين الغائبين وليس أحدهما فاعلاً، ووضع الضمير المتصل موضع المنفصل، واجتماع ضميرين وليس أحدهما مرفوعاً، وشرط ضمير الفصل، والضمائر الواقعة للربط، وضمير النكرة، والضمير المستتر.
١٠ - الاستثناء . من ذلك حديثه عن حد الاستثناء المنقطع، ووجوب
стр. 87
النصب بعد ما خلا وما عدا، ووجوب النصب في قولهم: جاء القوم إلا زيداً، وعدم وقوع الاستثناء المفرغ في الفاعل والمفعول إلا في غير الموجب، وحكم المستثني إذا تكرر بعد نفي أو ما في حكمه، ومنع البدل في الاستثناء المفرغ، ووجه تقدير إلا بلكن في الاستثناء المنقطع، والإثبات بعد النفي في الاستثناء المفرغ مفيد للحصر، والوقف على الاستثناء المنقطع، والعامل في نصب غير في الاستثناء، وجواز البدل بتكرير لفظ الاستثناء.
منهج التحقيق
لما كانت الغاية من تحقيق النصوص إخراجها صحيحة سليمة كما وضعها المؤلف فقد بذلت الجهد في هذا السبيل، مراعياً ما تستوجبه إعادة النص إلى وضعه الأول من حيطة وحذر ودقة وأمانة. وقد وضعت أمام نفسي عدة أسس وقواعد حاولت بقدر الإمكان الالتزام بها رغبة في إخراج عملي على الوجه الصحيح. ومن هذه القواعد والأسس:-
١ - احترمت النص فلم أتدخل فيه إلا بالقدر اليسير الذي لا يمس جوهره ككتابته وفق القواعد الإملائية المعروفة اليوم أو تصحيح آية قرآنية أو خطأ نحوي.
٢ - أتخذت نسخة شهيد على (٢٣٣٧) أصلاً، وأشرت إليها بكلمة (الأصل).
٣ - لم أثبت اختلاف النسخ فيما يتعلق بأول الإملاء من مثل: وقال مملياً، وقال أيضاً مملياً، وقال ﵁ مملياً، وقال مملياً بدمشق، وقال بدمشق مملياً. وكذلك فيما يتعلق بآخر الإملاء من مثل: والله أعلم بالصواب، والله أعلم، والله الموفق للصواب، وإنما اكتفيت بما جاء في الأصل.
стр. 88
٤ - قارنت بين النسخ وبينت الاختلافات التي وردت فيها وأشرت إلى ما هو زيادة أو خطأ أو تحريف أو تصحيف.
٥ - حصرت الآيات القرآنية بين قوسين متميزين، وأشرت في الهامش إلى اسم السورة ورقم الآية.
٦ - أرجعت الأحاديث الشريفة إلى كتب الحديث المعتمدة كصحيح البخاري وصحيح مسلم، ومسند الإمام أحمد، وسنن الترمذي وغيرها.
٧ - اعتمدت في تخريج الشواهد الشعرية المصادر النحوية المتقدمة مثل كتاب سيبويه والمقتضب للمبرد والخصائص لابن جني، والإنصاف لابن الأنباري، والمفصل للزمخشري، والمقرب لابن عصفور؛ وكذلك كتب الأمالي والنوادر والمختارات الشعرية والدواوين وكتب شروح الشواهد كالخزانة.
٨ - رجعت إلى كتب اللغة والمعاجم وبخاصة لسان العرب لابن منظور والصحاح للجوهري وإصلاح المنطق لابن السكيت ومعجم البلدان لياقوت.
٩ - ترجمت للإعلام التي وردت في الكتاب بشكل موجز. وقد اعتمدت في ذلك كتب التراجم ككتاب وفيات الأعيان لابن خلكان، وبغية الوعاة وحسن المحاضرة للسيوطي، وطبقات الزبيدي، وإنباه الرواة للقفطي، والنشر في القراءات العشر لابن الجزري.
١٠ - جهدت في تخريج الآراء النحوية لأعلام النحاة والمسائل الخلافية من أصولها في مصنفات أصحابها، أو في كتب النحو مما كانت لأصحابها عناية باستقصاء هذه المسائل كشرح الرضى على الكافية، وشرح المفصل لابن يعيش.
стр. 89
١١ - عنيت بالرجوع إلى كتب التفاسير وبخاصة تلك التي تهتم بالنحو واللغة والقراءات كالبحر المحيط لأبي حيان، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، والكشاف للزمخشري، ومعاني القرآن للفراء، والمحتسب لابن جني، وأعراب القرآن للنحاس، وإملاء ما من به الرحمن للعكبري.
١٢ - بسبب ضخامة حجم الكتاب فقد تجنبت في كثير من الأحيان الإفاضة في التعليق على الشواهد وذكر المراجع التي وردت فيها أوشرح المعاني الواضحة.
١٣ - رقمت إملاءات كل قسم وضبطتها بالشكل ووضعت لها عناوين، كي يكون الرجوع إليها سهيلاً.
١٤ - وضت الزائد على نسخة الأصل بين قوسين معقوقين [] سواء كانت الزيادة من النسخ الأخرى أو من عندي وأشرت إلى ذلك في الهامش. أما الكلمات أو الجمل الساقطة من النسخ الأخرى فقد أثبتها وأشرت إلى ذلك في الهامش.
١٥ - أنهيت التحقيق بخاتمة وفهارس فنية للآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والأشعار والأرجاز والأمثال والأعلام والمصادر والموضوعات.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
стр. 90
القسم الثاني: التحقيق
стр. 91
الرموز الواردة في التحقيق
١ - الأصل ... : نسخة مكتبة شهيد على الملحقة بالمكتبة السليمانية في استنبول.
٢ - ب ... : نسخة دار الكتب المصرية رقم ٢٦.
٣ - م ... : نسخة مكتبة الحرم النبوي في المدينة المنورة.
٤ - د ... : نسخة مكتبة أحمد الثالث الملحقة بمتحف (طبوقباي سراي) في استنبول.
٥ - س ... : نسخة المكتبة الوطنية في باريس.
٦ - ص ... : صفحة.
٧ - ط ... : طبعة.
[إملاء ١]
[توجيه الرفع في قوله تعالى "تقاتلونهم أو يسلمون "] (١)
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمينن وصلواته على خير خلقه محمد وآله أجمعين. قال الشيخ الإمام العلامة جمال الدين أبو عمرو بن الحاجب ﵀ مملياً بدمشق المحروسة سنة سبع عشرة وستمائة: [قوله تعالى] (٢): "تقاتلونهم أو يسلمون" (٣) للرفع وجهان (٤): أحدهما: أن يكون مشركاً بينه وبين (تقاتلونهم) في العطف. والآخر أن يكون جملة مستقلة معطوفة على الجملة التي قبلها باعتبار الجملة، لا باعتبار الإفراد (٥)، و (تقاتلونهم) فيه معنى الأمر، وإن كانت صيغته صيغة الخبر. ولا يستقيم أن يكون مجرداً عن معنى الأمر لأنه يؤدي إلى أن لا ينفك الوجود عن أحدهما لصدق الإخبار،
стр. 95
ونحن نرى الوجود ينفكُ عنهما، ولا نقولُ إنه يمتنعُ لما تؤدّي إليه "أوْ" من الشك، وذلك في حق العالمِ باطل، فإنا على يقين نعلمُ أنّ "أوْ" تأتي لأحد الأمرين إذا كان المُخبّر عنه لا ينفكُّ عن أحدهما، وليس ذلك عن شك بل عن قطع أنه كذلك، كقولك: الجسمُ إما أنْ يكون ساكناً أوْ متحركا، وكذلك ما أشبّهَهُ مما يلزم أنْ يكون على أحد أمرين في عقليته أوْ وجوده. وإنما يلزم الشكُ في الإخبار عنْ أمر معيّن في الوجود وقع أو سيقع على أحد أمرين، فههنا قد يُتوهّمُ لزومُ الشكِ من المُخبِر، كقولك: زيدُ إمَّا مريض وما معافى. وإذا ثبت أنَ (تُقاتِلونَهُمْ" في معنى الأمر، فـ (يسلمون): إما في معنى الأمر، فيتضحُ المعنى، ويكون المعنى: الواجبُ عليكم إما القتالُ، وما الإسلامُ منهم، وهذا واضح، وعُلِم أنّ الإسلام لا يسقط عنهم بالقتال من المسلمين من دليل آخر. وإما أنْ يكون (يسلمون) ليس في معنى الأمر، فيكون المعنى: الإخبارُ بأنّ أحدَ الأمرين لا ينفكُ عنه الوجودُ، وهو إما وجوبُ القتال منكم، أو حصولُ الإسلام منهم (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٢]
[وجه التعقيب في قوله تعالى: "فيأتيهم بغتة "]
وقال أيضاً بدمشق سَبْعَ عَشْرَةَ مملياً على قوله تعالى: "كذلك سلكناه في قلوب المجرمين. لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم. فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. فيقولوا هل نحن منظرون" (٢).
قال: عقّبَ الإتيان بغتة بعد الرؤية، ولا يستقيم ظاهرا إتيانه بغتة بعد أن
стр. 96
شُوهد ورُثِي، فلابدّ من حمله على وجه يصحُّ فيه معاقبةُ الإتيان له (١)، وهو على وجهين: أحدهما: أن يُراد بالرؤية مشارفُتها ومقاربتُها، فيستقيمُ تعقيبُه بالإتيان بغتة وإطلاقُ الفعل بمعنى مشارفته وقربه كثير. قال الله تعالى: "كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية" (٢). والمعنى: إذا قارب حضور الموت. وكذلك: "إذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن" (٣). ومعلوم أنّ الإمساك لا يكون بعد بلوغ الأجل. وإنما المراد: فقاربن بلوغ الأجل. ويدلّك على أن بلوغ الأجل ظاهر في انقضاء العدة قوله: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن" (٤) الآية. الوجه الثاني: قوله: "فيأتيهم بغتة". أخذه لهم بعد رؤيته هو البغتة، فإنه لا يلزم من رؤيته أنْ يكون آخذاً لهم وهم لا يشعرون، لأنَهم قد يرونه ولا يعتقدون أنه عذاب البتة فيأخذهم بغتة وهم لا يشعرون. كقوله: "وإن يروا كسفاً من السماء ساقطاً يقولوا سحاب مركوم" (٥). وقد يرونه ويعتقدونه عذاباً ولكن لا يعتقدون أنه لهم فيأخذهم بغتة بعد رؤيته. كمن يرى ناراً وتأخذه بغتة فيصح أن يقول: رأيت النار فأخذتني بغتة من غير أن أشعر بأخذها لا برؤيتها. والله أعلم بالصواب.
стр. 97
[إملاء ٣]
[توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿لا يعذب عذابه أحد﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: "فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد" (١): العامل في الظروف (يعذب). وقد جاء ما بعد النفي عاملاً في الظرف في مواضع متعددة، كقوله: "فيومئذ لا يسأل" (٢)، و"قل يوم الفتح لا ينفع" (٣)، "فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم" (٤). وهو كثير. والضمير في (عذابه) في قراءة كسر الذال والثاء (٥) للإنسان المتقدم ذكره (٦). و (أحد) فاعل، أي: لا يعذب معذب يوم القيامة عذاباً مثل عذاب هذا الإنسان. فمهومه أن عذاب غيره دونه لعظم جريمته. ولا يحسن (٧) أن يكون الضمير في (عذابه) لله، لأن المعنى يصير: لا يعذب يوم القيامة عذاب الله أحد. فلا يقوي المعنى لما سيق له، لأن المعنى سيق لتعظيم عذاب الله لهذا الإنسان أكثر من عذاب غيره. وإذا جُعل الكلامُ خبرا، بأن الله ذلك اليوم لا يعذب أحد مثل عذابه فقد هذا المعنى. وأيضاً فإنه يصير مفهومه أن غيره يعذب دون عذابه.
فإن قلت: اجعل المفعول مقدراً، أي: لا يعذب ذلك اليوم مثل عذاب
стр. 98
الله لهذا الإنسان أحدٌ، فحُذِفَ المفعول للعلم به. قلت: لا يستقيمُ أيضا لأنه لا يكون فيه تعظيمُ عذاب للإنسان المذكور، لأن عذاب غيره يصح أن يقال ذلك فيه، إذ يصح أن يقال: لا يعذب مثل عذاب الله لذلك الإنسان ولا لغيره أحد. فلم يبق للإنسان خصوصية بذلك. ويبقى الوجه الثاني على حاله قائماً.
ومن قرأ (يعذب) بالفتح (١)، فيجوز أن يكون الضمير للإنسن، ويجوز أن يكون لله. فتقديره إذا كان للإنسان: لا يعذب ذلك اليوم أحد مثل عذاب ذلكِ الإنسان، فمهومه أن غيره دونه في العذاب، وأنه هو أعظم، ولم يذكر الفاعل لأنه معلوم، وتقديره إذا كان الضمير لله: فيومئذ لا يعذب أحد مثل عذاب الله لهذا الإنسان (٢)، فيستقيم المعنى أيضاً (٣)، لأن فيه تعظيم عذابه، ومفهومه أن غيره يعذب دونه.
فإن قلت: كيف استقام جعل الضمير لله على هذه القراءة، ولم يستقم على القراءة الأولى؟ قلت: لأن الأمرين المانعين ثَمَّ مفقودان ههنا، أحدهما: أنّه يصحُّ أن يكون غيرهُ كذلك، وهذا ليس كذلك، لأنّ أحداً ثَمَّ للمعذَّب، فدخل فيه كل معذب غير الله، لأنه مذكور في قولك: عذابه، على هذا التقدير، وها هنا (أحد) للمعذبين والفاعل المراد به الله، فلم يلزم ذلك. والوجه الثاني عن ذلك نشأ، لأنه إذا كان (أحد) للمعذب غير الله، والقراءة بالكسر، مقيّدا باليوم كان مفهومه أن غيره يفعل دون ذلك من العذاب. وفي
стр. 99
الفتح (أحدٌ) للمعذبين، والفاعل الله، فكأنه قال: لا يعذب الله يومئذ مثل عذابه لهذا الإنسان أحدا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٤]
[دخول الفاء في جواب الشرط]
وقال أيضاً سنة سبع عشرة مملياً بدمشق، قال: إذا قلت: إن أكرمتني أكرمتك. لا يجوز دخول الفاء لما تقرر من أن حرف الشرط إذا أفاد في الجزاء استقبالاً لم يجز دخول الفاء، وكل موضع لم يفد فيه الشرط استقبالاً إنه يجب دخول الفاء، وكل موضع يحتمل الأمرين يجوز فيه الوجهان (١). وهذا مقرر بعلله في الإملاء على المفصل (٢)، وفي المسائل الدمشقية (٣) وفي الإملاء على المقدمة (٤)، فيطلب في أماكنه.
قال: فإن قيل: قوله تعالى: "إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين. وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين" (٥)، فإنه مثل المسألة المفروضة المتقدمة في امتناع دخول الفاء. فكيف صح دخول الفاء في الآية؟ والجواب عنه: أنه لم يُفذْ فيه الشرط استقبالاً البتة، لأنه إخبار
стр. 100
عن ماضٍ محقق (١)، فعلى هذا لابدّ من دخول الفاء ليوذن بجواب الشرط. وأورد على ذلك قوله تعالى: "والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون" (٢). و"إذا" قد عوملت معاملة "إن" في وجوب دخول الفاء وعدمها، واحتمال الأمرين، فلم نفذ (إذا) فيما ذكرناه استقبالا ينبغي دخول الفاء. وكذلك قوله : "وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ما كان حجتهم إلا أن قالوا" (٣)، فإن (إذا) أيضاً ما أفادت استقبالاً، لأن (ما) لنفي. الحال، فيستحيل المجامعة بينه وبين الاستقبال بدليل وجوب الفاء في قوله: "وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين" (٤).
والجواب: أن "إذا" تستعمل لمجرد الظر، والدليل عليه قوله تعالى: "والليل إذا يغشى" (٥). فإنه يستحيل أن تكون ههنا للشرط، وذلك أن الليل مخفوض بواو القسم (٦)، وهو قسم إنشائي، الذي يدل عليه أنه له الجواب، ولو كان إخبارياً لما احتيج إلى جواب، ولما حذف الفعل وأتى الجواب دل على ما ذكرناه. وأيضاً فإنه لو كان إخباراً لما كان التعبير عنه بالواو. فإذا ثبت ما ذكرناه فمعنى الآية: أقسم الله بالليل في زمن غشيانه. ولو كانت للشرط لزم تعليق القسم على الشرط، والباري تعالى أقسم من غير شرط معلق.
стр. 101
وإذا ثبت أن "إذا" لمجرد الزمان المحض بدليل ما ذكرناه وقدرناه، فيكون معنى الآيتين على هذا واضحاً (١)، وهو أن معنى قوله (هم ينتصرون) ينتصرون (٢) في زمن إصابة البغي لهم. وكذلك قوله: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات، ما كان حجتهم) في هذا الزمان إلا أن قالوا؛ إلا أن في قوله: ما كان حدتهم، تقديم ما في حيز النفي عليه. وجوابه أنه ظرف، والظروف اتسع فيها. ومثله في القرآن: "يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين" (٣)، على خلاف يه. وكذلك قوله: "كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون" (٤) وهو أيضاً مختلف فيه (٥).
وفي قوله: "هم ينتصرون"" جوابان آخران، أحدهما: أنّ (ينتصرون) جواب الشرط، وأفاد الشرط فيه استقبالاً، و (هم) تأكيد للضمير في (أصابهم). والآخر: أن الفاء مزاده، وهو قول ضعيف. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥]
[أخر جمع أخرى]
وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: "فعدة من أيام أخر" (٦):
أخر: جمع أخرى، مثل قولك: فضلى وفضل. وأما آخر فيجمع على
стр. 102
أواخر مثل قولك: أفضل وأفاضل، وآخرين إن كان لمن يعقل، كقوله تعالى: "وآخرون يضربون" (١). وإنما جُمع ههنا على فعل وهو ي المعنى جمع آخر لأنه للأيام، وواحدها يوم، ويوم إنما يقال فيه آخر باعتبار أصل آخر، وهو أن كل صيغة لموصوف مذكر مما لا يعقل فأنت فيها بالخيار، إن شئت عاملتها معاملة الجمع المذكر، وغن شئت عاملتها معاملة الجمع المؤنث، وإن شئت عاملتها معاملة المفرد المؤنث، فتقول: هذه الكتب الأفاضل والفضليات والفضل والفضلى. فالأفاضل على لفظه في التذكير، والفضليات والفضل إجراء له مجرى جمع المؤنث لكونه لا يعقل، والفضلى إجراء له مجرى الجماعة، وهذا جار ي الصفات والأخبار والأحوال، ولذلك (٢) جاء أخر نعتاً للأيام إجراء له مجرى جمع المؤنث، ولولا ذلك لم يستقم. ولذلك لو قلت: جاءني رجال ورجال أخر، لم يجز حتى تقول: أواخر أو آخرون، لأنه ممن يعقل. وقد أجرت العرب لما لا يعقل من المذكر في الضمائر مثل هذا، ألا تراهم يقولون: الكتب (٣) اشتريتهن، وهو للمذكر، مثل أخر وهو للمذكر، ولم يأت في الضمير لما لا يعقل من المذكر غير الأمرين بالجمع المؤنث وما لمفرده، بخلاف الظاهر فإنه جاء له بالجمع المذكر بمن يعقل إذا كان (٤) مكسراً، كأنهم قصدوا أن يجعلوا لمن يعقل أمراً يختص به. ولما كان في جمع الظواهر جمع تصحيح يختص بمن يعقل شاركوا بين المذكر ممن لا يعقل وبينه في جمع المكسر لاختصاصه بالجمع السالم. وليس في الضمائر لمذكّر من يعقل أمران أحدهما يختص به فيشارك بينه وبين الآخر، فلما لم يكن لجمع المذكر في الضمائر إلا لفظ خصوا به من يعقل، وشركوا بين المذكر ممن لا
стр. 103
يعقل وبين المؤنث في الضمير، فلذلك لم يقولوا: الكتب اشتريتهم، لأنه مخصوص بالعقلاء، كقولك: العبيد اشتريتهم، وكذلك لا تقول (١): الكتب نفقوا، ولكن نفقن ونفقت، لأنه مخصوص بمن يعقل، كقولك: العبيد نفقوا، وكذلك في جميع أبواب الضمير. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦]
[عود الضمير على مذكور وغير مذكور]
وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة: لا يشترط أن يكون الضمير عائداً على مذكور ليس إلا، بل على مذكور وغير مذكور، ويدل عليه قوله تعالى: "يوصيكم الله في أولادكم" (٢) إلى قوله: "ولأبويه". فإن الضمير عائد على الميت، وإن لم يتقدم له ذكر، إلا أنه لما قال: يوصيكم، علم أن ثم ميتا، فيعود الضمير على مذكور وغير مذكور إذا كان في الكلام ما يرشد إليه، وإن لم يكن مصرحاً به. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧]
[إعراب قوله تعالى: "كما بدأنا أول خلق نعيده "]
وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: "كما بدأنا أول خلق نعيده" (٣):
يجوز أن يكون في موضع نصب على المصدر بـ (نعيده)، كأن الأصل:
стр. 104
نعيد أول خلق إعادة مثل ما بدأناه، وتكون (ما) مصدرية. ويجوز أن يكون في موضع الحال، كأنه قال: نعيد أول خلق مماثل للذي بدأناه (١). وصح الحال لأنه من الضمير المعرفة في (نعيده). ويجوز أن يكون (كما بدأنا) متعلقاً بـ (نطوي) منصوبا على المصدر، أي: نفعل هذا الفعل العظيم كفعلنا هذا الفعل. والمصدر المذكور للتشبيه تارة يوافق المشبه به في اللفظ والمعنى، وتارة يخالفه. وإذا خالفه فقد يكون الأول بأمر عام والثاني بأمر خاص (٢)، وقد يكون بالعكس (٣)، وقد يكونان جميعاً مذكورين بلفظ خاص (٤)، والمراد تشبيهه بالأمر العام، وهذا من القسم الآخر. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨]
[إعراب قوله تعالى: "يدعو لمن ضره "]
وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله: "يدعو لمن ضره أقرب من نفعه" (٥):
فيه أقوال: منها: أن يكون (يدعو) تأكيداً لـ (يدعو) الأولى (٦)، وما بعدها مبتدأ وخبر، وليس بشيء، فإن التأكيد اللفظي لا يفصل بينه وبين مؤكده بالجمل. ومنها أن (ذلك) في قوله: (ذلك هو الضلال البعيد) بمعنى الذي،
стр. 105
و (هو الضلال البعيد) صلته، وهو في موضع نصب مفعول لـ (يدعو)، كأنه قال: يدعو الذي هو الضلال البعيد، وما بعده مبتدأ وخبر دخل عليه اللام، وليس بقوي لأن اسم الإشارة لا يقع عند البصريين بمعنى الذي، وهو قليل أيضاً عند من جوزه (١). ومنها: أن اللام زائدة، فـ (من ضره) في موضع نصب مفعول لـ (يدعو)، وليس شيئا لأن اللام المفتوحة لا تزاد بين الفعل ومفعوله (٢). ومنها: قول من قال: إن اللام مقدمة عن موضعها (٣)، والتقدير: يدعو من لضره أقرب من نفعه، وليس بجيد أيضاً، لأن لام الابتداء لا تقدم عن موضعها. ومنها: قول من قال: إن (يدو) بمعنى ينادي ويقول (٤)، فيصح أن يقع مفعوله جملة، كما يقع مفعول يقول، فيكون (ضره أقرب من نفعه) مبتدأ وخبر في موضع نصب؛ والقائلون بهذا منهم من يقول خبره محذوف تقديره: إله، وحملوا الدعاء والقول على أنه في الدنيا، فأورد عليهم أن هؤلاء لا يصفون آلهتهم بأن ضرها أقرب من نفعها. فأجيب بأن ذلك من قول الحاك، وإذا حكى حاك كلاماً فله أن يصف المخبر عنه لمن يحكي له بما ليس في كلام الشخص المحكي عنه. ومثاله أنه لو قل لك: زيد قائم، لجاز لك أن تحكي لمن يعرف أنه خياط فتقول: قال فلان: زيد الخياط قائم. وكذلك لو كان صفة قبيحة أو حسنة. ومنهم من قال: الخبر: (لبئس المولى ولبئس العشير) (٥)، ويكون هذا
стр. 106
قولهم في الآخرة. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٩]
[التقدير في قوله تعالى: "وكذلك نرى إبراهيم "]
وقال أيضاً مملياً على قوله تعالى: "وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض" (١)، لما تقدم قوله: "وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناماً آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين" (٢). أشار بقوله: وكذلك، إلى هذا، فكأنه قال: نريه ليعلم هذا كما علم أن ما تقدم لا يصلح أن يكون إلهاً، فإذا ظهر التقدير تبين الإعراب. ويجوز أن تكون الرؤية رؤية العين (٣). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٠]
[توجيه القراءات في قوله تعالى: "على كل قلب متكبر "]
وقال أيضاً ممليا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة على قوله تعالى: "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار" (٤):
قرأ أبو عمرو (٥) وابن ذكوان (٦) بتنوين (قلب)، فيكون العموم في القلبوب
стр. 107
مستفاداً من غير تأويل، لأن (كل) داخلة عليه وهو نكرة غير مضاف، كقولك: ضرب كلّ رجل، فلا تبقى الكلية مستفادة إلا في آحاد جنسه، ولا يبقى على هذه القراءة إلا وصف القلب بقوله: متكبر جبار، وهو من صفة الجملة، وهو قريب بوجه من المعنى حسن، وذلك أن العرب تصف الجزء الذي يصح نسبة ذلك المعنى له على الحقيقة بما تصف به الجملة، كما تنسبه إليه (١)، كقولك: أبصرته عيني وسمعته أذني وفهمه قلبي. ومنه قوله تعالى: "فإنه آثم قلبه" (٢)، "وقلوبهم وجلة" (٣)، وأشباه ذلك كثير. ولو قيل إنه في الحقيقة صفته ووصف الجملة به لضرب من السعة لكان صواباً، ولكنه كثر ذلك حتى صار كأنه الأصل.
وقرأ باقي القراء بإضافة (قلب) إلى (متكبر) فلا يستفاد العموم في القلوب من الظاهر، ولابد من التأويل لأنه لما أضفت (قلب) إلى (متكبر)، و (متكبر) مفرد غير مضاف إليه (كل) وجب أن يبقى على حكم الإفراد، كما في قولك: أكلت كل رغيف زيد أو كل رغيف إنسان. وإذا بطل العموم في ذلك بطل العموم (٤) فيما أضيف (٥) إليه (كل)، لأنه إنما يعم إذا لم ينسب إلى ما يبطل العموم فيه. وإذا بطل العموم فيما أضيف إليه (كل) وجب حمل الكلية على أجزاء ذلك الواحد لأنه لو عم في الأول لعم في الثاني، وقد بطل التعميم في الثاني. ولو عم في الأول من غير الثاني لم يستقم لأنه ليس للمتكبّر الواحد قلوب حتى يعم قولك: كل قلب، المضاف إليه باعتبارها، فوجب تأويل الآي؛ لأن المعنى الذي سيقت له الإخبار بالطبع على جميع قلوب كل متكبر، وذلك حاصل
стр. 108
بتقدير (كل) محذوف مضاف إلى متكبر، كأنه قيل: كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وحسن لظهور المعنى المراد. وبذلك ينتفي المعارض للعموم في القلب ويحصل الموجب للعموم في المتكبر. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١١]
[الفاء في قوله تعالى: "فتصبح الأرض محضرة "]
وقال أيضاً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: "أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" (١):
الفاء للتعقيب من غير مهلة، وإصباح الأرض مخضرة بعد النزول إنما يكون بمهلة. والجواب (٢): أن هذه الفاء فاء السببية، وفاء السببية لا يشترط فيها ذلكن وإنما شرطها أن يكون ما بعدها مسبباً عن الأول كما لو صرح بالشرط. ألا ترى إلى صحة قولك: إن يسلم زيد فهو يدخل الجنة، مع العلم بالمهلة العظيمة بينهما. ثم لو سلم ههنا أنها لمجرد العطف لم يلزم ما ذكره من نفي المهلة، فإن ذلك إنما يكون على حسب ما يعده الناس متعقباً، والاخضرار بد الإنزال بعده الناس متعقبا، ولا يعد مثل ذلك فيه مهلة (٣). ألا ترى إلى صحة قولك: تزوج زيد فولد له ولد، وإن كان لا يكون إلا بعد مهلة في الوجود،
стр. 109
ولكن يصحٌّ إذا لم يكن (١) إلا مهلة الحملة. وكذلك قوله: "ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاماً" (٢)، وإن كان في كل واحد مهلة وجودية. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ١٢]
[معنى "لا" في قوله تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن "]
وقال مملياً بالقاهرة سنة خمس عشرة على قوله: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" (٣):
الظاهر أنه نهي (٤)، والمعنى: واتقوا فتنة مقولا فيها: لا تصيبن الذين ظلموا منكم. والنهي في الظاهر للفتنة، والمعنى نهي المعترضين لها، والفعل للإصابة (٥)، والمعنى التعرض للإصابة. وقد يعدل الناهي عن الشيء لمسببه، لأنه هو المقصود بالنهي، وإذا انتقل إلى المسبب أسنده إلى ما هو فاعل له، كقوله: "لا يفتننكم الشيطان" (٦) و"لا يحطمنكم سليمان" (٧)، وكقولك صاحبك عند تعرضه للمعصية: لا تحرقك نار جهنم، فجعلت الفعل للإحراق، والمنهي النار، وإنما المنهي عنه التعرض والمنهي مخاطبك، ولكنك عدلت إلى المسبب إذ النهي عن التعرض إنما هو خشية إحراق النار، فلما عدلت إلى المسبب أسندته إلى ما هو له وهو النار، فكذلك ههنا، فكانه
стр. 110
قال: لا تتعرضوا للفتنة التي يصيب المتعرضين بلاؤها، فعدل عن التعرض الذي هو سبب إلى الإصابة التي هي مسبب. فعلى ذلك يكون الظالمون مخصوصين بالإصابة لأن المعنى: لا يتعرض متعرض للفتنة فتصيبه خاصة، فعدل على ما ذكرناه، فصار لا تصب الفتنة متعرضاً لها خاصة. ثم ذكر المتعرض بلفظ الظالم تشنيعا عليه للصفة التي يكون عليها عند التعرض، فثبت أن المعنى على ذلك خصوص الظالمين بالفتنة.
ويجوز أن تكون (لا) نافية، ودخول النون فيها على وجه ليس بالقوي (١)، فيكون المعنى: واتقوا فتنة غير مصيبة الظالمين خاصة، ولكنها تعم الظالم وغيره، فعلى هذا تكون الإصابة عامة بخلاف الوجه الأول. وقد ذكر الزمخشري (٢) هذا الوجه (٣)، وجعلها للإصابة أيضاً فيه خاصة، وليس بجيد، إذ المعنى: وصفها بأنها لا تصيب الظالمين خاصة، وإذا لم تصبهم خاصة، فكيف يصح وصفها بكونها خاصة؟
وقد قيل: إنه يجوز أن يكون جوابا للأمر (٤) ويكون دخول النون أيضاً في النفي على وجه ليس بالقوي، فقدروه بأن قالوا: واتقوا فتنة إن أصبتموها لا تُصب الظالمين خاصة، ولكنها تعم فتأخذ الظالم وغيره، وهو غير مستقيم، إذ جواب الأمر إنما يقدر فعله من جنس الأمر المظهر، لا من جنس الجواب. ألا