تقول منكراً على إنسان ضرب زيداً: لم ضربت هذا الرجل الصالح؟، إذا كانت تلك صفته عند المخاطب أو عند المتكلم. ويجوز أن يكون ليس من خطابهم لهم، ولكن قالوه (١) لأنفسهم أو لغيرهم من المؤمنين، فيجوز أن يكون لفظ الجاهلين من قولهم، ويجوز أن يكون من الحاكي أيضاً على الوجه الأول، ليشمل ذكر الحكم والعلة بلفظ واحد، والجمل كلها في موضع نصب للمصدر (٢) المؤقت للقول عند المحققين، وفي موضع نصب على المفعول به في قول الأكثرين. والصحيح أن القول غير متعد، وأن ما يذكر بعده (٣) من مثل ذلك مصدر (٤). والدليل عليه أنه لو كان مفعولاً به لكان غيره مما تتوقف عقليته عليه، وليس كذلك، وبيان أنه ليس غيره أنك إذا قلت: قلت، فقد اشتمل دلالة على القول، كما أنك إذا قلت: قعدت، فقد دل على العقود، فكما أنك إذا ذكرت قعوداً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية في قولك: قعدت القرفصاء، باتفاق، فكذلك إذا ذكرت قولاً خاصاً لا تخرجه عن المصدرية. وزيد قائم، في قولك قلت: زيد قائم، قول خاص كالقرفصاء بالنسبة إلى القعود في كونها قعوداً خاصاً. فيجب أن يحكم عليهما جميعاً بالمصدر أو بالمفعول. ولا قائل بالمفعول لما ذكرناه، فوجب الحكم بالمصدر. وإنما توهم أولئك المفعولية من وجهين: أحدهما: حملهم القول على التلفظ والمعلق على المعنى، فوجودا للفظ باعتبار المعنى تعلقاْ. والآخر: أن توهموا أن القول في تعلقه بالمقول كالعلم في تعلقه بالمعلوم، وذهلوا أن ذلك المتعلق هو نفس القول، وإنما يذكر
стр. 177
باعتبار خصائصه بخلاف العلم، فإنه ليس بالمعلوم، فافترقا. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٠]
[توجيه فتح وكسر همزة "أن" في قوله تعالى: ﴿أن كنتم قوماً مسرفين﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين﴾ (١).
الهمزة للإنكار (٢)، والفاء تدل على فعل مقدر قبلها يعطف عليه ما بعدها، كأن المعنى: أنهملكم فنضرب عنكم الذكر أو نترككم أو ما أشبه ذلك (٣). كما قيل (٤) في قوله تعالى: ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم﴾ (٥): إن التقدير: أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم. ويجوز أن تكون الفاء لبيان أن ما قبلها سبب لإنكار ما وقع بعدها (٦). ألا ترى أن قبل قوله: أفلم يروا، ذكر أنهم في الضلال البعيد (٧). فنبه بالفاء على أن الضلال سبب لإنكار كونهم (٨) لم
стр. 178
يروا، وكذلك ما قبل هذه الآية من ذكر الإنزال لهداهم سبب لإنكار الأضراب عنهم (١). يقال: أضربت عن كذا وضربت كذا عن فلان. فمعنى أضربت عن كذا: حدت عنه، ومعنى ضربت كذا عن فلان أي: منعته عنه، جاء الرباعي لازماً، والثلاثي متعدياً. و (صفحاً) منصوب على المصدر، لأن معنى ضربت الذكر عنه: أعرضت، فصفحاً بمعنى إعراضاً. و (أن كنتم) بالفتح تعليل، على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر وعاصم (٢)، وعلة للضرب الذي أنكر، أن يهملوا بغير تذكير (٣) لأجل من المسرفين. فالتعليل للفعل الذي أنكر، فالإنكار إذن متعلق بالفعل مقيد بعلته، لا مع انقطاعه عن علته، إذ قد ينكر الفعل باعتبار تعليل علة ولا ينكر باعتبار أخرى، كما تقول: أتضرب زيداً إن أحسن إليك؟، ولا تقول: أتضرب زيداً إن أساء إليك؟.
وأما قراءة حمزة ونافع والكسائي بالكسر، فشرط يدل على جوابه ما تقدمه (٤)، فانسحب معنى الإنكار على ما دل على جوابه باعتباره، فصار بهذا التقدير كمعنى المفتوحة، لأن المفتوحة إذا كانت تعليلاً فمعناها: أن ما قبلها مسبب لما في حيزها، فكذلك المكسورة إذا كان ما قبلها دالاً على جوابها تدل على أن ما في حيزها سبب لما تقدمها. فتحقق أن المعنى في المكسورة إنكار الإهمال المسبب عن كونهم مسرفين لما علق على الشرط، فرجعا بهذا التقدير إلى معنى واحد. والله أعلم بالصواب.
стр. 179
[إملاء ٥١]
[توجيه إعراب قوله تعالى: ﴿ولا أصغر من ذلك ولا أكبر﴾]
وقال أيضاً مملياً على قوله تعالى: ﴿وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب﴾ (١):
وجه الإشكال في الآيتين أن قوله: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، معطوف على قوله: مثقال، أو على موضع (من مثقال) في (يونس). ولذلك (٢) قرئ في يونس رفعاً وخفضا (٣) ولم يقرأ في (سبأ) إلا رفعاً لمجيء (مثقال) مرفوعاً. وإذا تقرر ظهور عطف (ولا أصغر ولا أكبر) على ما قبله، وكان الاستثناء غير مقنطع، كان قوله: (في كتاب مبين) استثناء مفرغاً، صفة لمثقال، مستثنى من صفة عامة محذوفة، كقولك: ما مررت برجل إلا في الدار. أو مستثنى من متعلق للفعل عام، كقولك: ما مررت برجل إلا في الدار، على معنى: ما مررت في مكان من الأمكنة برجل إلا في هذا المكان. وعلى التقديرين (٤) يلزم أن يكون الفعل المنفي قبل إلا مستثنى باعتبار ثبوت ما بعدها. ألا ترى (٥) أنك إذا قلت: ما مررت برجل إلا في الدار، كنت مخبراً عن مرور ثبت لك برجل في الدار، أو ثبت في الدار لرجل على التقديرين. وإذا تقرر ذلك كان المعنى ثبوت العزوب عند ثبوت الكتاب، وهو غير مستقيم، إذ ليس المراد أنه يعزب إذا كان في كتاب. والجواب من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن الوقف على قوله: في الأرض ولا في السماء، في (يونس)، وعلى الأرض في (سبأ)، و (لا
стр. 180
أصغر) فيهما مستأنف، جاء في (يونس) على الوجهين الفصيحين في مثل: لا حول ولا قوة، ولا حول ولا قوة، فالتح فيه بناء كالفتح في: لا رجل، لا علامة للخفض. والرفع فيه إعراب على (١) الابتداء. وجاء في (سبأ) على أحد الوجهين، وهو الرفع لا غير، وبهذا يندفع الإشكال. الثاني: أن يكون قوله: وما يعزب بمعنى: ما يخرج إلى الوجود إلا في كتاب، فلا يلزم ما تقدم من الإشكال، إذ المعنى: أنه يخرج في كتاب، لا معنى: أنه يخفى، فيكون (ولا أصغر ولا أكبر) بهذا التقدير عطفاً على ظاهره، ويكون الفتح في (يونس) علامة للخفض عطفاً على مثقال أو على ذكرة (٢). والرفع عطفاً على موضع (من مثقال) (٣). ويكون الضم في (سبأ) عطفاً على مثقال (٤) ولم يأت الفتح فيه على هذا التقدير، إذ ليس قبله ما يصح عطفه عليه بالفتح. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٢]
[الفاء في قوله تعالى: ﴿فكرهتموه﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه﴾ (٥):
الفاء في قوله: فكرهتموه، مشكلة، فإنها إن كانت للسببية احتيج إلى أن
стр. 181
يقدر معها ما هو سبب لما ذكر بعدها، وإن كانت عاطفة احتيج إلى جملة تكون هي عقبيها، وكلا الأمرين ليس بظاهر في الآية. فالجواب: أنه (١) للسببية، لأن معنى: أيحب أحدكم؟، نفي الحب، لأن همزة الإنكار إذا دخلت على الفعل كان الفعل بعدها نفياً، إما نفي طلب، أي: نهي كقوله: ﴿أتأخذونه﴾ (٢). وإما نفي حصول، كقوله: ﴿أيحب أحدكم﴾. ولما كان المعنى: ما يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً، ذكر ما هو مسبب عن هذا المنفي وهو تحقق الكراهة وثبوته. ويجوز أن يقال: إنه لما نهي عن الغيبة على صيغة شبهها بما هو مكروه من معتادهم وهو أكل لحم المغتاب ميتاً، وأتى به على صيغة الإنكار تنبيهاً على أنه مما لا يفعلونه. ثم كان ذلك التشبيه سبباً لذكر تحقق الكراهة، فقال بعد ذلك: فكرهتموه، فكان ذكر تحقيق الكراهة وثبوتها مسبباً عن هذا التشبيه الذي قصد به تأكيد كراهة ما نهي عنه، إذ به يتحقق توبيخهم في وقوعهم في الغيبة المشبهة ما يأبونه ويكرهونه. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٣]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا أن يشاء الله﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً. إلا أن يشاء الله﴾ (٣):
الوجه فيه أن يكون استثناء مفرغاً، كقولك: لا تجيء إلا بإذن زيد، ولا تخرج إلا بمشيئة فلان، على أن يكون الأعم المحذوف حالاً أو مصدراً. فتقدير
стр. 182
الحال: لا تخرج على حال إلا مستصحبا لذلك. وتقدير المصدر: لا تخرج خروجاً إلا خرجاً مستصحباً لذلك، كقولك: ما كتبت إلا بالقلم، ولا نجرت إلا بالقدوم، وحذفت الباء من (أن يشاء الله)، والتقدير: إلا بأن يشاء الله، أي: إلا بذكر المشيئة. وقد علم أن ذكر المشيئة المستصحبة في الإخبار عن الفعل المستقبل هي المشيئة المذكورة بحرف الشرط، أو ما هو في معناه، كقولك: لأفعلن إن شاء الله، أو لأفعلن بمشيئة الله، أو إلا أن يشاء الله وما أشبه ذلك.
وما ذكر من أنه استثناء منقطع أو متصل على غير ذلك فبعيد. أما الانقطاع فلا يتجه لأنه يتجه لأنه يؤدي إلى نهي (١) كل أحد (٢) عن أن يقول إني فاعل غداً كذا مطلقاً، قيده بشيء أو لم يقيده، وهو خلاف الإجماع، فإنه لا يختلف (٣) في جواز قول القائل: لأفعلن كذا إن شاء الله، وجعله منقطعاً يدرجه في النهي (٤).
وأما ما ذكر من أنه متصل باعتبار النهي فيؤدي إلى أن يكون المعنى: نهيتكم إلا أن أشاء، والنهي لا يقيد بالمشيئة لأنه إن أريد تحقق الإخبار عن نهي محقق فلا يصح تعلقه بالمشيئة. وإن أريد نفس النهي الذي هو إنشاء فلا يقبل تعلقه على المشيئة. وإن أريد دوامه إلى أن يأتي نقيضه، فذلك معلوم في كل أمر ونهي، وكل حكم. ثم يلزم أن يكون كل أحد (٥) منهياً عن أن يقول: إني فاعل مطلقاً، لأن الاستثناء بالمشيئة لم يتعرض له، وإنما تعرض لنفس النهي أو دوام النهي كما تقدم.
стр. 183
وأما ما ذكر من أنه متصل بقوله: إني فاعل، ففاسد، إذ يصير المعنى: إني فاعل بكل حال إلا في حال مشيئة الله، فيصير منهياً عن ذلك، وهو خلاف الإجماع، إذ يصير المعنى النهي عن أن يقول: إني فاعل إن شاء الله، وإني فاعل إلا أن يشاء الله، وهذا لا يقوله أحد. وأما ما ذكر من أن بعض المتأخرين زعم أن (إلا) ههنا ليست باستثناء اتصال، فقد تقدم الكلام عليه. وإن أراد أنها ليست باستثناء أصلاً لا منقطع ولا متصل، فلا يصدر ذلك إلا عن جهل وغباوة. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٤]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿فما بعد الحق إلا الضلال﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿فما بعد الحق إلا الضلال﴾ (١):
يجوز أن يرتفع (الضلال) على أنه بدل باعتبار معنى: ماذا، لأن المعنى النفي، لأن الاستفهام فيه على معنى الإنكار، كأنه قيل: ما شيء بعد الحق إلا الضلال.
ويجوز أن يكون مبتدأ على تقدير استثناء مفرغ من حيث أن المعنى: ما بعد الحق إلا الضلال. ولو قيل ذلك لكان مبتدأ، فكذلك ما كان بمعناه. وإذا جاز البدل والتفريغ في الاستهام وهو على بابه في مثل قولك: هل جاءك رجل إلا زيد؟، وهل جاءك إلا زيد؟، فلأن يجوز إذا كان معناه معنى النفي أجدر. وإنما قدر الاستثناء في الآية على معنى النفي، لأنه المراد لاستحاقة تحقيق الاستفهام في حق الله تعال. وأيضاً فلو جعل الاستثناء على صورة الاستفهام
стр. 184
لتغير المعنى، لأنك إذا لت: هل جاءك رجل إلا زيد؟، فمعناه: أخبرني عن غير زيد، فلا يستقيم ههنا السؤال عن غير الضلال، إذ لا شيء بعد الحق غيره. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٥]
[توجيه قراءة قوله تعالى: ﴿ولا تتبعان﴾]
وقال مملياً بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون﴾ (١):
روي عن ابن ذكوان تشديد التاس وتخفيف النون (٢). وروي عنه تخفيف التاء وإسكانها وفتح الباء وتشديد النون من تبع يتبع، وليس فيه إشكال، وإنما الإشكال في تخفيف النون. ووجهه أن (لا) نافية، والفعل مرفوع على وجهين: أحدهما: أن تكون جملة خبرية، معناها النهي، كقوله تعالى: ﴿تؤمنون بالله ورسوله﴾ (٣) و ﴿لا تعبدون إلا الله﴾ (٤). والمعنى على الأمر والنهي، وعطف جملة خبرية معناها النهي على جملة معناها الطلب. والوجه الثاني: أن تكون الواو واو الحال، أي: استقيما غير متبعين. والجملة النفيية الفعلية يجوز أن تأتي بالواو وبغير واو. وقول من قال: إنها نهيية (٥) وإن النون نون التأكيد
стр. 185
الخفيفة كسرت، أو الثقيلة حذفت الأولى منهما، ضعيف، لا ينبغي أن تأول قراءة صحيحة عليه، لأنه لم يثبت في اللغة مثله. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٦]
[وجه النصب في قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه﴾]
وقال أيضاً ممليا على قوله تعالى: ﴿فما كان جواب قومه إلا أن قالوا﴾ (١):
المراد في مثل هذه المواضع بما بعد إلا خصوصية المقول، فهو كالعلم في المعنى، لأنك إذا حكيت القول بلفظه ومعناه أو بمعناه، كان كالعلم في صحة وقوعه وقوع المفردات، إلا أنه قصد التعبير عنه باعتبار معناه، فالمعروف ذكر قول قبله، كأنهم قصدوا إلى التنبيه على أن المراد مضمون الجملة، فتقول: قولك: زيد حسن، صدق أو كذب وما أشبه ذلك. فإذا ثبت ذلك كان جعل مثله اسماً لكان أوضح، لأن الأعلام وما تنزل منزلتها أظهر في التعريف من غير المضمرات. فإذا حسن جعلها اسماً في هذا المحل لم يستقم تقديمها على (إلا) لفظاً ولا معنى. أما المعنى فلأن المقصود: ألا جواب إلا هذا. ولو قدم، لكان المعنى: ما هذا إلا جواب. وهما مختلفان، لأنه على المعنى ألأول لو قدر أن لهم جوابا آخر لم يستقم منه، وعلى المعنى الثاني لو قدر أن لهم ألف جواب آخر لم يمتنع منه. وأما من جهة اللفظ فلأنك لا تجد "كان" الناقصة داخلة على أن المصدرية مباشرة. ألا ترى أنك لا تقول: كان أن تقوم خيراً لك، لأنها لما كانت مصدرية شبهوها في امتناع دخول عوامل الابتداء عليها بأن المشددة المصدرية، لأنها مثلها في كونها حرفاً مصدرياً لا يوصل إلا
стр. 186
بجملة. وإذا تقرر ذلك تعين النصب في مثل قوله: فما كان جواب قومه (١). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٧]
[إعراب قوله تعالى: ﴿والنجوم مسخرات﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى – في النحل: ﴿والنحوم مسخرات﴾ (٢): لا يجوز أن ينتصب على الحال من معمول (سخر) لأنه لا يجوز أن يقال: ضربته مضروباً كما لا يقال: قمت قائماً، على أنه حال، لأنه مفهوم من قوله: قمت، فلا فائدة في قوله: قائماً. وكذلك ضربته مضروباً. ولذلك اتفق على تأويل قولهم: قمت قائماً؛ في أنه في معنى قمت قياماً. فكذلك قوله: ﴿مسخرات﴾، بعد قوله: ﴿سخر﴾، لا يحسصن فيه الحال لذلك. ولا حالا مؤكدة لأن شرطها مفقود وهو أن تكون مقررة لمضمون جملة اسمية. ولا يحسن أن يكون مصدراً لمجيئه مجموعاً، والمصادر التي يراد بها المعنى الكلي لا تجمع. فإن حمل على قصد الأعداد، كأنه قيل: مسخرة، بمعنى تسخيرة، ثم جمع مسخرات كما تجمع تسخيرات على إرادة أعداد المرات جاز على ما فيه من بعد. والأحسن أن يكون منصوباً حالاً (٣) بفعل مضمر واقعاً على قوله:
стр. 187
﴿والشمس والقمر﴾، تقديره: وخلق الشمس والقمر مسخرات. أو مفعولاً ثانيا، بمعنى: وجعلها مسخرة. أو يقدر الفعل بعد قوله: والنجوم، أو قبله على التأويلين، كأنه خلقها أو جعلها مسخرات. وحسن تقديره لما في (سخر) من الدلالة عليه. ومما يوضح ما ذكرناه قراءة من قرأ: والشمس والقمر وما بعده بالرفع (١)، وقراءة من قرأ: والنجوم مسخرات بالرفع خاصة (٢)، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٨]
[إعراب قوله تعالى: ﴿ما ليس لك به علم﴾]
وقال أيضاً [في دمشق سنة إحدى وعشرين] (٣) على قوله تعالى: ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم﴾ (٤): لا يستقيم أن يكون (ما ليس لك به علم) بدلا لأمرين: أحدهما: أنه يقال: أشرك زيد كذا بكذا، أي: جعله شريكاً له، وهم كانوا يجعلون شركاء لله كما قال تعالى: ﴿وجعلوا لله شركاء﴾ (٥). ومنه قوله حكاية عن إبليس: ﴿إني كفرت بما أشركتموني من قبل﴾ (٦)، أي: بجعلكم إياي شريكاً. وأما قوله: ﴿وكفرنا بما كنا به مشركين﴾ (٧)، فإنما عدي بالباء لتقدمه على اسم الفاعل، كما تقول: أنا بالله مستعين. والثاني: أنه لو جُعل بدلا لكان من بدل الغلط،
стр. 188
والقرآن مبرأ من ذلك، لأنه لا يستقيم فيه نوع من أنواع البدل، وذلك واضح. فالوجه أن يقال: إنه مفعول (تشرك)، ولو جعل (تشرك) بمعنى: تكفر، وجعلت (ما) نكرة موصوفة أو بمعنى الذي، بمعنى: كفراً أو الكفر، ويكون نصباً على المصدر، لكان وجهاً حسناً، والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٥٩]
[ضعف قراءة ابن عامر وعاصم لقوله تعالى: ﴿وكذلك ننجي المؤمنين﴾]
وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿فاستجبنا له فنجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين﴾ (١):
على قراءة ابن عامر وعاصم لا يظهر فيها وجه مستقيم (٢). فمن وجهها على أنه ماض بني لما لم يسم فاعله فضعيف من حيث أسكنت الياء ومن حيث نصب المفعول به الصريح وأقيم المصدر لما لم يسم فاعله مقام فاعله. ومن وجهها على أنه مضارع "أنجي" أدغمت النون في الجيم فضعيف من حيث إن النون لم يثبت إدغامها في الجيم، وإنما تخفي فيها لا تدغم، فإدغامها فيها بعيد. ومن وجهها على أنه مضارع "نجي" لزمه حذف النون الثانية (٣)، ومثلها لا تحذف، فلا يقال في مضارع "نسى": نسى، ولا في مضارع "نزل": نزل. وتشبيههم إياها بالتاءين (٤) في "تتفعل" و"تتفاعل" غير مستقيم لاختلاف الحركات
стр. 189
هنا واتفاقها ثم. ثم ولو اتفقت فلا يثبت حذف النون لمجرد القياس على حذف التاء. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٠]
[إعراب "إخوانا" في قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾ (١): من قال: إنها حال من الضمير في جنات، فهو ضعيف للفصل بين الحال وصاحبه بالجمل المتعددة، لأن قوله: (ادخلوها) جملة و (نزعنا) جملة. ومن جعلها حالاً من الضمير في (آمنين) فهو أضعف (٢)، لأن (آمنين) في سياق (ادخلوها)، و (ادخلوها) معمول للقول المقدر، أي: يقال لهم: ادخلوها بسلام آمنين. فإذا جعلت (إخوانا) حالاً من الضمير في آمنين وجب أن يكون في سياق القول فتكون فاصلاً بين ما هو كالمفعول الواحد بالأجنبي وهو جملة: ونزعنا، لأن الجملة المقولة وإن تعددت أجزاؤها في حكم المفعول الواحد أو المصدر (٣)، فإذا قطعت بعض أجزائها عن بعض، كنت كالفاصل بين جزء المفعول وجزئه الآخر. هذا وإنه يلزم منه ما لزم في الأول من الفصل بين الحال وصاحبه بالجملة الأجنبية التي هي: ونزعنا.
نعم لو جعل (ادخلوها بسلام) هو مفعول القول دون (آمنين) وجعل (آمنين)
стр. 190
حالاً من الضمير في (في جنات)، وجعل (إخوانا) حالا من الضمير في (آمنين) اندفع الضعف بالوجه الأول. ولكن يجيء ضعف من جهة أن المفهوم من (آمنين) أنه حال من الضمير في (ادخلوها). فإذا جعل حالاً من الضمير في (في جنات) لزم خروجه عن هذا الظاهر. ومن جعلها حالاً من ضمير الفاعل (١) في (ادخلوها) فالكلام فيه كالكلام فيما تقدم سواء (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦١]
[توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿لا يهدي﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿أمن لا يهدي إلا أن يهدي فما لكم كيف تحكمون﴾ (٣): قرأ ابن كثير وورش (٤) وابن عامر (يهدي) بفتح الياء والهاء وتشديدا الدال (٥). وأصله: يهتدي، مضارع اهتدى (٦). والعرب تدغم تاء الافتعال في مثله ومقاربه إدغاماً غير لازم. أما في المثل فلأنها كالمنفصل (٧)، فإن تاء الافتعال لا يلزمها وقوع تاء بعدها. وأما في المقارب فواضح. فإذا قصدوا إلى الإدغام اسكنوا التاء وقلبوها دالاً لأجل الإدغام، فاجتمع ساكنان: الهاء والدال،
стр. 191
ففتحوا الهاء لالتقاء الساكنين، وخصت بالفتح تنبيها على حركة ما أسكن للإدغام، كما ضموا في "يرد"، وكسروا في "يفر"، وفتحوا في "يعض"، وأصله: يردد ويفرر ويعضض. وهذه أوضح قراءات التشديد في هذا الحرف. وقرأ حفص (يهدي) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال (١)، وأصله كما تقدم، والإدغام كالإدغام، إلا أنه كسرت الهاء لالتقاء الساكنين، ولم يراع ذلك الأصل المتقدم من حيث كان ذلك الأصل للتنبيه على ما تختلف حركته، لأن عين الفعل تكون مفتوحة ومضمومة ومكسورة، فلو لم يفعلوا ذلك لأدى إلى اللبس بخلافه ههنا، فإن تاء الافتعال لا يلبس أمرها في أنها بالفتح، فلا حاجة إلى تنبيه عليها، فلذلك كسر الأول من الساكنين على أصل الساكنين. وقرأ أبو بكر مثل حفص، إلا أنه بكسر الياء (٢)، ووجهه كوجهه، وكسر الياء لاتباع الهاء، لما في الهاء من الخفاء، فلما كسرت أشبهت الياء فكسر ما قبلها لذلك. وقرأ أبو عمرو وقالون (٣) (يهدي) بفتح الياء وإخفاء فتحة الهاء وتشديد الدال، وأصله أيضاً: يهتدي. وعلة الإدغام كما تقدم، إلا أنه لم تمكن فتحة الاء ولم تبق ساكنة جمعاً بين أصلها وعارضها. لأن أصلها الإسكان، والعارض يقتضي التحريك فسلك أمر بين أمرين لإمكانه، ولم يسلك ما سلك في "يرد" كما تقدم من أن الحركة ثم مقصودة بالمحافظة بخلافها ههنا.
стр. 192
ويعض القراء يترجم له في قراءتهما بسكون الهاء، وهو ضعيف لما يؤدي إليه من التقاء الساكنين. وقرأ حمزة والكسائي (يهدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال (١)، وهو مضارع هدى، فلا إشكال فيه. والاستثناء مفرغ لأن المعنى: أم من لا يهدي بسبب من الأسباب إلا بأن يهدي. والقياس مجيء الباء في مثله، مثل قوله: ما مررت إلا بزيد. إلا أنه حسن حذفها ههنا لمجيئها مع أن، وحروف الجر تحذف مع أن وأن، وتثبت قياساً مطرداً، لذلك حسن الحذف. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٢]
[معنى "ما" في قوله تعالى: ﴿ما يتذكر فيه من تذكر﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ما يتذكر فيه من تذكر﴾ (٢): لا يستقيم أن تكون (ما) نافية لوجهين: من حيث اللفظ ومن حيث المعنى. أما اللفظ فلأنها يجب قطعها عن (نعمركم) من حيث أن (نعمركم) لا يجوز أن يكون النفي من معموله، وهو خلاف الظاهر. وأيضاً فإن الضمير يرجع إلى غير مذكور في قوله: فيه، وأما من حيث المعنى فلأن قوله: أو لم نعمركم، إنما سيق لإثبات التعمير وتوبيخهم على تركهم التذكير فيه. فإذا جعل قوله: ما يتذكر، نفياً، كان فيه إخبار عن نفي تذكير متذكر فيه، فظاهره على ذلك نفي التعمير، لأنه إذا كان زماناً لا يتذكر فيه متذكر لزم أن لا يكون تعميراً، وهو خلاف قوله: أولم نعمركم (٣). والله أعلم بالصواب.
стр. 193
[إملاء ٦٣]
[الجواب على إشكال في قوله تعالى: ﴿إلا هي أكبر من أختها﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها﴾ (١): قد استشكل من جهة أن أفعل التفصيل إذا نسب إلى شيء وجب أن تكون فيه زيادة على المفصل عليه، فلا يتسقيم أن يقال: الزيدان كل واحد منهما أفضل من الآخر، لما يؤدي إليه من إثبات الزيادة ونفيها في كل واحد منهما، فقوله تعالى: ﴿هي أكبر من أختها﴾ شامل للجميع، فيلزم أن تكون كل واحدة منهما أكبر من الأخرى، وذلك يؤدي إلى أن تكون أكبر وليس بأكبر (٢). والجواب عنه من وجوه: أحها: أن يكون المراد إنما يأتي أكبر مما تقدم فيكون المراد بقوله: من أختها، أي: من أختها المتقدمة عليها. الثاني: أن يكون المراد: إلا هي أكبر من أختها من وجه، وقد يكون الشيئان كل واحد منهما أفضل من الآخر من وجه. الثالث: أن يراد: إلا هي أكبر من أختها عندهم وقت حصولها، لأن لمشاهدة الآية أثراً في النفس عظيماً ليس للغائب منها، وإن كان الغائب أكبر، فإن الإنسان يعظم عنده مشاهدة عصا، تنقلب عقرباً أكبر من عظم علمه بأنها تنقلب حية، وإن كان انقلابها حية أعظم في التحقيق. وإنما الشماهدة لها أثر في تعظيم الشيء في النفس. والله أعلم بالصواب.
стр. 194
[إملاء ٦٤]
[معنى التوقع في قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك﴾ (١): ألفاظ التوقع إذا وردت من الله تعالى فهي محمولة على التوقع من المخاطب كقوله تعالى: ﴿لعله يتذكر﴾ (٢)، بمعنى: اذهبا على توقعكما ذلك. وقوله: فلعلك تارك، بمعنى: أن التوقع منك للترك حاصل لأجل هذه العلة والتعنت المذكور، وهو قولهك: ﴿لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك﴾ (٣). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٥]
[معنى قوله تعالى: "لو كنت أعلم الغيب "]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾ (٤): إن قيل: قد علم أنه لا يقع إلا ما أراده (٥) الله تعالى: وما يريده الله تعالى متحقق في علمه لا يتيغر، فكيف يستقيم أن يفعل من علم الغيب ما لم يكن فاعلاً له لو لم يعلم؟. فالجواب: أن مما علمه الله تعالى وأراده أن الأفعال لا يقع من العالم بها في الغالب إلا ما هو نفع له غير مضر، فاستقام أن يقال: لو كنت أعلم بالغيب، لأنه كان يكون المقدر من أفعاله أكثرها ما هو خير له، فكأنه قيل: لو كنت أعلم الغيب لكان الواقع مني من الأفعال أكثرها خير لي (٦). والله أعلم بالصواب.
стр. 195
[إملاء ٦٦]
[وضع الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿ثم استخرجها من وعاء أخيه﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿ثم استخرجها من وعاء أخيه﴾ (١): إنما حسن إظهار الوعاء وكان القياس أن يقول: ثم استخرجها منه، لتقدم ذكره، لأنه لو قيل: ثم استخرجها منه، لأوهم أن يكون الضمير للأخ نفسه فيصير كأن الأخ كان مباشراً بطلب خروج الوعاء، ولم يكن الأمر كذلك، لما في المباشرة من الأذى الذي تأباه النفوس الأبية، فأعيد بلفظ الظاهر لنفي هذا التوهم. وإنما لم يضمر الأخ فيقال: ثم استخرجها من وعائه، لأمرين: أحدهما: أن ضمير الفاعل في (استخرجها) ليوسف ﵇. فلو قال: من وعائه، لتوهم أنه ليوسف، لأنه أقرب مذكور، فأظهر دفعاً لذلك. الثاني: أن الأخ مذكور مضافاً إليه، ولم يذكر (٢) فيما تقدم مقصوداً بالنسبة الإخبارية. فلما احتيج إلى إعادة ما أضيف إليه أظهر أيضاً. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٧]
[عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة سبع عشرة على قوله تعالى: ﴿واذكروه كما
стр. 196
هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين﴾ (١): الأحسن أن يكون الضمير في قوله: من قبله، يعود على الهدى (٢)، لما دل عليه قوله: هداكم. الكاف نعت لمصدر محذوف، أي: ذكرا مثل ما هداكم (٣)، وإن كان الفاعلان خاصين باعتبار أمر عام اشتركا فيه وهو الاحسان، كأنه قيل: أحسنوا كما أحسن إليكم، مثل قوله: ﴿وأحسن كما أحسن الله إليك﴾ (٤) إلا أنه عدل عن العام الى الخاص لقصد تفهيم خوصوصية المطلوب، وتنبيها على خصوصية السبب. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٨]
[وجه دخول أن المخففة على "ليس" و"عسى "]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ (٥). ﴿وأن عسى أن يكون قد أقترب أجلهم﴾ (٦): (أن) في الموضعين مخففة من الثقيلة. ولا يجوز التعويض فيها، وإن كانت إنما دخلت على الفعل، لأمور: أحدها: أ، هـ لا يصح دخول حرف التعويض عليها بوجه ما، فلم يجز إدخالها عليها ههنا. أما امتناع السين وسوف ولا فلأنها حروف استقبل وهذه ماضية. وأما امتناع "قد" في "ليس" فلأنها لتقريب الماضي من الحال، و"ليس" لنفس الحال، ولأن معناها الاثبات، و"ليس" نفي، فكانا متضادين. فإن قلت: فقد قالوا: قد انتفى الشيء،
стр. 197
فأدخلوها على فعل معناه نفي. قلت: الجملة في "ليس" في المعنى هي الجملة الاسمية والمقصود منها نفي الخبر بها عن المبتدأ، وليست مقصودة في الحقيقة بالإخبار بها وبفاعلها. ألا ترى أنك لو قلت: ليس زيد، لم يكن كلاما. فلو دخلت "قد" على هذه الجملة لوجب أن يتحقق نفس ما هو المقصود بالانتفاء وهو الخبر، فتصير نافيا مثبتا. وأما: قد انتفى الشيء، فليس من ذاك. ألا ترى أن قولك: انتفى الشيء كلام مستقيم، فإذا قلت: قد انتفى، فإنما أردت تحقيق ذلك الفعل الذي معناه نفي، فظهر الفرق بينهما. وأما امنتاع "قد" على "عسى" فلأنها لتقريب الماضي من الحال، و"عسى" لا تكون إلا لتقريب في المستقيل، فكانا متضادين، ولأنها تقرب ما لو لم تدخل عليه لكان معناه محتملا في الزمان القرب والبعد. ولا دلالة لعسى على الزمان، فلا معنى لدخول "قد" عليها، ولأن المقصود الحملة الاسمية، فالخبر في الحقيقة هو خبر المبتدأ، ولا معنى لدخول "قد" إلا تحقيق الخبر؛ فلا دخول له على خبر المبتدأ (١). فإن قلت: فقد استقلت "عسى" مع فاعلها كلاما في قولك: عسى أن يقوم زيد، فمقتضى هذا التعليل أن تدخل "قد". قلت: ليس المقصود أيضا بالخبر ههنا إلا بالجملة الواقعة بعد عسى. وهي وإن كانت في صورة الفعلية فالمعنى فيها على الاسمية، والمعنى فيها كمعنى: عسى زيد أن يقومٍ، سواء. والمقصود: زيد يقوم. فالأصل: عسى زيد يقوم، فلما التزموا دخول "أن" لمعنى اقتضاها قدموا تارة الفعل على الاسم ليصح دخول "أن" عليه، فقالوا: عسى أن يقوم زيد، وبقوها تارة أخرى على نظمها الأصلي، وأدخوا "أن" على الفعل مؤخرا، فقالوا: عسى زيد أن يقوم، فصارحكم: عسى أن يقوم، وعسى أن يقوم زيد، سواء. الثاني: ولو سلم صحة دخول حرف التعويض على هذه
стр. 198
الأفعال في غير هذا الموضع لم يلزم في هذا الموضع، وذلك أن دخولها إنما كان للفرق بين المصدرية والمخففة. ولا تلبس هذه بالمصدرية لأنها لا تدخل عليها، وإنما امتنع دخولها عليها لأمرين: أحدهما: أنها إنما تدخل على ما يخبر عنه في التحقيق أو يخبر به، وهي في الحقيقة ليست مقصودة بالإخبار عنها ولا بها. ألا ترى أن قولك: يعجبني أن تقوم، المقصود الإخبار عن القيام بالإعجاب. وإذا قلت: عسى زيد أن يقوم، فالمقصود الإخبار عن زيد بالقيام. وإنما دخلت "عسى" لتقريب المرجو كدخول لعل. الثاني: أن المصدرية إنما تدخل في موضع يسبك الفعل معها إلى مصدر (١) وليست لهذه مصادر تسبك إليها. الأمر الثالث من الأول: أن هذه الأفعال غير متصرفة لتضمنها معنى الحروف في التحقيق، فأجريت مجرى الحروف في امتناع دخول الأفعال كامتناع دخولها على الحروف. والذي يحقق قربها من الحروف اختلاف العلماء في كونها من باب الحروف (٢). والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٦٩]
[إعراب "ما" في قوله تعالى: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾]
وقال أيضا ممليا على قوله تعالى: ﴿فقليلا ما يؤمنون﴾ (٣): يحتمل وجوها: أحدها أن تكون (ما) زائدة، أي: يؤمنون قليلا (٤).
стр. 199
معنى القلة ههنا النفي على مذهب قول العرب: قل ما يقول ذاك، أي: ما يقوله. ولذلك امتنع: قل سيرى حتى أدخلها- بالرفع، ووجب النصب، كما امتنع الرفع في قولك: ما سرت حتى أدخلها، ووجب النصب، الثاني: أن تكون في مثل قولك: اضربه ضربا ما، للتقليل بعد التقليل، والوجه في الإعراب كما تقدم سواء. الوجه الثالث: أن تكون (ما) نافية، و (قليلا) إما وصف لمصدر (١) وأما وصف لظرف، وفيه ضعف من حيث إن ما بعد "ما" لا يعمل فيما قبلها وهو في المصدر أضعف منه في الظرف. ويضعف أيضا في الظرف من حيث أنه أنضم إليه حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، كما ضعف: سير عليه طويل، لما انضم إلى حذف الموصوف جعله في موضع الفاعل، ولم يضعف: سير عليه طويلا، ولا: سير عليه زمان طويل، لما لم يكن في واحدة منها إلا أحدهما. ووجهه أنها تشبه بلن حتى لا يفرق بينها وبين لن (٢) بالفعلية فيقال: حرف نفي لا يغير معنى الخبر، فجاز أن تقدم عليه معمول ما بعده قياسا على لن (٣) في قولك زيدا لن (٤) أضرب. وإذا تقدم معمول ما بعد لن (٥) وهي عاملة فيه كان معمول "ما" أجدر، إذا لا عمل لها فيه. ويجوز أن يكون (قليلا) حالا من فعل محذوف دل عليه ما قبله، كأنه قيل: بل لعنهم الله بكفرهم فابعدوا أو فأخزوا أو نحوه في حال كونهم قليلا
стр. 200
إيمانهم. وهذا الوجه أقعد في المعنى، وما علمت أحد قاله. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٠]
[مسألة في "إذ "]
وقال أيضا بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة على قوله تعالى: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون﴾ (١): قال: "إذا" في أصل وضعها للماضي، فكيف يستقيم أن تكون ظرفا ل (سيقولون) مع كونه مستقبلا في قوله تعالى: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون﴾. لأنه يصير المعنى: أنه يقول في المستقبل في زمان قد مضى وذلك مستحيل؟. فالجواب من أوجه: أحدها: أن يقدر متعلق يتعلق به (إذ) فيكون التقدير: وإذ لم يهتدوا به جحدوا أو كفروا أو ما أشبهه. ثم استؤنف ذكر ما يوقعونه في المستقبل. وأتى بالفاء إيذاننا بأنه مسبب عما قدر متعلقا لإذ. الثان: أن "إذ" وإن كانت لما مضى، فما ذكر بعدها مستمر، فصار فيها شائبتان: شائبة تقتضي المضي لوقوع ذلك، وشائبة تقتضي الاستقبال لا ستمراه، فعبر بإذ باعتبار المضي لتحققه، وعلق (فسيقولون) باعتبار استمراره لأنه مستقبل في المعنى. الثالث: أن تكون متضمنة معنى الشرط بدليل دخول الفاء بعدها (٢)، وكونها في معنى إذا، وذلك إنما يكون للشروط (٣)، فكأانه المعنى: إذا لم يهتدوا به ...
стр. 201
فسيقولون، وحسن التعبير بإذ دلالة بها على تحيقق ذلك لأنها في أصل وضعها لتحقيق الشيء لكونها للماضي، وكذلك وقوله: ﴿فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة﴾ (١)، وتقدر الوجوه كلها كما قدرت فيما تقدم (٢). والله أعم بالصواب.
[إملاء ٧١]
[معنى قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿وليس الذكر كالأنثى﴾ (٣): يجوز أن يكون: وليس الذكر مثل هذه الأنثى، فتكون الألف واللام في (الأنثى) للمعهود السابق، وتكون الألف واللام في (الذكر) للمعهود الذهني. الثاني: أن المراد نفي التسوية بينهما، فلا فرق بين تقديم الذكر أو تقديم الأنثى. ولذلك قال تعالى: ﴿ليسوا سواء﴾ (٤). وإذا كان المعنى على ذلك، فلا فرق في التقديم والتأخير لصحة الإتيان بهم جميعا بلفظ الجمع. وكل ما صح فيه لفظ الجمع صح في مفرداته التقديم والتأخير. الثالث: أن يكون المعنى على الرد لمن قال: الذكر كالأنثى. فجوابه أن يقال: ليس الذكر كالأنثى، وكان ذلك المقدر على طريقة من يأخذ الأعلى فيجعله المشبه عند قصد التسوية قصدا للمبالغة، فجاء الرد على نحو ما قدر. والله أعلم بالصواب.
стр. 202
[إملاء ٧٢]
[إعادة الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿استطعما أهلها﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها﴾ (١): إنما أعاد (الأهل) بلفظ الظاهر لأحد أمرين: أحدهما: أن (استطعم) صفة لقرية، فلا بد من ضمير يعود من الصفة الجملية إليها. ولا يمكن عوده إلا كذلك لأنه لو قيل: استطعماهم لكان الضمير لغيرها. ولو قيل: استطعما ها لكان على التجوز، إذ القرية لا تستطعم حقيقة. فلما لم يكن بد من ذكر الصمير العائد إلى القرية ولا يمكن ذكره إلا وهو مضاف إليه إلا بذكر المضاف، ولا يمكن ذكر المضاف مضمرا لتعذر إضافة المضمر، تعين ذكره ظاهرا. ولا يرد عليه أن (استطعما) جواب لإذا لا صفة لقرية، لأنا نقول: الظاهر أنه صفة لقرية، وأن (قال) هو جواب (إذا) لقوله في القصة الأخرى: ﴿حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال﴾ (٢). فـ (قال) ههنا جواب (إذا) متعين. ولا يستقيم أن يكون (فقتله) جوابه، إذ الماضي الواقع في جواب "إذا" لا يكون بالفاء، فتعن فيه (قال). وإذا كان كذلك فالظاخر أن القصة الأخرى على هذا النمط في أن (قال) هو الجواب لأنها سيقت سياقا واحد. والثاني: أن الأهل لو أضمر لكن مدلوله مدلول الأول، وملوم أن مدلول الأول جميع الأهل. ألا ترى إذا قلت: أيت أهل قرية كذا، إنما تعني وصلت إليهم، فلا خصوصية لبعضهم دون بعض. والاستطعام في العادة إنما يكون لمن يلي النازل بهم منهم، وهم بعضهم، فوجب أن يقال: استطعما أهلها، لئلا يفهم أنهم استطعموا جميع الأهل وليس كذلك. والله أعلم بالصواب.
стр. 203
[إملاء ٧٣]
[دخول إن الشرطية على الماضي]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿إن كان قميصه قد من قبل فصدقت﴾ (١). وكذلك قوله تعالى: ﴿إن كنت قلته فقد علمته﴾ (٢). وكذلك قول الشاعر:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزتا ... جهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم (٣)
الصحيح أن (إن) الشرطية إذا دخلت على الماضي قلبته مستقبلا. فأما قوله: (إن كان قميصه)، فلأن (كان) بمعنى: ثبت، فكأنه قيل: إن ثبت أن قميصه. وثبوت الشيء لا يلزم منه ألا يكون قبل ذلك ثابتا، فهي على بابها في الاستقبال، لأن المعنى: إن يثبت هذا في المستقبل فهي صادقة. وبهذا التأويل أول قوله: إن أذنا قتيبة حزتا، على أن القدير: إن كانت أذنا قتيبة حزتا. وقد ثبت حذف "كان" الناقصة مع الشرط كثيرا، كقولهم: إن خيرا فخير وإن شرا فشر، ونظائره كثيرة. وأما إن جعلت إن بمعنى إذ (٤) فلا تحتاج إلى جوب.
стр. 204
وأما قوله تعالى: ﴿إن كنت قلته﴾، فعلى معنى: إن ثبت أيضا. ولا يقدح أن يقال: إنه عالم بثبوته وعدم ثبوته، فلا يصح فيه "إن" لأنها إنما تدخل على الأشياء المشكوك فيها. فالجواب: أن هذا لازم أيضا وإن لم تكن بمعنى: ثبت، فإن كونه قاله أو لم يقله أمر يعلمه فلا تدخل "إن" عليه. فما أجوبوا به أجبنا به. والجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن أمر القيامة عظيم هائل يذهل فيه العالم عن علمه. ألا ترى إلى قوله: ﴿يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا﴾ (١) والثاني وهو الظاهر: أنه خرج مخرج الإنكار على وجه الأدب، فإن العظيم يخاطب في الإنكار بصيغة الشرط. يقال للملك إذا قال: هل فعلت كذا لشيء ينكره: إن كنت فعلته فقد نقل إليك، على معنى: أني لم أفعله، فكذلك الآية. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٤]
[مسألة في الوقف والجواب عنها]
وقال أيضا بدمشق سنة تسع عشرة ممليا على قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان. ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾ (٢). سئل عن هذه الآية هو وغيره من المشايخ بدمشق. فقيل: هل يجوز الوقف على قوله: ويبقى، والابتداء بما بعده؟ وفي الوقف على قوله: فان؟. وفيمن قال: إنما الوقف على قوله: ويبقى، دون قوله: فان؟. فأجاب وقال: لا ينبغي الوقف على قوله: ويبقى، تعمدا، لأنه يلزم أن يكون فيه ضمير فاعل، وهو غير سائغ أو مستبعد. لأنك إن جعلت الضمير مفسرا بما بعده كان غير
стр. 205
سائغ في مثله (١). وإن جعلته راجعا إلى ما تقدم من ﴿ربكما﴾ (٢) أو ﴿رب المشرقين﴾ (٣) أو ﴿الرحمن﴾ (٤) أدى إلى إضمار فاعل لم يحتج إليه، وإخراج ما هو الأولى به من الظاهر بعده إلى أمر آخر بعيد، وكلاهما بعيد. وأما الوقوف على قوله تعالى: ﴿فان﴾، فتام (٥)، لأن ما بعده لا يتوقف إيراده على ما قبله، ولا أثر لواو العطف في الجمل في ذلك. ولا يصح تعليل التمام بكونه رأس آية، ولا بكونه تستقل به الجملة، ولا بهما. فإن قوله: ﴿رب العالمين﴾ (٦) رأس آية باتفاق، وليس بتام باتفاق. وقوله: ﴿الحمد لله﴾ (٧) تستقل الجملة بقوله: لله، وليس بتام ولا كاف (٨) باتفاق. وأما من قال: إنما الوقف على قوله تعالى: ﴿ويبقى﴾ دون ﴿فان﴾، فجاهل. ولو سلم له الوقف على (ويبقى) لم يمتنع الوقف على (فان)، ويكون حينئذ وقفا كافيا، ولا يكون الضمير العائد على ما قبله في (ويبقى) مانعا من الوقف عليه. هذا ما كتبه مجيبا به. والله أعلم بالصواب.
стр. 206
[إملاء ٧٥]
[مجيء الجملة الاستفهامية للتعظيم]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿القارعة. ما القارعة. وما أدراك ما القارعة﴾ (١). وشبهه: يقال: دريت بكذا ودريت كذا، أي: علمته. وتدخل الهمزة المتعدى فتقول: أدريته كذا وبكذا. فالمفعول الثاني غير المفعول الأول كمفعولي عرفت زيدا كذا بكذا. ولما كان ذلك من باب العلم، جاء المفعول الثاني تارة مفردا وجملة استفهامية أخرى، كما يجيء الثاني في عرفت والأول [في] (٢) عرفت، وكذلك علمت وأعلمت. تقول: عرفت زيدا من أبوه؟ وأعلمت زيدا أي الناس هو؟ فلذلك (٣) جاء (٤) أيضا: أدريته أي الناس هو؟ ومنه: ﴿وما أدراك ما القارعة﴾ (٥). ومجيء الجملة الاستفهامية في هذه المحال لتعظيم ذكر القضية وأنها من الا جمال بمكان حتى استحقت السؤال عنها بالجملة الا ستفهامية، وإلا فلا استفهام على التحقيق. وإنما المعنى على أن ذلك المسؤول عنه بهذه الجملة معلم، ولذلك قيل: كل ما في القرآن من (وما أدراك) فقد أعلم بمفعوله. وأما "ما" التي قبل "أدراك" فمجيئها أيضا لتعظيم شأن الإعلام وأنه من التعظيم والاجمال بمكان حتى استحق أن سأل عنه بالجمل الاستفهامية. وأما
стр. 207
ما في القرآن من قوله: ﴿وما يدريك﴾ فقد قيل: إنه لم يدر به. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٦]
[وجه رفع "الأبواب" في قوله تعالى: مفتحة لهم الأبواب]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ (١): في رفع (الأبواب) وجهان: أن يكون في (مفتحة) ضمير الجنات، ويكون التأنيت تأنيث الجماعة، كما تقول: جنات مفتحة، وتكون الأبواب بدلا من الضمي (٢)، بدل الاشتمال، كما تقول: فتحت الجنات أبوابها، والأبواب منها، فحذف الضمير للعلم به، كما تقول: ضرب زيد الرأس والظهر (٣). والثاني: أن لا يكون في (مفتحة) ضمير، فتكون الأبواب مرتفعة بها ارتفاع ما لم يسم فاعله بما أسند إليه. وقد ضعف أبو علي وغيره هذا الوجه من حيث إن شرط إعمال الصفات أن تكون في السبب دون الأجنبي، فلا بد من ضمير يعود على الأول ولا ضمير (٤)، فإن قيل: الضمير محذوف، والتقدير: مفتحة الأبواب منها، كان مثل قولك: مررت برجل حسن الوجه. وهو ضعيف. فإن قيل: إن الألف واللام قامت مقام الضمير (٥) كان أيضا مثل قولك: مررت برجل
стр. 208
حسن الوجه، ولو كانت الألف واللام تقوم مقام الضمير لم يكن ضعيفا. ولا يحسن أن يقال: لو كانت الألف واللام عوضا عن الضمير لجاز: مررت بامرأة حسنة وجهها، كما جاز مررت بامرأة حسنة الوجه، لأنا نقول به على مذهب سيبويه (١)، وإنما يقول هذا من يرى امتناع المسألة. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٧]
[إعادة الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿وكانت الجبال كثيبا مهيلا﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا﴾ (٢): إنما أعيد لفظ الجبال، والقياس الإضمار، لتقدم ذكرها. فقال: هذا مثل ما ذكرناه في قوله في (آلم السجدة) في أحد الوجهين، وهو قوله: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار﴾ (٣)، وهو أن الآيتين سيقتا للتخويف والتنبيه على عظم الأمر، فإعادة الظاهر أبلغ. وأيضا لو لم تذكر الجبال لكان الضمير محتملا أن يعود على الأرض، فذكرت الجبال بظاهر دفعا لهذا الاحتمال. والله أعلم بالصواب.
стр. 209
[إملاء ٧٨]
[جواب الشرط في قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله﴾]
وقال أيضا [بالقاهرة سنة اثنتي عشرة] (١) على قوله تعالى: ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾ (٢): جواب الشرط (فقد صغت قلوبكما)، من حيث الإخبار، كقولهم: إن أكرمتني اليوم فقد أكرمتك أمس. فالإكرام الذي ذكر شرطا سبب للإخبار بالإكرام الواقع من المتكلم أمس لا نفس ألإكرام، لأن ذلك غير مستقيم من وجهين: أحدهما: أن الإكرام الثاني سبب للأول يستقيم أن يكون مسببا. والثاني: أن ما في حيز الشرط في المعنى مستقبل، وهذا ماض محقق في المعنى. وعن الوجه الأول توهم كثير من المبتدئين أن جواب الشرط يكون مسببا ويكون سببا، وهو فاسد. ولو لصح أن يقال: إن تدخل النار كفرت بالله، وذلك معلوم البطلان. فإن قلت: فالاخبار بالإكرام الواقع أمس قد حصل قبل الشرط، وذلك غير مستقيم. فالجواب (٣): أن المعنى على أن ذكر هذا الخبر بعد وقوع الشرط المسبب، وذلك يحصل بعد الشرط، والخبر سبب للذكر لمضمونه. فذكر السبب مستغنى به عن المسبب، ولذلك وجب في مثل هذه المواضع دخول الفاء. لو قلت: إن أكرمتني فأكرمتك، لم يجز. وعلى ما ذكرناه يحمل الجواب في الآية، أي: إن تتوبا إلى الله يكن سببا لذكر هذا الخبر، وهو قوله: فقد صغت قلوبكما. فإن قلت: الآية سيقت في التحريض على التوبة، فكيف تجعل سببا
стр. 210
لذكر الذنب؟ قلت: ذكر الذنب متوبا منه لا ينافي التحريض على التوبة ولا سيما إن كان الذنب مشهورا، فيصير المعنى في الآية: إن تتوبا إلى الله يعلم براءتكما من إثم هذا الصغو، لأن الخبر بالصغو سبب لذكره، وذكره متوبا منه سبب للعلم ببراءتهم من إثمه، فاستغني بسبب السبب. ولو قيل: إن جواب الشرط في الآية محذوف للعلم به (١). أي: إن تتوبا إلى الله يمح إثمكما أو يعف عنكما، ثم قيل: فقد صغت قلوبكما، جوابا لتقدير سؤال سائل عن سبب التوبة الماحية. فإن قلت: كان يلزم على ذلك أن يقال: فقذ صغت قلوبهما. قلت: إذا كان الجواب في التحقيق حاصلا فلا فرق بين الأمرين في ذلك، وهو كذلك أحسن هنا، لأن ما ذكرناه أمر تقديري. ألا ترى أنك لو قلت: أنا أحسن إليك لأنك أحسنت إلي، كان أحسن من: لأنه أحسن إلي، لأنه رجوع إلى خطاب من لم يذكر عن مخاطب مذكور. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٧٩]
[العدول عن المطلوب إلى مسببه وسببه]
وقال أيضا بدمشق سنة ثماني عشرة ممليا على قوله تعالى: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ (٢): المأمور في الحقيقة هم المخاطبون، والمأمور به الغلظة، وإن كان في الفظ للكفار، والمأمور به وجدانهم ذلك. ووجهه أن العرب تعدل عن المطلوب تارة الى مسببه لأنه المقصود، وتارة الى سببه تنبيها للمأمرو على
стр. 211
تحصيل المطلوب بسببه. وإذا عدلت إلى ذلك أتت بالفعل الذي المسبب والسبب على صيغة الفعل المطلوب منسوبا الى فاعل ذلك الفعل فيصير في اللفظ كأنه المطلوب، وفاعله كأنه المطلوب منه، والمعنى على ما تقدم. فمن الأول: قوله تعالى: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ (١) لما كان المقصود من الأمر بالغلظة إنما هو وجدان العدو ذلك منهم، لا لأنها مطلوبة في نفسها عدل عنها الى مسببها المقصود بها وهو الوجدان، وذكر على صيغة الفعل المطلوب ونسب الى فاعله وهم الكفار عل ما تقدم. ومن الثاني: قوله: ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ (٢). فالمطلوب في الحقيقة هو اجتناب الآثام، ولكنه لما كان سبب الاجتناب اجنتاب فتنة الشيطان عدل اليها عل لفظ المطلوبات ونسبت إلى الشيطان، فصار المطلوب في اللفظ اجتناب أن يجتنب الشيطان الفتنة وهو في لحقيقة لهم على ما تقدم من العدول عن المسبب إلى السبب. وهذا الباب أكثر من أن يحصى. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨٠]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (٣): أما الأول فاستثناء متصل من وجهين: أحدهما: أن المراد بـ (ما دامت السماوات والأرض) جميع الأزمان بعد البعث، فاستثني زمن إقامتهم في
стр. 212
المحشر؛ فإنهم ليسوا في النار حينئذ. والثاني: أن يكون ﴿الذين شقوا﴾ (١) مرادا به المؤمن العاصي والكافر، فيكون (ما شاء ربك) استثناء، أما للمدة التي تكون بعد إخراج العصاة فإنهم ليسوا فيها حينئذ، وإما لمن يخرج، استعمالا لما بمعنى: من، ويكون استثناء (٢) من (الذين شقوا) لا من (دامت). وأما الثاني فلا تظهر (٣) استقامة الاتصال فيها إلا على الوجه الأول. ويضعف الانقطاع فيهما لأنه لا بد من تقدير خبر في المعنى. فإن جعلته اجنبيا عما تقدم ضعف لأن الاستثناء المنقطع لا يكون خبره أجنبيا. وإن جعلته من معنى ما قبله جاء معنى الاتصال، ولا حاجة إلى تقدير الانفصال مع تسويغ الاتصال، لأنه أظهر وأكثر. والله أعلم بالصواب.
[إملاء ٨١]
[الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾]
وقال أيضا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا﴾ (٤): يجوز أن تكو (كان) ناقصة وتامة وزائدة. فإذا كانت ناقصة جاز أن يكون الخبر (لبشر) (٥) فيكون (إلا وحيا) استثناء مفرغا من عموم الأحوال المقدرة في سياق النفي من الضمير في الخبر أو من اسم الله تعالى. كأنه قيل:
стр. 213
على حال من الأحوال إلا لى هذا الحال. فيكون (وحيا) بمعنى: ذا وحي، إما بمعنى: موحيا، وإما بمعنى: موحا. وقوله: ﴿أو من وراء حجاب﴾ متعلق بمحذوف، كأنه قيل: أو موصلا أو موصلا (١) ذلك من وراء حجاب. وقوله: أو يرسل، بالنصب (٢)، عل معنى: أوذا إرسال، عطفا على قوله: وحيا (٣). فلما حذف المضاف منهما وجاءت أن والفعل في موضع المصدر، جاز حذف "أن" كما جاز في قولك: أعجبني قعودك وتكرمني. ويجوز أن يكون (لبشر) غير مستقر، ويكون (إلا وحيا) هو الخبر استثناء مفرغا من عموم الاخبار المقدرة، كأن المعنى: ما كان التكليم إلا إيحاء أو إيصالا من وراء حجاب أو إرسالا، على أنه جعل ذلك تكليما على حذف مضاف، و (لبشر) على ذلك متعلق بما دل عليه (أن يكلمه). لأن المعنى: وما كان تكليم الله لبشر، ولكنه قدم لئلا يلي العوامل الداخلة على المبتدأ حرف (٤)، ألا ترى إلى حسن قولك: ما يكون لي أن أفعل، ما لا يحسن: وما يكون أن أفعل
стр. 214
لي. وإن كانت تامة كان الاستثناء مفرغا من الأحوال المقدرة على ما تقدم. أو يكون (وحيا) منصوبا على المصدر، أي: إلا حصول وحي، فيكون قوله: أو من وراء حجاب، إما على ذلك المعنى، وإما على تقدير: حاصلا، وإن لم يكن ما قبله حالا كما تقول: ما ضربته إلا تأديبا وقائما يوم الجمعة، وإن كان كل واحد منها مخالفا للآخر، كما تقول ذلك في الاثبات. ومثله قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ (١)، لأن (أشد) لا يستقيم أن يكون معطوفا على الكاف، ولا على (ذكركم) ولا على موصوف الكاف، لأنه كان يجب أن يقال: أو أشد بالخفض. وإنما المعنى: اذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو مثل قوم أشد ذكرا. (فأشد ذكرا) حال (٢) وقد عطف على المصدر كما ترى بتقدير جملة أخرى كالمتقدمة، أي: أو أذكروا الله مثل قوم أشد ذكرا، فحذفت لتقدم ما يدل عليها. وإن كانت زائدة كان مستثنى من عموم الأحوال المقدرة للضمير المستكن في قوله: لبشر، أو من المصادر المقدرة عن الاستقرار والحصول المتعلق به (لبشر) على المعنيين المتقدمين، أو من اسم الله تعالى عل المعاني المتقدمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، وليس بواضح إذ المفهوم من سياق الكلام بيان حصول التكليم من الله لبشر، ولأنه ل ينبغي أن يعدل إلى المنقطع إلا بعد تعذر المتصل. والله أعلم بالصواب.
стр. 215
[إملاء ٨٢]
[إعراب قوله تعالى: "أربعين ليلة "]
وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين وستمائة على قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ (١): يجوز أن يكون (أربعين) ظرفاً، لأن تمام الميقات فيها، ولذلك لو صرح بفي فقيل: تم (٢) ميقات ربه في أربعين ليلة لكان مستقيماً. ويجوز أن يكون ظرفاً على معنى: آخر أربعين ليلة، فحذف المضاف للعلم به، إذ تمام مدة الشيء إنما تكون آخره. ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر، إما على معنى: أن الأربعين اسم للآخر كما تقول: هذا أربعون، والكراسة الأربعون. فلما كان هو التمام صح أن ينصب نصب لفظ التمام. وإما على حذف مضاف، أي: تمام أربعين.
ويجوز أن يكون حالاً (٣)، أي: تم في حال كونه بالغاً هذا العدد المخصوص، كما تقول: جاءني إخوتك ثلاثة، كما وصف به في قولك: مررت بنسوة أربع.
ويجوز أن يكون مفعولاً بتم، كأن الميقات، وهو التوقيت، هو الذي أكمل الأربعين لما كان متعلقاً به. والله أعلم بالصواب.