← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 124755

أمالي ابن الحاجب

ابن الحاجب

Полный текст (865 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

تحصيل المطلوب بسببه. وإذا عدلت إلى ذلك أتت بالفعل الذي المسبب والسبب على صيغة الفعل المطلوب منسوبا الى فاعل ذلك الفعل فيصير في اللفظ كأنه المطلوب، وفاعله كأنه المطلوب منه، والمعنى على ما تقدم. فمن الأول: قوله تعالى: ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾ (١) لما كان المقصود من الأمر بالغلظة إنما هو وجدان العدو ذلك منهم، لا لأنها مطلوبة في نفسها عدل عنها الى مسببها المقصود بها وهو الوجدان، وذكر على صيغة الفعل المطلوب ونسب الى فاعله وهم الكفار عل ما تقدم. ومن الثاني: قوله: ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ (٢). فالمطلوب في الحقيقة هو اجتناب الآثام، ولكنه لما كان سبب الاجتناب اجنتاب فتنة الشيطان عدل اليها عل لفظ المطلوبات ونسبت إلى الشيطان، فصار المطلوب في اللفظ اجتناب أن يجتنب الشيطان الفتنة وهو في لحقيقة لهم على ما تقدم من العدول عن المسبب إلى السبب. وهذا الباب أكثر من أن يحصى. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٨٠] [الاستثناء في قوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾] وقال أيضا ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك﴾ (٣): أما الأول فاستثناء متصل من وجهين: أحدهما: أن المراد بـ (ما دامت السماوات والأرض) جميع الأزمان بعد البعث، فاستثني زمن إقامتهم في

стр. 212

المحشر؛ فإنهم ليسوا في النار حينئذ. والثاني: أن يكون ﴿الذين شقوا﴾ (١) مرادا به المؤمن العاصي والكافر، فيكون (ما شاء ربك) استثناء، أما للمدة التي تكون بعد إخراج العصاة فإنهم ليسوا فيها حينئذ، وإما لمن يخرج، استعمالا لما بمعنى: من، ويكون استثناء (٢) من (الذين شقوا) لا من (دامت). وأما الثاني فلا تظهر (٣) استقامة الاتصال فيها إلا على الوجه الأول. ويضعف الانقطاع فيهما لأنه لا بد من تقدير خبر في المعنى. فإن جعلته اجنبيا عما تقدم ضعف لأن الاستثناء المنقطع لا يكون خبره أجنبيا. وإن جعلته من معنى ما قبله جاء معنى الاتصال، ولا حاجة إلى تقدير الانفصال مع تسويغ الاتصال، لأنه أظهر وأكثر. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٨١] [الاستثناء في قوله تعالى: ﴿إلا وحيا أو من وراء حجاب﴾] وقال أيضا ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا﴾ (٤): يجوز أن تكو (كان) ناقصة وتامة وزائدة. فإذا كانت ناقصة جاز أن يكون الخبر (لبشر) (٥) فيكون (إلا وحيا) استثناء مفرغا من عموم الأحوال المقدرة في سياق النفي من الضمير في الخبر أو من اسم الله تعالى. كأنه قيل:

стр. 213

على حال من الأحوال إلا لى هذا الحال. فيكون (وحيا) بمعنى: ذا وحي، إما بمعنى: موحيا، وإما بمعنى: موحا. وقوله: ﴿أو من وراء حجاب﴾ متعلق بمحذوف، كأنه قيل: أو موصلا أو موصلا (١) ذلك من وراء حجاب. وقوله: أو يرسل، بالنصب (٢)، عل معنى: أوذا إرسال، عطفا على قوله: وحيا (٣). فلما حذف المضاف منهما وجاءت أن والفعل في موضع المصدر، جاز حذف "أن" كما جاز في قولك: أعجبني قعودك وتكرمني. ويجوز أن يكون (لبشر) غير مستقر، ويكون (إلا وحيا) هو الخبر استثناء مفرغا من عموم الاخبار المقدرة، كأن المعنى: ما كان التكليم إلا إيحاء أو إيصالا من وراء حجاب أو إرسالا، على أنه جعل ذلك تكليما على حذف مضاف، و (لبشر) على ذلك متعلق بما دل عليه (أن يكلمه). لأن المعنى: وما كان تكليم الله لبشر، ولكنه قدم لئلا يلي العوامل الداخلة على المبتدأ حرف (٤)، ألا ترى إلى حسن قولك: ما يكون لي أن أفعل، ما لا يحسن: وما يكون أن أفعل

стр. 214

لي. وإن كانت تامة كان الاستثناء مفرغا من الأحوال المقدرة على ما تقدم. أو يكون (وحيا) منصوبا على المصدر، أي: إلا حصول وحي، فيكون قوله: أو من وراء حجاب، إما على ذلك المعنى، وإما على تقدير: حاصلا، وإن لم يكن ما قبله حالا كما تقول: ما ضربته إلا تأديبا وقائما يوم الجمعة، وإن كان كل واحد منها مخالفا للآخر، كما تقول ذلك في الاثبات. ومثله قوله تعالى: ﴿فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا﴾ (١)، لأن (أشد) لا يستقيم أن يكون معطوفا على الكاف، ولا على (ذكركم) ولا على موصوف الكاف، لأنه كان يجب أن يقال: أو أشد بالخفض. وإنما المعنى: اذكروا الله ذكرا مثل ذكركم آباءكم، أو مثل قوم أشد ذكرا. (فأشد ذكرا) حال (٢) وقد عطف على المصدر كما ترى بتقدير جملة أخرى كالمتقدمة، أي: أو أذكروا الله مثل قوم أشد ذكرا، فحذفت لتقدم ما يدل عليها. وإن كانت زائدة كان مستثنى من عموم الأحوال المقدرة للضمير المستكن في قوله: لبشر، أو من المصادر المقدرة عن الاستقرار والحصول المتعلق به (لبشر) على المعنيين المتقدمين، أو من اسم الله تعالى عل المعاني المتقدمة. ويجوز أن يكون استثناء منقطعا، وليس بواضح إذ المفهوم من سياق الكلام بيان حصول التكليم من الله لبشر، ولأنه ل ينبغي أن يعدل إلى المنقطع إلا بعد تعذر المتصل. والله أعلم بالصواب.

стр. 215

[إملاء ٨٢] [إعراب قوله تعالى: "أربعين ليلة "] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين وستمائة على قوله تعالى: ﴿فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ (١): يجوز أن يكون (أربعين) ظرفاً، لأن تمام الميقات فيها، ولذلك لو صرح بفي فقيل: تم (٢) ميقات ربه في أربعين ليلة لكان مستقيماً. ويجوز أن يكون ظرفاً على معنى: آخر أربعين ليلة، فحذف المضاف للعلم به، إذ تمام مدة الشيء إنما تكون آخره. ويجوز أن ينتصب انتصاب المصدر، إما على معنى: أن الأربعين اسم للآخر كما تقول: هذا أربعون، والكراسة الأربعون. فلما كان هو التمام صح أن ينصب نصب لفظ التمام. وإما على حذف مضاف، أي: تمام أربعين. ويجوز أن يكون حالاً (٣)، أي: تم في حال كونه بالغاً هذا العدد المخصوص، كما تقول: جاءني إخوتك ثلاثة، كما وصف به في قولك: مررت بنسوة أربع. ويجوز أن يكون مفعولاً بتم، كأن الميقات، وهو التوقيت، هو الذي أكمل الأربعين لما كان متعلقاً به. والله أعلم بالصواب.

стр. 216

[إملاء ٨٣] [إعراب قوله تعالى: ﴿زهرة الحياة﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿زهرة الحياة الدنيا﴾ (١): الأظهر أن يكون منصوباً بفعل مقدر دل عليه ما تقدم، أي: جعلنا لهم، أو آتيناهم ونحوه (٢)، لأنه إذا متعهم بها فقد جعلها وأتاها، وليس في ذلك شيء من التعسف، لأن حذف الفعل لقيام قرينة سائغ واقع فصيح. ويجوز أن يكون الفعل "أعني" بياناً لما، أو للضمير في (به) أو (أزواجاً) وهو الذي يسمى نصباً على الاختصاص، كما تقول: هم العرب أقرى الناس للضيف، ولا تعسف فيه. ويجوز أن يكون بدلاً من (أزواجاً) على حذف مضاف (٣)، أي: أهل زهرة الحياة الدنيا، ويكون بدل الكل من الكل على المبالغة، كأنه جعلهم الزهرة والزينة على الحقيقة. وجعله بدلا من (ما) ضعيف (٤)، إذ لا يقال: مررت بزيد أخاك، أو من (به) أضعف، لأنه مثله وزيادة، للإبدال من المضمر العائد إلى الموصول فيزيده ضعفاً لأنه يصير من باب قولك: زيد رأيت غلامه رجلا صالحاً، وفي جوازها قولان. وجعله صفة لـ (أزواجاً) على حذف مضاف، أو إجراء لزهرة مجرى المصادر على معنى مزينين، ضعيف، لأنه يوجب حذف التنوين للالتقاء الساكنين وهو ضعيف، ويوجب أن تكون (الحياة الدنيا) بدلاً من (ما)، وهو خلاف الظاهر. ولذلك (٥) جعله حالاً من (ما) أو من الضمير لا يجابه

стр. 217

ما تقدم بعينه من الضعف المتقدم (١). والله أعلم بالصواب. [إملاء ٨٤] [جواز البدل بتكرير لفظ الاستثناء] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾ (٢): الاستثناء مفرغ من عموم الصفات المقدرة لورقة. أي: وما تسقط من ورقة إلا معلومة كقولهم: ما مررت بأحد إلا زيد خير منه. وقوله: ﴿ولا حبة ولا رطب ولا يابس﴾ معطوف على قوله (ورقة)، داخل في سياق النفي. و (إلا في كتاب مبين) بدل من قوله: ﴿إلا يعلمها﴾، لأن ما يعلمه الله حاصل في كتاب. فتقديره: إلا حاصل، أو حصل في كتاب. ولا حاجة إلى أن يقدر مبتدأ محذوف، ألا ترى أنك إذا قلت: ما أنفقت درهماً إلا من كيس، لم يحتج إلا إلى متعلق الجار لا إلى مبتدأ. فوزانه وزان قولك: مررت برجل في الدار، فكما. لا يقدر مبتدأ في مثل هذه الصفة فكذلك الأخرى، لأنها مثلها. والبدل بتكرير لفظ الاستثناء سائغ، كقول الشاعر: مالك من شيخك إلا عمله ... إلا رسيمه وإلا رمله (٣) ... والله أعلم بالصواب.

стр. 218

[إملاء ٨٥] [الخلاف بين النحويين في: لا جرم] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿لا جرم أن لهم النار﴾ (١) وشبهه: للبصريين فيها قولان: أحدهما: أن (لا) في الأصل رد لما سبق (٢)، وجرم بمعنى: كسب، مثل قوله: ﴿لا يجرمنكم شقاقي﴾ (٣)، ﴿ولا يجرمنكم شئتان قوم﴾ (٤)، وفي (جرم) ضمير فاعل، مستتر يعد على مضمون الجملة المتقدمة المردودة بلا، وأن وما عملت فيه مفعول بجرم، أي: كسب ما تقدم ذلك. والقول الثاني: أن (لا) رد أيضاً، و (جرم) بمعنى ثبت وحق (٥)، وأن ما بعدها رفع على أنه فاعل بجرم، وكثرت على الوجهين جميعاً حتى صار كالتعليل في أن ما بعدها مسبب لما قبلها، فلذلك لا يوقف على (لا) ويبتدأ بجرم. وما توهمه بعض أصحاب الوقف من جواز الوقف على (لا) في مثل قوله: ﴿أن لهم الحسنى لا﴾ (٦). ويبتدئ: جرم، إنما أوقعه فيه ما رآه من قول البصريين أن (لا) رد لما سبق، وجرم: جملة فعلية. ولم يتبين أن الشيء يكون له أصل في

стр. 219

الإعراب ثم يدخله معنى آخر لا يجوز الإخلال به. وللكوفيين قول ثالثك وهو أن (جرم) اسم مبني مع لا (١)، والمعنى: لابدّ، و (أن لهم النار) في موضع نصب أو خفض، مثلها في قولك: عجبت أنك قائم (٢). والله أعلم بالصواب. [إملاء ٨٦] [توجيه قراءة النصب في قوله تعالى: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿هؤلاء بناتي هن أطهر لكم﴾ (٣): قرئ بالنصب في الشواذ (٤). وأشبه ما يقال: إن (هؤلاء) مفعول، و (بناتي هن) مبتدأ وخبر، جيء به كالتفسير للمشار إليه، و (أطهر) حال من المشار إليه، معمول للفعل المقدر العامل في (هؤلاء). ويجوز أن يكون (هؤلاء) مبتدأ، و (بناتي) خبره، و (هن) بدل من (بناتي). أو (بناتي هن) مبتدأ وخبر عن الأول (٥)، و (أطهر) حال من اسم الإشارة، والعامل فيه ما في اسم الإشارة من معنى الفعل، أي: أشير إليهن في حال كونهن أطهر لكم. والله أعلم بالصواب.

стр. 220

[إملاء ٨٧] [جواب فعل الأمر "قل" في مثل قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾] وقال أيضاً مملياً على قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة﴾ (١): (يقيموا الصلاة) جواب قل، أي: قل لعبادي يقيموا. و ﴿قل للمؤمنين يغضوا﴾ (٢)، ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ (٣). وحذف ما يبين المقول استغناء بتفسير الجواب، أي: قل لهم: أقيموا، وقل لهم: غضوا، أي: قل لهم: ما يقتضي الإقامة وما يقتضي الغض. وما اعترض به على هذا القول من أن الإقامة والغض ليست بلازمة للقول ليس بشيء. فإن الجواب لا يقتضي الملازمة العقلية، وإنما يقتضي الغلبة وذلك حاصل، فإن أمر الشرع للمؤمن بإقامة الصلاة يقتضي إقامة الصلاة منه غالباً وذلك كاف. وما حكي عن أبي علي أنه قال: هو جواب (أقيموا) (٤)، إن أراد به هذا المعنى فهو مستقيم، وفي العبارة تسامح، وإن أراد به أنه جواب لأقيموا على التحقيق كان فاسداً من وجهين: أحدهما: أنه يصير كقولك: اخرج تخرج، وهو فاسد لاتحاد السبب والمسبب. الثاني: أنه كان يجب أن يقال: أقيموا تقيموا، لأنه مقول للمخاطبين (٥)، ولا يجوز أن يقال للمخاطبين: يقيموا. فإن قيل: نجعل (يقيموا) من قول الأمر فيندفع المحذور. فالجواب: أنه إذا قدر هذا التقدير واندفع هذا المحذور لزم محذور أعظم منه وهو أن يكون الأمر من كلام

стр. 221

والجواب من كلام آخر. ألا ترى أنك إذا جعلته جواباً لأقيموا، فأقيموا: هو من قول المأمور، ويقيموا هو من قول الأمر، فقد صار الأمر والجواب من كلامين، وذلك فاسد (١). والله أعلم بالصواب. [إملاء ٨٨] [موقع الجملة الواقعة بعد القول] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة اثنتين وعشرين: الجملة الواقعة بعد القول إذا بني لما لم يسم فاعله تقوم مقام الفاعل، ومنه قوله تعالى: ﴿ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون﴾ (٢)، وإذا قيل لهم: الجملة المنهي عنها، وكذلك ما أشبهه. لأن القول يحكى بعده الجمل، وهي في موضع نصب بلا خلاف. إلا أنها هل (٣) هي مصدر أو مفعول به؟، ينبني على أن القول هل يتعدى أولا يتعدى؟، وفيه قولان: فإن قلنا: يتعدى تعينت لقيامها مقام الفاعل إذا بني الفعل لما لم يسم فاعله. وإن قلنا: لا يتعدى كانت الجملة في موضع نصب بالمصدر (٤). فإن كان ثم غيره من المفاعيل جاز أن يقام كل واحد منها مقام الفاعل، وإن لم يكن غيره تعين. فإن قيل: فالمصدر إذا أقيم مقام الفاعل لابد من وصفه، فكيف صح أن يقام هذا المصدر من غير وصف؟. فالجواب: أنه يتعين وصف المصدر المقام مقام الفاعل إذا وقع نكرة، أما إذا كان معرفة فقد حصل له من التخصيص ما هو أقوى من تخصيص الوصف. ألا ترى أنك إذا قلت: ضرب الضرب، وأنت

стр. 222

تعني ضرباً معهوداً لم يحتج ذلك إلى وصف. وأما إذا قلت: ضرب ضرب، احتجت إلى أن تقول: حسن أو قوي أو ما أشبهه. والسر فيه أن قولك: ضرب، يفيد حصول ضرب، فإذا ذكرت ضرباً مطلقاً لم تكن أتيت بأمر زائد على ما دل عليه الفعل، فكأنك أسندت الشيء إلى نفسه من غير تعدد. وإذا وصفته فقد ذكرت ما لا يدل عليه الفعل، فحصلت فائدة الإسناد (١)، وإذا وقع معرفة كان بالصحة أولى. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٨٩] [عود الضمير في قوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة تسع عشرة على قوله تعالى: ﴿وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾ (٢): يجوز أن يكون الضمير الذي هو (هو) ضمير الواد، و (بمزحزحه) الخبر، و (أن يعمر) فاعل بمزحزحه (٣)، كقولك: ما زيد بقائم أبوه. ويجوز أن يقدر (أن يعمر) بدل اشتمال من الضمير، و (بمزحزحه) الخبر، ويضعف هذا الوجه من جهة الفصل بين البدل والمبدل منه. ويجوز أن يكون (أن يعمر) مبتدأ، و (يزحزحه) خبره، والجملة خبر (ما) أو خبر المبتدأ. وحسن دخول الباء لأن المعنى معنى النفي.

стр. 223

ويجوز أن يكون الضمير في قوله: (هو) ضمير الوداد (١) دل عليه (يود) كقوله: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (٢)، هو: ضمير العدل. ويكون (بمزحزحه) الخبر، و (أن يعمر) مفعول من أجله، معمول لقوله (بمزحزحه)، لا بمعنى النفي لئلا يفسد المعنى. فيكون المعنى (٣): وما وداده بمزحزحه من العذاب من أجل أن يعمر، رداً على من توهم أن الوداد بزحزح عن العذاب لأجل التعمير، فرد هذا المتوهم بإدخال حرف النفي عليه. ولو جعل معمولا للنفي لوجب أن يكون النفي معللا بالتعمير، وهو فاسد لأنه ليس بثابت. ثم لو كان ثابتاً لم يصح التعليل به لأن الانتفاء محقق على كل حال. ويجوز أن يكون الضمير ضمير التعمير، ويكون (أن يعمر) بدلا منه (٤)، و (بمزحزحه) الخبر، وهو بدل الكل من الكل. ويجوز أن يكون الضمير (٥) ضمير الشأن (٦)، وما بعده مبتدأ وخبر تفسير له، في موضع الخبر لما، أو خبر المبتدأ على اللغتين. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٩٠] [إعراب قوله تعالى: "فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون "] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة تسع عشرة على قوله تعالى: "إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون" (٧):

стр. 224

(لا يستأخرون): جواب إذا. وصحة كونه جواباً واضح، لأنه قد يتوهم التأخير فنفي هذا المتوهم (١) كما نفي في قوله تعالى: ﴿ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها﴾ (٢). وأما قوله: ﴿لا يستقدمون﴾، فالأولى أن يكون جملة معطوفة على الجملة الكبرى المركبة من الشرط ولاجزاء جميعا، ولذلك يحسن الوقف على قوله (٣): ساعة، ويبتدئ: ولا يستقدمون، لأنه لا يتوهم متوهم تقديماً على الأجل عند مجيء الأجل فينفي، وإنما ينفي ما يتوهم أو يعتقد أو يظهن، وأما مثل هذا المعلوم ضرورة فيبعد أن يذكر منفيا في سياق هذا الشرط. ووجه من جعله في سياق الجواب أن يكون معنى (٤) (إذا جاء أجلهم): إذا قدر وحقق، فيصح حينئذ تقدير توهم التقديم لأن الغرض فرض تقدير الأجل قبل حضور وقته، فيكون تقدير توهم التقديم كتقدير توهم التأخير، فجاز أن يشرك بينهما في الجواب بهذا المعنى. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٩١] [إعراب قوله تعالى: "وليس بضارهم شيئا "] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة عشرين على قوله تعالى: "إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا" (٥): في (ليس) ضمير هو اسمها يعود على الشيطان أو على الحزن الذي دل عليه (ليحزن)، و (بضارهم) في موضع نصب خبراً لليس، و (شيئاً) منصوب على

стр. 225

المصدر، لأن المعنى: شيئاً من الضرر، كما تقول: ما ضربته إلا شيئاً من الضرب، وهو أبلغ من قولك: ما ضربته ضرباً. وإذا كان بمعنى الضرب وجب أن ينتصب انتصابه، كما تقول: ضربته نوعاً من الضرب، وأي ضرب، وأيما ضرب، فينتصب انتصاب المصدر وإن خالفه في اللفظ. (إلا بإذن الله): استثناء مفرغ، لأنه من عام محذوف، أي: ليس بضارهم بأمر من الأمور إلا بإذن الله. ولا يستقيم أن يكون (شيئاً) خبراً و (بضارهم) في موضع نصب على الحال لأنه يثبت عكس المعنى المقصود، إذ المعنى المقصود: نفي كونه ضاراً، فيرجع إلى إثبات (١) كونه (٢) ضاراً، لأن الحال حينئذ تكون مثبتة، فيصير الضرر مثبتاً. ثم لا يستقيم أن يكون من اسم (ليس) حال لأنه في معنى المبتدأ، ولا يكون من المبتدأ حال، ثم يبقى الاسثتناء غير مرتبط بما قبله، لأنه إن جعلته من سياق (ضارهم) كان استثناءً مع مثبت ولا يستقيم، لأنه متعين للاستثناء المفرغ لمجيئه بحرف الجر. وإن جعلته من (شيئاً)، صار التقدير: وليس الشيطان شيئاً إلا بإذن الله. وهذا أسقط من أن يتكلم عليه. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٩٢] [تعلق الجار بالنفي في قوله تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين: إذا قلت: ما ضربته للتأديب. فإن قصدت نفي ضرب معلل بالتأديب فاللام متعلقة بضربت، ولم تنف إلا ضرباً مخصوصاً، والتأديب تعليل للضرب المنفي. وإن أردت نفي الضرب مطلقاً على كل حال، فاللام متعلقة بالنفي، والتعليل للنفي، ويكون

стр. 226

المعنى: أن انتفاء الضرب كان من أجل التأديب، لأنه قد يؤدب بعض الناس (١) بترك الضرب لا بالضرب. ولا يستبعد تعلق الجال بالحرف الذي فيه معنى النفي لجواز قولهم: ما أكرمته لتأديبه، وما أهنته للإحسان إليه. فإنك لو علقت ههنا بالفعل (٢) فسد المعنى، إذ لم ترد أنك أكرمته تأديبا، ولا أهنته إحساناً، وإنما يتعلق بما في الحرف من معنى: انتفى، لأن المعنى: أن انتفاء الإكرام لأجل التأديب، وانتفاء الإهانة لأجل الإحسان. وقوله تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون﴾ (٣). الباء في: بنعمة ربك، متعلقة بالنفي، لا بقوله: بمجنون (٤)، إذ لو علق به لكان المراد نفي جنون من نعمة الله، وذلك غير مستتقيم من وجهين: أحدهما: أنه لا يوصف جنون بأنه من نعمة الله. والآخر: أنه لم يرد نفي جنون مخصوص. وإنما أريد نفيه عموماً فتحقق أن المعنى: أنه انتفى عنك الجنون مطلقاً بنعمة الله، وعلى هذا يحكم في التعلق، فإن صح تعلقه بالفعل وإلا علق بالحرف على ما تقرره (٥). وعلى هذا قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (٦). في أن معناه: في أن تبتغوا، فهي متعلقة بجناح. والمعنى: أن الجناح في انتفاء التجارة منتف، وتعلقه بليس بعيد لأنه لم يرد أن ينفي الجناح مطلقاً، ويجعل ابتغاء التجارة ظرفاً للنفي. فهذا يبعد أن يكون متعلقاً. والله أعلم بالصواب.

стр. 227

[إملاء ٩٣] [إعراب قوله تعالى: ﴿ليّا بألسنتهم﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة عشرين: قوله تعالىك ﴿ليّا بألسنتهم﴾ (١): منصوب على المصدر من قوله: يحرفون الكلم عن مواضعه، لأن (ليّا) نوع من التحريف، كأنه قال: يحرفون تحريفا، فصار مثل قوله: ﴿ثم إني دعوتهم جهاراً﴾ (٢)، فإنه أحد نوعي الدعاء. ويجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال (٣). [إملاء ٩٤] [إعراب قوله تعالى: ﴿أتأخذونه بهتاناً﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة عشرين على قوله تعالى: ﴿أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ (٤): يجوز أن يكون قوله: بهتانا، مصدراً مثل: قعد القرفصاء، لأن البهتان ظلم، والأخذ على نوعين: ظلم وغير ظلم، كقوله: ﴿ثم إني دعوتهم جهاراً﴾ (٥). فإن جهاراً أحد نوعي الدعاء. ويجوز أن يكون مفعولا من أجله، ويجوز أن يكون حالاً (٦).

стр. 228

[إملاء ٩٥] [العامل في "كم" في قوله تعالى: ﴿كم أهلكنا قبلهم﴾] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة ثلاث عشرة على قوله تعالى: ﴿ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون﴾ (١): العامل في (كم) قوله: أهلكنا. لأن (كم) لا يعمل فيها ما قبلها (٢)، وتكون الجملة معمولة (يروا)، و (أنهم إليهم لا يرجعون) مفعول لأجله تقديره: لأنهم. وبعض البصريين يجعل (كم أهلكنا قبلهم من القرون) معترضاً، و (أنهم إليهم لا يرجعون) معمول (يروا). والزجاج (٣): (أنهم إليهم لا يرجعون) بدلا (٤) من (كم أهلكنا قبلهم من القرون)، وهذا يؤدي إلى مذهب الكوفيين في إعمال (يروا) في (كم)، لأن العامل في البدل عامل في المبدل منه. والبدل ههنا (أنهم إليهم)، والعامل فيه (يروا)، والمبدل منه (كم أهلكنا). وإن اعتذر عنه بأنه أراد أن (يروا عامل في

стр. 229

(كم أهلكنا) معنى، فضعيف من جهة أن (أنهم) معمول لفظا، فلا يستقيم أن يكون بدلا مما ليس معمولاً بعامله (١). والله أعلم بالصواب. [إملاء ٩٦] [إعراب قوله تعالى: ﴿غير بعيد﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة عشرين على قوله تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد﴾ (٢): يجوز أن يكون حالاً مؤكدة كقول الفارسي. ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوف أو ظرفا، أي: قربت في زمن غير بعيد (٣). وإنما عبر عنه بالمضي لتحقيقه أو لتقريبه. والمراد بالتحقق ههنا كونه حقاً، لا أن المراد بالتحقق هنا الوقوع الحاصل. وأما قوله: "اقتربت الساعة" (٤)، و"اقترب للناس حسابهم" (٥). فهذان حاصلان، لأن المراد قرب الحساب والساعة، وهما حاصلان. والله أعلم بالصواب.

стр. 230

[إملاء ٩٧] [إعراب "غير" في قوله تعالى: ﴿غير أولى الضرر﴾] وقال أيضاً ممليا بالقاهرة سنة أربع عشرة على قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر﴾ (١): قال القسوى (٢) وغيره من النحويين: إن غير في الرفع صفة للقاعدين (٣)، وذلك أن غير نكرة وإن أضيفت إلى المعارف لشدة إبهامها، فكيف يستقيم على هذا أن تكون صفة؟. فإن أجيب عن ذلك: بأن هذا مثل قوله تعالى: ﴿أنعمت عليهم غير المغضوب﴾ (٤) لما كانا محصورين. فإذا قلت: مررت بالمسلم غير الكافر جرت ههنا وصفا لانحصار الضدين. فنقول: الفرق بينهما أنه ليس في ذلك انحصار، لأن القاعدين المضرورين وغير أولى الضرر ليس فيه حصر بخلاف المسلم والكافر، فلا يلزم من الجواز ثم الجواز ههنا، لأنه ههنا كقولك: مررت بالرجل غير العالم. وإذا لم يستقم أن يكون صفة وجب أن يكون استثناء. وإذا وجب أن يكون استثناء فالمختار الرفع. ألا ترى أنك إذا قلت: لا يستوي القاعدون إلا أولو الضرر، كان الرفع هو الوجه، وكان النصب على الاستثناء جائزاً. وإذا ثبت ذلك كان الرفع أقوى من النصب (٥). فإذا جاز النصب على الاستثناء مع ضعفه فلأن يجوز الرفع مع قوته أولى.

стр. 231

والذي يقوي ذلك أن الخفض لم يأت في السبعة لضعفه، لأنه إن جعل صفة كان ضعيفاً، وإن جعل استثناء لم يستقم لأنه يكون من قوله: ﴿من المؤمنين﴾، و (من المؤمنين) ليس في سياق النفي، فيستثنى منه على البدلية، لأنه إنما جيء به بياناً للقاعدين لا غير. فلم يستقم أن يستثنى منه كما يستثنى من المنفي، فظهر من ذلك أن الرفع هو الوجه على الحمل على الاستثناء، كما حمل النصب على الاستثناء مع أنه أضعف، وظهر أن الخفض ضعيف، ولذلك لم يقرأ به في السبعة، فحمل الآية على ما ذكرناه هو الوجه. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٩٨] [معنى الموعد في قوله تعالى: ﴿قال موعدكم يوم الزينة﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى﴾ (١): الظاهر أن الموعد الوعد لأنه وصف بقوله: ﴿لا نخلفه﴾ (٢) والإخلاف إنما يتعلق بالوعد، يقال: أخلف وعده، و ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ (٣)، لا بمكانه ولا بزمانه. فلو جعل زماناً أو مكانا لوقع الإخلاف على غير الوعد وهو بعيد (٤). فإن قلت: لم لا يكون على حذف مضاف، كأنه قيل: فاجعل بيننا وبينك وقت وعد أو مكان وعد؟ قلت: إضمار مستغنى عنه فلا حاجة إلى

стр. 232

تقديره. فإن قلت: فما المانع من أن يكون موعدكم اسما للزمان أو المكان، ويكون قوله: لا نخلفه، للموعد الذي دل عليه موعدكم؟ قلت: يرجع الضمير (١) إلى غير المذكور، ورجوعه إلى المذكور أولى. فإن قلت: بم ينتصب (مكاناً)؟ قلت: ينتصب بفعل مقدر دل عليه قوله: فاجعل بيننا وبينك موعدا، أي: نتواعد مكاناً. ولا يستقيم نصبه بموعدكم، وإن كان مصدرا، لأنه قد فصل بينه وبينه بالوصف، فصار مثل قولك: أعجبني ضرب حسن زيدا، وهو غير سائغ، لأن منصوب المصدر من تتمته، ولا يوصف الشيء إلا بعد تمامه (٢)، فكان كوصف الموصول قبل تمام صلته. والاحتياج إلى هذا التقدير هو الذي يحسن أن يكون (موعدا) على حذف مضاف، أي: مكان موعد، ويكون (مكاناً) بدلا من المكان المضاف المحذوف، وإنما يبقى الترجيح بين تقدير مضاف أو تقدير فعل. وأما قوله: ﴿موعدكم يوم الزينة﴾. فالظاهر أنه اسم للوقت، لأنه أخبر عنه بيوم الزينة، ولا يخبر بيوم الزينة إلا عن وقت. ولا حاجة غلى أن يقدر وقت وعدكم، لأنه تقدير مستغنى عنه بأن يجعل موعدكم اسما للوقت. وقوله: ﴿أن يحشر الناس﴾ معطوف على الزينة على معنى: يوم الزينة، ويوم حشر الناس (٣). و (ضحى) جائز أن يكون متعلقا بـ (يحشر)، فيكون منصوباً على الظرف على هذا وهو الظاهر. وجائز أن يكون بدلا من (يوم الزينة) ويكون بدل البعض من الكل، لأن ضحى اليوم بعضه، وحذف الضمير على هذا للعلم به، كما تقول: ضربت زيدا يوم الجمعة عشية، فيكون مرفوعاً.

стр. 233

وأما على قراءة الحسن البصري (١) وهو ينصب (يوم الزينة)، فيجوز أن يكون موعدكم بمعنى: وعدكم، ويوم الزينة: خبره، متعلقة محذوف، أي: حاصل يوم الزينة وحشر الناس. ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: وقت وعدكم يوم الزينة، فيكون (يوم الزينة) منصوباً بموعد، لأنه مصدر، وضحى هو الخبر، أي: وقت وعدكم في هذا اليوم هو هذا الوقت، ولا ينبغي أن يكون موعدكم اسما للزمان، فإنه حينئذ لا يعمل في يوم الزينة، ولا يقع خبرا عنه من حيث إنهما زمانان إلا على معنى الجزئية، كما تقول: زمان ضربي يوم الجمعة، كأنه لما كان جزءه صار كأنه حاصل فيه فعلى هذا يكون (يوم الزينة) خبرا للموعد الذي هو وقت. و (ضحى) على قراءة الحسن البصري على الوجه الأول منصوب بـ (يحشر)، وعلى الوجه الثاني يكون مرفوعاً. والله أعلم بالصواب. [إملاء ٩٩] [إعراب قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة إحدى وعشرين على قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم﴾ (٢). إلى قوله: ﴿وثامنهم كلبهم﴾. قال: يجوز أن يكون (رابعهم كلبهم) جملة ابتدائية صفة لثلاثة، و (ثلاثة) خبر مبتدأ محذوف. ولا يجوز أن يكون (كلبهم) مرفوعاً برابعهم، لأن المراد به المضي (٣).

стр. 234

ولا أن تكون الجملة حالاً، إذ ليس معناها يصح أن يكون عاملا فيها، لأن التقدير: سيقولون هم ثلاثة، وليس فيه ما يصح أن يكون حالاً، وليس فيها أيضاً واو. ويجوز أن يكون (رابعهم كلبهم) جملة خبرا للمبتدأ المحذوف بعد خبر، فيكون أخبر بخبرين: مفرد وجملة. ويقوي هذا الوجه أن الجملة الثالثة، وهي قوله: وثامنهم كلبهم، جاءت بالواو، والمعنى فيها كالمعنى فيما تقدم. ويتعذر أن تكون صفة مع الواو، لأنك لا تقول: مررت برجل وعاقل، فيتعين أن يكون المراد خبراً بعد خبر، والأخبار إذا تعددت جاز أن يكون الثاني بواو وبغير واو، هذا إن سلم أن المعنى في الجمل واحد. وأما إن قيل: إن قوله: ﴿وثامنهم كلبهم﴾ من قول الله تعالى، استئنافاً لا حكاية عنهم، فيكون تقريراً لكونهم سبعة، ويكون الوقف على قوله: سبعة. ثم أخبر الله تعالى غير حكاية عنهم بأن ثامنهم كلبهم. فيفهم على ذلك أن القائلين بأنهم سبعة أصابوا في ذلك (١)، فلا يلزم على هذا تقوية أن يكون خبراً بعد خبر، يقويه قوله قبله: رجماً بالغيب. ثم ذكر بعد قوله: رجما بالغيب، الجملة الثالثة، فدل على أنها مخالفة لما قبلها في الرجم بالغيب، وإذا خالفتها في ذلك وجب أن تكون صدقاً، إلا أن هذا الوجه يضعف من حيث إن الله تعالى قال: ما يعلمهم إلا قليل. فلو جعلنا قوله: وثامنهم كلبهم، تصديقا لمن قال: سبعة، لوجب أن يكون العالم بذلك كثيراً، فإن أخبار الله تعالى صدق، فدل على أنه لم يصدق منهم أحدا، وإذا كان كذفك وجب أن تكون الجمل كلها متساوية في المعنى، وقد تعذر أن تكون الأخيرة وصفا، فوجب أن يكون الجميع كذلك. والله أعلم بالصواب.

стр. 235

[إملاء ١٠٠] [إعادة لفظ الظاهر بدلا من الضمير في قوله تعالى: ﴿ولا أشرك بربي أحدا﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا﴾ (١): إنما أعيد لفظ الظاهر في هذه الآية كما أعيد اسم الله تعالى في مثل قوله: واتقوا الله، إن الله، وأشباهه، لما في الاسم الظاهر من التعظيم، فلذلك أعيد لفظ ربي لما في ذكر الرب من التعظيم له، والهضم للمتكلم، فكان التكرير لهذا الظاهر لأجل هذا المعنى أحسن. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠١] [تعلق الجار والمجرور في قوله تعالى: ﴿حين توارت بالحجاب﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ (٢): الجار والمجرور متعلق بتوارت، إما على نحو قولك: كتبت بالقلم، لأنها حصل لها التواري بالحجاب، وإما على نحو تعلق قولك: سكنت بالبلد، على معنى: فيه، كأنها توارت فيه. ويجوز أن يكون حالاً متعلقاً بمحذوف. والأول أوجه؛ لأنه إذا كان حالا فيتعلق بشيء محذوف تقديره: مستقرة بالحجاب. ولا حاجة إلى التقدير مع

стр. 236

وجود ظاهر يغني عنه، مع أن التقدير والأضمار على خلاف الأصل، فلا يصار إليه إلا لضرورة (١)، ولا ضرورة تلجئ إلى ذلك. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠٢] [حذف مفعول الفعل المتعدي في قوله تعالى: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وأصلح لي في ذريتي﴾ (٢): هذا من باب قولهم: فلان يعطي ويمنع، ويصل ويقطع، مما استعمل فيه الفعل المتعدي محذوفاً مفعوله حذفاً غير مقصود به مفعول مراد، كأنه قيل: يفعل العطاء والمنع والصلة والقطع، من غير قصد إلى مفعول مراد على نحو خصوص أو عموم. وهو أبلغ في المدح من القصد إلى مفعول، على طريقة خصوص أو عموم. وغذا قصد هذا المعنى لما فيه من المبالغة، ثم قصد المتكلم به ذكر خصوصية متعلقة أجراه مجري الأفعال غير المتعدية، وجعل ذلك كأنه (٣) محل له، وكذلك قول الشاعر: وإن تعتذر بالمحل من ذي ضروعها ... إلى الصيف يجرح في عراقيبها نصلي (٤) ... وموضع الاستشهاد من البيت: يجرح في عراقيبها. ومن الآية: ﴿وأصلح

стр. 237

لي في ذريتي﴾، وقد وضح معناهما (١). والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠٣] [الاستثناء في قوله تعالى: ﴿وما يعبدون إلا الله﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله﴾ (٢): يجوز أن يكون الاستثناء (٣) متصلاً (٤) ومنقطعاً. فالاتصال على أن تكون (ما) للمعبود على تقدير أن يكونوا يعبدون غير الله مع الله (٥). تقديره: وإذ اعتزلتموهم (٦) وعبادتهم. والاتصال أظهر، لأنه الواقع كثيراً مع الاحتمال الظاهر، فكان حمله عليه أولى. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠٤] [معنى "من" في قوله تعالى: ﴿قد كنا في غفلة من هذا﴾] وقال مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا﴾ (٧):

стр. 238

(من) ههنا يجوز أن تكون بمعنى عن، كما تقول: أطعمه عن الجوع ومن الجوع، وكساه عن العري ومن العري، ورمى عن القوس ومن القوس (١)، وأخذت عنه الحديث وأخذت منه الحديث. والأحسن أن تكون على بابها لابتداء الغاية تنبيهاً على أنه ابتداء ما غفل عنه، لأن الذي بعد ذلك من العذاب أشد عليهم، فكان فيه تنبيه على أنه أولى شيء غفل عنه من الشدائد. ولو قيل: عن هذا، لم يكن فيه ذلك المعنى، إذ ليس في "عن" ما يدل على ابتداء له انتهاء، فكانت "من" بهذا المعنى في هذا الوضع أوجه من "عن". والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠٥] [وجه فتح همزة أن وكسرها في آيات من سورة الجن] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة اثنتين وعشرين على قوله تعالى: ﴿قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن﴾ (٢): أما الكسر (٣) فعلى العطف على ما بعد القول في قوله: ﴿فقالوا إنا سمعنا﴾ (٤)، إلا قوله: ﴿وأنه لما قام عبد الله﴾ (٥)، فإن الأحسن أن يكون مستأنفا لقوله: ﴿كادوا يكونون عليه لبدا﴾ (٦)، لأنه لو كان على قوله: إنا سمعنا،

стр. 239

لكان: كدنا نكون. ويجوز أن يكون القول من بعضهم، والإخبار واقع عن بقيتهم. وأما الفتح (١) فقد قيل إنه عطف على قوله: ﴿أنه استمع﴾، فيكون داخلا في حيز مفعول أوحى (٢)، ويشكل عليه قوله: ﴿وأنه تعالى جد ربنا﴾ (٣). ﴿وأنا لمسنا﴾ (٤)، ﴿وأنا كنا﴾ (٥). إذ لا يحسن أن يقال: أوحي إلى أنا كنا أو أنا لمسنا. وضمير المتكلم للجن، والمتكلم الرسول، وإنما كان يكون وأنهم لمسوا ونحوه. فلذلك فر المحققون من هذا التأويل، وجعلوه عطفاً على الضمير في قوله: ﴿فآمنا به﴾ (٦)، فيكون داخلاً في حيز الجار، ولا يرد عليه على هذا ما تقدم لأن المتكلمين بقوله: فآمنا به، هم الجن. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠٦] [استعمال "على" بدلا من "في" في قوله تعالى: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون﴾ (٧):

стр. 240

قال: إن قيل لم جاء بعلى والقياس والاستعمال يقتضي في؟ أما القياس فلأنه بمعنى الظرفية، كقولك: قعدت في الدار. وأما الاستعمال فلقوله: ﴿قلنا احمل فيها﴾ (١) ﴿فاسلك فيها﴾ (٢). فالجواب: أن (على) في هذا الموضع أوضح، من حيث إن غيره مما ذكر فيه ما يكون باطن الفلك، وهو الأكثر، فغلب، فكانت (في) أحسن لتحقق معنى الظرفية وبعد معنى (على)، لأن المذكور محمولا ثم الأزواج كلها، وكان أكثرها في باطن الفلك، وأعلى السفن مخصوص بالآدميين على ما هو العادة، فلما خصوا في قوله: (وعليها وعلى الفلك تحملون)، كانت (على) أوضح. وفي هذا الموضع لم يرد ذلك المعنى من الأزواج وإنما أريد المخاطبون خاصة، وليسوا في العادة في باطن الفلك، وإنما يكون على ظاهرها، فأتى بما يدل على معنى الاستعلاء تنبيهاً على هذا المعنى، وهذا أحسن ممن يقول: إنما أتى بـ (على) لتقدم (على) في قوله: (وعليها)، لما بين الفلك وبين الإبل من مشاكلة الحمل، فلما أتى بـ (على) في حمل الإبل أتى بـ (على) في الآخر، لأن هذا مراعاة أمر لفظي، وما تقدم مراعاة لأمر معنوي، ولأنه بعينه يقتضي المخالفة من وجه آخر، لأن تكرير الحرف بالمعنى الواحد ليس من باب المجانسة ولا البديع، فلا يحسن أن يخالف الأصل لأجله. فإن قيل: لو استقل ما ذكرتموه في استحسان (على) لكانت (على) أحسن في قوله: ﴿إنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون﴾ (٣). وقد جاء بـ (في) فدل على أن ما ذكر من تقدم. (على) هو السبب. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن المراد التنبيه على ذلك المعنى المذكور في قوله: احمل فيها، فاختصر الكلام للعلم به، فجري الأمر فيه على

стр. 241

ذلك المجري، فلذلك جيء بـ (في). الثاني: أن يكون ذلك الأمر اللفظي مرجحاً للإتيان بـ (على)، لا على أنه مستقل في السببية، فيكون حينئذ المعنى المذكور هو المقتضى لجواز (على)، وتكون (على) مرجحة لأحد الجائزين. ولا يلزم من كونها مرجحة أن تكون سبباً مستقلاً. وأما قوله: ﴿فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك﴾ (١)، فإنما أتى بـ (علي) لما في الاستواء من معنى الاستعلاء. ألا ترى إلى قوله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ (٢). وقوله: قد استوى بشر على العراق (٣). وأما قوله: ﴿اركبوا فيها﴾ (٤) و ﴿ركبا في السفينة﴾ (٥). وقوله: ﴿فإذا ركبوا في الفلك﴾ (٦) فلما قصد في معنى الركوب من معنى الثبوت، كقوله: ﴿ولأصلبنكم في جذوع النخل﴾ (٧) وإذا استعملت (في) في الصلب لقصد معنى الثبوت، فاستعمالها في الركوب أجدر. والله أعلم. [إملاء ١٠٧] [معنى قوله تعالى: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا﴾ (٨):

стр. 242

موضع الأشكال في قوله: ﴿أو كسبت في إيمانها خيرا﴾. لأنه لأحد الأمرين. فإذا سيقت في النفي في مثل ذلك اقتضى نفي الأمرين كقوله: ﴿لا تطع منهم آثما أو كفورا﴾ (١). وأحدهما: آمنت من قبل، والثاني: كسبت في إيمانها خيرا، فيصير المعنى على الظاهر: لا ينفع نفساً لم تكن آمنت من قبل إيمانها، وهذا واضح، ولا ينفع نفساً لم تكن كسبت في إيمانها خيرا إيمانها، وهذا مشكل، فإن الإيمان قبل مجيء الآيات نافع، وإن لم يكن عمل صالح غيره، فكيف يصح نفيه؟. والجواب: أن المعنى لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها وهو العمل الصالح لم تكن آمنت قبل الآية (٢)، أو كان العمل الصالح مع الإيمان قبلها، فاختصر للعلم به. وقوله: لم تكن آمنت، صفة لـ (نفسا)، وإن وقع الفصل، لأن المعنى على التأخير، وإنما أوجب التقديم الضمير في (إيمانها). والمغني: لا ينفع إيمان نفس نفساً لم تكن آمنت من قبل. فلما أوجب الضمير التقديم بقيت الصفة في محلها. و (من) لابتداء الغاية. تقول: ما آمن زيد من يوم كذا، لابتداء الغاية. فيكون نفياً للإيمان الذي ابتداؤه من يوم الجمعة، ولو قلت: ما آمن زيد يوم كذا، كان نفياً للإيمان يوم الجمعة. وإذا أسقطت "من" في نحو: ما آمن من قبل (٣)، وما آمن قبل، لم يختلف المعنى، لأنه إذا كان مبتدأ فيه من قبل، فقد حصل قبل، وإذا حصل قبل فقد ابتدئ به من قبل. ولا يلزم ذلك في نحو: يوم الجمعة وشبهه، إذ قد يكون حاصلاً فيه، وقد ابتدئ به من غيره. والله أعلم بالصواب.

стр. 243

[إملاء ١٠٨] [توجيه قراءة حمزة لقوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾ (١): على قراءة حمزة (٢) إما معطوفاً باعتبار المعنى فيما تقدم من قوله: وآتيناه الإنجيل. لأن المعنى: وآتيناه الإنجيل للهدى والنور والتصديق وليحكم. لأن المعنى: ليهدي وينور ويصدق: فحسن قوله: وليحكم، لذلك، كما جاء قوله: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزية الكواكب. وحفظاً﴾ (٣). لأن المعنى: خلقناها زينة، فحسن مجيء (وحفظاً) لذلك. وإما متعلقا بفعل مقدر دل عليه قوله: ﴿بما أنزل الله﴾. كأنه قيل: وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه، أنزلناه، فحذف لذلك. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١٠٩] [تقديم الأزواج في قوله تعالى: ﴿إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثلاث وعشرين على قوله تعالى: ﴿إن من

стр. 244

أزواجكم وأولادكم عدواً لكم﴾ (١). إنما قدمت الأزواج على الأولاد لأن المقصود الإخبار أن منهم أعداء، ووقوع ذلك في الأزواج أكثر منه في الأولاد، فكان أقعد في المعنى المراد، فكان تقديمه أولى. ولذلك قدمت الأموال في قوله: ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (٢) لأن الأموال لا تكاد تفارقها الفتنة. ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى﴾ (٣). ﴿أمرنا مترفيها ففسقوا فيها﴾ (٤). وليست الأولاد في استلزام الفتنة مثلها، فكان تقديمها لكونها أوغل في المعنى المراد أولى. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١١٠] [إعراب "شهوة" في قوله تعالى: ﴿أتأتون الرجال شهوة﴾] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿أتأتون الرجال شهوة ن دون النساء﴾ (٥): (شهوة) منصوب، إما مفعول من أجله وهو الظاهر، وإما على معنى إتيان شهوة، وإما حال على معنى مشتهين (٦). و (من) في قوله: (من دون النساء)، لابتداء الغاية، أي: تأخذون في ابتداء هذا الفعل من غير النساء، أو على معنى المقابلة، أي: تجعلون هذا عوضاً عن هذا، كما تقول: خذ هذا من دون هذا، أي: اجعله عوضاً منه.

стр. 245

ويتعلق إما بـ (تأتون) وهو الظاهر، لأن المعنى: تجعلون الإتيان لهؤلاء عوضاً من أولئك، أو تأخذون في الإتيان من هؤلاء. وإما بـ (شهوة) على المعنيين، أي: تتعلق الشهوة منكم بالرجال عوضاً من (١) تعلقها بالنساء. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١١١] [توجيه القراءات في قوله تعالى: ﴿لتزول منه الجبال﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال﴾ (٢): قرأ الكسائي بفتح اللام الأولى من (لتزول) ورفع الفعل بعدها (٣)، وهذه اللام على هذه القراءة هي اللام الفارقة بين المخففة والنافية. تلزم المخففة لتفصلها عن النافية، فيكون معنى قراءته: أن مكرهم تزول منه الجبال. وقرأ الباقون بكسر اللام الأولى من (لتزول) ونصب المضارع بعدها، لأنها اللام المؤكدة التي ينصب الفعل بعدها. إما بتقدير "أن" على قول البصريين، وإما بغيرها على قول غيرهم (٤). وتسمى لام الجحود لأنها لا تأتي إلا بعد جحد، فتكون (إن) نافيية (٥). والمعنى: ما كان مكرهم تزول منه

стр. 246

الجبال. والجمع بين القراءتين، مع أن النفي والإثبات فيهما توارداً على صورة واحدة. ولا يستقيم تناقض القراءتين عندنا لأنهما ثابتتان بالتواتر، فكلاهما مقطوع به، فلا بد من التأويل. فمعنى قراءة الكسائي: إثبات أن مكرهم عظيم تزول منه الأمور العظيمة التي لا تبلغ مبلغ المعجزات كالقرآن ونحوه. ومعنى قراءة الجماعة: نفي أن مكرهم تزول منه المعجزات العظام كالقرآن ونحوه لثبوتها واستقرارها كاستقرار الجبال. فالجبال على قراءة الكسائي: الأمور العظام التي لم تبلغ مبلغ المعجزات. والجبال على قراءة الجماعة: المعجزات العظام كالقرآن ونحوه. وعلى هذا التأويل لم يجيء النفي والإثبات باعتبار واحد. وإذا لم يكونا باعتبار واحد فلا تعارض بين القراءتين والله أعلم بالصواب. [إملاء ١١٢] [التشبيه في قوله تعالىك ﴿كأنهم خشب مسندة﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿كأنهم خشب مسندة﴾ (١): إنما شبههم بالخشب دون غيرها، لأنه لما ذكر الطبع على قلوبهم وعدم فقههم وأنهم مع ذلك أجسام معجبة، شبههم بما له جسم في الصورة وليس له فهم، فقال: كأنهم خشب مسندة. وتشبيههم بالخشب في هذا السياق أحسن من تشبيههم بالحجارة وأشباهها، فإنها ليست في الغالب لها صورة أجسام الآدميين. وقال: مسندة، لأمرين: أحدهما: التنبيه على أنهم كالخشب

стр. 247

القائمة، فنبه على أن المراد أنها قائمة بقوله: مسندة، لأن الأخشاب لا تسند إلا وهي قائمة لاستغنائها عن الاستناد في غيره قيامها. وقد تقدم أن المراد عدم فقههم مع عظم أجسامهم، فناسب ذلك تشبيههم بالأخشاب القائمة وهي المسندة. والثاني: التنبيه على أنهم لا فائدة فيهم كالخشب عند عدم استعماله، فإن الخشب القائم ليسقف عليه أو غير القائم ليسقف به (١)، فيه فائدة. وأما المسندة فلا فائدة فيها في حال كونها مسندة" (٢). والله أعلم بالصواب. [إملاء ١١٣] [معنى "أو" في قوله تعالى: ﴿أو تفرضوا لهن فريضة﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة﴾ (٣): اختلف في (أو) هذه. فقيل: إنها التي بمعنى: إلا أن (٤)، أو: إلى أن، فيكون (تفرضوا) في موضع نصب بإضمار "أن" أو بـ "أو" على رأي. وقيل: إن (أو) عاطفة على قوله: (تمسوهن)، أي: ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، فيكون مجزوماً بالعطف على (تمسوهن) (٥). وإنما خالف الأولون الظاهر

стр. 248

في (أو) لأحد أمرين: إما لأنها إذا جعلت بمعنى (أو) [العاطفة] (١) كان المعنى: لا جناح عليكم فيما يتعلق بمهور النساء إن طلقتم النساء إذا انتفى أحد هذين الأمرين، لأن (أو) العاطفة تستلزم ظاهراً معنى أحد الأمرين، وإذا استلزمت ذلك لم يستقم لأنه ينتفي أحد الأمرين وهو الفرض، فيلزم صداق المثل بالمسيس، أو ينتفي المسيس وهو أحد الأمرين، فيلزم نصف ما فرض. وإن كان المسيس منتفياً فلا يصح نفي الجناح عند انتفاء أحدهما لذلك. والثاني: أن المطلقات المفروضات لهن قد ذكرن ثانيا وترك ذكر الممسوسات لما تقدم من المفهوم، فلو كانت العاطفة لكان المفروضات في الذكر كالممسوسات، وليس الأمر كذلك. وإذا جعلت (أو) بمعنى: إلا أن، أخرجت عن مشاركة الممسوسات، فلم يلزم ظهور دخولهن معهن، ولذلك لم ير مالك (٢) للمطلقات المفروض لهن قبل المسيس متعة، لأنه لم ير دخولهن في الآية المتقدمة لما ذكرن ثانيا. وجعل المتعة للمسوسات خاصة، أو لغير الممسوسات ولغير المفروض لهن، لأنه لما ذكر المطلقات المفروض لهن ثانيا بحرف الشرط دل ظاهراً على أنهن لم يكن مرادات أولاً. فلذلك حمل (ومتعوهن) على غيرهن (٣).

стр. 249

ويمكن أن يقال عن الأول: لا يلزم أن يكون المعنى: ما أنتفى أحدهما، بل المعنى: ما لم يكن أحدهما. وفرق بين قول القائل: انتفى أحد الأمرين، وبين قول القائل: ما كان واحد من الأمرين. فإن الأول لا ينفي إلا (١) أحدهما لأنه نكرة ليست في صريح سياق النفي، والثاني ينفيهما جميعاً، لأنها نكرة في صريح سياق النفي. فإذا لا فرق في المعنى بين أن تكون: إلى أن، وبين أن تكون العاطفة. فكان حملها على العاطفة أولى، لأنه الأكثر. وإما فلا يلزم من مشاركتهن الممسوسات فيما ذكر مشاركته لهن فيما وراء ذلك. هذا مع أنه قد ذكر ثانيا ما يدل على انتقاء وهم المشاركة. والله أعلم بالصواب. [إملاء ١١٤] [معنى قوله تعالى: ﴿وما ينبغي له﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة على قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ (٢): يقال: ما ينبغي، بمعنى: ما يستقيم عقلاً، كقوله تعالى: ﴿وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولداً﴾ (٣). ويقال: ما ينبغي، بمعنى: أنه ما يفعله الله لمصلحة علمها، كقوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾ ". وكقوله تعالى: ﴿وما تنزلت به الشياطين. وما ينبغي لهم وما يستطيعون﴾ (٤). ويقال: ما ينبغي في الحرام والمكروه. والمصلحة التي علمها الله أنه لو كان ممن يقول الشعر لتطرقت التهمة عند كثير من الناس في أن ما جاء به من قبل نفسه لتقويه عليه بقوة الشعر، كما جعله

стр. 250

أميا لذلك. ألا ترى إلى قوله: ﴿وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون﴾ (١). ولذلك قال في عقيب هذه الآية: ﴿ويحق القول على الكافرين﴾ (٢). لأنه إذا انتفت الريب لم يبق إلا المعاندة فيحق القول عليهم حينئذ (٣). والله أعلم بالصواب. [إملاء ١١٥] [معنى السلسبيل في قوله تعالى: ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلاً﴾] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة أربع وعشرين على قوله تعالى: ﴿عينا فيها تسمى سلسبيلاً﴾ (٤): السلسبيل في اللغة وصف للمبالغة في السلسال (٥). فيجوز أن يكون ههنا على بابه في الوصفية، كأن المعنى يوصف بذلك، كما تقول: زيد يسمى الشجاع، أي: يوصف به. وإنما لم يقل هنا: عيناً سلسبيلاً، لينبه على شهرته لهذا الوصف. ويجوز أن يكون علماً منقولاً عنه (٦)، وصرف لأنه اسم لماء، مراعاة
следующие страницы →