← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 124755

أمالي ابن الحاجب

ابن الحاجب

Полный текст (865 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وإن كان لغير الأفعال من الأسماء وحدها أو من الأسماء والأفعال معاً، فلا يخلو إما أن يذكر موزونة أو لا يذكر. فإن ذكر موزونة معه فقد كان معرباً على ما يستحقه بلا خلاف. ثم هو في حكم الصرف وعدمه راجع إلى نفسه أو إلى موازنه؟ فيه خلاف. فمذهب الزمخشري أنه علم على كل حال فيرجع في ذلك إليه في نفسه، فإن كان معه علة أخرى امتنع من الصرف وإلا فلا. وذهب بعضهم إلى أنه في ذلك كموزونه، إن كان منصرفاً صرف، وإن كان غير منصرف لم يصرف (١). ومثال ذلك قولك: وزن قائمة فاعلة. والزمخشري يقول: فاعلة، غير مصروف، وبعضهم: فاعلة مصروف. فوجه مذهب الزمخشري أنه قد ثبت استعمال هذه الأوزان أعلاماً بدليل اتفاقهم على قولهم: أفعل صفة لا ينصرف، ولولا أنه علم لم يمنع الصرف وهذا متفق عليه. وإذا ثبت أنه علم، فإما أن يكون على نحو الأعلام في: زيد وعمرو، أو على نحوها في: أسامة وثعالة. لا جائز أن يقال: إنها مثل زيد وعمرو لأنها توضع لآحاد بأعيانها، وإنما وضعت للجنس (٢). وإذا وجب أن تكون كوضع أسامة، وقد ثبت أن باب وضع أسامة لا يطلق على الأمر الذهني فيعم، يضح إطلاقه على كل واحد من الآحاد الوجودية. وإذا ثبت ذلك كان ما نحن فيه مثله فيصح إطلاقه على جنسه بكمالة فيقول: أفعل صفة لا ينصرف، ويشمل جميع موزوناته كقولك: أسامة خير من ثعالة، فيشمل جميع الجنس ويصح إطلاقه على كل واحد من آحاد جنسه، كما قيل، أسامة، لواحد في الوجود، فكذلك يقول: وزن قائمة فاعلة، فيطلقه على قائمة علما (٣) وإن كان واحداً من آحاد

стр. 352

جنسه، فصح بذلك جعله علماً وإن كان موزونه واحداً من آحاد جنسه كما ثبت ذلك في أسامه باتفاق. ووجه من قال بخلافه أن أعلام باب أسامة إنما اضطررنا إلى جعلها أعلاماً باعتبار إطلاقها على الواحد من حيث وجود حكم العلمية، فاضطررنا إلى تأويلها بوجه بعيد لنلحقها بقياس كلامهم ضرورة ما ثبت فيها من حكم العلمية (١)، وكان القياس الظاهر أنه لا يثبت فيها حكم العلمية. وإذا كان مثل ذلك في باب أسامة مخالفاً للقياس كان تأويله على ذلك للضرورة فلا وجه لأجزائنا هذا الباب على مخالفة القياس، واحتياجنا إلى التأويل من غير ضرورة تحمل على ذلك. ثم نرجع إلى التقسيم فنقول: وإن لم تكن للأفعال ولم يذكر الموزون (٢) معه فلا يخلو إما أن يكون قد أوقع (٣) موقع موزون خاص قام مقامه في محله أو لا. فإن كان قد ذكر واقعاً موقع موزون فلا خلاف أنه يجري مجراه على تقدير وجوده إعراباً وصرفاً أو منع صرف، كقولك: مررت برجل أفعل منك، وهو متفق عليه. ووجهه أنه أريد به معنى موزونه، فوجب أن يجري مجراه لأنه كالنائب عنه والكناية له، فكان إعرابه كإعرابه. وإن لم يكن على ما ذكرناه فهو علم باتفاق يقصد به الجنس الذي هو على هذه الهيئة كقولك: أفعل لا ينصرف، وفعلان علما غير منصرف، وشبه ذلك (٤). قال سيبويه حكاية عن الخليل: كل أفعل إذا كان صفة لا ينصرف. قال سيبويه: قلت له كيف تصرفه وقد قلت: لا أصرفه؟ فقال: إنما صرفته لأنه غير

стр. 353

صفة (١). ثم قال بعد ذلك: أفعل إذا كان صفة لا ينصرف (٢). قال المازني (٣): أفعل أيضاً ههنا غير صفة، فيجب أن يصرفه، لأنه قال في قوله: كل أفعل، إنما صرفه لأنه غير صفة، وهذا أيضاً غير صفة فيجب أن يصرفه وإلا نقض جميع ما قاله. قال أبو علي الفارسي: لم يصنع المازني شيئاً، وإنما سأل سيبويه الخليل عن ذلك لأنه توهم أن الموزون إذا كان صفة كانت الزنة صفة، ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل أفعل منك، حكمت عليها بحكم موزونها. فلما فهم الخليل منه هذا الوهم الذي يلزم منه أن يكون المسئول عنه لذلك غير منصرف بين له أن ما توهمه فيه مما يوجب منع صرفه مفقود، فقال له: ليس بضفة، فتنبه لذلك، وعلم ما أشار إليه، ولم يحتج أن يبين له أنه غير علم، لأن ذلك معلوم في ظاهر الأمر بدخول كل عليه. وإنما بين له انتفاء الشبهة التي فهم عنه أنه توهمها، ولم يتعرض لغير ذلك. ولم يرد الخليل أن انتفاء الصفة علة في الصرف في كل ورد وصدر، فإن ذلك معلوم الانتفاء بالاتفاق. فإنا قاطعون بأن أكثر الأسماء تمتنع (٤) من الصرف مع كونها غير صفة، وإنما قصد إلى

стр. 354

ذلك (١) في المحل المخصوص لما كان الوهم نشأ منه. فقوله: أفعل إذا كان صفة لا ينصرف، لا يلزمه أن يصرف لما تقدم من قوله: إن كل أفعل غير صفة، لأنه ههنا قد وجدت فيه علتان مقتضيتان لمنع الصرف، وهما العلمية ووزن الفعل، فوجب أن يكون غير منصرف، فتبين بذلك أنه لا يلزم من نفي الصفة عن قوله: كل أفعل، على سبيل التبيين، رفع الوهم عمن توهم الوصفية فيه أن يكون كل ما ليس بصفة منصرفاً. فظهر أن قول أبي علي الفارسي: لم يصنع المازني شيئاً، مستقيم، وأراد به ما ذكرناه، ولم يبينه لأنه كالظاهر عنده، ولا شك أنه ليس بخفي (٢). ثم شرع صاحب الكتاب في تبين استعمال هذه الألفاظ أعلاماً. فقال: "في قولهم (٣): فعلان الذي مؤنثه فعلى، وأفعل صفة، لا ينصرف" خبر (٤) عن قوله: فعلان، وعن قوله: أفعل، جميعاً في المعنى وفي الفظ، لأنه إما أن يكون للأول وإما أن يكون للثاني. فكأنه قال: فعلان الذي مؤنثه فعلى لا ينصرف، وأفعل صفة لا ينصرف. كما تقول: زيد وعمرو قائم، وهو جائز باتفاق. ولا يستقيم أن يقال: إنه خبر عن الثاني، والأول منقطع عنه معنى ولفظاً، لأنه قصد إلى بيان استعمال النحويين له في كلمهم. والنحويون لا يقولون: فعلان الذي مؤنثة فعلى، ويقتصرون، فلابد من جزء آخر ينضم إليه ليكون قولاً، ولا جزء يمكن ضمه إلا ما ذكرناه، فوجب تقديره لأنه هو الموجود، ولأنهم كذلك يستعملونه. ثم قال: "وزن: طلحة وإصبع: فعلة وافعل". يعني وفي قولهم: وزن

стр. 355

طلحة فعلة، وافعل، فعطفته على قوله: فعلان، الداخل في حكم قوله: في قولهم. وقصد به التبيين، أن ذلك أيضاً علم على ما هو مذهبه كما ذكرناه حكماً وتعليلاً. ولذلك أتى بافعل غير منصرف لأن فيه عنده علتين: وزن الفعل والعلمية. وأما قوله: وزن طلحة فعلة، فمتفق عليه في الحكم وإن اختلف التعليل، فمذهبه أنه امتنع من الصرف للعلمية والتأنيث. ومذهب غيره أنه امتنع من الصرف لأن موزونه غير منصرف. واعلم أن الألفاظ التي يوزن بها إذا قصد بها عموم موزوناتها على أربعة أقسام: تارة تكون منصرفة وموزونها منصرف مثل: كل فعل إذا لم يكن مؤنثا منصرف. وقد يكونان غير منصرفين، كقولك: أفعل إذا كان صفة غير منصرف. وقد يكون الوزن منصرفاً والموزون بخلافه، كقولك: كل أفعل، إذا كان صفة (١) لا ينصرف وقد يكون الأمر بالعكس، كقولك: أفعل إذا لم يكن صفة ولا علماً منصرف. وتحقيق ذلك أن كل موضع كان في الزنة علتان امتنع من الصرف. وكل موضع لم يكن فيه علتان كان منصرفاً. وكذلك الموزون المحكوم عليه، إن اتفق أن يذكره باعتبار إثبات علتين (٢) له وجب أن يحكم عليه بأنه غير منصرف. وإن ذكره على غير ذلك وجب أن يحكم عليه بأنه منصرف، ولذلك جاءت في التركيب على الأربعة الأوجه (٣) التي ذكرناها.

стр. 356

[إملاء ٧١] [معنى حمل الرفع على الجر والنصب على الجر وأشباهه] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على المفصل (١) على قوله: "كما حمل النصب على الجر": معنى قولهم: حمل الرفع على الجر والنصب على الجر وأشباهه، أي: أتى بلفظ لأصل آخر غير ما يقتضيه لفظ أصله، وجعل له. فالمحمول هو الذي عدل عن لفظ أصله، وإن كان في الحقيقة من حيث المعنى موجوداً. والمحمول عليه هو اللفظ الذي وضع لغير أصله وإن كان في المعنى غير موجود، مثاله: إذا قلت: مررت بأحمد، فإن الجر محمول على النصب، لأن الجر ههنا ذكر فيه لفظ غير ما يقتضيه لفظ أصله، فهو المحمول، والمذكور لفظ لأصل آخر غير ما ذكر وهو النصب، لأن الفتح أصل في النصب، فالجر إذن محمول. وإذا قلت: رأيت الزينبات، فالأمر بالعكس، لأن النصب ههنا ذكر فيه لفظ غير ما يقتضيه لفظ أصله، فهو المحمول، والمذكور لفظ لأصل آخر غير ما ذكر وهو الجر. وعلى هذا تتفهم المواضع كلها. فإذا قلت: لولاك، فالرفع محمول على الجر. وإذا قلت: عساك، فالرفع محمول على النصب. وإذا قلت: ما أنا كأنت، فالجر محمول على الرفع. والأصل أن تنظر، فمهما وجدت اللفظ لغير ما هو له في المحل المخصوص فاحكم بأن مدلوله هو المحمول في المحل المخصوص. فلذلك إذا قلت: ما أنا كأنت، وجدت اللفظ للجر، وليس هذا اللفظ لفظ المجرور. فعلمت أنه المحمول. ثم تنظر ما الذي هو أصل اللفظ فتعلم أنه للرفع فتحكم بأنه محمول عليه. وعلى هذا تجري المسائل كلها.

стр. 357

[إملاء ٧٢] [مجيء المصدر على وزن اسم المفعول] وقال أيضاً مملياً بالقاهرة سنة خمس عشرة على قول الشاعر في المفصل (١) وهو: أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب (٢) قال: كل فعل زاد على ثلاثة أحرف فإن مفعوله واسم الزمان والمكان والمصدر (٣) تكون على لفظ واحد كقولك: أخرجته فهو مخرج، وأخرجته في يوم كذا، واليوم مخرج حسن، وهذا المكان مخرج حسن، وأخرجته مخرجاً بمعنى: إخراجاً. قال الله تعالى: ﴿وأخرجني مخرج صدق﴾ (٤). أي: إخراج صدق. فقوله: أقاتل، البيت، نصب مقاتلاً لأنه مفعول بـ "أرى". كما تقول: لا أرى لي قتالاً. ومقاتل في الأصل مصدر. لأنك تقول: قاتلته قتالاً ومقاتلاً، بمعنى واحد. ومعنى قوله: وأنجو، يجوز أن يكون معناه: وأسرع إلى المحاربة عند عجز الجبان منها. ويجوز أن يكون معناه: وأخلص من المحال التي لا يخلص منها الجبناء.

стр. 358

[إملاء ٧٣] [مسائل في الاستثناء] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (١) في الاستثناء: "وتقول: ما جاءني من أحد إلا عبد الله": هذا الفصل ينعطف على الوجه الثالث من المستثنى، وهو ما يجوز فيه النصب والبدل. فبين ههنا أن البدل ينقسم فيه إلى ما يكون بدلاً من حيث اللفظ وإلى ما لا يستقيم فيه بدل اللفظ فينتقل فيه إلى البدل على المعنى. وهو كل موضع تعذر فيه تقدير العامل في المبدل منه بعد إلا. ومثله بأمثلة، منها قولك: ما جاءني من أحد إلا زيد، لأن من ههنا زائدة لتأكيد النفي. فلو أبدلت من معمولها بعد الإثبات لوجب تقديرها معه، فتخرج عن موضوعها، لأن موضوعها تأكيد النفي لا تأكيد الإثبات. وكذلك: لا أحد فيها إلا زيد، لأن "لا" لم تعمل إلا للنفي، فإذا أبدلت من معمولها بعد الإثبات وجب تقديرها نافية بعده؛ لأن عملها لأجل النفي، فيتناقض حينئذ النفي والإثبات لورودهما على محل واحد. والذي يحقق ذلك وجوب النصب في قولك: ليس زيد إلا قائماً (٢)، ووجوب الرفع في قولك: ما زيد إلا قائم، والفرق بين "ليس" وبين "ما" في العمل أن ليس عملت للفعلية لا للنفي، فكأنها في التقدير فعل دخل عليه نفي. فغذا قلت: ليس زيد إلا قائماً، فكأنك قلت: ما كان زيد إلا قائماً. فكما أنه لا يقدر بعد إلا في قولك: ما كان، إلا "كان" دون النفي لأنها العاملة فيما بعد إلا، فكذلك لا يقدر في: ليس زيد إلا قائماً، إلا المعنى الذي عملت ليس لأجله، لا النفي، بخلاف: ما زيد إلا قائم، فإنها لم تعمل إلا للنفي، فلو عملت بعد "إلا" لوجب

стр. 359

تقديرها نافية، ففيتناقض النفي والإثبات، وهذا هو التحقيق في المسألة. فأما ما ذكره أبو علي (١) من أنه لم يبدل عن اللفظ لأن "لا" لا تعمل في المعارف ففاسد، بدليل: لا أحد فيها إلا رجل واحد. فهذا نكرة وحكمه حكم المعرفة في وجوب البدل على المحل. فلو كان ما ذكره مستقيماً لجاز ههنا الإبدال على اللفظ، ولما لم يجز دل على أن ما ذكره من العلة منتقض (٢)، وهو أولى من توهم أن امتناع العمل اللفظي فيما بعد "إلا"، لأن "لا" لم تعمل في الأول، وإنما هو مبني معها. وإذا لم يكن لها عمل فيه لم يبق إلا البدل على المحل، فإنه فاسد بدليل قولهم: لا غلام رجل عندي إلا رجل واحد. فإن حكمه وإن كان الأول معرباً باتفاق حكم المبني، دل على أن ما ذكره هذا القائل ليس بشيء، فثبت أن التعليل الأول هو المستقيم. قال: "وإن قدمت المستثنى على صفة المسثنى منه"، إلى آخره. هذا الفصل ينعطف على بعض القسم الأول من المستثنيات وهو ما قدم من المستثنى لأنه تفصيل له، فكأنه يقول: ما قدم من المستثنى تارة يقدم على المستثنى منه وصفته وتارة يقدم على صفة المستثنى منه. ومذهب سيبويه أنه لا اعتداد بتقديمه على الصفة (٣). وهو الصحيح لأمرين: أحدهما: أن المستثنى منه هو الموصوف دون الصفة، والصفة فضلة، فلا فرق بين وجودها وعدمها

стр. 360

باعتبار صحة هذا الاستثناء، فكما أنها لو كانت مفقودة لم يكن لها أثر، فكذلك إذا كانت موجودة. والثاني هو: أن المعنى الذي اقتضى صحة البدلية عند التأخير موجود. والذي اقتضى وجوب النصب عند التقديم مفقود، وإذا كان كذلك وجب البدل وبطل وجوب النصب على التقديم (١). وذلك أن معنى البدلية كونه مذكوراً بعد تابع عوضاً منه وهذا كذلك. فثبت أن المعنى الذي اقتضى صحة البدلية موجود. وأن المعنى الذي اقتضى وجوب النصب هو تعذر البدلية وذلك التقديم على الاسم المستثنى وهو مفقود. فثبت أن المعنى المقتضى لوجوب النصب مفقود. وإذا كان كذلك وجب صحة البدل كما لو تأخر أو لم تذكر صفة. قال: "وتقول في تثنية (٢) المستثنى". يريد: إذا ثنيت الاستثناء من غير تشريك، فأما إذا ذكرت حرف التشريك فلا إشكال. فكل استثناء ثان فما بعده يجب فيه النصب، ولا إشكال في نصبه، ولذلك لم يمثل به لظهور أمره، كقولك: جاء القوم إلا زيداً إلا عمراً. وإن كان مع استثناء يجب له الرفع أو الجر أو يختار، وجب فيما عداه النصب، وهو ما مثل به كقولك: ما أتاني إلا زيد إلا عمراً (٣). وذلك أن أحدهما يجب أن يكون مرفوعاً بحق الفاعلية لـ "أتاني"ز فإذا استوفى الفعل فاعله لم يبق لعمرو إلا النصب على الاستثناء. ولا يتخيل التشريك مع عمرو في اللفظ لفقدان حرف التشريك. ولا يتخيل بدلية لانتفاء المعنى فيها. بقي أن يتخيل أن عمراً مخرج في التقدير من جماعة ليس منهم زيد نفي عنهم الإتيان، فكأنه قيل: ترك من عدا زيداً الإتيان إلا عمراً. ولو

стр. 361

صرح بذلك لم يكن عمرو فيه إلا منصوباً، فهو بالنصب في الأصل أجدر، ولذلك لم يتعرض صاحب الكتاب إلا لهذا التمثيل لأنه أشبه ما يقدر دون غيره. ثم انتقل إلى المسألة الأخرى وهي: "ما أتاني إلا عمراً إلا بشراً أحد". ولم يتعرض إلا لوجوب النصب فيما كان بعد أحد في التقدير، لا في الآخر، لأن الآخر قد ثبت نصبه في حال تأخره عن الفعل، فنصبه متقدماً أجدر، فلم يبق إلا الكلام في نصب ما لو تأخر لكان مرفوعاً، فقال: لو أخرته لرفعته على البدلية من أحد. فإذا قدمته على المستثنى منه وجب نصبه على ما تقدم، لأن المقدم من المستثنى منه واجب فيه النصب. قال: "وتقول (١): ما مررت بأحد إلا زيد خبر منه". هذا الفصل ينعطف على القسم الخامس من المستثنيات وه٩والذي يسميه النحويون الاستثناء المفرغ، وقد تقدم أنه جار في كل ما يصح أن يكون معمولاً لما قبله، فجرى في الأحوال والصفات. وكما أن الصفة يصح أن تقع مفردة وجملة في غير هذا الموضع فكذلك ههنا. فلذلك: جاز: ما مررت بأحد إلا زيد خبر منه، كما جاز: ما مررت بأحد إلا عالم (٢). فما بعد "إلا" واقع صفة لأحد، و"إلا" لغو في اللفظ لأنها وقعت في الاستثناء المفرغ معطية في المعنى فائدتها (٣). وقوله: "جاعلة زيداً خيراً من جميع من مررت بهم"، غير مستقيم، لأن كون زيد ههنا خيراً من جميع من مررت بهم مفهوم من خبرة، وهو قوله: خير

стр. 362

منه، لا من "إلا" فلم يصح قوله: إن فائدة "إلا" أنها جعلت زيداً خيراً من جميع الممرور بهم. ووجه الإلباس في ذلك أن الصفات والأحوال الواقعة في الاستثناء المفرغ لم تجر على ذوق المستثنيات. وبيان ذلك أنك إذا قلت: ما ضربت إلا زيداً، فقد نفيت الضرب عن كل أحد وأثبته للمذكور بعد "إلا". وفي الصفة والأحوال ليس كذلك. ألا ترى أنك إذا قلت: ما جاءني رجل إلا عالم، لم يستقم أن تقدر نفي جميع الصفات عن رجل وإثبات صفة العلم خاصة، لأن ذلك باطل، فإنه لا ينفك عن صفات سوى العلم، وكذلك في الأحوال. فلما كانت الصفات والأحوال بهذه المثابة توهم أن الذي أفادته "إلا" هو ما ذكره، وليس بصحيح. فإن قيل: فما الذي تفيده "إلا" في الصفات والأحوال مع استحالة نفي الأجناس فيها؟ قلنا: لما استعملت الصفات والأحوال في الاستثناء المفرغ وتعذر من حيث الوجود نفي أجناسها جعل المنفي إما الأنواع المضادة للمذكور بعدها وإما الجنس على سبيل المبالغة، كما قيل في قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحى إلى محرما﴾ (١)، إلى آخره، وذلك كثير في الكلام. فبهذا التأويل تستعمل الصفات والأحوال في الاستثناء المفرغ. فعلى هذا لا تكون "إلا" أفادت إلا أحد أمرين: إما نفي جميع الصفات على طريق المبالغة. كأن قائلاً قال: ليس زيد خيراً (٢) ممن مررت بهم، فقلت: ما مررت بأحد إلا زيد خير منهم، وإما نفي ما يضاد كونه خيراً منهم على ما تقدم. قال: "وقد أوقع الفعل موقع المستثنى في قولهم: نشدتك"، إلى آخره. وقوع الفعل موقع الاسم في مواضع محفوظة. منها: وقوعه بعد

стр. 363

"إلا" (١). و"لما" في معناها (٢)، أو أوقعت بعد فعل طلب في قسم الاستعطاف، وإنما لوقعوه على سبيل الاختصار لكثرة وقوعه، وكذلك أوقعوا الفعل الذي قبله مثبتاً لفظاً منفياً معنى لذلك. والمعنى في قولك: نشدتك بالله إلا فعلت ما أطلب منك، إلا فعلك (٣)، فما بعد "إلا" في موضع نصب على المفعولية، والاستثناء من باب الاستثناء المفرغ، فهو مفعول، كقولك: ما أطلب إلا فعلك. [إملاء ٧٤] [اتصال الضميرين الغائبين وليس أحدهما فاعلا] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (٤): وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة ... لضغمهماها يقرع العظم نأبها (٥): يقول: طابت نفسي للشدة التي أصباتني لوقوع القاصد لي بها في أعظم منها، والضغمة عبارة عن الشدة. وهما اثنان قصداه بسوء فوقعا في مثل ما طلباه له.

стр. 364

و"جعل" هذه من أفعال المقاربة التي يجب أن يكون خبرها فعلاً مضارعاً. ولضغمة: معمول ل "تطيب"، إعمال الفعل في مفعوله، وليست بمعنى المفعول من أجله، لأنه لم يرد أنها طابت لأجل الضغمة، وإنما طابت بها. والتعليل هو قوله: لضغمهماها، أي: طابت نفسي لما أصابني من الشدة لإصابة من قصدني بمثلها. والضغمة: العضة، فكني بها عن المصيبة. ويقال: ضغم الشدة وضغمته. وجاء البيت على الوجهين. فقوله: لضغمة، من قولهم: عضته الشدة، لقوله: يقرع العظم نابها. وقوله: لضغمهماها من قولهم: عضضت الشدة، لأن الفاعل ضمير من أصابها، وضمير المفعول ضميرها. أي: لضغمهما إياها، فهي معضوضة لا عاضة لمجيئها مفعولة لا فاعلة. ويجوز أن يكون الموضعان من: ضغمت الشدة، لأضغمتني. ويكون قوله: يقرع العظم نابها، مبالغة في أنه عض الشدة عضا قوياً بلغ منتهى ما يبلغه العض، وكنى ببلوغ الناب العظم من ذلك. وموضع استشهاده مجيء الضميرين الغائبين متصلين وليس أحدهما فاعلا وهما ضمير الفاعلين، وهو قوله: هما، وضمير العضة وهو قولك: ها، وهو شاذ. والقياس في مثله: لضغمهما إياها، كراهة اجتماع ضمائر الغائبين البارزة من جنس واحد بخلاف ما لو اختلفا (١). والضمير الأول في موضع خفض بالإضافة، وهو فاعل في المعنى. والضمير الثاني في موضع نصب على المفعولية بالمصدر، أي: لأن ضغماها. ويقرع العظم نابها: في موضع صفة، إما لضغمة الأولى، وفصل للضرورة بالجار والمجرور الذي هو لضغمهماها، ويضعف لأجل الفصل بين الصفة والموصوف بالأجنبي، وهو

стр. 365

غير سائغ. وإما في موضع صفة لمعنى قولك: ها، إذ معناه: لضغمهما مثلها، إذ الأولى لم تصب هذين وإنما أصابهما مثلها، فهو في المعنى مراد، فـ "مثل" (١) نكرة وإن أضيفت إلى المعرفة، فجاز أن توصف بالجملة. ويجوز أن يكون: يقرع العظم نابها، جملة مستأنفة لتبيين أمر الضغمة في الموضعين جميعاً، فلا موضع لها من الإعراب، لأنها لم تقع موقع مفرد. وما يتوهم من أن "لضغمهماها" مضاف إلى المفعول و"ها" في المعنى فاعل فيؤدي إلى أنه أضاف إلى المفعول وأتى بعده بالفاعل بصيغة ضمير المنصوب، مندفع بما تقدم من أنه لم يرد أن الشدة عضت، وإنما أراد أنهما عضا الشدة، إذ لا يستقيم أن يضاف المصدر إلى المفعول ويؤتي بالفاعل بصيغة ضمير المنصوب باتفاق، فوجب حملة على ما ذكرناه دفعاً لما يلزم مما أجمع على امتناعه. [إملاء ٧٥] [قول لابن برهان والرد عليه] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٢): كم نالني منهم فضلاً على عدم ... إذ لا أكاد من الاقتار أحتمل (٣)

стр. 366

قال ابن برهان (١) النحوي: كم: مبتدأ، ونالني: خبره. وفي "نالني" ضمير فاعل عائد على "كم". وقوله: على عدم، حال من "ي". إذ لا أكاد: ظرف زمان مضاف إلى الجملة من الفعل والفاعل. وأحتمل: منصوب بـ:أكاد". ومن الاقتار: مفعول له يعمل فيه أحتمل. انتهى كلام ابن برهان (٢). قال الشيخ ﵀: لا يصح أن يكون (٣) معمولاً لـ "أحتمل" لفساد المعنى إذ الاحتمال لم يكن من أجل إقتار فيخصصه بالنفي، وإنما يصح مثل ذلك لو كان قصد إلى شيء يصح أن يكون معللاً بمثل ذلك ثم ينفيه مخصصاً له كقولك: ما جئتك طمعاً في برك. فإن المجيء قد يكون طمعاً في البر، فنفي المجيء المقيد بعلة الطمع، ولذلك لا يلزم منه نفي المجيء لغير ذلك، لأنه لم يتعرض له، بل قد يفهم منه إثبات مجيء لغير ذلك عند من يقول بالمفهوم. أما لو قال: ما كلفتك بشيء للتخفيف عليك، فلا يستقيم أن يكون تعليلاً لـ "كلفتك"، فإنه لا يصح أن يكون التخفيف علة للتكليف، وإنما علل به نفي التكليف، أي: انتفى التكليف من أجل غرض التخفيف. وسر ذلك هو أنه إذا تعلق الفعل بشيء فلابد أن يعقل مثبتاً في نفسه ثم يتعلق النفي به. وإذا تعلق افنفي به انتفى المقيد بما تعلق، ولا ينتفي مطلقاً، إذ لم ينفه إلا مقيدا. ومن أجل ذلك امتنع تعلق "من الاقتار" بـ "أحتمل". ويمتنع أيضاً تعلقه بـ "أكاد"؛ إذ لا يتصور تعليل مقاربة الاحتمال بالاقتار لأنه عكس المعنى على ما تقدم في

стр. 367

"احتمل"، فوجب أن يكون متعلقاً بالنفي إذ هو المسبب في المعنى، لأن المعنى: انتفت مقاربة الاحتمال من أجل الاقتار. ألا ترى أنك (١) لو قلت لمن قال: انتفت مقاربة الاحتمال: ما سبب ذلك؟ لصح أن يقول: سببه الاقتتار. ولو قلت لمن قال: ما سبب مقاربة الاحتمال أو ما سبب الاحتال؟ وقال: سببه الاقتتار، لكان فاسداً. فهذا مما يوضح أنه تعليل للنفي، غير مستقيم أن يكون تعليلاً لـ "أحتمل" أو "أكاد". [إملاء ٧٦] [وضع الضمير المتصل موضع المنفصل] وقال أيضاً ممليا بدمشق سنة ثماني عشرة على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو: وما نبالي إذا ما كنت جارتنا ... ألا يجاوزنا إلاك ديار (٣) معناه: إذا حصلت مجاورتك فانتفاء مجاورة كل أحد مغتفرة غير مبالي بها، لأن مجاورتك هي المقصودة دون جميع المجاورات. و"أن لا يجاورنا" في موضع مفعول. إما على تقدير حذف حرف الجر، كقولك: ما باليت بزيد، أو على التعدي بنفسه، كقولك: ما باليت زيداً. وديار: فاعل لـ "يجاورنا". وموضع الاستشهاد قوله: إلاك، لوضعه الضمير المتصل موضع المنفصل. والأصل أن لا يجاورنا إلا إياك ديار، لأنه مستثنى مقدم على المستثنى منه، فوجب أن يكون منصوباً كقولك: ما جاءني إلا أخاك أحد، فعدل عن لفظ

стр. 368

المضمر المنفصل الذي هو إياك إلى المضمر المتصل الذي هو الكاف وحدها للضرورة. [إملاء ٧٧] [الإضافة اللفظية والمعنوية] وقال أيضاً مملياً بدمشق سنة ثماني عشرة على قوله في المفصل (١): "وإضافة الاسم إلى الاسم على ضربين: معنوية ولفظية": أخذ في الكلام على المضاف إليه باعتبار الحرف المراد لا باعتبار الحرف الملفوظ به، لأن ذلك من باب حرف الجر، وستأتي (٢)، معرفتها فلا حاجة إلى تكرارها (٣) ههنا. وأما الكلام على المضاف إليه فليس له موضع أشبه من هذا، ولذلك استوعب ذكره ولم يتعرض للآخر. وفسر المعنوية بقوله: "ما أفاد تعريفاً أو تخصيصاً" (٤). وليس هذا التعريف بمستقيم لأن الغرض أن يعلم بالإضافة ذلك. فإذا عرفت به صار دوراً في حق المتعلم، إلا أنه اغتفره من حيث إنه بين اللفظية بعد ذلك بأمر واضح والمعنوية ما عداها، فلما كانت مبينة بذلك اغتفر الأمر فيما ذكرناه ولم يؤخرها بعد اللفظية

стр. 369

لتوقف معرفتها في التحقيق عليها لأنها أصل في باب الإضافة، فلا يليق تأخيرها عن الفرع. قال: "واللفظية أن تضاف الصفة (١) إلى مفعولها أو إلى فاعلها". فكل صفة مضافة إلى معمولها فهي اللفظية، وما عدا ذلك فمعنوية. فإذا أضيف ما ليس بصفة إلى معمول فهي معنوية، وإذا أضيفت الصفة إلى غير معمولها كانت معنوية أيضاً. فإذا قلت: ضرب زيد حسن، فإضافة "ضرب" وإن كان مضافاً إلى معمولة معنوية (٢)، وكذلك إذا قلت: ضارب مصر، فالإضافة معنوية، لأنك لم ترد أن الضرب واقع في مصر، وإنما نسبت الضارب إلى مصر، كما لو نسبته إلى العلم وشبهه لتعريفه. وعلى ذلك حمل بعضهم: ﴿مالك يوم الدين﴾ (٣). كراهة أن تجري النكرة صفة على المعرفة. وعلى هذا الوجه يكون معرفة لأنها إضافة معنوية فتفيد تعريفاً. قال: "ولا تفيد إلا تخفيفاً في اللفظ". لأن الغرض بها تخفيف لفظي لا أمر معنوي. وإذا لم يكن المراد بها أمراً معنويا وجب أن يكون بعد الإضافة كما كانت عليه قبلها، فلذلك قبل: مررت برجل ضارب زيد، فوصف به النكرة، ولو كان معرفة لم يجر صفة للنكرة، وامتنع: بزيد ضارب عمرو. ولو كان معرفة لجاز وصف المعرفة به، وجاز: مررت بزيد ضارب عمرو، على أن يكون حالاً. ولو كان معرفة لم يقع حالاً. وهذه كلها أحكام تدل على أن معناها بعد الإضافة كما كان قبل الإضافة (٤).

стр. 370

[قال] (١): "وقضية الإضافة المعنوية أن يجرد لها المضاف من التعريف". وإنما كان كذلك من جهة أن تعريف الإضافة راجع إلى أمر معنوي معهود بينك وبين من تخاطبه في نسبة المضاف إلى المضاف إليه. والتعريف بالام راجع إلى ذلك، فكرة أن يجمع بين أمرين، أحدهما مغن عن الآخر. فإن قلت: لم لا يجمع بين الإضافة وبين غير تعريف الألف واللام كالأعلام وأسماء الإشارة؟ فالجواب: أنه في ذلك أبعد لأنه إذا لم يجز الجمع بين تعريفين متساويين للاستغناء بأحدهما فلأن لا يجمع بين تعريف قوي وتعريف ضعيف استغناء بالقوى عن الضعيف أجدر. والتعريفات الأصلية أقوى من تعريفات الإضافة، فلذلك لم يجز إضافة اسم الإشارة ولا المضمر ولا العلم (٢). فأما زيد الفوارس فذاك راجع إلى تأويله بالنكرات حسب ما تقدم في الأعلام، لا على أنه أضيف مع إرادة العلمية، لأن ذلك متعذر. [قال] (٣): "وما نقله (٤) الكوفيون من قولهم: الثلاثة الأثواب فبمعزل عند أصحابنا عن القياس واستعمال الفصحاء". أما القياس فلما ذكرناه. وأما استعمال الفصحاء فنحو ما أنشده وما تمسك به الكوفيون لغة ضعيفة، فلا تقوى لمعارضة ما ذكره البصريون من القياس واستعمال الفصحاء. ووجه هذه اللغة أنهم لما رأوى الثلاثة الأثواب وبابه، المضاف والمضاف إليه في المعنى كشيء (٥) واحد، بخلاف باب غلام زيد، توهموا أنه ليس من

стр. 371

ذلك القبيل، فعرفوا الاسمين جميعاً، وهو وهم محض، فإنه لو لم يقدر التعدد لم تصح الإضافة. ألا ترى كيف امتنعت في نحو: حبس منع، وأسد سبع (١)، لما لم يكن تقدير التعدد ممكناً. فدل على ذلك أن باب الإضافة عندهم سواء. فكما لا يجوز: الغلام زيد، بالإجماع، كذلك لا يجوز: الخمسة الأثواب (٢). قال: "وتقول في اللفظية: مررت برجل حسن الوجه" (٣). يعني: أنهم لم يمتنعوا في اللفظية من تعريف الأول كما امتنعوا في المعنوية، لانتفاء مانع ذلك. ألا ترى أن اللفظية لا تفيد تعريفاً، والمانع إنما كان التعريف المفاد بالإضافة في المعنوية، فلما لم يكن ذلك ههنا لم يكن تعريف الأول ممتنعا، فلذلك جاز: الحسن الوجه، كما يجوز: الحسن، لو لم تضفه، لأن الحاجة إلى تعريفه مضافاً كالحاجة إلى تعريفه مفرداً. قال: "ولا تقول: الضارب زيد" لأن التنوين زال بالألف واللام، فلم تفد فيه الإضافة خفة (٤)، وشرط الإضافة اللفظية ذلك في مثله، فلما انتفى الشرط انتفى الحكم. وأجازه الفراء (٥)، إما لأنه لا يعتبر الخفة كما لا يعتبرها في

стр. 372

الضاربك، وإما لأنه يقدر التنوين محذوفاً للإضافة، ويقدر التعريف بعد ذلك. أما كونه لا يعتبر التخفيف فليس بمستقيم، فإنا متفقون على امتناع: الحسن وجهه، وليس إلا لذلك (١). وأما تقديره التنوين محذوفاً قبل الإضافة فليس بمستقيم، لأنا نعلم أن الألف واللام سابقة، وإذا كانت سابقة وجب إثبات حكمها سابقاً، وإذا وجب حذف التنوين لأجلها لم يبق للإضافة ما يحذف تخفيفاً. قال: "وأما الضارب الرجل، فمشبه بالحسن الوجه" (٢)، من حيث كان: الحسن الوجه، محمولا على باب: الضارب الرجل، حتى جوز فيه النصب الذي هو على خلاف المعنى. فإذا حمله عليه لمشابهته فيما هو مخالف للمعنى فلأن يجوز مشابهة أخيه به في أمر لفظي أقرب، وهي الإضافة التي هي أقوى الوجوه في الحسن الوجه. وسيأتي ذكره في بابه. قال: "وإذا كان المضاف إليه ضميراً متصلاً جاء ما فيه تنوين". يريد: أن متعلق اسم الفاعل إذا كان مضمراً لا يجوز أن يكون منصوباً به لما يؤدي إليه من التناقض. لأنهم لو نصبوا بضارب في: ضاربك، لجمعوا بين التنوين والضمير. وكونه مضمراً متصلاً يشعر أنه من تمام الأول، ودخول التنوين أو النون يشعر بانفصال الأول، فكان الجمع بينهما من قبيل التناقض. ولما كان ذلك مرفوضاً في: ضاربك، ثبت أن للمضمر المتصل بالنسبة إلى هذه الإضافة شأنا ليس لغيره وهو كونه لا يعتبر فيه التخفيف كما اعتبر في غيره لأداء ذلك إلى

стр. 373

التناقض. وإذا ثبت ذلك: اربك، ثبت مثله في: الضاربك، لأنه فرعه، فجرى الضاربك في الصحة كما جرى ضاربك (١). وهذا إذا قلنا: إن الضاربك مضاف، وأما إذا قلنا: إنه عامل في الكاف النصب سقط احتجاج الفراء به على: الضارب زيد، واستغنينا عن الجواب عنه، فهذا مقصوده في الفصل. وأورد قوله: هم الآمرون الخي والفاعلونه (٢) اعتراضاً في الجميع بين النون والمضير. وأجاب بأنه شاذ لا يعمل عليه. قال: "وكل اسم معرفة يتعرف به ما أضيف إليه إضافة معنوية". لأن الغرض فيها نسبة خصوصية بين الأول والثاني، فيلزم اكتساب التعريف لتعيينه بالخصوصية. قوله: إضافة معنوية، احتراز من الإضافة اللفظية، لما تقدم من أنها لا تفيد إلا تخفيفاً في اللفظ، والمعنى على ما كان عليه. قال: "إلا أسماء توغلت في إبهامها فهي نكرات وإن أضيفت إلى المعارف". لأنه تعذر اعتبار الخصوصية المفيدة فبقى منكراً، وذلك في (٣) نحو: غير ومثل وشبهه. لأن المثلية والغيرية تقدر بين كل شيئين. فلما توغل الإبهام فيها تعذر اعتبار الخصوصية بخلاف رجل وثوب ودار.

стр. 374

قال: "إلا إذا شهر المضاف بمغايرة (١) المضاف إليه أو بمماثله فحينئذ يمكن اعتبار الخصوصية، فيحصل التعريف لذلك. قال: "والأسماء المضافة إضافة معنوية على ضربين: لازمة للإضاءة لازمة لها". فاللازمة للإضافة كل اسم ذي نسبة توغل في الإبهام باعتبار النسبة، أو اسم الغرض بوضعه المنسوب إليه هو. فالأول كأمام وقدام وشبه. والثاني: كسوى وذو. وهي على ضربين على ما ذكر: ظروف ظروف، ولكنها لا تخرج في المعنى عما ذكرناه. وغير اللازمة للإضافة يكن كذلك، نحو: ثوب ودار، فإنه يستعمل مفرداً ومضافاً (٢). قال: "وأي إضافته إلى اثنين فصاعداً إذا أضيف إلى المعرفة" (٣). "أي" يقتضي الإضافة لأن الغرض به تفصيل المتعدد، فالمتعدد ما يوضعه. وهو في الاستفهام معناه السؤال عن تعيين جزء المتعدد باعتبار نُسب إليه. فإذا قلت: أي الرجلين عندك؟ فمعناه السؤال عن تعيين الرجلين الذي استقر عنده. ثم لا يخلو إما أن يكون السؤال عن واحد أو فإن كان السؤال عن واحد كان له طريقان: أحدهما: أن تضيفه إلى معرفة أو مجموع، عهدا في المثنى، وعهدا وجنسا في المجموع. والثاني أن إلى نكرة مفرد (٤). فتقول في الأول: أي الرجلين وأي الرجال عندك (٥)

стр. 375

الثاني: أي رجل عندك؟ وإن كان السؤال متعدد وجب إضافته إلى طبق ما يسأل عنه منكرا، فتقول: أي رجلين وأي رجال؟ ولذلك وجب أن تقول في الأول: أي الرجلين جاءك؟ وأي الرجال جاءك؟ وفي الثاني: أي رجلين جاءاك؟ وأي رجال جاؤوك؟ لأن الضمير يعود على المسؤول عنه، وهو في الأول مفرد وفي الثاني متعدد. وكأنهم لما قصدوا السؤال عن متعدد أضافوه إلى ما يطابقه، كأنهم فصلوا الجنس هذا التفصيل، ثم سألوا عن هذا الجزء الذي على هذه الصفة منه. فعلى هذا يكون قولهم: أي رجل؟ من القبيل الثاني، إلا أنه وافق الأول في المعنى من حيث كان السؤال عن مفرد، ولذلك (١) ذكره صاحب الكتاب مع المثنى والمجموع. قال: "وحق ما يضاف إليه (كلا) أن يكون معرفة (٢) ومثنى (٣) أو ما هو في معنى المثنى (٤) ". أما كونه مثنى فلأن وضعه لتأكيد المثنى، وهو لفظ مبهم يضاف لتبين ما هو له. فلو أضيف إلى غير المثنى لفسد المعنى. وأما كونه معرفة فلأن الغرض بإضافتها تبين ما هي له. فلو أضيفت إلى نكرة لم يحصل تبين، وأيضاً فإنها من ألفاظ التواكيد، والتواكيد معارف. فإن قيل: فـ "كل" كذلك باعتبار الجمع، فكان حكمها ألا تضاف إلا إلى معرفة مجموع، وقد قيل: كل رجل. فالجواب: أنهم التزموا في "كل" مثل ما التزموه في "كلا" إلا أن اسم

стр. 376

الجنس لما كان عاماً حصل معنى الجمع ومعنى التعريف، فكان في المعنى مضافاً إلى مجموع معرفة وهو المقصود. ولو فعل بكلا هذا الفعل فسد المعنى، إذ لا يصح العموم مع قصد المثنى. والأفصح أن يكون لفظ المضاف إليه لفظاً واحداً غير معطوف عليه لفظ آخر يكون باعتبارها مثنى. كأنهم قصدوا إلى إرادة تبين أن المراد الجزاءان (١) المضاف إليهما "كلا"، وقد جاء ذلك في الشعر تنزيلا للمعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، كقوله: كلا زيد وعمرو (٢). [إملاء ٧٨] [من معاني تفاعل] وقال أيضاً ممليا على قول الشاعر في المفصل (٣): إذا تخازرت وما بي من جزر ... ثم كسرت العين من غير غور (٤) تخازر الرجل: إذا ضيق جفنه ليحدد النظر، كقولك: تعامي وتجاهل، والخزر: ضيق العين وصغرها. ورجل أخزر: بين الخزر. ويقال: هو أن يكون الإنسان كأنه ينظر بمؤخرها. وموضع الاستشهاد منه ظاهر، وهو أن "تفاعل" يأتي ليريك الفاعل أنه في حال ليس فيها، كما قال: تجاهلت وتغافلت. يعني أن هذه الحال ليست ثابتة له.

стр. 377

[إملاء ٧٩] [مجيء العلم الثلاثي الساكن الوسط منصرفا وغير منصرف] وقال أيضاً ممليا على قول الشاعر في المفصل (١) لم تتلفع بفضل مئزرها ... دعد ولم تسق دعد في العلب (٢) لفع رأسه تلفيعا أي: غطاه. ولفعت المزادة أيضاً قلبتها. وتلقعت المرأة بمرطها (٣) أي: تلحفت به. واللفاع ما يتلفع به. ومعناه: أن هذه عندها رفاهية وليست كغيرها تغتذي فيما يحلب فيه، بل لها إناء غيره تسقي فيه أو تغتذي فيه. ولا تتستر بفضل مئزرها في أنها تشده في وسطها وتعمل فاضلة على رأسها، بل لها شيء آخر تلفع به رأسها. وإنما يتلفع بفضل مأزرهن البدويات والإماء الماهنات الممتهنات. وقيل: إن هذه لم تسق اللبن لا في علبة ولا في غيرها لأنها متحضرة. وإنما يشرب اللبن أهل البدو لأنهم لا يكادون يجدون الماء. وموضع الاستشهاد ظاهر. والعلب جمع علبة، وهو محلب من جلد. ويقال في جمعه أيضاً علاب.

стр. 378

[إملاء ٨٠] [إعمال جمع صيغة المبالغة إعمال الواحد] وقال أيضاً ممليا على قول الشاعر في المفصل (١): شم مهاوين أبدان الجزور مخا ... ميص العشيات لا خور ولا قزم (٢) الشمم: ارتفاع في قصبة الأنف مع استواء أعلاه. فإن كان فيها أحديداب فهو القني، يصفهم بالارتفاع، إما في النسب أو الكرم أو القدر، أو غيره. وهو مأخوذ من الشمم المذكور. وقوله: مهاوين أبدان الجزور، جمع مهوان على سبيل المبالغة، أي: ينحرونها. وقوله: مخاميص العشيات، أي: ضامرون. البطون. يصفهم بأنهم لا يبادرون إلى العشاء، بل ينتظرون من يأكل معهم من ضيف أو غيره. وقوله: لا خور ولا قزم. والخور: الضعف، يقال: رجل خوار، ورمح خوار، وأرض خوارة، والجمع خور. والقزم بالتحريك: الدناءة والقماءة. والقزم: رذال الناس وسفلتهم. يعني: ولا ضعفاء ولا رذال الناس. وموضع الاستشهاد من (٣) قوله: "مهاوين أبدان". فإنه أورده في قوله: "وما ثنى من ذلك وجمع مصححا ومكسراً يعمل عمل المفرد". و"أبدان" منصوب به. و"شم" خبر مبتدأ محذوف، وما بعده أخبار. وأضاف قوله

стр. 379

"مخاميص"، إلى العشيات، مثل قوله تعالى: ﴿بل مكر الليل﴾ (١). ويا سارق الليلة أهل الدار (٢)، على سبيل الاتساع. [إملاء ٨١] [تعقيب على كلام للزمخشري في المبتدأ والخبر] وقال مملياً [بدمشق سنة عشرين وستمائة] (٣) على قوله في المفصل (٤): "لأنهما لو جرداً لا للإسناد لكانا في حكم الأصوات التي حقها أن ينعق بها غير معربة، لأن الإعراب لا يستحق إلا بعد العقد والتركيب": جعل انتفاء الإعراب ههنا من أجل انتفاء سببه. وذكر الأصوات في المبنيات وجعل كونها مبنية لمانع منع من الإعراب وهو مناسبتها لما هو مبني في أصل وضعه (٥)، فناقض في موجب البناء وتحكمه في أحد الموضعين بانتفاء سبب الإعراب، وفي الموضع الآخر بوجود السبب لأنه إذا حكم بانتفاء الحكم لوجود "المانع فقد أثبت وجود السبب. هذا إن حملنا الأصوات ههنا على أنها هي التي قصدها ثم وهو الظاهر. فأما إذا قصد بالأصوات ههنا اللفظ الذي لا تركيب فيه، وقصد بالأصوات ثم الألفاظ التي يحكى بها صوت مع التركيب صح أن يكون الأول لانتفاء السبب والثاني لوجود المانع، أو قصد بالأصوات هنا تلك الأصوات مع عدم التركيب، وقصد بها ثم هذه مع وجود التركيب، فيكون بناؤها ههنا لانتفاء سبب الإعراب، وبناؤها ثم لوجود المانع، فيزول التناقض.

стр. 380

[إملاء ٨٢] [مسائل في الحال] وقال أيضاً مملياً على مواضع في الحال في المفصل (١). قال: "شبه الحال بالمفعول من حيث إنها مفعول فيها". كان يقتضي أن يذكر شبهه بالمفعول بعد ذكر حده، وإنما قدمه لينبه على أن المفاعيل قد انتهت وأن هذا ابتداء المشبهات، ولو أخره لم يحصل هذا الغرض إلا بانتهائه. قال: "ومجيئه (٢) لبيان هيئة الفاعل أو المفعول". فأتى بالمعنى الذي وُضع لأجله الحال فصلا يميزه عن غيره. وكذلك جميع حدود النحويين لا يمكن أن تكون إلا كذلك، لأن الألفاظ من حيث كونها ألفاظاً لا يختلف بعضها عن بعض بحقيقة نفسية بل كلها حقيقة واحدة. وإنما تختلف من جهة الموضوعات، فتجعل الموضوعات كأنها حقائق لها تقديراً، وتحد بها. ولما تحقق ذلك وأراد حد الحال ذكر المعنى الذي وضع لأجله الحال، وجعله فصلا لأنه هو الذي يميزه عن غيره. ويرد عليه في قوله: بيان لهيئة الفاعل أو المفعول، أن يقال: جاء زيد العاقل، بيان لهيئة زيد وهو فاعل، فهو بيان لهيئة الفاعل (٣) وليس بحال. وجوابه أن يقال: قوله: بيان لهيئة الفاعل، تنبيهاً على اعتبار الفاعلية في بيان الهيئة. وفي قولك: جاء زيد العاقل، لم تجيء بالعاقل بياناً لزيد باعتبار الفاعلية، وإنما جئت به بياناً باعتبار الذات لا باعتبار كونها فاعلة، فحصل الغرض من الفرق بينهما. وقوله: "لقيته مصعداً ومنحدراً". وقع في بعض النسخ: مصعداً منحدراً،

стр. 381

بلا واو، ولكل وجه. ولكن الغرض الذي قصده صاحب الكتاب إنما يستقيم بالواو لأنه قصد إلى مجيء الحالين فيهما بعد ثبوتهما جمعاً وتفريقاً. وإذا صح مجيئهما جمعاً وجب عند تفريقهما أن يكون بالعطف. بيانه في الصفات أنك تقول: مررت بزيد وعمرو العاقلين، فإذا فرقت ما تعذر فيه الجمع جمعت بينهما بالواو فقلت: مررت بزيد وعمرو العاقل والجاهل. كذلك إذا قصدت ههنا تفريق ما قصدت إلى جمعه معنى وتعذر لفظاً قلت: لقيته مصعداً ومنحدراً. نعم لو لم ترد الجمع بين الحالين في المعنى وقصدت إلى أن تجعل مصعداً حالاً من المفعول ثم انعطفت إلى بيان ذكر الفاعل فقلت: منحدراً، لوجب أن يكون بغير واو، كما أنك لو قلت: مررت بزيد وعمرو العاقل، وكان العاقل نعتاً لعمرو، ثم خطر لك أن تصف بصفة هو عليها لوجب أن تقول: الجاهل. قال: "والعامل فيها فعل وشبهه (١) من الصفات". قال الشيخ: لابد للحال من عامل كسائر المعربات، وعامله هو الذي اقتضى التقييد، والمقتضى للتقييد هو الفعل إذ لولاه لم يكن حال، إذ الحال بيان هيئة الفاعل من حيث هو فاعل، وهذا إنما يكون بالفعل. فالفعل إذن هو الذي اقتضى هذه الحال، فيجب أن يكون هو الحال. قوله: "وقد منعوا في (٢): مررت راكباً بزيد" إلى آخره. قال الشيخ: للنحويين في هذا خلاف، منهم من يمنعه وهم أكثر البصريين. فمن منعه فحجته أنه لم يوجد في كلام العرب، ولا يمكن حمله على المرفوع والمنصوب وإن لم يسمع لظهور الفرق بينهما. وبيانه هو: أن الحال في المعنى معمولة لما

стр. 382

عمل في صاحبها، والعامل في صاحبها هو الفعل والجار جميعاً. إلا أن عمل الجار لفظي وعمل الفعل معنوي، فينبغي أن يكونا عاملين في الحال من حيث اللفظ والمعنى، إلا أنهما ههنا بالعكس، عمل الفعل لفظي وعمل الحرف معنوي، والعرب لا تقدم معمول الجار عليه. فكما لا يجوز تقدم زيد على الباء فكذلك لا يجوز تقدم فرعه الذي هو حاله ومعمول عامله على الباء. وقد أجازه بعض النحويين حمكماً عليه بأنه كالمرفوع والمنصب (١)، ولم ينتبهوا للفرق، ولولا الفرق لكان الأمر على ما قالوه (٢). قوله: "ومن حقها أن تكون نكرة وذو الحال معرفة". والذي يدل على كونها نكرة أمران: أحدهما: الفرق بينها وبين الصفة في كثير من المواضع، لأنك لو قلت: ضربت زيداً القائم، لاشتبه بالصفة. الثاني: أن المقصود الهيئة، والهيئة تحصل بالنكرة كما تحصل بالمعرفة. إلا أن النكرة أولى لخفتها لفظاً وتقديراً. أما اللفظ فلأن قولك: قائم، أخف من قولك: القائم. وأما التقدير فلأن أصل الأسماء التنكير، وما كان أصلاً كان أخف (٣). قوله: "وذو الحال معرفة". ليس بلازم أن يكون ذو الحال معرفة إلا في الحال الذي لا يجب تقديمها وهو الذي قصده، لأن ذا الحال قد يكون نكرة وتكون الحال واجبة (٤) تقديمها.

стр. 383

وقد قال في آخر الفصل: "وتنكير ذي الحال قبيح إلا إذا قمت عليه" (١). فلا يجمع بين الكلامين إلا بما ذكرناه. وقوله: "أنا فلان بطلا شجاعاً وكريماً جواداً". إنما يريد إذا اشتهر الشخص بهذه الصفات فحينئذ تأتي مؤكدة لأنه ذلك الشخص، ولذلك قال: "فتحقق ما أنت متسم به وما هو ثابت لك في نفسك". وقوله: "زيد أبوك منطلقاً أو أخوك أحلت" (٢). لا يستقيم أن يكون حالاً لا مقيدة ولا مؤكدة. أما المؤكدة فلا يستقيم إذ لا نسبة بين الانطلاق وبين الأبوة في التقدير والتحقيق. ولا يستقيم أن تكون مقيدة لاستحالة المعنى، إذ يصير المعنى (٣): أبوك في حال كونه منطلقاً، فلا تجوز إلا إذا أردت التبني والصداقة، لأن المعنى: يرجع زيد مثل أبيك. وكونه مثله يقبل التقييد، فجاء التقييد للمماثلة، فيكون قد أخبر بأنه مماثل لأبيه في حال الانطلاق خاصة، ولا يكون من هذا الباب، وكذلك أخوك. قال: "والجملة تقع حالاً". قد تقدم (٤) أن الجمل نكرات فيصح وقوعها أحوالاً. ولا تخلو من أن تكون اسمية أو فعلية. فالاسمية بالواو على المختار، إلا أن لا يكون فيها ضمير فيجب إثبات الواو، ولما التزم إثبات الواو مطلقاً، جعل: "فوه إلى في" شاذا (٥). وتأول: لقيته عليه جبة وشي، وجعل "عليه" هو الحال،

стр. 384

وجبة: فاعل، فدل بهذا على أنها لا تكون جملة لا اسمية ولا فعلية. وإن كانت فعلية لم يخل الفعل من أن يكون مضارعاً أو ماضيا، لأن الأمر لا يقع لأنه إنشاء، والحال خبر، فلم يبق إلا الماضي والمضارع. والمضارع مثبت ومنفي، فالمثبت بغير واو، مثاله: جاء زيد يضرب عمراً، لأنه بمنزلة اسم الفاعل لفظاً ومعنى، فاستغنى عن الرابط، ولا يكون إلا بضمير كاسم الفاعل، فيه أو فيما يعمل فيه. وإن كان منفياً جاز إثبات الواو وحذفها. أما حذفها فلأنه كاسم الفاعل في المعنى فأجرى مجراه. وأما إثباتها فلأن النفي في المعنى هو الحال منسوباً إلى الفعل، فبعد عن اسم الفاعل فاحتاج إلى الواو. وأما الماضي إن كان مثبتاً (١) فهو كالمضارع المنفي في جواز الأمرين لقربه من اسم الفاعل من وجه (٢) وبعده من وجه. أما قربه فلأنه مثله في المعنى. وأما بعده فلأنه ليس على وزن اسم الفاعل. وأما الماضي المنفي فإثبات الواو أحسن لأنه أبعد منهما بالوجهين المتقديمن فكان إثباتها أحسن. وهذا إذا كان فيه ضمير. وأما إذا انتفى الضمير فلابد من الواو (٣). قال: وقوله: "أخذته بدرهم فصاعداً". هذا إنما يكون في أشياء متعددة

стр. 385

اشترى أقلها بدرهم وبعضها بأكثر. فذكر أقل الأثمان أولاً ثم أتبع ذكر الزائد منصوباً. على أن المعنى: فذهب الثمن في بعضه زائداً على الدرهم، واختصر الكلام لكثرته وعلمهم. ولو خفضت لم يستققم، لما فيها من التعقيب مع العطف، فيؤدي إلى أن يكون الثمن في وقت أكثر من وقت في بيع واحد. وأيضاً لو سلم من التعقيب أدى إلى أن يكون الثمن الدرهم والزائد، فيفسد المعنى من حيث إنه يصير الثمنان لشيء واحد، وليس هو المراد. وإنما المراد ما تقدم. ولا تستقديم الواو لا خفضاً ولا نصباً. أما الخفض فلفساد الجمع بين الثمنين لشيء واحد. والنصب لما فيها من معنى الجمعية، وغرض المتكلم أن يتبع ذلك الثمن ثمناً آخر، وهذا إنما يحصل بالفاء. وأما "ثم" فقد جاءت قليلاً لما فيها من معنى الاتباع. إلا أن الفاء أولى منها لأمرين: أحدهما: أنها أخف. والآخر: أن في "ثم" دليل المهلة ولا حاجة إليه. [إملاء ٨٣] [مسائل في التمييز] التمييز. قال صاحب الكتاب (١): "وهو رفع الإبهام في جملة أو مفرد بالنص على أحد محتملاته". قوله: رفع الإبهام، يجوز أن يكون أراد المعنى وجاء به حداً، لأنه هو المقصود، ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: دليل رفع الإبهام، ويجوز أن يكون الرفع بمعنى الرافع، ويرد عليه الحال، لأن قولك: جاء زيد، يحتمل أن يكون راكباً، ويحتمل غير ذلك. كما أنك إذا قلت: عشرون، احتمل أن يكون ديناراً، وغير ذلك. وأجيب بأن هذا إبهام محقق في قولك: عشرون، لأنك لا تعلم أن العشرين دراهم أو دنانير، بخلاف

стр. 386

قولك: جاء زيد، فإنه لا لبس فيهما ولا في تركيبهما. فإن لفظة "زيد" لا إبهام فيها. ولفظة "جاء" كذلك. ونسبة المجيء إلى زيد كذلك. فلذلك قال: في مفرد أو جملة. معناه: يكون الإبهام حاصلاً بخلاف قولك: جاء زيد، فإنه إبهام تقديري باعتبار الوجود وإن سلم وروده، فينبغي أن يريد في قوله: رفع الإبهام في جملة أو مفرد، عن ذات، والحال إنما هو رفع إبهام عن هيئات. وإذا وردت الصفة في النكرات فليس هو رفع إبهام في الموصوف وإنما هو تخصيص له. وإن كان في معرفة فليس الإبهام محققاً وإنما هو تقديري بعيد لاحتمال أن يقع. وأشكل ما يرد عليه صفة المشتركات كقولك: أعجبتني العين الباصرة. فإن العين تحتمل أشياء مختلفة كما يحتملها عشرون فيدخل في حد التمييز. والجواب: أن العين لها دلالة على كل واحد من مدلولاتها على البدل. وإنما جاء الإبهام اتفاقاً لأجل الاشتراك بخلاف، "عشرون" وشبهه، فإنه لا دلالة فيه على واحد من الذوات المخصوصة، والإبهام محقق، وقد حصل الفرق بما يخرج عن الحد. والتمييز لا يكون إلا في جملة، وإنما غرضه أن يكون الإبهام عن جملة تارة وعن مفرد أخرى. والفرق بينهما أنك إذا قلت: عشرون، كان الإبهام في نفس المفرد الذي هو عشرون. وإذا قلت: طاب زيد، فطاب ليس فيه إبهام، وزيد ليس فيه إبهام. وإنما نشأ الإبهام من نسبة الطيب إلى ما يتعلق بزيد، وهو ذوات مختلفة غير مذكورة (١)، فاحتاج إلى التبيين. وقوله: "أبرحت جاراً" (٢). يجوز أن يكون الممدوح هو الجار، ويكون المعنى: أبرح جارك، أي: عظم جارك. ويجوز أن يكون هو نفس المذكور، أي: أبرحت باعتبار كونك جاراً.

стр. 387

وقوله: "باعتبار معنى" (١)، يعني في الاسم غير الصفة، احتراز من قولك: حسنت وجهاً، فإن الحسن لنفس الوجه لا باعتبار معنى آخر، بخلاف قولك: لله دره فارساً، فإنه لا يحتمل إلا المعنى الثاني. والفرق بينهما: أن كل تمييز عن جملة هو اسم غير صفة باعتبار معنى جاز فيه الوجهان، مثل قولك: عظمت أبا وعما وخالاً. إلا أن يرد ما يمنع فيه تقدير الغير، كقولك: طاب زيد نفساً. وكل تمييز كان صفة لم يحتمل إلا وجهاً واحداً. وقوله: "امتلأ الإناء ماء". يقال: إن التمييز عن الجمل هو في الحقيقة واقع موقع المنسوب إليه. فإذا قلت: طاب زيد أبا وما أشبهه، الطيب منسوب إلى النفس، فالمعنى: طاب أبو زيد. فينبغي على هذا أن يكون التقدير: امتلأ ماء الإناء، وهو غير معروف، فالجواب: أن أصله أن يقال: ملأت الماء فامتلأ، ثم كثر استعمالهم نسبة الامتلاء إلى الإناء حتى صار كأنه من صفته، فصار ذكر الماء بعده مفارقاً لـ "نفساً" في قولك: طاب زيد نفساً. وفي الحقيقة ما جاء إلا على الأصل المذكور في أن أصله: امتلأ ماء الإناء، كما قيل: إن أصلك طاب زيد نفساً، طابت نفس زيد. ثم قيل: امتلأ الإناء ماء، كما قيل: طاب زيد نفساً. و ﴿فجرنا الأرض عيوناً﴾ (٢): يتوهم أن التفجير من صفة الأرض، وليس هو إلا للماء. يدل عليه قوله: ﴿فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ (٣) فالأصل: فجرت عيون الأرض، وفجرنا عيون الأرض، فهو مثل قولك: امتلأ الإناء ماء. إلا أن هذا مفعول وذلك فاعل. ففجرنا الأرض عيوناً، مثل قولك: ملأت الإناء ماء. وامتلأ الإناء ماء، مثل قولك: انفجرت الأرض عيوناً.

стр. 388

قال: "ولا ينتصب المميز عن مفرد إلا عن تمام" (١) ز قال: "والذي يتم به أربعة أشياء". قوله: "التنوين". إن أراد به التنوين الملفوظ به والمقدر فهو باطل بقوله: "فالزائل التمام (٢) بالتنوين"، والتنوين المقدر لا يزول. وإن أراد بالتنوين الأول اللفظي لم يكن حاصراً لما يكون به التمام، لأن أحد عشر تمام بالتنوين المقدر. وكان الأولى أن يقول: بالتنوين الملفوظ به والمقدر، ويقول ثانياً: فالزائل التمام بالتنوين الملفوظ به. قال: "فالزائل التمام بالتنوين ونون الثتنية". فأنت بالخيار، يعني: أنك بالخيار، إن شئت أن تزيل هذا التمام بأن تنسبه إلى تمييزه نسبة المضاف إلى المضاف إليه فتخفض، كما تقول: خاتم حديد. وإن شئت بقيت الأول تاماً، فيكون الثاني فضلة فينتصب كما تنتصب سائر الفضلات. وكذلك في نون التثنية. قوله: "واللازم التمام بنون الجمع والإضافة". إن قيل: فنون الجمع قد تكون زائلة في قولك: مررت برجال حسني وجه وحسنين وجهاً، لا خلاف في جواز هذا. فجوابه: أن هذا منصوب في المعنى عن جملة، لأن معنى قولك: حسني وجه، حسنو وجوهاً. فهو منتصب في المعنى عن جملة لا عن مفرد. وقد بينا الانتصاب عن المفرد وعن الجملة. وإن الانتصاب عن الجملة راجع إلى مثل هذا. وإنما لزم التمييز عن مفرد إذا كان جمعاً النصب، لأنه لا يكون إلا في "عشرون" إلى "تسعون"، وهذا تلزمه النون؛ لأنه لو أضيف لكان إما تثبت

стр. 389

نونه أو تحذف، فكرهوا حذفها لأنه ليس بجمع على الحقيقة، وكرهوا إثباتها لأنه يشبه الجمع. وأما المثنى فهو مثنى على الحقيقة. فجاز حذف نونه قياساً على سائر المثنيات عند الإضافة. قال: "وتمييز المفرد أكثر (١) فيما كان مقداراً". وقد يكون فيما ليس إياها كقولهم: لله دره فارساً. ولم يذكر له ضابطاً. وحقيقته أنه راجع إلى معنى الانتصاب عن الجملة كما ينتصب "أبا" في قولك: الطيبون أبا، وإن كانت صورته صورة المفرد فهو راجع إلى معنى الجملية. لأن معنى قولك: الطيبون، طابوا أبا. ولم يجيء التمييز فيه إلا بهذا الاعتبار، وكذلك: لله دره فارساً، وحسبك به ناصراً، معناه: اكتف به نصرة، وأتعقب منه فروسية، وأعظمه رجولية. والذي يبين أنه منتصب باعتبار الجملية أن كل تمييز عن معنى جملي يجوز فيه الجمع والإفراد إن كان المعنى يحتمله. وكل تمييز عن مفرد لا يجوز فيه إلا الأفراد كـ "عشرون درهماً". وهذا يجوز أن يكون جمعاً، لأنك لو قلت: لله درهم فرساناً، لكان جيداً. فيتبين أنه منتصب عن معنى جملي لا عن إفراد. قال: "ولقد أبي سيبويه تقدم المميز على عامله" (٢). لا يجوز تقدم التمييز مطلقاً (٣) لأمرين: أحدهما: أن العامل فيه كله الأمر المحتاج إلى

стр. 390

التبيين، وليس هو بالفعل. فالعامل في "درهما" قولك: عشرون، لاقتضائه تفسيراً. والعامل في قولك: طاب زيد نفساً، الإبهام في الأمور المحتملة المنسوب إليها الطيب، وقد أجمعنا على أن: درهما عشرون، لا يجوز، فكذا هذا. والآخر: سلمنا أن العامل الفعل في أحدهما: ولكن التمييز في المعنى موصوف قدمت صفته لغرض، فإذا قدم زال ذلك الغرض فيفوت ذلك المعنى (١)، والمميزات كلها في الحقيقة موصوفات لما انتصب عنه، وما انتصب عنه صفات لها، لأن قولك: عشرون درهماً، معناه: دراهم عشرون. وكذلك: منوان (٢) سمنا، معناه: سمن منوان. وكذلك: طاب زيد نفساً، لأن النفس هو الموصوف بالطيب في المعنى. [إملاء ٨٤] [مسائل في حذف "كان "] وقال أيضاً مملياً على المفصل (٣) على قوله: الخبر والاسم في بابي: كان وإن. قال: "لما شبه العامل في البابين بالفعل المتعدي شبه ما عمل فيه بالفاعل والمفعول". كلامه هذا يشعر بأن اسم "كان" وأخواتها مشبه بالفاعل. ولم يذكره في المشبهات بالفاعل. فإما أن يكون خالف قوله ثم بقوله ههنا، وإما أن يريد بقوله: "شبه ما عمل فيه بالفاعل" المرفوع في "كان" دون "إن"، لأنه قد يجمل الشيء ويراد به التفصيل، وهذا أولى ليجمع (٤) بين الأول والثاني من
следующие страницы →