← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 124755

أمالي ابن الحاجب

ابن الحاجب

Полный текст (865 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

قولك: جاء زيد، فإنه لا لبس فيهما ولا في تركيبهما. فإن لفظة "زيد" لا إبهام فيها. ولفظة "جاء" كذلك. ونسبة المجيء إلى زيد كذلك. فلذلك قال: في مفرد أو جملة. معناه: يكون الإبهام حاصلاً بخلاف قولك: جاء زيد، فإنه إبهام تقديري باعتبار الوجود وإن سلم وروده، فينبغي أن يريد في قوله: رفع الإبهام في جملة أو مفرد، عن ذات، والحال إنما هو رفع إبهام عن هيئات. وإذا وردت الصفة في النكرات فليس هو رفع إبهام في الموصوف وإنما هو تخصيص له. وإن كان في معرفة فليس الإبهام محققاً وإنما هو تقديري بعيد لاحتمال أن يقع. وأشكل ما يرد عليه صفة المشتركات كقولك: أعجبتني العين الباصرة. فإن العين تحتمل أشياء مختلفة كما يحتملها عشرون فيدخل في حد التمييز. والجواب: أن العين لها دلالة على كل واحد من مدلولاتها على البدل. وإنما جاء الإبهام اتفاقاً لأجل الاشتراك بخلاف، "عشرون" وشبهه، فإنه لا دلالة فيه على واحد من الذوات المخصوصة، والإبهام محقق، وقد حصل الفرق بما يخرج عن الحد. والتمييز لا يكون إلا في جملة، وإنما غرضه أن يكون الإبهام عن جملة تارة وعن مفرد أخرى. والفرق بينهما أنك إذا قلت: عشرون، كان الإبهام في نفس المفرد الذي هو عشرون. وإذا قلت: طاب زيد، فطاب ليس فيه إبهام، وزيد ليس فيه إبهام. وإنما نشأ الإبهام من نسبة الطيب إلى ما يتعلق بزيد، وهو ذوات مختلفة غير مذكورة (١)، فاحتاج إلى التبيين. وقوله: "أبرحت جاراً" (٢). يجوز أن يكون الممدوح هو الجار، ويكون المعنى: أبرح جارك، أي: عظم جارك. ويجوز أن يكون هو نفس المذكور، أي: أبرحت باعتبار كونك جاراً.

стр. 387

وقوله: "باعتبار معنى" (١)، يعني في الاسم غير الصفة، احتراز من قولك: حسنت وجهاً، فإن الحسن لنفس الوجه لا باعتبار معنى آخر، بخلاف قولك: لله دره فارساً، فإنه لا يحتمل إلا المعنى الثاني. والفرق بينهما: أن كل تمييز عن جملة هو اسم غير صفة باعتبار معنى جاز فيه الوجهان، مثل قولك: عظمت أبا وعما وخالاً. إلا أن يرد ما يمنع فيه تقدير الغير، كقولك: طاب زيد نفساً. وكل تمييز كان صفة لم يحتمل إلا وجهاً واحداً. وقوله: "امتلأ الإناء ماء". يقال: إن التمييز عن الجمل هو في الحقيقة واقع موقع المنسوب إليه. فإذا قلت: طاب زيد أبا وما أشبهه، الطيب منسوب إلى النفس، فالمعنى: طاب أبو زيد. فينبغي على هذا أن يكون التقدير: امتلأ ماء الإناء، وهو غير معروف، فالجواب: أن أصله أن يقال: ملأت الماء فامتلأ، ثم كثر استعمالهم نسبة الامتلاء إلى الإناء حتى صار كأنه من صفته، فصار ذكر الماء بعده مفارقاً لـ "نفساً" في قولك: طاب زيد نفساً. وفي الحقيقة ما جاء إلا على الأصل المذكور في أن أصله: امتلأ ماء الإناء، كما قيل: إن أصلك طاب زيد نفساً، طابت نفس زيد. ثم قيل: امتلأ الإناء ماء، كما قيل: طاب زيد نفساً. و ﴿فجرنا الأرض عيوناً﴾ (٢): يتوهم أن التفجير من صفة الأرض، وليس هو إلا للماء. يدل عليه قوله: ﴿فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا﴾ (٣) فالأصل: فجرت عيون الأرض، وفجرنا عيون الأرض، فهو مثل قولك: امتلأ الإناء ماء. إلا أن هذا مفعول وذلك فاعل. ففجرنا الأرض عيوناً، مثل قولك: ملأت الإناء ماء. وامتلأ الإناء ماء، مثل قولك: انفجرت الأرض عيوناً.

стр. 388

قال: "ولا ينتصب المميز عن مفرد إلا عن تمام" (١) ز قال: "والذي يتم به أربعة أشياء". قوله: "التنوين". إن أراد به التنوين الملفوظ به والمقدر فهو باطل بقوله: "فالزائل التمام (٢) بالتنوين"، والتنوين المقدر لا يزول. وإن أراد بالتنوين الأول اللفظي لم يكن حاصراً لما يكون به التمام، لأن أحد عشر تمام بالتنوين المقدر. وكان الأولى أن يقول: بالتنوين الملفوظ به والمقدر، ويقول ثانياً: فالزائل التمام بالتنوين الملفوظ به. قال: "فالزائل التمام بالتنوين ونون الثتنية". فأنت بالخيار، يعني: أنك بالخيار، إن شئت أن تزيل هذا التمام بأن تنسبه إلى تمييزه نسبة المضاف إلى المضاف إليه فتخفض، كما تقول: خاتم حديد. وإن شئت بقيت الأول تاماً، فيكون الثاني فضلة فينتصب كما تنتصب سائر الفضلات. وكذلك في نون التثنية. قوله: "واللازم التمام بنون الجمع والإضافة". إن قيل: فنون الجمع قد تكون زائلة في قولك: مررت برجال حسني وجه وحسنين وجهاً، لا خلاف في جواز هذا. فجوابه: أن هذا منصوب في المعنى عن جملة، لأن معنى قولك: حسني وجه، حسنو وجوهاً. فهو منتصب في المعنى عن جملة لا عن مفرد. وقد بينا الانتصاب عن المفرد وعن الجملة. وإن الانتصاب عن الجملة راجع إلى مثل هذا. وإنما لزم التمييز عن مفرد إذا كان جمعاً النصب، لأنه لا يكون إلا في "عشرون" إلى "تسعون"، وهذا تلزمه النون؛ لأنه لو أضيف لكان إما تثبت

стр. 389

نونه أو تحذف، فكرهوا حذفها لأنه ليس بجمع على الحقيقة، وكرهوا إثباتها لأنه يشبه الجمع. وأما المثنى فهو مثنى على الحقيقة. فجاز حذف نونه قياساً على سائر المثنيات عند الإضافة. قال: "وتمييز المفرد أكثر (١) فيما كان مقداراً". وقد يكون فيما ليس إياها كقولهم: لله دره فارساً. ولم يذكر له ضابطاً. وحقيقته أنه راجع إلى معنى الانتصاب عن الجملة كما ينتصب "أبا" في قولك: الطيبون أبا، وإن كانت صورته صورة المفرد فهو راجع إلى معنى الجملية. لأن معنى قولك: الطيبون، طابوا أبا. ولم يجيء التمييز فيه إلا بهذا الاعتبار، وكذلك: لله دره فارساً، وحسبك به ناصراً، معناه: اكتف به نصرة، وأتعقب منه فروسية، وأعظمه رجولية. والذي يبين أنه منتصب باعتبار الجملية أن كل تمييز عن معنى جملي يجوز فيه الجمع والإفراد إن كان المعنى يحتمله. وكل تمييز عن مفرد لا يجوز فيه إلا الأفراد كـ "عشرون درهماً". وهذا يجوز أن يكون جمعاً، لأنك لو قلت: لله درهم فرساناً، لكان جيداً. فيتبين أنه منتصب عن معنى جملي لا عن إفراد. قال: "ولقد أبي سيبويه تقدم المميز على عامله" (٢). لا يجوز تقدم التمييز مطلقاً (٣) لأمرين: أحدهما: أن العامل فيه كله الأمر المحتاج إلى

стр. 390

التبيين، وليس هو بالفعل. فالعامل في "درهما" قولك: عشرون، لاقتضائه تفسيراً. والعامل في قولك: طاب زيد نفساً، الإبهام في الأمور المحتملة المنسوب إليها الطيب، وقد أجمعنا على أن: درهما عشرون، لا يجوز، فكذا هذا. والآخر: سلمنا أن العامل الفعل في أحدهما: ولكن التمييز في المعنى موصوف قدمت صفته لغرض، فإذا قدم زال ذلك الغرض فيفوت ذلك المعنى (١)، والمميزات كلها في الحقيقة موصوفات لما انتصب عنه، وما انتصب عنه صفات لها، لأن قولك: عشرون درهماً، معناه: دراهم عشرون. وكذلك: منوان (٢) سمنا، معناه: سمن منوان. وكذلك: طاب زيد نفساً، لأن النفس هو الموصوف بالطيب في المعنى. [إملاء ٨٤] [مسائل في حذف "كان "] وقال أيضاً مملياً على المفصل (٣) على قوله: الخبر والاسم في بابي: كان وإن. قال: "لما شبه العامل في البابين بالفعل المتعدي شبه ما عمل فيه بالفاعل والمفعول". كلامه هذا يشعر بأن اسم "كان" وأخواتها مشبه بالفاعل. ولم يذكره في المشبهات بالفاعل. فإما أن يكون خالف قوله ثم بقوله ههنا، وإما أن يريد بقوله: "شبه ما عمل فيه بالفاعل" المرفوع في "كان" دون "إن"، لأنه قد يجمل الشيء ويراد به التفصيل، وهذا أولى ليجمع (٤) بين الأول والثاني من

стр. 391

غير تناقض. والذي يدل عليه أن حد الفاعل بحد يدخل فيه اسم "كان" وقال (١): "هو ما كان المسند إليه من فعل أو شبهه مقدماً عليه". و"كان" كذلك. ثم قال: "ويضمر العامل في خبر كان". وخص "كان" بالذكر لئلا يتوهم أن أخواتها مثلهاز ومثل بقوله: إن خيراً فخير. وفي (٢) هذه المسألة أربعة أوجه: نصبهما، ورفعهما، ونصب الأول ورفع الثاني، ورفع الأول ونصب الثاني. أما نصب الأول فقوى على إضمار "كان"، وإنما أضمرت "كان" دون غيرها لأنها كثرت في الاستعمال، ولما كثر في الاستعمال شأن في التخفيف، أو لأن معناها إذا حذفت لا يخل، فجاز فيها الحذف لذلكز وأما الرفع في الأول فضعيف، وله وجهان (٣): أحدهما: وهو الأضعف، هو الذي ذكره صاحب الكتاب (٤) فقال: تقديره كان خيراً. وضعفه عن الرفع من وجهين، أحدهما: أنه قدر الفعل الماضي مع وجود الفاء وهو متعذر، إذ لا يقالك إن أكرمتني فأكرمتك. الثاني: أن حذف المبتدأ بعد فاء الجزاء (٥) أقرب من حذف الفعل والفاعل. فتحقق من ذلك أن نصب الأول ورفع الثاني هو الوجه (٦)، لأنك

стр. 392

جمعت فيه بين وجهيهما القويين (١). وعكس ذلك ضعيف فيهما جداً، لأنك جمعت فيهما بين وجهيهما الضعيفين. ونصبهما جميعاً ضعيف باعتبار الثاني دون الأول (٢). ورفعهما جميعاً ضعيف باعتبار الأول دون الثاني (٣). وأما قوله: إما أقمت وأما أنت مرتحلاً (٤) فتقديره كما قال: لأن كنت منطلقاً انطلقت. فأن مصدرية موصولة بكان المحذوفة. ولما حذفت عوضت عنها ما يوجب أن يكون الفاعل منفصلا لحذف ما يتصل به، مثل قوله سبحانه: ﴿قل لو أنتم تملكون﴾ (٥). ومنطلقاً: خبر كان. وجاز حذف "كان" على ما تقدم، وعوضت "ما" لأن "أن" موصولة بالفعل مقتضية له، ولم تعوض في "إن" وإن كانت مقتضية، لأمرين: أحدهما: أن "إن" أكثر في الاستعمال. والآخر: أن "ما" مع أن صلة له. فـ "أن" غير مسقتلة إلا بصلتها، وأما "إن" فمستقلة بمعناها، فلا يلزم من

стр. 393

التعويض فيما لا يستقل التعويض في المستقل. وقوله: أما أنت ذا نفر فإن قومي لم تأكلهم الضبع (١) دخول الفاء ههنا في المعنى كدخولها في جواب الشرط، لأن قولك: أن كنت منطلقاً انطلقت، بمعنى قولك: إن كنت منطلقاً انطلقت، لأن الأول سبب للثاني في المعنى. فلما كان كذلك دخلت دلالة على السببية كما تدخل في جواب الشرط، فلهذا المعنى جاءت الفاء بعد الشرط المحقق والتعليل، وهي لهما جميعا في المعنى، قال شاعرهم: إما أقمت وأما أنت مرتحلا ... فالله يكلأ ما تأتي وما تدر [إملاء ٨٥] [المنصوب بلا التي لنفي الجنس] قال صاحب الكتاب (٢): "هي كما ذكرت محمولة على إن"، قال الشيخ: يشترط في نصبها أن يكون مضافاً أو مضارعاً للمضاف (٣)، لأنه إذا لم

стр. 394

يكن كذلك كان مبنيا على الفتح غير معرب. وعلة بنائه تضمنه معنى الحرف، لأن قولك: لا رجل في الدار، متضمن معنى قولك: لا من رجل في الدار. ولم يبن إذا كان مضافاً لوجهين: أحدهما: أنهم كرهوا أن يبنوا متعددات. والآخر: أن الإضافة أقوى خواص الأسماء، فقابلت ذلك التضمن، فرجع الاسم إلى أصله. والدليل على أن المفرد مبني أنه غير منون، ولا مانع منه لولا البناء. والدليل على أن المضاف والمشبهه بالمضاف معرب التنوين عند الإمكان في قولك: لا ضارباً زيداً في الدار، ووجوب نصب صفته في قولك: لا غلام رجل أفضل منك موجود. وقوله: "لا نسب اليوم ولا خلة (١) على إضمار فعل". وقع منه غلطاً، وإلا فلا خلاف أن المعطوف على المنفي بلا يجوز فيه النصب، سواء كررت "لا" أو لا، كقولك: لا حول ولا قوة. وقد ذكر ذلك فيما بعد في فصلك لا حول ولا قوة. وقد أورد هذا البيت النحويون مستشهدين به في نصب المعطوف على اللفظ. وأما قوله: ألا رجلا جزاه الله خيراً ... يدل على محصلة تبيت (٢)

стр. 395

فهذا هو الذي يستقيم فيه ما ذكر، لأن "لا" فيه لم تقع متكررة بعد أخرى. فإما أن ينتصب على إضمار فعل كما ذكره الخليل؛ وهو أولى لأنه أبعد عن الضرورة إذ حذف الفعل كثير. وإما أن ينون ضرورة كما زعم يونس (١). فإن قيل: فهل يجوز أن يكون "رجلا" منصوباً بفعل دل عليه "جزى" كأنه قال: ألا جزى الله رجلاً خيراً، وتكون "ألا" للاستفتاح، مثلها في: ألا قام زيد، و ﴿ألا إن وعد الله حق﴾ (٢)؟ قلت: هو مستبعد مع جوازه لفظاً ومعنى. أما المعنى فهو أنه لم يرد أن يدعو لرجل على هذه الصفة، إنما قصده طلبه، فنصبه على ذلك المعنى يفسد معنى الطالب. وأما اللفظ فإن قوله: يدل، على هذا التأويل، صفة لرجل، وقد فصل بينه وبينه بالجملة المفسرة وهي أجنبية. قال: "وما حقها أن يكون نكرة" (٣)، لأن وضعها لنفي المتعددات، وهذا يقتضي التنكير. ولذلك إذا وقعت المعرفة وجب التكرير لويفر ما يقتضيه من التعداد (٤) وشبهها سيبويه برب لذلك (٥). وأما قوله: "لا هيثم" (٦) وشبهه مما ذكر، فعلى تقدير التنكير، يعني: أن

стр. 396

"مثل" مقدرة في المعنى، فصار نكرة في المعنى، فصح دخول "لا" عليه. و"مثل" وإن أضيف إلى المعرفة فهي نكرة. واعلم أن كل موضع حذفت منه "مثل"، فلا يخلو الاسم الباقي من أن يكون مضافاً أو مفرداً. فإن كان مضافاً فلا إشكال أنه معرب على كل تقدير، مثل قولك: ولا أبا حسن لها (١)، وشبهه. وإن كان مفرداً كان مبنيا، لأن حكم المضاف بعد "لا" غير حكم المفرد في اللفظ. وعند حذف المضاف رجع الباقي مفرداً، فيجب إعطاؤه حكم المفرد وهو البناء، ولذلك قالوا: لا هيثم. ولو كان معرباً لوجب أن يقال: لا هيثما. وأما: لا بصرة، فلا دليل منه لأنه يصح أن يقدر معرباً ومبنيا، ولكن يحكم عليه بالبناء لما تقدم. قال: "وتقول: لا أب لك"، إلى آخره، في: لا أب لك ولا غلامين لك وشبهه مما كان مفرداً ودخلت اللام للاختصاص بينه وبين من نسب إليه وجهان: أحدهما: وهي اللغة الفصيحة إجراؤه مجرى المفرد المقطوع عن الإضافة وإعطاؤه حكم البناء، إما بالحركات إن قبلها أو بحروف النصب إن لم يقبلها، أعني الحركات (٢)، واللغة الأخرى إجراؤه مجرى المضاف وإعطاؤه حكمه من الإعراب بالحركات أو الحروف. فمن المواضع ما يظهر بين اللغتين الفرق لفظاً كقولك: لا أبا لك ولا غلامي لك. فإن الإعراب بالألف في: لا أبا، أثره الإضافة، وحذف النون في: لا غلامي لك، أثر الإضافة، ومنه ما لا

стр. 397

يظهر لفظاً، كقولك: لا غلام لك. فهذا إن قدرته مضافاً كانت الحركة حركة إعراب وإن قدرته منفصلاً كانت الحركة حركة بناء، إذ لا أثر للإضافة في مثله في هذا الموضع إلا حذف التنوين وهو أثر البناء، فيصير لفظ الإعراب ولفظ البناء فيه سواء. فأما وجه اللغة الأولى فواضح وهو الشائع الكثير. وأما وجه اللغة الثانية فقد ذكر صاحب الكتاب أنهم قصدوا إلى الإضافة، وإذا كان مضافاً فحكم الإضافة فيه هو ذلك الحكم. وجعل اللام مزيدة توكيداً للإضافة. زيدت مع قصد الإضافة، ليوفر على "لا" من حيث اللفظ ما يقتضيه من التنكير، وهو معنى قوله: "وقضاء من حق المنفي في التنكير بما يظهر بها من صورة الانفصال" (١). فجعله مضافاً من حيث المعنى، وجعل اللام زائدة لقصد صورة الانفصال. وهذا غير مستقيم في المعنى، ولو كان معرفة لم يجز دخول "لا" عليه. و"لا" لا تدخل إلا على النكرات. ولا ينفعه أن دخول "لا" تجعله في الصورة نكرة، لأن امتناع دخول "لا" على المعارف لأمر معنوي لا لأمر لفظي. الثاني: أنا قاطعون بأن: لا أب لك، بمعنى لا أبا لك. و"لا أب لك" غير مضاف في المعنى، فيجب أن يكون: لا ابا لك، غير مضاف في المعنى. والأولى أن يقال: إنه في المعنى غير مضاف ولكنه أشبه المضاف من جهة أنك إذا قلت: غلام زيد، وغلام لزيد، فكلا اللفظين متفق على أن المعنى نسبة الغلام إلى زيد، وإن كان في الحذف معنى زائد باعتبار زيادةة خصوصية. وإذا ثبت ذلك فقد صار ما وجد فيه اللام وما لم يوجد مشتركين في أصل النسبة.

стр. 398

فلما حصل هذا التشبيه أجرى مجرى المضاف في اللفظ والمعنى على حاله، كما أجرى "لا ضارباً زيداً" باتفاق مجرى المضاف في الإعراب. وإذا أجروا المشبه بالمضاف من حيث مجرى المضاف حقيقة، فلا بعد في أن يجري المشبه بالمضاف من وجه في المعنى مجرى المضاف. وإذا ثبت ذلك استقام التعليل وانتفى الاعتراض. وقوله: "وقد شبهت في أنها مزيدة ومؤكدة بتيم الثاني" (١) بناء على تعليلهن وقد تبين رده. قال: "والفرق بين المنفي في هذه اللغة"، يعني: عند إثبات الألف إذا قلت: لا أبا لك "وبينه في الأولى" يعني: عند حذف الألف غذا قلت: لا أب لك "أنه في هذه معرب"، لأنه مضاف عنده والمضاف معرب أو لأنه مشبه بالمضاف عندنا فأجرى مجراه، "وفي تلك مبنى" لأنه لا إضافة، ولم يعتبر شبه الإضافة من ذلك الوجه المعنوي فوجب البناء. قوله: "وإذا فصلت فقلت: لا يدين بها لك، ولا أب فيها لك، امتنع الحذف". في: لا يدين وشبهه، "والإثبات" في: لا أبا وشبهه اللذان هما أثر الإضافة "عند سيبويه" لأنه عنده مضاف (٢)، والمضاف لا يفصل بينه وبين

стр. 399

المضاف إليه في غير الشعر، وعلى ما قلناه وهو مشبه بالمضاف فلا يقوى قوة المضاف. ولا يلزم من جواز الفصل بالظرف في المضاف الفصل فيما شبه به لضعفه عنه. وعلى مذهب يونس جاز لأنه مضاف أو مشبه بالمضاف، وقد حصل الفصل باللام، فلا بعد في الفصل بغيرها، والمذهب الأول. [قال] (١): "وإذا قلت: لا غلامين ظريفين لك، ولم يكن بد من إثبات النون في الصفة والموصوفط، لتعذر إضافتهما أو أحدهما (٢)، أما تعذر إضافتهما فإنه لا يضاف اسم إلا وله في المعنى ذات منسوبة إلى من أضيف إليه. فلو أضيفاً جميعاً لاقتضيا ذاتين. الآخر: لو أضيفاً لاقتضيا مشركا، إذ لا يضاف شيئان إلى واحد إلا بمشرك، ولو جاء المشرك فسد معنى الصفة. ولا يضاف الأول للفصل الحاصل بغير الظرف، ولا الثاني لأنه ليس بمقصود بالذات، وإنما يضاف ما قصد به الذات لأن الإضافة لها. ولا يرد: لا ناصري لك وشبهه. لأن الموصوف فيه محذوف، وقد قامت هذه الصفة مقامه وأريد بها تلك الذات فأجريت مجراه. قال: "وفي صفة المفرد وجهان" (٣). ذكر الصفة ههنا لأجل حكم اقتضاء النفي كما ذكرناه في صفة المنادي، وإلا فأحكام الصفات في الصفات.

стр. 400

وقوله: "المفرد". احتراز من المضاف والمشبه به لأنه لا يجوز في صفته إلا النصب. أما وجه البناء فلأنهم نزلوا الصفة مع الموصوف كالشيء الواحد من جهة أن ذاتهما واحدة. والمقصود نفي رجل موصوف بالظرف. وقد يقال: فلم لم تنزل صفة المنادي المبني مع الموصوف كالشيء الواحد حتى تكون الصفة مبنية؟ فالجواب عنه من أوجه: أحدهما: أن الصفة ههنا مقصودة مخصصة، إذ لولاها لكان "رجل" في قولك: لا رجل، عام في الظرفاء وغيرها (١). وليس الصفة في قولك: يا زيد العاقل، إلا لرفع وهم مقدر. والآخر: أن صفة المنادي المبني لا تكون إلا معرفة بالألف واللام أو بالإضافة. والإضافة والألف واللام يمنعان من البناء العارض. ألا ترى أنه لا يبني: لا غلام رجل، ولا غلام لزيد، وإذا كان ذلك مانعاً من البناء في الأصل الموصوف فهو في الصفة أجدر. الثالث: أن الألف واللام حرف لمعنى (٢) بمثابة واو العطف في كونها حرفاً لمعنى (٣)، فكما أنه لا يبني: لا رجل وامرأة، فكذلك ههنا، لئلا يؤدي إلى بناء أشياء متعددة. والوجه الثاني مما يجوز في صفة المنفي: الإعراب، وهو على وجهين: على اللفظ (٤) وعلى المعنى (٥). ووجهه ما ذكرناه في صفة المنادى، وعامله كعامله، وعلته كعلته. فإن فصلت بينهما أعربت ليس إلا. لأن الفصل يبطل

стр. 401

جعلهما كشيء واحد، فتعذر البناء، وليس في الصفة الزائدة (١) عليها إلا الإعراب لئلا يؤدي إلى بناء المتعدات وجعلها كشيء واحد، وليس من جنس لغتهم. وإن كررت المنفي جاز في الثاني البناء لأنه تأكيد لفظي، فجاز أن يجري مجرى الأول لفظاً لأنه تكرير له. وجاز الإعراب لأن علة البناء إنما وجدت في الأول دون الثاني، فأعرب الثاني لذلك. قال: "وحكم المعطوف حكم الصفة إلا في البناء"، لأن البناء متعذر، إما لزيادة الحرف على ما تقدم، وإما لأن المعطوف والمعطوف عليه متغايران، فلا يستقيم جعلهما كشيء واحد كالصفة. فلم يبق إلا الإعراب لفظاً أو محلا، فاللفظ مثل قوله: لا أب وابنا مثل مروان وابنه (٢) ويجوز في "مثل" الرفع على أن يكون خبراً، ويجوز النصب على أن يكون صفة وهو صفة لهما. ولا يجوز الرفع على الصفة لهما، لأن "ابنا" معرب، والرفع إنما يجوز على المحل إذا اتفق للموصوف محل يخالف اللفظ. وههنا أحد الاسمين وهو الثاني منصوب معرب فليس له محل في الرفعن فوجب أن تكون الصفة لهما فيما يتفقان فيه وهو لفظ النصب. ولا يجوز أن تكون الصفة لهما فيما اختلفا فيه لأنه يؤدي إلى مثل قولك: قام زيد وضربت عمراً العاقلين، لأن

стр. 402

الرفع في الصفة في قولك: لا أب وابناً مثل، إنما يصح لأن قولك: لا أب، في محل رفع، فيبقى قولك: وابناً، منصوباً لفظاً ومحلا، فتصير قد وصفت بصفة واحدة اسمين، أحدهما مرفوع والآخر منصوب على التبعة اللقظية. وهذا مثل قولك: يا زيد وعبد الله العاقلين. لا يجوز الرفع لأنهما لم يتفقا في جهة، إذ أحدهما منصوب لفظاً ومحلاً، فلا وجه لجرى الرفع عليه ويجب النصب لاتفاقهما باعتباره، لأن الأول منصوب محلاً والثاني منصوب لفظاً ومحلا، فأجريت الصفة على ما اتفقا، لا على ما اختلفا. فإجراء الصفة ههنا على المحل واجب كإجراء الصفة ثم على اللفظ، لأنهما ههنا اتفقا بالمحل واختلفا باللفظ، وثم اختلفا بالمحل واتفقا باللفظ، فلذلك كانت الصفة باعتبار الاتفاق. قال: "وإن تعرف فالحمل على المحل لا غير" (١). قال: لأن دخول النصب فيه فرع دخول الفتح فيه إذا كان منفياً، ولا يدخله الفتح فلا يدخله هذا النصب الذي هو فرعه، لأن دخول الفتح إنما كان لتضمنه معنى الحرف. ألا ترى أن معنى قولك: لا رجل، لا من رجل. ولا يتقدر مثل ذلك في: لا زيد، لأن "من" ههنا جيء بها لتأكيد نفي المتعددات، وليس في قولك: لا زيد، تعدد. قال: "ويجوز رفعه إذا كرر". قال الله تعالى ﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ (٢). وقال: ﴿لا بيع فيه ولا خلة﴾ (٣). قال الشيخ: خص الرفع بالذكر وإن كان فيه إذا كرر خمسة أوجه على ما

стр. 403

يأتي في الفصل الذي بعده، لأن بقية الأوجه قد تقدم بعضها القوي، وذكر آخر هذا الفصل بعضها الضعيف، فلم يبق إلا وجه رفعهما، ولذلك خصه بالذكر. ووجهه أحد أمرين: إما أن يقال: المعطوف والمعطوف عليه في الصورة إذا بنيا جميعاً كانا كالشيء الواحد، فكره بناء أشياء متعددات، فعدل إلى الأصل وهو الرفع. وإما أن يقال: هو جواب لمن سأل عن شيئين أو أثبت الحكم لشيئين فقال: في الدار رجل وامرأة، فأجيب بقوله: لا رجل في الدار ولا امرأة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال. فإن قيل: فليكن "لا رجل" فصيحاً جائزاً جواباً لقول من قال: في الدار رجل. فالجواب: أن ذلك غير لازم، لأنك في قولك: لا رجل ولا امرأة، مضطر في غرضك لذكرهما، لأنك لو قلت: لا، أو: لا رجل، أو: لا امرأة، لم يحصل غرضك، وليس كذلك مسألة الاعتراض، إذ لو قصدت مجرد الجواب لوجب أن تقول: لا، أو: نعم. وليس في ذكر رجل زيادة فثبت أنها تخالفها في وجوب ذكر الاسمين للغرض المقصود، فحسنت المطابقة. وتك المسألة إن ذكرت رجلاً فليس لهذا الغرض يجب أن يكون له حكم لا باعتبار المجاب لانتفاء الغرض فيه بانتفاء الجواب. [قال] (١) "فإن جاء مفصولاً بينه وبين لا أو معرفة وجب الرفع والتكرير" (٢). أما الرفع فلأن الفصل يمنع البناء، وأما التكرير فلأن "لا" تقتضدي نفي المتعددة وضعاً. ولما كان المعرفة الواحد لا تعدد فيه اشترط تكريره ليحصل التعدد. [قال] (٣): "وفي: لا حول ولا قوة إلا بالله، ستة أوجه". وهي خمسة أوجه (٤) لأن الوجه السادس الذي جعله عكساً لرفع الأول وفتح الثاني هو أن

стр. 404

تقول: لا حول ولا قوة. وهذا هو الوجه الذي هو فتح الأول ورفع الثاني وهو قولك: لا حول ولا قوة. وقد ذهب بعض الناس إلى أن تقسيمه باعتبار التعليل. والوجه الخامس هو رفع الأول على أن "لا" بمعنى ليس، أو على مذهب أبي العباس (١)، فيكون الوجه السادس معللا بهذا التعليل، وهو بهذا الاعتبار يخالف الوجه الثالث، وهذا غلط، إذ لو قصد ذلك لكانت وجوهاً كثيرة، لأن رفعهما جميعاً يجوز أن يكون للوجهين الذين ذكرناهما، وأن يكون على مذهب أبي العباس. أو على أن "لا" بمعنى ليس. وهذه أربعة أوجه. فدل ذلك على أنه لم يقصد إلا صورة الأحكام لا إلى تعليلها، وأن قوله: "وأن تعكس هذا"، وقع غلطاً، وكثيراً ما يغلط العلماء في مثل ذلك عند التقسيم. [إملاء ٨٦] [خبر ما ولا المشبهتين بليس] قال صاحب الكتاب (٢): "هذا التشبيه لغة أهل الحجاز وأما بنو تميم فيرفعون ما بعدهما على الابتداء ويقرأون: ﴿ما هذا بشر﴾ (٣)، إلا من دري كيف هي في الصحف". لغة أهل الحجاز على خلاف القياس عند النحويين (٤). ولغة بني تميم

стр. 405

موافقة للقياس، لأنهم يزعمون أن كل حرف لا اختصاص له بواحد من الأسماء والأفعال لا عمل له في أحدهما، و"ما" و"لا" كذلك. ووجهه أن الشبه لما قوي بين "ما" و"ليس"، أجريت مجراها في العمل، وخولف ذلك القياس لقوة الشبه. قوله: "وبنو تميم يقرأون: ﴿ما هذا بشر﴾، ليس بجيد، لأن هذه القراءة إن كانت لهم جائزة قبل المصحف فلا تنسخ بوجود المصحف، وإن لم تكن لهم جائزة فقد نسبهم إلى الجهل وارتكاب المحظورات. وقوله: "فإذا انتقض النفي بإلا، أو تقدم الخبر بطل العمل". أما إذا انتقض فلأنها شبهها باعتبار النفي، ولا نفي في الخبر مع وجود "إلا" فبطل. وأما التقدم فلأنها لم تقو قوة الأفعال فيتقدم منصوبها على مرفوعها. ودخول الباء في (١) الخبر إنما يصح على لغة أهل الحجاز، واستدل بقوله: "لأنك لا تقول: زيد بمنطلق". وهذا غير مستقيم لأنه لا يصح أن يقال: دخول الباء لأجل النفي في قولك: ما زيد بمنطلق، على اللغتين، ولم يستقم: زيد بمنطلق، لعدم النفي، كما تقول: ما لكم من إله، وأنت لا تقول: لكم من إله، ولا عمل لواحد منهما. وقوله: "ولا التي يكسعونها (٢) بالتاء هي المشبهة بليس بعينها ولكنهم أبوا إلا أن يكون المنصوب بها حيناً". اختلف الناس في "لا" هذه. فقال البصريون: هي "لا" المشبهة بليس لأنها ألحقت التاء المختصة بالأفعال، فلولا شبهها بالفعل لم تلحقها. وإذا كانت المشبهة بالفعل فهي التي بمعنى ليس أيضاً. فإن المعنى على قولك:

стр. 406

ليس هذا الحين حين مناص، وشبهه مما يقع فيه لات (١). واغتفروا ما يلزمهم لقيام هذا الدليل، والذي يلزمهم أن "لا" بمعنى "ليس" شاذ. وجوابه أنه شاذ ما لم تدخل التاء، فإذا دخلت فليس بشاذ. ومنها: ما يلزمهم من إضمار الاسم في الحرف، لأن المعنى عندهم: ليس الحين حين مناص، والحروف لا يضمر فيها. وجوابه: أنه قد قوي شبهه بالفعل فأجرى مجراه في هذا المثال لكثرة استعماله مثله. ومنها: ما لزمهم من الإضمار قبل الذكر، لأن المعنى: ليس الحين حين مناص. وجوابه: أن مثل هذا الإضمار جائز لقيام القرينة الحالية عليه. وإذا قامت القرينة على الإضمار كان بمثابة تقدم الذكر. وذهب بعض الناس إلى أنها "لا" التي لنفي الجنس (٢). ودليله عندهم ما ذكروه اعتراضاً على البصريين. والاعتراض عليه ما ذكره البصريون جواباً ودليلاً. [إملاء ٨٧] [مسائل في المنادى] المنصوب باللازم إضماره. قال (٣): "هو أقسام منه المنادى (٤) ",. والنداء جملة إنشائية يقصد بها تنبيه من تخاطبه بأحد الحروف المخصوصة (٥). والمنادى هو الاسم المخاطب فيها. واختلف في تقديرها جملة. فمنهم من

стр. 407

يقول: أصلها: أريد (١) أو أعني أو ما أشبهه. فيا عند هؤلاء حرف وضع دليلاً على الإنشاء للنداء كما وضعت الهمزة دليلاً على إنشائية الاستفهام. والجملة عندهم من الفعل والفاعل المقدر، والاسم مفعول بذلك الفعل. وقال بعضهم (٢): يا: اسم من أسماء الأفعال متضمن معنى الإنشاء، وعبد الله مفعول باسم الفعل، ولا شيء مقدر، هو ضعيف، لأن من جملة حروف النداء الهمزة، وليس من أسماء الأفعال اسم على حرف واحد. وأيضاً فإن أسماء الأفعال تتحمل الضمائر، كقولك: هيهات ورويد، وهذه يعلم أنها لا تتحمل الضمائر، ولو تحمل الضمير لاستقل كلاماً، ولا يستقل ذلك مع مضمره كلاماً. وإذا بطل ذلك فالمذهب ما تقدم، ويجب تقدير الفعل للعلم بأنها جملة، والمعنى عليه، فوجب تقديره بالفعل. وإنما وجب الحذف لأن الواضع علم أن هذا مما يكثر في كلامهم، فحذفه (٣) لكثرته المعلومة عنده، وصارت "يا" متضمنة ذلك الفعل المحذوف، فلم يجمعوا بينها وبينه. ثم إن المنادى منصوب لفظاً ومنصوب محلاً. فالمنصوب من حيث المحل على أضرب: منها: المنادى المضموم، وشرطه أن يكون مفرداً معرفة غير داخلة عليه لام الجر ولا ألف الندبة، وبني لشبهه بالمضمر من حيث اللفظ ومن حيث المعنى. أما من حيث اللفظ فلأنه مفرد، ومن حيث المعنى هو أنه مخاطب، وأصل المخاطب أن يكون بالضمائر، ولكنهم وضعوا ههنا الأسماء الظاهرة موضع المضمرات لأنهم علموا أنهم ينادون في الغالب الغائب عن العين، فلو وضعوا (٤) المضمر موضعه لجوز كل سامع له أنه المنادى، فعدلوا إلى الأسماء

стр. 408

الظاهرة لتختص بمن هي لقب عليه، فيرتفع ذلك اللبس. وبني على حركة إما للهرب من التقاء الساكنين في كثير من الأسماء كزيد وعمرو ثم حملت البواقي عليها، وإما لعروض البناء، جعلوا المبني عارضاً بالآلة العارضة وهي الحركة، إذ أصل البناء السكون (١)، وبني على الضم لأنهم لو بنوه على الفتح لالتبس بالمعرب، إذ موضعه نصب (٢). ولو بنوه على الكسر لالتبس بالمضاف إلى ياء المتكلم عند حذف الياء وهي كثيرة، فبنوه على الضم ليرتفع هذا اللبس (٣). قال: "توابع المنادى المضموم غير المبهم". قال صاحب الكتاب: "إذا أفردت حملت على لفظة أو محله". ذكر بعض التوابع باعتبار حكم ثبت لأجل منادى مخصوص كان ذكره في النداء لأنه أثره. أما التوابع وأحكامها من حيث كونها توابع فموضعها باب التوابع. وشرط هذا الحكم أن يكون المتبوع منادى مضموماً غير مبهم، وأن يكون التابع مفرداً غير بدل ولا معطوفاً مما يصح دخول حرف النداء عليه. أما كونه منادى فليحصل اللفظ والموضع، وأما كونه مضموماً فليتحقق مخالفة اللفظ الموضع، وأما كونه غير مبهم فلأنه إذا كان مبهماً كان المتبوع هو المقصود بالنداء، وقد أجاز بعض النحويين فيه الوجهين، فعلى هذا لا يحتاج إلى قيد يخرجه.

стр. 409

وقوله: "إذا أفردت"، احتراز من أن تكون مضافة لأنها إذا كانت مضافة لم يكن فيها إلا النصب من جهة أن إعرابها بالرفع إنما كان إجراء لها مجرى المنادى بتقدير دخول حرف النداء عليها (١). وأما إذا كانت مضافة انتفى هذا التقدير عنها ولزم نصبها. وقولنا: غير بدل، لأنها إذا كانت بدلاً كان في حكم تكرير العامل، فكأنه موجود، فحكمه حكم منادى مستقل، فيجب ضمه. وقولنا: غير معطوف مما يصح دخول حرف النداء عليه، لأنه إذا صح دخول حرف النداء عليه قدر، وإذا قدر كان حكمه حكم نفسه، وجرى مجرى البدل. وما له لفظ ومحل على ثلاثة أقسام: ققسم مبني بالأصالة فهذا لا يجري عليه شيء إلا باعتبار موضعه، كقولك: جاءني هؤلاء العقلاء، وشبهه، لأن لفظه أصل في البناء، فلا اعتداد به، إذ لا شبه له بالمعرب. وقسم طرأ فيه البناء في محل مخصوص كالمنادى المضموم والمنفي بلا التي لنفي الجنس، ففي تابع هذا وجهان: الإجراء على الموضع وهو القياس لأنه مبني فلا اعتداد بلفظه قياساً على سائر المبنيات. ومنهم من يجريه على لفظه لطروء البناء فيه تشبيهاً لها بحركة الإعراب لتغير الحركة العارضة فيه (٢). وقسم معرب بإعراب ثان بعد إعراب أصل كالمضاف إليه المصدر واسم الفاعل واسم (٣) المفعول، كقولك: ضرب زيد وضارب زيد ومضروب زيد. ففي هذا أيضاً وجهان: الإجراء على اللفظ وهو القياس لأنه معرب على الحقيقة فجرت عليه

стр. 410

توابعه على لفظه كسائر المعربات، ومنهم من يجري توابعه على إعرابه الأصلين وهو ضعيف، وقد تقدم. [إملاء ٨٨] [المفعول المطلق] قوله (١): "ذكر المنصوبات. المفعول المطلق". لم يحد المصدر لأنه قد تقدم ما يشعر به وهو لقبه. فإن لقبه مشعر بفصله. والمقصود في الحدود إنما هي المفصول فكأنه قال: هو الاسم الذي فعل، وهذا فصل المفعول المطلق عن غيره. وحده: هو ما فعله فاعل الفعل المذكور. فقولنا: المذكور، احتراز عن مثل قولك: كره زيد الضرب، فإنه مفعول لفاعل ولكنه ليس هو المذكور. وقوله: "سمي مصدراً لأن الفعل يصدر عنه" (٢). هذا مذهب البصريين أن المصدر أصل أخذ منه الفعل (٣)، والدليل عليه من وجهين: أحدهما: تسميته بالمصدر، والمصدر في اللغة هو الذي يصدر عنه، فدلت تسميته على أنه قد صدر عنه الفعل، وعلى مذهب الكوفيين كان ينبغي أن يسمي الفعل مصدراً ولم يسم، فدل على أنه ليس بأصل. الثاني: أن معنى الاشتقاق هو أخذ لفظ فرعي من لفظ أصلي موافق له في الحروف الأصول والمعنى الأصلي، وهذا لا يتحقق في المصدر والفعل إلا على مذهب البصريين، لأنا نقول: إن جعلنا الفعل أصلا فالفعل يدل على حدث وزمان معين فيجب أن يكون المصدر يدل أيضاً على الحدث والزمان المعين، ولا قائل يقول: إن المصدر يدل على حدث وزمان معين. وإذا قلنا: إن المصدر هو الأصل وهو دال على

стр. 411

حدث مجرد عن الزمان فالفعل قد شاركه في هذا المعنى الأصلي، فقد ثبت أن الحق ما ذهب إليه البصريون. المبهم ما دل على ما دل (١) عليه الفعل من الحدث، والمؤقت ما دل على زيادة، وتلك الزيادة تكون في الأنواع كقولك: ضربت ضرباً شديداً، وفي الأعداد كقولك: ضربت ضربة وضربتين (٢). وقوله: "وقد يقرن بالفعل غير مصدره مما هو بمعناه وذلك على نوعين: مصدر وغير مصدر". فقوله: وغير مصدر، ظاهره التناقض، لأن كلامه في المفعول المطلق وتقسيمه وقد ذكر أنه مصدر، فكيف يكون من تقاسيمه غير مصدر، فيكون مصدراً غير مصدر؟ والجواب: أن المصدر يطلق باعتبارين: أحدهما: الذي فعله فاعل الفعل المذكور. والآخر: باعتبار ما له فعل يجري عليه، كانطلق للانطلاق وشبهه، وله باب يذكر فيه. فقوله: وغير مصدر، أي: ليس له فعل يجري عليه، وهو مصدر باعتبار أنه فعله فاعل الفعل، فهو مصدر باعتبار غير مصدر باعتبار آخر. وأما قوله: "رجع القهقري" وأخواتها (٣)، فللناس فيها مذهبان: مذهب صاحب الكتاب أنها ههنا أسماء ليست لها أفعال، فهي منصوبة انتصاب: أنواعاً من الضرب. وقد ذهب غيره إلى أنها صفات لمصادر محذوفة (٤). فرجع

стр. 412

القهقري، تقديره: رجع الرجوع القهقري. فعلى هذا يكون المصدر هو المحذوف، والقهقري وأخواتها صفات المصادر المحذوفة والمقدرة، فلا تكون من هذا الباب بل تكون من باب قولك: ضربت ضرباً كثيراً. قوله: "والمصادر المنصوبة بأفعال مضمرة على ثلاثة أنواع". والدليل على الحصر باعتبار جواز الإضمار ووجوبه، أنه لا يخلو أن يجوز إظهاره أو لا فإن جاز إظهاره فهو قسم الأول (١). وإن لم يجز إظهاره فلا يخلو إما أن يكون له فعل من لفظه أو لا. فإن كان له فعل من لفظه فهو الثاني (٢). وإن لم يكن له فعل من لفظه فهو الثالث (٣). فمنها ما لا يعرف إلا بالسماع وهو الأول من النوع الثاني. وطريق الدليل على التزامهم حذف الفعل من هذا القسم أنا نقول: هذه ألفاظ كثرت في كلامهم، ولم توجد إلا محذوفاً فعلها. فدل على أنها ملتزمة الحذف، إذ لو لم تكن كذلك لوجدت مع كثرتها في بعض المواضع مظهراً أفعالها. ولما لم توجد إلا محذوفة دل على أنها لا يجوز إظهارها. وقد استعمل هذا الدليل في مواضع مخرجاً لما ثبتت قاعدته بالقياس، فهو أولى ههنا. قال سيبويه: "لا يقال: ما أقيله، استغناء بما أكثر قائلته" (٤). وقال

стр. 413

أيضاً: "واستغنوا بتركت عن وذرت" (١). وقال أيضاً: "لا يقال نازعني فنزعته، واستغنى عنه بغلبته" (٢). وهذه كلها أمور أخرجت عن القياس لهذا الدليل، وطريق بيانه ما ذكرناه. وضابط هذا النوع الثاني من النوع الثاني الذي هو: إنما أنت سيراً سيرا، وما أنت إلا قتلاً قتلاً: أن يتقدم نفي أو ما هو في معنى النفي وبعده اسم لا يصح أن يكون المصدر عنه خبراً (٣). وقولنا: لا يصح أن يكون المصدر عنه خبراً، حذراً من قولك: ما ضربك إلا ضرب حسن، فإنه يجب فيه الرفع. وحكمة هذا الضابط هو أن وقوعه موقعاً لا يصح أن يكون خبراً دال على أن الخبر غيره. ولا خبر يصلح من حيث المعنى إلا فعل بمعناه، فقد علم بهذه القرينة خصوصية الفعل وفي موضعه باشتراط الإثبات بعد النفي لفظ أو تقدير لفظ واقع موقع الفعل، فاستغنى بالقرينة واللفظ الواقع موقع الفعل عن التلفظ بالفعل، كما استغنى في قولهم: لولا زيد لكان كذا، وبابه. قوله: "ومنه قوله: ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾ (٤) ". ضابط هذا: أن تتقدم جملة تقتضي تفصيلاً باعتبار معناها، ويستغنى باقتضائها التفصيل مع ذكر المصادر بعدها عن ذكر الفعل ويستغنى بلفظ ما تقدم عن لفظ الفعل، فصارت (٥) قرينة ولفظ، فأشبه ما تقدم.

стр. 414

وقوله: "مررت [به] (١) فإذا له صوت صوت حمار وإذا له صراخ صراح الثكلى وإذا له دق دقك بالمنحاز حب القلقل (٢) ". ضابط هذا: أن يتقدم اسم فعل، يعني مصدراً منسوباً إلى من قام به وبعده مصدر في معناه، فإنه ينصب على الوجه المختار (٣)، فيستغنى بما تقدم من ذكر اسم الفعل المنسوب عن الفعل الناصب لأنه قرينة ولفظ كما تقدم. وهل الناصب له نفس ما تقدم فيقوم مقام الفعل أو الناصب له فعل آخر مقدر؟ فيه خلاف بين النحويين (٤). ظاهر كلامه أنه بفعل مقدر، لأن الكلام في تقسيم ما ينتصب بفعل واجب إضماره. وعلى التقدير الآخر لا يكون منصوباً بفعل مضمر. وقولنا: اسم فعل منسوب إلى من قام به، احتراز من أن يكون غير اسم فعل، كقولك: فإذا له يد يد الثور (٥)، واحتراز من أن لا يذكر شيء في موضعه أصلا، كقولك: فإذا له صوت حمار. وقولنا: إلى من قام به، احتراز من قولك: فإذا صوت صوت حمار.

стр. 415

قوله: "ومنه ما يكون توكيداً إما لغيره أو لنفسه". التوكيد لغيره أن تتقدم جملة يكون معناها باعتبار المصدر المذكور بعدها متعدداً (١). والتوكيد لنفسه أن تتقدم جملة يكون معناها باعتبار المصدر المذكور بعدها متحداً (٢). وقوله: "أجدك لا تفعل كذاط. أصله لا تفعل كذا جداً. فالجملة بالنسبة إلى "جدا" تحتمل الغير، فصار توكيدا لغيره، ثم أضيف إلى فاعله كقولك (٣): صنع الله، ثم دخلت الهمزة للإنكار، فالتزم تقديمه لأجل الهمزة، ثم كثر في ألسنتهم حتى استعمل استفتاحاً، فلذلك وقعت بعده الجملة الإنشائية كقولك: هل تفعل كذا؟ ولا تفعل كذا. والإنشائية هي التي: لا تحتمل صدقاً ولا كذباً. قوله: "ومنه ما جاء مثنى وهي: لبيك وسعديك". ضابط هذا أن يكون مسموعاً من العرب مثنى. ووجوب حذف الفعل معلوم قياساً، وسره أنهم لما ثنوه فكأنهم ذكروه مرتين، فاستغنوا بذكر أحدهما مقدراً عن الفعل، كما أنهم إذا قالوا: الطريق الطريق، استغنوا بالتكرار عن الفعل، فإذا قالوا: الطريق، لم يستغنوا. قوله: "ومنه ما لا يتصرف، وهي (٤) سبحان الله ومعاذ الله وعمرك وقعدك الله". قال سيبويه: معنى كونها لا تتصرف: أنها لا تستعمل إلا مصدراً ولا تقع فاعلة ولا مفعولة ولا مضافاً إليها (٥). وقال بعضهم: إنها مصدر لسبح، ولا

стр. 416

يصح لأن شرط كل مصدر لفعل يوافقه في معنى الحدوث. وسبح معناهك قال: سبحان الله. وسبحان الله معناه: براءة الله. وليس التلفظ بسبحان الله براءة، فلا يستقيم أن يكون مصدرا له. فسبح: إذا قال: سبحان، مثل بسمل: إذا قال: بسم الله، وحوقل: إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ولو استقام أن يكون سبحان مصدرا لسبح لكان: بسم الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، مصادر لبسمل وحوقل. وإنما سبحان الله مصدر لفعل في معنى البراءة أو التنزيه لا يظهر. فكأنه قال: برئ الله من السوء براءة. وعمرك الله. مذهب سيبويه أنها منصوبة على المصدر، تقديره: عمرتك الله تعميرا (١). حذف عمرتك، ووضع عمرك موضع التعمير مضافاً إلى مفعوله، وبقي اسم الله منصوباً على ما كان عليه. والدليل على كونه مصدرا وقوعه موقع الفعل في قول الشاعر: عمرتك الله إلا ما ذكرت لنا ... هل كنت جارتنا أيام ذي سلم (٢) فهو بمعنى عمرك الله. وإذا وقع في موضع عمرتك ومعناه وجب أن يكون مصدراً كما كان "سقيا" مصدراً لذلك. وذهب غيره إلى أن عمرك الله منصوب على أنه مفعول به بفعل مقدر لا مصدرا. كأنه قال: سالت عمرك، أي: سألت حياتك الله (٣). ومذهب سيبويه أولى لأوجه: أحدها: أنا اتفقنا على أن "سقيا" مصدر،

стр. 417

وهذا مثله، فيجب أن يكون مصدراً. الآخر: أن حذف الفعل الناصب للمصدر أكثر من حذف الفعل الناصب للمفعول، فحمله على الأكثر أولى. الآخر: أن جعله مصدراً يكون فيه قرينة تدل على الفعل. الآخر: أنه لو كان مفعولا بفعل مقدر لكان تقديم الله هو الوجه لأنه المفعول الأول للفعل المحذوف، ولما لم يجز دل على أنه ليس بمفعول. وقوله: "قعدك". الكلام فيه كالكلام في عمرك الله، إلا أنه لم يأت من "قعدك الله" قعدتك الله (١)، كما جاء من "عمرك الله" عمرتك الله. إلا أنه يقدر: فعدتك، بمعنى: سألت الله أن يكون صاحبك، وقعدك بهذا المعنى، فيجب أن يكون مصدراً كما كان عمرك. والخلاف فيه كالخلاف فيه، وقد تقدم وجه نصرة مذهب سيبويه. والنوع الثالث: دفرا. معناه: نتناً، كأنه قال: نتن نتناً؛ وبهرا، إن أريد به الغلبة واللعن فليس من هذا، لأنه يقال: بهرني إذا غلبني، وبهرته إذا لعنته، لأن هذا باب ما ليس له فعل من لفظه. وإن أريد به تباً وخسراناً فهو من هذا الباب وهو المقصود. وأفة وتفة بمعنى: تضجراً، كأنه قال: تضجرت تضجراً. قوله: "وقد تجري أسماء غير مصادر ذلك المجرى". يعني بقوله: غير مصادر، أنها ليست جارية على أفعال كالانطلاق الجاري على انطلق. وقوله: ذلك المجرى، يعني: أنها منصوبة على أنها مصادر باعتبار أنها موضوعة في هذا المحل المخصوص للمعنى الذي فعله فاعل الفعل المذكور لا يجوز إظهار الفعل معها. وإنما ذكرها في هذا الفصل باعتبار وجوب إضمار الفعل، وإلا فقد ذكرها في الفصل الأول باعتبار ما فعله فاعل الفعل في قولك: ضربته سوطاً ورجع الفهقري.

стр. 418

وقوله: "ترباً" إلى آخره. هي لأجسام بالأصالة. والمتكلم إذا قالها لا يخطر بباله التراب أصلا. فمعنى ترباً: تعساً وخيبة. فقد قصد به ههنا معنى تعس، فيجب أن يكون نصبه على المصدر، إلا أنه لا يجوز إظهار فعله. وجندلاً: مثله. وقوله: "فاها لقيك". معناه: دهياً وخيبة، فهو موضوع لمعنى فعل، فيجب أن يكون مصدرا (١). وقوله: "هنيئاً" (٢). يعني: أنها صفات في الأصل موضوعة للذات التي قام بها المعنى، إلا أنها في هذا المحل استعملت للمعاني أنفسها، فهي ههنا مصادر لأنها أسماء لمعان فعلها فاعل الفعل المذكور، وهي غير مصادر باعتبار أنها في الأصل اسم للذات التي قام بها المعنى. فهنيء ومريء: اسم فاعل من قولهم: هنأ ومرأ. وقائماً: اسم فاعل من قام. وقاعداً: اسم فاعل من قعد. إلا أنك إذا قلت: هنيئاً لك الظفر، لم تعن إلا ليهنك الظفر (٣). وقد وقع "هنيئاً" موقع الفعل وهو الذي يعني به المصدر. وإذا قلت: أقائماً وقد قعد الناس؟ فهو قائم مقام قولك: أتقوم؟ فيجب أن يكون مصدرا، وكذلك: أسائراً؟ وليس قوله: ﴿فكلوه هنيئاً مريئا﴾ (٤) من هذا القبيل، فإنها صفات بالأصالة، وإنما جاءت نعتاً للمصدر المحذوف. فتقديره: أكلاً هنيئاً وأكلاً مريئاً. فهي صفات حذف موصوفها وأقيم الصفة مقامه.

стр. 419

وقوله: "ومن إضمار المصدر". ليس هذا من قياس باب الإضمار، وإنما هو إضمار بقرينة دلت عليه. فقولك: أظنه، هي القرينة الدالة على الظن، كقوله تعالى: ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾ (١)، فالضمير للعدل، واعدلوا: دال عليه. فأما ما جاء من قولهم في الدعوة المرفوعة، واجعله الوارث منا (٢)، وذلك بعد قوله: اللهم متعناً بأسماعنا وأبصارنا وأبداننا أبداً ما أحييتنا واجعله الوارث منا. "يحتمل عندي أن يوجه على هذا". قال الشيخ: محتمل عندي أن يوجه على أن الضمير في "واجعله" ضمير المصدر المؤكد لجعل، تقديره: اجعل جعلاً، وبعض الناس يقول: إنه ضمير المقدم ذكره مما عدد من الأسماع والأبصار وغيرها. وهذا باطل من حيث اللفظ والمعنى. أما اللفظ فلأن المقدم ذكره جمع والضمير مفرد، وكيف يكون ضمير الجمع مفرداً؟ بل لو كان ضميرها لكان يقول: واجعلها أو اجعلهن. وأما المعنى فكيف يستقيم أن يقال: واجعل ما هو عين ما يفنى ويورث الوارث منا؟ فتوجه على هذا ما ذكره صاحب الكتاب من الاحتمال (٣). والقائل بأن الضمير للأسماع وللأبصار وغيرها، أن ذلك غير فاسد من حيث اللفظ والمعنى أيضاً. أما اللفظ فيجوز أن يكون الضمير لهن وإن كان مفردا، ويكون تقديره ذلك، أي: اجعل ذلك المقدم ذكره. وكيف لا يكون وقد قال تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقا

стр. 420

حسنا﴾ (١). وقوله: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه﴾ (٢). وقوله: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك﴾ (٣). فأتى الضمير مفردا لجماعة ومثنى. وقد حكي أن أبا عبيدة (٤) سأل رؤية عن قوله: فيها خطوط من سواد ويلق ... كأنه في الجسم توليع البهق (٥) فقال كيف تقول: كأنه؟ ولا يخلو أن تريد الخطوط فقل: كأنها، أو السواد والبلق فقل: كأنهما، فقال: أردت ذلك وبذلك. وأما جواز أن تكون الأسماع وغيرها مقصودة بالدعاء من حيث المعنى فطلب استصحاب بقائها والاستمتاع بها ملازمة إلى آخر دقيقة، كما غلب من عادة الوارث ملازمته لموروثه عند الموت، فقد حصل مما ذكرناه تجويز الاحتمالين. والتقدير على الأول: واجعله الوارث مستقرا منا، فيكون "مستقرا" المفعول الثاني. وعلى الاحتمال الآخر يكون الوارث هو المفعول الثاني والضمير المفعول الأول.

стр. 421

[إملاء ٨٩] [المفعول به] قال صاحب الكتاب (١): "هو الذي يقع عليه فعل الفاعل". أراد بقوله: يقع عليه فعل الفاعل، ما تعلق به فعل الفاعل، أي: بيانا لما تعلق به فعل الفاعل، ثم هذا التعلق قد يكون أمراً معنويا، وقد يكون أمراً حسياً (٢). والضمير في قوله: "أهله" (٣)، ضمير القول الذي هو المدح أو الذم المفهوم من القول، وقوله: "ومنه قولهم (٤) كاليوم رجلا"، منصوب بفعل مقدر محذوف لكثرته في كلامهم، قامت الكثرة لاستعمالهم إياه على هذا المعنى مقام القرينة الدالة على المحذوف. ألا ترى إلى قولك: عبد الله، يفهم منه أنك قصدت: يا عبد الله، لكثرة: يا عبد الله في كلامهم، فصارت الكثرة تشعر بالمحذوف إشعاراً كالقرائن الحالية والمقالية، ولولا ذلك لم يجز أن تقول: كاليوم رجلا. وفي قوله: "كاليوم" أوجه من الإعراب: أحدها: أن يكون "رجلا" هو المفعول، ويكون قوله: كاليوم، إما بتأويل: مثل رجل اليوم، فيكون فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة نكرة تقدمت فينتصب على الحال، أو تكون الرؤية رؤية القلب فيكون مفعولاً ثانيا. وإما بتأويل: ما رأيت مثل رؤية اليوم، أي: رؤية مثل رؤية اليوم، حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فيكون منصوباً على المصدر، والرؤية رؤية

стр. 422

العين، لأنه لا يستقيم أن يكون مفعولا لمخالفته رجلا في المعنى. ويجوز أن يكون "رجلا" تمييزاً لما في قولك: كاليوم، من الإبهام، ويكون "كاليوم" نفسه هو المفعول، مثل قولك: على التمرة مثلها زبداً. لما احتمل أن يكون المثل للزبد وغيره، فميز بقولك: زبداً. وكذلك لما احتمل قولك: مثل اليوم، الرجل وغيره، فميز برجل. وكل ما تقدم من الأولجه في قوله: كاليوم رجلا، يجري في قوله: كاليوم مطلوباً ولا طلبا (١) ما خلا وجهاً واحداً وهو التمييز، فإنه يضعف، لأن قوله: ولا طلباً، معطوف على قوله: مطلوباً، والمعطوف بحرف النفي إنما يكون على ما انتفى لا على ما تعلق بالمنفي، و"كاليوم" هو المنفي لا "مطلوباً"، فلا يستقيم أن يكون معطوفاً. [إملاء ٩٠] [العطف بالجزم على جواب الأمر المنصوب بعد فاء السببية] وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو: دعني فأذهب جانباً ... يوما وأكفك جانبا (٣)

стр. 423

يجوز أن يكون المعنى: اتركني أتصرف فأذهب إلى جهة فأكفيك جانبا تحتاج إلى كفايته بتصرفي وذهابي. ويجوز أن يريد: دعني يوما وأكفك جانبا يوما، أي: إذا تصرفت لنفسي يوما كفيتك جهة تخشاها يوما آخر. وموضع الاستشهاد والإعراب واضح. [إملاء ٩١] [الكلام على "أن" في بيت من الشعر] وقال أيضاً في قول الشاعر في المفصل (١): فيا راكباً إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا (٢) يجوز أن تكون "أن" مخففة من الثقيلة. ويجوز أن تكون مفسرة، لأن قوله: فبلغن، فيه معنى القول. [إملاء ٩٢] [جواز إضمار اسم ليس] وقال أيضاً في قول الشاعر في المفصل (٣): أبني لبيني لستم بيد ... إلا يدا ليست لها عضد (٤)

стр. 424

يجوز أن يكون في ليس ضمير الشأن (١). ويجوز أن يكون فاعلها (٢) مضمراً يعود على اليد لما تقدم ذكرها. ويجوز أن يكون "عضد" اسمها، ولها: خبر لها. ومعناه: أنه يصفهم بعدم النصرة، وأن نصرتهم كلا نصرة. فإن اليد التي لا عضد لها لا نصرة لها. [إملاء ٩٣] [حذف كان] وقال أيضاً ممليا على قول الشاعر (٣): أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع (٤). ومعناه: أنه يمدحه. أي: أنا بخير لا تأكلنا السنين (٥) ولا يضمرنا ضار لأجل أن كنت ذا نفر. يعني: أنا بنعمة ما دمت في نعمة (٦).

стр. 425

[إملاء ٩٤] [إعراب ومعنى بيت من الشعر] وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (١): يا قر إن أباك حي خويلد ... قد كنت خائفة على الأحماق (٢) حي خويلد: بدل أو عطف بيان من "أباك"، و"كان" واسمها وخبرها خبر "إن". ومعناه: أنني كنت أرى من أبيك مخايل تدل على أنه يلد ولداً أحمق، وقد تحقق بولادته إياك. ومثل ذلك أبلغ من أن يقول: أنت أحمق، لأن ذلك يشعر بتحقق ذلك فيه. أي: كان ذلك معروفاً من أبيك قبل أن يلدك. فهذا أبلغ من دعوى الحمق فيه الآن. وإدراك مثل هذه المعاني لا يكاد يحصل بالتعبير وإنما هي أمور في الغالب تدرك بالقوة التي جعلها الله تعالى في أهل هذا اللسان. والجار والمجرور متعلق بخائفه. يقال: خفته على كذا، أي: خفت منه. [إملاء ٩٥] [معنى بيت لطفيل الغنوي] وقال أيضاً على قول الشاعر في المفصل (٣): وكمتاً مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (٤)
следующие страницы →