[إملاء ٨٩]
[المفعول به]
قال صاحب الكتاب (١): "هو الذي يقع عليه فعل الفاعل". أراد بقوله: يقع عليه فعل الفاعل، ما تعلق به فعل الفاعل، أي: بيانا لما تعلق به فعل الفاعل، ثم هذا التعلق قد يكون أمراً معنويا، وقد يكون أمراً حسياً (٢). والضمير في قوله: "أهله" (٣)، ضمير القول الذي هو المدح أو الذم المفهوم من القول، وقوله: "ومنه قولهم (٤) كاليوم رجلا"، منصوب بفعل مقدر محذوف لكثرته في كلامهم، قامت الكثرة لاستعمالهم إياه على هذا المعنى مقام القرينة الدالة على المحذوف. ألا ترى إلى قولك: عبد الله، يفهم منه أنك قصدت: يا عبد الله، لكثرة: يا عبد الله في كلامهم، فصارت الكثرة تشعر بالمحذوف إشعاراً كالقرائن الحالية والمقالية، ولولا ذلك لم يجز أن تقول: كاليوم رجلا.
وفي قوله: "كاليوم" أوجه من الإعراب: أحدها: أن يكون "رجلا" هو المفعول، ويكون قوله: كاليوم، إما بتأويل: مثل رجل اليوم، فيكون فيه وجهان: أحدهما: أنه صفة نكرة تقدمت فينتصب على الحال، أو تكون الرؤية رؤية القلب فيكون مفعولاً ثانيا. وإما بتأويل: ما رأيت مثل رؤية اليوم، أي: رؤية مثل رؤية اليوم، حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فيكون منصوباً على المصدر، والرؤية رؤية
стр. 422
العين، لأنه لا يستقيم أن يكون مفعولا لمخالفته رجلا في المعنى. ويجوز أن يكون "رجلا" تمييزاً لما في قولك: كاليوم، من الإبهام، ويكون "كاليوم" نفسه هو المفعول، مثل قولك: على التمرة مثلها زبداً. لما احتمل أن يكون المثل للزبد وغيره، فميز بقولك: زبداً. وكذلك لما احتمل قولك: مثل اليوم، الرجل وغيره، فميز برجل. وكل ما تقدم من الأولجه في قوله: كاليوم رجلا، يجري في قوله:
كاليوم مطلوباً ولا طلبا (١)
ما خلا وجهاً واحداً وهو التمييز، فإنه يضعف، لأن قوله: ولا طلباً، معطوف على قوله: مطلوباً، والمعطوف بحرف النفي إنما يكون على ما انتفى لا على ما تعلق بالمنفي، و"كاليوم" هو المنفي لا "مطلوباً"، فلا يستقيم أن يكون معطوفاً.
[إملاء ٩٠]
[العطف بالجزم على جواب الأمر المنصوب بعد فاء السببية]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو:
دعني فأذهب جانباً ... يوما وأكفك جانبا (٣)
стр. 423
يجوز أن يكون المعنى: اتركني أتصرف فأذهب إلى جهة فأكفيك جانبا تحتاج إلى كفايته بتصرفي وذهابي. ويجوز أن يريد: دعني يوما وأكفك جانبا يوما، أي: إذا تصرفت لنفسي يوما كفيتك جهة تخشاها يوما آخر. وموضع الاستشهاد والإعراب واضح.
[إملاء ٩١]
[الكلام على "أن" في بيت من الشعر]
وقال أيضاً في قول الشاعر في المفصل (١):
فيا راكباً إما عرضت فبلغن ... نداماي من نجران أن لا تلاقيا (٢)
يجوز أن تكون "أن" مخففة من الثقيلة. ويجوز أن تكون مفسرة، لأن قوله: فبلغن، فيه معنى القول.
[إملاء ٩٢]
[جواز إضمار اسم ليس]
وقال أيضاً في قول الشاعر في المفصل (٣):
أبني لبيني لستم بيد ... إلا يدا ليست لها عضد (٤)
стр. 424
يجوز أن يكون في ليس ضمير الشأن (١). ويجوز أن يكون فاعلها (٢) مضمراً يعود على اليد لما تقدم ذكرها. ويجوز أن يكون "عضد" اسمها، ولها: خبر لها. ومعناه: أنه يصفهم بعدم النصرة، وأن نصرتهم كلا نصرة. فإن اليد التي لا عضد لها لا نصرة لها.
[إملاء ٩٣]
[حذف كان]
وقال أيضاً ممليا على قول الشاعر (٣):
أبا خراشة أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع (٤).
ومعناه: أنه يمدحه. أي: أنا بخير لا تأكلنا السنين (٥) ولا يضمرنا ضار لأجل أن كنت ذا نفر. يعني: أنا بنعمة ما دمت في نعمة (٦).
стр. 425
[إملاء ٩٤]
[إعراب ومعنى بيت من الشعر]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (١):
يا قر إن أباك حي خويلد ... قد كنت خائفة على الأحماق (٢)
حي خويلد: بدل أو عطف بيان من "أباك"، و"كان" واسمها وخبرها خبر "إن". ومعناه: أنني كنت أرى من أبيك مخايل تدل على أنه يلد ولداً أحمق، وقد تحقق بولادته إياك. ومثل ذلك أبلغ من أن يقول: أنت أحمق، لأن ذلك يشعر بتحقق ذلك فيه. أي: كان ذلك معروفاً من أبيك قبل أن يلدك. فهذا أبلغ من دعوى الحمق فيه الآن. وإدراك مثل هذه المعاني لا يكاد يحصل بالتعبير وإنما هي أمور في الغالب تدرك بالقوة التي جعلها الله تعالى في أهل هذا اللسان. والجار والمجرور متعلق بخائفه. يقال: خفته على كذا، أي: خفت منه.
[إملاء ٩٥]
[معنى بيت لطفيل الغنوي]
وقال أيضاً على قول الشاعر في المفصل (٣):
وكمتاً مدماة كأن متونها ... جرى فوقها واستشعرت لون مذهب (٤)
стр. 426
يصف خيلاً بحسن الألوان كأنها أشربت الدم. كأن متونها، أي: كأن ظهورها جرى فوقها لون الإذهاب أو لون شيء مذهب. واستشعرته، أي: جعلته شعارها. يقال: استشعرت الثوب، إذا جعلته يلي الجسم، وسمي شعاراً من ذلك. وموضع الاستشهاد منه ظاهر.
[إملاء ٩٦]
[معنى بيت لعمر بن أبي ربيعة]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (١):
إذا هي لم تستك بعود أراكة ... تنخل فاستاكت به عود إسحل (٢)
يعني: أنها يتخير لها ما تستاك به. وعود الأراك هو المختار عندهم للسواك، فإذا لم تستك به لأمر لم تعدل إلا إلى ما يتنخل ويختار من الأسحل، فيكون ما يختار منه لجودته يقارب الأراك.
[إملاء ٩٧]
[إضافة ما فيه الألف واللام إلى المضمر المتصل]
وقال أيضاً ممليا على قول الشاعر في المفصل (٣)(٤):
стр. 427
أيها الشاتمي ليحسب مثلي ... إنما أنت في الضلال تهيم
لا تسبنني فلست بسبي ... إن سبي من الرجال الكريم
...
قال ابن الأعرابي (١) ثالثها:
لا أبالي أنب بالحزن تبس ... أم لحساني لحاني بظهر غيب لئم
يهجو بهذا الشعر مسكين بن عامر الدارمي. معناه: أنك عالم بأن قدرك دون قدري، وأنك لست ممن يشاتمني. وإنما تفعل ذلك لتظهر بالمشاتمة أن ثم مماثلة لما يظهر بها في العادة مع علمك بخلافه. ثم رد بعجز البيت هذا الغرض الذي قصده، فقال: إنما أنت في الضلال تهيم. يعني: أن المشاتمة إنما يستدل بها على المماثلة عند تقارب الشخصين، فأما عند التباعد فلا، لوضوح نفيها، فجعله في فعله ذلك الذي لا يتم به الغرض المقصود عند العقلاء لركوبه التعاسيف التي تضر ولا تنفع، ولذلك قال: تهيم. يقال: هام على وجهه، إذا سلك غير الطريق. وموضع استشهاده في قوله: الشاتمي، في صحة إضافة ما فيه الألف واللام إلى المضمر المتصل، كقولك: الضاربي والضاراباتي. ومفعول ما لم يسم فاعله مضمر مستتر يعود على الشاتمي، لأنه بمعنى: الذي يشتمني. وهو وإن كان مخاطباً إلا أنه لما وصفه بالموصول (٢) أجرى الضمير على لفظ الغيبة كقولك: أنت الذي ضرب، وهو أحسن من
стр. 428
قولك: أنت الذي ضربت، قال الله تعالى: ﴿وقالوا يا أيها الذي نزل عليه﴾ (١). ولو جاء على الخطاب لقال: يا أيها الذي نزل عليك الذكر. وإنما كان كذلك لأن "الذي" من ألفاظه الغيبة، وضمير ألفاظ الغيبة غيبة، فلذلك جاء الفصيح بضمير الغيبة.
[إملاء ٩٨]
[معنى وإعراب بيت ينسب للنابغة الجعدي]
وقال أيضاً ممليا على قول الشاعر في المفصل (٢) وهو:
بحيهلا يزجون كل مطية ... أمام المطايا سيرها المقاذف (٣)
يريد أنهم مسرعون (٤) في السير، فهم يسوقون المطي (٥) بهذا الصوت لتسرع في سيرها. وقال: أمام المطايا، لأنه إذا سيقت الأول تبعها ما بعدها بخلاف سوق الأواخر. وقال: سيرها المتقاذف، يعني: أنهم يسوقونها مع كون سيرها متقاذفاً، والتقاذف: الترامي في السير. وإذا سيق المتقاذف كان سيره أبلغ مما كان عليه. وأمام المطايا: في موضع وصف لمطية. وسيرها المتقاذف: جملة ابتدائية واقعة صفة لمطية. والجار والمجرور متعلق بـ "يزجون".
[إملاء ٩٩]
[مجيء "ذا" بمعنى الذي]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (٦):
стр. 429
عدس ما لعباد عليك إمارة ... أمنت وهذا تحملين طليق (١)
معناه: أنه لما أمر الخليفة بتخليصه من حبس عباد وإركابه وتسيره أنشد مخاطباً لدابته في أنه لم يبق لعباد عليه حكم. وقال: أمنت، يعني من حكم عباد. وإذا لم يكن له حكم على دابته فلئلا يكون عليه حكم أولى. وقال: وهذا تحملين طليق، يعني نفسه. وموضع استشهاده ظاهر.
[إملاء ١٠٠]
[رفع الفاعل بفعل مضمر]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر (٢):
لبيك يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح (٣)
معناه: أن هذا الممدوح الذي هو يزيد كان رجلاً عظيماً، يقصد في النصر وفي العطاء. فيقصده الضارع للخصومة لينصره وهو المائل إليها. ويقصده المختبط مما تطيح الطوائح، وهو الذي أصابته شدة السنين. والطوائح: الشدائد، يقصده ليدفع عنه بالعطاء شدة ما أصابه من ذلك، فوصفه بالنصر والكرم. و"ما" في قولك (٤): "مما تطيح"، مصدرية، و"من"
стр. 430
لابتداء الغاية، أو بمعنى السببية، فالأول على أن ابتداء الاختباط من الإطاحة، أو سبب الاختباط الإطاحة.
[إملاء ١٠١]
[حذف المنادى]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (١):
يا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار (٢)
يجوز في "والصالحين" الرفع على الموضع، لأن المعنى: يا قوم لعن الله والأقوام والصالحون. والخفض ظاهر. والرفع مثل قولك: أعجبني ضرب زيد وعمرو، عطفاً على موضع زيد، إذ موضعه رفع. و"من" في قوله: من جار، للبيان، فتتعلق بمحذوف تقديره: على سمعان الحاصل من الجيرانن أو حاصلاً من الجيران.
[إملاء ١٠٢]
[كتابة عمرويه بعد ترخيمه]
وقال أيضاً مملياً على قوله في مفصله في الترخيم في عمرويه (٣). فقال: إذا رخم عمرويه كيف يكتب (٤) على لغة يا حار ويا حار (٥)؟ إن كان المحذوف
стр. 431
مراداً كتب بغير واو لأنها زيدت فيه فرقاً بينه وبين عمر، وإذا اتصلت به "ويه" سقطت الواو، فإذا كانت مرادة كان حكمها حكم الموجود، وإن كان المحذوف نسياً منسياً، فثبت الواو. قال: وهذا وإن لم يذكره أحد إلا أن هذا فقهه لجريه على القواعد.
[إملاء ١٠٣]
[حذف المنادى]
وقال أيضاً مملياً على قوله في المفصل في حذف المنادي (١): "يا بؤس لزيد": لو لم يكن المنادى محذوفاً لوجب نصبه لأنه حينئذ مضبه للمضاف من أجل طوله. فلذلك رفعه فقال: يا بؤس لزيد، بمعنى: يا قوم بؤس، وهو مرفوع بالابتداء (٢)، والجار والمجرور الخبر. وهو من باب: ويل وويس لزيد.
[إملاء ١٠٤]
[الكلام في تنوين كلمة وردت في المفعول لأجله]
وقال أيضاً مملياً [بدمشق سنة ثلاث وعشرين وستمائة] (٣) على قوله في المفصل (٤): "وهو جواب لمه": لا يجوز تنوين "جواب" لأنه يفسد المعنى. لأنك إذا نونته تعذرت الإضافة، وإذا تعذرت الإضافة فالجواب جواب قولك: لمه، بكمالها. فإذا نونت احتجت إلى أن توصل معنى الجواب إلى متعلقه
стр. 432
بلام، فإن جعلتها هذه اللام صار الجواب جواب قولك: مه، لا جواباً لقولك: لمه. نعم لو قلت: وهو جواب للمه، لكان مستقيماً، لأن اللام الأولى هي الموصلة ولمه التي بعدها هي المقصودة بنسبة الجواب إليها.
[إملاء ١٠٥]
[وقوع الفعل الماضي بعد حروف التحضيض]
وقال أيضاً مملياً "بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (١) على قوله في المفصل في حروف التحضيض (٢): إن قبل: إن حروف التحضيض (٣) إذا وقع بعدها الماضي فيستحيل أن يكون فيها معنى الطلب لاستحالة طلب الفعل بعد مضي وقته. وإذا لم يكن فيها معنى الطلب تعذر النصب بعدها بالفاء والجزم بغير فاء.
فالجواب: أنها لا تنفك عن إفادة معنى الطلب في الوقت الذي كان صالحاً له. وإنما أوقع بعدها الماضي تنبيهاً على أن المطلوب منه ذلك، فوته حتى انقضى وقته فصار كالتوبيخ على ترك المطلوب. فباعتبار ما فيه من معنى الطلب المقدر في وقته نصب جوابه بعد الفاء وجزم بغير فاء.
[إملاء ١٠٦]
[حذف المضاف في بيت لحسان]
وقال أيضاً مملياً [بدمشق سنة أربع وعشرين] (٤) على قول الشاعر في المفصل (٥):
стр. 433
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردي يصفق بالرحيق السلسل (١)
يجوز أن يكون المراد مدح ماء بردي وتفضيله على غيره، ومعنى: يصفق، أي: يمزج. يقال: صفقته، إذا مزجته. والرحيق: الخبر. والسلسل: السهل، كالسلسال، والسلسبيل، أي: كأنه ممزوج بذلك، فأسقط التشبيه كعادتهم في المبالغة.
ويجوز أن يكون المراد مدح هؤلاء القوم بالكرم، وأنهم لا يسقون الماء إلا ممزوجاً بالخمر لسعتهم وكرمهم وتعظيم من يرد عليهم. والبريص: يقال: إنه موضع بدمشق (٢). وقال قوم هو بالضاد. والمراد ببردي ماء بردي، ولذلك ذكر الضمير.
[إملاء ١٠٧]
[الكلام في إعراب فعل مضارع وقع بعد الواو]
وقال أيضاً [بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (٣) على قول الشاعر في المفصل (٤):
متى ما تلقني فردين ترجف ... روانف اليتيك وتستطارا (٥)
يجوز أن يكون معطوف على "ترجف" وألحقت به نون التأكيد الخفيفة
стр. 434
فقلبت ألفاً في الوقف. إلا أن إلحاقاً نون التوكيد في جواب الشرط ضعيف. ويجوز أن يكون منصوباً على أحد وجهين: أحدهما: مذهب الكوفيين، بالواو التي يسمونها واو الصرف (١)، مثلها عندهم في قوله تعالى: ﴿ويعف عن كثير ويعلم﴾ (٢) في قراءة الأكثرين. والثاني: مذهب البصريين، وهو أن يكون معطوفاً على مقدر، مثلها عندهم في قوله: ويعلم، أي: لينتقم ويعلم. إلا أنه لا يمكن التقدير لفعل منصوب لأنه في المعنى سبب. ولو قدر فعل منصوب لكان مسبباً، فينبغي أن يكون التقدير لاسم منصوب مفعول من أجله، كأنه قيل: ترجف روانف أليتيك خوفاً واستطارة. فلما أتى بالفعل موضع "استطارة" عطفاً على "خوفاً" المقدر وجب أن يكون منصوباً، مثله في قولك: أريد إتيانك. وتحدثني. والروانف: أطراف الأليتين، واحداته: رانفة. وتستطارا، بمعنى: يطلب منك أن تطير خوفاً وجبناً. والعرب تقول لمن اشتد به الخوف: طارت نفسه خوفاً، ومنه قوله:
أقول لها وقد طارت شعاعاً (٣)
وقال ههنا: وتستطارا، كأنه طلب منه أن يطير من الخوف. والضمير في "وتستطارا" للمخاطب لا للروانف، إذ لا يطلب من الروانف استطارة، وإنما المقصود طلبه من المخاطب.
стр. 435
[إملاء ١٠٨]
[معنى وإعراب: على أن]
وقال أيضاً مملياً بدمشق [سنة أربع وعشرين وستمائة] (١) على قول الشاعر في المفصل (٢):
على أنها تعفو الكلوم وإنما ... نوكل بالأدنى وإن جل ما يمضي (٣)
"على هذه تقع في شعر العرب وكلامهم كثيراً. والمعنى فيها استدراك وإضراب عن الأول. ألا ترى أنك إذا قلت: لا يدخل فلان الجنة لسوء صنيعه على أنه لا يأس من رحمة الله، كان استدراكاً لما تقدم، وإضراباً عن تحقيقه. وكذلك قوله في البيت الذي قبله:
فوالله لا أنسى قتيلاً رزئنه ... بجانب قوسي ما مشيت على الأرض
ثم قال: على أنها تعفو الكلوم. لأن المعنى: على أن العادة نسيان المصائب إذا تطاولت، والجزع على ما كان من المصائب قريب العهد، وهذا إضراب واستدراك لما تقدم من قوله: لا أنسى. وكذلك قوله وهو أيضاً في الحماسة (٤):
стр. 436
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود
...
فقوله: بكل تداوينا فلم يشف ما بنا، ثم قال: على أن قرب الدار خير من البعد، كالإضراب عن الأول. لأن المعنى: فلم يحصل لنا شفاء أصلاً. وإذا كان قرب الدار خيراً في المعنى المراد فقيه شفاء أو بعض شفاء. وكذلك قوله: على أن قرب الدار ليس بنافع، استدراك لعموم قوله: على أن قرب الدار خير من البعد. فاستدرك أنه لا يكون خيراً إلا مع الود، فأبطل العموم المتقدم في قوله: قرب الدار خير من البعد. هذا معناها. وأما تعلقها على الوجه الأعرابي فيحتمل أمرين: أحدهما: أن تتعلق بالفعل المتقدم قبلها كما تعلقت "حاشا" الاستثنائية بما قبلها لكونها أوصلت معنى ما قبلها إلى ما بعدها على وجه الإضراب أو الإخراج. وأظهر منه أن يقال: إنها في موضع خبر محذوف المبتدأ، كأنه قيل: والتحقيق على أن الأمر كذا. فتعلقها بمحذوف كما يتعلق كل خبر وجار ومجرور، لأن الجملة الأولى وقعت غير تحقيق، ثم جيء بما هو التحقيق فيها، وحذف المبتدأ لوضوح المعنى.
[إملاء ١٠٩]
[جواز حذف الفعل بعد "قد "]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (١):
стр. 437
أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد (١)
يصف أحوال الناس في الدنيا، وأن الناس منهم من رحل ومنهم من قرب رحيله. فأشار بقوله: وكأن قد، أي: وكأن قد زالت ركابنا. وموضع الاستشهاد منه ظاهر وكذلك إعرابه.
[إملاء ١١٠]
[زيادة الباء في فاعل "حب "]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (٢):
فقلت اقتلوها عنكم بمزاجها ... وحب بها مقتولة حين تقتل (٣)
شرع في هذا البيت يبين الأصل الذي كانت عليه "حب" قبل اتصالها بـ "ذا" وإنها لها (٤) كالأفعال. و"مقتولة" نصب على الحال من الضمير في "بها". و"بها" فاعل "حب" زيدت فيه الباء على غير قياس، كقوله: كفى به شهيداً، ومعناه واضح. وقد تبين موضع الاستشهاد منه.
стр. 438
[إملاء ١١١]
[جواز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه]
وقال مملياً على قول الشاعر في المفصل (١):
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني (٢)
يعني: أنني أرتكب الأهوال ولا أجبن عنها. وقوله: متى أضع العمامة، إما أن يريد كثرة مباشرته الحروف فلا يراه الأكثر إلا بغير عمامة، فقال: متى أضع العمامة يعرفني الذي ما رآني إلا غير متعمم. أو يريد أنني مكثر لمباشرة الحروب ولباس عدة الحرب، فمتى أضع العمامة وألبس آلة الحروب تعرفوني. يعني: أني إذا حاربت عرفت بإقدامي وشجاعتي. وأما قوله: جلا، فقيه أقوال: قيل: تقديره: أنا ابن رجل جلا، فحذف الموصوف وأقام الصفة مقامه. وقيل: إن "جلا" علم غلب على أبيه. وقيل: إنه (٣) أراد أنا ابن ذي جلا، و"جلا" انحسار الشعر عن مقدم الرأس.
[إملاء ١١٢]
[تسكين هاء "هي" في بيت من الشعر]
وقال مملياً على قول الشاعر في المفصل (٤):
فقمت للطيف مرتاعاً وأرقني ... فقلت أهي سرت أم عاقني حلم (٥)
стр. 439
يريد أني قمت من أجل الطيف قائماً منتبهاً مذعوراً للقائه، وأرقني لما لم يحصل اجتماع محقق، ثم ارتبت لعدم الاجتماع هل كان (١) على التحقيق أو كان ذلك في المنام. ويجوز أن يريد: فقمت للطيف، أي: قمت وأنا في النوم إجلالا في حال كوني مذعوراً لاستعظامها، وأرقني ذلك لما انتبهت فلم أجد شيئاً محققا. ثم من فرط صبابته شك أهي في التحقيق سرت أم كان ذلك حلماً على عادتهم في مبالغاتهم كقوله:
آأنت أم أم سالم (٢)
وذلك كثير في شعرهم. و"مرتاعاً" نصب على الحال. وإعرابه وموضع استشهاده ظاهر.
[إملاء ١١٣]
[من مسائل إعمال الصفة المشبهة]
وقال مملياً على قول الشاعر في المفصل (٣):
стр. 440
ونأخذ بعده بذناب عيش ... أجب الظهر ليس له سنام (١)
وقبله:
فإن يهلك أبو قابوس يهلك ... ربيع الناس والنعم الركام
يعني: إن يهلك هذا الرجل يذهب عنا بهلاكه ما كنا فيه من الخير والسعة والنصر، ونأخذ بعده في حال لا ترجى. ثم شبهها بالذناب، وجعل لها ظهراً مقطوعاً لا سنام له كله مبالغة في رداءة العيش الذي يكونون فيه بعده. وقوله: أجب الظهر، منصوب على التشبيه بالمفعول. و"أجب" مخفوض، علامة خفضه الفتحة، صفة لذناب أو عيش. ونصب "الظهر" كنصب الوجه في قولك: مررت برجل حسن الوجه، وهي لغة فصيحة على التشبيه بالمفعول. ومنهم من جعله نصباً على التمييز، ولا حاجة إليه لكونه معرفة، والتمييز المنصوب إنما يكون بالنكرات. وقول بعضهم: إنه تمييز وإنما أتى التعريف لما كان الخفض أكثر بالألف واللام، فمرنت ألسنتهم عليه، وقصدوا إلى التمييز، جرت ألسنتهم على اللام مع قصد التمييز، كما جرت على ضم اللام في: الحمد لله، لما مرنت ألسنتهم على الاتباع، ضعيف، ويكفي في ضعفه تشبيهه بـ (الحمد لله)، فإنه رديء إذ لم تعهد لام الجر مضمومة. وأيضاً فإنه كان يجب على هؤلاء أن يجيزوا خاتم الحديد، لأنه يقال: خاتم حديد، وخاتم الحديد، وخاتم حديداً، كما يجوز أجب ظهر وأجب الظهر وأجب ظهراً. فإن حسن "أجب الظهر" لما ذكروه، حسن "خاتم الحديد"، ولا قائل به.
стр. 441
[إملاء ١١٤]
[مجيء اسم المكان على رنة اسم المفعول]
وقال مملياً على قول الشاعر في المفصل (١) وهو:
محرنجم الجامل والنئي ... وصاليات للصلى صلي (٢)
وقبله:
أأن (٣) شجاك طلل عامي ... قدما يرى من عهده الكرسي (٤)
يجوز أن يكون مصدراً في الأصل، ووصف به كما وصف بغيره من المصادر. ويجوز أن يكون على حذف مضاف، أي: ذو احرنجام. والجامل فاعل في المعنى أضيف المصدر إليه. ويجوز أن يكون اسم مكان أضيف إلى الجامل للتخصيص كما يضاف مكان إلى زيد، فيكون على هذا بدلاً من "طلل"، بدل كل من كل، لأن أسماء المكان لا يوصف بها. وهو على الأول صفة. و"النئي" عطف على "طلل"، كأنه قيل: أشجاك طلل وشجاك نئي؟ ولا يجوز أن يكون عطفاً على الجامل، وإن قلنا: إنه فاعل في المعنى، لأن النئي لا يوصف بالأحرنجام، ولا على "محرنجم" إذا جعل صفة لأنه ليس بصفة. وصاليات: معطوف على "طلل"، و"صلي" صفة لـ "صاليات" كما تقول: جاءني عالم عاقل، فتصف الصفة لما أقمتها مقام الموصوف.
стр. 442
[إملاء ١١٥]
[أفعل التفضيل لا يعمل في الظاهر]
وقال مملياً على قول الشاعر (١):
وأضرب منا بالسيوف القوانسا (٢)
وصدره:
أكر وأحمى للحقيقة منهم
وقبله:
فلم أر مثل الحي حياً مصبحاً ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا
إن أريد بالرؤية العلم فـ "حياً" منصوب بها مفعول أول، و"مثل الحي" مفعول ثان. و"فوارسا" مفعول أول، و"مثلنا" مفعول ثان. وإن أريد رؤية العين فيحتمل أن يكون "حياً مصبحاً" هو المفعول، و"مثل الحي" صفة قدمت فانتصب على الحال. ويجوز أن يكون "مثل الحي" هو المفعول، و"حياً مصبحاً" إما عطف بيان لقوله: مثل الحي، وإما حال من الحي. كأنه قال: مثل الحي مصبحاً، وأتى بـ "حي" للتوطئة للصفة المعنوية كقولهم: جاءني الرجل الذي تعلم رجلاً صالحاً. وصح الحال من المضاف إليه لأنه هنا في معنى المفعول، أي: لم أر مماثلا للحي في حال كونهم مصبحين. والمضاف إليه إذا كان في معنى فاعل أو مفعول صح منه الحال كغيره (٣).
стр. 443
ويجوز أن يكون تمييزاً كقولك: عندي مثله تمراً أو قمحاً أو شبه ذلك، كقولهم: على التمرة مثلها زبدا، لما في "مثل" من إبهام الذات، فصح تمييزها كتمييز ما أشبهها، قال الله تعالى: ﴿أو عدل ذلك صياما﴾ (١)، وكل ما ذكر في ذلك فهو جار في قوله: مثلنا فوارساً. ففوارسا: مثل قوله: مصبحاً. ومثلنا: مثل قوله: مثل الحي.
وقوله: أكر وأحمي، تبيين لما ادعاه فيما تقدم. فيجوز أن ينتصب بفعل مقدر لا صفة لما تقدم، لئلا يفصل بين الصفة والموصوف بما هو كالأجنبي إذا جعلاً تمييزاً. ويجوز أن يكون صفة لما تقدم، كأنها صفة واحدة إذا جعلاً غير تمييز، كأنه قال: جاءني زيد وعمرو العاقل والعالم، وذلك جائز. فـ "أكر وأحمي" صفة لـ "حيا مصبحاً". و"أضرب منا" صفة لـ "فوارسا". و"القوانسا" منصوب بفعل مقدر، كأنه سئل عما يضربون، فقال: نضرب القوانسا، لأن أفعل لا يعمل في الظاهر (٢)، وهو موضع الاستشهاد، والمعنى: أنه وصف الحي الذين صبحوهم بأنهم على قوة وشدة وكر وحماية. وإذا وصف من أخذوهم بالقوة دل ذلك على قوة الآخذين، بخلاف ما إذا كانوا ضعفاء.
[إملاء ١١٦]
[جمع "من" في الوصل للضرورة]
وقال مملياً على قول الشاعر في المفصل (٣):
стр. 444
أتوا ناري فقلت: منون أنتم ... فقالوا: الجن قلت: عموا ظلاماً (١)
وقبله:
ونار قد حضأت لها بليل ... بدار لا أريد بها مقاما
سوى تحليل راحلة وعين ... أكالئه مخافة أن تنامي
وبعد قوله: أتوا ناري:
فقلت: إلى الطعام فقال منهم ... زعيم: نحسد الإنس الطعاما
"ظلاما" منصوب على التمييز، أي: نعم ظلامكم، كما تقول: أحسن الله صباحك. ولا يحسن أن يكون ظرفاً، إذ ليس المراد أنهم نعموا في ظلام وفي صباح، وإنما المراد أنه نعم صباحهم، وإذا حسن صباحهم كان به المعنى.
وقوله: نحسد الإنس الطعاما. "الطعام" مفعول ثان، إما على تقدير حذف حرف خفض، أي: نحسد الإنس على الطعام، وإما على أنه متعد بنفسه من أصله، كقولك: استغفرت الله الذنب ومن الذنب.
ويقال: إنس وأنس بمعنى واحد. وموضع الاستشهاد منه ظاهر. وما قبله كذلك في الظهور. و"حضأت" أي: أشعلت وأوقدت، يقال: حضأت النار أحضؤها حضئاً.
وقوله: سوى تحليل راحلة، أراد سوى راحلة أقمت بها فيها بقدر تحلة اليمين.
стр. 445
[إملاء ١١٧]
[معنى شعر لعوف بن الأحوص]
ومن أبيات المفصل (١) قول عوف بن الأحوص من كلام الخطيب التبريزي (٢) عرضته عليه فاستجوده:
وكنت إذا منيت بخصم سوء ... دلفت له فأكويه وقاع (٣)
بعده:
فتبدي عن فقار الصلب طوراً ... وطوراً قد تجوب عن النخاع
منيت: بليت، ودلفت له: قصدته فكويته، فتبدي الكية عن فقار صلبه، وهي العظام التي في وسطه، الواحدة: فقارة. والنخاع: الذي كهيئة الخط الأبيض يكون في وسط فقار الصلب. وتجوب: تخرق في الجلد واللحم والعظم حتى تصل إلى النخاع، وهذا على طريق التمثيل، وليس يريد الكي في التحقيق. إنما يريد أنه يعمل به عملاً يبلغ به غاية المكروه، فيكون بمنزلة من كوي هذا الكي.
قال: وهي الدائرة على الجاعرتين (٤) وحيث ما كانت، ولا تكون إلا دارة.
стр. 446
[إملاء ١١٨]
[إبدال الصاد تاء]
وقال أيضاً على قول الشاعر في المفصل (١):
وبني كنانة كاللصوت المرد (٢)
وصدره:
فتركن نهداً عيلاً أبناؤها
معناه: أن هؤلاء تركوا هذه القبيلة أبناؤها فقراء لأنهم قتلوا آباءهم وبني كنانة كذلك. وانضم إلى ذلك أنهم بقوا من شدة الفقرة لصوصاً مردة. وموضع الاستشهاد ظاهر. ويقال: لص ولص بين اللصوصية، والجمع لصوص. قال أبو بكر (٣): قال الأصمعي: والفتح أعلى. وقال صاحب الصحاح (٤): لُصٌّ بضم اللام.
...
стр. 447
[إملاء ١١٩]
[معنى رجز ينسب للعجاج]
وقال أيضاً مملياً على قول الشاعر في المفصل (١):
جاءوا بمذق هل رأيت الذئب قط (٢)
وقبله:
ما زلت أسعى معهم وأختبط ... حتى إذا جن الظلام المختلط
جاءوا: معناه أنه يصفهم بالبخل واللؤم في ترك إكرام من نزل بهم. وبالغ في أنهم لم يأتوا بما أتوا (٣) به مع ما فيه من اللؤم إلا بعد سعى واختباط ومضي جانب من الليل. ثم بعد ذلك لم يأتوا إلا بلبن قد شيب بالماء حتى صار كلون الذئب لزرقته (٤) لأنه سمار، أي: مشوب بالماء.
[إملاء ١٢٠]
[فائدة عمرك الله وقعدك]
وقال مملياً بدمشق في رجب سنة أربع وعشرين وستمائة على قول صاحب المفصل (٥): "عمرك الله وقعدك": فيهما فائدة. لأنه إذا ثبت أن الواضع
стр. 448
الله تعالى وثبت أن من لغة العرب لفظاً يطلقونه على الباري لم يحتج إلى إذن من الشرع لثبوت أن الله هو الواضع. وإن قلنا: إن الواضع العرب، واحد أو جماعة، لم يكفنا إطلاق اللفظ لجواز أن يطلقوا على الباري ما يمنع الشرع بعد وروده إطلاقه.
[إملاء ١٢١]
[مسألة في توابع المنادى المضموم]
وقال أيضاً في قوله: ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾ (١): الأولى أن يكون من هذا الباب (٢)، لأن باب المفعول معه قليل حتى أن بعضهم لم يجوزه إلا سماعاً لا قياساً (٣)، وهذا الباب جار قياساً كثيراً فحمله على الأكثر أولى.
[إملاء ١٢٢]
[توضيح كلام للزمخشري في باب المثنى]
وقال مملياً بدمشق سنة خمس وعشرين وستمائة في قول صاحب المفصل (٤): "فاستعمل هذا والأصل معاً": ولم يقل: فاستعمل الأصل وهذا معاً، لأن مقصوده أن الأصل عنده مطرح وهو قوله: ظهراهما (٥): ولما كان
стр. 449
ظهور الترسين هو الأصل عنده خصه بالذكر بالإشارة، بخلاف الأصل المرفوض عنده، فلهذا قال: فاستعمل هذا، يعني: ظهور، والأصل، يعني ظهراهما.
[إملاء ١٢٣]
[السبب في عدم حد الزمخشري خبر إن وأخواتها]
وقال أيضاً على المفصل (١) في قوله: "خبر إن وأخواتها هو المرفوع": إنما لم يحده لأنه معلوم. وذلك أنه خبر المبتدأ في المعنى، ولما تقدم ذكره استغنى عن حده هنا بما تقدم.
[إملاء ١٢٤]
[تكرير المخشري الكلام في حذف خبر إن]
وقال أيضاً في قوله (٢): "وقد حذف في قولهم: إن مالاً وإن ولداً" إلى آخره. لا حاجة إلى ذكر هذا لأنه قد ذكر ما يدل عليه وهو قوله: "وجميع ما ذكر في خبر المبتدأ من أصنافه وأحواله وشرائطه قائم فيه"ز فإن كون الخبر محذوفاً تارة ومثبتاً أخرى حال من أحواله، فهو داخل في قوله: وأحواله، فهذا يقع تكراراً. وإنما ألجأه إلى ذكر التنبيه على ما وقع في كلامهم من هذا الباب.
[إملاء ١٢٥]
[حذف خبر إن]
وقال أيضاً في قول صاحب المفصل (٣): "إن مالاً وإن عدداً": ينبغي أن
стр. 450
يكون التقدير: إن لنا مالاً (١)، فيقدر الخبر متقدما، ولو قدره متأخراً لم يسغ، لأن الاسم يبقى نكرة من غير شرط، بخلاف قولهم: إن زيداً وإن عمراً، فإنه لو قدر متقدماً أو متأخراً لكان سائغاً. وأمثلته في الأول تدل على ذلك.
[إملاء ١٢٦]
[تسمية "لا" التي لنفي الجنس]
وقال أيضاً على قوله (٢): "خبر لا لنفي الجنس": "لا" التي لنفي الجنس، و"لا" التي بمعنى ليس، كلاهما لنفي الجنس. وإنما خصوا الأولى بهذا الاسم لأن هذه هي الموضوعة لذلك فصيحاً، فأضافوها إلى المعنى الذي وضعت لأجله. واستعمالها بمعنى ليس غير فصيح. ألا ترى أن العربي الفصيح في سعة الكلام لا يقول: لا رجل في الدار، وإنما يقول: لا رجل في الدار، فلذلك سموها بمعناها الذي هو نفي الجنس. وأيضاً فإن "لا" التي بمعنى ليس لها شبه بـ "ليس" وهو شبه قوي، وليس كذلك "لا" التي لنفي الجنس، فإنها وإن شبهت بـ "إن" إلا أنه شبه باشتراكهما في النقيض.
[إملاء ١٢٧]
[الكلام في قولهم: فاهاً لفيك]
وقال أيضاً في المصدر (٣): "فاهاً لفيك" هذا أصله أن يكون: فوهاً
стр. 451
لفيك، جملة من مبتدأ وخبر، فكان القياس أن تأتي على ما كانت عليه. إذ الجمل هذا سبيلها. إذا كانت في الأصل لشيء ثم نقلت عن ذلك الأصل تنقل على ما كانت عليه. وكذلك قولهم: كلمته فاه إلى في. أصله: فوه إلى في. إلا أنهم (١) لما كثر استعمالهم له بمعنى: مشافها، وغلب ذلك فيه حتى صار يفهم منه: مشافها، مع قطع النظر عن مفردات الجملة باعتبار الإسناد أجروه مجرى المفرد في إعرابه بإعرابه لما قبل ذلك. وكذلك: فاهاً لفيه، لما علموا استعماله في معنى الخيبة والدهي حتى يصير التركيب فيه نسياً منسياً أجروه مجرى المفرد الذي صار بالآخرة كمعناه في إعرابه الاسم الأول بإعرابه، وصار الثاني كأنه (٢) جار ومجرور من تتمته، كقولهم: بايعته يداً بيد، وبعت الشاء شاة ودرهما، وكذلك ما أشبهه. وهذا مما لم يتكلم عليه النحويون لغموضه وإشكاله (٣).
[إملاء ١٢٨]
[إمالة "دعا" وعدم إمالة "قال "]
وقال أيضاً مملياً على المفصل في الأمالة في المشترك (٤): إن قيل لم أمالوا "دعا" ولم يميلوا "قال" والعلة المقتضية للإمالة في "دعا" موجودة فيه وأمثاله. وذلك أن العلة للإمالة هي صيرورة الألف إلى الياء إذا بني الفعل لما
стр. 452
لم يسم فاعله في قولك: دعي، فليكن كذلك في قولهم: قال ولام من اللوم، وما شاكل ذلك. فإنك تقول فيه: قيل وليم، فتنقلب الألف ياء، فليكن مثل: دعا؟.
وأجاب عنه من وجهين: أحدهما: أن الياء في "دعي" يجب قلبها متحركة فصارت كالأصلية لقوتها، والياء في "ليم" و"قيل" لا تتحرك بل ميتة ساكنة، فجعل للمتحرك على الساكن مزية. الثاني: أن قلبها في "دعي" واجب لا ينتقل فيه إلى غيره والكسرة قبلها لازمة لا تقبل غير ذلك بخلاف: ليم وقيل، فإنه قد يقال فيه: لوم وقول (١). وقد يشم (٢) الحرف المكسور الضم على لغة فصيحة، فجعل لما قبلها فيه واجب، والكسرة لازمة على ما ليس كذلك مزية.
[إملاء ١٢٩]
[اعتراض على الزمخشري في إعلال الواو]
وقال مملياً: وسياقه الولدة مع وعد (٣)، ليس بمستقيم لأنه يقال: لدة وولذة وجهة ووجهة. فهذا مما يجوز فيه ثبوت الواو وإسقاطها فكيف يستقيم سياقها مع ما هو واجب الثبوت؟ وإنما أتى به على أحد الأمرين في الثبوت، ولم يعتبر الأمر الآخر.
стр. 453
[إملاء ١٣٠]
[حد اللقب]
وقال مملياً: حد اللقب الذي أشار إليه الزمخشري في مفصله (١): كل اسم غير صفة صار علماً بالغلبة. والمراد بالغلبة ما لم يوضع بوضع واضع خاص. وإنما قلنا: غير صفة، احتراز من الصفات التي غلبت حتى صارت أعلاماً، من نحو قولك: الكاتب والوزير والصاحب. لأنها لو كانت منها لجاز إضافة الاسم إليها في مثل قولك: زيد الكاتب وعمرو الصاحب، بل بقوها جارية صفات على ما كانت عليه. وهذه جوزوا فيها الإضافة إذ لم يكن لها مع الاسم حال مخصوصة متقدمة فتبقى عليه، فلذلك قالوا: زيد قفة، والمراد مسمى هذا اللقب على ما بسط في غير موضع (٢). وإنما قلنا: صار علماً بالغلبة، احتراز من أن يسمى مسمى (٣) باسمين بالأصالة، فإنه لا يقال: زيد أبي عمرو، لأنهما عندهم سواء، بخلاف اللقب الغالب لأنه لم يغلب إلا لشهرته، فأضافوا الخفي إلى المشهور ليوضحوه، ويحققه أنهم لا يقولون: قفة زيد، ولا بطة قيس. ثم لا ننكر أن اللقب يصح إطلاقه على كل ما ذكر، وإنما قصدنا تفسيره في هذا الموضع في قصد مورده.
[إملاء ١٣١]
[اعتراض على الزمخشري في باب اسم "لا" التي لنفي الجنس]
وقال أيضاً مملياً على قوله (٤): "واعلم أن كل شيء حسن لك أن تعمل فيه رب حسن لك أن تعمل فيه لا":
стр. 454
أورده على أن "لا" لا تعمل إلا في النكرة، مستشهداً بقول سيبويه. وليس بمفيد مقصوده لكونه وقع خبراً، والخبر قد يكون أعم، ألا ترى أنه لو كانت "لا" تعمل في النكرة والمعرفة لكان هذا الكلام صحيحاً، وإذا كان كذلك لم يفد أنها لا تعمل إلا في النكرة.
[إملاء ١٣٢]
[جواب إيراد على الزمخشري في تعريف الأعلام المثناة أو المجموعة]
وقال مملياً إذ. أورد على قول الزمخشري في مفصله (١): "وكل مثنى أو مجموع من الأعلام فتعريفه باللام" قولهم: يا زيدان ويا زيدون، فإنه معرف ولا لام فيه.
فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن يقال: إن "يا زيدان". هنا تثنية زيد في قولك: جاءني زيد من الزيود، على اللغة القليلة. فيكون قولك: يا زيدان، مثل قولك: يا رجلان (٢)، ويا زيدون، مثل قولك: يا ضاربون. الثاني: أن "يا زيدان" الأصل فيه: يا أيها الزيدان ويا أيها الزيدون، كما أن أصل قولك: يا رجل، يا أيها الرجل. ولكن لما كان باب قولك: يا أيها الرجل، لك أن تحذف اللام وتستغني بحرف النداء لا فادتها المعنى الذي يفيده اللام أجرى. قولك: يا أيها الزيدان، مجراه لأنه من بابه. والذي على أنه منه امتناع: زيدان، كامتناع: رجل، كراهية أن يكثر الحذف.
стр. 455
[إملاء ١٣٣]
[حد اسم الجنس]
وقال مملياً: كره الزمخشري أن يقول في حد اسم الجنس ما ذكره المنطقيون من قولهم: ما وضع لمسمى لا تمنع الشركة فيه، وهو يسمى متواطئاً. وكره أن يقول: ما دل على كثرة باعتبار معنى واحد، لئلا يوهم أن الكثرة مستفادة من إطلاقه، ولا يستفاد منه إلا المفرد، فعدل إلى قوله: (١): "ما دل على شيء وعلى كل ما أشبهه" (٢). ولم يمكنه أن يحده بما ذكر أولاً لأنه أمر ذهني، والمعنى الذهني متحد لا شركة فيه. ثم ليس هو في الحقيقة موضوعاً له، فإنا نقطع بأن وضع رجل لما في الخارج، وما في الذهن يستحيل أن يكون في الخارج.
[إملاء ١٣٤]
[توضيح كلام للزمخشري في باب التمييز]
وقال ﵀: قوله في التمييز (٣): "ومنادية على أن الأصل". استعار
стр. 456
لها النداء وكأن فيها شيئاً ينادي بأن أصلها كذا، كما يقال: فعل فلان ينادي عليه بكذا" (١).
وقوله في المفصل (٢): "التمييز رفع الإبهام". قال مملياً: ليس التمييز في الحقيقة رفعاً لأنه اللفظ الذي حصل عنه هذا الرفع المراد. وإنما يغتفر النحويون مثل ذلك لكونه معلوماً. إما على معنى لفظ رفع الإبهام أو رافع الإبهام أو ما أشبه ذلك، أو لأن الغرض ذكر ما يتميز به باعتبار المدلولات، إذ كان هو المقصود في التحقيق.
[إملاء ١٣٥]
[معنى بيت لذي الرمة وإعراب بعض كلماته]
وقال مملياً على قول الشاعر في المفصل (٣):
ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر (٤)
"الوجد" إما فاعل "الباخع" فلا ضمير في "الباخع"، والتقدير: الذي بخع الوجد نفسه، أي: أهلك، من قولك: "فلعلك باخع نفسك" (٥) وإما مفعول من أجله. فيكون في "الباخع" ضمير يرجع إلى الموصول الذي بخع هو
стр. 457
نفسه، أي: أهلكها من أجل الوجد. فـ "الوجد" بالنصب تعليل لقوله: بخع نفسه، المعنى: أهلكها من أجل الوجد. و"لشيء" مع صفته تعليل لإهلاك النفس المعلل بالوجد، فهو تعليل الفعل المعلل، كما تقول: ضربت زيداً تأديباً لأنه قرابتي. فالتأديب تعليل للضرب، ولأنه قرابتي تعليل للضرب المعلل بالتأديب.
ومعنى البيت: التسلية، كأنه قال: يا من أهلك نفسه الوجد أو أهلكها من أجل الوجد لأمر أزالته عن يديه المقادير. والله أعلم بالصواب (١).
[إملاء ١٣٦]
[حد اللقب] (٢)
وقال أيضاً مملياً على قوله في المفصل في حد اللقب: هو كل اسم غلب على مسماه حتى صار أشهر من أسمه. يعني: من غير وضع واضع. ويدل على ذلك قول صاحب المفصل (٣): "وقد يغلب بعض الأسماء الشائعة على أحد المسمين به فيصير علماً له بالغلبة"، إشارة إلى هذا، إذ قولهم: ابن عمر لعبد الله، ليس وضعاً. والله أعلم.
...
стр. 458
كتاب
أمالي ابن الحاجب
لأبي عمرو عثمان بن الحاجب
(٥٧٠ - ٦٤٦ م)
دراسة وتحقيق
الدكتور فخر صالح سليمان قداره
الأستاذ المساعد في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
فرع القصيم
الجزء الثاني
دار عمار ... دار الجيل
عمان - الأردن ... بيروت - لبنان
стр. 459
ما يتعلق بمسائل الخلاف من الأمالي
стр. 460
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[إملاء ١]
[دخول الفاء في خبر إن]
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين. وقال الشيخ ﵀ مملياً: مسألة. قال سيبويه ﵀: لا يجوز دخول الفاء في خبر إن (١)، خلافاً للأخفش. ودليله أنه حرف يمتنع دخوله على الشرط، فلا يدخل على المشبه بالشرط قياساً على "ليت". والأخفش يجيب على ذلك: بأن الأصل لم يمتنع على ما أشبه الشرط بناء على امتناع دخوله على الشرط. وإنما امتنع في: "ليت" و"لعل"، لأمر معنوي لا يستقيم معه دخوله على الشرط ولا ما أشبه الشرط. وهو أن الخبر في: ليت ولعل، هو الذي كان خبر المبتدأ. ودخول الفاء في الخبر يشعر بأن الجملة مسبب عن الأول، والجملة التي هي مسبب خبر في المعنى محتمل للصدق