[إملاء ٥٢]
[حد الاسم]
وقال مملياً [بدمشق سنة سبع عشرة] (١) على قوله (٢): "ما دل على معنى في نفسه". قال: الضمير في قوله: "في نفسه"، عائد على المعنى. يعني: أن اللفظ دال على معنى باعتبار نفسه لا باعتبار تعلقه (٣). لأن دلالة الألفاظ على ضربين: فضرب يدل على المعنى من غير اعتبار تعلق بالغير وهي الأسماء والأفعال، وضرب يدل على معنى باعتبار تعلقه بالغير وهي الحروف. ألا ترى أنك إذا قلت: خرجت من البصرة، فلفظة "من" دلت على ابتداء الخروج المتعلق بالمحل المخروج منهلا باعتبار ابتداء في نفسه. وإذا قلت: أعجبني الابتداء، فالابتداء (٤) مستقل في الدلالة على معناه باعتبار نفسه، فمن ثم حكم على "من" وشبهها أنها حرف وإن دلت على الابتداء، وحكم على لفظ الابتداء بأنه اسم.
ويجوز أن يقال: إن قولهم: في "نفسه" ضمير لما، وهو اللفظ، فيكون معناه: أن اللفظ يستقل (٥) بالدلالة على المعنى بنفسه من غير احتياج إلى أمر آخر يذكر معه يتعلق به، فيكون الحرف محتاجاً في الدلالة إلى الغير، والاسم والفعل مستقلان في الدلالة من غير احتياج إلى غيرهما. والكلام في دلالة المفردات، وأما النسب المفيدة فلا تكون إلا من اسمين أو من فعل واسم على ما تقرر.
стр. 527
[إملاء ٥٣]
[حد المفعول فيه]
وقال مملياً في البيت المقدس سنة ست عشرة على حد المفعول فيه (١): "ما فعل فيه فعل مذكور". فقال: إذا قلت: يوم الجمعة سرت فيه، فإنه فعل فيه فعل مذكور وهو السير وليس إعرابه على ذلك. وجوابه: أنه لم يوضع للدلالة على أنه فعل فيه، وإنما هو مخبر عنه، كما قلناه في قولنا: زيد ضربته، نعم الضمير في قولنا: "فيه" هو الذي فعل فيه. وأورد أيضاً: ضرب يوم الجمعة. وأجاب (٢) عنه بأنه مفعول فيه، وشرط نصبه أمر آخر، لا جرم حددنا المفعول فيه بما هو مفعول فيه، وكونه منصوباً لم نتعرض له.
[إملاء ٥٤]
[حد المضاف إليه]
وقال مملياً [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣) على قوله في المجرورات (٤): "والمضاف إليه كل اسم نسب إليه شيء بواسطة حرف جر لفظاً أو تقديراً مراداً". فقال: إذ قلنا: ما جاءني من أحد وشبهه، فهذا مجرور بواسطة حرف جر ومع ذلك ليس بمضاف إليه (٥). والجواب (٦) عنه من وجهين: أحدهما: أن نقول:
стр. 528
الحروف الزوائد جيء بها كلها لمعنى (١) فلا ينافي كونها زائدة، والمعنى الذي جيء بها له كونها لتأكيد تلك النسبة. ثم وإن سلمنا أنه ليس بنسبة، فلم نقصد بالحدج إلا ما ليس بزائد، لأن الحد باعتبار المعاني، لا تدخل الأمور التي لا معنى لها فيه، لأنه يؤدي إلى أن يكون له معنى فيما ليس له معنى.
[إملاء ٥٥]
[تجرد المضاف من التنوين]
وقال مملياً في المجرورات أيضاً [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٢) في قوله (٣): "مجرداً تنوينه لأجلها" (٤): إذا قلت هذا أحمر الثوب فلا تنوين فيه. فالجواب: أنا أردنا التنوين اللفظي والتقديري جميعاً، فإن "أحمر" قبل الإضافة لا تنوين فيه لأنه غير منصرف وبعد الإضافة كذلك. ولكنه لما بعد عن شبه الفعل بالإضافة حكم عليه بالرجوع إلى أصلهن فيكون التنوين مقدراً. ألا ترى أن الخفض يدخله إذا قلت: مررت بأحمر الثوب، ولولا أنه في حكم المنصرف لم يجز دخول الخفض فيه، فلذلك نقول: زال التنوين فيه لأجل الإضافة.
[إملاء ٥٦]
[حد المعرب]
وقال مملياً ببيت المقدس سنة ست عشرة وستمائة على قوله (٥):
стр. 529
"ويختلف آخره باختلاف العامل"، قال: أنتم اعترضتم على النحويين في حد المعرب بقولهم: ما اختلف آخره باختلاف العامل، وبينتم أن هذا يلزم فيه الدور (١)، فأنتم أيضاً قد ذكرتم ذلك بعينه في حدكم، وهو قولكم: المعرب المركب الذي لم يشبه مبني الأصل، ويختلف آخره باختلاف العامل. فيلزمكم ما لزمهم. والجواب: أنا لم نجعل الاختلاف فيما ذكرناه مبنياً، وغنما جعلناه مخبراً به بعد أن قدمنا ما يدل على المراد وهو قولنا: المعرب المركب الذي لم يشبه مبنى الأصل. ثم أخبرنا بعد أن ثبتت حقيقة المعرب بأنه يختلف. ولا يلزم من الإخبار عن الشيء الأطراد والانعكاس، ألا ترى أنك لو قلت: زيد قائم (٢) وما أشبهه من الإخبارات، لم يلزم أن يكون ذلك مطرداً، بخلاف ما ذكر من الحد.
[إملاء ٥٧]
[حد التوابع]
وقال مملياً في قوله (٣): "التوابع كل ثان بإعراب سابقة من جهة واحدة": قوله: من جهة واحدة، احتراز من قولنا: أعطيت زيداً درهما، فإن تعلقه بـ "زيد" على معنى كونه آخذاً، وتعلقه بـ "الدرهم" على معنى كونه مأخوفاً، بخلاف: جاء زيد العاقل.
[إملاء ٥٨]
[العطف على اسم "أن" المفتوحة بالرفع]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٤) على المقدمة في
стр. 530
قوله (١): "ولذلك جاز العطف على اسم المكسورة لفظاً أو حكماً بالرفع دون المفتوحة": قولهك أو حكماً، مثل قوله تعالىك ﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾ (٢). فإن قوله: ورسوله، معطوف على اسم (أن) (٣) وإن كانت مفتوحة، لأنها في حكم المكسورة. وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون. فإنهم إذا قالوا: يعطف على اسم "إن" المكسورة دون غيرها أو هموا أنه لا يجوز العطف على المفتوحة.
والمفتوحة تنقسم قسمين: قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز. فالقسم الذي يجوز هو أن تكون في حكم المكسورة كقولك: علمت أن زيداً قائم وعمرو (٤)، لأنه في معنى: إن زيداً قائم وعمرو، فكما جاز العطف ثم جاز ههنا. ألا ترى أن "علم" لا تدخل إلا على المبتدأ والخبر. يدل على ذلك وجوب الكسر في قولك: علمت إن زيداً لقائم. وإنما انتصبا بعدها توفيراً لما تقتضيه "علمت" من معنى المفعولية.
فإذا تحقق أنها في حكم المكسورة جاز العطف على موضعها إجراء لها مجرى المكسورة لأنها في حكمها. فإن كانت المفتوحة على غير هذه (٥) الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع مثل قولك: أعجبني أن زيداً قائم وعمراً، فلا يجوز إلا النصب، ولا يستقيم الرفع بحال عطاف على اسم "أن" لأنها ليست
стр. 531
مكسورة ولا في حكم المكسورة لأنها في موضع مفرد من كل وجه (١). وقد تقدم تعليق تخصيص المكسورة بذلك.
[إملاء ٥٩]
[حد البدل]
وقال مملياً [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٢) في البدل في قوله (٣): [تابع مقصود بما نسب إلى المتبوع دونه": فقولنا: تابع، يشمل التوابع كلها. وقولنا: مقصود، دخل فيه المعطوف، فأخرجناه بقولنا: دونه، يعني دون المتبوع، فإن الضمير في "دونه" للمتبوع. فإنا إذا قلنا: أعجبني زيد حسنه، فالإعجاب منسوب إلى الحسن، وإنما ذكر زيد للتوطئة والتمهيد، والمعطوف دخل مع المعطوف عليه في المعنى الذي سيق المعطوف عليه لأجله. فإن قولنا: قام زيد وعمرو، شركت بين زيد وعمرو في القيام بما هو قيام، لأنه يستحيل أن يكون قيام زيد قيام عمرو، وإنما التشريك في معقول القيام لا في القيام المضاف إلى زيد.
[إملاء ٦٠]
[إطلاق المركب]
وقال مملياً [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (٤) على قوله (٥): "المعرب المركب الذي لم يشبه مبني الأصل". قال: توهم بعض الأصحاب أن المركب لا
стр. 532
يطلق إلا على الجملة بكمالها، وليس بمستقيم. لأن القائل إذا قال: زيد قائم، صح أن يقال: ركبت زيداً مع "قائم"، فـ "زيداً" مفعول بـ "ركبت"، وكل مفعول لفعل يصح إطلاق صيغة مفعول عليه، فيجب صحة إطلاق مركب عليه، فيصح أن يطلق (١) على زيد مركب كما صح إطلاق مضروب على زيد إذا قيل: ضربت زيداً. فقد ثبت صحة إطلاق لفظ المركب على كل واحد مفرد من أجزاء الجملة.
فإن قيل: فيكون "قام" في قولك: قام زيد، مركب مع زيد، وعلى ذلك يكون معرباً لدخوله في حد المعرب. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه لم يرد ههنا بالمركب إلا الاسم المركب، إذ هذا الحد إنما جيء به لنوع من الأسماء وهو المعرب. وإذا حد نوع من جنس بعد ذكره إنما (٢) يراد ذلك الجنس، فقوله: المركب، إنما أريد الاسم المركب، ولكنه حذف الموصوف وأقيم الصفة مقامه. الثاني: هو أنه قد اشتمل على قوله: لم يشبه مبني الأصل، "وقام" مبني الأصل فلا ليس. فإن قلت: فـ "يقوم زيد، لا يشمله الجواب الثاني. قلت: بل يشمله لأن "يقوم" يشبه "قام" فهو وإن كان مركباً فقد أشبه مبني الأصل فلا يرد. والجواب الأول هو المراد المعتمد عليه.
[إملاء ٦١]
[الجمع المانع من الصرف]
وقال مملياً [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (٣) على قوله (٤): "الجمع شرطه
стр. 533
صيغة منتهى الجموع" (١). قال: إنما لم يمنع غير هذه الصيغة من صيغ الجموع لأمرين: أحدهما: أنه لا يتفق اجتماعها مع علة أخرى، لأنها مع العدل لا تكون، إذ للعدل (٢) صيغ محصورة ليس فيها جمع إلا أخر، وهو مستقل بعلتين غيره، وهما العدل والصفة، ولا يستقيم مع الوصفية لأن المعتبر في الوصفية الوصف المفرد لا الجمع من حيث كان المفرد هو الأصل فلم يعتبر سواه، ولا يجامع التتأنيث لأن شرطه العلمية، وإن كان ألفا كان مستغنياً عن علة أخرى. ولا يجامع العلمية لما بينهما من المنافاة، لأنك إذا سميت به فقد خرج عن كونه جمعاً، وصار بهذا الاعتبار كالأسماء المفردة. فإن قيل: فلم لم يعتبر معه بعد التسمية كما اعتبر في "مساجد" بعد التسمية به؟ فالجواب: أن الجمع في "مساجد" متأكد بما تقرر في بابه، فلا يلزم من اعتبار جمع متأكد في الأصل بعد خروجه بالنقل اعتبار جمع غير متأكد، ولتأكيده قام مقام علتين فظهر الفرق.
وبقية العلل في امتناع اجتماعها مع الجمع واضحة وهي العجمة والتركيب والألف والنون ووزن الفعل.
الوجه الثاني وهو أولاهما: أنه لم يعتبر لشبهه بالواحد، لأن هذه الصيغة غير باب "مساجد" اشتركت كلها في صحة جمعها تشبيهاً بالواحد لفظاً أو حكماً، فلم تعتبر الجمعية فيها لذلك، إذ الصيغة في الواحد مثلها في باب الجمع بخلاف باب "مساجد" فإنه لم يشركه باب الوحدان (٣) فيما ذكر، فكذلك اعتبر الجمع ولم يعتبر في غيره.
стр. 534
[إملاء ٦٢]
[حد الاستثناء المنقطع]
وقال مملياً على قوله (١): "والمنقطع المذكور بعدها غير مخرج". قال: وهذا أولى من حد النحويين الذين يقولون في حد المنقطع: إنه ما كان من غير الجنس. فإنه باطل بقولنا: جاء القوم إلا زيداً، لقوم معهودين بينك وبين مخاطبك ليس فيهم زيد. فهذا استثناء من الجنس ومع ذلك هو منقطع. قال: ويمكن أن يعتذر للنحويين بأن غير الجنس قد يطلق على ما لم يكن داخلاً في الأول، والجنس ما كان داخلاً. فلما كان المنقطع غير داخل في الأول أمكن أن يعبر عنه بأنه من غير الجنس بالتفسير الذي ذكرناه.
[إملاء ٦٣]
[الكلام في تنوين "غير "]
وقال مملياً [بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة] (٢) في قوله (٣): "وغير صفة حملت على إلا في الاستثناء". فقال بعض جماعته أيجوز: غير أو غير بالتنوين؟ فاقل: كل ما يتكلم به إنما هو اسم أو فعل أو حرف. فإن كانت أفعالاً أو حروفاً فالأحسن أن تذكرها على ما كانت عليه في أصل وضعها، فتقول: "ضرب" حكمه كذا، ومن: حرف ابتداء. وإن كانت أسماء فلا يخلو إما أن تكون معربة أو مبنية، فإن كانت معربة فالأحسن أيضاً أن يتكلم بها على ما هي في أصل وضعها، فتقول: "زيد" حكمه كذا، ولو قلت: "زيد" حكمه كذا كان جائزاً، إلا أنه ضعيف. فإن كان غير منصرف فلك أن تحكيه ولك أن تعربه، فتقول:
стр. 535
سواء: حكمه كذا، وسواء: حكمه كذا. وإن كانت متصرفة أعربته لا غير (١). وإن كان مبنياً حكي كالأفعال والحروف.
[إملاء ٦٤]
[إضافة الصفة إلى موصوفها وبالعكس]
وقال مملياً في المقدمة [بدمشق سنة تسع عشرة] (٢) على قوله (٣): "ولا يجوز إضافة الصفة إلى موصوفها ولا الموصوف إلى صفتهطز فقال: إنما امتنع ذلك لأنه لم يخل إما أن تضيف باعتبار الذات أو باعتبار المعنى أو باعتبارهما جميعاً. فإن أضفت باعتبار الذات كان باطلاً لأنه يؤدي إلى إضافة الشيء إلى نفسه. وإن أضفت باعتبار المعنى فهو أيضاً باطل، إذ ليس عالم موضوعاً لمجرد المعنى بل للذات والمعنى، والمعنى هو المقود. ولذلك لو قلت: رجل علم، جازن وباعتبارهما جميعاً أيضاً باطل لأنهما جميعاً ليس اللفظ موضوعاً لهما على السواء، وهذا الوجه يجري في منع إضافة الصفة إلى موصوفها أيضاً (٤).
стр. 536
[إملاء ٦٥]
[حد النعت]
وقال ممليا بالقاهرة [سنة ست عشرة] (١) علي قوله (٢) النعت تابع يدل علي معني في متبوعه (٣) أورد عليه بعض الأصحاب جاء القوم كلهم متوهما أن كلهم لما كان تأكيد اأنه دال علي معني في المتبوع وهم القوم فقال ممليا أكان كلهم دالا علي معني في المتبوع فليكن قولك جاء زيد زيد دالا علي معني في المتبوع وليس دالا معني في المتبوع وبيانه أن التوهم الذي رفع بزيد الثاني ليس قائما بزيد الأول ولم يكن موضوعا له، وإنما جاء اللبس على السامع بالنظر إلى الوجود، إذ يحتمل أن يكون جاء غلامه أو غيره من المنسوبين إليه. فالمتبوع ليس التوهم قائمآ به البتة بل بالمخاطب، ونحن قد قيدنا وقلنا: ما دل على معنى في المتبوع. وكذلك قولنا: جاء القوم كلهم، لم يأت المتكلم بلفظ كلهم إلا رافعا بها التوهم عن السامع لئلا يقدر أن بعضهم جاء، فليس في المتبوع الذي هم القوم احتمال أصلا مع كلهم
[إملاء ٦٦]
[نون التوكيد]
وقال ممليآ [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٤) على قوله (٥): "نون التوكيد خفيفة ساكنة، ومشددة مفتوحة مع غير الألف" إلى آخره. قال: إنما اختصت
стр. 537
هذه النون بالفعل المضارع لأنها مشبهة بالتنوين فخصوها به لكونه الأصل في الإعراب، وليس للماضي أصل فيه، فلم يناسب دخولها فيه. ودخلت في الأمر إجراء له مجراه قبل حذف حرف المضارع فأجري على أصله وإن خرج عن الإعراب على المذهب الصحيح (١). وإنما خصوه بالمستقبل لا ستغناء الحال غالبا عن التوكيد لوضوح أمره، بخلاف الغائب في الغالب فإنه غير متضح، فكان أحوج منه إلى التأكيد. واختصت بما فيه معنى الطلب لقصد المتكلم إرادة ما يطلبه غالبآ، فهو مؤكد عنده في طلب حصوله، فكان فيه مناسبة التأكيد دون غيره. وأجري مجراه القسم وإن لم يكن فيه طلب، لأنه إما غالبه أن يكون مرادا وإما لأن جميعه مقصود حصوله للصدق لا لحصوله في نفسه، فأجري مجرى ما المقصود منه الحصول (٢) وإنما لم تدخل النون في الحقيقة على فعل الاثنين وجماعة النساء (٣) كراهة اجتماع الساكنين على غير حدهما (٤) ... ،ودخلت الشديدة وإن التقى ساكنان لأنهما على حدهما. وإنما كسرت معها خاصة لما ثبت في غيرها من أن
стр. 538
النونات الزوائد على الصيغة بعد الألف مكسورة، ك: رجلان وغلامان وضربان ويأكلان، وهذه كذلك فأجراها. أو لأنها موضع نون التثنية وهي مكسورة، فجعلت مثلها، وشبهت بما في جماعة النساء بها لكونها بعد ألف. وإنما ضمت مع ضمير المذكرين لأنها تنزل مع الضمير البارز منزلة كلمة منفصلة ومع غيره منزلة حرف متصل (١). وقد علمت أنك تقول في "اضربوا" إذا وصلته باليوم: اضرب اليوم، فكذلك يجب أن بقول: اضربن، لأنها في الحقيقة اجتمعت هي ساكنة والنون ساكنة فحذفت لالتقاء الساكنين كما حذفت لسكونها وسكون اللام. ووجه كسرها مع ضمير المخاطب المؤنث على هذا المثال. فإن لم يكن ضمير بارز قدرت متصلة كقولك للرجل: اضربن، كقولك: ليضربن الزيدون العمرين، لأنهما لا ضمير فيهما بارز، لأن الضمير الأول مستتر، ولا ضمير في الثاني. وقد علمت أنهم إذا اتصل بالفعل ما ليس بواو مما يكون لجزئه فتح معه كقولك: اضربا واخرجا، فكذلك يجب أن تقول: اضربن واخرجن. وإنما لم تجعل كالمنفصل مثل الأول لأنه حرف لمعنى في الفعل لم يفصل بينه وبينه فاصل، فجعل كالتنوين وألف التثنية بخلاف ما جاء فيه الضمير البارز، لأنه كلمة أخرى انضمت إلى الفعل، فلم يحسن أن تجعل من جملته بعد الفصل بينه وبينه بكلمة للمنافاة بين جزئي الكلمة وبين الفصل بينهما بكلمة وهذا الأصل ينبني عليه جميع مسائل هذا الباب في الصحيح والمعتل (٢). فمن ثم قيل للواحد: اغزون كما تقول: اغز، وللمذكرين: اغزن كما تقوا: اغزوا اليوم، وللواحدة: اغزن كما تقول: اغز اليوم. وتقول للواحد: رين كما تقول:
стр. 539
ري، وللمذكرين: رون، بواو مضمومة، كما تقول: رووا اليوم، وللمرأة: رين بياء مكسورة كما تقول: ري اليوم، قال الله تعالى: ﴿فإما ترين﴾ (١) وقال: ﴿لترون﴾ (٢) قوله: والمخففة تحذف للساكن، يعني: إذا لقيها ساكن، يعني: إذا لقيها ساكن بعدها، فتقول في "اضربن" إذا وصلته باليوم: اضرب اليوم، ولا تحركها لالتقاء الساكنين كما تحرك التنوين، كأنهم قصدوا أن يكون لما يدخل الاسم على ما يدخل الفعل مزية. فإذا وقفوا فلا يخلو ما قبلها من أن يكون مفتوحآ أو غير مفتوح. فإن كان غير مفتوح حذفوها أيضا كما حذفوا التنوين فيقولون في "اضربن": اضربوا، وفي "اضربن" للمرأة: اضربي. لأنهم لما حذفوها زال المقتضي لحذف الساكن الذي قبلها فوجب رده. فإن قيل كان القياس ألا يرد ما حذف لأجله لأن حذفه عارض، كما أنهم لم يردوا في قولهم: قاض، ما حذفوه لأجل التنوين وهو الياء لما كان حذفه عارضاً على اللغة الفصيحة. فالجواب: أن التنوين في الاسم متأصل موضوع لمعنى أصلي يدل عليه، فإذا حذف في الوقف كان حذفه عارضاً على التحقيق، والأصل الإثبات. ونون التأكيد ليست لمعنى زائد عما يدل عليه الفعل بل هي في معنى حروف الزيادة، فصارت في الأصل عارضا، فإذا حذفت رجعت الكلمة إلى أصلها فوجب رد ما حذف لأجله، فحصل الفرق بينهما لذلك. وكذلك لو قلت: هل تضربن، ثم وقفت قلت: هل تضربون، فتثبت الواو ونون الإعراب ساكنة. أما الواو فلزوال مقتض حذفها وهو النون الساكنة. وأما رد نون الإعراب فلزوال مقتض البناء، لأن
стр. 540
نون التأكيد تقتضي بناء الفعل، فإذا زالت رجع الفعل إلى ما يستحقه من الإعراب فوجب رد النون في: هل تضربون؟ لأنها علامة للرفع (١) فيه. وإن كان مفتوحا قلبوها ألفا، تقول في "اضربن": اضربا. وإنما قلبوها ألفا تشبيها لها بالتنوين المفتوح ما قبله مثل قولك: رأيت زيدا وعمرا، وما أشبهه. ولم يحذفوه من (٢) غير عوض كما فعلوا في المضموم ما قبله والمكسور إجراء له مجرى التنوين، ففعلوا به ما فعلوا في التنوين لخفة الفتحة والألف، وثقل الضمة والواو، والكسرة والياء
[إملاء ٦٧]
[المنفي المضاف بلام الإضافة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣) على قوله (٤):"ومثل لا أب له ولا غلامين له جائز تشبيهه بالمضاف لمشاركته له في أصل معناه": يعني: أن كل نكرة نسبت إلى منسوب إليه باللام وحكمها يختلف باعتبار إفرادها وباعتبار إضافتها فالقياس استعمالها مفردة لأن اللام قطعتها عن الإضافة لفظا ومعنى كما في سائر الأبواب. ويجوز على غير القياس وهو مع ذلك ليس بالكثير في الاستعمال إجراؤها مجرى المضاف في الحكم لا في المعنى، فتعطى أحكام المضاف من إعراب بحرف أو حذف نون حتى كأنها مضافة، فتقول في: لا ناصرين لك، لا ناصري لك،
стр. 541
تشبيها له بالمضاف لمشاركته له في أصل معنى الإضافة من حيث كونه منسوبا إلى الثاني على أصل معنى تلك النسبة لا على الاختصاص التعريفي الذي جعلها لواحد معين. ومن ثم، يعني: ومن أجل أن هذا الحكم كان من أجل تشبيهه بأصل معنى الإضافة أنهم لم يفعلوه في: لا أب فيها، ولا قيبى عليها، ولا مجيري منهما، لأن هذه النسبة ليست نسبة الإضافة، فلذلك لم يعط حكم الإضافة باعتباره، بخلاف النسبة التي هي بمعنى اللام. وقد زعم سيبويه وأكثر النحويين أنها إنما أعطيت هذا الحكم لأنهم قصدوا الإضافة فجاءوا باللام للتوكيد لها في المعنى (١). وقال الزمخشري (٢): "وقضاء من حق المنفي في التنكير بما يظهر بها من صورة الانفصال" (٣). وهو إيذان منهم بأن المعنى معنى الإضافة على التحقيق، وهو فاسد من وجوه: منها: القطع بأن معنى: لا أب لك، بمعنى: لا أبا لك.
стр. 542
و"لا أب لك" غير مضاف باتفاق، فوجب أن يكون الأخر كذلك. ومنها: الاتفاق على أن "لا" هذه لا تدخل إلا على نكرة، فلو جعل مضافا على الحقيقة لكان معرفة فيبطل قولهم: لا تدخل إلا على نكرة. ومنها: لو كان معرفة لكان لواحد مخصوص، ونحن نقطع بأن قولك: لاحما لك ولا أخا لك، ليس لواحد مخصوص، وإنما هو نفي لجميع الأخوة، إما باعتبار الزوم وإما باعتبار نفسه، كما في: لا رجل أفضل منك فثبت أنه نكرة وليس بمعرفة، فوجب أن يكون هذا الحكم الخارج عن القياس لتشبيهه بالإضافة، لا لأنه مضاف حقيقة.
[إملاء ٦٨]
[الإضافة اللفظية]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "واللفظية أن تكون صفة مضافة إلى معمولها مثل: ضارب زيد": والمعمول قد يكون مفعولا وقد نكون فاعلا مثل: حسن الوجه. وإذا أضيف إلى ما يحتمل أن يكون معمولا له وإلى ما يحتمل أن لا يكون معمولا له كقولك: هذا مصارع السلطان، جاز أن تكون الإضافة، وجاز أن تكون معنوية. أما نحو: ضارب مصر، فلا ينبغي أن تكون إلا إضافة معنوية لتعذر أن يكون "مصر" معمولا ل"ضارب" قال: "ولا تفيد إلا تخفيفا في اللفظ". معنى هذا: أنها لابد لها من إفادة التخفيف وأنها لا تفيد غيره، فقرر انتفاء ما سوى منطوق قوله: ولا تفيد إلا تخفيفا، بقوله: ومن ثم جاز مررت برجل حسن الوجه (٣). ألا ترى أنه لو كان
стр. 543
يفيد غير التخفيف لأفاد التعريف، ولو أفاد التعريف لامتنع وصف النكرة به. وكذلك أيضا قرر بامتناع: مررت بزيد حسن الوجه. ألا ترى أنه لو كان مفيدا للتعريف لصحت المسألة، ولما لم تصح دل على أنه لم يفد غير التخفيف، وقرر إفادتها التخفيف الذي هو مستفاد من مفهوم الاستثناء في قوله: إلا تخفيفا، أو مستفاد من الظاهر، إلا أنه دون الأول في الظهور على الخلاف بين الناس بقوله: ومن ثم جاز الضاربا زيد (١). ألا ترى أنه لما استفدنا بالإضافة حذف النون وهو نوع من التخفيف لأجلها جازت الإضافة. وكذلك امتناع الضارب زيد (٢). ألا ترى أنه لما كان التنوين محذوفا لأجل اللام لم تفد الإضافة تخفيفا. ولما لم تفده لم يجز خلافا للفراء. ووجه قول الفراء أن ضارب زيد، منفق عليه وهو نكرة، فلما قصد إلى تعريفه عرف بما يعرف به مثله، فكأن الإضافة أفادت التخفيف، ولم تجىء اللام إلا بعد تخفيفها وتقريرها بشرطها، أو يحمله على مثل: الضارب الرجل، وقولهم: الحسن الوجه، أو على مثل الضاربك، وهو غير مستقيم (٣) ... أما تقدير الإضافة قبل اللام، فتقول: اللام والإضافة قد اجتمعا فإذا شككنا فيما هو الموجب لحذف. التنوين كان السابق أولى بإثبات الحكم المقتضي هو له من المتأخر. هذا مع أنه لم يثبت مثله في كلام العرب، وإذا لم يثبت فالاحتمال كاف لا سيما إذا كان المعنى المقيض مرجحا. وأما
стр. 544
الضارب الرجل، فله وجه، وهو أنهم شبهوه في الإضافة بما أفاد تخفيفا وهو قولهم: الحسن الوجه. ألا ترى أنهم شبهوا: حسن الوجه، في صحة الإضافة بباب: ضارب الرجل، فشبهوا الضارب الرجل، في صحة الإضافة بـ"الحسن الوجه". وأما "الضاربك" فإنما يصح لأنه محمول على "ضاربك" و"ضاربك" لا يستقيم اعتبار تحقيق التخفيف فيه (١). ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: ضاربنك ولا ضارب إياك. أما ضاربنك ففاسد للجمع بين مدلولين متناقضين، لأن التنوين يدل على الانفصال، والضمير المتصل يدل على الاتصال وهما متناقضان. وأما: ضارب إياك، فلا يستقيم، لأنهم لا يعدلون إلى المنفصل إلا بعد تعذر المتصل ولم يتعذر. وإذا وجبت إضافة "ضاربك" من غير اعتبار تحقيق التخفيف وجب صحة الضاربك. هذا إن قلنا: إن "الضاربك" مضاف. وأما من قال: إن الكاف في موضع نصب فلا يرد عليه بحال. فإن قيل: هذا يناقض ما ذكرتموه من أن الإضافة اللفظية لا تفيد إلا تخفيفا، قلنا: هو تخصيص له، والإضافة اللفظية في الغالب كذلك على ما قلناه، إلا في هذه المواضع التي خصصت لأجل المعاني التي قررت فيها، والتخصيص بعد التعميم ليس ببدع.
стр. 545
[إملاء ٦٩]
[حذف لام المفعول له]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١) على قوله في المفعول له (٢): "وإنما يجوز حذفها إذا كان فعلا لفاعل المعلل ومقارنا له" وإنما اشترط ذلك لتقوى القرينة الدالة على حذف اللام؛ لأن الأصل إثباتها كما أن الأصل إثبات "في" في الظرفية، فكرهوا أن يحذفوها في موضع لم تقو قرينتها. ومعلوم أن كونه فعلا وكونه لمن فعل الفعل الأول وكونه مقارنا مما يغلب على الظن كونه. علة، فجاز حذف الحرف الدال العلية لقيام غيره مقامه. فإن فقد شيء منها رجع إليه كقولك: جئتك للسمن، وقصدتك لإكرامك الزائد، وقعدت عنك اليوم لمخاصمتك لي أمس، فلو حذفت اللام في شيء من ذلك لم يجز لما ذكرناه.
[إملاء ٧٠]
[حمل "عند" و "لدى" وشبههما على ظرف المكانٍ]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٣) على قوله (٤): "وحمل عليه عند ولدى وشبههما لإبهامهما". قال: وجه الإبهام فيهما، إنما كانت الجهات الست مبهمة من حيث كانت متوقفة في معقوليتها على ما تضاف إليه مثل: فوق وتحت وأمام وخلف، فحمل عليه من ظروف المكان ما كان متوقفا في معقوليته على مضافه مثل: لدى وعند وتلقاء وتجاه وحذاء ووسط وبين، ونحو ذلك.
стр. 546
وليس: مكان ومجلس، من هذا القبيل عند الأكثرين، وإنما هو من الظروف المعينة. وإنما جاز في "مكان" أن ينصب نصب المبهم لكثرته، وهم لما كثر في ألسنتهم مغتفرون فيه ما لا يغتفرون في غيره. وليس قول من قال: إن المبهم هو الذي ليس له أقطار تحيط به ولا نهايات تحصره والمختص عكسه، بمستقيم. فإنه لو قال: جلس في البيت بين يدي، كان ظرفا مبهما، مع كونه له أقطار تحيط به ونهايات تحصره.
[إملاء ٧١]
[اجتماع ضميرين وليس أحدهما مرفوعا]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "وإذا اجتمع ضميران وليس أحدهما مرفوعا. فإن كان أحدهما أعرف وقدمته فلك الخيار في الثاني": قوله: ليس أحدهما مرفوعا، احتراز من: ضربتك وأكرمتك، فإنهما ضميران ولا يجوز في الثاني إلا الاتصال (٣). فلو (٤) ... لم يحترز واحترز بجواز الانفصال كان خطأ. قوله: "فإن كان أحدهما أعرف"، احتراز من أن يكونا ضميرين وليس أعرف (٥)، ومع ذلك فإنه لا يجوز فيهما الأمران كقولك: أعطيته إياه. وقوله: "وقدمته" (٦)، احتراز من أن يكون ضميران وليس
стр. 547
أحدهما مرفوعا وأحدهما أعرف، ولكنه (١) لا يجوز فيه إلا الانفصال كقولك: أعطيته إياك. فلذلك أتى بهذه القيود وفصل الشرط الأول وهو كون أحدهما مرفوعا من الشرطين الأخيرين وهو كون أحدهما أعرف، وقدمته لأنه يقصد إلى نفيهما، وإثبات حكم عند نفيهما، والحكم الذي يثبته عند نفيهما هو وجوب الانفصال كقولك: أعطيته إياه وأعطيته إياك. فلو لم يفصل الشرطين عن الأول وذكرهما ذكرا واحدا لكان عند النفي يشمل الجميع، فيكون الحكم أيضا على الضميرين إذا كان أحدهما مرفوعا، وقد احترز بوجوب الانفصال فيكون خطأ، لأنه إذا قال: وإلا فهو متصل، ودخل فيه كون أحدهما مرفوعا كان مضمونه وجوب قولك: ضربت إياك، وهو خطأ.
وإذا فصلته عن هذين الشرطين الأخيرين بقوله: فإن كان أحدهما، كان قوله: وإلا، راجعا إلى ما أثبته بالشرط الأول، فيبق ذلك غير محكوم على نفيه ههنا. وقد ذكر حكمه فيما تقدم، فبق ذلك الحكم المذكور غير مناقض نصده فوجب لذلك أن يفصل الأول عن الشرطين الأخيرين.
[إملاء ٧٢]
[من مسائل الصفة المشبهة]
وقال ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٢) على قوله (٣):ما فيه ضمير واحد
стр. 548
أحسن وما فيه ضميران حسن وما لا ضمير فيه قبيح" (١):لأنك إذا أعملته فإنما تعمله فيما كان من سببه فلا بد من ضمير يربط بينه وبينه. فإذا حصل الضمير من غير زيادة ولا نقصان [فهو أحسن] (٢) لأنه أتى على وفق ما يقتضيه الكلام من الاتيان بالمحتاج إليه وترك الفضلة. وإذا لم يكن فيه ضمير كان قبيحا من حيث صار كأنه أجنبي، ولا بد أن يكون بينه وبين الأول تعلق. ولولا تقدير الضمير لم يجز البتة، فهذا الذي قبح منه. وإذا كان فيه ضميران لم يكن كالأول في الحسن، ولا كالثاني في القبح، لأنه اندفع الوجه الذي استقبح لأجله وهو عدم الضمير. وإنما حصل ضمير زائد غير محتاج إليه فهو الذي بعده عن الوجه الأول الأحسنية وهو مع ذلك حسن (٣). ثم قال: إذا رفعت الصفة الظاهر وجب أن تكون كالفعل في إفرادها وتأنيثها وامتناع تثنيتها وجمع المصحح. فأما جمع التكسير فأنت فيه بالخيار إذا كان مرفوعها جمعا كقولك: جاءني رجل قعود غلمانه وقاعد غلمانه. ولا يجوز: قاعدون غلمانه (٤). وإنما امتنعوا من "قاعدون" لشبهه بـ "يقعدون" من حيث كان فيه صورة الضمير الذي في "يقعدون". ولم يمتنعوا في "قعود" لعدم هذا المانع فيه، فأجروه تارة مجرى الفعل في الإفراد وتارة مجرى الأسماء في مطابقتها لمن هي له. فقوله تعالى:
стр. 549
[خاشعا أبصارهم] و [وخشعا أبصارهم] (١)، جاءا.
[إملاء ٧٣]
[مواضع وجوب تقديم الخبر]
وقال ممليا [بدمشق سنة تسع عشرة] (٢) على قوله (٣): "وإذا تضمن الخبر المفرد ما له صدر الكلام"، إلى آخره، وجب تقديمه. قال: وإنما وجب تقديمه إذا كان متضمنا ماله صدر الكلام وهو مفرد (٤) ... لما تقرر من أنهم يقدمون ما يدل على قسم دون غيره من أقسام الكلام. وإنما اشترط ههنا أن يكون مفردا ليخرج عنه مثل: زيد هل قام أبوه؟ وإنما لم يجب تقديم الخبر ههنا لأنه وقع جملة وقد تقدم ماله صدر الكلام أول جملته، فحصل المقصود من تقديم ماله صدر الكلام أول جملته. فعلى هذا لو قيل: زيد أين؟ لم يجز. وإنما وجب أن يكون "أين" خبرا لأنه مع زيد جملة، فلا بد أن يكون إما مبتدأ وإما خبرا. ولا جائز أن يكون مبتدأ لأنه يلزم أن يكون خبره مطابقا له في المعنى، وليس زيد مكانا ليصح الأخبار عن المكان به. وإذا بطل أن يكون مبتدأ تعين أن يكون خبرا. وصح لما ثبت من صحة الاخبار بالظروف باعتبار متعلقاتها كقولك: زيد أمامك، والقتال يوم الجمعة. لأن المعنى: زيد مستقر أمامك، والقتال حاصل يوم الجمعة. فلما استقر ذلك في الظروف صح وقوعها
стр. 550
أخبارا، فوجب ثبوت كون "أين" خبرا، وبطل أن يكون مبتدأ، ووجب تقديمه لما تقدم (١) قوله: "أو كان مصححا مثل قولهم: في الدار رجل"؛ لأن المصحح لكونه مبتدأ، وهو نكرة، تقديم هذا الخبر عليه، فإذا أخر زال المصحح، فوجب بطلانه لفقدان مصححه. أو كان لمتعلقه ضمير في المبتدأ مثل قولهم: على التمرة مثلها زبدا (٢). لأنه لو أخر فقيل: مثلها على التمرة، لأدى إلى عود الضمير على غير مذكور وهو فاسد فوجب تقديمه لذلك، كما امتنع: صاحبها في الدار، وضرب غلامه زيدا، على ما تقرر. قوله "أو كان خبرا عن "أن" مثل قولهم: عندي أنك قائم". وإنما وجب تقديم الخبر عن "أن" وما في حيزها إذا وقعت مبتدأة لأنها لو وقعت صدر الكلام لكانت مهيأة لدخول عوامل الجمل الابتدائية عليها، ومن جملتها "إن" المكسورة، فيؤدي إلى اجتماع: إن وأن (٣)، وهم يكرهون اجتماع حرفين بمعنى واحد، فكرهوا ما يؤدي اليه كما كرهوا ما يؤدي إلى الابتداء بالساكن لأنهم كرهوا الابتداء بالساكن. هذا هو تعليل النحويين، وهو مدخول من
стр. 551
جهات: منها: أنه لا يلزم من كونه من باب ما يصح دخول العوامل عليه أن تدخل جميعها عليه، لأن: من زيد؟ من جملة هذا الباب، ولا تدخل "إن" وجميع بابها عليه. وإذا كان جميع الباب ممتنعا عن مثله فهو أجدر بذلك لجواز إدخال العوامل عليه بتقدم الخبر عند إرادته. ومنها: أنهم يقولون: حق أن زيدا منطلق. ومعلوم أن دخول "أن" مع تقديم الخبر ممتنع، فكان تقديم "أن" لأنه الأصل أولى إذا اتفقوا في امتناع دخول العوامل في الحالين جميعا. ومنها: أن الاتفاق على جواز وقوع "أن" مبتدأة بعد "إذا" في مثل قولهم: إذا أنه عبد القفا (١). وكان يجب عندهم أن لا يجوز لأنه مهيأ لدخول العوامل عليه، فقد انتقض تعليلهم لجواز فتح "أن" بعد "إذا".ومنها: أنه يجب أن تفتح "أن" بعد "لولا"، والأمر فيه على ما تقدم في "إذا" إلا أنه في "لولا" واجب (٢)، وفي "إذا" جائر. ولو قيل: لأنه يؤدي إلى إدخال اللبس بين "أن" التي بمعنى لعل وبين "أن" هذه لأنهم يقولون: أن زيدا قائم، بمعنى: لعل زيدا قائم. ومنه قوله تعالى: [أنها إذا جاءت لا يؤمنونٍ] (٣). وهذه التي بمعنى "لعل" يجب أن
стр. 552
يكون لها صدر الكلام مثل "لعل" ضرورة معنى الانشاء فيها. فلما قصدوا إلى الفرق بينهما قدموا خبر ما يجوز تقديمه في بابه والتزموه فيها ليحصل الفرق بالتزام بينهما فيعلم إذا تقدمت أنها التي بمعنى "لعل" وإذا تأخرت أنها "أن" هذه. ولا يرد على ذلك شيء فيما تقدم، فلذلك وقعت غير مقدم عليها خبرها في الموضع الذي لا تقع فيه "لعل" في مثل قولهم: إذا أنه، ولولا أنك. لأنهم لما أمنوا اللبس الذي من أجله قدموا أتوا بها على بابها، وهذا أولى بالتعليل أيضا اقوة المعنى فيه. فإن أمر اللبس قوي في المعنى، فقصد إزالته، بخلاف ما يؤدي إلى ما ليس بمستحسن لما تقدم من أنه لا يلزم إذا أدى إليه أن يمنع منه إلا إذا كان لازما. أما إذا كان المتكلم على خيرة فيمكنه أن يجري على الأصل. فإذا أتى في الموضع الذي أدى إلى ذلك امتنع منه كما فعلوا ذلك فيما ذكرناه من نحو: من زيد؟ وشبهه.
[إملاء ٧٤]
[وقوع المبتدأ نكرة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قوله (٢): "وقد يكون المبتدأ نكرة إذا تخصصت بوجه ما": لأنهم قصدوا إلى أن يكون المحكوم عليه معروفا أو مقربا من المعروف بوجه من وجوه التخصيصات، فمن ذلك النكرة الموصوفة. ولا يخفى ما في الوصف من التخصيص، فلذلك جاز: رجل عالم في الدار، ولم يجز: رجل في الدار، عند المحققين. ومنها: أن تقع النكرة بعد حرف الاستفهام المعادلة لـ "أم" المتصلة (٣) فيجوز أن تكون مبتدأ وإن كانت
стр. 553
نكرة، كقولك: أرجل في الدار أم امرأة؟. لأنهم لما علموا أن ذلك إنما يسأل به من ثبت عنده العلم بالنسبة إلى أحد الأمرين صار كأنه أمر ثابت له، فأشبه الصفة من حيث ثبوتها لموصوفها من غير قصد إلى إثباته مفيدا للمخاطب النسبة المفهومة منها، فاجتزأوا بذلك مصححا في الموضع الذي ألجأهم إلى تقديم المعنى الذي تقرر عندهم في العبارة عنه (١) بالهمزة وأم، لأنهم التزموا أن يكون أحد الأمرين اللذين علم أحدهما يلي الهمزة والأخر يلي "أم" قصدا منهم إلى التنبيه على ما حصل العلم بأحدهما من أول الأمر، فيقولون: أزيد قائم أم عمرو؟ وأقائم زيد أم قاعد؟ وأزيدا ضربت أم عمرا؟ وأضربت زيدا أم أكرمته؟ وأشباهه. ولا يقولون: أزيد قائم أم قاعد؟ وكذلك جميع الباب. فلما كان ذلك ملتزما عندهم في باب الهمزة المعادلة لـ "أم" المتصلة اجتزأوا بهذا النوع من التخصيص في صحة الابتداء بالنكرة. ومنها: أن تقع النكرة في سياق النفي كقولهم: ما أحد خير منك، لأن النكرة إذا وليها النفي وهي في الحقيقة لواحد لا بعينه لزم من ذلك نفي جميع الجنس، وإلا لم يصدق نفي واحد. فلما كان ذلك معلوما مقصودا صار كأنه نفي جميع الجنس، وجميع الجنس متخصص معروف فصح أن يكون مبتدأ لذلك (٢). وإن قلنا: إن النكرة في سياق النفي تعم جميع الجنس قصدا بدلالتها
стр. 554
عليه صار مماثلا للمعرفة، إلا أنه يلزم أن يكون معرفة، إذا التعريف والتنكير من الأمور المعنوية. وإذا كان اللفظان بمعنى واحد بالنسبة إلى ما كان الشيء به معرفة ونكرة لزم من كون أحدهما معرفة ونكرة أن يكون الأخر كذلك. وإطباق النحويين على أنها نكرة يدفع ذلك، وكذلك الاجماع على أنه لايتبعها من الصفات إلا النكرة، كقولك: ما رجل عالم في الدار، يدل على أنها نكرة لأنه قد علم أن المعرفة لا توصف بالنكرة. ومما يدل على ذلك أنك لو قلت: ما عندي درهم واحد، كان مثل قولك: ما عندي درهم. ولو كان درهم ههنا لجميع الجنس مرادا لم يصح وصفه بواحد، إذ الجنس المتعدد لا يوصف بالواحد.
ومنها: أن يكون المبتدأ في معنى الفاعل باعتبار نفي إثبات. وشرطه أن يكون الخبر جملة فعلية في معنى نفي عموم من نسب إليه الفعل وإثباته لذلك المبتدأ كقولك: شر أهر ذا ناب (١). بمعنى: ما أهر ذا ناب إلا شر. وأمر أقعده عن الخروج، في ما أقعده عن الخروج إلا أمر. وإنما جاز أن يكون مبتدأ وهو نكرة لأنه في معنى الفاعل، والفاعل يجوز أن يكون نكرة، وإن كان في المعنى محكوما عليه لما فيه من معنى التخصيص فكذلك هذا. ووجه التخصيص في الفاعل أن حكمه لما كان متقدما صار المحكوم عليه لا يذكر إلا بعد تقرر الحكم في الذهن، فلما تقدم العلم بالحكم صار كالصفة في كونه متقدما عليه لكون الصفة لا فرق بينها وبين الخبر إلا تقدم العلم بها دونه. فمن ثم جاز أن يكون الفاعل نكرة مطلقا، ولما كان هذا المبتدأ في معنى الفاعل جاز أن يكون نكرة.
стр. 555
ومنها: قولهم: في الدار رجل، وشبهه. والسر فيه ما ذكرناه في الفاعل، لأن حكمه ههنا لما تقدم صار كالفعل المتقدم على الفاعل فجاز ههنا كما جاز ثم. ولذلك توهم بعض النحويين أنه فاعل (١)، وحكم عليه بالفاعلية. وشرط هذا الخبر المصحح للابتداء بالنكرة أن يكون ظرفا أو ما هو في حكم الظرف من الجار والمجرور. فيجوز: في الدار رجل، ولا يجوز: قائم رجل. إما لأنهم اتسعوا في الظروف اتساعا خصصوه به دون غيره لكثرته في كلامهم، وإما لأنه إنما صحح التقديم لشبهه بالصفة، فكرهوا أن يقدموا ما هو صريح في الصفة على ما هو في المعنى كموصوفه، وليس ذلك في الظروف لأنها ليست صريحة في ذلك لوقوعها مجردة عن ذلك، ولكونها إذا وقعت صفات كان ذلك باعتبار التقدير لا باعتبارها في أنفسها. فلذلك جاز: في الدار رجل، ولم يجز: قائم رجل. والنحويون يعللون هذا، فيقول بعضهم: إنما جاز: في الدار رجل، ولم يجز: رجل في الدار، لأنك في الأول أوقعت في موضع المعرفة معرفة فنابت
عن تعريف المبتدأ، وفي الثاني لم يقع مثل ذلك، فجازت الأولى ولم تجز الثانية. وهذا ليس بمستقيم، فإنه أولا: راجع إلى صورة مجردة عن المعنى، وثانيا: منقوض بقولك: في رأس غلام عندي عمامة، وثالثا: أنه ليس فيه بيان تخصيص المبتدأ الذي أصله أن يكون معرفة، وإنما جاز أن يكون نكرة لوجه من التخصيص. وبعض النحويين علله بأن قال: إنما جاز: في الدار رجل، ولم يجز: رجل في الدار، لأن الأول لا يلبس كونه خبرا، والثاني يلبس، فجاز ثم لعدم الالباس ولم يجز ههنا لما فيه من الالباس. وهذا وأن كان فيه معنى ما، إلا أنه أفسد من الأول. لأنا قاطعون بجواز: رجل عالم في الدار، وفي الدار رجل عالم. وما.
стр. 556
ذكروه بعينه حاصل. وأيضا فإن "زيد العالم" جائز باتفاق مع صحة أن يكون العالم صفة. وأيضا فإن المقصود بيان تخصيص المبتدأ ليقرب من المعرفة، وليس في انتفاء اللبس عن كونه موصوفا تخصيص له.
ومنها: أن يقع المبتدأ مصدرا في معنى الدعاء كقولهم: سلام عليكم، و [ويل للمطففين] (١). وإنما جاز في مثل ذلك لأن الأصل: سلاما عليكم، إذ المعنى عليه. قال الله تعالى: [قالوا سلاما قال سلام] (٢). وإذا كان المعنى عليه فقد علم أن المراد: سلمت سلاما. وإذا كان كذلك وقد حذف الفعل بعد أن علم كان "سلام" متخصصا في المعنى بنسبته إلى من قام به، والتقدير: سلام مني، أو سلام من الله أو نحو ذلك. ولما كان هذا المعنى مفهوما منه صار كأنه مذكور (٣). ولا فرق في الصفة بين أن تذكر لفظا وبين أن تكون معلومة. ومن ثم جاز: السمن منوان (٤) بدرهم، و"منوان" مبتدأ نكرة، لما كان المعنى: منوان منه. فتنزل ما هو معلوم من جهة المعنى منزلة المذكور، فكذلك: سلام عليكم.
[إملاء ٧٥]
[مسائل في الخبر]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة وستمائة] (٥) على قوله (٦): "والخبر قد
стр. 557
يكون جملة" على اختلافهما من اسمية أو فعلية، لأن العرض الحكم على المبتدأ. وكما يصح الحكم بالمفرد يصح الحكم بالجملة إذا كان لها تعلق به. ومن ثم اشترط أن يكون فيها ضمير يعود على المبتدأ، فإن عري عن الضمير لم يجز. وقد يكون الضمير مقدرا إذا كان معلوما مثل: السمن منوان بدرهم، لأنه قد علم أن المراد: منوان منه بدرهم. قوله: "وما وقع ظرفا" (١)، فالأكثر أنه مقدر بجملة، كقولك: زيد في الدار، وزيد أمامك. ومنهم من يقول: هو من قبيل المفردات، فيقدر المتعلق مفردا (٢). وإنما قدر أولئك الجملة لأن المتعلق أصله أن يكون فعلا، لأن ما يقدر متعلقا لا بد فيه من معنى الفعل. وإنما كان كذلك لأنه في المعنى ظرف له، والظروف إنما تكون محلا للأفعال. وإذا كان محتاجا إلى متعلق فتقدير الأصل أولى. ومن قال: متعلق بمفرد، نظر إلى أنه خبر مبتدأ، وخبر المبتدأ أصله أن يكون مفردا، فقدر مفردا لذلك. والأول أولى من وجهين: أحدهما: أن وقوعه خبرا عارض ووقوعه متعلقا أصل، فكان اعتبار الأصل أولى. والثاني: أنه قد ثبت جواز دخول الفاء في مثل: كل رجل في الدار فله درهم (٣)، فلولا أن المتعلق مقدر بفعل لم يجز دخول الفاء، للاتفاق على أنه لو صرح بالاسم متعلقا لما صح دخول الفاء، فلأن يكون ذلك في التقدير أولى. ولما صح دخول الفاء ثبت أن يقدر مما يصح دخولها معه وهو الفعل، ووجب أن لا يقدر ما لا يصح دخولها معه وهو الاسم. وإذا ثبت تقدير الفعل في مثل هذه المسألة ثبت في جميع الباب، لأن المعنى في الجميع واحد.
стр. 558
قوله: "وقد يتعدد الخبر"، لأنه حكم، والمتكلم قد يحكم بحكم واحد وقد يحكم بأحكام متعددة كما في الصفات. وقد يتضمن معنى الشرط فيصح دخول الفاء في الخبر (١). وشرطه أن يكون المبتدأ مفيدا تعميما مشتملا على فعل لفظا أو تقديرا. وإنما اشترط ذلك لتقوى السببية بالشرط. فإنه لوعري عن العموم لزال معنى الشرط منه، إذ أسماء الشروط لا بد فيها من ذلك. واشترط الفعل ليصح ما يربط به، إذ الشرط إنما يكون بالفعل لفظا أو معنى، وذلك لا يتفق حصوله إلا في الموصولات إذا كانت صلاتها أفعالا أو ظروفا، وفي النكرات الداخلة عليها "كل" الموصوفة بفعل أو ظرف، فمثال الأول: الذي يأتيني، أو الذي في الدار فله درهم. ومثال الثاني: كل رجل يأتيني أو كل رجل في الدار فله درهم. وهذه الفاء مؤذنة بأن الأول مرتبط بالثاني ارتباط الشرط بمشروطه في قصد المتكلم، بخلاف قولك: الذي يأتيني له درهم، فإنه ليس في اللفظ ما يشعر بذلك. فإذا دخلت "ليت" أو "لعل" لم تدخل الفاء باتفاق. وألحق سيبويه "أن" بهما في ذلك وخالفه الأخفش فأجاز ذلك (٢). ينبني على تعليلين مختلفين في "ليت" ولعل". فمن اعتقد أن العلة المانعة إنما هي أن هذه الحروف لها صدر الكلام فلا تجامع ماله صدر الكلام ولا ما شبه بما له صدر الكلام، فعلى هذا يمتنع في "إن" كما امتنع في "لعل"، إذا العلة موجودة في الجميع. ومن اعتقد أن العلة في "ليت" و"لعل" أن الخبر في "ليت" و"لعل" إنشائي وهو في الشرط خبري ولا يكون الشيء الواحد إنشاء خبرا لما يؤدي إليه
стр. 559
من التناقض. فلو قيل: لعل الذي يأتيني فله درهم، وجب أن يكون ما دخل عليه خبرا من جهة سببيته ووجب أن يكون إنشاء من جهة كونه خبرا عن "لعل" فيكون محتملا للصدق والكذب باعتبار الاخبار، غير محتمل للصدق باعتبار الانشاء، وذلك متناقض. وعلى ذلك لا يلزم أن تكون "إن" كذلك، إذ ليس فيها إنشاء وخبر، وإنما هو خبر محض فلا منافاة بينه وبين المسببية. والتعليلان واضحان، ولكن لا يصح إثبات الأحكام اللغوية بمجود المعاني المعقولة لأنه يكون إثبات اللغة بالقياس، بل لابد من إثبات ذلك عن العرب. فإن بين سيبويه، ان استقرأ حق الاستقراء حق الاستقراء فلم يوجد مثله صح مذهبه ورجع خصمه محتاجا إلى إثبات ذلك منقولا عن العرب. وإن بين الأخفش مثل ذلك منقولا عن العرب وجب أن يرجع إلى تعليله وصح مذهبه. فمما ذكر محتجا به عن الأخفش قوله تعالى: ﴿إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات﴾ (١)، إلى آخرها. فقد دخلت الفاء. وقوله ﴿إن الذين يكفرون بايات الله﴾ (٢)، إلى قوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾. فقد دخلت الفاء. ومنها قوله: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم﴾ (٣). وذلك ظاهر. وقد يجاب عن الأول والثاني بأن الخبر محذوف وأن الفاء دخلت في جملة ثانية معاقبة لها وذلك غير ممتنع باتفاق. فالخبر محذوف على معنى: معذبون. ثم ذكر قوله: ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾، و (فلهم) بعد ذلك، لخصوصية أمر المحذوف، لأنه في المعنى مسبب عن الخبر، وقد قوي هذا في الآية الأولى بأنها في قوم مخصوصين، وقد اتفق على أن الخصوصية تبطل معنى الشرط لبطلان التعميم، وكان مفتقرا إلى تأويل إدخال الفاء. وأجيب عن
стр. 560
الثالث: بأن الفاء زائدة، وليس بشيء، إذ يخالف مذهب سيبويه، والعرض الجواب على ما اقتضاه مذهبه. وأجيب: بأن الخبر الذي هو (فإنه ملاقيكم) جملة بعد تمام الجملة الأولى. واعترض على ذلك بأنه لا فائدة فيه من حيث أن ذلك معلوم، ولم يقصد الإخبار عن مثل ذلك. وأجيب بأنهم كانوا يظهرون أن فرارهم لغير ذلك كقوله: ﴿إن بيوتنا عورة﴾ (١)، وشبهه. فأخبر عنهم بأنهم إنما يفرون من الموت، ولذلك كنى بما يدل على التعميم فيهما جميعا.
[إملاء ٧٦]
[من خواص المصدر]
وقال ممليا على قوله في المصدر (٢): "ولا يضمر فيه ولا يلزم ذكر الفاعل":لأنه لو أضمر فيه لأضمر مثنى ومجموعا ولوجب أن يكون مستترا، لأنه ليس في الأسماء ضمير مرفوع بارز، وذلك من خواص الفعل. ولو أضمر مستترا لوجبت علامة التثنية والجمع، لأن كل ضمير مستتر لمثنى أو مجموع لا بد له من دلالة عليه. ولو اتصلت به علامة التثنية لوجب أن يقال: ضربان، ولو قيل: ضربان، لكان ظاهرا في تثنية نفس الضرب فيؤدي إلى إبهام غير ما قصد، لأن الغرض تثنية الفاعل، وهذا يفهم من تثنيته تثنية نفس المصدر لا الفاعل، ولما أدى إلى ذلك رفض الإضمار فيه. فإن قلت: هذا بعينه يطرد في اسم الفاعل والمفعول ولم يمنع من الإضمار فيهما فوجب اطراحه. قلت: ليس كذلك اسم الفاعل والمفعول، لأنه إذا ثني فقيل: ضاربان، لم يوهم أمرا اخر. وسببه أن الضارب في المعنى هو الفاعل، فإذا ثني الفاعل وجبت به تثنية ضارب فكان ذلك على الموافقة له
стр. 561
لكون إياه في المعنى بخلاف الضرب نفسه مع الفاعل لأنه غيره، فلذلك صح الإضمار مع اسم الفاعل والمفعول ولم يصح مع المصدر. قوله: "ويلزم ذكر الفاعل". لأمرين: أحدهما: أنه لو لزم لأدى إلى وجوب إضماره، ولوجب إضماره لأدى إلى ما ذكر أولا من الفساد، فوجب أن لا يلزم. الثاني: هو أن المعنى الذي من أجله [لزم] (١) في الفعل مفقود في المصدر، وإنما لزم في الفعل من حيث كان مع مرفوعه جملة، والجملة لا بد لها من مسند إليه فوجب ذكر الفاعل لتحصل الجملة مستقلة. والمصدر لا يكون مع فاعله جملة أبدا، بل لا بد له من جزء اخر غير معموله يكون معه جملة. ألا ترى أنك لو قلت: ضرب زيد عمرا، لم يكن كلاما، حتى تقول: أعجبني أو ما أشبهه، بخلاف قولك: ضرب زيد عمرا. فثبت أن المعنى الذي استحق الفعل ذكر الفاعل لأجله مفقود في المصدر، فلا يلزم من وجوب ذكر الفاعل في الفعل وجوب ذكره في المصدر.
[إملاء ٧٧]
[اعتراض على الابتداء بالنكرة والجواب عنه]
وقال ممليا على المقدمة مجيبا عن سؤال ورد عليه بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة: اعترض بعض الأصحاب علي فيما وقع في المقدمة التي أنشأتها من ذكر مواضع الابتداء بالنكرة (٢). وقال: قد بقي عليكم مثل (٣) قولهم: تمرة خير من جرادة. فقلت: إنما جاز هذا على أحد وجهين كلاهما مذكور: الأول وهو الظاهر: على أنه غير مختص بتمرة مميزة، فكان فيه معنى
стр. 562
العموم، كما في: لا رجل أفضل منك، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما فضل واحد من جنس على واحد من جنس علم أنه لا خصوصية لمفرد منه على مفرد، لأنه يفهم أن الأفضلية إنما وقعت باعتبار كونه من ذلك القبيل، والمفضولية إنما وقعت لكون الأخر مت القبيل الأخر، وإذا كان كذلك فلا خصوصية لمفرد على مفرد. والثاني: أن في معنى التمرية ما يشعر بالتفضيل على الجرادية باعتبار كونه تمرا وجرادا من غير خصوصية لمفرد دون مفرد. وإذا لم يكن ثم خصوصية لمفرد منه متميز حصل الشياع بخلاف ما إذا حكمت بحكم من الأحكام يختص، فإن المفهوم فيه الحكم على واحد متخصص كقولك: رجل في الدار، فلذلك امتنع، لأنه لا يستقيم فيه كل رجل وجودا، فضلا عن الدلالة. ثم ولو استقام وجودا فليس فيه قرينة تشعر بقصد الدلالة عليه كما تقدم، إذ لا مفاضلة فيه بين جنسين، وليس في معنى الرجولية ما يقتضي أن يكون في الدار كما في المثال المتقدم، بل القرينة بعكسه، لأنه إنما استقام الحكم عليه بأنه في الدار لكونه متخصصا. نعم لو قلت: رجل خير من زيد، فهذا يتجاذبه الطرفان، لأن الحكم عليه بالأفضلية يشعر بأنه بمعنى (١) الرجولية كما في الأول في أحد الوجهين، وتخصيصه بالأفضلية على زيد يشعر بكونه (٢) متخصصا، كما في الحكم عليه بأنه في الدار، فيحتاج إلى السماع، والظاهر منعه لأنه إنما ثبت ذلك التعميم في الموضع الذي لا يختص فيه الخبر بوجه، فلا ينبغي أن يحمل عليه ما يصح أن يكون فيه نوع تخصيص لفقدان معنى مناسب في الأصل المتفق عليه.
ومما يحقق أصل المسألة ويوضحه ما ورد في القران من مثل قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ (٣) وأشباهه. فإنا نقطع أن المراد المفاضلة
стр. 563
بين الجنسين، لا أن يكون المقصود الإخبار عن عبد متميز، فإنه يفيت (١) المعنى المقصود من مثله. فإن قلت: فهذا عندهم من قبيل ما المصحح فيه الصفة. قلت: هو ليس من ذاك في التحقيق، وإنما هو من هذا. وبيانه أن الصفة إنما تكون مصححة في الموضع الذي يقصد باسم الجنس واحد متميز فتجيء الصفة لتحصل لذلك الواحد تخصيصا، فتجعله لواحد من الجنس الذي وصف، وهو مع ذلك قليل في الاستعمال لبقاء التنكير فيه. ورب نكرة من عير صفة أخص من نكرة موصوفة. ووجه ضعفه أنه إذا صح: جسم حي في الدار، لحصول تخصيصه بالصفة، فينبغي أن يصح: رجل في الدار، لأنه أخص منه بدرجات. فأما إذا حصل ما ذكرناه من قصد التعميم فقد حصل ما في معنى التعريف قبل الصفة، فطاح اعتبار الصفة، وصار موازنا لقولك: كل رجل عالم عندنا، فإنه لا يصح لقائل أن يقول: المصحح الصفة، إذ التعميم حاصل قبل مجيء الصفة فأعنى عنها. وإنما جاءت الصفة لمعناها في التخصيص لا لحاجة من تصحيح الابتداء، ولذلك كان فصيحا في كل كلام فصيح، بخلاف ما المصحح فيه مجرد الصفة. والذي يحقق لك ذلك أن الصفة لا تخرج الموصوف عن مدلوله بل تأتي لتخصيصه في الا حاد أو في الأجناس وهو على حاله، مثاله إذا قلت: جاءني رجل، ثم قلت: عالم، فإنه يخصص مع بقائه لواحد متميز على ما كان عليه. وإذا قلت: جاء الرجال، ثم قلت: العالمون، فإنه يخصص مع بقائه عاما في العالمين. وإذا ثبت ذلك علمت أن التعميم حاصل بغير الصفة، وإذا كان حاصلا بغير الصفة كان مجيء الصفة وانتفاؤها واحدا على ما مثلناه في: كل رجل عالم عندنا. فإن زعم زاعم أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾
стр. 564
مصحح للابتداء بالنكرة وقرر ذلك بأنه لو أسقط لم يستقم ذلك، كما أنه إذا أسقط "عالم" من قولك: رجل عالم في الدار، لم يستقم، وهذا معنى التصحيح، فهو غير مستقيم، وجمع بين أمرين مختلفين، وذلك أنا نعني بالتصحيح الذي لولا هو لم يصح الابتداء بالنكرة، لا الذي لولا هو لكان الكلام كذبا، وما نحن فيه من هذا القبيل، ولسنا نعني بالمصحح ذلك. ألا ترى أنا نحكم على الكلام بصحة الإعراب، ثم نحكم بعد ذلك بكونه صدقا أو كذبا، كقول القائل: العالم قديم، فهذا وإن كان إعرابه مستقيما، إلا أنه كذب، كذلك ما نحن فيه، فلم يكن هذا المصحح مصححا للابتداء بل مصححا لصدق الكلام، حتى لو جعلت الخبر ما يكون صدقا استقام، دل على أن الفساد لم يأت إلا من الكذب. وما (١) يوضح ... ذلك أنك لو قلت: كل رجل كافر في النار، فلو أسقطت "كافر" لم يكن مستقيما من جهة الصدق لا من جهة صحة الابتداء به، لأنك لو أخبرت عنه بخبر صدق صح، وليس الكذب مفسدا للإعراب ولا مأخوذا عدمه في صحة التعبير كما تقدم. فإذا وضح ذلك كان القول بأن هذه الصفة مصححة للابتداء، كالقول بأن "كافر" في قولك: كل رجل كافر، مصحح للابتداء، وقد وضح بطلانه. فإن قلت: ليس "مؤمن" في قولك: ولعبد مؤمن، من هذا القبيل الذي ذكرته بل هو مصحح باعتبار صحة الإخبار لا باعتبار الصدق حتى يكون كما ذكرت. ألا ترى أنك لو أسقطته لم يستقم التعبير به صدقا ولا كذبا، فإنه يكون حينئذ من مضمونه: عبد خير من عبد، وهذا من قبيل اخر غير ما ذكرت. قلت: صدقت أنه من قبيل اخر، ولكنه في الحكم كذلك، لأن الكلام ههنا وقع في شروط المفردات، فإن المبتدأ مفرد، وليس شرط هذا الجزء في هذا المحل هذه الصفة. وإنما جاء الفساد من جهة الإخبار بما لا يستقيم به الإخبار كما في الكذب، وهو مثل
стр. 565
قولك: كل رجل عالم خير من جاهل. فكما لا يستقيم أن يقال المصحح لهذا المبتدأ الصفة، لأنك لو أسقطتها لم يستقم الكلام، فكذلك ما نحن فيه. فكان كالكذب سواء، والكلام في شروط المفردات غير الكلام في جهة التركيب. ألا ترى أنك لا تقول لمن قال: كل رجل خير من جاهل، هذا فاسد، من جهة أن الابتداء غير موصوف، وإنما تقول: فاسد من جهة أنك أخبرت بما لا يستقيم خبرا. ولو قلت الأول لكان فاسدا، فإنه حينئذ يثبت لك أنه يكون مبتدأ به من غير صفة. فيفسد القول بأن المصحح الصفة، فكذلك ههنا. فإذا ثبت ذلك فلا فرق فيما نحن فيه من أن يكون المصحح الصدق (١) وبين أن يكون المصحح استقامة (٢) الكلام في أن كل واحد منهما لا يقدح في صحة الابتداء دونه، لما قررناه، لأن الكلام في صحة كونه صدقا وكونه مستقيما أن يخبر عنه بكذا، غير الكلام في صحة كون المبتدأ مبتدأ، وإن لم يكن بد من الخبر، إلا أنه قسم اخر من أقسام فساد الكلام من جهة الكذب أو الاخبار بما لا يصح الاخبار به، فلا يؤخذ منه شرط في صحة المبتدأ، فإن ذلك يؤدي إلى اعتبار ما لا يتناهى من الشروط في المبتدأ. إذ ما من مبتدأ إلا ويمكن تقدير الخبر عنه بما لا يستقيم إلا بقيد، فيؤخذ القيد شرطا ثم يقدر الاخبار عنه بأمر اخر لا يستقيم إلا بأمر اخر فيؤدي إلى اشتراط قيود لا يوقف دونها، وهذا ظاهر الفساد. فثبت أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن﴾، وما كان مثله، لا يمكن دعوى أن تكون الصفة مصححة للابتداء بالنكرة باعتبار المعنى الذي نحن فيه على ما تقرر (٣).