لكون إياه في المعنى بخلاف الضرب نفسه مع الفاعل لأنه غيره، فلذلك صح الإضمار مع اسم الفاعل والمفعول ولم يصح مع المصدر. قوله: "ويلزم ذكر الفاعل". لأمرين: أحدهما: أنه لو لزم لأدى إلى وجوب إضماره، ولوجب إضماره لأدى إلى ما ذكر أولا من الفساد، فوجب أن لا يلزم. الثاني: هو أن المعنى الذي من أجله [لزم] (١) في الفعل مفقود في المصدر، وإنما لزم في الفعل من حيث كان مع مرفوعه جملة، والجملة لا بد لها من مسند إليه فوجب ذكر الفاعل لتحصل الجملة مستقلة. والمصدر لا يكون مع فاعله جملة أبدا، بل لا بد له من جزء اخر غير معموله يكون معه جملة. ألا ترى أنك لو قلت: ضرب زيد عمرا، لم يكن كلاما، حتى تقول: أعجبني أو ما أشبهه، بخلاف قولك: ضرب زيد عمرا. فثبت أن المعنى الذي استحق الفعل ذكر الفاعل لأجله مفقود في المصدر، فلا يلزم من وجوب ذكر الفاعل في الفعل وجوب ذكره في المصدر.
[إملاء ٧٧]
[اعتراض على الابتداء بالنكرة والجواب عنه]
وقال ممليا على المقدمة مجيبا عن سؤال ورد عليه بالقاهرة سنة خمس عشرة وستمائة: اعترض بعض الأصحاب علي فيما وقع في المقدمة التي أنشأتها من ذكر مواضع الابتداء بالنكرة (٢). وقال: قد بقي عليكم مثل (٣) قولهم: تمرة خير من جرادة. فقلت: إنما جاز هذا على أحد وجهين كلاهما مذكور: الأول وهو الظاهر: على أنه غير مختص بتمرة مميزة، فكان فيه معنى
стр. 562
العموم، كما في: لا رجل أفضل منك، وذلك من وجهين: أحدهما: أنه لما فضل واحد من جنس على واحد من جنس علم أنه لا خصوصية لمفرد منه على مفرد، لأنه يفهم أن الأفضلية إنما وقعت باعتبار كونه من ذلك القبيل، والمفضولية إنما وقعت لكون الأخر مت القبيل الأخر، وإذا كان كذلك فلا خصوصية لمفرد على مفرد. والثاني: أن في معنى التمرية ما يشعر بالتفضيل على الجرادية باعتبار كونه تمرا وجرادا من غير خصوصية لمفرد دون مفرد. وإذا لم يكن ثم خصوصية لمفرد منه متميز حصل الشياع بخلاف ما إذا حكمت بحكم من الأحكام يختص، فإن المفهوم فيه الحكم على واحد متخصص كقولك: رجل في الدار، فلذلك امتنع، لأنه لا يستقيم فيه كل رجل وجودا، فضلا عن الدلالة. ثم ولو استقام وجودا فليس فيه قرينة تشعر بقصد الدلالة عليه كما تقدم، إذ لا مفاضلة فيه بين جنسين، وليس في معنى الرجولية ما يقتضي أن يكون في الدار كما في المثال المتقدم، بل القرينة بعكسه، لأنه إنما استقام الحكم عليه بأنه في الدار لكونه متخصصا. نعم لو قلت: رجل خير من زيد، فهذا يتجاذبه الطرفان، لأن الحكم عليه بالأفضلية يشعر بأنه بمعنى (١) الرجولية كما في الأول في أحد الوجهين، وتخصيصه بالأفضلية على زيد يشعر بكونه (٢) متخصصا، كما في الحكم عليه بأنه في الدار، فيحتاج إلى السماع، والظاهر منعه لأنه إنما ثبت ذلك التعميم في الموضع الذي لا يختص فيه الخبر بوجه، فلا ينبغي أن يحمل عليه ما يصح أن يكون فيه نوع تخصيص لفقدان معنى مناسب في الأصل المتفق عليه.
ومما يحقق أصل المسألة ويوضحه ما ورد في القران من مثل قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾ (٣) وأشباهه. فإنا نقطع أن المراد المفاضلة
стр. 563
بين الجنسين، لا أن يكون المقصود الإخبار عن عبد متميز، فإنه يفيت (١) المعنى المقصود من مثله. فإن قلت: فهذا عندهم من قبيل ما المصحح فيه الصفة. قلت: هو ليس من ذاك في التحقيق، وإنما هو من هذا. وبيانه أن الصفة إنما تكون مصححة في الموضع الذي يقصد باسم الجنس واحد متميز فتجيء الصفة لتحصل لذلك الواحد تخصيصا، فتجعله لواحد من الجنس الذي وصف، وهو مع ذلك قليل في الاستعمال لبقاء التنكير فيه. ورب نكرة من عير صفة أخص من نكرة موصوفة. ووجه ضعفه أنه إذا صح: جسم حي في الدار، لحصول تخصيصه بالصفة، فينبغي أن يصح: رجل في الدار، لأنه أخص منه بدرجات. فأما إذا حصل ما ذكرناه من قصد التعميم فقد حصل ما في معنى التعريف قبل الصفة، فطاح اعتبار الصفة، وصار موازنا لقولك: كل رجل عالم عندنا، فإنه لا يصح لقائل أن يقول: المصحح الصفة، إذ التعميم حاصل قبل مجيء الصفة فأعنى عنها. وإنما جاءت الصفة لمعناها في التخصيص لا لحاجة من تصحيح الابتداء، ولذلك كان فصيحا في كل كلام فصيح، بخلاف ما المصحح فيه مجرد الصفة. والذي يحقق لك ذلك أن الصفة لا تخرج الموصوف عن مدلوله بل تأتي لتخصيصه في الا حاد أو في الأجناس وهو على حاله، مثاله إذا قلت: جاءني رجل، ثم قلت: عالم، فإنه يخصص مع بقائه لواحد متميز على ما كان عليه. وإذا قلت: جاء الرجال، ثم قلت: العالمون، فإنه يخصص مع بقائه عاما في العالمين. وإذا ثبت ذلك علمت أن التعميم حاصل بغير الصفة، وإذا كان حاصلا بغير الصفة كان مجيء الصفة وانتفاؤها واحدا على ما مثلناه في: كل رجل عالم عندنا. فإن زعم زاعم أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن خير من مشرك﴾
стр. 564
مصحح للابتداء بالنكرة وقرر ذلك بأنه لو أسقط لم يستقم ذلك، كما أنه إذا أسقط "عالم" من قولك: رجل عالم في الدار، لم يستقم، وهذا معنى التصحيح، فهو غير مستقيم، وجمع بين أمرين مختلفين، وذلك أنا نعني بالتصحيح الذي لولا هو لم يصح الابتداء بالنكرة، لا الذي لولا هو لكان الكلام كذبا، وما نحن فيه من هذا القبيل، ولسنا نعني بالمصحح ذلك. ألا ترى أنا نحكم على الكلام بصحة الإعراب، ثم نحكم بعد ذلك بكونه صدقا أو كذبا، كقول القائل: العالم قديم، فهذا وإن كان إعرابه مستقيما، إلا أنه كذب، كذلك ما نحن فيه، فلم يكن هذا المصحح مصححا للابتداء بل مصححا لصدق الكلام، حتى لو جعلت الخبر ما يكون صدقا استقام، دل على أن الفساد لم يأت إلا من الكذب. وما (١) يوضح ... ذلك أنك لو قلت: كل رجل كافر في النار، فلو أسقطت "كافر" لم يكن مستقيما من جهة الصدق لا من جهة صحة الابتداء به، لأنك لو أخبرت عنه بخبر صدق صح، وليس الكذب مفسدا للإعراب ولا مأخوذا عدمه في صحة التعبير كما تقدم. فإذا وضح ذلك كان القول بأن هذه الصفة مصححة للابتداء، كالقول بأن "كافر" في قولك: كل رجل كافر، مصحح للابتداء، وقد وضح بطلانه. فإن قلت: ليس "مؤمن" في قولك: ولعبد مؤمن، من هذا القبيل الذي ذكرته بل هو مصحح باعتبار صحة الإخبار لا باعتبار الصدق حتى يكون كما ذكرت. ألا ترى أنك لو أسقطته لم يستقم التعبير به صدقا ولا كذبا، فإنه يكون حينئذ من مضمونه: عبد خير من عبد، وهذا من قبيل اخر غير ما ذكرت. قلت: صدقت أنه من قبيل اخر، ولكنه في الحكم كذلك، لأن الكلام ههنا وقع في شروط المفردات، فإن المبتدأ مفرد، وليس شرط هذا الجزء في هذا المحل هذه الصفة. وإنما جاء الفساد من جهة الإخبار بما لا يستقيم به الإخبار كما في الكذب، وهو مثل
стр. 565
قولك: كل رجل عالم خير من جاهل. فكما لا يستقيم أن يقال المصحح لهذا المبتدأ الصفة، لأنك لو أسقطتها لم يستقم الكلام، فكذلك ما نحن فيه. فكان كالكذب سواء، والكلام في شروط المفردات غير الكلام في جهة التركيب. ألا ترى أنك لا تقول لمن قال: كل رجل خير من جاهل، هذا فاسد، من جهة أن الابتداء غير موصوف، وإنما تقول: فاسد من جهة أنك أخبرت بما لا يستقيم خبرا. ولو قلت الأول لكان فاسدا، فإنه حينئذ يثبت لك أنه يكون مبتدأ به من غير صفة. فيفسد القول بأن المصحح الصفة، فكذلك ههنا. فإذا ثبت ذلك فلا فرق فيما نحن فيه من أن يكون المصحح الصدق (١) وبين أن يكون المصحح استقامة (٢) الكلام في أن كل واحد منهما لا يقدح في صحة الابتداء دونه، لما قررناه، لأن الكلام في صحة كونه صدقا وكونه مستقيما أن يخبر عنه بكذا، غير الكلام في صحة كون المبتدأ مبتدأ، وإن لم يكن بد من الخبر، إلا أنه قسم اخر من أقسام فساد الكلام من جهة الكذب أو الاخبار بما لا يصح الاخبار به، فلا يؤخذ منه شرط في صحة المبتدأ، فإن ذلك يؤدي إلى اعتبار ما لا يتناهى من الشروط في المبتدأ. إذ ما من مبتدأ إلا ويمكن تقدير الخبر عنه بما لا يستقيم إلا بقيد، فيؤخذ القيد شرطا ثم يقدر الاخبار عنه بأمر اخر لا يستقيم إلا بأمر اخر فيؤدي إلى اشتراط قيود لا يوقف دونها، وهذا ظاهر الفساد. فثبت أن (مؤمن) في قوله: ﴿ولعبد مؤمن﴾، وما كان مثله، لا يمكن دعوى أن تكون الصفة مصححة للابتداء بالنكرة باعتبار المعنى الذي نحن فيه على ما تقرر (٣).
стр. 566
فإن قلت: فما تنكر (١) أن الصفة شرط في صحة هذا المبتدأ، وإن كان التعميم حاصلا فيه نظرا إلى قضية لفظية ليرفى صورة التخصيص ما يشبه به المعرفة لفظا، وإن كان التخصيص حاصلا بغيره، فيكون مثل اشتراط الصفة فيما لم يقصد منه التعميم. ألا ترى أن الصفة تشترط فيما يكون أخص من نكرات موصوفات حتى يحكم بالصحة فيما هو أقل تخصيصا من المحكوم عليه بالفساد لفقدان صورة الصفة التي تكون كالمعرفة في الصورة. والعرب كما تراعي المعاني فكثيرا ما تراعي الألفاظ، وإذا كان ذلك مستقيما فلم عدلت عن اعتباره؟ قلت: هذا إذن كلام مستقيم بالنظر إليه في نفسه، ولا شك أنا لو لم نجد هذا الباب إلا موصوفا لم نعدل إلى التجويز فيه من غير صفة لاحتمال أن تكون الصفة معتبرة لأمر لفظي كما مثلته في مسألة النكرة التي لم يقصد فيها قصد التعميم، ولكنا لما رأيناهم يستعملون مثل ذلك من غير صفة علمنا أن الصفة ملغاة في هذا الباب. ألا ترى إلى قوله: ﴿فأولى لهم طاعة﴾ (٢). وقولهم: فرق خير من حب (٣)، وما نقل من قولهم: تمرة خير من جرادة، وأشباهه. فلما علم ذلك علم أن الصفة في مثل ذلك إنما جاءت لما وراء ذلك، مثلها في قولك: الرجل العالم خير من الجاهل. ألا ترى أن أحدا لا يعتبر هذه الصفة مصححة لما ثبت من جواز "الرجل" مبتدأ مجردا عن الصفة في مثل قولك: الرجل خير من المرأة. ولا يشترط صحة وقوع مثل ذلك مجردا عن الصفة باعتبار خصوصية ذلك الخبر. فإنه قد يكون ذلك ممتنعا باعتبار انتفاء الصدق أو باعتبار انتفاء الاستقامة أصلا. فقد وضح لك من هذه الأبحاث أن
стр. 567
الصفة في قوله: ﴿ولعبد مؤمن﴾ وبابه، ليست المصححة للابتداء لتحقيق المبتدأ في مثله بدونها. وهي بحوث دقيقة عجيبة، وأغوار غريبة قل من يفهمها فضلا عن من يتنبه لها. وإذا تقرر ذلك كان مماثلا لقولهم: ما رجل خير منك، فإنه إنما صح الابتداء بالنكرة لما حصل من معنى العموم المفضي بها إلى معنى التعريف. وهذا مثل ما حكاه ابن جني (١) من قول بعضهم: أربعة ضعف اثنين، وثمانية ضعف أربعة، وإن لم تكن صورة المفاضلة فيها، إما لأنها بمعناها، لأن معنى: ضعفها، أنها أزيد عليها (٢) بمثلها، وكذلك ما كان مثله في الزيادة والنقصان، وأما لأن المفاضلة لم تكن مناسبة لذلك المعنى باعتبار كونها مفاضلة، وإنما كانت مناسبة باعتبار ما يفهم من أن الحكم بها إنما وقع باعتبار كونه من ذلك القبيل، وهذا كذلك. ألا ترى أن الحكم بالضعفية على الثمانية بالنسبة إلى الأربعة إنما وقع باعتبار كونه (٣) من ذينك القبيلين، فصارت المناسبة التي من أجلها حصل العموم في المفاضلة موجودة في مثل ذلك، فوجب الحكم بمثله.
والثاني حاصل بأيسر تنبه وسيأتي. إلا أن ابن جني حكم بأن أربعة وثمانية وشبهها في مثل ذلك أعلام (٤) غير منصرفة للعلمية والتأنيت. وذلك أنه راه مبتدأ به في معنى المعارف ولا محمل لتعريفه إلا على العلمية لانحصار
стр. 568
المعارف، كتعريف أسامة في مثل قولك: أسامة خير من ثعالة، فإن مثل ذلك علم باتفاق، ورأى هذا أشبه شيء به فحكم عليه بحكمه. ولذلك (١) حكم الجميع على غدوة وبكرة وسحر وفينة بأنها أعلام (٢) وإن لم تكن في قصد التعريف مثل هذه، فهذه إذن أجدر وليس ببعيد عن قياس. إلا أن الأصوب خلافه لما يلزم من رد أسماء الأجناس كلها أعلاما. ألا ترى أن قولك: تمرة خير من جرادة، مثل: أربعة ضعف اثنين، سواء، فلو ساغ جعل أربعة علما لساغ جعل تمرة علما. والأجناس كلها تجري حينئذ هذا المجرى، ولا أعلم أحدا يقول ذلك. وأيضا فإنه لا يحكم على الشيء بأنه علم إلا بثبت كما في زيد وعمرو من وضعها لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه بالوضع الأول (٣) والحكم في باب: أسامة وغدوة وبكرة وسحر وفينة، بأنها أعلام، إنما كان لأنهم منعوها الصرف، ولا وجه إلا العلمية، فلذلك احتيل في تقديرها وجعلها موضوعة للمعنى المتحد في الذهن حتى يصح كونها موضوعة لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه. ولو وجدت مصروفة لم يحكم بأنها أعلام، إنما كان لأنهم منعوها الصرف، ولا وجة إلا العلمية، فلذلك احتيل في تقديرها وجعلها موضوعة للمعنى المتحد في الذهن حتى يصح كونها موضوعة لشيء بعينه غير متناول ما أشبهه. ولو وجدت مصروفة لم يحكم بأنها أعلام البتة، إذ لا حاجة إلى التكلف مع الاستغناء عنه. وإذا كان فلا حاجة إلى إلحاقها بما هو خارج عن القياس، ومتكلف فيه لضرورة أوجبت التكلف، وترك إجرائها على ما هو الظاهر منها من غير تكلف. وأيضا فإنه لو كان علما لوجب أن يجوز بقاؤه علما في كل أحواله كباب أسامة وجميع الأعلام. ولما لم يجز ذلك فيه باتفاق دل على أنه غير علم. وأيضا فإنه لو كان علما لم يصح دخول اللام عليه، وفي صحة دخولها دليل على خروجه (٤) عن باب الأعلام.
стр. 569
فأما بيان حل إشكال كونها مبتدأ بها في معنى المعارف ولا محمل لتعريفها إلا على العلمية، فإنا نقول: ليست من قبيل المعارف بل أشبهتها من حيث لزم التعميم كما في: ما رجل أفضل منك. ألا ترى أن رجلا نكرة وإن حصل التعميم، فكذلك ههنا لما لم يكن الغرض في واحد مخصوص لم يخص فحصل التعميم، كما أن النفي لما لم يخص حصل التعميم. سلمنا التعريف، إلا أنه ليس على العلمية بل على أحد وجهين: أحدهما: أنه تعريف باعتبار التعميم كما في: كل رجل، فإنه معرفة وليس مما عد من المعارف، فكذلك هذا يكون تعريفا باعتبار التعميم، مثل لا رجل، فيمن قال: إنه عام بأصله لا بلازمه. الثاني: أنه تعريف باعتبار تقدير اللام لأن المعنى: التمرة خير من الجرادة، فعدل عن اللام كما في: سحر وغدوة وبكرة وفينة. فإن قلت: فإذن رجعت إلى مذهب ابن جني، لأن ما ذكرته كله في هذا الوجه ممتنع صرفه للعلمية والعدل، أو للعلمية والتأنيت، أو للجميع. فلا بد من اعتبار العلمية، فوجب أن يكون ما نحن فيه أيضا علما. قلت: ليس العدول عما فيه الألف واللام بالذي يوجب للاسم المعدول علمية وإن كان معرفة ما لم يقصد قصدها ويثبت بدليل خاص عليها. بيان ذلك: أن عشية وعتمة وإن كانا معرفتين باتفاق إذا قصد بها عشية ليلتك وعتمتها معدولان عما فيه الألف واللام، وهو الذي أوجب لهما التعريف، وليسا علمين لكونهما منصرفين (١) فلو كان العدول عن التعريف بالألف واللام يوجب العلمية لوجبت لهما، ولو وجبت لمنعا من الصرف، فلما صرفا دل على أن العلمية لا يحكم بها إلا بثبت وراء ذلك. وسره أن كل عن الألف واللام جائز
стр. 570
تقديره نكرة وجائز تقديره معرفة حسب ما كان عليه. وإذا احتمل الأمرين لم يحكم بأحدهما إلا بثبت، فحكمنا على غدوة وأخواتها بالعلمية لما ظهر من منع الصرف، إذ لا وجه له سواها، وحكمنا على باب "عشية" بتعريف اللام المقدرة لمجيئها منصرفة فإن قلت: فقد حصل من مجموع ذلك أن بعض ما يعدل عن الألف اللام يكون علما وبعضه يكون غير علم، فما تنكر من أن يكون ذلك من القسم الأول، لأنك قد وافقت على مثله. قلت: قد تقدم أن الحكم على مثل ذلك بالعلمية إنما يكون بثبت من العرب في المحل المخصوص لما في علميته من الإشكال، فحمله على القياسي الذي لا إشكال فيه أولى. فإن قلت: فما تنكر أن تكون "أربعة" ضعف اثنين علما غير منصرف مثل قول النحويين: فاعلة صفة منصرف، فإن ذلك علم عندهم باتفاق، وهو غير منصرف لذلك (١) ووجهه أنه لما عم في الجميع بغير الة كان علما عليه، فكذلك هذا إذا عم في الجميع بغير الة يكون علما. قلت: الفرق بينهما من وجوه: أحدها: أن "فاعلة" وضعه النحويون في أصل وضعه علما على كل موزون على هذه البنية المخصوصة، وهذا معنى العلمية، بخلاف "أربعة" وبابه، فإن أصل وضعه كوضع رجل، فكما لا يصح في رجل أن يدعى أن أصل وضعته العلمية فكذلك هذا. الثاني: أن "فاعلة" لا يجوز دخول اللام عليه كما في الأعلام، و"أربعة" لو قلت: الأربعة، لكان مستقيما، والألف واللام تناقض العلمية. الثالث: أن باب "فاعلة" إذا أطلق على واحد من مدلولاته فالمحققون على إبقائه علما، وهذا لا يجوز إبقاؤه علما عند إطلاقه على أحد مدلولاته.
стр. 571
الوجه الثاني من الأولين في أصل المسألة: أن يكون قولهم: تمرة خير من جرادة، على معنى الإخبار عن اللفظ، كأنك قلت: لفظ تمرة مدلولها كذلك أو مدلول تمرة كذلك. فيكون المصحح للابتداء كونه معرفة في التقديرين جميعا. وإنما يستقيم هذا فيما كان الخبر فيه عاما لجميع أنواع المخبر عنه، لأن المبتدأ وقع عاما، لإضافته تقديرا وهو اسم جنس، فصار التقدير: كل مدلول تمرة، أو كل لفظ تمرة. وأقل أحوال الخبر أن يكون مطابقا، فلا يصح على هذا أيضا: رجل في الدار، لتعذر هذا التقدير فيه إذ لا يصح على مدلول رجل بأنه في الدار. نعم يصح على هذا: رجل إنسان وشبهه. وكذلك: أربعة ضعف اثنين. و" أربعة" في هذا أوجه من: تمرة خير من جرادة، فصح أن يكون شارحا لمدلوله، بخلاف الأول، فإنك لم تخبر بحقيقة ما جعلته مبتدأ، بل بحكم من أحكامه. والحكم بحكم من أحكام الشيء لا يكون شارحا له، فلذلك قوي: أربعة ضعف اثنين، في هذا التأويل لما فيه من الانباء عن حقيقة مدلوله، ولم يكن كذلك: تمرة خير من حرادة. فإن قيل: فهل يستقيم منع الصرف على هذا التقدير؟ قلت: له وجه، لأنه قصد قصد اللفظة، وإذا قصد اللفظة جاز أن يعتبر التعريف والتأنيث معنى أو لفظا، وجاز أن يجري على ما كان مستحقا له لو لم يقصد اللفظة: إلا أن هذا هو المعروف. ألا ترى أنه لو استعمل ذلك لقيل في: قام جعفر ومررت بقائمة، جعفر: فاعل، وقائمة: ـ مجرور، غير منصرفين، ولقيل في: أخذت من زيد، من: حرف جر، وأشباه ذلك، وهو بعيد عن الاستعمال. هذا اخر الجواب.
стр. 572
[إملاء ٧٨]
[أوجه: لا حول ولا قوة إلا بالله]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١): في: لا حول ولا قوة إلا بالله، خمسة أوجه (٢). فتحهما على أن يكون كل واحد منهما مع متعلقه جملة مستقلة وعطفت الجمل بعضها على بعض. وفتح الأول ونصب الثاني، على أن تكون "لا" الثانية تأكيدا، والاسم بعدها معطوف على الاسم الأول على اللفظ، كقولهم: لا أب وابنا (٣)، ورفع الثاني على أن يكون كالنصب، إلا أنه على المحل كقوله:
لا أم لي إن كان ذلك ولا أب (٤)
وأن ترفعهما جميعا على أنهما مبتدءان، أو على أن "لا" بمعنى " ليس" وإنما حسن الرفع فيهما عند التكرير إما على الابتداء أو على أنها بمعنى " ليس".
وضعف جعلها بمعنى " ليس" على الانفراد، وضعف وقوع المبتدأ بعدها على الانفراد، مثل قولهم: لا حول منفردا، أو لا رجل قائما، من حيث كان
стр. 573
شبهها بـ " إن" شبها قويا، فقوي لذلك إعمالها كعملها (١). وإنما جاز الرفع من غير ضعف عند التكرير من حيث كان استعمال ذلك الأصل يوهم ما ليس لغتهم من مزج كلمات متعددات. ألا ترى أنهم إذا فتحوا أيضا على ما هو فصيح أيضا كان ذلك موهما أن الجميع مبني بناء واحدا، وليس ذلك من لغتهم، فصار ذلك كالمانع من استعمال الأصل، فعدل إلى جعله مبتدأ بتقدير إسقاط أثر الحرف وجعله مبتدأ، أو وجوعا إلى اللغة الأخرى لما أوهمت هذه اللغة هذا الوهم.
[إملاء ٧٩]
[الجمع المانع من الصرف]
وقال ممليا على قوله (٢): " الجمع شرطه صيغة منتهى الجموع بغير هاء"، إلى قوله: "فلا إشكال". قال: أكثر النحويين يقول في تفسير الجمع المانع من الصرف: الجمع الذي لا نظير له في الاحاد. وجاء في كلام سيبويه هذا المعنى في موضع (٣)، وجاء ما ذكر في هذه المقدمة في موضع اخر من كلامه، وهذا أولى في تعريفه. لأنه إذا عرف بأنه الجمع الذي لا نظير له في الآحاد ورد
стр. 574
عليه باب " أفعل" مثل: أكلب، وأعين، وأمثاله، فإنه جمع لا نظير له في الآحاد وهو منصرف بإجماع. وقد أجيب عنه بأنه قد جاء نحو: أنملة، وتاء التأنيث غير معتد بها في الزنة، فقد تحقق نظيره في الآحاد، وهو جواب غير سديد، فأنه لو صح أن تكون تاء التأنيث فيه موجبة أن تكون الصيغة على بناء الواحد بدونها من حيث كانت زائدة، لصح أن تكون صياقلة كذلك. والاتفاق على أن فرازنة (١) مثل كراهية في كونه على صيغة الواحد مع الاطباق على أن فرازن ليس على بناء الواحد. وإذا كانت تاء التأنيث في البنية التي ذكروا أنها لا واحد عليها لا أثر لدخولها في كونها مخرجة للصيغة إلى بناء الواحد على تقدير حذفها، فكذلك "أنملة". ووجه ثان في الأولوية أن هذا التعريف ينبىء عن العلة من أول الأمر، لأنها إذا كانت صيغة منتهى الجموع فكأنه جمع متعدد وتلك لا تنبىء عن ذلك، والتعريف المنبىء عن العلة أولى من غيره لو استويا (٢).
وأما قوله: "بعير هاء"، فاحتراز من فرازنة، وقشاعمة (٣). لأنه لو اقتصر دونه لورد نقضا عليه، إذ هو صيغة منتهى الجموع. وإنما انصرف لأن دخول تاء التأنيث يخرجه إلى بناء الواحد مثل: كراهية وطماعية (٤). ويضعف تقدير الجمع فيه، فلا يلزم من إعمال بقدير الجمع الذي لا مضعف له إعماله في الموضع الذي وجد فيه مضعف.
стр. 575
قال: " وحضاجر علم (١) للضبع غير منصرف". قال: حضاجر وسراويل، يرد على تعريف الجماعة نقضا، لأنه واحد. وهو على زنة جعافر، وكذلك سراويل، لأنه على زنة قراويح (٢) وهو اسم مدلوله مفرد.
وأجابوا عن سراويل إذا لم يصرف وهو الأكثر، وقدر أنه عربي (٣): بأنه جمع في التقدير لسروالة (٤). فإذا استعمل جمعا فلا إشكال على التعريفين، وإن استعمل للمفرد كان تقدير الجمع فيه ضعيفا من حيث كان النقل في أسماء الأجناس بعيدا. إلا أنه يغتفر ههنا من حيث إنه لا بد من ارتكاب محذورين أحدهما يلزم منه مخالفة أمر معلوم، والآخر يلزم منه ارتكاب أمر مستبعد. وذلك أنه إذا ثبت كونه غير منصرف وثبت أنه لا يمنع الصرف إلا لأحد العلل المذكورة، فكل هذه معلومة، ولا مانع فيه للصرف يمكن تقديره إلا ما ذكر. وإن كان بعيدا، فيجب ارتكاب ذلك المستبعد لئلا يلزم منه مخالفة أمر معلوم. فإن قدر أنه أعجمي فجوابه: أنه حمل على موازنه في العربية عند النقل، فوجب ألا يصرف.
وأما إذا صرف سراويل فيتعين عند هؤلاء أن يكون أعجميا، وإلا لم يصح قولهم: لا نظير له في الآحاد، لأنه إذا لم يكن أعجميا وقد صرف وجب أن يكون مفردا وهو على زنة ما قالوا إنه لا زنة له (٥) في الآحاد. وأما هذا التعريف
стр. 576
فلا يرد عليه ذلك نقضا، وإنما يذكر ليبين الوجه في امتناع صرفه إذا لم يصرف، ووجه ما ذكر. وإذا صرف فلا يتعين أنه أعجمي ولا يكون فيه إشكال، لأن المانع كونه جمعا على صيغة منتهى الجموع. وإذا لم يكن جمعا فلم يوجد المشروط، فلذلك قال: وإذا صرف فلا إشكال.
وقوله: " ونحو جوار رفعا وجرا مثل قاض". هذه اللغة الفصيحة في البحر، فأما الرفع والنصب فلم يجىء إلا على لغة واحدة. وأما حال الجر فاللغة الفصيحة: مررت بحوار، والشاذة: مررت بجواري، وهي رديئة (١). وقد وقع الخلاف بين سيبويه ومن قال بقوله، وبين المبرد ومن قال بقوله في التقدير في "جوار" في الرفع وفي الجر على اللغة الفصيحة، وإن كانوا متفقين على اللفظ (٢). فقال سيبويه: هو غير منصرف كمساجد، وما فيه من التنوين إنما هو تنوين العوض لا تنوين الصرف (٣). وقال المبرد: منصرف لفقدان المانع للصرف (٤). فالتنوين تنوين الصرف. وقد احتج لسيبويه بأن الأصل: جواري، منونا، إذ أصل الأسماء الصحيح والصرف، فتحققت فيه العلة المانعة للصرف فحذف التنوين ثم حذفت الضمة عن الياء استثقالا لها بعد الكسرة، ثم عوض عن حركة الياء المحذوفة تنوين العوض، فاجتمع ساكنان (٥)، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. ووجب أن يكون التنوين تنوين
стр. 577
العوض بعد أن ثبت أن الاسم غير منصوف. وهذا الاستدلال ضعيف من حيث أنه مبني على النظر في منع الصرف بعد الإعلال. والمبرد يسلم أنه أصله (١)، ولكنه يقدر النظر في الإعلال قبل النظر في منع الصرف، ثم ينهض ذ ... لك أمارة له في كونه منصرفا، ويكون أولى منحيق إن النظر في الإعلال نظر في تحقيق الصيغة، والنظر في منع الصرف نظر فيما يتبع الإعراب، والإعراب فرع، فما يتبعه فرع الفرع، والنظر فيما هو الأصل مقدم على النظر في فرع فرعه. فإذا أعل أولا حذفت الياء لالتقاء الساكنين: الياء وتنوين الصرف، فيبقى الاسم على فواع. ثم نظر إلى ما يمنع الصرف فلم يوجد ذلك الوزن فبقي الاسم منصرفا على حاله. ويقوي ما ذكر المبرد ما ذكر من تقديم الإعلال على منع الصرف اللغة الفصيحة في: مررت بجوار. ولو كان الأمر على ما ذكر أولا لوجب أن يقال: مررت بجواري، على ما هو في اللغة الرديئة.
والأولى أن ينظر في استدلال آخر، فيقال: المحذوف بالإعلال في حكم الموجود في الأمور الإعلابية باتفاق، بدليل قولك: هذا قاض، ومررت بقاض، ولوكان في حكم العدم لوجب أن يقول: هذا قاض بضم الضاد، ولولا بقدير وجودها ما وجب كسر الضاد في حال الرفع، فالموجب لكسر الضاد كونها في حكم الوجود (٢) باعتبار أمر إعرابي وجب أن تكون في حكم الوجود باعتبار أمر لفظي مثله. ودليل آخر وهو أن يقال: الدليل على أن المحذوف بالإعلال في حكم الموجود بالنظر إلى منع الصرف باعتبار الصيغة إطباقهم على أن باب: أعلى وأدنى، أصله: أعلي وأدني، والإعلال قبل النظر في منع الصرف، فتتحرك الياء وينفتح ما قبلها فتنقلب ألفا، فيجتمع ساكنان فتحذف الألف فيبقى
стр. 578
" أعلى"منونا، ووزن " أعلى" أفعى، ن وأفعى ليس بأفعل، فلولا أن اللام المحذوفة بالإعلال في حكم الوجود لما منع من الصرف، ولوجب أن يبقى منونا على حاله، كما وجب عندهم أن يكون " جوار" باقيا على حاله بتنوين الصرف لما لم تكن الصيغة بعد الحذف بالإعلال على صيغة الجمع لفظا. ولما وجب اعتبار المحذوف بالإعلال في الصيغة المانعة للصرف في " أعلى" وجب ذلك في "جوار"، إذ لا فيق بينهما. وسيبويه يطرد أصله في أن كل ما آخره ياء معتلة وهو غير منصرف يعوض عن إعلاله تنوين فتحذف الياء لالتقاء الساكنين. والمبرد يجري على أصله في أنه لا يعوض بل يثبت التنوين إن كان تنوين الصرف ويحذف إن كانت علة تمنع الصرف. وعليهما اختلفوا في امرأة سميتها بقاض. فسيبويه يقول: هذه قاض ومررت بقاض ورأيت قاضي (١). والمبرد يقول: هذه قاضي، بإثبات الياء، ورأيت قاضي ومررت بقاضي (٢). لأنهم لم يختلفوا ههنا في أن فيه ما يمنع الصرف، فلا تنوين للصرف، فوجب عند المبرد أن لا يكون فيه تنوين، ووجب عند سيبويه أن يكون فيه تنوين العوض كـ" جوار"، فمن ثم جاء الاختلاف لفظا فيه، ولم يختلف في لقظ "جوار" من حيث إنه لم يتفق على أنه فيه ما يمنع الصرف. وإنما اتفق أن سيبويه القائل فيه بوجود علة منع الصرف يوجب تنوين العوض. وأن المبرد الذي يقول لا تنوين للعوض ليس عنده فيه
стр. 579
علة تمنع من الصرف، فاتفق القولان في وجود التنوين، واللفظ واحد.
[إملاء ٨٠]
[حكم إظهار "أن" المقدرة]
وقال ممليا [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (١) على قوله في المقدمة (٢): "ويجوز إظهار أن مع لام كي والعاطفة ويجب مع لا في اللام": إنما لم يظهروا مع حتى وأو والفاء والواو غير العواطف لأنها تقتضيها اقتضاء واضحا من غير لبس فاستغني عن الإظهار. أما "حتى" فلأنها حرف جر فلا يدخل إلا على اسم، فلم يحتج إلى إظهار لوضوح ذلك فيها، ولا حاجة إلى الفصل بينها وبين الابتدائية لأن تلك لا عمل لها بخلاف لام كي ولام الجحود. وأما " أو" فلأنها إما بمعنى إلى أو إلا (٣)، وكلاهما في اقتضاء " أن" واضح. وأما الفاء فلأنها إنما تكون بعد الأشياء الستة (٤) سببية، فكان ذلك علامة لاقتضائها للناصب، فلم يحتج إلى إظهارها. وأما الواو فلأنها محمولة عليها في كونها بعد الأشياء الستة للجمعية (٥). وإنما أظهرت مع لام كي ليفرق بينها وبين لام الجحود عند قصد الإيضاح من أول الأمر. وإنما أظهرت مع العواطف لأنه لم
стр. 580
يقو أمر الفرينة في اقتضائها قوتها فما التزم فيه حذفها لما تقدم. وأما إيجاب إظهارها مع "لا" في اللام في مثل: لئلا، فلما كرهوه من إدخال حرف الجر في الصورة على حرف ليس مع ما بعده في تأويل اسم (١)
[إملاء ٨١]
[علم الفاعلية والمفعولية والإضافة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثلاث وعشرين وستمائة] (٢) على قوله (٣): " ما اشتمل على علم الفاعلية والمفعولية والإضافة": يعني بالعلم اللقب الذي جعل دليلا عليها. فعلم الفاعلية ما جعل دليلا عليها من ضم أو ألف أو واو، في مثل: جاء زيد والزيدان وأخوك والزيدون. وعم المفعولية ما جعل دليلا عليها من فتحة أو ألف أو ياء أو كسرة، كقولك: ضربت زيدا وأخاك والزيدين والقائمات. والخفض كذلك من كسرة أو ياء أو فتحة، كقولك: مررت بزيد والزيدين وأخيك والزيدين وأحمد.
[إملاء ٨٢]
[جواز أبي وأخي عند المبرد]
وقال ممليا [بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (٤) على قوله (٥): " وأجاز المبرد أبي وأخي" (٦): إنما خص المبرد "أبي وأخي" لما توهمه من قوله:
стр. 581
أبي مالك ذو المجاز بدار (١)
وعلم أن "أخي كـ"أبي" في لغاته وأصله وكترته وقلته، بخلاف غيرهما من هذا الباب، فإنه إن وافق أبا من وجه خالفه من وجه.
[إملاء ٨٣]
[حد الإعراب]
وقال ممليا [بدمشق سنة أربع وعشرين وستمائة] (٢) على قوله (٣): "الإعراب ما اختلف آخره به": الضمير في "به" ضمير "ما"، أي: الشيء الذي يختلف آخر المعرب به كما تقول: الإنسان هو ما تتوقف عقليته على النطق. فالضمير عائد على "ما"، لا على الإنسان باعتبار خصوصيته، لأنه لم يكمل باعتبار ذلك إلى الآن، وإنما رجع إلى قولك: ما، فكذلك هذا. ولا بد من هذا الضمير ليعود على الذي، إذ الضمير في قولك: آخره، للمعرب. ولو قلت: الإعراب هو الشيء الذي يختلف آخر المعرب، لم يكن كلاما.
стр. 582
[إملاء ٨٤]
[وجه عدم ذكر المؤلف اللام بمعنى على]
وقال ممليا على المقدمة (١) وقد قيل له: لِم لم تذكر أن اللام بمعنى "على" وقد ذكرت أنها بمعنى " عن"؟ فقال: أن اللام للاختصاص، والاختصاص على وجهين: إما أن يكون فيه ضرر أولا، فالأول صح دخول " على" فيه لما في الضرر من معنى الاستعلاء لمن نسب إليه، ولم يخرج عن معنى اللام الذكورة.
[إملاء ٨٥]
[العلة في حذف بني تميم خبر" لا" التي لنفي الجنس]
وقال ممليا [بدمشق سنة خمس وعشرين وستمائة] (٢)، في خبر "لا" التي لنفي الجنس (٣): العلة في حذف بني تميم الخبر (٤) يحتمل أمرين: أحدهما: أن الخبر مراد ولكنهم حذفوه حذفا لازما كما حذف الجميع خبر المبتدأ في مواضع، فتكون "لا" حرفا مثلها فيمن يثبت الخبر. والثاني: أن تكون "لا" عندهم اسما من أسماء الأفعال بمعنى: نفيت، فلا تحتاج إلى تقدير خبر محذوف، لأن اسم الفعل مع معموله يستقل كلاما.
стр. 583
والوجه الأول أظهر لموافقته اللغة الفصحى في التقدير ولقلة (١) ...
ولكون اسم الفعل لم يأت على مثل هذه الصيغة.
[إملاء ٨٦]
[وجوب النصب بعد ما خلا وما عدا]
وقال ممليا في وجوب النصب في قوله (٢): " ما خلا زيدا وما عدا زيدا": لا جائز أن تكون "ما" نافية وهو ظاهر، ولا بمعنى الذي، لأن " الذي" توصل بالجار والمجرور والفعل، فلو كانت بمعنى "الذي" لجاز الخفض عل لغة من خفض (٣). ولما جاء هذا منصوبا ليس إلا، علم أن ثم مانعا منع أن تكون بمعنى الذي (٤).
[إملاء ٨٧]
[وجوب النصب في قولهم: جاء القوم إلا زيدا]
وقال ممليا في وجوب النصب في قولهم: جاء القوم إلا زيدا: إنه لو قدر تابعا لم يخل إما أن يكون توكيدا أو صفة أو بدلا أو عطف بيان أو عطفا بحرف والأقسام كلها باطلة. فالقول بالتبعية باطل. أما التوكيد فلا لفظي ولا معنوي، وهو ظاهر. ولا الصفة لأنها باعتبار التبع أيضا ليست موجودة. ول بدلا، لا كلا ولا بعضا ولا اشتمالا ولا غلطا. الغلط لا يجري في القرآن ولا في الكلام الفصيح، وبجل الكل ليس موجودا، لأن حده أن يكون مدلوله مدلول الأول،
стр. 584
وليس كذلك فيما نحن فيه، ور بدل البعض، لأن العامل يقدر انسحابه، ولو قدر انسحاب العامل هنا لكان مناقضا، ولا بدل الاشتمال، لأن زيدا ليس مشتملا على القوم، ولا القوم مشتملين عليه. وإذا بطلت الأقسام كلها كان له حكم الاستقلال بنفسه، فيعرب بما تعرب به سائر الفضلات كالحال والتمييز والمفعول وما شاكل ذلك وأما العطف بالحرف (١) فظاهر جدا. ولا عطف البيان (٢)، لأن حقيقته أن يكشف عن المراد كشف الصفة، والأمر هنا على العكس.
[إملاء ٨٨]
[المنادى يشمل المحسوس وغيره]
وقال: قولنا (٣): " المنادى هو المطلوب إقباله بحرف نائب مناب أدعو". فالمطلوب إقباله يشمل المحسوس وغيره كقولهم: يا زيد، ويا الله، وشبهه.
[إملاء ٨٩]
[مسألة في وجوب تقديم المبتدأ]
وقال ممليا على قوله (٤): "وإذا كان المبتدأ مشتملا على ماله صدر الكلام مثل: من أبوك؟ ": فـ"من" مبتدأ و"أبوك" خبره (٥). وكذلك: من
стр. 585
زيد؟ من عمرو؟ لأنهما معرفتان، فوجب أن يكون السابق هو المبتدأ كقولك: أزيد أبوك؟ وقد يتخيل أنه خبر لضرورة الاستفهام لوجهين (١): أحدهما: أن قولك: من زيد؟ معناه النجار أم الخياط، فقد وقع "من" موقع الحكم، والحكم خبر، فما يقع موقعه خبر. والثاني: ما فيها من الإبهام وعدم التعيين، إذ هو صالح لكل واحد ممن يصلح أن يكون أبا على سبيل البدل، فكان كرجل.
والأول فاسد من وجهين (٢): أحدهما: أنه ليس بمثابة ما ذكره من الأحكام، بل لو أجابه بكنية أو لقب لكان مجيبا على المطابقة. ولو سلم ما ذكر فالصحيح أنه لو صرح بالحكم فقيل: الضارب زيد، لكان الضارب هو المبتدأ، فهذا أجدر. وأما الثاني: فغير مستقيم لأن الإبهام الذي في "من " إنما نشأ من قبل الاستفهام الذي فيه، لا من حيث كونه نكرة. ألا برى أنه بمعنى قولك: أزيد أبوك أم عمرو أم خالد؟ فتطرق الإبهام في هذه المسميات على المتكلم لا يوجب لها تنكيرا، فكذلك هذا. وجواب خذه الأسماء بالمعرفة مما يحقق كونها معرفة. كما أن جوابها بالأسماء مما يحقق كونها أسماء بالاتفاق، وهي بمعنى: أي الرجال، وأي الرجال: معرفة بالاتفاق، فكذلك هذا.
[إملاء ٩٠]
[معنى الفعل الماضي]
وقال ﵀: قولنا (٣): " الماضي ما جل على زمان قبل زمانك" أي:
стр. 586
الماضي المجرد من القرائن في أصل وضعه. فإن قولنا: إن قام زيد قمت، هو ماض في الفظ. وقولنا: لم يقم، ماض معنى. فإنك لو أخذت "يقم" (١) عريا عن القرائن لم يدل على ماض أصلا.
[إملاء ٩١]
[إيراد على موضع من مواضع وجوب بقديم الخبر والجواب عنه]
وقال وقد أورد بعض الأصحاب على قوله في. المقدمة (٢): "وإذا تضمن الخبر المفرد ماله صدر الكلام مثل: أين زيد؟ " وكيف عمرو؟ وشبهه. فقال: معكم أمران، مل واحد منهما يقتضي التقديم، فلم ترجح أحدهما دون الآخر؟ فأجيب بأن المبتدأ وإن كان أصله التقديم إلا أنه على سبيل الجواز ما لم يكن مشتملا على ما يقتضي وجوب تقديمه. وأما هذا وما أشبهه فيقتضي التقديم وجوبا، والواجب مقدم على غير الواجب.
[إملاء ٩٢]
[إيراد على حد المعرب والجواب عنه]
وقال ممليا: إذا أورد على قولنا في المقدمة في حد المعرب (٣) "أي"، فإنها أشبهت مبني الأصل وهي معربة (٤). فجوابه: أن "أيا" لما كانت
стр. 587
مضافة والإضافة من خواص الأسماء قابلت ذلك الشبه، فرجع الاسم إلى أصله في الإعراب، إذ أصله ذلك على ما قرر.
[إملاء ٩٣]
[إيراد على حد الحرف والجواب عنه]
وقال ممليا: إذا أورد على قولنه في حد الحرف (١): " ما دل على معنى في غيره" الأسماء المشتركة (٢) فإنه لا يفهم مدلولها إلا بالقرينة، وكذلك الحرف فإنه لا يفهم معناه إلا بذكر متعلقه معه. فجوابه: أن الأسماء المشتركة ليس من شرط استعمالها لفظ آخر يقترن بها، بل قد يكون قصد المتكلم الإبهام. ومن ثم يجيء كثير من المشتركات يجوز فيها الأمران، أعني كل واحد من مدلوليها، كقوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾ (٣). وليس كذلك في الحرف، فإنه لا يستقيم أن نقول: خرجت من.
[إملاء ٩٤]
[إيراد على حد العطف والجواب عنه]
وقال ممليا على قوله (٤): " العطف تابع يتوسط بينه وبين متبوعه أحد
стр. 588
الحروف العشرة": وهذا يرد عليه: جاء زيد العالم والعاقل، فإنه تابع توسط بينه وبين متبوعه أحد الحروف العشرة، وليس بعطف في التحقيق وإنما هو باق على ما كان عليه في الوضعية. وإنما حسن دخول حرف العطف لنوع من الشبه بالمعطوف ولما بينهما من التغاير.
[إملاء ٩٥]
[معنى المفرد في قوله: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد]
وقال ممليا: المفرد يطلق باعتبارات ثلاثة في قولنا (١): " الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد": المفرد ضد الموكب، والمفرد ضد المضاف، والمفرد ضد المثنى والمجموع. فقولنا: " لفظ وضع لمعنى مفرد"، المراد به ههنا ضد المركب، والمراد بالمركب كلمتان فصاعدا أسندت إحداهما إلى الأخرى إسنادا يفيد المخاطب ما لم يكن عنده في ظن المتكلم. فإذا ورد على قولنا: مفرد، قام وشبهه، فإنه لفظة تدل على معنى مركب وهو الحدث والزمان، فصار بمثابة قولك: قام زيد، في الدلالة على التركيب، فقد بطل حد الكلمة. فجوابه ما قيدنا به قولنا: إن المفرد المراد به ههنا ضد المركب، وقد فسرنا المركب، فعلى هذا "قام" داخلة في الحد، وكذلك: غلام زيد، وكذلك: بعلبك، وكذلك: الزيدان والزيدون، وما أشبه ذلك.
стр. 589
[إملاء ٩٦]
[الفعل المتعدي قد لا يحتاج إلى مفعول به]
قوله (١): "وهو في غير الموجب ليفيد". قال ممليا [بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة] (٢):أي: تحصل عنه الإفادة، ولم يحتج إلى ذكر مفعول لأنه خرج مخرج قولهم: فلان يعطي ويمنع، وفلان جاد وأفاد. والمعنى: حصل منه الإعطاء والمنع والإفادة والجود. ومن ثم لم يحتج إلى ذكر مفعول به لا ملفوظا به ولا مقدرا.
[إملاء ٩٧]
[عدم جواز استعمال "من" تامة وصفة]
قوله (٣): " ومن كذلك إلا في التمام والصفة". يعني: أنها لا تستعمل تامة كاستعمالهم "ما" في مثل قوله: ﴿فنعما هي﴾ (٤). ولا تستعمل صفة في مثل قولهم: اضربه ضربا ما، ولم يرد أنها لا تكون [موصوفة] (٥) فإنهما تكونان
стр. 590
موصوفتين على ما ذكر في " في" (١). والله أعلم بالصواب (٢).
* * *
стр. 591
ما يتعلق بالأبيات من هذه الأمالي
стр. 592
[إملاء ١]
[توجيه إعراب كلمة في بيت للمتنبي]
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين.
نذكر في هذه الأوراق أبياتا جرت بحضرة الشيخ الإمام السعيد العلامة جمال الدين أبي عمرو بن الحاجب، فتكلم على معانيها وإعرابها من شعر العرب والمتنبي وغيرهما من الشعراء. فمن ذلك إملاؤه على قول المتنبي:
ولو قلما ألقيت في شق رأسه ... من السقم ما غيرت من خط كاتب (١)
قال بدمشق سنة تسع عشرة وستمائة: يروى بالرفع والنصب (٢)، ولكل وجه. ولكن النصب هو الوجه، لأن [لو] (٣) ههنا حرف شرط يقتضي الفعل
стр. 593
لازما مثل "إن". كما يجب في مثل قولك: إن زيدا تضرب غلامه اضربه، النصب فكذلك ههنا. وهو من باب ما اشتغل فيه الفعل عن المفعول بضميره (١).
وإنما جاء وهم الرفع عند قائله من جهتين: منها: أنه لم يعد الفعل المفسر إلا بحرف الجر، ولم يدخل على المضمر العائد على الأول إلا بواسطتين. ومنها: وهو أظهرها إيهاما أنه جاء على صيغة ما لم يسم فأعله، فتوهم أنه مثل قولك: لو زيد ذهب به لكان كذا. أما كونه لم يعد بنفسه فليس بشيء، إذ لا فرق بين قولك في وجوب نصب: إن زيدا ضربته، وإن زيدا مررت به. وأما كونه لم يدخل على المضمر إلا بواسطتين فغير معتبر أيضا، وإنما المعتبر وجود الضمير معدى إليه الفعل، أو إلى ما يتعلق به بنفسه أو بواسطة حرف الجر. ألا ترى أنه لا فرق بين قولك: إن زيدا ضربته وإن زيدا ضربت غلامه. وأنما يجيء اللبس عند الضعفاء من جهة فهمهم أنه يقدر مثل ذلك الفعل كقولك: زيدا ضربته، أو ما في معناه من كل وجه كقولك: زيدا مررت به، لإمكان: جاوزت زيدا. وليس الأمر كما توهموه بل يقدر مثل الفعل إن أمكن، أو ما (٢) في معناه من كل وجه إن تعذر نفس الفعل، أو الملابسة إن تعذر الأمران مثل هذه المسألة التي نحن فيها وأشباهها.
وأما كونه جاء على ما لم يسم فاعله فليس بمستند، إذ لا فرق بين نصب: الدرهم أعطيتكه، وبين نصب: الدرهم أعطيته. وإنما المعتبر كون الفعل معدى إليه تعدي الناصب، وليس: زيد ذهب به، مثله لأن الفعل لم
стр. 594
يعد إليه تعدي الناصب، لأن الجار والمجرور في موضع رفع، فوجب الرفع لذلك. إذ شرط النصب كون الفعل معدى إلى المضمر أو إلى ما يتعلق به تعدي الناصب. نعم لو قلت: الثوب كسيته، لجاء جواز النصب. فكل موضع يجوز النصب فيه إذا طرأ فيه ما يوجب الفعل وجب النصب، فتبين أن النصب واجب في قوله: ولو قلما، على بقدير: ولو لابست قلما ألقيت في شق رأسه. ولو قيل: ولو قلم ألقي به وشبهه، لوجب الرفع، وكان مثل قولك: زيد ذهب به، لما تقدم من أن تعلق بما يتعلق بالضمير على غير وجه تعدي الناصب. ولو قيل: إنه ليس من هذا الباب، وإنما هو من باب ما حذف منه فعله لكثرته في الكلام كقولهم: ائتني بدابة ولو حمار، وشبهه. فيكون التقدير: ولو كان قلم، ويكون "ألقيت" في موضع رفع صفة لـ "قلم لا أنه جيء به لتفسير فعل محذوف، كأنه قيل: ولو كان قلم أنا ملقي قي شق رأسه لما غير (١). إلا أنه ليس بالكثير ولا بالظاهر في هذا، ولأن المفهوم من القائل: لو ألقيت في شق القلم، لا: لو كان قلم.
وقوله: من السقم، متعلق بـ "ألقيت"، لا بـ "غيرت" وإن (٢) كان المعنى يقوي "غيرت" لو ساعد الأمر اللفظي عليه. وعلى أن المعنى في تعلقه بـ " ألقيت" مستقيم. أما كونه لا يصح تعلقه بـ " غيرت" فلأن ما في حيز جواب الشرط لا يتقدم على الجواب. كما أن ما في حيز الشرط لا يتقدم عليه باتفاق. ألا ترى أنه لا يجوز أن تقول: إن تضربني في الدار أحسنت إليك، على أن يكون " في الدار" متعلق بـ "أحسنت" بل تحكم قطعا بأنه متعلق بـ " تضربني"
стр. 595
فكذلك هذا. على أن ثم مانعا آخر وهو أن ما في حيز التفي لا يتقدم عليه، إلا أنه لا ينبغي أن يستمسك به ههنا لما وقع من الخلاف في مثله لتقدم الظروف عليه لاتساعهم فيها (١). وأما بيان أن المعنى يستقيم بتعلقه بـ " ألقيت" فمن جهة صحة تعليله به، لأن إلقاءه فيه إنما صح من أجل السقم الذي هو عليه، ولولا ذلك لم يمكن باعتبار الطريق الذي يقصده الشعراء في استعمال الأوهام. وجواب " لو" قوله: ما غيرت، واللام محذوفة (٢)، وحذفها سائغ فصيح في القرآن والشعر، كقوله تعالى: ﴿لو نشاء جعلناه أجاجا﴾ (٣). وقوله: من خط كاتب، مبالغة من وجهين: أنه أتى بـ " من" المشعرة بالتبعيض، كأنه قال: ما غيرت شيئا أصلا، أو بـ " من" الزائدة للتأكيد، وهي تقتضي تقوية ذلك المعنى. والثاني: أنه أتى بـ " كاتب" نكرة ليفيد التعميم في كل خط لكل كاتب، وهو أبلغ من أن يكون مختصا فيهما أو في أحدهما.
[إملاء ٢]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي [في سنة تسع عشرة] (٤):
وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه ... بأن تسعدا والدمع أشفاه ساجمه (٥)
стр. 596
الظاهر أنه أراد أن يخبر عن " وفاؤكما" بقوله: بأن تسعدا. أي: وفاؤكما حاصل بأن تسعدا. وقوله: كالربع، مقدم، والمراد به التأخير، متعلق إما بما تعلق به " بأن تسعدا" أي: حاصل بإسعادكما مثل حصول وفاء الربع بإسعاده بالشجا بسبب الطسم، وإما متعلق بالإسعاد، أي: وفاؤكما حاصل بإسعادكما إسعادا مثل إسعاد الربع بما ذكر، وإما بوفائكما وفاء مثل وفاء الربع بالطسم المعين على الشجا حاصل بأن تسعدا. وإما متعلق بمحذوف، على أن يكون خبر مبتدأ، أي: هو كالربع، إما إضمارا للوفاء، وأما إضمارا للاسعاد، وإما إضمارا للمخاطبين (١). وما ذكره ابن جني في معناه عن المتنبي يشعر بأن الباء وما في حيزها في قوله: بأن تسعدا، وهو الخبر عن " وفاؤكما" (٢). ويجوز أن يكون قوله: كالربع، خبر المبتدأ الذي هو " وفاؤكما"، وقوله: بأن تسعدا، متعلق بـ " وفاؤكما" (٣)، أي: وفاؤكما بالإسعاد مشبه للربع في وفائه بالطسم المعين على الشجا.
стр. 597
وقوله: أشجاه طاسمه، تقرير للمعنى الذي يكون به الربع معينا على الإسعاد وهو الاخبار عن كونه مشجيا إذا كان طاسما. وكلها تعسفات لما يلزم من تقديم متعلق المصدر عليه أو الفصل بين المبتدأ وخبره (١) بالأجنبي الذي هو: كالربع، على تأويل: أو أشجاه طاسمه، على كل تأويل. وقوله: والدمع أشفاه ساجمه، مما يقوي هذا المعنى، ويقرر أنه أراد بالإسعاد ما يعين على البكاء والشجا، فلذلك جعل غزارة الدمع شافية، فيقوي أن يكون المعنى بقوله عن الربع: أشجاه طاسمه، تقرير أن طسمه مسعد لكونه يؤدي إلى الشجا المتضمن لغزارة الدمع التي جعلها شافية، ولا إسعاد أبلغ مما يؤدي إلى الشفاء، وهذا يضعف من يزعم أن قوله: كالربع، خبر المبتدأ (٢)، على معنى أنه أهبر عن وفائهما بالإسعاد، أنه مثل الربع في دثوره وذهابه، أي: بعيد منكما داثر مبك لدثوره وعدمه كالربع في دثوره وإبكائه (٣).
[إملاء ٣]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال أيضا ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة عشرين] (٤):
جللا كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح (٥)؟
стр. 598
الجلل من الأضداد للعظيم والحقير، ويعلم أنه ههنا للعظيم (١) في قصده بالقرينة، وهو منصوب على أنه خبر لـ " كان" قدم، و" كما" في موضع نصب خبرا بعد خبرا، أو نصبا على المصدر بقوله: جللا، أي: عظيما عظمة مثل عظمة (٢) ما بي. وحذف النون من " يكن" ضرورة لأنها في موضع تحريك (٣). وإنما يحسن حذفها إذا لم تكن كذلك كقولك: لم يك زيد قائما أما مثل: لم يكن الذين، فالحذف فيه ضعيف. ووجهه: أن الأصل السكون فحذفت لذلك، ولأن مجيء ما بعدها مما أوجب حركتها إنما كان بعد تحقق حذفها فبقيت على ما كان جائزا فيها. واللام في قوله: فليك، لام الأمر سكنت لاتصال الفاء بها وهو فصيح (٤). وتقديم الخبر في مثل ذلك ليس بالقوي وإن كان جائزا من جهة أن الجملة تضمنت لام الأمر وهي تقتضي صدر الكلام كما تقتضيه " لا" في النهي، و" ما"، وهمزة الاستفهام، وحروف التحضيض وما أشبه ذلك. فكان القياس أن لا يجوز كما لم يجز في بقية الأبواب. فلا يقال: زيدا ما ضربت، ولا
стр. 599
عمرا لا تقتل، ولكنه جاز فيه لما كان الأمر أكثره بصيغة الأمر الموضوعة له من غير حرف، فنزلوها منزلة الفعل الماضي والمضارع لما تجردت عن الحرف وكانت بنفسها هي الدالة على المعنى الذي دل عليه الحرف، ولذلك جاز: زيدا (١) ليضربه عمرو، ولم يجز: زيدا ما ضربه عمرو، لأنه يشترط في المنصوب المشتغل عنه الفعل بضميره صحة عمله فيه متقدما لو علق به. وأما إدخال الفاء في قوله: فليك: فللإشارة إلى أنه قد تقدم ما يرشد إلى المتقضي لهذا الأمر من أن يكون التبريح عظيما، تنبيها على عظم محبوبه وكونه في الغاية القصوى التي لا ينبغي أن يكون الحب له إلا كذلك، كقولك لمن تأمرو بالسفر بعد أن تقدم ما يرشد إلى مصلحة وقوعه: فسافر. ومثله: ﴿ففروا إلى الله﴾ (٢)، ﴿فسبحان الله﴾ (٣). والأمر بالتبريح لفظا، والمراد أصحابه، تنزيلا للمسبب منزلة السبب. والمراد: أمر أصحابه بتعظيم الحب الذي هو سبب لتعظيم التبريح، فيزل التبريح تلك المنزلة كقولك: لتكن الجنة مأواك، وإنما تريد أن تأمره بحسن العمل الذي هو سبب لكون الجنة مأواك (٤). وقوله: أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟ من جملة ما يعاب عليه في شعره. وقد روي أنه سئل عنه على وجه التعيير له فلم يجب بشيء. ووجهه أنه لما ذكر أن تبريحه عظيم، وأمر غيره بمثله دل ذلك على عظم محبوبه، فقصد إلى ذكرة
стр. 600
التنبيه عليه بالإشارة، وأنه مشبه للرشأ حتى يشك رائيه في أنه من جنسه حقيقة، فيستفهم: أغذاؤه كغذائه حقيقة أم لا؟ أو يكون الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: أن هذا الرشأ الذي بلغ هذا المبلغ في الحسن لا يكون كغيره مما يأكل الشيح وغيره (١). وهي جملة من مبتدأ وخبر. و "ذا" في موضع خفض بالإضافة إليه، و "الرشأ الأغن" صفة لـ " ذا".
[إملاء ٤]
[معنى بيت للمتنبي]
وقال أيضا ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (٢):
منافعها ما ضرر في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما (٣)
الظاهر أنه أراد أن هذه المرأة الممدوحة ينفعها ما يضر غيرها من الأمور الدنيوية لقلة اهتبالها بها واشتغالها بما ينفعها مما يعود عليها بالثناء في الدنيا والثوال في الآخرة. فغيرها يضره أن يجوع وأن يظمأ لا شتغاله بهذه اللذات الدنيوية وانشغاله بها. وهي لشرفها غذاؤها وريها جوعها وعطشها. أي: يقوم الجوع والعطش عند اشتغالها بما يهمها مقام الغذاء والري عند المهتبلين بأمر دنياهم (٤).