← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 124755

أمالي ابن الحاجب

ابن الحاجب

Полный текст (865 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

الظاهر أنه أراد أن يخبر عن " وفاؤكما" بقوله: بأن تسعدا. أي: وفاؤكما حاصل بأن تسعدا. وقوله: كالربع، مقدم، والمراد به التأخير، متعلق إما بما تعلق به " بأن تسعدا" أي: حاصل بإسعادكما مثل حصول وفاء الربع بإسعاده بالشجا بسبب الطسم، وإما متعلق بالإسعاد، أي: وفاؤكما حاصل بإسعادكما إسعادا مثل إسعاد الربع بما ذكر، وإما بوفائكما وفاء مثل وفاء الربع بالطسم المعين على الشجا حاصل بأن تسعدا. وإما متعلق بمحذوف، على أن يكون خبر مبتدأ، أي: هو كالربع، إما إضمارا للوفاء، وأما إضمارا للاسعاد، وإما إضمارا للمخاطبين (١). وما ذكره ابن جني في معناه عن المتنبي يشعر بأن الباء وما في حيزها في قوله: بأن تسعدا، وهو الخبر عن " وفاؤكما" (٢). ويجوز أن يكون قوله: كالربع، خبر المبتدأ الذي هو " وفاؤكما"، وقوله: بأن تسعدا، متعلق بـ " وفاؤكما" (٣)، أي: وفاؤكما بالإسعاد مشبه للربع في وفائه بالطسم المعين على الشجا.

стр. 597

وقوله: أشجاه طاسمه، تقرير للمعنى الذي يكون به الربع معينا على الإسعاد وهو الاخبار عن كونه مشجيا إذا كان طاسما. وكلها تعسفات لما يلزم من تقديم متعلق المصدر عليه أو الفصل بين المبتدأ وخبره (١) بالأجنبي الذي هو: كالربع، على تأويل: أو أشجاه طاسمه، على كل تأويل. وقوله: والدمع أشفاه ساجمه، مما يقوي هذا المعنى، ويقرر أنه أراد بالإسعاد ما يعين على البكاء والشجا، فلذلك جعل غزارة الدمع شافية، فيقوي أن يكون المعنى بقوله عن الربع: أشجاه طاسمه، تقرير أن طسمه مسعد لكونه يؤدي إلى الشجا المتضمن لغزارة الدمع التي جعلها شافية، ولا إسعاد أبلغ مما يؤدي إلى الشفاء، وهذا يضعف من يزعم أن قوله: كالربع، خبر المبتدأ (٢)، على معنى أنه أهبر عن وفائهما بالإسعاد، أنه مثل الربع في دثوره وذهابه، أي: بعيد منكما داثر مبك لدثوره وعدمه كالربع في دثوره وإبكائه (٣). [إملاء ٣] [معنى وإعراب بيت للمتنبي] وقال أيضا ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة عشرين] (٤): جللا كما بي فليك التبريح ... أغذاء ذا الرشا الأغن الشيح (٥)؟

стр. 598

الجلل من الأضداد للعظيم والحقير، ويعلم أنه ههنا للعظيم (١) في قصده بالقرينة، وهو منصوب على أنه خبر لـ " كان" قدم، و" كما" في موضع نصب خبرا بعد خبرا، أو نصبا على المصدر بقوله: جللا، أي: عظيما عظمة مثل عظمة (٢) ما بي. وحذف النون من " يكن" ضرورة لأنها في موضع تحريك (٣). وإنما يحسن حذفها إذا لم تكن كذلك كقولك: لم يك زيد قائما أما مثل: لم يكن الذين، فالحذف فيه ضعيف. ووجهه: أن الأصل السكون فحذفت لذلك، ولأن مجيء ما بعدها مما أوجب حركتها إنما كان بعد تحقق حذفها فبقيت على ما كان جائزا فيها. واللام في قوله: فليك، لام الأمر سكنت لاتصال الفاء بها وهو فصيح (٤). وتقديم الخبر في مثل ذلك ليس بالقوي وإن كان جائزا من جهة أن الجملة تضمنت لام الأمر وهي تقتضي صدر الكلام كما تقتضيه " لا" في النهي، و" ما"، وهمزة الاستفهام، وحروف التحضيض وما أشبه ذلك. فكان القياس أن لا يجوز كما لم يجز في بقية الأبواب. فلا يقال: زيدا ما ضربت، ولا

стр. 599

عمرا لا تقتل، ولكنه جاز فيه لما كان الأمر أكثره بصيغة الأمر الموضوعة له من غير حرف، فنزلوها منزلة الفعل الماضي والمضارع لما تجردت عن الحرف وكانت بنفسها هي الدالة على المعنى الذي دل عليه الحرف، ولذلك جاز: زيدا (١) ليضربه عمرو، ولم يجز: زيدا ما ضربه عمرو، لأنه يشترط في المنصوب المشتغل عنه الفعل بضميره صحة عمله فيه متقدما لو علق به. وأما إدخال الفاء في قوله: فليك: فللإشارة إلى أنه قد تقدم ما يرشد إلى المتقضي لهذا الأمر من أن يكون التبريح عظيما، تنبيها على عظم محبوبه وكونه في الغاية القصوى التي لا ينبغي أن يكون الحب له إلا كذلك، كقولك لمن تأمرو بالسفر بعد أن تقدم ما يرشد إلى مصلحة وقوعه: فسافر. ومثله: ﴿ففروا إلى الله﴾ (٢)، ﴿فسبحان الله﴾ (٣). والأمر بالتبريح لفظا، والمراد أصحابه، تنزيلا للمسبب منزلة السبب. والمراد: أمر أصحابه بتعظيم الحب الذي هو سبب لتعظيم التبريح، فيزل التبريح تلك المنزلة كقولك: لتكن الجنة مأواك، وإنما تريد أن تأمره بحسن العمل الذي هو سبب لكون الجنة مأواك (٤). وقوله: أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟ من جملة ما يعاب عليه في شعره. وقد روي أنه سئل عنه على وجه التعيير له فلم يجب بشيء. ووجهه أنه لما ذكر أن تبريحه عظيم، وأمر غيره بمثله دل ذلك على عظم محبوبه، فقصد إلى ذكرة

стр. 600

التنبيه عليه بالإشارة، وأنه مشبه للرشأ حتى يشك رائيه في أنه من جنسه حقيقة، فيستفهم: أغذاؤه كغذائه حقيقة أم لا؟ أو يكون الاستفهام على سبيل الإنكار، أي: أن هذا الرشأ الذي بلغ هذا المبلغ في الحسن لا يكون كغيره مما يأكل الشيح وغيره (١). وهي جملة من مبتدأ وخبر. و "ذا" في موضع خفض بالإضافة إليه، و "الرشأ الأغن" صفة لـ " ذا". [إملاء ٤] [معنى بيت للمتنبي] وقال أيضا ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (٢): منافعها ما ضرر في نفع غيرها ... تغذى وتروى أن تجوع وأن تظما (٣) الظاهر أنه أراد أن هذه المرأة الممدوحة ينفعها ما يضر غيرها من الأمور الدنيوية لقلة اهتبالها بها واشتغالها بما ينفعها مما يعود عليها بالثناء في الدنيا والثوال في الآخرة. فغيرها يضره أن يجوع وأن يظمأ لا شتغاله بهذه اللذات الدنيوية وانشغاله بها. وهي لشرفها غذاؤها وريها جوعها وعطشها. أي: يقوم الجوع والعطش عند اشتغالها بما يهمها مقام الغذاء والري عند المهتبلين بأمر دنياهم (٤).

стр. 601

وقوله: تغذى وتروى، فعلان مضارعن، أي: يحصل لها ما يقوم مقام ذلك بأن تجوع وأن تظمأ، فحذف الباء من " أن" وذلك جائز. ويجوز أن يكون معناه: أنه ينفعها ما يضرها لكونه ينفع غيرها، فتشتغل في نفع غيرها بما يضرها وترى أنه نفع لها لإيصالها الراحة لغيرها. أي: تسعى في منافع الناس وإن كان ذاك يضؤ بها. ثم أوضح بأن قال شيئا كالمثال وهو أنها ترى أن جوعها وظمأها إذا كان بسبب سعيها غذاء وري. وهو من أبياته الضعيفة المعنى. [إملاء ٥] [توهم المتنبي أن " ما" تقع للتشبيه] وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة إحدى وعشرين] (١): أمط عنك تشبيهي بما وكأنما ... فما أحد فوقي ولا أحد مثلي (٢) الظاهر أن قوله: بما، يتعلق بـ " تشبيهي"، فيلزم أن تكون "ما" للتشبيه مثل " كأنما". ولعله توهم أن " ما" في قولهم: ما أشبهه بكذا، للتشبيه مثل " ما" في قولهم: كأنما هو كذا. وليس المر على ما توهم. ولا تعرف " ما" للتشبيه، وما ذكرته مما توهمه غلط محض (٣). فإن التشبيه إنما فهم من لفظ " أشبه"،

стр. 602

و" ما" للتعجب (١) لا للتشبيه. وهذا من أبياته التي يتجرأ على مثلها من غير روية وتمييز. ثم أتم البيت بما يقرر معنى نفي تشبيهه بفوله: فما أحد مثلي. يعني: إنما يشبه بالشيء إ ... ذا كان دونه أو مثله. وإذا كان الشيء لا شيء فوقه ولا شيء مثله امتنع تشبيهه (٢). [إملاء ٦] [معنى وإعراب بيت للمتنبي] وقال أيضا ممليا على قول المنتبي [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (٣): أحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا ... والبين جار على ضعفي وما عدلا (٤) يجوز أن يكون " أحيا" فعلا مضارعا حذف منه همزة الاستفهام للإنكار. وبقديره: أأحيا وأيسر ما قاسيت ما قتلا؟ أي: كيف أحيا وهذه حالي؟ فيكون قوله: وأيسر ما قاسيت، جملة في موضع الحال، أو جملة معطوفة قرر بها الجهة التى من أجلها أنكر الحياة ونفاها. لأنه إذا كان أيسر ما لقيه قاتلا، كان غير حي.

стр. 603

ويجوز أن يكون " أحيا" من باب أفعل التفضيل حذف المضاف إليه استغناء عنه بما عطف عليه مما شرك بينه وبينه فيه. كأنه قال: أحيا ما قاسيت وأيسر ما قاسيت، فحذف المضاف إليه من الأول استغناء عنه بالثاني، أو حذف المضاف إليه من الثاني استغناء عنه بالأول، ثم أخر ليعتمد الناني عليه من حيث اللفظ كما في قولك: نصف وربع درهم، وكقوله: إلا علالة أوبداهة سابح (١) ويكون مبتدأ، خبره " ما قتلا" إن كانت " ما" في: ما قاسيت، بمعنى الذي على القول بأن أفعل التفضيل يكتسب التعريف بالإضافة (٢)، وعلى القول بأن المعرفة تتعين بتقدمها للابتداء وإن كانت مشتقة. أو يكون خبرا مقدما على القول بأن أفعل التفضيل لا يكتسب تعريفا بالإضافة، وعلى القول بأن المشتق يتعين للخبر وإن كان معرفة ومقدما. فإن كانت " ما" بمعنى شيء فخبر مبتدأ باتفاق. وأما " أحيا" باعتبار المعنى فيجوز أن يكون مأخوذا من: حيي الشيء، إذا كانت فيه حياة. كأنه قال: أظهر شيء فيه حياة مما قاسيته يقتل. ويجوز أن

стр. 604

يكون مبنيا من: أحييته، إذا جعلته حيا، كأنه قال: أظهر شيء يحيى مما قاسيته يقتل، والمقصود يحصل من المعنيين جميعا. وأما قوله: والبين جاؤ على ضعفي، فمبتدأ خبره " جار"، وهو يقوي الوجه الثاني، لأن الوجه الأول الذي أنكر فيه كونه حيا لا يحسن أن يذكر بعده أن البين جار على ضعفه. وبالتقدير الثاني لا يلزم ذلك، لأنه لم يتعرض إلا لشدة ما قاسى، وأن غيره يهلك. بأقله، لا أنه هلك. وإنما أشار فيه إلى صبره وقوته على ما لقيه. [إملاء ٧] [معنى وإعراب بيت للمتنبي] وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق] (١): أمن ازديارك في الدجى الرقباء ... إذ حيث كنت من الظلام ضياء (٢) معناه: أن الرقباء حكموا بانتفاء ما يخافونه من حصول زيارتك في الدجى لما اشتملت عليه من النور الذي يظهر زوارك لو زاروك، فهم يمتنعون من زيارتك لذلك، كما يمتنعون من زيارتك في النهار، فأمنوا لذلك (٣). وإعرابه: أمن: فعل ماض، ومعناه: حصول المعنى المنافي للخوف أو عدم الخوف. يقال: أمنت كذا، إذا لم تخش منه، وإن كان واقعا. وأمنت

стр. 605

كذا، إذا حكمت بانتفاء وقوعه، وهو مما يخاف على تقدير وقوعه، بمعنى قوله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله﴾ (١). والظاهر أنه أراد المعنى الثاني، وإن كان الأول جائزا أن يقدر، ويكون المعنى: أن الازديار ولو قدر وقوعه لا يخاف منه من أمر يكره لما اشتملت عليه من الضياء المتقدم ذكره. لكنه ليس المعنى المقصود المتداول فيما ييقصده الشعراء في هذا المعنى. وازديار: مقعول بـ: " أمن". يقال: زاره وازداره، والأصل فيه: ازتيره، قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، وقلبت التاء دالا لوقوعها مع الراي، وعدل إلى " ازدار" لأنه أبلغ في المعنى المقصود. قال سيبويه: افتعل، يكون للتصرف والطلب. وقال: أما كسبت فإنه يقول: أصبت، وأما اكتسبت فإنه للتصرف والطلب (٢)، وعليه قوله تعالى: ﴿لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ (٣). فأتى بـ " كسبت" في الحسنات، وأتى بـ " اكتسبت" ي السيئات. والمعنى: أن الأتل في الحسنات معتد به ولا يعتد له في السيئات الأقل، ولذلك عدل إلى " اكتسب"، فهو من لطيف المعنى لطفا منه سبحانه ورحمة. و " في الدجى": متعلق بـ " ازديارك" لا بـ " أمن"؛ لأنه لو تعلق بـ " أمن" لكان المعنى بقييد الأمن بزمان الظلام وهم آمنون في كل وقت من زيارتها في الظلام. وإذا تعلق بـ " ازديارك" قيد الزيارة المأمونة بأنها في الظلام وهو المقصود. ولا يقال: إنه يفهم منه أن زيارتها في غير الظلام غير مأمونة. فإنه يجاب عنه: أن ذلك كالمعلوم من باب الأولى. والرقباء: قاعل بـ " أمن"، وهو جمع رقيب كشهيد وشهداء وكريم وكرماء، هو كثير.

стр. 606

و" إذ": الظاهر أنه أراد بها التعليل، تقول: ضربتك إذ ضربتني. ومنه قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم﴾ (١)، أي: من أجل ظلمكم، أو لأنكم ظلمتم. ويجوز أن يراد بها الظرف على تأويل سيأتي ذكره. و" حيث": يجوز أن يكون خبر المبتدأ [الذي] (٢) هو: ضياء أي: إذ الضياء في كل موضع حللت فيه. ويجوز أن يكون مبتدأ على المبالغة. و" ضياء" خبره، أي: إذ المكان الذي تحلين فيه ضياء، أو على تأويل: ذو ضياء. و" كنت": هي كان التامة، أي: وجدت وحصلت. و "من الظلام": يجوز أن يكون متعلقا بمحذوف متعلق بـ "حيث" لبيان الجنس، أي: إذ المواضع التي تحلين فيها التي هي مواضع الظلام. فيقدر حذف مضاف، أو يجعل الظلام كأنه للموضع، أو تجعل الأمكنة كأنها ظلام. ومثل هذا الجار متعلقه صفة لما هو بيان له، أي: إذ الأمكنة التي تحلين بها الحاصلة من مواضع الظلام. ويجوز أن يكون متعلقا بمحذوف متعلق بـ " ضياء"، أي: إذ حيث كنت ضياء من الظلام، أي: حاصل عنه، أي: عوضا منه من قولك ............... (٣). فيكون صفة لـ "ضياء" في الأصل ثم قدم، فقدر نصبا على الحال. ويجوز أن يكو متعلقا بـ " كنت" لأنها كان " التامة"، أي: إذ حيث حللت من مواضع الظلام ضياء. ويجوز أن تكون " إذ" ظرفا على بابها بدلا من قوله: في الدجة، أي: أمن

стр. 607

ازديارك في الدجى، في الزمن الذي حيث تحلين فيه من الظلام ضياء. فيجوز أن يكون " من الظلام" على هذا التأويل لبيان " إذ"، أي: في الزمان الذي هو الظلام الذي حيث حللت فيه ضياء. [إملاء ٨] [جواب عن إشكال في بيت للمتنبيٍ] وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (١): عجز بحر فاقة ووراءه ... رزق الإله وبابك المفتوح (٢) وجه الإشكال فيه: أن المعنى على أن يكون " فاقة" مبتدأ و"عجز بحر" الخبر. فيؤدي إلى أن يكون ابتداء بالنكرة من غير شرط من شرائط التصحيح (٣) وهو غير مستقيم. ولا يستقيم أن يقال: إن " عجز" هو المبتدأ، و"فاقة" هو الهبر، لأنه لم يرد أن العجز بالحر فاقة، وإنما أراد أن الفاقة وأنت موجود عجز. فلو جعل " العجز" مبتدأ لأدى إلى أن يكون كل عجز فاقة، ولم يرده ولا ينبغي أن يراد. وإذا جعل "الفاقة" مبتدأ كان المعنى على أن كل فاقة عجز، لأنه لو أتى إليك لأزلتها، فصارت في الحقيقة عجزا عن الحضور إلى بابك، وهو مراده، والمعنى عليه.

стр. 608

والجواب من وجوه: أحدها: أنه أراد: كل فاقة عجز، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، فكان فيه مصحح تقديري لا بعد في تقديره، مع أن المعنى عليه، ويندفع الإشطال بذلك ويستقيم المعنى على الوجه المفهوم من قصد الشاعر. والثاني: أن يكون " بحر" من تتمة فاقة، كأنه أراد: فاقة بحر، ثم قدم، فيكون المصحح صفته، وهي من جملة المصححات، الثالث: أن يكون " عجز" خبر مبتدأ محذوف، أتى به مبهما لتعظيم الأمر، كأنه قال: هو عجز، ثم فسره بقوله: فاقة، فتكون " فاقة" بدلا من المضمر المفسر، أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة تفسير للضمير المحذوف، كأن سائلا سأله عنه فقال: هو فاقة. وأما قوله: ووراءه، فجملة في موضع الحال، وجاءت الواو فيها لأنها جملة اسمية تلزمها الواو على الأفصح (١)، وهي حال إما من المستكن في "بحر" بقديره: الفاقة عجز بحر في هذه الحال، أو فاقة حاصلة بحر في هذه الحال عجز، على التقديرين المتقدمين. وإما من " حر" على تقديى أن يكون المراد وضعه موضع الجنس وهو المراد، كما وضع المعرفة موضع النكرة في قوله: ولقد أمر على اللئيم يسبني (٢) ويجوز أن تكون حالا من " فاقة" على تقدير أن يكون المعنى: كل فاقة باعتبار المعنى المقدر، كأنه قال: كل فاقة حاصلة عن عجز بالحر ووراءه رزق الإله. إذ لم يرد أن الفاقة هي العجز، وإنما أراد أنها عنها، ثم أخبر بها عنها

стр. 609

تجوزا للمبالغة، والضمير في " وراءه" لا يمنع من ذلك، لأن المصحح للحال إنما هي الواو، فتكون لما قصده المتكلم لا لما فيها ضميره. إذ قد يكون الضمير فيها وهي حال من غير صاحبه كقولك: ضربت رجلا وأبوه قائم، فإنه حال من التاء في: "ضربت" لا من "رجل" وإن كانت مشتملة على ضمير رجل عرية عن ضمير صاحب الحال، لأن المصحح هو الواو، ولا أثر للضمير في صحة تصحيح ولا تعيين. [إملاء ٩] [معنى وإعراب بيت للمتنبي] وقال ممليا على قول المتنبي [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١): ترابه في كلاب كحل أعينها ... وسيفه في جناب يسبق العذلا (٢) يجوز أن يتعلق " في كلاب" بالمعنى في قوله: ترابه، على معنى: تراب غاراته في كلاب، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. أو أراد بالتراب الغارات لملازمتها لها (٣). ويجوز أن يتعلق بالمعنى في قوله: كحل أعينها، أي: ملازم للأعين في كلاب، فلما قدم " في كلاب" أعاد الضمير عليه في قوله: كحل أعينها. ويجوز أن يتعلق بما دل عليه " كحل" من المصدر، أي: كحل الأعين في كلاب، تعلق الجار بالمصدر، ثم أضمر على ما تقدم. ويجوز أن يتعلق بمثل المحذوف المقدر، أي: ترابه مماثل لكحل الأعين في كلاب، ثم قدم وأضمر، والمعنى موافق لجميع ذلك.

стр. 610

أما " في جناب" فيجوز أن يتعلق بما دل عليه سيفه، إذ المراد سيف قتله، أو المراد بالسيف القتل. ويجوز أن يتعلق بـ " يسبق" أي: يسبق العذل في هذه القبيلة المخصوصة مشيرا إلى المثل السائر: " سبق السيف العذل" (١). والمعنى: أن غاراته لا تفتر عن كلاب، وأن قتله مسرع في جناب، حتى بلغ أن يقال عنده المثل السائر: "سبق السيف العذل". و" ترابه": مبتدأ، خبره "كحل"؛ وإن صح الخفض في " كحل" فهو بدل من " كلاب"، بدل الاشتمال، أي: ترابه في كحل أعينها، ويكون تعلق الجار بمحذوف إذ هو خبر المبتدأ، أي: ترابه كائن في كحلها. ويجوز أن يكون "في كلاب" و " في جناب" خبران، ويكون " كحل أعينها" جواب سائل (٢) سأل عن معنى كونه في كلاب، فقال: هو كحل أعينها، ويكون "يسبق العذلا" أيضا جوابا لسائل سأل عن جهة استقراره في جناب [لتعدد الوجوه فأجيب بـ "يسبق العذلا". وهي جملة مستقلة فلا تحتاج إلى إضمار. ويجوز أن يكون "يسبق" حالا من المضمر في الخبر الذي هو كائن في جناب] (٣) على هذه الحال بخلاف الأول، إذ لايستقيم أن يكون الأول كذلك لكونه مفردا يحتاج إلى تقدير مبتدأ وإلى تقدير الواو فيبعد ذلك منها. وإنما اختير في " يسبق العذل" الوجه الأول ليطابق الصدر في كونه قدر جوابا على تقدير أن يكون الجاران خبرين.

стр. 611

[إملاء ١٠] [القياس إبراز ضمير الشأن، وحذفه شاذ] وقال ممليا على قول الشاعر العربي: فليت كفافا كان خيرك كله ... وشرك عني ما ارتوى الماء مرتو (١) قال: في "ليت" ضمير الشأن وهو موضع الاستشهاد، وحذفه شاذ لأنه ضمير منصوب، فالقياس إبرازه، وحذفه ضعيف كقولك: إن من يكرمني أكرمه، بالجزم. ولايستقيم أن يكون "كفافا" اسما لـ "ليت" لأنه نكرة فلا يصلح، ولو صلح لم يستقم المعنى، لأن قوله: كان خيرك، وما بعده، لايصلح خبر. وهو منصوب خبر "كان" مقدما عليها، وفيه بعد ذلك وجهان: أحدهما: أن يكون خبرا باعتبار الخير والشر معا، أي: ليت خيرك وشرك بالنسبة إلي لا يفضل أحدهما على الآخر، لأن الكفاف هو الذي ليس فيه فضل. يريد أن شرك زائد على خيرك، فأنا أتمنى لو كان غير زائد. وعلى هذا يكون " مرتو" فاعل " ارتوى"، أي: ما شرب الماء شارب، أي: جميع الدهر، أي: ارتوى من الماء. ويجوز أن يكون " كفافا" خبر "كان" باعتبار خيرك خاصة، على معنى: أنه ما بلغ ذلك إلى أن يكون فيه كفاف، كما تقول: ليت نفقتك كفاف، أي: ليتها مقدار الحاجة، تريد أنها أنقص، فكذلك ههنا. ويكون " شرك" معطوفا بخبره لا بإفراده على الجملة الأولى كما تقول: كان زيد قائما وعمرو قاعدا. ويكون خبر " وشرك" مرتو، كأنك قلت: ليت خيرك يحصل منه كفاف وليت

стр. 612

شرك منكف (١)، فوضع " مرتو" موضع "منكف"، لأن المرتوي من الشيء منكف عنه، ويكون الماء على هذا التأويل مرفوعا (٢) بتأويل حذف المضاف، أي: ما ارتوى شارب الماء. فأنت في الأول عطفت مفردا على مفرد وهو: شرك على خيرك، وأخبرت عنهما بـ " كفافا". وفي الثاني عطفت جملة على جملة أخبرت عن كل مفرد منهما بخبر خاص. وكان القياس على هذا الوجه أن يكون مرتويا لأنه خبر لـ "كان" باعتبار العطف كما تقول: كان زيد قائما وعمرو منطلقا، ولكنه جاء على خلاف القياس للضرورة. ولا يجوز أن يكون مبتدأ وخبرا، كقولك: كان زيد قائما وعمرو منطلق لفساد المعنى، لأنه يكون حينئذ جملة مستقلة منقطعة عن التمني في المعنى مثلها في قولك: ليت زيدا قائم وعمرو منطلق، لأن عمرا منطلق، في مثل ذلك، مثبت له الانطلاق غير داخل في حيز التمني بخلاف: ليت زيدا قائم وعمرا منطلق. وإذا ثبت ذلك كان جعلك: وشرك مرتو، مرفوعا على الابتداء يوجب أن تكون مخبرا بإثبات ذلك فيوجب إخباره بأن شره منكف، فيفسد المعنى، إذ المعنى فيه: أن شره زائد وأنه يتمنى أن لا يكون كذلك، فكيف يحمل على وجه يثبت ما مقصود المتكلم نفيه؟ [إملاء ١١] [توجبه إعراب كلمة في بيت ينسب للعجاج] وقال ممليا على قول الشاعر [سنة ثماني عشرة] (٣): ألف الصفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا (٤)

стр. 613

هذا البيت يوهم أن " كسيرا" خبر (١) لـ " كأن" في المعنى، إ ... ذ يسبق إلى الفهم أنه شبهه لشدة رفعه إحدى قوائمه بكسير، وإن قوله: مما يقوم على الثلاث، تقرير لسبب تشبيهه به، فكأنه قال: كأنه كسير من أجل دوام قيامه على الثلاث. ويلزم على هذا أن يكون نصب "كسير" لحنا، فينبغي أن يطلب له وجه يصح في الإعراب ولا يخل بالمعنى. فنقول: إنما أخبر بقوله: مما يقوم، و"ما" بمعنى الذي، فكأنه قال: كأنه من الخيل التي تقوم على الثلاث كسيرا، فيكون " كسيرا" حالا من الضمير في "يقوم"، وذكر. "يقوم" إجراء له على لفظ "ما"، فشبهه بالخيل التي تقوم على ثلاث في حال كونها مكسورا إحدى قوائمها، فاستقام المراد على هذا. ووجب نصب " كسيرا" باعتباره على الحال. ولا يستقيم أن يكون "كسيرا" خبرا لـ " يزال" (٢)، لأنك إذا جعلته خبرا لـ "يزال" فلا يخلو إما أن تكون "ما" في " مما يقوم" مصدرية كما قدرت أولا، أو بمعنى الذي كما قدرت ثانيا. فإن جعلتها مصدرية بطل لوجوه: أحدها: أن "كأن" تبقى بلا خبر، إذ "مما يقوم" لا يصلح أن يكون خبرا لفوات الفائدة فيه. والثاني: أن "كأن" تبقى غير مرتبطة بشيء. والثالث: ما يلزم من أنه حكم عليه بالكسر وليس كذلك. ويجاب عن الثالث بأنه (٣) يكون التقدير شبه كسير.

стр. 614

وإن كانت "ما" تعنى الذي فسد لما يؤدي إليه من اختلال المعنى، وذلك أن " كسيرا" يكون خبرا لـ "يزال" فيكون المعنى: فما يزال كسيرا على الحقيقة أو شبه كسير. ثم قوله: كأنه من التي يقمن على الثلاث، تشبيه للشيء بشيء آخر هو على حاله، لأنه على هذا لأنه على هذا إنما شبهه بالخيل التي تقوم على الثلاث، فصار قائلا: كأن هذا القائم على الخيل القائمة على ثلاث، لخروج " كسيرا" عن حيز " كأن" ودخوله في حيز "ما يزال". هذا إن جعلت " كسيرا" و"كأنه" خبرا بعد خبر. فإما إن لم تجعله كذلك فسد لذلك، ويكون "كأن" مع ما في حيزها تخرج عن الربط بما هو معها، وذلك فاسد. [إملاء ١٢] [توجيه إعراب كلمة في بيت ينسب لأبي نواس] وقال ممليا [بالقاهرة] (١) على قول الشاعر: غير مأسوف على زمن ... ينقضي بالهم والحزن (٢) لايصح أن يكون له (٣) عامل لفظي. وإذا لم يكن له عامل لفظي فإما أن يكون مبتدأ وإما أن يكون خبر مبتدأ. ولايصح أن يكون مبتدأ لأنه لا خبر له، لأن الخبر إما أن يكون ثابتا أو محذوفا، الثابت لا يستقيم لأنه إما " على زمن"، وإما " ينقضي"، وكلاهما مفسد للمعنى. وأيضا فإنك إذا جعلته مبتدأ لم يكن بد من أن تقدر قبله موصوفا (٤)، وإذا قدر قبله موصوف (٥) لم يكن بد من أن تكون

стр. 615

"غير" له، و " غير" ههنا ليست له وإنما هي " لزمن"، ألا ترى أنك لو قلت: رجل عيرك مربي، لكان في " غيرك" ضمير عائد على رجل. ولو قلت: رجل غير متأسف على امرأة مربي، لم يستقم، لأن " غير" ههنا لما جعلته في المعنى للمرأة خرج عن أن يكون صفة لما قبله. ولو قلت: رجل غير متأسف عليه مربي، جاز لأنها في المعنى للضمير، والضمير عائد على المبتدأ، فاستقام، فتبين أنه لايكون مبتدأ لذلك. وإن جعل الخبر محذوفا لم يستقم لأمرين: أحدهما: أنا قاطعون بنفي الاحتياج إليه. والآخر أنه لا قرينة تشعر به. ومن شرط صحة حذف الخبر وجود القرينة. وإن جعل خبر مبتدأ لم يستقم لأمور: أحدها: أنا قاطعون بنفي الاحتياج إليه. الثاني: أن حذف المبتدأ مشروط بالقرينة، ولا قرينة. الثالث: أنك إذا جعلته خبر مبتدأ لم يكن بد من ضمير يعود منه إلى المبتدأ لأنه في معنى مغاير، ولا ضمير يعود على ما تقدره مبتدأ، فلا يصح أن يكون خبرا، فتبين إشكال إعرابه. وأولى مـ يقال: إنه أوقع المظهر موقع المضمر لما حذف المبتدأ من أول الكلام. فكأن التقدير: زمن ينقضي بالهم والحزن غير متأسف عليه. فلما حذف المبتدأ من غير قرينة تشعر به أتى به ظاهرا مكان المضمر فصارت العبارة فيه كذلك، وهو وجه حسن لا بعد في مثل ذلك (١)، فإن العرب تجيز: إن يكرمني زيد إني أكرمه، وتقديره: إني أكرم زيدا إن يكرمني، فقد أوقعت زيدا موقع المضمر لما اضطرت إلى إعادة الضمير إليه، وأوقعت المصمر موقع المظهر لما أخرته عن الظاهر. فقد تبين لك اتساعهم في مثل ذلك وعكسه.

стр. 616

ويحتمل أن يقال: إنهم استعملوا " غير" بمعنى " لا" كما استعملوا " لا" بمعنى " غير" وذلك واسع في كلامهم. فكأنه قال: لا تأسف على زمن هذه صفته. ويدلك على استعمالهم " غير" بمعنى "لا": زيد عمرا غير ضارب، ولا يقولون: زيد عمرا مثل ضارب، لأن المضاف إليه لا يعمل فيما قبل المضاف، ولكنه لما كانت " غير" تحمل على "لا" جاز فيها ما لا يجوز في "مثل" وإن كان بابهما واحدا. وإذا كانوا قد استعملوا: أقل رجل يقول ذاك، بمعنى النفي مع بعده عنه بعض البعد، فلأن يستعملوا " غير" بمعنى "لا" مع موافقتها لها في المعنى أجدر. فإن قيل: فإذا قدرتموها بمعنى "لا" فلا بد له من إعراب من حيث كونه اسما، فما إعرابه؟ قلنا: إعرابه كإعراب قولك: أقل رجل يقول ذاك، وهو مبتدأ لا خبر له استغناء عنه (١)، لأن المعنى: ما رجل يقول ذاك (٢). وإذا كان كذلك صح المعنى من غير احتياج إلى خبر، ولا استنكار بمبتدأ لا خبر له إذا كان كذلك صح المعنى من غير احتياج إلى خبر، له إذا كان في المعنى بمعنى جملة مستقلة كقولهم: أقائم الزيدان؟ فإنه بالإجماع مبتدأ، ولا مقدر محذوف، والزيدان فاعل به ليس بخبر. فهذا مبتدأ لا خبر له في اللفظ ولا في التقدير. وإنما استقام لأنه في المعنى: يقوم الزيدان. وكذلك قول بعض المحققين في مثل: نزال وتراك، إنه مبتدأ وفاعله مضمر ولا خبر له لاستقامة المعنى من حيث كان معناه: انزا واترك (٣).

стр. 617

وقد ذهب كثير إلى أنه منصوب انتصاب المصدر، كأنه قيل في نزال: انزل نزولا. وهذا عندنا ضعيف، فإنه لو كان كذلك لوجب (١) أن يكون معربا. ونحن نفرق بين "سقيا" وبين " نزال"، فكيف يكمن حملها على إعراب واحد وهو أن يكونا مصدرين مع أن أحدهما معرب والآخر مبني؟ [إملاء ١٣] [اجتماع الحالين] وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (٢): متى اجتمع حالان من ذاتين مشبهة إحداهما الأخرى أو مفضلة عليها باعتبار الحالين (٣)، أو من ذات واحدة فلضلت على نفسها باعتبار حاليها (٤)، فالوجه تقديم حال ما قدم مولية لصاحبها، كأنهم قصدوا إلى نفي الإلباس بإيلاء كل حال لمن هي له. لأنهم لو أخروا فقالوا: زيد مثل عمرو جالسا قائما، لجاز أن تقدر الحالان للآخر، ولجاز أن يقدر ما هو للآخر للأول وعلى العكس، فيؤدي إلى اللبس. والحال الأولى في أمثال هذا على الحقيقة ليست من الأول وإنما هي من الضمير في خبره، إذ المبتدأ لا يصح أن يكون منه حال لأنه غير قابل للتقييد، وإنما يقبل من نسب إليه فعل أو معنى فعل، وذلك محقق في الضمير الواقع في الخبر في قولك: مثله، أو خير منه، أو ما أشبهه. فإذا قلت: زيد قائما مثل عمرو جالسا، فإنما غرضك تمثيل زيد في حال قيامه بعمرو في حال جلوسه، فكأنك قلت: زيد مماثل في حال قيامه بعمرو في حال جلوسه (٥). وإنما قدمت الحال من الضمير في "مثل" وأوليتها زيدا لما ذكرناه من غرض نفي الإلباس. ألا ترى أنك

стр. 618

لو قلت: زيد مثل عمرو جالسا قاعدا، لنافر الطبع السليم لما ذكرناه. وهذا مثل قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا (١). وكذلك لو كانت الحال في المعنى للأول خاصة وليس للثاني حال لكان الوجه تقديمها، ومثله قول بعض المحدثين: الخد كالطرس والنونات دائره مثل الحواجب (٢) فـ " دائرة" في التحقيق حال من الضمير في "مثل" العائد على النونات، وقدم لما ذكرناه. وجاز تقديم الحال العامل فيها "مثل" لأنها في معنى ممائل، و"مماثل" يجوز تقديم حاله اتفاقا، وكذلك هذا. والرفع في هذا الشعر أحسن لاستقرار المخبر عنه على حالة واحدة، والأحوال إنما تكون للقابل للانتقال إليها. [إملاء ١٤] [إعراب قولهم: بنفسي خيال] وقال ممليا [بدمشق سنة ست وعشرين وستمائة] (٣): قولهم: بنفسي خيال، وبابه. الرفع فيه أقوى من جهة النقل ومن جهة المعنى. أما النقل فالمسموع: بأبي أنت، ولو كان مفعولا لوجب أن يقال: بأبي إياك، وأما من جهة المعنى فلأن المقدر في النصب جملة والمقدر في الرفع مفرد، فكان تقدير المفرد أولى. ويدل عليه إطباقهم على الرفع في قولهم: الهلال ولله والمسك، ولو نصب على معنى: رأيت الهلال وشممت المسك، لكان متجها (٤). وأيضا فإن باب الابتداء يدل على ثبوت الشيء وتقريره، وباب الفعل

стр. 619

يدل على حدوثه، والاستقرار أبلغ. ولذلك كان: الحمد لله وسلام عليكم، أحسن من النصب، وإن كان النصب متجها. وأما النصب فالمنصوب بالفعل المقدر أكثر من رفعه بالابتداء، فكان جعله من باب الكثر أولى. [إملاء ١٥] [إعراب بيت مجهول القائل] وسئل في ورقة عن إعراب قول الشاعر: أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسعدى أن يصوب سحابها (١) فيكتب بيده الكريمة ما هذه صورته: يجوز أن يكون "أحب" مبتدأ على قول من يرى تعريفه بالإضافة (٢)، و"ما بين منعج" خبر، موصولة أو موصوفة. ويجوز أن يكون "أحب" خبرا مقدما على قول من لا يرى تعريفه، و "ما" مبتدأ، و"إلي" متعلق بـ "أحب" على القولين، على سبيل الاتساع في الظروف. و" سعدى" عطف على "منعج" على أنه اسم موضع، أي: مابين هذين المكانين، أو على أنه اسم امرأة على حذف مضاف، أي: موضع سعدى، و "أن يصوب سحابها" يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون على حذف حرف خفض، أي: في أن يصوب سحابها، كما تقول: أحب الناس إلي زيد في أن يكون عالما، فيكون في موضع نصب على مذهب سيبويه (٣)، أو خفض على مذهب

стр. 620

الخليل. والثاني: أن يكون " أن يصوب سحابها" بدلا من قوله: ما بين منعج وسعدى، على تقدير مضاف في الأول، أي: أحب صوب سحاب بلاد الله إلي صوب سحاب ما بين منعج وسعدى. ويجوز أن لا يقدر مضاف لأن الخبر مطابق للمبتدأ، والبدل لا يغير له الكلامٍ، ألا ترى أنك تقول: أحب الناس إلي زيد علمه، ولا تقول: أحب صفات الناس إلي زيد علمه. والأولى أن يكون " أن يصوب سحابها" مفعولا بفعل مقدر دل عليه "أحب" أي: أحب أن يصوب سحابها. ألا ترى أن قوله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله﴾ (١) فإن قوله: ﴿من يضل﴾ مفعول بفعل مقدر دل عليه " أعلم"، أي: يعلم من يضل (٢). [إملاء ١٦] [إعراب شطر بيت مجهول القائل] وقال ممليا على قول بعضهم بالقاهرة بحضرة السلطان الملك الكامل (٣) سنة اثنتي عشرة وستمائة هذا الشعر: هي البدر من فوق الأزرة طالعا (٤)

стр. 621

قال: النصب والرفع فيه لا يجوز باعتبار ما يفهم من المعنى المقصود، ذلك أن الذي يفهم أنه المقصود هي في حال كونها مخرجة وجهها من بين الأزرة مثل البدر في حال كونه بازغا من مشرقه. والعرب إذا حكمت بشيء على شيء باعتبار حالين لهما أولت كل واحد منهما حاله ولم تؤخر الحالين عنهما. فتقول: هذا بسرا أطيب منه رطبا، وزيد قائما أحسن منك قاعدا، وهو كثير في كلامهم. وإذا كان كذلك فقد أخر ما لا يجوز تأخيره، فلا يفيده نصب "طالع" ولا رفعه مع اشتمال الكلام على هذا المفسد الملازم له. وإنما التزموا ذلك خيفة اللبس وتوهم أن الحالين للأخير لو قالوا: زيد مثل عمرو عالما عاقلا، فأراداوا أن يولوا كلا حاله ليرتفع اللبس من أول الأمر. ويجوز أن يحمل على وجه آخر غير ما يسبق من المعنى المقصود، وهو أن يكون "هي" ضمير القصة، و"البدر طالع" مبتدأ وخبر، و"من فوق الأزرة" متلق بـ "طالع"، ويكون المعنى: البدر طالع من فوق الأزرة، لأن ضمير الشأن وجوده وعدمه في المعنى سواء. ويجوز أن يكون "هي" ضميرا لمن تقدم ذكره، و"البدر" خبر له، و"طالع خبر بعد خبر، و"فوق الأزرة" متعلق به.

стр. 622

[إملاء ١٧] [الرد على استفتاء لابن بري] وقال ممليا على قول الشاعر: أتوب إليك يارحمن مما ... جنيت فقد تكاثرت الذنوب وأما من هوى ليلى وتركي ... زياتها فإني لاأتوب (١) قال: رأيت استفتاء لابن بري (٢) النحوى فيه ما معناه: كيف يستقيم قول الشاعر: وأما من هوى ليلى، وهو إذا لم يتب من ترك الزيارة تارك للزيارة؟ ألا ترى أنه لو قال: فإني أتوب من ترك الزيارة، لكان مستقيما في غرضه، ولو قال: وأما من هوى ليلى وزيارتها وأسقط "وتركي" لكان مستقيما في غرضه كغرض المعنى المراد، فإذا زاد فيه الترك أو النفي كان لنقيضه، فيفسد المعنى فأجاب ابن بري بتقرير الاعتراض وصحته لو كان الرواية: وتركي، وإنما الرواية: وحبي، فيزول الاعتراض. قلت: وقد قيل: إن الرواية: وقصدى، فيزول أيضا الاعتراض، والبيت مشهور بقوله: وتركي. ووجهه أنه

стр. 623

ذكر الترك البيان ما يطلب منه ثم قال: فإني لا أتوب مما يطلب مني تركه. ألا ترى أنه لو قال: وأما من هوى ليلى وتوبتي من زيارتها فإني لا أتوب، لكان مستقيما. على أن المعنى: فإني لا أتوب مما يطلب مني التوبة منه، لا على معنى: فإني لا أتوب من بوبتي، فكذلك هذا، إذ لا فرق بين أن يقول: وتركي زيارتها أو: وتوبتي من زيارتها. ومن زعم أن "لا" زائدة محافظا على ما تقدم من المعنى فقد أفسده بالنظر الى قوله: وأما من هوى ليلى، لأن المعنى يصير: فإني أتوب من هوى ليلى، وهو فاسد، ولا يستقيم أن يكون الحرف الواحد زائدا غير زائد. [إملاء ١٨] [الجواب عن سؤال في بيت لأبي صخر الهذلي] وقال ﵀ وقد استفتي في قوله الشاعر: وإني لتعروني لذكراك فترة ... كما انتفض العصفور بلله القطر (١) فقيل له: إن شخصين تنازعا فقال أحدهما: البيت: هزة ورعدة، ولا يستقيم معنى البيت على "فترة"، فسئل هل يستقيم معنى البيت على هذه الرواية وقد نقلها غير واحد ممن يوثق بنقله عن الأمالي (٢) لأبي على البغدادي (٣)؟ فكتب مجيبا بخط يده الكريمة ما هذه صورته وهو أن قال:

стр. 624

يستقيم ذلك على معنيين: أحدهما: أن يكون معنى: لتعروني، لترعدني، أي: تجعل عندي العرواء وهي الرعدة كقولهم: عري فلان، إذا أصابه ذلك، لأن الفتور الذي هو السكون عن الإجلال والهيبة تحصل عنه الرعدة غالبا عادة فيصح نسبة الإرعاد إليه فيكون "كما انتفض" منصوبا انتصاب قولك: أخرجته كخروج زيد، إما على معنى كإخراج خروج زيد، وإما لتضمنه معنى خرج غالبا، فكأنه قيل: خرج، فصح لذلك مثل خروج زيد، وحسن دلك تنبيها على حصول المطاوع الذي هو المقصود في مثل ذلك، فيكون أبلغ من الاقتصار على المطاوع، إذ قد يحصل المطاوع دونه، مثل: أخرجته فلم يخرج. والثاني: أن يكون معنى: لتعروني، لتأتيني وتأخذني فترة، أي: سكون للسرور الحاصل من الذكرى، وعبر بها عن النشاط لأنها تستلزمه غالبا، تسمية للمسبب باسم السبب، كأنه قال: ليأخذني نشاط كنشاط العصفور. فيكون "كما انتفض" إما منصوبا نصب: له صوت صوت حمار، وله وجهان: أحدهما: أن يكون التقدير: يصوت صوت حمار، وإن لم يجز إظهاره استعناء عنه بما تقدم، والثاني: أن يكون منصوبا بما تضمنته الجملة من معنى: يصوت (١). وإما مرفوعا صفة لـ " فترة"، أي: نشاط مثل نشاط العصفور. وهذه الأوجه الثلاثة المذكورة في الوجه الثاني في إعراب "كما انتفض" تجري على تقدير رواية: رعدة، وهزة. هذا ما كتبه مجيبا به.

стр. 625

وروى الرماني (١) عن السكري (٢) عن أبي سعيد الأصمعي: إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ... كما انتفض العصفور بلله القطر (٣) وهو ظاهر جينئذ. [إملاء ١٩] [توجيه إعراب كلمة في بيت للمتنبي] وقال ممليا على قول المتنبي: أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن (٤) أسفا: يجوز أن يكون مفعولا من أجله، وكان القياس يقتضي مجيء اللام، إذ ليس هو لفاعل الفعل المعلل، فيكون حذفها لضرورة الشعر، وقد جاء مثل ذلك. ويجوز أن يقال: إن الهوى لما كان من سبب المتكلم، فكأنه هو الذي

стр. 626

أبلى نفسه. فيكون "أسفا" فعلا لفاعل الفعل المعلل في المعنى. ويجوز أن يقال: إنه جعل الهوى أسفا مبالغةٍ، كأن الحب نفسه صار له أسف على من تعلق به، فيكون لذلك فعلا لفاعل الفعل المعلل أيضا. ولا بستقيم أن يكون مصدرا إلا على تأويل حذف مضاف، كأنه قيل: إبلاء أسف، وهو ضعيف، لأنه يؤدي إلة أن بكون متعلقات الفعل كلها مصادر كقولك: ضربت يوم الجمعة، وفيه إخراج للأبواب عن حقائقها. [إملاء ٢٠] [إعراب كلمة في بيت لأبي نصر عبد العزيز بن نباتة] وقال ممليا على قول الشاعر: خلقنا بأطراف القنا في ظهورهم ... عيونا لها وقع السيوف حواجب (١) حواجب: إما بدل من "وقع" وإما خبر عن " وقع"، ويكون "لها" إما خبرا بعد خبر وإما فضلة مثل قولك: زيد له غلام، أي: غلام له. [إملاء ٢١] [إعراب شطر بيت للنابغة الجعدي] وقال ممليا على قول الشاعر: حتى خرجن بنا من تحت كوكبهم ... حمرا م الطعن أعناقا وأكفالا (٢)

стр. 627

"أعناقا وأكفالا": تمييز، و"حمرا": حال من الضمير في قوله: خرجن بنا [إملاء ٢٢] [معنى بيت منسوب لأبي جلدة] وال ممليا على قول الشاعر: فقل للحواريات يبكين غيرنا ... ولا يبكنا إلا الكلاب النوابح (١) يقول: لسنا بأهل لأن تبكينا النساء حيث انهزمنا، بل لتبكنا الكلاب. وقيل: نحن أهل بدو ونموت تحت السيوف، وإنما تبكينا السباع. [إملاء ٢٣] [معنى بيت مجهول القائل] وقال ممليا على قول الشاعر: وليل زجونا أن يدب عذاره ... فما نم إلا وهو بالصبح مسفرا (٢) " مسفرا": حالمن الصبح، والعامل فيه ما في الباء من معنى المصاحبة، أي: وإلا وهو مصاحب في حال كونه مسفرا. ومعناه: أنا رجونا أن يأخذ في

стр. 628

سيره قليلا قليلا كدبيب العذار (١)، فما نم، أي: فما بدا إلا وهو مصاحب للصبح في حال إسفاره. يشير إلى سرعة انقضائه وأنه أوله كان كأنه يليه آخره لسرعة انقضائه. [إملاء ٢٤] [أسماء الفاعلين لا تقع مفعولا لأجله] وقال ممليا على قول الشاعر: ومر معرضا بحديث نجد ... فهيج ساكن القلب الطروب (٢) " معرضا": حال، ولا يجوز أن يكون مفعولا من أجله، لأن أسماء الفاعلين لم تقع المصادر فتقع مفعولا من أجله. وقد وقعت في مواضع محفوظة مصادر (٣). وإنما حملت على المصدرية لتعذر حملها على الحال. [إملاء ٢٥] [قبح ظاهر في بيت مجهول القائل] وقال ممليا على قول الشاعر: وعلمت أني لا أخاف مهندا ... ما لم يرعني من سوار معصما (٤)

стр. 629

سئل عن هذا البيت فقال: إن هذا لبئس الشعر. إلا أن وجهه من حيث الجملة مع رداءته أن فاعل "يرعني" مقدر، تقدر، تقديره: شيء أو نحو ذلك، ويكون قوله "من سوار" صفة لذلك المقدر. ثم لما كان ذلك مبهما فكأن قائلا قال: ما هذا؟ فقال: أعني معصما أو أخص معصما، وفيه قبح ظاهر، وهو أن المعصم هو المراد بالفاعلية في المعنى، و"من سوار" صفة قدمت كما يقدم غيرها من الصفات، فوزانه وزان قولك: جاءني من بني تميم رجلا. [إملاء ٢٦] [إشكال في بيت منسوب لبعض بني عمرو بي كادة] وقال ممليا على قول الشاعر وهو: قلت اسمعي وذرينا من تفقهكم ... فلست أفقه منا أم عمارا (١) ارتكب الشاعر أجد أمرين: أحدهما: أنه أراد: عمارة، فرخم للضرورة (٢). وهذا على لغة من قال: ياحار، وهو جائز عند سيبويه ممتنع عند المبرد، على لغة من يقول: يا حار بالضم (٣)، وهذا الخلاف جار بينهما في كل مرخم من غير النداء. فيجوز عند سيبويه أن يجري فيه الوجهان الجايان في: يا حار ويا حار. وعند المبرد مخصوص بلغة: يا حار بالضم لا غير. والآخر: انه ترك صرفه

стр. 630

على رأي أهل الكوفة (١)، فإن السبب الواحد عندهم غير (٢) مانع. [إملاء ٢٧] [ضعف تمييز المضمر] وقال ممليا على قول الشاعر: يبسط للفتية وجها جأبا ... بسط ذراعيه لعظم كلبا (٣) "كلبا": نصب على التمييز، وليس له وجه سواه. وفيه ضعف من جهة أن التمييز عن المضمر في مثل قولهم: كلبا (٤)، لله دره فارسا، إنما كان لأنك أضفت المدح إليه وأنت تعني أمرا آخر، فحسن التمييز لتفسيره ذلك الأمر المتعدد في التقدير كما حسن قوله: زيد أحسن وجها، وأعجبني حسنه وجها. في البيت: الضمير في " ذراعيه" هو عين الظاهر المنصوب بخلاف الأول وشبهه. وعلى هذا حمل بعض المفسرين قوله: ﴿فلما رأوه عارضا﴾ (٥)،

стр. 631

فقال: " عارضا" تمييز للضمير المبهم في " رأوه" (١). ومثله باتفاق التمييز في قولهم: نعم رجلا، وبئس رجلا، فإنه تمييز للمضمر نفسه لا لما يتعلق به. [إملاء ٢٨] [إعراب عجز بيت مجهول القائل] وقال ممليا على قول الشاعر: فيا حصيات كن في لمس كفها ... رزقتن ريا من نشا المسك أطيبا (٢) " أطيبا": صفة لـ "ريا"، ويكون قوله: من نشا أو من شذا، متعلقا بـ "رزقتن". ويحتمل أن يكون "أطيب" صفة بعد صفة، أي: رزقتن ريا حاصلة من نشا المسك أطيب من مثلها. ويجوز أن يكون " من نشا المسك" متعلقا بـ " أطيب" المتأخرة. وهذا يرد عليه الفصل بين الصفة [والموصوف] (٣). والجواب عنه: أن هذا الفصل من تتمة الصفة كما يقال: مررت برجل من زيد أفضل، إن جوزنا تقدم "من"، وإن منعنا تقدمها كان "أطيب" مفسرا لـ " أطيب" مرادة، والمفسر إعرابه إعراب المفسر. [إملاء ٢٩] [معنى وإعراب بيت لعدي بن زيد] وقال ممليا على قول الشاعر عدي بن زيد: من رأيت المنون عرين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير (٤)

стр. 632

"من": مبتدأ، و"المنون" مبتدأ ثان، و"عرين" فعل لم يسم فاعله ومفعول لم يسم فاعله خبر لـ " المنون". والضمير إما للمنون تنزيلا له منزلة المنايا لأنه يستعمل في معناها، ولذلك قال الفراء: المنون مؤنثة وتكون واحدة وجمعا. فيحتاج إلى ضمير يعود على "من" لأن هذا المبتدأ والخبر خبر له، ويكون قد بنى الفعل لضمير المفعول الثاني وحذف المفعول الأول وإن كان ضميره مرادا. ويجوز أن يكون الضمير في " عرين" عائدا على "من" حيث المعنى، لأن المراد النفوس، فيكون هو الضمير الذي يحتاج إليه "من" ويكون الضمير الذي يحتاج إليه "المنون" محذوفا، والفعل مبني لضمير المفعول الأول على ما هو الأحسن، وضمير المفعول الثاني محذوف. ومعنى البيت: أنه لم ير أحد عري من المنون، أي: سليم منها. وأتى به على وجه الاستفهام على معنى الاستبعاد والإنكار كقوله: فمن حدثتموه له علينا العلاء (١) أتى بـ "رأيت" توكيدا للقضية أنه لم ير أحد سلم من المنون. ويجوز أن يكون "رأيت" على هذا ملغى. ويجوز أن يقال: إن "من" مفعول أول لـ "رأيت"، و"المنون عرين" مبتدأ وخبر في موضع نصب على أنه مفعول ثان، والمعنى على حاله.

стр. 633

[إملاء ٣٠] [توجيه إعراب كلمة في بيت لحميد الأرقط] وقال ممليا على قول الشاعر: فأصبحوا والنوي عالي معرسهم ... وليس كل النوى يلقى المساكين (١) يجوز الرفع والنصب في " كل"، والنصب أوجه. فالرفع على وجهين: على أن يكون اسما لليس، وعلى أن يكون مبتدأ، ويكون في "ليس" ضمير الشأن. ويضعفان لحذف الضمير العائد على (٢) المبتدأ أو ما هو في معنى المبتدأ، إذ التقدير: يلقيه المساكين. وعلى أنه قد جاء مثل ذلك في قراءة ابن عامر في قوله: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ (٣)، والتقدير: وكل وعده الله الحسنى. ولولا هذا التقدير لم يستقم الرفع. إلا أن النصب أوجه؛ لأنه مثل النصب في قوله: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾. فـ " كل النوى" مفعول بـ " يلقى" قدم على فعله (٤). وفي " ليس" ضمير الشأن، وليس في ضمير الشأن بعد، بل هو باب واسع، فجاء النصب على وجه لا مضعف له ولم ينفك الرفع عن مضعف على ما تقدم. فأما ما يتوهم من أن " المساكين" مبتدأ، و"كل النوي" مفعول بـ " يلقى"

стр. 634

مقدم على فعله، فغير مستقيم أصلا، لأنه يؤدي إلى تقدم الفعل الذي هو خبر عن المبتدأ عليه، وإلى خلو الفعل عن ضمير من هو له، وهو غير سائغ. وأما قول بعض المتأخرين: أبين جفنيك رام من بني ثعل ... ام ليس تخطى الرمايا أسهم المقل (١) ففي "ليس" ضمير الشأن، و" يخطي الرمايا" فعل ومفعول وفاعل، قدم فيه المفعول على الفاعل. ولا بستقيم أن يكون " أسهم المقل" اسما لـ "ليس" ولا مبتدأ، على أن يكون في "ليس" ضمير الشأن، لأنه يؤدي إلى تقديم الفعل الذي هو خبر المبتدأ عليه. ولو ساغ ذلك لساغ أن يكون "زيد" في: قام زيد، مبتدأ، خبره ما تقدم عليه من قولك: قام ولم يصر إليه أحد من المحققين ووجهه ما فهم عن العرب من التزامهم حذف الضمير في مثل قولهم: قام الزيدان وقام الزيدون. ولو كان مبتدأ لوجب أن يقال: قاما الزيدان وقاموا الزيدون، لأن خبر المبتدأ إذا كان جملة لا ينفك عن ضمير يعود على المبتدأ، ولما لم يقل ذلك دل على أنهم التزموا في الفعل إذا كان خبرا ألا يقدم، فإذا وقع فعل مقدم فالاسم بعده فاعل لا مبتدأ على ما بقرر. [إملاء ٣١] [معنى وإعراب بيت لعمرو بن ملقط] وقال ممليا على قول عمرو بن ملقط الجاهلي (٢):

стр. 635

مهما لي الليلة مهما ليه ... أودى بنعلي وسر باليه (١) يجوز أن يكون "مه" من قوله: مهما لي الليلة، اسم فعل من قولهم: مه، أي: اسكت واكفف عما أنت فيه من اللوم وشبهه. كأنه يخاطب لائما على ما رآه من الوله. ثم قال: ما لي الليلة؟ تعظيما للحال التي أصابته والشدة التي أدركته. ثم ذكر الأمر الذي يحقق تعظيم الأمر فقال: أودى بنعلي وسر باليه، يعني: ذهب بنعلي وسرباليه، كقوله تعالى: ﴿هلك عني سلطانيه﴾ (٢). وإذا ذهب عنه نعله وسرباله وضلا (٣) دل على أن حاله بلغت مبلغا أذهلته عما لا يذهل متيقظ عن مثله. وصورة الاستفهام للتعظيم. ثم يجيء ما يحقق ذلك التعظيم بجملة أخرى بعد ذلك من فصيح كلام العرب وبديعه. قال لله تعالى: ﴿الحاقة. ما الحاقة. ما أدراك ما الحاقة﴾ (٤)، ثم قال: ﴿كذبت ثمود﴾ (٥)، وقال: ﴿القارعة. ما القارعة﴾ (٦)، ثم قال: ﴿يوم يكون الناس﴾ (٧)، ذلك كثير ويجوز أن يكون "مهما" أصله: ماما، كررت ما الاستفهامية للتأكيد
следующие страницы →