فقال: " عارضا" تمييز للضمير المبهم في " رأوه" (١). ومثله باتفاق التمييز في قولهم: نعم رجلا، وبئس رجلا، فإنه تمييز للمضمر نفسه لا لما يتعلق به.
[إملاء ٢٨]
[إعراب عجز بيت مجهول القائل]
وقال ممليا على قول الشاعر:
فيا حصيات كن في لمس كفها ... رزقتن ريا من نشا المسك أطيبا (٢)
" أطيبا": صفة لـ "ريا"، ويكون قوله: من نشا أو من شذا، متعلقا بـ "رزقتن". ويحتمل أن يكون "أطيب" صفة بعد صفة، أي: رزقتن ريا حاصلة من نشا المسك أطيب من مثلها. ويجوز أن يكون " من نشا المسك" متعلقا بـ " أطيب" المتأخرة. وهذا يرد عليه الفصل بين الصفة [والموصوف] (٣). والجواب عنه: أن هذا الفصل من تتمة الصفة كما يقال: مررت برجل من زيد أفضل، إن جوزنا تقدم "من"، وإن منعنا تقدمها كان "أطيب" مفسرا لـ " أطيب" مرادة، والمفسر إعرابه إعراب المفسر.
[إملاء ٢٩]
[معنى وإعراب بيت لعدي بن زيد]
وقال ممليا على قول الشاعر عدي بن زيد:
من رأيت المنون عرين أم من ... ذا عليه من أن يضام خفير (٤)
стр. 632
"من": مبتدأ، و"المنون" مبتدأ ثان، و"عرين" فعل لم يسم فاعله ومفعول لم يسم فاعله خبر لـ " المنون". والضمير إما للمنون تنزيلا له منزلة المنايا لأنه يستعمل في معناها، ولذلك قال الفراء: المنون مؤنثة وتكون واحدة وجمعا. فيحتاج إلى ضمير يعود على "من" لأن هذا المبتدأ والخبر خبر له، ويكون قد بنى الفعل لضمير المفعول الثاني وحذف المفعول الأول وإن كان ضميره مرادا. ويجوز أن يكون الضمير في " عرين" عائدا على "من" حيث المعنى، لأن المراد النفوس، فيكون هو الضمير الذي يحتاج إليه "من" ويكون الضمير الذي يحتاج إليه "المنون" محذوفا، والفعل مبني لضمير المفعول الأول على ما هو الأحسن، وضمير المفعول الثاني محذوف. ومعنى البيت: أنه لم ير أحد عري من المنون، أي: سليم منها. وأتى به على وجه الاستفهام على معنى الاستبعاد والإنكار كقوله:
فمن حدثتموه له علينا العلاء (١)
أتى بـ "رأيت" توكيدا للقضية أنه لم ير أحد سلم من المنون. ويجوز أن يكون "رأيت" على هذا ملغى. ويجوز أن يقال: إن "من" مفعول أول لـ "رأيت"، و"المنون عرين" مبتدأ وخبر في موضع نصب على أنه مفعول ثان، والمعنى على حاله.
стр. 633
[إملاء ٣٠]
[توجيه إعراب كلمة في بيت لحميد الأرقط]
وقال ممليا على قول الشاعر:
فأصبحوا والنوي عالي معرسهم ... وليس كل النوى يلقى المساكين (١)
يجوز الرفع والنصب في " كل"، والنصب أوجه. فالرفع على وجهين: على أن يكون اسما لليس، وعلى أن يكون مبتدأ، ويكون في "ليس" ضمير الشأن. ويضعفان لحذف الضمير العائد على (٢) المبتدأ أو ما هو في معنى المبتدأ، إذ التقدير: يلقيه المساكين. وعلى أنه قد جاء مثل ذلك في قراءة ابن عامر في قوله: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ (٣)، والتقدير: وكل وعده الله الحسنى. ولولا هذا التقدير لم يستقم الرفع. إلا أن النصب أوجه؛ لأنه مثل النصب في قوله: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾. فـ " كل النوى" مفعول بـ " يلقى" قدم على فعله (٤). وفي " ليس" ضمير الشأن، وليس في ضمير الشأن بعد، بل هو باب واسع، فجاء النصب على وجه لا مضعف له ولم ينفك الرفع عن مضعف على ما تقدم. فأما ما يتوهم من أن " المساكين" مبتدأ، و"كل النوي" مفعول بـ " يلقى"
стр. 634
مقدم على فعله، فغير مستقيم أصلا، لأنه يؤدي إلى تقدم الفعل الذي هو خبر عن المبتدأ عليه، وإلى خلو الفعل عن ضمير من هو له، وهو غير سائغ. وأما قول بعض المتأخرين:
أبين جفنيك رام من بني ثعل ... ام ليس تخطى الرمايا أسهم المقل (١)
ففي "ليس" ضمير الشأن، و" يخطي الرمايا" فعل ومفعول وفاعل، قدم فيه المفعول على الفاعل. ولا بستقيم أن يكون " أسهم المقل" اسما لـ "ليس" ولا مبتدأ، على أن يكون في "ليس" ضمير الشأن، لأنه يؤدي إلى تقديم الفعل الذي هو خبر المبتدأ عليه. ولو ساغ ذلك لساغ أن يكون "زيد" في: قام زيد، مبتدأ، خبره ما تقدم عليه من قولك: قام ولم يصر إليه أحد من المحققين ووجهه ما فهم عن العرب من التزامهم حذف الضمير في مثل قولهم: قام الزيدان وقام الزيدون. ولو كان مبتدأ لوجب أن يقال: قاما الزيدان وقاموا الزيدون، لأن خبر المبتدأ إذا كان جملة لا ينفك عن ضمير يعود على المبتدأ، ولما لم يقل ذلك دل على أنهم التزموا في الفعل إذا كان خبرا ألا يقدم، فإذا وقع فعل مقدم فالاسم بعده فاعل لا مبتدأ على ما بقرر.
[إملاء ٣١]
[معنى وإعراب بيت لعمرو بن ملقط]
وقال ممليا على قول عمرو بن ملقط الجاهلي (٢):
стр. 635
مهما لي الليلة مهما ليه ... أودى بنعلي وسر باليه (١)
يجوز أن يكون "مه" من قوله: مهما لي الليلة، اسم فعل من قولهم: مه، أي: اسكت واكفف عما أنت فيه من اللوم وشبهه. كأنه يخاطب لائما على ما رآه من الوله. ثم قال: ما لي الليلة؟ تعظيما للحال التي أصابته والشدة التي أدركته. ثم ذكر الأمر الذي يحقق تعظيم الأمر فقال: أودى بنعلي وسر باليه، يعني: ذهب بنعلي وسرباليه، كقوله تعالى: ﴿هلك عني سلطانيه﴾ (٢). وإذا ذهب عنه نعله وسرباله وضلا (٣) دل على أن حاله بلغت مبلغا أذهلته عما لا يذهل متيقظ عن مثله. وصورة الاستفهام للتعظيم. ثم يجيء ما يحقق ذلك التعظيم بجملة أخرى بعد ذلك من فصيح كلام العرب وبديعه. قال لله تعالى: ﴿الحاقة. ما الحاقة. ما أدراك ما الحاقة﴾ (٤)، ثم قال: ﴿كذبت ثمود﴾ (٥)، وقال: ﴿القارعة. ما القارعة﴾ (٦)، ثم قال: ﴿يوم يكون الناس﴾ (٧)، ذلك كثير ويجوز أن يكون "مهما" أصله: ماما، كررت ما الاستفهامية للتأكيد
стр. 636
اللفظي فقلبت الألف الأولى هاء، كما قلبت ألف الشرطية في قولهم: مهما، وهي عند الأكثرين أصلها: ماما (١)، وليس ذلك بقياس، وإنما هو حمل لفظ العربي على ما يحتمله مما هو من جنس كلامهم. وليس من القياس المختلف فيه في شيء. يجوز أن يكون "ما" الأولى قدر الوقف عليها فقلبت ألفها هاء ثم أجري الوصل مجرى الوقف. والوجه الأول أوجه وأوضح. والباء في قوله: "بنعلي" (٢)، يعني: أذهبهما وأضلهما عني (٣). يقال: أذهبته وذهبت به، بمعنى واحد. و"سرباليه" معطوف على قوله: بنعلي. و" ما" في موضع رفع بالابتداء، إذ ليس بعدها فعل مسلط عليها. وكل ما كان كذلك من هذا الباب مرفوع (٤) علي الابتداء. و"الليلة" ظرف معمول، إما لمتعلق الجار في قوله: لي، لأنه خبر المبتدأ، يتعلق بمحذوف، أي: ما حصل لي واستقر، وإما بما تضمنه معنى الجملة الكبرى بكمالها، لأن معناها. ما أصنع وما ألابس؟ مثله في: ما لك واقفا؟.
стр. 637
[إملاء ٣٢]
[معنى بيت لجرير]
وقال ممليا على قول الشاعر:
لو أن عصم عمايتين ويذبل ... سمعا حديثك أنزلا الأوعالا (١)
يجوز أن يكون في "أنزل" ضمير تثنية عائدا إلى ما عاد إليه الضمير في "سمعا" وهو: عصم عمايتين ويذبل، أي: عصم هذا وعصم هذا، ثم ثنى على تأويل الجمعين كقولك: غنمان وإبلان. أي: لو أن هذين القبيلين سمعا حديثك أنزلا أنفسهما من محالهما التي لا ينقكان عنها اعتصاما بها إلى المحل الذي لا يعتصمان فيه لخروجهما بسماعه عن حال الا عتدال. وإذا كان هذا الحديث فاعلا بما لا يعقل هذا الفعل لحسنه ورونقه فكيف فعله في العقلاء! وأوقع " الأوعال" موقع قوله: أنفسهما، لينزن الشعر وتسقيم القافية، والمعنى واحد؛ لأن الأوعال هي العصم المذكورة في صدر البيت. ويجوز أن لا يكون في "أنزل" ضمير تثنية، ويكون فيه ضمير قوله: حديثك، أي: أنزل حديثك الأوعال. فأوقع " الأوعال" موقع المضمر، والمعنى: أنزلها أو أنزلهما، فأوقع المظهر موقع المضمر ليتزن البيت وتستقيم القافية. وكلا الوجهين حسن مستقيم، والترجيح فيهما لما يثبت نقله منهما.
стр. 638
[إملاء ٣٣]
[استفتاء في أبيات مجهولة القائل والجواب عنه]
وقال ممليا عن استفتاو شعر وهو (١):
ما القول قي امرأة قالت وقد ورثت ... إني سأحكم حكما ما به باس
سهامنا ستة لستة قسمت ... ونحن ستة وراث وأكياس
فلا بنتي وأختي ثم والدتي ... ولي ولابني هذا المال أسداس
الجواب:
هذا أخوها لأم كان وارثه ... أما وأخنين منها إذا أتى الكاس (٢)
ومعتقين ونم أولادها اشتركوا ... على السواء فللميراث لم ياسوا
فكلهم وارث منها كما ذكرت ... سدسا ولا ريبة فيها ولا باس
[إملاء ٣٤]
[شرط ضمير الفصل]
وقال: الفصل شرطه أن يأتي على طبق الخبر في إفراده وتثنيته وجمعه وتذكيره وتأنيثه كقولك: زيد هو القائم، وكان الزيدان هما القائمين وهم القائمين، ولا يجوز عكسه، لا يجوز هم القائمين ولا هو القائمين. وإنما كان كذلك إما ضمير على التحقيق وإما مشابه للضمير. فإن كان ضميرا فلا إشكال في تعليله، وإن لم يكن ضميرا فهو مشابه له في الصورة، فقصدوا أن يجروه مجرى الضمير لئلا يقع الاختلاط، ولا يحصل فيه انضباط، وإذا تقرر ذلك فقول الشاعر:
стр. 639
وكائن بالأطح من صديق ... يراني لو أصيب هو المصابا (١)
كان ينبعي أن يكون: أنا، لأن الصاب مفعول ثان لـ " يراني"، والمفعول الأول الياء, وهي للمتكلم، المفعول الثاني هو الأول في المعنى، فكان يجب أن يكون الفاصل على القياس المتقدم: أنا. ووجهه أنه ليس على الفصل، بل هو تأكيد للضمير المستتر في "يراني"، أو للضمير في "أصيب". وأما إن قدر: لو أصبت، لم يستقم المعنى، إذ يصير تقديره: يراني مصابا إذا أصابتني مصيبة، ولايخبر بمثل ذلك عاقل، إذ لا يتوهم خلافه.
[إملاء ٣٥]
[معنى بيت لابن قلاقس الإسكندري]
وقال وقد سئل عن قول ابن قلاقس الإسكندري (٢):
ما بال هذا الريم أن لا يريم ... لو كان يرثي لسليم سليم (٣)
فقال: "سليم" الثاين فاعل لـ "يرثي"، بمعنى: سالم. و" سليم" الأول بمعنى: لديغ. فإنهم يقولون للديغ": سليم، وللأعمى (٤) بصير، على سبيل
стр. 640
التفاؤل. ولا يحسن أن يكون "سليم" الثاني تأكيدا للأول على وجه التأكيد اللفظي، لأنه أولا قد فهم منه قصد التجانس، وليس هذا عندهم معدودا في التجانس. وأيضا فأنه يلزم أن يكون لـ " يرثي" مضمر عائد (١) على " الريم"وليس المعنى عليه، فظهر أن الوجه أن يكون على ما ذكرناه ويكون جواب " لو" محذوفا دل عليه ما قبله، لأن ما قبله يدل على إنكار ذلك وهو كونه: لايريم، والتعجب منه. ثم قال: لوكان يرثي لسليم سليم، على أحد وجهين: إما على الإنكار على نفسه في إنكار الأول، أي: لو كان يرثى للديغ سالم لتوجه الإنكار أو التعجب، أما إذا كان جاريا على المعتاد فلا معنى للإنكار أو للتعجب. وإما على أن يكون الجواب ما دل عليه قوله: أن لا يريم، كأنه لو كان يرثي لسليم سليم لرام. فإن قيل: فقد تقدم ذكر الريم، فليكن فاعل "يرثي" باللام لأنه معهود سابق. فالجواب: أن ذلك إنما يكون إذا أعيد اللفظ الأول مثل قولهم: جاءني رجل، ثم تقول: ما فعل الرجل. وإنما فعلوا ذلك لئلا يؤدي إلى الإلباي بغيره. فإن قيل: لا يلائم عجز البيت صدره، لأن اوله خاص وآخره عام، لأن "لو" من حروف الشرط، والمعلق على الشرط يعم بدليل قولهم: لو أكلامتني أكرمتك، وهذا عام. فالجواب: إنما يمتنع لو لم يكن المذكور في صدر البيت داخلا في العموم، وأما إذا كان داخلا فلا يمتنع، فإن المعنى: لو كان يرثي سليم ما لسليم، فيدخل الريم وعيره.
стр. 641
[إملاء ٣٦]
[لا يصح التمييز عن كل مبهم]
وقال: توهم تعض النحويين أنه يصح التمييز عن كل مبهم مثل قوله تعالى: ﴿فاما رأوه عارضا﴾ (١). ويزعم أنه مصوب على التمييز (٢) من الضمير في (رأوه)، وكذلك قول الشاعر:
لا بارك الرحمن فيها عقربا ... دبابة دبت إلى دباب (٣)
وكذلك توهم في قوله تعالى: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ (٤)، وشبهه كثير. وهذا غلط، لأن التمييز رفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة. ونعني بالمستقر ما لا ينفك عنه الإبهام باعتبار الوضع، والمضمر ليس فيه ذلك. فإنه إنما يضمر الشيء بعد أن يعرف، واسم الإشارة وإن سمي مبهما فلا ينفك عن قرينة مشروطة فيه باعتبار الوضع يتبين بها غالبا، ومن هذه الجهة كان الوهم لما رأوها لايفهم منها ماهية مسماها توهموا أنها كعشرين وثلاثين وليسا بسواء، إذ عشرون وثلاثون لا ينفك عن الإبهام باعتبار الوضع. وهذا وبابه إن فرض إبهام فللذهول عن قرينة الإشارة المعينة، وصحة وصفها بأسماء الأجناس كقولك: مررت بهذا الرجل واشتريت هذا الكتاب، توهم ذلك من حيث إن الصفة المعنى فيها هو المقصود. فلو كان هذا يفهم منه الرجولية بالإشارة، لكان الرجل ونحوه تكريرا.
стр. 642
والجواب: أن الصفة ليست كالتمييز فإنها تجري للتوضيح والتخصيص. ولما كان المشار إليه ههنا محتملا هذه الذات وغيرها بتقدير الجهل بالقرينة حسن إجراء هذه الأسماء وصفا، كما حسن أن تقول: العين الباصرة والعين الجارية، ولو صح منها تمييز بهذا الاحتمال من الأسماء المشتركة، ولاقائل به ولا (١) جرم، لما جاء شيء من الضمائر مبهمة الذات فسرت بمنصوب على التمييز كقولهم: ربه رجلا ونعم رجلا، وما أشبه ذلك.
[إملاء ٣٧]
[معنى بيتين مجهولي القائل]
وقال وقد سئل عن قول بعض المبتدئين في صناعة الشعر:
يا عقرب الصدغ على خده ... خافي من الآس على ورده
ويا قضيب البان خف خشية ... من دقة الخصر على قده (٢)
شبه ما ينعطف من أطراف شعر الصدغ بالعقرب، وأضاف إليه لا ختصاصه به. وقوله: على خده، حال لبيان محله. وقوله: خافي، أمر من: خاف يخاف، لما اتصل به ضمير المخاطب المؤنث وجب إثبات ألفه، وكذالك: خافا وخافوا، وخفي: لحن فاحش. وقوله: من الآس على ورده، تشبيه لمبادي شعر الوجه بالآس لخضرته وللحمرة به بحمرة الورد.
стр. 643
ويحتمل قوله: خافي، إلى آخره (١)، أمورا: أحدها: أن يكون: خافي على نفسك مما يجاورك من الآس في حال حصوله لى الورد، أو: خافي من الشعر المشب للآس على عادتها في نفرتها من خشونة الشعر. أو: خافي على الورد أن يغلب عليه الآس. فتعلق " على ورده" في الأول والثاني بمحذوف حال من الآس، وتعلقه في الثالث بـ "خافي". وقوله: ويا قضيب البان، شبه قامته بقضيب البان على عادتهم. وقوله: من دقة الخصر على قده، كالأول والثالث في قوله: على ورده (٢).
وكل هذه التشبيهات مستعملة في أشعار الشعراء. والأمر بالخوف في البيتين غريب، وليس ببعيد عن الاستحسان.
[إملاء ٣٨]
[توجيه إعراب كلمتين في بيت لعمر وبن معد يكرب]
وقال ممليا على قول الشاعر وهو من أبيات سيبويه:
الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول (٣)
يروى بنصب "أول" ونصب " فتبية" ورفعهما، ورفع الأول ونصب الثاني، ونصب الأول ورفع الثاني.
стр. 644
فإذا انتصبا جميعا (١) كان نصب "فتية" إما على أن يكون حالا إما من الضمير في "تسعى"، أي: تسعى ببزتها (٢) في حال كونها فتية وإما حال من الضمير في "تكون" على أن يكون "أول" ظرفا معمولا لـ "تسعى"، أي: تسعى ببزتها لكل جهول في زمن أول وجودها في هذه الحال، فيكون المعنى على أنسعيها ببزتها في أول زمن وجودها على هذه الحال. وإما على أن تكون خبرا لـ "تكون" والمعنى كان. والنصب في "أول" إما على الظرف لـ " تسعى"، أي: تسعى بزينتها أول وجودها، وإما على الظرف لـ " فتية" على أن لا تكون معمولا لـ "تكون" بل لـ "تسعى"، أي: تسعى بزينتها في حال كونها فتية في أول وجودها. وإذا ارتفعا جميعا كان رفع "أول" على أنه بدل من الحرب، وخبره " فتية"، كأنه قال: أول أكوان الحرب فتية، وهو من بدل الاشتمال. وصح الإخبار عن الكون بصفة ما هو كائن فيه كما صح وصف الليل بنائم ووصف اليوم بالأليم، كقولهم: ليل نائم، ومن عذاب يوم أليم، فوصف بصفة ما هو واقع فيه. ولا يستقيم أن يكون خبرا بعد خبر، إذ لا يستقيم أن يخبر عن الحرب بأول أكوانها لفساد المعنى لتغابر الذاتين في المعنى. ورفع " فتية" واضح (٣). وإذا انتصب الأول وارتفع الثاني كان نصب "أول" على أنه ظرف لـ "فتية"، أي: فتية أول ما تكون، كأنه قيل: مستحسنة أول أكوانها. ولا يجوز أن يكون حالا من الحرب لأنه مبتدأ، ولا موضع خبر عنه، لأنه لا فائدة
стр. 645
فيه إذ كل شيئ مستقر أول أكونه. ولا يجوز أن يكون معمولا لـ " تسعى" لوقوعه بين مبتدأ وخبر قبله، ورفع "فتية" على أنه خبر المبتدأ. وإذا ارتفع الأول وانتصب الثاني كان "أول" إما مبتدأ ثانيا و"فتية" حال سد مسد الخبر كقولك: زيد أخطب ما يكون قائما، وإما بدلا من " الحرب" بدل الاشتمال، و"فتية" حال سد مسد الخبر أيضا، كأنك قلت: أول ما تكون الحرب فتية. ونصب " فتية" كنصب " قائما" في قولك: أخطب ما يكون الأمير قائما (١). ومهما جعل "تسعى" عاملا فيما قبله كان خبر المبتدأ، ومهما جعل ما قبله خبرا كان إما خبرا بعد خبر، وإما جملة مستأنفة.
[إملاء ٣٩]
[معنى بيت غريب]
وقال وقد سئل عن معنى قول الشاعر:
في فتى علق الطلاق بشهر ... قبل مابعد قبله رمضان (٢)
بعد أن ادعي أنه من المعاني الدقيقة الغريبة التي لا يعرفها في مثل هذا الزمان أحد. فقلت: إنما يستعظم معنى مثل ذلك قوم ليست لهم ممارسة لدقائق العلوم الشرعية. فإذا وقع لهم أنهم فهموا مثله رأوا أنهم فازوا من العلم بنائل أو حلوا بطائل. وقد أجريت هذه المسألة بعينها بمصر وأجيب بما فيه كفاية. ثم سئلت
стр. 646
عنها بدمشق، فقلت: هذا البيت ينشد على ثمانية أوجه. لأن ما بعد "قبل" الأول قد يكون قبلين وقد يكون بعدين، وقد يكونان مختلفين. فهذه أربعة أوجه، كل واحد منها قد يكون قبله قبل وقد يكون قبله بعد، صارت ثمانية. ثم أقدم قاعدة ينبني بفسير الجميع عليها، وهو أن كل ما اجتمع فيه منها قبل وبعد فألغهما، لأن كل شهر حاصل بعد ما هو قبله وحاصل قبل ما هو بعده، فلا يبقى حينئذ إلا بعده رمضان، فيكون شعبان، أو قبله رمضان، فيكون شوالا، فلم يبق إلا ما جميعه قبل أوجميعه بعد. فالأول هو الشهر الرابع من رمضان، لأن معنى: قبل ما قبل قبله رمضان، شهر تقدم رمضان قبل شهرين قبله وذلك ذو الحجة. والثاني وهو الرابع أيضا ولكن على العكس، لأن معنى: بعد مابعد بعده رمضان، شهر تأخر رمضان بعد شهرين بعده وذلك جمادى الآخرة فإذا بقرر ذلك فقل: قبل ما قبله رمضان ذو الحجة، لأن ما قبل قبله شوال وقبله رمضان، فهو ذو الحجة. وقبل ما بعد بعده رمضان شعبان، لأن المعنى: بعده رمضان وذلك شعبان. قبل ما قبل بعده رمضان شوال، لأن المعنى: قبله رمضان وذلك شوال. قبل ما بعد قبله رمضان شوال، لأن المعنى أيضا: قبله رمضان وذلك شوال. فهذه الأربعة الأول، ثم أجر الأربعة الأخر على ما بقدم. فقل: بعد ما قبل قبله رمضان شوال، لأن المعنى: قبله رمضان وذلك شوال، بعد ما بعد بعده رمضان جمادى ألأخرة، لأن المعنى: ما بعده شعبان وبعده رمضان فهو جمادى الآخرة. بعد ما قبل بعده رمضان شعبان. لأن المعنى: بعده رمضان وذلك شعبان، بعد ما بعد قبله رمضان شعبان، لأن المعنى أيضا: بعده رمضان وذلك شعبان. وهذه المسألة منقولة من خط يده الكريمة.
стр. 647
[إملاء ٤٠]
[توجيه إعراب كلمة في بيت للمتنبي]
قال ممليا على قول المتنبي:
مغاني الشعب طيبا في المغاني ... بمنزلة الربيع من الزمان (١)
يجوز أن يكون "طيبا" تمييزا من النسبة المفهومة من متعلق الخبر في قوله: بمنزلة الربيع، أي: مقدرة طيبا، أي: مقدر طيبها، فنسب إليها، والمراد طيبها. فلما قصد إلى تبيين المنسوب إليه ذكره منصوبا على التمييز كما تقول: زيد حسن وجها (٢). ويلزم أن يكون فيه تقديم التمييز على عامله، إلا أن يقدر المتعلق قبله، كأنه قال: حاصل طيبها في المغاني بمنزلة الربيع. ويجوز أن يقال: إن النصف الأول جملة مستقلة، فيكون "طيبا" منصوبا على التمييز عن خبر محذوف دل عليه النصف الثاني، كأنه قال: أحسن طيبا وأظهر وما أشبهه. لأنه لما فضل الربيع على الزمان علم أن المراد تفضيل هذه المغاني على غيرها، ويكون قوله: في المغاني، متعلقا (٣) بـ "أحسن" المقدر، ويكون قوله: بمنزلة، إما خبر مبتدأ (٤) محذوف، أي: هي بمنزلة الربيع، ويجوز (٥) أن يكون خبرا بعد خبر.
стр. 648
ويجوز أن يكون "طيبا" حلا معمولا لمتعق "بمنزلة"، أي: مقدرة بمنزلة الربيع من الزمان في حال طيبها بالنسبة إلى الأزمان، ولا يكون من باب تقديم الحال على العامل المعنوي، لأن العامل ههنا محذوف مقدر بلفظ: مقدرة، لا بالاستقرار. والتقديم على العامل المعنوي في مثل ذلك إنما يمتنع إذا كان المتعلق استقرارا. فأما إذا كان غيره فليس من ذلك، وإنما هو من باب المعمول المحذوف عامله، وذلك سائغ في الحال وغيره. وإن (١) قدرت متعلق " بمنزلة" مقدما على "طيب" اندفع الإشكال.
[إملاء ٤١]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي وهو:
أهلا بدار سباك أغيدها ... أبعد ما بان عنك خردها (٢)
أهلا بدار: دعاء للدار على وجهين: أحدهما: خطابها على نحو ما يخاطب المترحب به كعادتهم في خطاب الديار، لأنها لما قابلته (٣) شبهها بمن أقبل عليه، وخاطبها بتحية الآدميين، فيكونن مفعولا بقوله: أتيت أهلا على الوجه الأول. والثاني: أن يكون استعمل ما هو للتحية للمخاطبين لمجرد الدعاء لما كثر دعاء حتى صار معنى الأهل فيه نسيا منسيا. ويفهم الدعاء فيه من لا
стр. 649
يخطر له مدلول الأهل ببال، فيكون دعاء بالخبر على حسب ما يليق بالمدعو له، كأنه قال: عمرت أو سقيت أو ما أشبه ذلك، فيجوز (١) نصبه على المصدر. وقوله: سباك أغيدها، يجوز أن يكون جملة مستأنفة على الوجهين. ويجوز أن يكون صفة لقوله: بدار، على الوجهين، إلا أنه يقوى الوجه الأول للوجه الأول، ويقوى الوجه الثاني للوجه الثاني. ويصح أن يكون مخاطبا لنفسه وأن يكون مقدرا غير مخاطبا له، أي: مقول فيها: سباك أغيدها. وقوله: أبعد ما بان عنك خردها. أبعد: يجوز أن يكون حالا من "أغيدها"، أي: في حال كونه أبعد ما بان، كما تقول: جاءني زيد أحسن ما كان. ويضعف من وجهين: أحدهما: أنه مضاف إلى "ما بان"، فإما أن يقدر مصدرا، وإما أن يقدر ظرفا، فيجب أن يكون " أبعد" جزءا منهما في المعنى، فيمتنع جعله حالا لتغاير الذوات. والوجه الثاني: أنه لا بد في الحال الإفرادية من ضمير لصاحبها، ولا ضمير. والجواب عن الأول: أنه إذا أريد بأفعل التفضيل تفضيل من هو له على نفسه باعتبار أحواله، أضيف إلى "ما" هذه. لأنهم لو أضافوه كما يضيفونه إذا كان مفضلا لوقع اللبس بين تفضيل حال من أحواله على بقيتها وبين تفضيله على أحوال غيره، ويدل عليه جواز قولهم: اشتريته أرخص ما كان، وبعته أغلى ما كان، وأهنته أعز ما كان، وعززته أهون ما كان، والجواب عن الثاني من وجوه: أحدها: الضمير في خردها للأغيد وإن كان مؤنثا، لأن "إغيد" صفة في المعنى لمؤنث. الثاني: أن يكون المراد: خرد
стр. 650
أغيد الدار، فلما قصد إلى إضافته وقد تقدم ذكرهما أضمرهما، وتعذر إضافة المضمر إلى المضمر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه (١). والثالث: أن يريد بالخرد الأغيد، فكرره بغير لفظه، فكأنه قال: أبعد ما بانوا عنك أو بن عنك. ويجوز أن يكون "أبعد" ظرفا معمولا لـ "سباك" أو لمعنى الدعاء في "أهلا"، وهذا أقوى باعتبار اللفظ، والأول أقوى باعتبار المعنى، وتقديره: سباك أغيدها في أبعد أزمنة البعد. أما "أبعد" فجملة مستأنفة لدخول همزة الاستفهام عليها، حذف فعلها للدلالة عليه. ومعناها الإنكار، على معنيين: أحدهما: أتترحب أو أتدعولها بعد أن بان أحبابك منها؟ والثاني: أتتأسف عليها بعد أن بانوا منها؟ ويجوز أن يكون من تتمة قوله: ظلت بها، في البيت الثاني (٢)، فيكون تضمينا مع أنه لا حاجة إليه.
[إملاء ٤٢]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي وهو:
يعلمن ذاك وما علمت وإنما ... أولاكما ببكى عليه العاقل (٣)
стр. 651
يقول: إن منازل أحبابي لشغفي بها من أجل أحبابي صار في قلبي لها منازل، وإذا كان في قلبي لها منازل لمنازل الأحباب لأجل الأحباب فما ظنك بالأحباب. ثم انعطف فقال: أقفرت أنت ممن كان يحلك منهم، والمنازل التي في قلبي لك لم تخل منك. وإذا لم تخل منها لأجل أحبابه فما ظنك بأحبابه (١). ثم انعطف على صفتها بوصف آخر زائد، أو ابتدأ به على الاستئناف في التقديرين قاصدا إلى أن هذه المنازل لها مزية بالعلم القائم بها. ثم أخبر بما معناه نفي وإثبات وهو قوله: وإنما، على أن منازل قلبه أولى بالبكاء عليها، لكونها عالمة، من البكاء على الجماد. واستغنى بما في قوة الكلام من قوله: ببكى عليه، من إظهار المعنى الذي من أجله كان البكاء. فكأنه قصد إلى معنى أولى المنازل التي بليت وأصابتها النوائب بالبكاء عليها هي المنازل التي شرفت بالعلم. يشير إلى أن فؤاده الذي كنى عنه بالمنازل قد أصابه من البلاء والألم ما لم يصب المنازل ببلاها وخلوها. و"أولاكما" مبتدأ، و"ببكى" متعلق به، و"عليه" متعلق "ببكى"، و"العاقل" خبر المبتدأ، كقولك: أولى الناس بالافضال علي أنت. وأفادت "إنما" ما يفيده قولك: ما أولاكما بالبكاء عليه إلا العاقل. وأتى بلفظ الخطاب للمنازل المثناة لما قصد إلى القبيلين، وإن كان لم يخاطب في صدر كلامه إلا المنازل الخارجة، ولكنه لما أدخلها معها في القصد في آخر الكلام وجب لفظ الخطاب، كما تقول: جاءني زيد وأنت
стр. 652
أكرمتكما، وإن كان زيد بلفظ الغيبة، إلا أنه لما قصد إدخاله في حكم المخاطب وجب إخراج الكلام فيهما مخرج الخطاب. وضعف أن يكون موضع "ببكى" يبكى عليه؛ لأنه إن جعل خبرا لم يخل أن يكون "العاقل" مرفوعا به أو مرفوعا بفعل مقدر. فإن كان مرفوعا به فسد المعنى. لأنك إن جعلت الضمير للعاقل بقي المبتدأ بلا عائد، إن جعلته للمبتدأ صار مبكيا عليه بـ"يبكى"، والعاقل مبيكا عليه بـ " يبكى" فيفسد. وإن كان مرفوعا بفعل مقدر ضعف من حيث إنه يصير مخرىا عن أولاهما بـ"يبكي العاقل عليه"، فلم يكن فيه تنبيه على جهة الأولوية، ولا تنبيه على علة الأولوية وهو العقل، لأن العاقل ههنا يصير الباكي، وفيما تقدم يصير هو الأولى بالبكاء عليه. وإن جعل حالا، كان قائلا: إن أولاكما في حال كونه مبكيا عليه العاقل منكما، فيفسد المعنى، لأنه يصير إلى أن المعنى أولاكما بأمر آخر غير البكاء من حيث إنه جعل كونه مبكيا عليه حالا ثابتة، فلا يستقيم أن يكون بيانا لجهة الأولوية، وإن جعل موضع "ببكى" يبكى، غير مبني لما لم يسم فاعله من حيث الوجهان المتقدمان، وهو أنه لم يذكر جهة الأولوية لأنه جعل البكاء خبرا، وهو يخالف جهة الأولوية. وأنه جعل العاقل باكيا، والسياق يقتضي خلافهما، إذ الغرض بيان جهة الأولوية، وبيان أن الأولى بالبكاء العاقل منهما (١).
стр. 653
[إملاء ٤٣]
[معنى وإعراب بيت للمتنبي]
وقال ممليا على قول المتنبي:
أحاد أم سداس في أحاد ... لييلتنا المنوطة بالتناد (١)
يجوز أن تكون "أم" فيه متضلة ويكون قد حذف الهمزة من أحاد ضرورة، كأنه قال: أأحاد أم سداس في أجاد لييلتنا؟ فيكون " أحاد" خبرا لـ "لييلتنا" واجب التقديم لكونه مع ما يعادله المقصود بالاستفهام. وشرط الهمزة المعادلة لـ "أم" أن يليها أحد الأمرين المطلوب تعيين أحدهما، ويلي "أم" الآخر، كأنهم قصدوا إلى ان يفهموا السامع من أول الأمر المطلوب تعيينه. فيقولون إذا استفهموا عن تعيين خبر: أفائم زيد أم قاعد؟ أو أقائم أم قاعد زيد؟ وإذا استفهموا عن تعيين مخبر عنه والخبر واحد [يقولون] (٢): أزيد قائم أم عمرو؟ أو أزيد أم عمرو قائم؟ ولا يقولون في الأول: أزيد قائم أم قاعد؟ ولا يقولون في الثاني: أقائم زيد أم عمرو؟ ويجوز أن تكون "أم" منقطعة، فيكون أحاد خبرا أيضا غير واجب التقديم لفقدان الموجب لتقديمه. فيكون قد أخبر عن ليلته بأنها واحدة، ثم لما نظر إلى طولها فحصل له الشك في أنها ست (٣) فقال: بل أهي ست؟ (٤) كقولهم: إنها لإبل أم شاء.
стр. 654
فلو قدم المبتدأ على المعنى الثاني لم يمتنع، ولو قدم المبتدأ في التقدير الأول لم يجز لما ذكرناه. والمعنى على الإعراب الأول: أنه استطال هذه الليلة فشك أهي واحدة أم ست (١) فطلب التعيين على مذاهبهم في التشكيكات الهذيانية كقوله:
آأنت أم أم سالم (٢)
وعلى الإعراب الثاني: أنه أخبر أنها واحدة، ثم طرأ الشك عليه، فأضرب عن إخباره ثم سأل فقال: أهي ست؟ كقولهم: إنها لإبل أم شاء. وقوله: أحاد، يعني به واحدة، استعمل لفظة أحاد في غير ما وضع له، وكذلك سداس، وإنما أراد واحدة أم ست في واحدة. وأحاد وسداس عند من أثبته ليس موضوعا لواحد وستة، وإنما هو موضوع لواحد واحد وستة ستة، كقولك: جاء القوم أحاد وسداس، أي: واحدا واحدا وستة ستة. وأما استعمال أحاد بمعنى واحد مفرد، وسداس بمعنى ست فغير معروف (٣). وقوله ﷺ : "صلاة الليل مثنى مثنى" (٤)، وإن فسر بمعنى اثنتين اثنتين، ليس على معنى أن كل واحد من "مثنى" موضوع بمعنى اثنتين منفردا، وإنما
стр. 655
معنى كل واحدة منهما اثنين ااثنين (١)، وكررت للتأكيد. فلما فسرت فسرت بأصل المعنى دون التأكيد. ولو فسرت عليهما لقيل معناه: اثنتان اثنتان اثنتان اثنتان.
[إملاء ٤٤]
[حذف علامة التأنيث من الفعل]
قال النحاس (٢) في كتابه الكافي (٣) في النحو عن أبي إسحق الزجاج في قول الشاعر:
ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا (٤)
بقديره: ولو ولدت فقيرة الكلابا ياجر وكلب لسب بذلك السبب الجرو. وقال ﵀ ممليا: يلزم قائل هذا القول أنه حذف علامة التأنيث من قوله: لسب، وهو ضعيف، لأن الفعل إذا أسند إلى فاعل مضمر غير حقيقي فالفصيح إثبات العلامة، فهذا جاء به على ذلك الوجه البعيد. وكان يلزمه على الفصيح أن يقول: لسبت.
стр. 656
وإن أريد جعل "بذلك الجرو" في موضع الفاعل ولا ضمير في "لسب"، والمعنى: لحصل السب بسبب ذلك الجرو، كان مستقيما.
[إملاء ٤٥]
[سيبويه يمنع العطف على عاملين]
قال ممليا: سيبويه يمنع العطف على عاملين بحرف واحد (١)، ويتأول قول الشاعر: ... هون عليك فإن الأمور ... بكف الإله مقاديرها
فليس بآتيك منهيها ... ولا قاصر عنك مأمورها (٢)
يقول: لما كانت المنهيات من الأمور، والضمير في مأمورها عائد على الأمور الأولى، كان كأنه عائد على المنهيات لدخولها في الأمور. والله أعلم بالصواب (٣).
* * *
стр. 657
الأمالي المطلقة
стр. 658
[إملاء ١]
[الضمائر الواقعة للربط]
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العاليمن وصلواته على سيدنا محمد وآله أجمعين.
مسألة. قال الشيخ ﵀ ممليا بالقاهرة سنة ثلاث عشرة وستمائة: الضمائر الواقعة للربط، وهو أن تربط الثاني بالأول، على ثلاثة أضرب: في باب الصلة والصفة والمبتدأ. ففي باب الصلة أنت في الضمير المنصوب بالخيار، إن شئت أثبته وإن شئت حذفته، مثال ذلك: جاءني الذي ضربت. وفي خبر المبتدأ الأكثر إثباته، وقد جاء حذفها قليلا، مثال ذلك: زيد ضربت، قليلا. والضمير في الصفة ليس كالا ستواء في الصلة ولا كالقلة في خبر المبتدأ. وسر ذلك هو أن الصلة مع الموصول جزء واحد، فاستغني بالربط اللفظي عن التزام الضيمر، وخبر المبتدأ مع المبتدأ مستقل في الجزئية، فلذلك التزم الاتيان بالضمير في الغالب ليحصل الربط بينه وبين الجزء الآخر. والصفة ليست كالصلة في الجزئية ولاكالخبر في الاستقلال. فلما كانت بينهما جعل لها (١) حكم بينهما، فلم تكن كالصلة في استواء جواز الحذف والاثبات. وأما الضمائر
стр. 659
المرفوعة والمجرورة فلا بد من إثباتها، مثاله قولك: جاءني الذي قام، وجاءني الذي مررت به (١). وفي المبتدأ: زيد مررت به، وفي الصفة: رأيت رجلا قام، وضربت رجلا مررت به. وإنما كان كذلك (٢) لأن المرفوع أحد جزئي الجملة، فلا يجوز حذفه بخلاف ما تقدم. وأما المجرور وإن كان فضلة فلأنه يلزم من حذف الجار، فيفوت معنى الجار مع الضمير جميعا، فلا يلزم من جواز حذف شيء واحد حذف شيئين.
[إملاء ٢]
[المعارف يضاف إليها ولا تضاف]
مسألة. وقال ممليا [بالقاهرة سنة أربع عشرة] (٣): المعارف كلها يضاف إليها مثل قولك: غلام زيد، وشبهه. وليست هي مضافة، لا يقال: زيد جعفر، لأنهم لا يجمعون على الاسم تعريفين مجردين، إذ يستعنى بأحدهما عن الآخر، فيقع الآخر ضائعا. فإن قيل: فقد قالوا: يازيد، وحرف النداء يوجب التعريف كقولهم: يا رجل، فقد جمعوا على الاسم تعريفين: العلمية والنداء. فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن الاسم جرد عن العلمية ونودي كما تنادى أسماء
стр. 660
الأجناس، فتعريفه إذن ليس إلا بالنداء خاصة. الآخر (١): أن التعريف بحرف النداء إنما جيء به لطلب إجابة المنادى، والتعريف فيه لازم، فلا يلزم من الجمع بين تعريفين أحدهما غير مقصود، أن يجمع بين تعريفين كل واحد منهما مقصود.
[إملاء ٣]
[معنى التعلق]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٢): معنى تعلق هذا بهذا في مثل قولنا: مررت بزيد وشبهه، إيصال الحرف معنى الفعل إلى الاسم. فالذي وصل معناه هو الذي يتعلق به الحرف كقولك: سرت من البصرة. فـ " من" أوصلت معنى السير إلى البصرة على معنى الابتداء وهو متعلق به.
[إملاء ٤]
[معنى الجملة المعترضة]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٣): مسألة. معنى الجملة المعترضة: هي التي تتوسط أجزاء الجملة مستقلة لتقرر معنى يتعلق بها أو بأحد أجزائها (٤).
стр. 661
[إملاء ٥]
[قد يكون للشيء معنيان فيؤتى بأحدهما]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): العرب تأتي بالشيء لمعنيين، ثم تأتي به في أحد المواضع لأحد معنييه. مثاله قولك: ياأيها اللاجل، إذا ناديت، فيه معنيان: أحدهما: النداء، والثاني: تخصيص الشخص المنادى. ثم تأتي به لأحد معنييه في مثل قول القائل: أما أنا أيها الرجل فأفعل كذا. فهو ليس فيه سوى معنى التخصيص وليس فيه معنى نداء، لأن المتكلم لا ينادي نفسه (٢).
[إملاء ٦]
[إسقاط حرف الجر والعطف مع " إياك "]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٣): مسألة. إياك وأن تقعل كذا، وإياك من أن تفعل كذا، وعن أن تفعل كذا. كل ذلك جائز. فإن قلت: إياك أن تفعل كذا، جاز على إسقاط الجار، لا على إسقاط حرف العطف، لأن حروف الجر تحذف مع أن وأن قياسا مطردا، وحروف العطف لا تحذف. وأما إذا قلت: إياك وزيدا، فلا يجوز حذف الواو لأنه إن كان التقدير: إياك عن زيد، فلا يجوز حذف حرف الجر، وإن كان: وزيدا، لم يجز أيضا، لأن فيه حذف حرف العطف. وقد جاء في الشعر في كتاب سيبويه:
إياك إياك المراء فإنه ... إلى الشر دعاء والشر جالب (٤)
стр. 662
قال سيبويه: زعمرا أن ابن إسحق (١) أجاز هذا البيت وأنشده. وقال سيبويه في تفسيره: كأنه قال: اتق المراء، فنصبه بفعل مقدر بعد أياك، فيكون على هذا جملتين (٢). وقال سيبويه: لو قلت: إياك زيدا، لم يجز، كما لا يجوز: رأسك الجدار (٣). وإنما جاز ذلك في: إياك إياك المراء، لأنه مصدر، وأن تماري في معناه. فكأنه قال: إياك أن تماري، ولو قاله كذلك لكان جائزا باتفاق، فحمل قوله: إياك المراء، عليه، لأنه بمعناه. وقد قال صاحب المقدمة (٤): وتقول إياك الطريق، على الإغراء وهذا ظاهر الخطأ، لأنه مثل قولك: إياك زيدا، وقد صرح سيبويه بعدم جوازه.
[إملاء ٧]
[إعمال الأفعال المتعدية إلى مفعولين متغايرين]
وقال ممليا [بالقاهرة سنة تسع وستمائة] (٥): مسألة. الأفعال المتعدية إلى
стр. 663
مفعولين متغايرين كأعطيت وكسوت في باب إعمال الفعلين، أنك إذا أعملت الثاني والأول يحتاج إلى فاعل، قلت في المفرد المذكر: أعطاني وأعطيت زيدا درهما. وفي التثنية: أعطياني وأعطيت الزيدين درهمين. وفي الجمع: أعطوني وأعطيت الزيدين دراهم. وفي المفرد المؤنث: أعطتني وأعطيت هندا درهما. وقي التثنية: أعطتاني واعطيت الهندين درهمين. وفي الجمع: أعطينني وأعطيت الهندات دراهم. وإن أعملت الثاني والأول يحتاج إلى مفعول قلت في المفرد المذكر: أعطيت وأعطاني زيد درهما. وفي التثنية: أعطيت وأعطاني الزيدان درهمين. وفي الجمع: أعطيت وأعطاني الزيدون دراهم. وفي المؤيث: اعطيت وأعطتني هند درهما. وفي التثنية: أعطيت وأعطتني الهندان درهمين. وفي الجمع: أعطيت وأعطنتي الهندات دراهم، وإن شئت قلت: وأعطاني. فإن أعملت الأول والثاني يحتاج إلي فاعل قلت في المفرد المذكر: أعطيت وأعطانيه أو إياه زيدا درهما. وفي التثنية: أعطيت وأعطانيهما أو إياهما الزيدين درهمين وفي الجمع: أعطيت وأعطونيها أو اعطونيهن أو إياها الهندات دراهم. فإن أعملت الأول، والثاني يحتاج إلى مفعول قلت في المفرد: أعطاني وأعطيته إياه زيد درهما. وفي التثنية: أعطاني وأعطيتهما إياهما الزيدان درهمين. وفي الجمع: أعطاني وأعطيتهم إياها أو إياهن الزيدون دراهم. وفي المؤنث: أعطتني وأعطيتها إياه هند درهما. وفي التثنية: أعطتني وأعطيتهما إياهما الهندان درهمين. وفي الجمع: أعطتني أو أعطاني (١) وأعطيتهن أو
стр. 664
أعطيتها إياها أو إياهن النهندات دراهم. وفي هذه المسائل إشكال، وبيانه: أن الاسم المضمر مدلوله مدلول الاسم الظاهر. فإن كان المراد في هذه المسائل أن الدرهم المعطى باعتبار الفعل الأول هو الدرهم المعطى باعتبار الفعل الثاني صحت المسائل، ولا إشكال، وليس بالطاهر. وإن كان دراهم كل واحد من الفعلين غير الأخرى تعين الإشكال من جهة أن الضمير يعود على شيء وهو غيره. وتوجيهه أن يقال: المراد مثلها، فحذف المثل للعلم به، كأنه قال: أعطيته دراهم وأعطاني مثلها، فحذف المثل، فصار الضمير واقعا موقع مثل، فيعرب باعرابه. ومثاله قولهم: ضربت ضرب زيد، والمعنى ضربت مثل ضرب زيد، فحذف للعلم به، وحذف المضاف جائز في كل موضع يكون في الكلام قرينة تدل عليه (١).
[إملاء ٨]
[مسألة في "ليس" و" ما "]
مسألة. قال ممليا [بالقاهرة سنة تسع وستمائة] (٢): " ليس" فيها مسائل، وكذلك "ما". أحدها: ليس زيد بقائم ولا قاعد أبو. فهذه المسألة يجوز فيها ثلاثة أوجه: الخفض على اللفظ فيرتفع " أبوه" بالفاعلية. والنصب على وجهين: أحدهما: أن يكون خبرا مقدما معطوفا على الخبر الذي هو " بقائم"، و" أبوه" معطوف على اسم ليس. ولآخر: أن يكون معطوفا على موضع " بقائم"، و"أبوه" مرفوع بالفاعلية. والرفع: مبتدأ وخبر، قدم خبره عليه. فإذا قلت: هذه المسائل في "ما" جازت الأوجه الثلاثة، فالخفض كما
стр. 665
ذكر في " ليس"، والنصب على الوجه الثاني لا على الوجه الأول، لأنه يؤدي إلى إعمال "ما" في الخبر المقدم وهو ممتنع (١). والرفع على ما ذكر في " ليس". فإن كان موضع " أبوه" أجنبيا كقولك: عمرو وشبهه، امتنع الخفض في " ليس" و"ما" جميعا، لأنه يؤدي إلى الإخبار بالأجنبي أو العطف على عاملين، وكلاهما ممتنع. وجاز النصب في "ليس" خاصة على الوجه الأول لا على الوجه الثاني لأنه يؤدي إلى الاخبار بالأجنبي. ولا يجوز النصب في " ما" البتة، لأنك إن جعلت "عمرا" فاعلا أخبرت بالأجنبي؛ وإن جعلته خبرا مقدما أعملت "ما" مع تقدم الخبر وهو ممتنع. والرفع جائز فيهما جميعا، على أن يكون مبتدأ وخبرا.
[إملاء ٩]
[قول للإمام الجويني في فائدة الواو والرد عليه]
مسألة. قال ممليا [بالقاهرة] (٢): قال الإمام (٣) في البرهان: إن الواو إذا دخلت في الجمل ليس لها فائدة إلا التحسين اللفظي (٤). وهذا مردود بالفاء وثم، فإنك لو قلت: قام زبد فخرج عمرو، أو ثم خرج عمرو، فإنه يفهم منه ما فهم في المفرد، وهو أن مشعر بالتعقيب، ولا مهلة، وهذا مشعر بالتعقيب والمهلة. إلا أن الفرق بينهما في المفردات، أنهما اشتركا في إعراب بعامل وهذه ليست كذلك.
стр. 666
[إملاء ١٠]
[الاعتبارات التي يطلق بها المفرد]
مسألة. قال ممليا [في القاهرة سنة ثلاث عشرة] (١): المفرد يطلق باعتبارات ثلاثة: أحدها: المفرد الذي هو ضد المضاف. والآخر: المفرد الذي هو ضد المثنى والمجموع. والآخر: المفرد الذي هو ضد الجملة. فلينظر في كل باب على حسبه. إذا وقع الكلام على المفرد وهو في النداء في قولهم: إذا كان مفردا، يعني ضد المضاف.
[إملاء ١١]
[أقسام الكلمة]
قال ممليا [بالقاهرة سنة ست عشرة وستمائة] (٢) في تقسيم بعض النحويين وقولهم في بيان أن الكلمة لا تخرج عن الاسم والفعل والحرف. لا يخلو إما أن يخبر به وعنه أو لا. فإن كان فهو الاسم، وإن لم يخبر به وعنه، فلا يخلو إما أن ينتفيا جميعا فهو الحرف، وإما أن ينتفي أحدهما وهو الفعل. إن ذلك غير مستقيم لوجوه منها: أن من التقسيم قسما رابعا وهو كونه مخبرا عنه لا به، ولم يتعرض له، وقد دخل في قوله: أو ينتفي أحدهما، وهذا التقسيم غير واقع في كلام العرب، فكيف يصح التقسيم مع جره قسما ليس من أنواع المقسم؟. ومنها: أن صفات التقسيم ينبغي أن تكون جارية في جميع أنواع المقسم. وليس الأسماء كلها يخبر بها وعنها، بل بعضها يخبر بها لا عنها ةعكسه. فالأول: أين زيد؟ وكيف عمرو؟ ومتى القتال؟ والثاني: من أبوك؟. ومنها أن كونها يخبر بها وعنها فرع لمعرفة حقيقتها. ألا ترى أنك لا تحكم بذلك إلا بعد نظرك من أي
стр. 667
قبيل هي، فكيف يصح أن يجعل فرع معرفة الشيء معرفا له؟ وذلك مؤد إلى الدور. ومنها: أن حد كل شيء على حسب معقوليته، فحد الكلمة يجب باعتبار دلالتها لأنه هو المعنى الذي يتميز به لفظ عن لفظ. وإذا وجب ذلك وجب تبيين الألفاظ بدلالتها، ودلالة قسم الاسم المعنى المجرد عن الزمان، ودلالة قسم الفعل المعنى المتعرض للزمان، فيجب تبيينه بذلك. وكونه يخبر به وعنه، أو يخبر به لا عنه، ليس هو دلالته، إنما هو حكم بعد معرفة دلالته، فكان حده باعتبار دلالته أولى. وقال ابن باب شاذ وغيره متعرضا لبيان حصر الأقسام: لا يخلو إما أن يكون المدلول ذاتا أو حدثا عن ذات أو واسطة بينهما (١). فالأول: اسم، والثاني: الفعل، والثالث: الحرف. وهذا وإن لم يكن في لفظه ما يشعر بالحصر، فقد علم بقولهم: واسطة بينهما، يفي الأمرين عنه فيحصل الحصر. ثم هو بعد ذلك فاسد قطعا، وذلك أن المصادر كلها مدلولاتها أحداث، فيجب أن تكون أفعالا، وهو خرق إجماع البصريين وكثير من الكوفيين. نعم إنما يستقيم أن يصدر هذا ممن المصارد عنده من قسم الأفعال وهو بعض الكوفيين، ولعل قائل هذا الحصر رأى ذلك في كلامهم فاعتقد أنه يجري على ذلك الاصطلاح.
стр. 668
[إملاء ١٢]
[حكم علامة التأنيث في الفعل]
وقال ممليا [بالقاهرة سنة ستة عشرة] (١): إذا كان الفاعل ظاهرا، أعني غير مضمر، فلا يخلو أن يكون تأنيثه حقيقة أو غير حقيقة. فإن كان حقيقة فلا بد من علامة التأنيث في الفعل، سواء كان بينهما فاصل أو لم يكن، إلا في لغة رديئة، فإنه لا يأتي بالعلامة إذا كان بينهما فاصل (٢)، وهو مما رده المبرد (٣). ولو كا المؤنث غير حقيقي جاز إثبات العلامة وحذفها، كان بينهما فاصل أو لم يكن، إلا أن الأحسن في حالة الفصل عدم العلامة، وإثباتها في عدم الفصل. وبعضهم يسوي بينهما لأن القرآن العظيم وارد بهما (٤). وقال الفقهاء: ما كان تأنيثه غير حقيقي جاز إثبات العلامة وحذفها، وهذا من حيث الاطلاق لا يصح إذ لا بد من علامة التأنيث في الفعل إذا كان فاعله مصمرا سواء كان حقيقيا أو غير حقيقي مثل قولك: الشمس طلعت والسماء انشقت، ولا يحوز: طلع ولا أنشق.
стр. 669
[إملاء ١٣]
[التمييز موضوع للذات أو المعنى]
وقال ممليا [بالقاهرة سنة ست عشرة] (١): التمييزات على ضربين: أحدهما: موضوع للذات فيؤتى على ما وضع كدرهم ودينار ودار وما أشبه ذلك. والآخر: ان يكون موضوعا للمعنى، فللعرب فيه عبارتان: أحدهما: أن يأتوا بذلك اللفظ كقولهم: لله دره فروسية، فيأتون بالصيغة الموضوعة للمعنى. الآخر: أن يأتوا باللفظ الموضوع للذات التي قام بها ذلك المعنى وهو الفروسية، فيقولون: فارسا، لأنه لم يسم إلا باعتبار قيام الفروسية به.
[إملاء ١٤]
[معنى واو الصرف]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٢): معنى قولهم: واو الصرف (٣)، أن الكلام انصرف من معنى الشرط إلى معنى آخر.
[إملاء ١٥]
[ضعف إدخال لام الابتداء في " لكن "]
وقال أيضا [بالقاهرة] (٤): إنما ضعف إدخال اللام في " لكن"؛ لأن
стр. 670
"لكن" متعلقة بما قبلها، واللام منقطعة، فلو دخلت اللام لأشعر نقيضتين متغايرتين.
[إملاء ١٦]
[الأفصح إلغاء "كأن" إذا خففت]
وقال أيضا [بالقاهرة] (١): وإنما كانت " كأن" إذا خففت ألغيت عل الأفصح (٢) لوجيهن: أحدهما: بعدها عن شبه الفعل، لأنها إنما عملت لشبهها به، وبيان بعدها دخول الجر عليها. الثاني: أنها لم تكثر كثرة " إن" إذا خففت (٣)
[إملاء ١٧]
[تقديم "إن" على لام الابتداء]
وقال أيضا ممليا [بالقاهرة] (٤): إنما قدمت "إن" وأخرت اللام (٥) لأن " إن" لها أخوات وجب تقديمها وهي: ليت ولعل وكأن، واللام لا أخت لها، فغيرت المنفردة وتركت ذات الأخوات لتكون كأخواتها. الآخر أن " إن" عاملة واللام ليس عاملة فما كان عاملا قوي بالتقديم للعمل، لأن العامل أصله التقديم،