المضاف إليه من الثاني، والمضاف إليه الأول هو المذكور بعد الثاني أخر ضرورة أن يكون المضاف منتهى الاسم (١). وقال في: زيد وعمرو قائم: إن المحذوف خبر الأول، وما ذكر بعد الثاني خبره. والفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن الضرورة التي ألجأت إلى تأخيره ههنا هو كون تيما (٢) الثاني لو قدم ما بعده لبقي مضافا إلى غير مضاف إليه، وذلك لا يستقيم، فكان تأخيره لمعنى مفقود في: زيد وعمرو قائم، وليس كذلك في: زيد وعمرو قائم. ألا ترى أنه لو قدم في: زيد وعمرو قائم، فقال: زيد قائم وعمرو، جاز، ولو قال: يا تيم عدي، تيم، لم يجز باتفاق. دل على أن الموجب للتأخير في: ياتيم عدي، غير موجود في: زيد وعمرو قائم. الثاني: هو أن " ياتيم تيم عدي" جملة واحدة، وزيد وعمرو قائم" جملتان، ويغتفر من التقديم والتأخير في الجملة الواحدة ما لا يغتفر في المتعددة. الآخر: أنه يلزم في الجملتين مخالفة الأصل، ولا يلزم ثم إلا في جملة واحدة. ومخالفة الأصل في جملتين أبعد من مخالفته في جملة واحدة. الآخر: أن الدليل يقتضي في الجميع ما ذكرناه، إلا أنه تخصص بدليل خاص في الجمل، فبقينا فيما عداه على الأصل المقتضي لذلك. والدليل الخاص قوله:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف (٣)
стр. 702
ولولا أنه خبر عن الثاني لم يجز أن يقال: راض، ولوجب أن يقول: راضون.
[إملاء ٤٠]
[الفرق بين " أن" المخففة من الثقيلة والناصبة للأفعال]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١): إذا وقعت أن "بعد" "علمت"، وجب أن تكون مخففة من الثقيلة (٢)، وإذا وقعت بعد "أردت" وجب أن تكون الناصبة للأفعال (٣). لأن "علمت" لما كان متعلقها متحققا تاسب أن تكون بحرف للتحقيق (٤)، والمخففة من الثقيلة كذلك (٥). و" أردت" لما كان متعلقها ليس للتحقيق وجب أن لا يقع بعدها حرف التحقيق لأنه وضع الشيء في غير محله. ألا ترى أنك إذا قلت: علمت زيدا قائما، كنت مخبرا بتحقيق قيام زيد. وإذا قلت: أردت زيدا قائما،
стр. 703
فإنما أخبرت بإرادتك للقيام (١)، ولم تخبر بالقيام، لأنه قد يكون وقد لا يكون، ولذلك يصح لمن سمع من يقول: علمت زيدا قائما، أن يخبر عنه بأنه أخبر بقيام، ولا يجوز لمن سمع من يقول: أردت قيام زيد، أن يخبر عنه بقيام زيد، فلذلك وجب أن تقول: أردت أن يقوم زيد، ووجب أن تقول: علمت أن سيقوم زيد. فإن قوله: أردت قيام زيد، لا يلزم منه الوقوع، لأن الإرادة الحادثة لا تخصيص لها بخلاف الإرادة القديمة. وأما قولنا: علمت زيدا قائما، فلا بد أن يكون حاصلا على التقديرين: القديم والحادث، وإلا لزم منه الإخبار عن الشيء على خلاف ما هو عليه.
[إملاء ٤١]
[فرق آخر بين "أن" المخففة من الثقيلة وبين الناصبة للأفعال]
وقال ممليا [بدمشق] (٢) على باب " أن المخففة من الثقيلة": إن قيل: الفرق يحصل بنفس " علمت" فلا حاجة إلى فرق بينها وبين الناصبة للفعل وهو التعويض بالحروف التي هي السين أو سوف أوقد أو حرف النفي (٣). فالجواب من وجهين: أحدهما: أنه لما كانت الناصبة هي الكثيرة وهذه قليلة قصد إلى دفع ذلك التوهم بأن جعل معها ما يدل على أنها ليست الناصبة. والآخر: هو أن دلالة " علمت" على أنها ليست الناصبة إنما هو من حيث الا ستحسان. ووقوع هذه الحروف تدل دلالة قاطعة على أنها ليست الناصبة، فكأنهم لم يكتفوا بذلك التجويز الذهول عنه، أو لتجويز تقدير إهماله مع ذكره، فقصدوا إلى أن يكون الدال أمرا لا ريب فيه ولا إشكال. الثالث: هو أنهم أرادوا في نفس ما
стр. 704
يقع فيه اللبس فرق، ولم يكتفوا بالفرق الخارجي عنه. ألا تراهم يقولون: أكل زيد الخبز، فلا يكتفون بالقرينة الدالة على الفاعلية والمفعولية ما لم يأتوا بالأعراب الذي في نفس الاسم كأن لم يكن ثم قرينة.
[إملاء ٤٢]
[إعراب الاسم الواقع بعد الظرف والجار والمجرور]
وقال ممليا: مذهب الأخفش في: " في الدار رجل" وشبهه أنه مرفوع بالقاعلية (١)، لأن الجار لا بد له من متعلق، والمتعلق أصله التقديم، فوجب أن يقدر مقدما، وأصله الفعل، فوجب أن يكون فعلا، وإذا وجب ذلك صار التقدير: استقر في الدار زيد، وإذا صار التقدير كذلك وجب أن يكون فاعلا، إذ لا معنى للفاعل إلا أن يكون كذلك. وما ذكره مستقيم لو سلم من المانع الذي يمنع تقديره مقدما، فمن ثم اندفع استدلاله. والذي يدفعه الإجماع على جواز دخول العوامل عليه. ولو كان فاعلا لم يجز دخول عوامل الابتداء عليه ولما دخلت عليه دخولها على: " زيد قائم" اندفع توهمه، ووجب أن يحتال في التقدير على وجه مستقيم، وذلك بتأخير المتعلق، فعلا أو اسما، ولا مشاحة في هذا المقام في تعيين أحدهما، فيكون التقدير: في الدار رجل استقر، أو في الدار رجل مستقر، ودخولها عليه في مثل قولهم: إن في الدار رجلا، وما أشبهه. ولولا أنه مبتدأ لم يجز دخول ذلك، ولما دخل عليه دل على أنه مبتدأ،
стр. 705
فوجب تأويل المتعلق على وجه مستقيم، ولا وجه أولى مما ذكرناه، فوجب الحمل عليه.
[إملاء ٤٣]
[شبهة بين بدل الكل والتوكيد اللفطي]
وقال ممليا: إن من النحويين من يقول: إن " جاء زيد زيد" بدل الكل من الكل، والصحيح على خلافه، وشبهته من حيث الجملة، أن حقيقة بدل الكل من الكل أن يكون مدلوله مدلول الأول (١)، وهذا كذلك.
[إملاء ٤٤]
[علة بناء " كيت وذيت "]
وقال ممليا: علة بناء " كيت وذيت: أنها شاركت "كم" و" كذا" في أصل وضعها، وهو كونها موضوعة للكناية عن متعدد، وهذه كذلك (٢). ولا يقوى أن يقال: إنها مثلها في الكناية لئلا يرد علينا: فلان وفلانة، فإنهما كنايتان ومع ذلك هما معربان.
стр. 706
[إملاء ٤٥]
[الفرق بين الإنشاء والخبر]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): الفرق بين الإنشاء والخبر أن كل كلام في النفس على وفق العلم أو الحسبان فهو الخبر. وكل كلام في النفس عبر عنه لا باعتبار تعلق العلم والحسبان فهو المعني بالإنشاء. ولذلك إذا قام بالنفس طلب وقصد المتكلم إلى التعبير عن ذلك الطلب باعتبار تعلق العلم به قال: طلبت من زيد كذا. ولو قصد إلى التعبير عنه لا باعتبار تعلق علم (٢)، لكان التعبير عنه بصيغة الأمر التي هي " أفعل" أو "ليفعل" أو ما أشبهها. وكذلك إذا قام بنفسه تعجب، فعبر عنه باعتبار حصوله متعلقا للعلم قال: تعجبت: ولو عبر عنه باعتباره من غير ذلك لقال: ما أحسنه أو ما أعلمه، وما أشبهه، مما هي من صيغ الإنشاء في التعجب، وكذلك جميع ما يرد من الإنشاءات والأخبار.
[إملاء ٤٦]
[دخول الفاء في جواب الشرط]
وقال ممليا [بالقاهرة] (٣): كل موضع لم يفد فيه الشرط استقبالا وجب دخول الفاء فيه. وكل موضع يفيد فيه استقبالا لم يجز دخولها فيه. وكل موضع يحتمل الأمرين جاز الوجهان (٤). فمثال الأول: إن تكرمني فأنا أكرمك، وإن تكرمني فلن أكرمك وفسوف أكرمك. ومثال الثاني: إن تكرمني أكرمتك. ومثال الثالث: إن تكرمني لا أكرمك.
стр. 707
إن جعلت " لا" لمجرد النفي أفاد الشرط الاستقبال، فلا فاء، وإن جعلت " لا" مفيدة للاستقبال على ما هو الأصل فيها كانت مثل " لن" فتدخل الفاء كما تدخل في "لن". قال الله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف﴾ (١). وكذلك: إن تكرمني أكرمك. إن جعلت [الفعل] (٢) دالا على الاستقبال، من قبل الشرط، امتنع دخول الفاء، وهذا هو الكثير، لأن الفعل في أصل وضعه لا يدل على الاستقبال خصوصا، فصار الاستقبال فيه من الشرط، وإن قدرت مبتدأ محذوفا أو جعلت الفعل في نفسه مرادا به الاستقبال من حيث كان صالحا له لوقوعه مشتركا أو ظاهرا فيه عند قوم دخلت الفاء، لأن الشرط لم يفد فيه معنى الاستقبال على التقديرين جميعا، وهذا قليل، ولم يرد في القرآن منه إلا قوله تعالى: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر﴾ (٣)، في قراءة حمزة خاصة، لأن بقية القراء يفتحون (أن) فليست عندهم للشرط، فيخرج بذلك عن الباب، فتحقق صحة ما ذكرناه في مواضع الفاء وجوبا وامتناعا وجوازا.
[إملاء ٤٧]
[هل هناك فرق بين " لدى" وعند "؟]
وقال ممليا: إن من النحويين من سوى بين "لدى" وعند". تقول: لدي كذا، لما كان في ملكك حاضرا أو غائبا، وعندي كذلك. والأكثر على خلافه (٤).
стр. 708
[إملاء ٤٨]
[القول: إن الأخبار كلها صفات]
وقال ممليا بالقاهرة: ذهب قوم إلى أن الأخبار كلها صفات. فإذا قلت: زيد قائم، فمعناه: زيد رجل قائم، فحذف الكلام لدلالة ما تقدم عليه
[إملاء ٤٩]
[مشابهة "هلم" لأسماء الأفعال]
وقال ممليا [بالقاهرة] (١): إن "هلم" لما ركبت شابهت أسماء الأفعال (٢)، وأسماء الأفعال تجري على نمط واحد، فكذلك " هلم" للواحد ولاثنين والجمع، والمذكر والمؤنث، على حد واحد (٣). إلا ترى أنك تقول: رويد الزيدين والزيدين، ورويد على حالها. ومذهب البصريين على أن أصلها: ها ألمم، أمشى من حيث المعنى، ومذهب الكوفيين أمشى من حيث اللفظ (٤) .............................................. ............................................................................... (٥)
стр. 709
[إملاء ٥٠]
[تعريف صاحب " الجمل" للمصدر]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) على قول صاحب الجمل (٢): "والحدث المصدر وهو اسم الفعل، والفعل مشتق منه" (٣). يعني بقوله: المصدر، وقوله: اسم الفعل، أي: المصدر دال على الفعل الحقيقي وهو المعاني وما أجري مجراها من النسب. وقوله: والفعل مشتق منه، يعني به الفعل الصناعي اللفظي قسيم الاسم والحرف الدال على حدث وزمان، مشتق منه، أي: من المصدر على ما هو مذهب البصريين (٤). فتضمن الكلام أمرا يسمى مصدرا، وأمرا يسمى فعلا حقيقيا هو مدلول المصدر، وأمرا يسمى فعلا صناعيا لفظيا هو مشتق من المصدر. فالمصدر الألفاظ التي هي أسماء للأحداث كالقيام والقعود والأكل والخروج ولذلك فسرها آخرا بقوله: "قمت قياما، وقعدت قعودا". ثم قال: "فالقيام والقعود وما أشبههما مصادر"، والقعل الحقيقي هي المعاني وما أجري مجراها، كمدلول لفظ القيام والأكل والشرب والعلم والجهل ونظائرها. والفعل الصناعي اللفظي المشتق من المصدر هي نحو قولك: ضرب وقتل وشبه ذلك. وكذلك مضارعاتها كقولك: يضرب ويقتل، وهي مشتقة من
стр. 710
مصادرها. فـ "ضرب" من الضرب، و"قتل" من القتل، وكذلك جميعها، فهذا معنى قوله: والفعل مشتق منه، أي: الفعل اللفظي مشتق من لفظ المصدر على ما ذكرناه.
[إملاء ٥١]
[الجمل تكون نكرات ومعارف]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة وستمائة] (١): الجمل إنما تكون نكرات باعتبار معانهيا على ما تقرر في النحو من كون الجمل نكرات (٢). فأما إذا قصدت ألفاظها وجب أن تكون معرفة كقولك: زيد قائم قولك. فـ "زيد قائم" ههنا مبتدأ، و"قولك" خبره، ولم ترد ههنا إلا للفط وقصدت حكايته. واللفظ إذا ذكر وقصد نفس صيغته كان معرفة مقصودا به نفسه. ألا ترى أنك إذا قلت: من حرف جر، كانت " من" مبتذأ مخبرا عنها بقولك: حرف جر، قصد نفس لفظها. فإن قلت: اللفظ لا بد له من مدلول، فإذا تلفظت بـ " من" فلا بد لها من مدلول، ولا مدلول لها ههنا إلا نفسها، فيؤدي إلى أن يكون الدليل والمدلول واحدا. قلت: الألفاظ إنما وضعت دالة على عيرها لزوما في الموضع الذي يكون مدلولها غير لفظ لاحتياج إبلاغ المعاني عن ما ليس بلفظ كقولك: الحصير حسنة والثوب نافع. وأما إذا كانت مدلولاتها لفظا فقياسها ألا تحتاج إلى دليل عليها، بل ينطق بللفظ ويقصد به نفسه، ويستغنى عن الدلالة عليه بغيره، فلا يكون ثم دليل بل
стр. 711
نفس المقصود هو الملفوظ به. ومع ذلك فإنهم قد وضعوا لفظا دليلا على لفظ آخر وإن كانوا في غنية عنه تارة لاختصارهم وتارة لتصرفهم. فمثال ما وضعوه لاختصارهم قولك في قصيدة: هذه القصيدة حسنة. فقولك: القصيدة، لفظ دال على لفظ للاختصار، لأنه أخصر من أن تذكر القصيدة وتخبر عنها بقولك: حسنة، وإن كا ذلك ممكنا. وكذلك قولنا: سورة البقرة والفاتحة، وما أشبه ذلك ومثال ما وضعوه لتصرفهم في الكلام كقولك لمن قال: خرجت من البصرة، هذا الحرف الذي قبل البصرة يجر ما بعده. فلم يكن هذا لاختصار، لأن قولك: من، أخصر منه، وإنما هو من تصرفتهم لاتساعهم في الكلام، وقد يكون لرفع لبس كقولك لمن قال: زيد كريم، لفظ المبتدأ حسن، لأنك لو قلت: زيد حسن، لتوهم أنك تعني نفس المدلول. فإذا ذكرته بهذه الصيغة ارتفع هذا الوهم. وإنما سوغه في الموضعين كونه على قياس أوضاعهم، فأجروا ما لو يضطروا إلى الوضع له مجرى ما اضطروا فيه إلى الوضع.
[إملاء ٥٢]
[فظ الحرف باعتبار معناه لا يخبر به ولا عنه]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة وستمائة] (١): المحكوم بكونه لا يخبر به ولا عنه إنما هو ألفاظ الحروف باعتبار معانيها المستعملة فيها، فأما قوله: الحرف، فليس من ذلك. وكذلك قولهم: من: حرف جر، فإنه قد أخبر عن الحرف، ولولا أنه خبر عن الحرف لم يصدق قوله: حرف جر. ولكن ليس ذلك المعني بقولهم، فإن هذا لم يخبر عنه باعتبار لفظه ومعناه المستعمل هو فيه، وإنما أخبر عنه باعتبار لفظه، وهو بهذا المعنى اسم. ألا ترى أنك تقول: " من" مبتدأ، و"حرف" خبر مبتدأ، ولا يقع كذلك إلا الأسماء.
стр. 712
فإن قيل كيف يصح أن يكون اسما وقد أخبر عنه بأنه حرف، وهل هذا إلا تناقض؟ فالجواب: أن الوجه الذي كان به اسما غير الوجه الذي أخبر به عنه بأنه حرف، ألا ترى أنك تقول في "من" وشبهها: هذه الكلمة حرف. ولا شك في أن قولك: هذه، اسم، ومع ذلك فق أخبرت عنه بأنه حرف، لأن لفظ الكلمة صالح إطلاقه على الاسم والفعل والحرف جميعا. فإذا قلت: هذه الكلمة حرف، وأنت تعني "من" أو غيرها كان ذلك صحيحا. فكذلك إذل قلت: من حرف، لأنك لم تقصد إلا إلى نفس اللفظ باعتبار كونه كلمة. وهذا بعينه يجاب به عن الفعل، فإنهم لم يعنوا بقولهم: لا يخبر عنه، إلا في حال استعمالهم له على حسب وضعه في معناه في مثل قولك: ضرب زيد. فأما إذا قلت: ضرب: فعل ماض، فإنك وإن استعملت اللفظ لم تستعمله باعتبار معناه الموضوع له. ألا ترى أنك لا تعني بقولك: ضرب، إلا نفي اللفظ ولم تستعمله باعتبار معناه الموضوع له. وإنما قصدت إلى حكاية اللفظة الواقعة في كلام غير ذلك، فهذا هو الوجه في صحة قولهم: الحرف لا يخبر به ولا عنه، والفعل يخبر به لا عنه (١).
[إملاء ٥٣]
[علة حذف الواو من نحو: يعد]
وقال ممليا [بدمشق] (٢): إنما حذفوا الواو من " يوعد" ولم يحذف من " يينع" و"ييسر" لأوجه ثلاثة: أحدها: أن الواو أثقل والياء أخف، فلا يلزم من حذف ما هو ثقيل حذف ما هو خفيف. والآخر: أن وقوع الواو أكثر فلا يلزم من حذف ما كثر حذف ما قل. والآخر: أن الحذف في الواو لا يؤدي إلى لبس
стр. 713
وفي الياء يؤدي إلى البس، وهو لبس صيغة الماضي بالمضارع، وليس كذلك في الواو لأنها لا تكون حرف مضارعة (١).
[إملاء ٥٤]
[الصواب كسر الراء في "المضارع" و" المضارعة "]
وقال ممليا: المضارعة والضارع، بالكسر. والفتح خطأ، لأنه اسم فاعل من: ضارع يضارع. والفعل الذي في أوله إحدى الزوائد الأربع ضارع الأسماء فهو مضارع، بالكسر. والأفعال مضارعة ومضارعات، لأن ما لا يعقل وصف جمعه بمفرد المؤنث وجمعه سواء، فلذلك قيل: المضارعة والمضارعات. وأما المضارعة، بالفتح، فمصدر "ضارع"، وهو المعنى الذي كان الفعل مضارعا، فلذلك كان قول من قال: الأفعال المضارعة، بالفتح، خطأ. نعم لو قيل: أفعال المضارعة، فأضافها إلى المعنى الذي به كانت مضارعة كان مستقيما كقولك: رجال العلم ورجال الشجاعة. فأما الوصف به وتسميتها به فغير مستقيم.
стр. 714
[إملاء ٥٥]
[كتابة ابن]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١): إذا وقع "ابن" بين علمين صفة ليس بابتداء سطر كتبه الكتاب بغير ألف. وقياسه أن يكتب بالألف. لأن قياس الكتابة أن تكتب كل كلمة بالحروف التي ينطق بها عند الا بتداء به والوقف عليه بالألف. والدليل على ذلك كتابتهم " في الله"، بأثبات الياء في " في"، وإثبات الألف في " الله". وكذلك إذا كتبت " ق زيدا" " كتبت قافا وهاء، لأنك لو وقفت لقلت: قه. فدل على أن قياس " ابن" أن يكتب بالألف مطلقا، لأنك إذا ابتدأت به قلت: ابن، وإنما حذف الألف اختصارا لكثرتها، وكذلك حذفت العرب التنوين من الاسم الأول الواقع قبل "ابن" إذا وقع على هذه الصفة. فالعلة التي حذف العرب التنوين لأجلها هي التي حذف الكتاب الألف لأجلها. وإنما اشترك أن يكون بين علمين وصفة لكونه إنما يكثر إذا كان كذلك. ألا ترى أن وقوع "ابن" بين غير علمين ووقوعه بين علمين غير صفة قليل. فمثال وقوعه ليس بين علمين كقولك: جاءني زيد ابن أخينا. ومثال وقوعه بين علمين كقولك: جاءني زيد ابن أخينا. ومثال وقوعه بين علمين ولكن ليس بصفة قولك: إن زيدا ابن عمرو. فإذا كتبوه عند فقدان أحدهما بالألف فلأن يكتبوه عند فقدانها بألف من طريق الأولى، وذلك قولك: إن زيدا ابن أخينا، فهذا لم يقع بين علمين وليس بصفة. وإنما اشترط أن لا يكون أول سطر لأنه إذا كان أول سطر كان في محل يبتدأ به غالبا، لأن القارىء ينتهي إلى آخر السطر، ثم يبتدىء بأول السطر الذي
стр. 715
بعده، فكرهوا أن يكتبوه على غير ما يوجبه النطق به غالبا (١). وحذفهم الألف وإن كان على خلاف القياس لم يكن إلا لكونه أجري مجرى الوصل الغالب فيه. فإذا فات ذلك الموجب له الحذف لم يكن للحذف وجه، فوجب إثبانه.
[إملاء ٥٦]
[حذف التنوين والألف من " ابن" إذا وقع صفة بين علمين]
وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة وستمائة] (٢): إذا وقع "ابن" صفة بين علمين كان ذلك سببا في تحقيقين: أحدهما: لفظي وهو حذف التنوين، والآخر: كتابي وهو جذف الألف من "ابن" (٣). فإن فقدا أو فقد أحدهما ثبت الأصلان: الألف والتنوين. فمثال فقدانهما جميعا: إن زيدا ابن أخيك. ومثال فقدان كونه بين علمين مع بقاء الوصفية: جاءني زيد ابن اخيك. ومثال كونه غير وصف مع وقوعه بين علمين: إن زيدا ابن عمرو (٤).
стр. 716
ولما كان لحذف التنوين سبب آخر وهو كون الاسم غير منصرف أو مبنيا في مثل قولك: جاءني أحمد بن زيد وجاءني سيبويه بن عمرو، جاء حذف التنوين تارة مع بقاء الألف عند مجيء سببه الآخر وعدم السبب الذي ذكرناه كقولك: إن أحمد ابن أخيك. ألا ترى أن التنوين محذوف، والألف تثبت لأن سبب حذف الألف غير موجود، وسبب حذف التنوين موجود إلا أنه غير ذلك السبب المذكرور، فلذ لك لم يلزم من حذف التنوين مطلقا حذف الألف، إلا إذا اتفق ذلك وهو كون حذف التنوين موجبا لكون " ابن" صفة بين علمين. فكل موضع ثبت فيه التنوين في الاسم ثبتت فيه الألف، لأنه لا تثبت وقد تعدد سببا حذفه إلا مع عدمهما جميعا، فيجب عدم كونه صفة بين علمين، فيجب ثبات الألف. وكل موضع حذف منه التنوين لم يلزم حذف الألف لجواز أن يكون حذف التنوين لا لكونه صفة بين علمين بل لكونه غير منصرف أو غير معرب. وعلة حذفهم لذلك كثرة استعمالهم له كذلك. فلما كثر استعماله ناسب التخفيف اللفظي والكتابي، فخففه اللافظ بحذف التنوين، وخففه الكتاب بحذف الألف، وكذلك المنادى بنقله من الضمة إلى الفتحة في مثل: يا زيد بن عمرو (١).
стр. 717
[إملاء ٥٧]
[الصفات العاملة]
وقال ممليا: الصفات العاملة على قسمين: قسم متعد كضارب، وقسم غير متعد، وهو على قسمين: أحدهما: اسم فاعل كقائم وقاعد والآخر: الصفة المشبهة كقريب وبعيد. والأصل في الإعمال فيهما لاسم الفاعل، وحملت الصفة المشبهة به عليه. فإذا أعملت المتعدي أعملته إعمال فعله فتعديه إلى واحد واثنين وثلاثة إن كان متعديا إلى ذلك. وإذا أعملت غير المتعدي والصفة المشبهة أعملتهما في المرفوع لا غير، إلا ما كان من المنصوبات غير مفعول فأنك تعملهما أيضا فيه كالظروف والمصادر كقولك: هذا قائم غلامه يوم الجمعة، وقائم غلامه قياما. فإذا قصدت إلى إضافة المتعدي أضفته إلى مفعوله دون فاعله، تقول: مررت برجل ضارب زيد. ولا يجوز أن تضيفه إلى فاعله لئلا يؤدي إلى اللبس فلا يعرف عند الإضافة أمفعول هو أم فاعل؟ ولأنه يؤدي إلى إضافته إلى ما هو له من غير حاجة. وشرط جواز الإضافة التخفيف في الأكثر وهو حذف التنوين ونوني التثنية والجمع. وقد يكون على التثبيه بالحسن الوجه، لأن باب الحسن لما جازت إضافته إلى معموله دل على جواز إضافة اسم الفاعل إلى معموله، ولم يكن معمول إلا المرفوع أضيف أليه. ولما كان مفيدا تخفيفا غير التنوين وهو حذف المضمر الذي كان فيه جازت الإضافة مع الألف واللام في الحسن، فجاز " الضارب الرجل" حملا له على " الحسن الوجه" ولم يجز " الضار زيد" عندنا (١)، خلافا للفراء (٢)، لأن اللفظ الذي كان سبب
стр. 718
التخفيف في " الحسن الوجه" مفقود في " الضارب زيد" وموجود في " الضارب الرجل" وهو اللام في الرجل، فلا يلزم من تشبيه " الضارب الرجل" بـ " الحسن الوجه" تشبيه " الضارب زيد" بـ " الحسن الوجه". وقد تكون الإضافة في باب اسم الفاعل لتعذر غيرها كقولك: مررت برجل ضاربك. لأنه (١) لو لم يضيفوا لأدى إلى التناقض أو مخالفة باب الإضمار. ألا ترى أنهم لو لم يضيفوا مع بقاء الضمير المتصل لقالوا: ضاربنا، فيجمعوا بين دليلي الاتصال والانفصال وهو متناقض. ولو لم يضيفوا مع تغيير الضمير المتصل لقالوا: ضارب إياك، فيخالفوا باب الإضمار وهو الرجوع إلى المنفصل من غير تعذر المتصل، ولا يقال تعذر لأنه لم (٢) يمكن الجمع بينه وبين التنوين، فإنا نقول: لا ضرورة إلى التنوين فام يتعذر. فإن قيل: هذا يؤدي إلى أن لا يقع المنفصل، لأنك إذا قلت: ما ضربت إلا إياك، فممكن أن نقول: ضرتك، فلا يتعذر، قلنا: ليس كذلك، فإن المعنيين في قولك: ضاربك، وضارب إياك، لو قدر اللفظ به، على حد واحد. وليس
стр. 719
المعنيان في قولك: ما ضربت إلا إياك، وما ضربتك، على حد واحد (١)، فثبت الفرق بينهما، فلذلك كان ثم متعذرا، وههنا غير متعذر. وإذا وجبت ولإضافة في هذا الباب من غير تحقق (٢) تخفيف جاء ما فيه التنوين في الأصل، وما ذهب منه التنوين للألف واللام، على حد سواء. فثبت جواز " الضاربك" كما وجب جواز " ضاربك". هذا إن قلنا: الضارب مضاف، وأما غير مضاف فلا إشكال.
[إملاء ٥٨]
[استعمال " أم" و"أو "]
وقال ممليا: " أم" لا تستعمل إلا مع همزة الاستفهام (٣). وشرطها: أن يكون المستفهم عنه تعين أحد الأمرين بعد استوائهما عند المستفهم، ولذلك اشترط أن يكون أحد الأمرين بعد الهمزة، والآخر بعد " أم". وأما "أو" فستعمل مع الهمزة ومع غير الهمزة لأحد الأمرين (٤). تقول في الاستفهام: أقام زيد أو قعد؟ مستفهما عن أحدهما، وتقول في غير الاستفهام: قام زيد أو قعد، مثبتا أحدهما. فإذا استعمل البابان في ضمن الكلام جزاء فشرط استعمال "أم" أن تكون باقية على ما شرط لها من الهمزة مجردة عن معنى الاستفهام لتعذر استعماله
стр. 720
ضمنا، إذ له صدر الكلام، ويبقى فيها معنى التسوية، فيجب لها أمران: أحدهما: أن تقدر " أم" بالواو العاطفة ضرورة الغرض المذكور، والأخر: أن يقدر الفعل بالمصدر، لأنه لو قدر باسم الفاعل لكان استعمالا له في غير موضوعه (١)، ألا ترى أنك إذا قلت: سواء علي أقمت أم قعدت، فتقديره: سواء علي قيامك وقعودك، فيجب أن تقدر " أم" بالواو وإلا اختل الكلام. لأنك لو قلت: سواء علي قيامك أو قعودك لم يستقم. ويجب أن تقدر الفعل بالمصدر، لأنك لو قلت: سواء علي قائم وقاعد لا ستعملت اللفظ في غير موضوعه. وإذا استعملت "أو" مع ما في حيزها من لفظ الجملة ضمنا، فشرطها أن لايكون قبل الأولى همزة استفهام، لأنه قد ثبت استعمالها بعد همزة استفهام في أحد وجوهها، إذا قلت: قام زيد أو قعد. والمراد ههنا تجريدها عن معنى الاستفهام، فلم يكن لمجيء الهمزة معنى يقتضيها، لا حقيقي ولا لفظي، بخلاف ما ذكرناه في " أم". ويجب أن تكون "أول" ناقية على معناها في إثبات أحد الأمرين. ويجب أن يقدر الفعل باسم الفاعل أو المفعول على حسب التلفظ به كقولك: أنا أضربك قمت أو قعدت. ألا ترى أنك لو قلت: أنا أ ... ضربك قياما أو قعودا، لم يكن استعمالا للفظ في موضوعه، لأن المقصود الحال، والحال لا تكون بالمصدر إلا على غير القياس (٢)، ولو قلت: أنا
стр. 721
أضربك قائما وقاعدا، لم يستقم أن يقصد إلى الاجتماع لأنهما متضادان، بخلاف ما ذكرناه في " أم" فإن الأمر فيها على العكس، لأن المراد مع "أو" بالحالين إثبات أحدهما، فلو عطفت بالواو لكان المراد اجتماعهما في الحالية وهما لا يجتمان، فأدى إلى اجتماع النقيضين. ومع " أم" لا يقصد إلى أنهما مجتمعان، وإن عطفت أحدهما على الآخر وقصدت إلى أنهما متساويان. وعطف أحدهما على الآخر بالواو لمعنى التسوية واجب لا يستقيم إلا بهما. ألا ترى أنك لو قلته بغيرها لكان إما الفاء أو ثم أو حتى، وكذلك إلى آخر حروف العطف، فإن كان بالفاء وثم وحتى لم يستقم لأنها تدل على إثبات الثاني بعد ثبوت الأول، فيؤدي إلى تسوية الواحد قبل مجيء الثاني وهو محال. وإن كان بأو وإما ,أم، لم يستقم لأنها لآثبات أحد الأمرين، فيؤدي إلى تسويه نفسه وهو محال. وإن كان بلا ولكن وبل، لم يستقم لأنها لإثبات أحد الأمرين معينا، وإذا لم تثبت التسوية مع أحدهما مبهما فلأن لا تثبت مع التعيين أولى، فصار مجيء الواو في موضع " أم" المذكورة واجبا، وتبقى "أو" على معناها واجبا لما ذكرناه. فإذا تقررت هذه القواعد، فقول الشاعر:
ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم جفاني بظهر غيب لئيم (١)
стр. 722
واجب فيه " أم" مع همزة الاستفهام على ما تقدم، وكذلك قال سيبويه، لأن المعنى ما أبالي نبيب (١) التيس وجفاء اللئيم، وهذا لا يستقيم إلا بـ " أم" ولو كان بـ " أو" لفسد بوجهين: لأن المعنى يكون: ما أبالي نبيبا وجفاء، ولم يقصد المتكلم إلى معنى مبالاة أحد الأمرين، وإنما أراد نفي المبالاة عنهما جميعا، ففسد لمجيء "أو". والآخر: أن المعنى ما أبالي نابا وجافيا، ويكون استعمالا للفظ في غير موضوعه، لأن المراد ههنا لا الحالية، وتلك إنما تكون بالمصدر لا باسم الفاعل في هذا المحل، وقول الشاعر:
ولست أبالي بعد موت مطرف ... حتوف المنايا أكثرت أو أقلت (٢)
لا يجوز فيه إلا "أو" من غير همزة على ما قال. لأنه لما أعطى " أبالي" مفعولها وجب أن يكون ما بعدها المذكور في موضع الحال فيصير المعنى: ما أبالي حتوف المنايا مكثرة أو مقلة، وهذا معنى "أو". ولو قلته بـ "أم" لفسد من وجهين: أحدهما: أن الممعنى يكون: ما أبالي حتوف المنايا كثرة وقلة، وذلك غير مستقيم في قصده. والآخر: أن يكون: ما أبالي حتوف المنايا كثيرة وقليلة، وذلك فاسد لأنه يؤدي إلى اجتماع الحالين وهو محال، فوجب استعمال "أو". وكذلك قول الشاعر:
إذا ما انتهى علمي تناهيت عنده ... أطال فأملى أو تناهى فأقصرا (٣)
стр. 723
هو موضع "أو", وكذلك قاله. لأنه لو قاله بـ "أم" لفسد على الوجهين المذكورين وعلى ذلك قول المتنبي:
باد هواك صبرت أو لم تصبرا (١)
جار على هذه القاعدة، لأنه أراد: هواك باد صابرا أو غير صابر. ولو قاله بـ "أم" لكان المعنى: باد هواك صبرا أو غير صبر، وهو فاسد لأنه حال، والحال إنما تكون في هذا المعنى باسم القاعل. والآخر: أنا لو قدرنا أنه مقدر باسم الفاعل لكان المعنى: باد هواك صابرا أو غير صابر، فيكون المعنى: باد هواك في حال كونه على هاتين الحالين، وهو غير مستقيم لتضادهما، وكذلك قوله:
وأثني عليه بآلائه ... وأقرب منه نأى أو قرب (٢)
جاء على القياس، لأنه لو قاله بأم لفسد المعنى، إذ يصير: وأقرب منه نأيا وقربا، ولا سيتقيم ذلك. والآخر أن يكون " وأثني عليه" في حال كونه ناائيا وقريبا، أي: في هاتين الحالين إذا كان عليهما، وهو باطل لتضادهما، إلا على تأويل لم تبن العرب عليه هذه المحال لما ثبت من استعمال كل واحد من البابين على ما ذكرناه. فلا يستقيم لراد أن يراد أن يرده لجواز استعمال ذلك مجازا في غير هذه المواضع، لأنا لم نثبت الأحكام بالمعاني، وإنما عللنا الواقع بجريه على قياس كلامهم، فلا يخرم هذه القاعدة استعمال ما أنكرناه ههنا مجازا
стр. 724
لكونه على خلاف هذه القاعدة التي قدرناها. وأما ما يقع بعد العلم فمخصوص عندي بالهمزة و "أم" كقولك: علمت أزيد عندك أم عمرو؟ والمعنى: علمت ما هو جواب ذلك، بخلاف قولك: علمت أزيد عندك أو عمرو؟ لأن جوابه بتعين أحدهما (١). فالمعنى: علمت ما يتعين منهما منهما مما ألبس تعيينه، لأنه متعين للمستفهم عنه. وأما إذا قال: علمت أزيد عندك أو عمرو؟ فليس بمستقيم ذلك: لأنه ليس الجواب متعينا فيعلمه. ألا ترى أن الجواب تارة يكون: نعم، وتارة يكون: لا، بخلاف ما ذكرناه. فلم يستقم تعلق العلم به لا ختلاف أحواله.
[إملاء ٥٩]
[إيراد على الابتداء بالنكرة والجواب عنه]
وقال ممليا مجبيا عن إيرادهم على الابتداء بالنكرة في شرط المصحح لها قوله:
فيوم علينا ويوم لنا ... ويوم نساء ويوم نسر (٢)
له تأويلان: أحدهما: أن الخبر محذوف، والأخبار كثير حذفها إذا كان في الكلام دليل عليها، وتقديره: فمن هذه الأيام يوم علينا ويوم لنا مثله (٣).
стр. 725
والثاني: أن يكون قولك: علينا، هو الخبر، ويكون المصحح للابتداء الصفة المعلومة، وتقديره: فيوم من الأيام المتقدمة علينا ويوم منها لنا، مثل قولهم: السمن منوان منه بدرهم، فلو لم تقدر "منه" لم يستقيم.
[إملاء ٦٠]
[إيراد على الابتداء بالنكرة الوجواب عنه]
وقال ممليا على قوله تعالى: ﴿هل من مزيد﴾ (١): يرد على الا بتداء بالنكرة، فإنه مصدر، و"من" زائداة، وتقديره: هل زيادة؟ فقد ابتدىء بالنكرة من غير شرط من الشروط المذكورة. وجوابه من وجهين: أحدهما: أن قوله: هل من مزيد؟ ليس بمصدر، وإنما هو صفة لموصوف تقديره: هل من شيء يزاد؟ فما ابتدىء إلابنكرة موصوفة. وإن سلم أنه مصدر فهو الخبر، والمبتدأ إذا حذف خبره فإن كان له مصحح غير تقديم الخبر قدر خبره مؤخرا لأنه الأصل، وإن لم يكن له مصحح قدر الخبر مقدما، ومثاله إذا قيل لك: هل عندك أحد؟ فقلت: رجلان. كان تقديره: عندي رجلان، لأنه لو قدر: رجلان عندي، لم يجز، فكان تقديره على قياس لغتهم واجبا. مثله قوله:
إن محلا وإن مرتحلا (٢)
وذلك كثير، وتقديره: هل عندكم من مزيد؟ أي: هل عندكم زيادة، أو هل ثم زيادة (٣)؟.
стр. 726
[إملاء ٦١]
[الاختلاف في ضمير النكرة]
وقال ممليا: اختلف في أن ضمير النكرة نكرة أو معرفة في مثل قولك: جاءني رجل وضربته. فقال: وجه كونها نكرة أن مدلولها كمدلول من يعود عليه. وإذا كان المدلولان واحدا والأول نكرة وجب أن يكون الثاني نكرة، إذ التعريف والتنكير باعتبار المعاني لا باعتبار الألفاظ. ووجه من قال: إنها معرفة، أنك إذا قلت: جاءني رجل وضربته، فالهاء في "ضربته" ليست شائعة شياع رجل، وإنما هي الرجل الجائي خاصة. والذي يحقق ذلك أنك تقول: جاءني رجل، ثم تقول: أكرمني الرجل ولا تعني سوى الجائي. ولا خلاف أن الرجل معرفة فوجب أن يكون الضمير معرفة أيضا لأنه بمعناه، وهذا هو الصحيح. وفي ضمنه جواب عن الشبهة التي توهمت، لأن أصل الوهم أن مدلوله كمدلوله، وليس مدلوله كمدلوله. ألا ترى أن رجلا شائعا في جنسه، لا يخص به واحد دون آخر. والضمير العائد عليه مختص بالرجل المضروب لا يجوز أن يكون شائعا كما مثلناه بدخول الألف واللام، كما أنه مع الألف وللام لا يستقيم تقدير التنكير فيه، فكذلك إذل جاء مضمر الأنه بمعناه.
[إملاء ٦٢]
[معنى الأحنبي]
وقال ممليا: الأجنبي هو الجزء المستقل بنفسه غير الجمل المعترضة كالمبتدأ والخبر والفاعل والفعل. وغير الجنبي هو ما كان له تعلق بذلك الجزء. فإذا قلت: ضربي في الدار زيدا حسن، لم تفصل بين المصدر
стр. 727
ومعموله بأجنبي وإنما فصلت بينه وبينه بمتعلق به داخل في حيزه، بخلاف قولك: ضربي حسن زيدا؛ فإنك فصلت بينهما بالخير المستقل الذي لا يصلح أن يكون تتمة لما قبله في الجزئية وإنما أجريت الجمل المعترضة مجرى التتمة لأنه مستقل بنفسه، فكأنه عرض بين الجزئين لغرض. ويوضحه رفع اللبس في أنه لا يلبس في أنها ليست تتمة لأحدهما لا ستقلالها، بخلاف ما ذكرناه، فإنه قد يوهم أنه للثاني وهو للأول، وهو للثاني.
[إملاء ٦٣]
[إعراب "لغة" في قولنا: الدليل لغة، وشبهه]
وقال ممليا: قولنا: الدليل لغة، وشبهه مثل: السنة لغة، والإجماع لغة، القياس لغة، الحكم لغة، منصوب على المصدر، لأن معنى مثل قولهم: الإجماع لغة، العزم، أي: مدلول الإجماع لغة. لأن الدلالة تنقسم إلى دلا لة شرع وإلى دلالة عرف وإلى لغة. فلما كانت محتملة، وذكر أحد المحتملات كان مصدرا من باب المصدر المؤكد لغيره (١). وكان قياسه أن يأتي بعد الجملة ولكنه يقدم للقصد إلى أنه بيان دلالة الإجماع. لأنه لو أخر لكان صالحا لكل واحد منهما.
стр. 728
[إملاء ٦٤]
[المفعول لأجله سبب لما قبله]
وقال ممليا: المفعول من أجله يجب أن يكون سببا لما قبله لأمور: أحدها: أنه مفعول من أجله الفعل باتفاق وهو معنى السبب. ومنها: أنهم اتفقوا على أنه جواب لسؤال سائل لم فعلت؟ وهو سؤال عن السبب. ومنها: أن من جملته: قعدت عن الحرب جبنا. وأقدمت على الحرب شجاعة، وذلك لا ستقيم أن يكون الأول فيه سببا للثاني. وأما ما يأتي بعد لام كي في قولك: جئتك لتكرمني، وأسلمت لأدخل الجنة. فالأول فيه سبب للثاني في قصد المخبر. والذي يدل عليه اتفاقهم على أنها تدل على أن ما قبلها سبب لما بعدها. وأيضا فلو كان ما بعدها يجوز أن يكون سببا لما قبلها لكان " قعدت عن الحرب لأجبن" أولى بالجواز، ولا يجوز، فلا يجوز. فإن قلت نحن نقطع بأن القائل: جئتك إكراما لك وجئتك لتكرمني، يصح أن يكون المجيء سببا للإكرام حاملا عليه في الموضعين، ويصح أن يكون العلم بالإكرام جاملا على المجيء فيهما جميا. فالجواب: أن تقدير مثل ذلك في المفعول في مثل ذلك جائز، وما ذكرناه من الدليل معين (١) لجمل كل واحد منهما على م ذكرناه، وإن احتمل في بعض مسائله هذا التقدير. فإن قيل: نحن نقطع بأن قولك: قعدت عن الحرب للجبن، بمعنى قولك: قعدت عن الحرب جبنا، فوجب أن يكون: جئتك لإكرامي لك،
стр. 729
كذلك. وإذا (١) ثبت أن مجيء اللام وحذفها على حد سواء في المعنى، فقولك: جئتك لإكرامك، هي لام الجر، دخلت على الفعل بتأويل "أن"، و"أن" مع الفعل بتأويل المصدر، فصار المعنى: جئتك لإكرامي لك، وقد ثبت أن الثاني فيه سبب للأول، فليكن كذلك، لأنه فرعه، فالجواب: أنه لا يستقيم ذلك في قولك: جئتك لتكرمني، لأنه واجب أن يكون المعنى على الاستقبال، ألا ترى أن لام "كي" و"أن" المقدرة مخلصة الفعل للاستقبال. وإذا وجب أن يكون مستقبلا استحال أن يكون سببا لماض. إذ لا سيتقيم أن يكون الإكرام الواقع في المستقبل سببا للمجيء الواقع في الماضي. وهذا أيضا دليا على وجوب أن ما قبل "كي" سبب لما بعدها، لا بالعكس. فإن قيل: فقد اتفق الفقهاء على مثل قوله: ﴿كي لايكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ (٢) في أنه علة للمحكم المذكور قبله في قوله: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربي واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾ (٣). واتفاقهم على ذلك دليل على أن ما بعد "كي" سبب لما قبلها، إذ لا فرق بين قولك: جئتك لتكرمني، وكي تكرمني، باتفاق. فالجواب: أن ذلك مأخوذ بطريق آخر غير طريق دلالة اللفظ، وهو أن كل ما كان بعد لام "كي" مسببا لما قبلها، فوجب أن يكون ذلك المنعى هو الحامل لما قبلها. ومعنى الأسباب الشرعية المعاني التي تثبت بالحكم. فإذل ذكر حكم وجعل سببا لحصول أمر متضمن معنى مناسب علم أن ذلكم المعنى هو سبب الحكم، إذ لا معنى للسبب والعلة في اصطلاحهم إلا ذلك، فكان تسميتهم
стр. 730
إياه سببا وعلة جاريا على قياس ما (١) اصطلحوا عليه. فاستقام على ذلك الأقوال (٢) كلها.
[إملاء ٦٥]
[تقديم الحروف الدالة على قسم من أقسام الكلام]
وقال ممليا: كل ما كان موضوعه من الحروف على الدلالة على قسم من أقسام الكلام فلا يتقدم شيء مما في حيزه عليه كالاستفهام والشرط والنداء واشباهها. وسر ذلك قصدهم إلى التنبيه على القسم الذي دل عليه الحرف ليصرف السامع فهمه ويتوفر خاطره على مقاصد معاني ما يسمعه، وذلك يحصل بتقديم ذلك الحرف. ولو أخره لكان منقسم الخاطر في معاني ذلك الكلام المخصوص، وفي التردد بين أقسامه، فيختل عليه التفهيم لا ختلاف المعاني باختلاف الأقسام، فكان التقديم لهذا الغرض. فلا يجوز أن يقدم شيء مما في حيز "إن" عليه (٣) لأنها تدل على الإثبات، ولا لام الابتداء، ولا حرف الشرط. وقد جاء الظرف مقدما على النفي في مثل قوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه﴾ (٤) ﴿فيومئذ لاينفع الذين ظلموا معذرتهم﴾ (٥). إما لا تساعهم في الظروف، فيلزم أن يتقدم على غيره ما لم يكن في النفي جهة أحقية من غيره.
стр. 731
ويجوز أن يكون مقدرا بفعل منفي دل ما بعده عليه، كما قيل في قوله تعالى: ﴿أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور﴾ (١)، وشبهه: في أن العامل فيه ما دل عليه (خبير). فإن قيل: فقد جاء: زيدا اضرب، قلت: ليس فيه حرف مصرح به يدل على ذلك، فجاز على قياس التقديم والتأخير في الأفعال، أو لأنه كثر في كلامهم، وإذا كثر الشيء احتاجوا فيه من التصرف ما لم يحتاجوا فيما قل. فإن قيل: فقد قالوا: عمرا ليضرب زيد، وعمرا لا تضرب، والحرف موجود، وذلك على التعليل الأول. قلت: جاز ذلك حملا على "اضرب زيدا" لأنه من باب واحد (٢)، فلما جاز في أحدهما جوزوه في الآخر حملا عليه، بخلاف غيره، فإن ذلك مفقود فيه. وقد فرق قوم بين النفي وغيره في تقديم الظرف، فأجازوا: يوم الجمعة ما ضربت زيدا، ومنعوا: يوم الجمعة إن زيدا قائم. والفرق بينهما أن "ما" يكون منفيها فعلا، وخبر "إن" لا يكون متعلق الظرف إلا اسما أو فعلا بتأويله، فكان الفعل وما يجري مجراه أقوى من الاسم في العمل وما يجري مجراه، فقدم معمول القوي، ولم يقدم الآخر. وقد فرق قوم بين تقدم معمول المنفي إذل كان بـ "لا" وبين المنفي بـ "ما" فأجازوا: يوم الجمعة لا يقوم زيد، ومنعوا: يوم الجمعة ما زيد قائم. والفرق بينهما هو أن "لا" هذه هي التي ينفى بها الأفعال المستقبلة فلا تدخل إلا على الأفعال، وتلك تدخل على الأسماء والأفعال المستقبلة فلا تدخل إلا على الأفعال، وتلك تدخل على الأسماء والأفعال. فلما كان منفي هذه فعلا ليس
стр. 732
إلا، قوي عملها، فتقدم المعمول، ولما كان منفي "ما" اسما في الأصل ضعف تقديم معموله عليها.
[إملاء ٦٦]
[علة كون الإنشاء بالحروف]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١): وإنما كان الإنشاء بالحروف لأنه معنى يتعلق بجزئين: مسند ومسند إليه. إذ الجمل الإنشائية كالإخبارية في الإسناد. فكما أن المعاني التي تتعلق بالجزئين في الاخبار لا تكون إلا بالحروف كـ "إن" ولام الابتداء وأشباههما والنفي، فكذلك المعاني التي تتعلق بالجزئين في الإنشاء كحرف الاستفهام وليت ولعل ولام الأمر ولا في النهي، وأشباه ذلك. فإذا وجد معنى إنشاء من غير حرف دل عليه، فإما أن يكون محذوفا كهمزة الاستفهام في مثل قوله عند بعضهم: ﴿هذا ربي﴾ (٢)، وإما أن يكون الفعل أو الاسم أو الجملة قد ضمنت ذلك، مثل قوله: بعت، ومن أوبوك؟ وأنت طالق.
[إملاء ٦٧]
[إيراد على حد التنوين عند بعض النحويين]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٣): قول بعض النحويين: التنوين
стр. 733
نون ساكنة زائدة لا صورة لها في الخط (١). قوله: لا صورة لها في الخط، إما أن يريد لا صورة لها أصلا، فلا يرد عليه نون التأكيد الساكنة في مثل قولك: اضربا، لأن لها صورة هي ألف (٢). ولكن يرد عليه: ضربت زيدا، في كونه يخرج عن الحد، لأن لها صورة هي ألف، وقد قال: لا صورة لها. وإن أراد بقوله: لا صورة لها، لا صورة لها هي نون، ورد عليه نون التأكيد الخفيفة إذا كان فبلها فتحة مطلقا، مثل قولك: اضربن واقتلن (٣)، في دخولها في الحد، لأنها نون ساكنة زائدة لا صورة لها هي نون، لأنها تكتب ألفا، ولا يرد عليه: رأيت زيدا، لأنها نون ساكنة زائدة لا صورة لها هي نون، فدخلت في الحد.
[إملاء ٦٨]
[إضمار اسم "أن" إذا خففت]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (٤): إنما حكم التحويون بإضمار اسم "أن" فيها إذا خففت، مطلقا، ولم يحكموا بذلك في المكسورة المخففة، لأنه لما ثبت إعمال المخففة المكسورة في مثل قوله: ﴿وإن كلا] (٥)، تعذر إضمار اسمها إذ لا يكون لها منصوبان، فوجب ألا يقدر لها اسم آخر
стр. 734
فإن قيل: فليقدر إذل لم تعمل في مثل قولهم: إن زيد لقائم (١). فالجواب: إنه لو قدر لوجب ألا يجوز العمل لتعذر أن يكون لها اسمان. وقد جاز العمل بالاتفاق في زيد وهو أن يقال: إن زيدا لقائم، وفي ذلك خرق للإجماع، فوجب ألا يقدر. ولما ثبت جواز إعمال المكسورة عند تخفيفها (٢) وقد علم أن المفتوحة أقوى شبها منها بالفعل، كان إعمالها أولى، ولم يثبت لها إعمال في الملفوظ بعدها، فوجب تقدير معمول هو ضمير شأن مراعاة لما ذكرناه من قوة عملها عن المكسورة، لئلا يصير للضعيف في العمل على القوى مزية فيه، وهو غير مستقيم. ولذلك قدر النحويون في مثل قوله: ﴿أن الحمد لله رب العالمين﴾ (٣)، أنه الحمد لله (٤)، ولم يقدروا ذلك في "إن"، وقوة الشبه في "أن" المفتوحة من حيث المعنى واللفظ والاستعمال. أما المعنى فإنها تغير معنى الجملة كما يغير الفعل. وأما اللفظ فهو أنه مفتوح الأول كما أن الفعل الماضي مفتوح الأول. وأما الاستعمال فهو أن العرب عطفت على محل المكسورة ولم تعطف على محل المفتوحة (٥). كل ذلك مشعر بأن إعمال المفتوحة أقوى من إعمال المكسورة.
стр. 735
[إملاء ٦٩]
[الإجابة على إشكال في حديث: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة]
وقال ممليا [بدمشق سنة ثماني عشرة] (١) مجيبا عن قوله ﷺ (٢): "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة": هذا الحديث فيه إشكال. وجه إشكاله أن قوله: شباب أهل الجنة، يفهم منه أن الجنة فيها شباب وغير شباب، وليس الأمر كذلك، بل كل من فيها شباب على ما وردت به الأخبار (٣)، والدليل على أنه يفهم منه ذلك أنه لو لم يكن كذلك لم يكن للتخصيص فائدة، إذ ذكر الشباب يقع ضائعا، وكان ينبغي أن يقال: سيدا أهل الجنة، فأجاب بأمور ثلاثة: أحدها وهو الظاهر: أنه سماهم باعتبار ما كانوا عليه عند مفارقة الدنيا، ولذلك يصح أن يقال للصغير يموت: من صغار أهل الجنة، والشيخ المحكوم بصلاخه: من شيوخ أهل الجنة، فهما سيدا شباب أهل الحنة بهذا الاعتبار. وحسن الاخبار عنهما بذلك وإن كانا لم ينتقلا عن الدنيا شابين لأنهما كانا عند الإخبار كذلك. والثاني: أن يراد أنهما سيدا شباب أهل الجنة باعتبار ذلك الوقت الذي كانا فيه شابين. ولا يرد على الوجه الأول والثاني إلزام أنهما سيدا المرسلين لأنهم شباب في الجنة، لأنهم غير داخلين في شباب أهل الجنة على المعنيين جميعا. والوجه الثالث: أهل الجنة وإن كانوا شبابا كلهم إلا أن الإضافة ههنا إضافة توضيح باعتبار بيان العام بالخاص كما تقول: جميع القوم، وكل الدراهم. لأن كلا وجميعا يصلحان
стр. 736
لكل ذي آحاد. فإذا قلت: القوم والدراهم، فقد خصصته بعد أن كان شائعا، فكذلك شباب، وإن كان جميع أهل الجنة شبابا (١) إلا أنه يصح إطلاقه على من في الجنة وعلى من في غيرها، فخصص شياعه بقوله: أهل الجنة، كما خصص شياع " كل" "وجميع" بالقوم والدراهم لما كان هو مقصود المتكلم دون غيره. ويرد على هذا إلزام سيادتهم المرسلين، لأنهم داخلون على هذا التأويل. وجوابه: أنه (٢) علم خصص، علم تخصيصه بالإجماع، فإن المرسلين أفضل من غيرهم باتفاق.
[إملاء ٧٠]
[تعليل منع البدل في الاستثناء المفرغ]
وقال ممليا: إنما لم يكن في باب الاستثناء المفرغ بدل غير الإعراب بإعراب المحذوف، من حيث كان المستثنى منه غير مذكور، فصار المستثنى في اللفظ حالا محله ونائبا منابه، بخلاف ما جاء المستثنى منه مذكورا، فأنه يجوز البدل والنصب على الاستثناء (٣)، من حيث كانا جميعا سائغين لكون المستثنى منه مذكورا، فساغ. وأما لو جعل المعنصوب ههنا منصوبا على الاستثناء لكان قولك: ما ضربني إلا زيدا، فعلا (٤) من غير فاعل ولا ما يقوم مقام الفاعل، وهو غير مستقيم. ولذلك لم يسمه أحد من النحويين إلا باسم المحذوف تنبيها على أنه أقيم في اللفظ مقامه وعومل معاملته، فيقولون: ماضربني إلا زيد، فاعل، وما ضربت إلا زيدا، مفعول.
стр. 737
ولم يحسن تسميته بدلا، إما لأن البدل تابع فيلزم أن يكون له متبوع، والمحذوف غير متبوع، وإما للقصد على التنبيه بأنه يخالف باب البدل في لزوم إعراب المحذوف لقيامة مقامه.
[إملاء ٧١]
[وجه تقدير إلا بـ "لكن" في الا ستثناء المنقطع]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١): إنما قدرت "إلا" في باب الاستثناء المنقطع بـ "لكن" لموافقتها لها في العمل والمعنى. أما العمل فالنصب كما تنصب " لكن"، وأما المعنى فللمغايرة التي بين الأول والثاني، لأنك إذل قلت: ما اشتريت عبدا إلا حمارا، كان الحمار منصولا مشترى، وإذا قلت: اشتريت عباد إلا حمارا، كان الحمار منصوبا غير مشترى.
[إملاء ٧٢]
[وجه النسب إلى الصدر في المركب]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٢): إنما نسب إلى الصدر من المركبة لأنه السابق من الجزئين المركب منهما الاسم كامرىء القيس، أو لأنه شبهوه عند الاحتياج إلى حذف أحد المحذورين بالترخيم، فحذفوا الثاني كما حذفوه في بعلبك قي قولهم: يا بعل، والمعنى هو أن أول الاسم إذا تلفظ به غلب على ظن السامع المراد منه قبل تمامه، فكان الباقي كأنه مذكور في المعنى، فكان أولى بالحذف من الأول. ولذلك أن من سمع قائلا ينادي: ياسيب ويا
стр. 738
حضر، غلب على ظنه أن المراد سيبويه وحضر موت، قبل تمامه، بخلاف ما لو سمعه يقول: يا ويه ويا موت، فإنه لا يفهم ذلك. وهذا بعينه جار في المفردات. ألا ترى أن من سمع: يا حار، يفهم حارثا، ولو سمع الثاء ونحوها لم يفهم شيئا. فلما كان المقصود من الاسمين يحصل بالأول، واحتيج إلى الحذف كان حذف الثاني أوجب (١).
[إملاء ٧٣]
[جواز وصف "كل" وجواز وصف مضافها دونها]
وقال ممليا: القياس في "كل" أن يوصف مضافها دونها، فيقال: كل رجل عاقل جاءني. هذا هو الفصيح، ويجوز عكسه، فتقول: عاقل، بالرفع وصفا لـ "كل". وفي غير هذا الباب يجوز الوصف على حسب مراد المتكلم، فتقول: جاء غلام زيد، إن شئت وصفت الغلام، وإن شئت وصفت زيدا. والفرق بينهما: أن "كل" ومضافها لشيء واحد، وإنما جيء بـ "كل" لإفادة الإحاطة، وأضيفت إلى ما تضاف إليه لإفادة الحقيقة المقصودة بالإحاطة، فكان وصف المقصود بالذات وهو المضاف إليه أولى من وصف "كل" لأنها
стр. 739
ليست في التحقيق لقصد الدلالة على الذات، وجاز وصفها على الشاذ لأنها غير الذات. وأما: غلام زيد، فلكل واحد منهما مدلول مغاير للآخر، فلا يجوز أن يجري على أحدهما ما هو صفة للآخر في الحقيقة، بخلاف "كل" ونحوه. ونحو "كل" فيما ذكر اسماء الأعداد المميزة في مثل قولك: ثلاثة رجال وشبهه، فإن وصف المضاف إليه أحسن من وصف المضاف على ما ذكر في " كل". قال الله تعالى: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ (١). ولو وصف سبعا لقال: سمانا، وهو جائز، ووجهه ما تقدم، والفصيح وصف المضاف إليه دونه.
[إملاء ٧٤]
[علة عدم وقوع المبتدأ جملة]
وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٢): إنما لم يقع المبتدأ جملة لأن الجملة إذا أولت بالاسم بالاسم فإنما تأول باسم نكرة صفة، فمن ثم جاز أن تقع صفة وخبرا وحالا، ولم تقع مبتدأ لعدم المصحح فيها. ألا ترى أنه لو قيل: قام أبوه في الدار، على معنى: رجل قام أبوه في الدار، رجع الضمير إلى غير مذكور، وهو غير سائغ. ولو صرح بقولنا: رجل قام أبوه في الدار، لكان "رجل" مبتدأ، و"قام أبوه" صفة لا مبتدأ. فإن قيل: فلم لا يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فيصح كما صح: ضارب في الدار، وشبهه؟ فالجواب: أن حذف الموصوف وإن كان غير قياسي إنما يسوغ إذا كانت الصفة اسما كالموصوف إقامة لها مقامه وإجراء لها
стр. 740
مجراه (١)، ولا يلزم من صحة إقامة اسم صريح مقام اسم صحة ما هو في تأويل الاسم مقام الاسم. وأما قولهم: ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا وكذا، فهو وإن كان من قبيل حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه مع كونها جملة فقليل على خلاف القياس، فلا يقاس عليه (٢).
[إملاء ٧٥]
[معنى قولهم: الفاعل واحد]
وقال ممليا: معنى قولهم: الفاعل واحد، أي: نسبة الفعل إلى من يقوم به نسبة على جهة واحدة (٣)، لا أنهم يعنون أن الفاعل لا يكون إلا مفردا غير مثنى أو مجموع، إذ لا يشك في صحة قولك: خرج الناس كلهم. وإنما أرادوا ما ذكرناه من أن النسبة لا تتعدد جهاتها كما تعددت نسبته باعتبار تعلقه من حيث المعنى بمن وقع عليه (٤)، وكلاهما من حيث المعنى مخالف لتعلقه بما