← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 124755

أمالي ابن الحاجب

ابن الحاجب

Полный текст (865 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

لكل ذي آحاد. فإذا قلت: القوم والدراهم، فقد خصصته بعد أن كان شائعا، فكذلك شباب، وإن كان جميع أهل الجنة شبابا (١) إلا أنه يصح إطلاقه على من في الجنة وعلى من في غيرها، فخصص شياعه بقوله: أهل الجنة، كما خصص شياع " كل" "وجميع" بالقوم والدراهم لما كان هو مقصود المتكلم دون غيره. ويرد على هذا إلزام سيادتهم المرسلين، لأنهم داخلون على هذا التأويل. وجوابه: أنه (٢) علم خصص، علم تخصيصه بالإجماع، فإن المرسلين أفضل من غيرهم باتفاق. [إملاء ٧٠] [تعليل منع البدل في الاستثناء المفرغ] وقال ممليا: إنما لم يكن في باب الاستثناء المفرغ بدل غير الإعراب بإعراب المحذوف، من حيث كان المستثنى منه غير مذكور، فصار المستثنى في اللفظ حالا محله ونائبا منابه، بخلاف ما جاء المستثنى منه مذكورا، فأنه يجوز البدل والنصب على الاستثناء (٣)، من حيث كانا جميعا سائغين لكون المستثنى منه مذكورا، فساغ. وأما لو جعل المعنصوب ههنا منصوبا على الاستثناء لكان قولك: ما ضربني إلا زيدا، فعلا (٤) من غير فاعل ولا ما يقوم مقام الفاعل، وهو غير مستقيم. ولذلك لم يسمه أحد من النحويين إلا باسم المحذوف تنبيها على أنه أقيم في اللفظ مقامه وعومل معاملته، فيقولون: ماضربني إلا زيد، فاعل، وما ضربت إلا زيدا، مفعول.

стр. 737

ولم يحسن تسميته بدلا، إما لأن البدل تابع فيلزم أن يكون له متبوع، والمحذوف غير متبوع، وإما للقصد على التنبيه بأنه يخالف باب البدل في لزوم إعراب المحذوف لقيامة مقامه. [إملاء ٧١] [وجه تقدير إلا بـ "لكن" في الا ستثناء المنقطع] وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١): إنما قدرت "إلا" في باب الاستثناء المنقطع بـ "لكن" لموافقتها لها في العمل والمعنى. أما العمل فالنصب كما تنصب " لكن"، وأما المعنى فللمغايرة التي بين الأول والثاني، لأنك إذل قلت: ما اشتريت عبدا إلا حمارا، كان الحمار منصولا مشترى، وإذا قلت: اشتريت عباد إلا حمارا، كان الحمار منصوبا غير مشترى. [إملاء ٧٢] [وجه النسب إلى الصدر في المركب] وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٢): إنما نسب إلى الصدر من المركبة لأنه السابق من الجزئين المركب منهما الاسم كامرىء القيس، أو لأنه شبهوه عند الاحتياج إلى حذف أحد المحذورين بالترخيم، فحذفوا الثاني كما حذفوه في بعلبك قي قولهم: يا بعل، والمعنى هو أن أول الاسم إذا تلفظ به غلب على ظن السامع المراد منه قبل تمامه، فكان الباقي كأنه مذكور في المعنى، فكان أولى بالحذف من الأول. ولذلك أن من سمع قائلا ينادي: ياسيب ويا

стр. 738

حضر، غلب على ظنه أن المراد سيبويه وحضر موت، قبل تمامه، بخلاف ما لو سمعه يقول: يا ويه ويا موت، فإنه لا يفهم ذلك. وهذا بعينه جار في المفردات. ألا ترى أن من سمع: يا حار، يفهم حارثا، ولو سمع الثاء ونحوها لم يفهم شيئا. فلما كان المقصود من الاسمين يحصل بالأول، واحتيج إلى الحذف كان حذف الثاني أوجب (١). [إملاء ٧٣] [جواز وصف "كل" وجواز وصف مضافها دونها] وقال ممليا: القياس في "كل" أن يوصف مضافها دونها، فيقال: كل رجل عاقل جاءني. هذا هو الفصيح، ويجوز عكسه، فتقول: عاقل، بالرفع وصفا لـ "كل". وفي غير هذا الباب يجوز الوصف على حسب مراد المتكلم، فتقول: جاء غلام زيد، إن شئت وصفت الغلام، وإن شئت وصفت زيدا. والفرق بينهما: أن "كل" ومضافها لشيء واحد، وإنما جيء بـ "كل" لإفادة الإحاطة، وأضيفت إلى ما تضاف إليه لإفادة الحقيقة المقصودة بالإحاطة، فكان وصف المقصود بالذات وهو المضاف إليه أولى من وصف "كل" لأنها

стр. 739

ليست في التحقيق لقصد الدلالة على الذات، وجاز وصفها على الشاذ لأنها غير الذات. وأما: غلام زيد، فلكل واحد منهما مدلول مغاير للآخر، فلا يجوز أن يجري على أحدهما ما هو صفة للآخر في الحقيقة، بخلاف "كل" ونحوه. ونحو "كل" فيما ذكر اسماء الأعداد المميزة في مثل قولك: ثلاثة رجال وشبهه، فإن وصف المضاف إليه أحسن من وصف المضاف على ما ذكر في " كل". قال الله تعالى: ﴿إني أرى سبع بقرات سمان﴾ (١). ولو وصف سبعا لقال: سمانا، وهو جائز، ووجهه ما تقدم، والفصيح وصف المضاف إليه دونه. [إملاء ٧٤] [علة عدم وقوع المبتدأ جملة] وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٢): إنما لم يقع المبتدأ جملة لأن الجملة إذا أولت بالاسم بالاسم فإنما تأول باسم نكرة صفة، فمن ثم جاز أن تقع صفة وخبرا وحالا، ولم تقع مبتدأ لعدم المصحح فيها. ألا ترى أنه لو قيل: قام أبوه في الدار، على معنى: رجل قام أبوه في الدار، رجع الضمير إلى غير مذكور، وهو غير سائغ. ولو صرح بقولنا: رجل قام أبوه في الدار، لكان "رجل" مبتدأ، و"قام أبوه" صفة لا مبتدأ. فإن قيل: فلم لا يجوز حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه فيصح كما صح: ضارب في الدار، وشبهه؟ فالجواب: أن حذف الموصوف وإن كان غير قياسي إنما يسوغ إذا كانت الصفة اسما كالموصوف إقامة لها مقامه وإجراء لها

стр. 740

مجراه (١)، ولا يلزم من صحة إقامة اسم صريح مقام اسم صحة ما هو في تأويل الاسم مقام الاسم. وأما قولهم: ما منهما مات حتى رأيته في حال كذا وكذا، فهو وإن كان من قبيل حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه مع كونها جملة فقليل على خلاف القياس، فلا يقاس عليه (٢). [إملاء ٧٥] [معنى قولهم: الفاعل واحد] وقال ممليا: معنى قولهم: الفاعل واحد، أي: نسبة الفعل إلى من يقوم به نسبة على جهة واحدة (٣)، لا أنهم يعنون أن الفاعل لا يكون إلا مفردا غير مثنى أو مجموع، إذ لا يشك في صحة قولك: خرج الناس كلهم. وإنما أرادوا ما ذكرناه من أن النسبة لا تتعدد جهاتها كما تعددت نسبته باعتبار تعلقه من حيث المعنى بمن وقع عليه (٤)، وكلاهما من حيث المعنى مخالف لتعلقه بما

стр. 741

وقع فيه (١)، وكلها من حيث المعنى مخالف لتعلقه بما هو علق له (٢)، وكلها من حيث المعنى مخالف لتعلقه بما فعل الفعل معه (٣)، فهذا هو المعني بقولهم: الفاعل واحد والمفعول متعدد. [إملاء ٧٦] [وجه إضافة "سعيد كرز" وبابه] وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين وستمائة] (٤): إنما أضيف " سعيد كرز" وبابه ولم يضف نحو: أسد سبع وشبهه، لأن الأعلام كثرت فجاز فيها من التخفيف ما لم يجز في عيرها، ولأنا أفدنا بالإضافة معنى مقصودا باعتبار تقدير العلم له ولغيره، كما في قولك: زيدكم، ولأن الثاني أشهر وأعرف، فكان في نسبة الأول إليه فائدة ليست فيما اعترض به. [إملاء ٧٧] ["الآن" معرفة مبني مدلوله الزمان الحاضر] وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (٥): "الآن" معرفة مبني مدلوله الزمان الحاضر. أما كونه معرفة فلا خلاف فيه لأنه موضوع لشيء بعينه. وأما بناؤه فالصواب أن يقال: لتضمنه حرف التعريف (٦): " أمس" في اللغة الحجازية.

стр. 742

وهذه اللام التي فيه ليست للتعريف، لأن لام التعريف يجوز إثباتها للتعريف، وحذفها عند التنكير كقولك للرجل: رجل، وهذه ليست كذلك. ولأنها لو كانت للتعريف لوجب إعرابه، إذ ليس في اللغة كلمة تلزمه لام إلا وهو معرب (١). فإن زعم زاعم أنه معرب، وإنما انتصب لكونه ظرفا. رد بقولهم: من الآن، فإن مفتوح مع دخول حرف الجر عليه باتفاق، فوجب أن تكون هذه اللام زائدة لبنية الكلمة لا للتعريف، إذ بطل كونها للتعريف. فإن قيل: فلم لا تكون أصلية ويكون مبنيا بتقدير حرف التعريف كما ذكر تموه في "أمس" في لغة أهل الحجاز (٢)؟ فالجواب: أنها لو كانت أصلية لم يخل من أن تقدر معها الهمزة، أصلية أو زائدة، وكلاهما باطل، أما إذا قدرتها زائدة فيجب أن يكون وزنه "أفعالا"، وليس في اللغة "أفعال" وهمزته همزة وصل. وأيضا فإن "أفعالا" في الأسماء المفردة نادر. وأيضا فإنه كان يكون مما لم يثبت من تركيبهم، لأن "الآن" ليس من تركيبهم. وإن قدرت الهمزة أصلية وجب أن يكون: فعلالا أو فعلانا، وهو أبعد من جهة أن الهمزة الأصلية أبعد في جعلها وصلية. وإذا بعد أن تكون أصلية وهي زائدة، فكونها وصلية وهي أصلية أبعد.

стр. 743

وأما قول من قال: إنها بنيت لأنها من أسماء الإشارة (١)، أسماء الإشارة كلها مبني لشبهها بالحرف من حيث احتياجها إلى ما ينضم إليها من قرينة الإشارة، فإنك، إذا قلت: هذا، كان مفتقرا في دلا لته على مدلوله إلى قرينة الإشارة، والإشارة معنى لا يجوز أن ينطق باسم الإشارة منفكا عنه، كما أن الحرف لا يجوز أن ينطق به منفكا عن متعلقه، فلما أشبه الحرف بني، فقول لا يبعد عن الصواب وهو قول أبي إسحق (٢). ولكنه يستضعف من حيث إن أسماء الإشارة تدخل عليها هاء التنبيه وكاف الخطاب، فيقال: هذا وذاك وذاكما وذاكم وذاكن، وكذلك البواقي، ولا يجري ذلك في "الآن". ويجاب عن ذلك بأن من أسماء الإشارة "ثم" وهو للمكان الحاضر المشار إليه، ومع ذلك لا يدخله ذلك. وإذا ثبت أن "ثم" اسما من أسماء الإشارة لا يدخله ذلك لم يلزم ذلك في "الآن". فإن أورد أن "ثم" نادر فلا يحمل، أجيب بأن تقدير لام أخرى فيه للبناء كـ "أمس" نادر فلا يحمل على النادر. وأما "الذي" وأخواتها فمعارف موصولة مبنية لا فتقارها إلى ما يكملها من صلتها جزءا كافتقار الحرف إلى متعلقه، فوجب بناؤها لذلك (٣). والألف واللام في "الذي" ليست للتعريف لما تقدم من أنها زائدة لبناء صيغة الكلمة في "الآن" ولا حاجة تقدير لام أخرى على خلاف القياس مع الاستغناء عن

стр. 744

ذلك. وإنما وجب في "الآن" عند من أوجبه لقيام الدليل على التزامه، فلا يستقيم تقديره ههنا مع فقدان دليل الالتزام. وأما كونه معرفة فلكونه موضوعا لشيء بعينه. وأما ما تعرف به، فإن أريد ما تعرف به "الذي" على انفراده، فخطأ، لأنه على حياله غير مستقل جزءا. والتعريف والتنكير فرع الآستقلال، فإذن هي وما بعدها من صلتها معرفة بها لأنها وضعت في تعريف الجمل مثل اللام في تعريف المفرد. ألا ترى أنك إذا قلت: مررت برجل عالم، فأردت تعريف "عالم" قلت: مررت بالرجل العالم. فإذل قلت: مررت برجل قام غلامه، فأردت تعريفه قلت: مررت بالرجل الذي قام غلامه، وقام الدليل على أن اللام حرف، وعلى أن "الذي" اسم فوجب أن يتبع، ولا بعد في أن يكون الاسم يفهم منه التعريف. وقول من قال: إنها تعرفت بصلتها لأنها لا بد أن تكون معلومة للمخاطب، وهم، فإن اشتراط أن تكون معلومة للمخاطب في دخول الموصول عليه كاشتراط العهد في المفرد في صحة دخول اللام عليه، فلا تدخل اللام إلا في موضع يكون بينك وبين مخاطبك معهود سابق (١) قد بحققته. فكما لا يصح أن يقال: إن تعريفه بالعهد، كذلك لا يصح أن يقال: إن تعريف الموصول بالصلة، وإنما التبس على هؤلاء علة كونه معرفة بالأمر الذي ضم إليه ليدل على كونه معرفة. وليس الكلام إلا في الأمر الذي ضم إليه ليدل على كونه معرفة، فلا يصح أن يعبر عنه بعلة كونه معرفة. [إملاء ٧٨] [حد التصغير والنسب] وقال ممليا: حد التصغير: أنه زيادة تدل على أن مدلول المزيد فيه

стр. 745

محقر (١). وأما النسب فإلحاق آخر الاسم ياء مكسورا ما قبلها لتدل على أن مدلول جملته بينه وبين ما ألحقت به ملابسة (٢). [إملاء ٧٩] [وجه حمل النصب على الجزم] وقال ممليا: إنما حمل النصب على الجزم لأن الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء (٣). وقد حمل النصب على الجر في الاسماء فيما أعرب بالحروف (٤)، فوجب أن يحمل النصب على الجزم في الأفعال فيما أعرب بالحروف (٥) لئلا يكون للأفعال على الأسماء مزية. ومعنى قولنا: نظير الجر في الأسماء، أن الفعل المضارع لما أشبه الاسم أعرب بالرفع والنصب، وتعذر الجر، فجعل الجزم عوضا عنه، فصار الجزم في الأفعال نظير الجر في الأسماء

стр. 746

[إملاء ٨٠] [بناء أسماء الأفعال التي هي بمعنى الأمر] وقال ممليا [بدمشق سنة عشرين] (١): إن قيل: إن أسماء الأفعال التي هي بمعنى الأمر كـ "نزال" وشبهه، بنيت لتضمنها معنى الأمر، فليس بجيد على مذهب البصريين لأنه بمعنى صيغة الأمر، وصيغة الأمر مبنية عندهم (٢)، فلا حاجة إلى تكلف أمر آخر، لأنه من باب التعسف من غير فائدة. وأيضا فإن اللام في صيغة الأمر للمواجه ضعيفة فلا ينبغي أن يقدر الفصيح بأمر يخرجه إلى غير الفصيح. وأما على مذهب الكوفيين الذين يقولون إنه معرب بتقدير لام الأمر (٣)، فهؤلاء يحتاجون الى مثل ذلك، لأن "نزال" إذل كان بمعنى: انزل، و"انزل" معرب، فليس في "نزال" ما يقتضي بناء، وهو ضعيف مبني على صعف الأصل فواضح لأن المقتضي للإعراب مفقود، فلا يستقيم إثباته مع فقدان مقتضاه. وايضا فإن اللام لو كانت مقدرة وجب أن يكون أيضا مبنيا، فهو أحق من بناء "نزال" باعتبار تضمن الحرف. فإذا لم يكن "انزال" مبنيا مع ظهور التضمن عندهم. فلأن لا يكون ذلك في "نزال" أولى. وأما ضعف الفرع فلما ذكرناه من أنه لا يقدر لام الأمر في صيغة المواجه إلا على ضعف [إملاء ٨١] [سر كون الضمائر الغائبة لا تعود إلا على متقدم الذكر] وقال ممليا: سر كون الضمائر الغائبة لا تعود إلا على متقدم الذكر لفظا أو

стр. 747

معنى أو حكما (١)، أن (٢) الضمائر ملبسة باعتبار حقائق مدلولها لصحة إطرقها على المختلفات. لأنك إذل قلت: قاموا، وما أشبهه، احتمل الزيدين والعمرين والمسلمين والمشركين، فأرادوا أن لا يعيدوها إلا على ما يتقدم ذكره وفقا لهذا الالباس. [إملاء ٨٢] [الإثبات بعد النفي الاستثناء المفرغ مفيد للحصر] وقال ممليا: الاثبات بعد النفي في الاستثناء المفرغ مفيد للحصر. أي: ينفرد ما بعد "إلا" بذلك دون العام المقدر. فإذا قلت: ما جاءني إلا زيد، ف "زيد" منفرد بالمجيء دون الأحدين المقدرين في قولك: ما جاءني أحد. فإذا قلت: ما زيد إلا بشر، لا يلزم أن يكون: لا بشر إلا زيد، لأنك لم تنف البشرية عمن سواه وأثبتها له، وإنما أثبتها له دون غيرها من الصفات، ولم تتعرض لنفيها عمن عداه. وهكذا الحكم في كل مستثنى هو في الحقيقة خبر كالصفات والأحوال.

стр. 748

إلا ترى أنك إذا قلت: ما جاءني زيد إلا راكبا، وما زيد إلا عالم، لم ترد نفي الركوب والعلم عمن عداه، وإنما أردت هذه الصفات له، وذلك ثابت. فإن قلت: فيلزم أن يكون ثم منفي عام، وهذا مثبت منه دونه، فيكون المعنى إثبات هذه الصفة له دون غيرها من الصفات، ونحن نقطع بأن ذلك غير مستقيم، فإنك إذا قلت: ما زيد إلا عالم، لم يستقم نفي جميع الصفات عن زيد، إذ لا بد أن يكون على صفات متعددة غير العلم، فهذا إشكال غير الأول. فالجواب: أنه كان قياس هذا الباب، ولكنه أتى على غير ذلك لأمرين: أحدهما: أن ذلك لو اعتبر لا متنع استعمال هذا الباب فيه، فيفوت كل معناه منه. والثاني: أنهم قصدوا إثبات ذلك ونفي ما يتوهم المتوهم مما يضاد ذلك. وكذلك قوله ﷺ (١): "لا صلاة إلا بطهور". فإن المعنى إثبات الطهارة للصلاة المشروعة لا إثبات الطهارة لها خاصة حتى يلزم أنها إذا وجدت، إذ قد توجد الطهارة ولا تكون الصلاة مشروعة لفوات شرط آخر. [إملاء ٨٣] [وجه عدم نصب الظرف المختص م الأمكنة بتقدير في] وقال ممليا: إنما لم ينصب المختص من الأمكنة بتقدير "في" كما انتصب المبهم منه وظرف الزمان مطلقا، لثلاثة أمور: أحدها: أنه لو فعل ذلك فيه لأدى إلى الالباس بالمفعول به كثيرا. ألا ترى أنك تقول: اشتريت يوم الجمعة وبعت يوم الجمعة واسكنت يوم الجمعة وبوأت وما أشبه ذلك، ولا يلبس كونه ظرفا. ولو استعملت الدار ونحوها هذا الاستعمال لا لتبس بالمفعول. الثاني: هو أنه لما دخل في مسماه ما اختص به أشبه ما ليس بظرف

стр. 749

كالثوب وشبهه، فأجري مجراه، بخلاف غيره فإنه لم يختص بأمر دخل في مسماه، فبقي على ظرفيته. الثالث: هو أن ظرف الزمان المبهم والمختص كثير في الاستعمال فحسن فيه الحذف للكثرة (١)، وظرف المكان إنما كثر فيه (٢) في الاستعمال المبهم دون المختص، فأجري المبهم لكثرته مجرى ظرف الزمان، وبقي ما لم يكثر على أصله في استعماله. [إملاء ٨٤] [معنى قول لا بن جني في باب المبتدأ] وقال ممليا: قول ابن جني في "اللمع" (٣) في باب المبتدأ: " وعرضته لها"، أي: جعلته على حال يصح دخولها عليه وهو كونه مسندا إليه. [إملاء ٨٥] [أوجه إطلاق الشاذ] وقال ممليا: يطلق الشاذ على أوجه: أحدها: أنه يطلق ويراد به أنه قليل الاستعمال أو خارج عن قياس أو غير فصيح (٤).

стр. 750

فقول من قال: شر أهر ذا ناب (١)، شاذ. إن أراد به الأول فمسلم، وإن أراد الثالث فممنوع، والثاني كالأول. [إملاء ٨٦] [الفرق بين التبيين والتبعيض] وقال ممليا: الفرق بين التبيين والتبعيض، أن التبعيض يجب أن يكون ما قبل "من" بعضا لما بعدها (٢). والتبيين يجب أن يكونا متطابقين. ولذلك كان التبعيض ملتزما التبين، لأنه إذا كان جنسا له كان فيه تبيينه، ولا يكون في التبيين تبعيض، لأن شرطه المطابقة كقوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾ (٣) فالرجس ههنا ليس بعضا للاوثان وإنما أريد به نفس الاوثان، فكان مطابقا في قصد المتكلم. والرجس إن كان يصح أن يطلق على أعم من الأوثان، فيصح إطلاقه على الأوثان، ولذلك فسر بها. ولا يستقيم أن تكون ههنا للتبعيض، لأن الأعم لا يكون بعضا للأخص، والمطابق لا يكون بعضا لمطابقه (٤).

стр. 751

[إملاء ٨٧] [الصمير المستتر] وقال ممليا: وضعت الرب الصمير المستتر لأنه أخصر من البارز، فلا يعدلون عنه إلا عند تعذره للالباس، كما أنهم لا يعدلون عن المنفصل إلا عند تعذر المتصل (١)، فوضعوه في الماضي للمفرد المرفوع الغائب، وكان أولى. أما رفعه فلأن الرفع هو السابق للنصب فكان أولى. أما كونه مفردا فلأنه أسبق وأكثر فكان أولى. وأما كونه لغائب فلأن إخبار المتكلم عن غيره أكثر من إخباره عن نفسه. فلما جعلوه مستترا في ذلك وجب أن يكون بارزا في غيره لئلا يقع اللبس، لأنهم لو وضعوه مستترا في غير هذا المحل لم يعلم أنه لهذا دون غيره، فيقع اللبس. ولا يكتفى بتقديم من يعود عليه الضمير، إذ لو اكتفي بذلك لا ستغني عن الضمائر. ووضعوه في المضارع للغائب كذلك. ووضعوه للمخاطب المفرد المذكر المرفوع مستترا، وجعلو قرينة الخطاب تشعر بأنه للمخاطب ثم الكلام في كونه مفردا ومرفوعا كالكلام في الغائب، ولما كانت التاء تاء المخاطب في المضارع لا دلالة لها على خصوصية المذكر دون المؤنث احتاجوا أن يجعلوه بارزا إذا كان لمؤنث، بخلاف الماضي فإنهم (٢) استغنوا بتاء

стр. 752

التأنيث التي تتصل بالفعل عن إبرازه، ولذلك التزموها وإن كان غير حقيقي. ولم يلتزموها إذا كان الفاعل غير حقيقي (١)، هو ظاهر، كقولك: ظهرت اليوم الظلمة، ولو قلت: الظلمة ظهر، لم يجز. ووضعوه في الفعل المضارع المتكلم مستترا لا غير، لأن قرينة التكلم وإن كانت همزة فقد علم أنها للمفرد. وإن كانت نونا استغنوا بقوة قرينة التكلم في الدلالة على من هو له، عن أن يضعوا له ضميرا بارزا. ووضعوه في الصفات (٢) بجملتها إذا جرت على من هي له مستترا، كأنهم استغنوا بتثنيتها وجمعها وتأنيثها وتذكيرها عن أن يبرزوا ضمائرها لدلالة هذه الأشياء عليها. [إملاء ٨٨] [مسألة في حديث: لا يموت لأحد ثلاثة من الولد] وقال ممليا: قوله ﷺ (٣): " لا يموت لأحد ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم". محمول على الوجه الثاني في قولك: ما تأتينا فتحدثنا (٤). ولا يستقيم على الوجه الأول. لأن معنى الأول أن يكون الفعل الأول سببا للثاني كقولك: ما تأتينا فتحدثنا، أي: لو أتيتنا لحدثتنا. وليس عليه قوله: لا يموت لأحد، لأنه

стр. 753

يؤدي إلى عكس المعنى المقصود، ويصير المعنى: أن موت الأولاد سبب لمس النار وهو ضد المعنى المقصود. وإذا حمل على الوجه الثاني وهو أن الغرض أن الثاني لا يكون عقيب (١) الأول أفاد الفائدة المقصودة بالحديث، إذ يصير المعنى أن مس النار لا يكون عقيب (٢) موت الأولاد وهو المقصود بأنه إذا لم يكن المس مع موت الأولاد وجب دخول الجنة، إذ ليس بين النار والجنة منزلة أخرى في الآخرة. فثبت أن الخبر لا يمكن حمله إلا على الوجه الثاني لا على الوجه الأول (٣). [إملاء ٨٩] [حد الفاعل] وقال ممليا: الفاعل هو الذي نسب الفعل إليه (٤): ولا فرق بين أن يكون الفعل دالا على أمر وجودي أو أمر نسبي أو أمر عدمي. نزلوا المعاني المعقولة كلها منزلة واحدة ولم يفرقوا بين وجود وغيره. فمثال الأول: علم زيد. ومثال الثاني: بعد زيد. ومثال الثالث: استحال الجمع بين الضدين، وشبهه.

стр. 754

وإنما جمعوا بينها لأن الغرض نسبة هذا الحكم لها لما كانت الأحكام كلها مفتقرة إلى محكوم عليه بها نزلت جميعها منزلة واحدة، ولم يراعوا من ذلك وجودا ولا نسبة ولا عدما، فلذلك أجروها مجرى واحدا. ولا فرق بين أن تكون هذه الأمور مثبتة أو منفية أومستفهما عنها أو مشروطة أو مأمورا بها أو منهيا عنها، لأن الغرض ذكرها متعلقة بمن هي له على اختلاف الأحكام المتعلقة بها. وسمى النحويون الفاعل على ما فهموه من هذا المعنى عن العرب في أن الباب كله في ذلك واحد. [إملاء ٩٠] [إضافة "كلا" و"كل "] وقال ممليا: "كلا" إذا أخبر عنه فالفصيح أن يخبر عنه بمفرد، فتقول: كلا الرجلين جاءني، ولو قلت: جاءاني، كان غير فصيح. قال الله تعالى: ﴿كلتا الجنتين آتت أكلها﴾ (١)، ولم يقل: آتتا. وسر ذلك أن "كلا" مثل "كل" باعتبار أنه وضع ليدل على تعدد الاجزاء في الذات المضاف هو إليها، ولذلك التزم إضافتهما إلى ما ينبين به الذات المقصودة بهما. والتزم إضافة "كلا" إلى لأن وضعه لجزئين (٢)، والتزم إضافة "كل"

стр. 755

إلى متعدد أو جنس. فإذا أضافوه إلى متعدد كان مرفة، وإذا أضافوه إلى جنس كان نكرة. فتقول: اضرب كل الرجال، واضرب كل رجل. وكان الأصل أن يضاف إلى المتعدد المعرفة كما في "كلا"، ولكنهم قصدوا إلى إيقاع اسم الجنس موقعه. فلما استغنوا عن لفظ التعدد استغنوا عن تعريفه، ولأنه كان يكون موهما من غير فائدة. فأما إذل قلت: اضرب كل رجال، فهو من باب قولك: اضرب كل رجل، إلا أنك جعلت الجمع (١) جنسا، وقدرت أن واحده رجال. فأما إذا أضيف إلى متحد معرفة، أو ممتنع فيه الجنسية وجب تأويله. فإذا قلت: اشتريت كل العبد، وجب حمله على أجزائه، ولذلك لو قلت: جاءني كل العبد، لم يجز. وإذا قلت: جاءني كل غلام رجل، فتأويله: كل غلام كل رجل، لأنه لا يستقيم الجنس إلا كذلك، لأن رجلا جاء في سياق الاثبات، فلا يقبل عموما وقد أضيف غلام إليه، فيتخصص بإضفته إلى رجل. وعليه حمل قوله تعالى: كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار﴾ (٢)، في قراءة [من أضاف (٣)، وأن التأويل: كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر] (٤). ولو بقي على ظاهره لم يكن له محمل إلا على جملة أجزاء قلب لمتكبر واحد. لأن المتكبر في سياق الاثبات، فلا يكون إلا لواحد، فيجب أن يكون قلبا لواحد، إذ ليس للواحد إلا قلب واحد، فيجب حمل (كل) على الأجزاء، فيصير على ما

стр. 756

ذكرناه. وليس بمستقيم لأن الآية لم تسق لذلك، فوجب حملها على ما يوافق المعنى الذي سيقت لأجله وهو عموم قلوب المتكبرين. ثم لا يخلو إما أن يذكر مضاف "كل" معها أو لا يذكر. فإن ذكر فالا خبار بالمفرد في الأكثر، قال تعالى: ﴿وكلهم آتيه يوم القيامة فردا﴾ (١). و (آتيه) مفرد. وإذا لم يذكر معها فالا خبار بالجمع، قال الله تعالى: ﴿وكل أتوه﴾ (٢). وآتوه، على القراءتين (٣). وقال: ﴿وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم﴾ (٤). وسر ذلك هو أنه إذا لم يذكر أرادوا أن ينبهوا على ذلك بخصوصية اللفظ الدال على الجمع وإن كانت "كل" تشعر بذلك [إملاء ٩١] [الفرق بين الجملة الانشائية والخبرية] وقال ممليا: الكلام ينقسم إلى الجملة الانشائية وإلى الجملة الخبرية. فالخبرية: كل جملة ن متعلق علم تحقيقا أو تقديرا. والإنشائيه: كل جملة عن نفس المعنى من غير اعتبار تعلق العلم به. وبيانه أنك إذل قام بنفسك طلب الماء من زيد وعلمت حصول ذلك الطلب، فإذا قصدت التعبير عن الطلب باعتبار تعلق العلم به قلت: طلبت من زيد ماء. فإن قصدت إلى التعبير عن نفس الطلب من غير نظر إلى تعلق العلم

стр. 757

به قلت: اسقني. وكذلك التقدير في جميق معاني الانشاء كالاستفهام والتمني والتحضيض والنداء. وأما تبيين الخبر باحتمال الصدق والكذب فغير مستقيم لأنه فرع عقليته فلا يستقيم أن يجعل معرفا لئلا يؤدي إلى الدور. [إملاء ٩٢] [إعراب سحر وأمس] وقال ممليا [بدمشق سنة سبع عشرة] (١): "سحر" عند العرب جميعيهم معرب إعراب ما ر ينصرف للتعريف والعدل. و"أمس" عند أهل الحجاز مبني على الكسر، وعند بني تميم معرب إعراب ما لا ينصرف (٢). ووجهه عند بني تميم وجه الجميع في "سحر". ووحه لغة أهل الحجاز ف " أمس" أنه تضمن معنى لام التعريف فبني لتضمنه معنى الحرف (٣). وإنما

стр. 758

فرقوا بينه وبين "سحر" من جهة أن "سحر" استعمل نكرة استعمل معرفا باللام على قياس التعريف (١)، فحسن أن يقال: سحر معدول عن السحر، لأنه جار على القياس فلم يلزم فيه إلا مخالفة القياس في استعماله على غير قياسه في العتريف لا غير. ولم يحسن ذلك في "أمس" لأنه لا يقال: أمس، منكر ثم يعرف فيقال: الأمس، بل الأمس، بالألف واللام معرفا تعريفا على غير قياس، و"أمس" معرفا على غير قياس. فلو جعل معدولا عن الأمس لكان فيه مخالفة فياسين: أحدهما فيه، والآخر في المعدول عنه، فكان حمله على مخالفة قياس واحد أولى. ولذلك جاءت لغة أهل الحجاز على البناء دون الإعراب. [إملاء ٩٣] [ضابط وجوب حذف الخبر] وقال ممليا: إذل قامت قرينة تدل على خصوصية الخبر وكان معها لفظ في موضع الخبر ملتزم ذكره لموجب أوجبه وجب حذف الخبر (٢)، كقولهم: لولا زيد لكان كذا، وشبهه (٣).

стр. 759

[إملاء ٩٤] [الجواب عن سؤال لعبد القاهر الجرجاني في العطف على المنادى] وقال: قال الشيخ عبد القاهر في شرح المقدمة (١) التي وضعها سؤال صعب، وهو أن يقال: من حكم المعطوف أن يمتنع فيه ما أمتنع من المعطرف عليه، وإذا كان كذلك وجب إذ لم يصح إدخال الألف واللام على المنادى فلا يقال: يا الرجل، أن لا يقال ذلك في المعطوف عليه، وأن لا يقال ﴿يا جبال أوبي معه والطير﴾ (٢). والحواب: أن الذي أوجب جواز ذلك في المعطوف مع امتناع ذلك في المعطوف عليه أن الذي منع أن تقول: يا الرجل، ما ذكر من أن الألف واللام في الاسم للعهد (٣)، وأن تقدير العهد في المخاطب محال من حيث كان العهد يكون في ثالث هو غائب، والمعطوف على المنادى لا يدخل في الخطاب. ويكون في حكم الغيبة. تبيين ذلك أنك إذل قلت: أعنيك وزيدا، لم يدخل زيد في الخطاب وإن كان معطوفا على ضمير المخاطب، وذلك أنه لا يصح الجمع بين شيئين في الخطاب على أن يبدأ بأحدهما ويثنى بالآخر. معنى ذلك أنه لا يصح أن تقول: أنت فعلت كذا، وانت تخاطب زميدا، ثم تقول: وأنت لم تفعل كذا، وأنت تعني عمرا وتقدر خطابك زيدا بقي على حاله في حال خطابك. وإنما يجوز الجمع بين شيئين في الخطاب إذا لم تفرق فقلت: أنتما فعلتما، وما شاكل ذلك.

стр. 760

وإذا صح ذلك تبين السبب في جواز دخول الألف واللام على المعطوف على المنادى، وإن يصح دخولها على نفس المنادى. فافهمه، فهذا موضع لطيف لم ينعم أصحابنا النظر فيه. [إملاء ٩٥] [اعتراض على عبد القاهر الجرجاني في مسألة العطف على المنادى] وقال ممليا معترضا على عبد القاهر فيما ذكره من السؤال والجواب: المعنى الذي كان به الأول مخاطبا أوموجود هو في الثاني أم لا؟ فإن كان موجودا وجب أن يكون مخاطبا وبقي الا عتراض قائما. وإن لم يكن موجودا بطل أن يكون منادى لأنه هو المعنى الذي كان به الأول مخاطبا. وما توهم من أنه لا يكون مخاطب معطوفا على مخاطب، باطل بقولك: يازيد وعمرو. فإن زعم أن هذا مما يقدر فيه حرف الخطاب عدل عن المعنى الذي كان به مخاطبا إلى التقدير الذى يلزمه في المعنى في أصل المسألة، ثم هو باطل لعلمنا أن عمرا من حيث المعنى بالنسبة إلى زيد كالرجل في قولك: يا زيد والرجل، بالنسبة إلى زيد. وإذا كان كذلك وجب أن يكونا مخاطبين. وما ذكروه من أنه لا يكون مخاطبان بلفظين في جملة واحدة ليس بمطرد إلا في الضمائر قصدا للاختصار. فأما فيما لا يمكن فيه الاختصار فالضرورة تلجىء إلى العطف. ووزانه وزان امتناع قولك: جاءني زيد وزيد. ووجوبه في قولك: جاءني زيد وعمرو. ويوضح ذلك الاجماع جواز: يا هذان زيد وعمرو، وزيدا وعمر، ومعلوم أنهما مخاطبان. وإذا ثبت أن المعنى الذي كان به "زيد" مخاطبا واجب كونه في الرجل، بقي الاعتراض قائما. ولذلك أجوبة: أحدهما: لا نسلم أن حكم المعطوف حكم المعطوف عليه فيما يمتنع، بدليل قولهم: رب شاة وسخلتها بدرهم،

стр. 761

وشبهه. سلمنا ذلك، إلا أنه مخصوص بما كان عاملا في المعطوف عليه. والدليل عليه أنك تقول: ضربت زيدا ضربتين وعمرا، فلا يلزم تشريك عمرو مع زيد في الضربتين وإن لزم تشريكهما في "ضربت". إذا ثبت ذلك فليس لـ "يا" عمل فلا يلزم تشريكهما فيها. سلمنا تشريكهما فيها، إلا أن شرط جواز دخول "يا" على الثاني إذا أوليته مفقود، فلما وقع وقد فصل بينه وبين الأول حصل شرط الجواز، وأشبه قولك: يا أيها الرجل و "هذا" في: يا هذا الرجل، فقد صح إجراؤه على باب العطف فيما يمتنع فيهما. ولكن اتفق أن الثاني ههنا حصل شرط جواز دخول " يا" عليه ولم يصح فيه لو (١) أوليته. وهذا كله على التسليم في أن المعطوف يقدر العامل الأول فيه. وأما إذا قلنا بالانسحاب كالصفة وعطف البيان والتأكيد، اندفع السؤال من أصله. [إملاء ٩٦] [تعدى "حدثت" وأخواتها] وقال ممليا: "حدثت" وأخواتها (٢) التي تتعدى إلى مفعول واحد ثم تتعدى إلى ثلاثة على ما ذكره النحويون، تارة يلفظ بالثلاث (٣) المفاعيل إذا قصد تفصيل ذلك، وتارة يؤتى بلفظ دال على المفعولين فيستغنى به، ومثله قوله تعالى: ﴿يومئذ تحدث أخبارها﴾ (٤). فأن (أخبارها) ههنا قائم مقام المفعولين

стр. 762

لكون الخبر يتضمن في المعنى ما ذكر من التفصيل. و ﴿بأن ربك أوحى لها﴾ (١). من الناس من قال: بدل من (أخبارها)، ولا بعد في ذلك (٢). وذهب بعضهم إلى أن هذه (تحدث) مستثناة من قاعدة من ذكر وتتعدى إلى مفعول واحد، وليس بصحيح، وفي القرآن مثله، وهو قوله: ﴿من أنبأك هذا﴾ (٣)، فإن (هذا) قائم مقام المفعولين، كأنه قال: من أنبأك النبأ. [إملاء ٩٧] [الاعتراض على من قال: إن "عرعار" معدول عن "عرعرة "] وقال ممليا: ليس قول من قال: إن "عرعار" معدول عن "عرعرة" بمستقيم (٤)، لأن أسماء الأفعال لم تعدل عن المصادر. ولو كان ذلك كذلك، لكان قولهم: نزال، إنه معدول عن النزول، وكذلك ما أشبهه من أسماء الأفعال. [إملاء ٩٨] [اعتراض على حد بعضهم البدل] وقال ممليا: قول بعض النحويين: البدل هو إعلام السامع بمجموعي الاسم على جهة البيان من غير أن ينوى بالأول الطرح (٥).

стр. 763

فقوله: إعلام، ليس بالبدل، لا غين ولا جنس. لأن الإعلام فعل المتكلم وهو أعلمته إعلاما، فلا يكون بدلا أبدا من حيث كونه إعلاما، وهو بمعنى: جعلت الرجل عالما، أو قصدت إلى جعله عالما، وليس ذلك بالبدل. وقوله: بمجموعي الاسم، غير مستقيم. لأن مجموعي الاسم هو (١) البدل والمبدل منه جميا فيكف يحد البدل بأمر يدخل معه المبدل في الحد. وقوله: على جهة البيان، زيادة لا فائدة فيها، إذ الإعلام لا يكون إلا على جهة البيان. وقوله: من غير أن ينوى بالأول، زيادة مفسرة للحد على تقدير صحته، لأنه يخرج منه بضه، لأن البدل من جملة أنواعه بدل الغلط. فإذا قال من غير أن ينوى بالأول الطرح، خرج من جملة الحد، فلا يصير الحد شاملا فإن زعم زاعم أن الغلظ لا يقصد إلى إدخاله في الحد. قلت: تنويعهم البدل على أربعة أضرب من أدل دليل على أنه مقصود بالنوعية، فوجب إدخاله في الحد. ولو سلم أن الغلط على ما ذكرت، فليس البدل غلطا، بل هو مقصود مراد بالذكر. وإنما الغلط وقع في ذكر المبدل منه، وليس الحد للمبدل منه وإنما هو للبدل، فوجب أن يكون داخلا في الحد. ومن حده بأنه المقصود بالنسبة بعد متبوع للتوطئة والتمهيد، فلا يرد عليه إلا خروج بدل الغلط، فإنه لم يذكر المتبوع قبله للتوطئة والتمهيد إذ وقع غلطا، فكأنه توهم أنه لا يلزمه لأجل كونه غلطا. وقد بينا أنهم اتفقوا على تنويعه،

стр. 764

فوجب أن يكون داخلا في الحد. وبينا أنه ليس الغلط فيه وإنما الغلط في أمر آخر ليس هو المحدود. [إملاء ٩٩] [إعراب قولهم: تهراق الدماء] وقال ممليا: قولهم: تهراق الدماء (١). يجوز الرفع والنصب. أما الرفع فعلى من الضمير في "تهراق"، كأنه قيل: تهراق دمها، فجعل الفعل أولا لها ثم أبدل منه كما تقول: أعجبتني الجارية وجهها، وحذف الضمير للعلم به. وأما النصب فاوجهه أن يكون بفعل مقدر. كأنه لما قيل: تهراق، قيل: ما تهريق؟ فقال: تهريق الدماء، مثل: ليبك يزيد (٢)، في التقدير، وإن اختلفا في الإعراب، ومثله كثير في كلامهم. ويجوز أن يكون منصوبا على التمييز وإن كان معرفة (٣)، كما ينتصب مثل قولك: هند مهراقة الدماء، وهو كقولك: زيد حسن الوجه.

стр. 765

ويجوز أن يكون منصوبا على توهم التعدي إلى مفعول ثان، لأن الهمزة دخلت على الهاء التي هي عوض عن الهمزة التي في "أراق" فعداه بها إلى مفعول آخر كأن المعنى: جعلها غيرها مهريقة الدماء. [إملاء ١٠٠] [هل يحتاج المجاز إلى النقل ؟] وقال ممليا: الانصاف أن المجاز إن كان باعتبار الألفاظ مفردة احتاج إلى التقل، وإن كان باعتبار المعاني الحاصلة باعتبار تعدد الألفاظ مثل: طلع فجر علاه، وشابت لمة سراه (١)، وأشباهه، لم يحتج إلى النقل لما علم من استعمال العلماء م كل طائفة أمثال ذلك في تصانيفهم وخطبهم ورسائلهم وغيرها. [إملاء ١٠١] [توجيه إعراب كلمة في قولهم: وكان أجود ما يكون في رمضان] وقال ممليا بدمشق سنع أربع عشرة على قولهم (٢): " كان رسول الله ﷺ أجود ما يكون في رمضان": كل الرفع في " أجود" الثاني هو الوجه، لأنك إن جعلت في "كان" ضميرا يعود على رسول الله ﷺ لم يكن "أجود" بمجرده خبرا، لأنه مضاف إلى ما يكون، فهو كون، ولا يستقيم الخبر بالكون عما ليس بكون. ألا ترى أنك لا تقول: زيد أجود ما يكون.

стр. 766

فيجب أن يكون إما مبتدأ، خبره قوله: في رمضان، من باب قولهم: أخطب ما يكون الأمير قائما، وأكثر شربي السويق في يوم الجمعة، فيكون الخبر الجملة بكمالها، كقولك: كان زيد أحسن ما يكون في يوم الجمعة، وإمابدلا من الضمير في "كان"، فيكون من بدل الاشتمال كما تقول: كان زيد علمه حسنا. وإن جعلته ضمير الشأن تعين رفع "أجود" على الابتداء والخبر. وإن لم تجعل في "كان" ضميرا تعين الرفع أنه اسمها، والخبر محذوف قامت الحال مقامه على ما تقر في باب: أخطب ما يكون الأمير قائما (١). وإن شئت ج" في رمضان" هو الخبر كقولهم: ضربي في الدار، لأن المعنى الكون الذي هو أجود الأكوان حاصل في هذا الوقت، فلا يتعين أن يكون من باب: أخطب ما يكون الأمير قائما. [إملاء ١٠٢] [علة صرف ما لا ينصرف إذا دخلته اللام أولإضافة] وقال ممليا: إن قيل: لم انصرف ما لا ينصرف إذا دخلته اللام أو الإضافة، والعلتان باقيتان كنحو: الأحمر وأحمركم، فإن الصفة ووزن الفعل باقية (٢)؟.

стр. 767

فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: أنه منجر بالكسرة غير منصوف. وإنما انجر بالكسرة لأن الموجب للفتحة موضعها تبعها لذهاب التنوين للعلتين. فإذا كان التنوين قد ذهب لأجل اللام والإضافة انتفى موجب حذف الكسرة فبقي منجرا بالكسرة على أصله. هذا إذا قلنا: إن موجب العلتين حذف التنوين وموجب الفتحة موضع الكسرة حذف التنوين للعلتين. فأما إذا قلنا: إن موجب العلتين حذف التنوين والكسرة معا، لا أن الكسرة تبع للتنوين الذاهب للعلتين فإنه يحتاج إلى غير هذا الجواب، وهو أن يقال: لما اختص هذا الاسم بخاصة ممتزجة معه حتى صارت كالجزء، وهي من خصائص الأسماء قابلت بقوتها ذلك الشبه، فرجع الاسم إلى أصله في الصرف، ولا تنوين لتضاده مع الألف واللام، ثم حملت الاضافة على اللام لاشتراكهما في المعنى والموجب. إلا ترى أنه لا يجمع بينه وبين التنوين كاللام، وأنها توجب التعريف كاللام. فإن قيل: فينبغي على هذا أن يكون إسناد الفعل وحرف الجر ودخول "إن" موجبا (١) للصرف لأنه من خصائص الاسماء. فالجواب في ضمن ما تقدم، وهو قولنا: ممتزجة بالاسم امتزاج الجر. ويدلك على ذلك أنها لم تعمل كما عملت حروف الجر وغيرها لما لم تمتزج هذا الامتزاج. فإن قلت: إنما أوردته على الاضافة. فقد تقدم الجواب أيضا، وهو أن الاضافة أشبهت اللام بما ذكرناه، فأجريت مجراها، بخلاف غيرها.

стр. 768

[إملاء ١٠٣] [النسبة إلى ميا فارقين] وقال ممليا: إذا نسبت إلى ميا فارقين (١). فإن كان مركبا كبعلبك أو مضافا كباب عبد القيس فالنسب فيه إلى الأول (٢). وإن كان مضافا كاضافة ابن الزبير فالنسب فيه إلى الثاني (٣). فإذا نسبت إلى الأول لم يخل إما أن تقدره: فعلى أو فعل. فإن قدرته: فعلى، وهو الأولى، لقلة "فعل" فالنسب إليه إما: ميوي كحبلوي، وأما: مييي كحبلي، وبقيت الياء كما بقيتها في أمييي أو مووي، وقلبت الياء كما قلبتها في: أموي أو ميوي، وبقيتها ياء كما بقيتها في: حيوي لجواز أن يكون أصلها ياء. وإن قدرته: فعل، فالنسب إليه ميوي، بتشديد الياء كما تقول في " شلم" (٤): شلمي. واختيار أبي على تخفيف الياء على هذا الوجه غير جيد، إذ لم يثبت حذف مثل هذه الياء في النسب، وقياسه على جلولي وتحروري ضعيف لاختلافهما. وإن نسبت إلى الثاني قلت: فارقيني، كـ " نصيبيني" أو فارقي كـ " نصيبي".

стр. 769

[إملاء ١٠٤] [الفائدة من ذكر الشيخ والشيخة في قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا] وقال ممليا سنة [خمس وعشروين] (١) وقد سئل عن قوله (٢): "الشيخ والشيخة إذا زنيا فار جموهما البتة نكالا من الله ورسوله". فقيل: ما القائدة من ذكر الشيخ والشيخة، وهلا قيل: المحصن والمحصنة؟ فقال هذا من البديع في باب المبالغة، أن يعبر عن الجنس في باب الذم بالأنقص والأخس، وفي باب المدح بالكبر والأعلى. فيقال: لعن الله السارق ربع دينار فتقطع يده. والمراد: يسرق رب دينا فصاعدا، إلى أعلى ما يسرق، وقد تبالغ فتذكر ما لا يقطع به تقليلا كما في الحديث (٣): "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده". وقد علم أنه لا يقطع بالبيضة. وتأويل من اوله بيضة الحرب تأباه الفصاحة. وكذلك قول الشاعر حكاية عمن قتل تحريضا لهم على أخذ الثأر وترك الدية: فلا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم (٤)

стр. 770

وقد علم أنهم لا يأخذون الإفال والأبكر في الديات، ولكنه على ما ذكرت في الديات في تقليل ما يؤخذ وتخسيسه. وأبلغ منه قول الشاعر في مثل ذلك: حشف النخل (١) وقد علم أن حشف النخل لا يؤخذ في الدية، وهو ولا جنسه، ولكنه على ما ذكرت من قصد المبالغة. [إملاء ١٠٥] [الجواب عن سؤال في حديث: كمل من الرجال كثير] وقال ممليا وقد سئل عن قوله ﷺ (٢): كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية ابنة مزاحم، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام". هل الألف واللام لا ستغراق الجنس أو لا؟ فأجاب مفتيا بأن قال: الظاهر أن النساء في الأول لمن عدا عائشة ﵂. وأن النساء في الثاني لمن عدا مريم وآسية، فلا دلا لة فيهما على تفضيل أحد القبيلين على الآخر كقول القائل: زيد أفضل القوم، وعمرو أفضل القوم، فيه دلالة على أنهما أفضلا القوم، ولا تفصيل بمجرد ذلك لأحدهما عى الآخر

стр. 771

[إملاء ١٠٦] [الكلام في حديث: اسحللتم فروجهن بكلمة الله] وقال ممليا على قوله ﷺ (١): "استحللتم فروجهن بكلمة الله". لو كان المراد لفظ التزويج ولفظ النكاح لكان الوجه أن يقال: بكلمتي الله، إذ لا يطلق المفرد على الاثنين إلا فيما كان معلوما بالعادة كقولهم: ابصرته بعيني وسمعته بأذني. وأما نحو: اشتريته بدرهم والمراد درهمين فلا قائل به. ولو سلم صحة إطلاق المفرد ههنا على الاثنين لا متنع أيضا من جهة أنه إذا كان المراد اللفظ فاللفظ الموجود في القرآن إنما هو: انكحوهن، ونحو: ﴿إذا نكحتم االمؤمنات﴾ (٢)، و ﴿زوجناكها﴾ (٣)، ونحوه. وقد علم أنه إذا أخبر عن الكلمة باعتبار اللفظ أنه إنما يراد صورتها ولفظها مجردة عن معناها أو مع معناها. وقد علم أنه لا يقع الإنكاح بهذه الألفاظ على صورها، لا بمجردها ولا بمعناها المراد بها. ولو سلم أن الانكاح يقع بهما فيلس في اللفظ ما يشعر أنه لا استحلال إلا بذلك، ولو سلم فالعرب إذا كثر الشيء عبر عن جنسه بما كثر. ومعلوم أن الانكاح يقع بذلك غالبا، فأخرج مخرج الغالب. ولو سلم أن في اللفظ ما يشعر بالحصر، فعندنا ما يأباه، وهو أنه قد ذكر لفظ المراجعة معبرا به عن التزويج. قال الله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح

стр. 772

عليهما أن يتراجعا﴾ (١). والمعنى: فإن طلقها الزوج الثاني بعد أن طلقها الزوج الأول ثلاثا فلا جناح على الزوج الأول وعلى الزوجة المطلقة من هذا الثاني أن يتراجعا. فقد عبر بالمراجعة عن التزويج، والمراد أن يتناكحا. وذلك يأبى الحصر المسلم ظهوره فيه تقديرا. [إملاء ١٠٧] [حذف التنوين] وقال وقد قال بعض من حضر: ادعى رجل على رجل بمال فوجد بخط المدعى عليه ورقة وهو يقول فيها: له عندي ألف وتسعة عشر دينارا. فقال الحاكي: إن الحاكم توقف في الألف، هل يرجع في تفسيرها الى المقر المدعى عليه أو لا؟ فقال: يرجع في تفسيرها إليه. فقيل له: لم قدر في قولهم: له عندي ربع وثمن درهم، أن التقدير: ربع درهم وثمن درهم، بلا خلاف، فهلا كان هذا وما أشبهه كذلك فقال: وذلك أنم يقولون: ربع، ويحذفون تنوينه، وما ذاك إلا لأجل الإضافة. ولما كان في اللفظ ما يشعر بالمضاف إليه صح التقدير. وليس كذلك في قولهم: ألف وشبهه. إذ لو قيل: ألف، غير منون، لكان خطأ، إذ لا يحذف التنوين إلا بسبب من الأسباب المجوزة لحذفه (٢)، وليس هنا شيء. قيل له: فهلا جعلت التنوين هنا عوضا من المضاف إليه كما كان ذلك في قوله: ﴿وكلا وعد﴾ (٣)، وشبه. فقال: إنما كان كذلك لأن "كلا" لا تعقل

стр. 773

إلا مضافة فلما كانت كذلك جعل التنوين فيها على نحو ما ذكر، وليس كذلك ما نحن فيه. إذ هذا تستعمله مضافا وغير مضاف، فتقول: هذه ألف وألفك وألف زيد، فظهر الفرق بين هذا وذاك. [إملاء ١٠٨] [الكلام على "غدوة" وأخواتها] وقال ممليا: غدوة وبكرة وسحر وفينة، أعطوها حكم الأعلام وليست أعلاما على نحو: زيد وعمرو، إنما هي على نحو: أسامة. والذي يدل عليه صلاحيتها لغدوة كل يوم تدخله معها، وهذا هو وضع أسامة (١). إلا أنها اختصت باستعمالها في غدوة يوم معلوم في كلامك أو من قرينة. فإذا قلت: خرجت يوم الجمعة غدوة، فمدلوله غدوة يوم الجمعة، وكذلك ما أشبهه. وهذا لا يخرجه عن أن يكون كوضع أسامة لصلاحية إطلاقه على كل غدوة كصلاحية أسامة. وإنما هو لما أمكن أن يكون معينا باعتبار يوم يذكر، اشترط في استعماله ذلك ليكون كالتوفية له لما يستحقه من التعريف. والذي يدل عليه أنه علم كونهم منعوه الصرف (٢)، وما لم تقدر (٣) فيه

стр. 774

العلمية كان مصروفا ممنوعا من الصرف بغير سبب، وذلك معلوم الانتفاء من لغتهم، فوجب أن يحمل على تقدير العلمية كما فعل باب أسامة. وباب أسمامة يطلق علما للحقيقة المتصورة في الذهن ويصح إطلاقها على كل واحد باعتبار الوجود، ضرورة أن ما صلح باعتبار الذهن صالح لكل واحد مم يقع في الوجود لكونه إياه في المعنى، فجاز التعدد باعتبار الوجود لا باعتبار أصل الوضع. فالفرق بينه وبين وضع أسد، أن أسدا موضوع في أصل وضعه لواحد من آحاد هذا الجنس باعتبار أفراده، وأسامة موضوع للحقيقة الذهنية، وإطلاقه على الواحد الوجودي فرع له ضرورة مماثلته له. [إملاء ١٠٩] [تعليل قول من قال: إن عوامل الجزم لا أصل لها في العمل] وقال ممليا: لقول من قال: إن عوامل الجزم لا أصل لها في العمل، وجهان: أحدهما: أن الفعل في الإعراب غير أصل، فعوامله غير أصلية في العمل. ولا خصوصية حينئذ لعوامل (١) الجزم. الثاني هو: أن إعراب الفعل لما كان محمولا على إعراب الاسم، والاسم لا جزم فيه، كان الجزم فرعا في إعراب الفعل، فوجب أن يكون عامله أيضا فرعا، بخلاف عوامل النصب والرفع، فإن الفعل أعرب في الرفع بعامل يشبه عامل الرفع في الاسم، وفي النصب بعامل يشبه عامل النصب في الاسم وهو "أن"، وليس في الأسماء جزم، فلم يكن عامله اصلا في العوامل.

стр. 775

إلا أنه يلزم على هذا القول أن تكون وامل النصب كلها راجعة إلى "أن". فإن التزم حصل الجواب، وإن لم يلتزم وجب الاعتذار عنها، أو الا قتصار على الوجه الأول. والعذر أن يقال: إن النصب بـ "أن" أو ما أشبهها، ووجه شبهه أنه حرف مستقل في معنى لا يختص بالفعل مفيد للاستقبال كـ "أن". والمعنى الذي يختص بالفعل هو النفي في "لن" والإثبات في "إذن". و"كي" للتعليل وهو لا يختص بالفعل، ولا يلزم على هذا السين وسوف، وإن كانت مفيدة للاستقبال من حيث كانت لا استقلال لها. وإنما جيء بها مع الفعل لتفيد تعيين أحد مدلوليه الموضوع هو لكل واحد منهما، بخلاف "لن" فإنها موضوعة لمعنى مستقل وهو النفي، وضمنت معنى الاستقبال، فلا يلزم من عملها عمل السين وسوف. فإن قيل: فما ذكرتموه في "لن" موجود في "لا" فإنها للنفي متضمنة معنى الاستقبال. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهما غير لا زمة لذلك، بدليل أنك تقول: أريد أن لا تقوم، تجمع بينها وبين "أن". ولو كانت مثل "لن" لكنت جامعا بين حرفي استقبال، ولذلك لم يجز: أريد أن لن تقوم. الثاني: هو أنه لما كان الوضع محتاجا إلى حرف نفي يجامع حرف الاستقبال مما لا نفي فيه جردوا له حرفا يستعملونه استعمال ما لا استقبال فيه. فلما كان كذلك قطعوه عن العمل لكون (١) قدروا ما كان لأجله العمل كالعدم. فإن قيل: فـ "إن" وأخواتها من كلمات الشرط يلزم أن يقع النصب بها لكونها على ما ذكرتموه. فالجواب: أنها لما كانت لمعنى لا يقبله إلا الفعل جعلت عاملة لإعراب لا يقبله إلا الفعل، بخلاف "لن" فإن معناها النفي، والنفي يقبله الأسماء والأفعال.
следующие страницы →