[إملاء ١٠٦]
[الكلام في حديث: اسحللتم فروجهن بكلمة الله]
وقال ممليا على قوله ﷺ (١): "استحللتم فروجهن بكلمة الله". لو كان المراد لفظ التزويج ولفظ النكاح لكان الوجه أن يقال: بكلمتي الله، إذ لا يطلق المفرد على الاثنين إلا فيما كان معلوما بالعادة كقولهم: ابصرته بعيني وسمعته بأذني. وأما نحو: اشتريته بدرهم والمراد درهمين فلا قائل به. ولو سلم صحة إطلاق المفرد ههنا على الاثنين لا متنع أيضا من جهة أنه إذا كان المراد اللفظ فاللفظ الموجود في القرآن إنما هو: انكحوهن، ونحو: ﴿إذا نكحتم االمؤمنات﴾ (٢)، و ﴿زوجناكها﴾ (٣)، ونحوه. وقد علم أنه إذا أخبر عن الكلمة باعتبار اللفظ أنه إنما يراد صورتها ولفظها مجردة عن معناها أو مع معناها. وقد علم أنه لا يقع الإنكاح بهذه الألفاظ على صورها، لا بمجردها ولا بمعناها المراد بها. ولو سلم أن الانكاح يقع بهما فيلس في اللفظ ما يشعر أنه لا استحلال إلا بذلك، ولو سلم فالعرب إذا كثر الشيء عبر عن جنسه بما كثر. ومعلوم أن الانكاح يقع بذلك غالبا، فأخرج مخرج الغالب. ولو سلم أن في اللفظ ما يشعر بالحصر، فعندنا ما يأباه، وهو أنه قد ذكر لفظ المراجعة معبرا به عن التزويج. قال الله تعالى: ﴿فإن طلقها فلا جناح
стр. 772
عليهما أن يتراجعا﴾ (١). والمعنى: فإن طلقها الزوج الثاني بعد أن طلقها الزوج الأول ثلاثا فلا جناح على الزوج الأول وعلى الزوجة المطلقة من هذا الثاني أن يتراجعا. فقد عبر بالمراجعة عن التزويج، والمراد أن يتناكحا. وذلك يأبى الحصر المسلم ظهوره فيه تقديرا.
[إملاء ١٠٧]
[حذف التنوين]
وقال وقد قال بعض من حضر: ادعى رجل على رجل بمال فوجد بخط المدعى عليه ورقة وهو يقول فيها: له عندي ألف وتسعة عشر دينارا. فقال الحاكي: إن الحاكم توقف في الألف، هل يرجع في تفسيرها الى المقر المدعى عليه أو لا؟ فقال: يرجع في تفسيرها إليه. فقيل له: لم قدر في قولهم: له عندي ربع وثمن درهم، أن التقدير: ربع درهم وثمن درهم، بلا خلاف، فهلا كان هذا وما أشبهه كذلك فقال: وذلك أنم يقولون: ربع، ويحذفون تنوينه، وما ذاك إلا لأجل الإضافة. ولما كان في اللفظ ما يشعر بالمضاف إليه صح التقدير. وليس كذلك في قولهم: ألف وشبهه. إذ لو قيل: ألف، غير منون، لكان خطأ، إذ لا يحذف التنوين إلا بسبب من الأسباب المجوزة لحذفه (٢)، وليس هنا شيء. قيل له: فهلا جعلت التنوين هنا عوضا من المضاف إليه كما كان ذلك في قوله: ﴿وكلا وعد﴾ (٣)، وشبه. فقال: إنما كان كذلك لأن "كلا" لا تعقل
стр. 773
إلا مضافة فلما كانت كذلك جعل التنوين فيها على نحو ما ذكر، وليس كذلك ما نحن فيه. إذ هذا تستعمله مضافا وغير مضاف، فتقول: هذه ألف وألفك وألف زيد، فظهر الفرق بين هذا وذاك.
[إملاء ١٠٨]
[الكلام على "غدوة" وأخواتها]
وقال ممليا: غدوة وبكرة وسحر وفينة، أعطوها حكم الأعلام وليست أعلاما على نحو: زيد وعمرو، إنما هي على نحو: أسامة. والذي يدل عليه صلاحيتها لغدوة كل يوم تدخله معها، وهذا هو وضع أسامة (١). إلا أنها اختصت باستعمالها في غدوة يوم معلوم في كلامك أو من قرينة. فإذا قلت: خرجت يوم الجمعة غدوة، فمدلوله غدوة يوم الجمعة، وكذلك ما أشبهه. وهذا لا يخرجه عن أن يكون كوضع أسامة لصلاحية إطلاقه على كل غدوة كصلاحية أسامة. وإنما هو لما أمكن أن يكون معينا باعتبار يوم يذكر، اشترط في استعماله ذلك ليكون كالتوفية له لما يستحقه من التعريف. والذي يدل عليه أنه علم كونهم منعوه الصرف (٢)، وما لم تقدر (٣) فيه
стр. 774
العلمية كان مصروفا ممنوعا من الصرف بغير سبب، وذلك معلوم الانتفاء من لغتهم، فوجب أن يحمل على تقدير العلمية كما فعل باب أسامة. وباب أسمامة يطلق علما للحقيقة المتصورة في الذهن ويصح إطلاقها على كل واحد باعتبار الوجود، ضرورة أن ما صلح باعتبار الذهن صالح لكل واحد مم يقع في الوجود لكونه إياه في المعنى، فجاز التعدد باعتبار الوجود لا باعتبار أصل الوضع. فالفرق بينه وبين وضع أسد، أن أسدا موضوع في أصل وضعه لواحد من آحاد هذا الجنس باعتبار أفراده، وأسامة موضوع للحقيقة الذهنية، وإطلاقه على الواحد الوجودي فرع له ضرورة مماثلته له.
[إملاء ١٠٩]
[تعليل قول من قال: إن عوامل الجزم لا أصل لها في العمل]
وقال ممليا: لقول من قال: إن عوامل الجزم لا أصل لها في العمل، وجهان: أحدهما: أن الفعل في الإعراب غير أصل، فعوامله غير أصلية في العمل. ولا خصوصية حينئذ لعوامل (١) الجزم. الثاني هو: أن إعراب الفعل لما كان محمولا على إعراب الاسم، والاسم لا جزم فيه، كان الجزم فرعا في إعراب الفعل، فوجب أن يكون عامله أيضا فرعا، بخلاف عوامل النصب والرفع، فإن الفعل أعرب في الرفع بعامل يشبه عامل الرفع في الاسم، وفي النصب بعامل يشبه عامل النصب في الاسم وهو "أن"، وليس في الأسماء جزم، فلم يكن عامله اصلا في العوامل.
стр. 775
إلا أنه يلزم على هذا القول أن تكون وامل النصب كلها راجعة إلى "أن". فإن التزم حصل الجواب، وإن لم يلتزم وجب الاعتذار عنها، أو الا قتصار على الوجه الأول. والعذر أن يقال: إن النصب بـ "أن" أو ما أشبهها، ووجه شبهه أنه حرف مستقل في معنى لا يختص بالفعل مفيد للاستقبال كـ "أن". والمعنى الذي يختص بالفعل هو النفي في "لن" والإثبات في "إذن". و"كي" للتعليل وهو لا يختص بالفعل، ولا يلزم على هذا السين وسوف، وإن كانت مفيدة للاستقبال من حيث كانت لا استقلال لها. وإنما جيء بها مع الفعل لتفيد تعيين أحد مدلوليه الموضوع هو لكل واحد منهما، بخلاف "لن" فإنها موضوعة لمعنى مستقل وهو النفي، وضمنت معنى الاستقبال، فلا يلزم من عملها عمل السين وسوف. فإن قيل: فما ذكرتموه في "لن" موجود في "لا" فإنها للنفي متضمنة معنى الاستقبال. فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهما غير لا زمة لذلك، بدليل أنك تقول: أريد أن لا تقوم، تجمع بينها وبين "أن". ولو كانت مثل "لن" لكنت جامعا بين حرفي استقبال، ولذلك لم يجز: أريد أن لن تقوم. الثاني: هو أنه لما كان الوضع محتاجا إلى حرف نفي يجامع حرف الاستقبال مما لا نفي فيه جردوا له حرفا يستعملونه استعمال ما لا استقبال فيه. فلما كان كذلك قطعوه عن العمل لكون (١) قدروا ما كان لأجله العمل كالعدم. فإن قيل: فـ "إن" وأخواتها من كلمات الشرط يلزم أن يقع النصب بها لكونها على ما ذكرتموه. فالجواب: أنها لما كانت لمعنى لا يقبله إلا الفعل جعلت عاملة لإعراب لا يقبله إلا الفعل، بخلاف "لن" فإن معناها النفي، والنفي يقبله الأسماء والأفعال.
стр. 776
[إملاء ١١٠]
[نقل عن ابن كيسان في تجويزه إعمال "إن" في أي المفردين وليها]
وقال ممليا وقد قيل له: نقل عن ابن كيسان (١) النحوي أنه يجوز في "إن" أنها إن وليها أي المفردين كان عملت فيه. فيقول على هذا: إن زيدا قائم، وإن قائما زيد. فقال: يحتمل هذا مثل مذهب الأخفش في تجويزه إعمال اسم الفاعل غير معتمد. إذ يجوز: قائم زيد، على أن "قائم" مبتدأ، و"زيد" فاعل سد مسد الخبر مثل: أقائم الزيدان؟ بالإجماع. فعلى هذا "زيد" في: إن قائما زيد، فاعل سد مسد الخبر. والرد عليه كالرد على الأخفش سواء (٢).
[إملاء ١١١]
[رفع الاسم الواقع بعد لولا]
وقال ممليا وقد قيل له: إن بعض النحويين يجعل الواقع بعد "لولا" مرفوعا بالفاعلية بفعل محذوف (٣)، كأنه قال: لولا ثبت أو وجد أو حصل،
стр. 777
واختاره بعض المحققين من المتأخرين. ووجهه أنه بمعنى الشرط، فحسن تقدير الفعل معه كما في "لو". ولذلك فتحت "أن" كما فتحت في "لو" كقولك: لو أنك منطلق، فكذلك: لولا أنك قائم. قالوا: لو كان مبتدأ لوجب أن تكون "إن" في موضعه مكسورة لأنه موضع الابتداء. وهذا ليس بقوي لأن "إن" إنما تكسر في موضع ابتداء يكون خبر المبتدأ فيه خبرها ليتحقق كونه موضعا للجملة. فإما إ ... ذا وقعد في موضع يكون خبرها من تتمة المبتدأ الذي هو مفرد قواجب أن تكون مفتوحة بدليل وجوب فتحها في قولك: عندي أنك قائم، فكذلك ههنا، لأنها مع الاسم والخبر المذكور معها بتأويل المبتدأ المفرد، والخبر محذوف على حاله. ولو كسرتها لوجب أ، يكون الخبر معها خبرا للمبتدأ على تقدير عدمها، فيؤدي إلى أن يكون خبر المبتدأ بعد "لولا" واجبا حذفه واجبا إثباته أو جائزا، وهو متناقض.
[إملاء ١١٢]
[أضرب القسم باعتبار الجواب]
وقال: القسم باعتبار الجواب على ضربين: تأكيد للإخبار وتأكيد للطلب. فتأكيد الإخبار جوابه جملة خبرية بأحد الحروف: اللام وإن وحرف النفي (١). وتوكيد الطلب جوابه جملة طلبية من أمر أو نهي أو استفهام كقواك: بالله أخبرني، وبحباتك زرني (٢).
стр. 778
[إملاء ١١٣]
[رد على الفارسي في قوله: إن الأفعال الخمسة معربة ولا حرف للإعراب فيها]
وقال ممليا رادا على الفارسي في قوله: إن "يفعلون" وأخواته معرب ولا حرف إعراب فيه: والصحيح أنه معرب، وأن حرف الإعراب النون (١)، كما أن "الزيدون" معرب وأن حرف الإعراب الواو، وهو لا ينازع في ذلك. وقوله ههنا: لو كان النون حرف إعراب لما حذفت في قولك: لم يضربوا، لا يصح، فإن الضمة في قولك: لم يضرب، حركة إعراب، ومع ذلك فقد حذفت، فليس المراد بحرف الإعراب وحركة الإعراب إلا ما به يكون الاختلاف، فكذلك النون في قولك: يضربون، وشبهه، لأنه مما به الاختلاف.
[إملاء ١١٤]
[علة من اشترط وجود "فعلى" في الألف ولانون إذا كان صفة]
وقال ممليا: علة من اشترط وجود "فعلى" في الألف والنون إذا كان صفة لأن امتناع تاء التأنيث في "فعلان" إنما كان لوجود صيغة التأنيث المستغني عن تاء التأنيث. فإذا كانت لها صيغة "فعلى" حصل شبهها فاعتبر علة. ومن اعتبر
стр. 779
انتفاء "فعلانة" فلأنه هو المطلوب بوجود "فعلى". فإنه لم يعتبر وجود "فعلى" إلا ليتحقق اتتفاء دخول تاء التأنيث عليه. ألا ترى أنهم اعتبروا الألف والنون في الأعلام لما تحقق انتفاء تاء التأنيث عليه. فكذلك هنا.
[إملاء ١١٥]
[الكلام على "آنك" وشبهه]
وقال ممليا: "آنك" ليس بعربي (١). وإذا كان غير عربي فلا يرد. ولو سلم أن يكون عربيا فلا يستقيم أن يكون "أفعلا" (٢) لأنه لو كان أفعلا لوجب أن تكون ألفه منقلبة ن ياء أو واو. إذ لا ألف أصلية إلا وهي منقلبة عن ياء أو واو. وإذ كانت عن ياء أو واو وجب أن تصح فيقال: أيثك أو أونك؛ لأنه لا موجب لإ علالها، فوجب أن يكون "فاعلا". وإن كان "فاعلا" ليس من أبينتهم أيضا إلا أن ارتكابه أولى لئلا يؤدي إلى ما ذكرنه من إعلال ما لم يوجد فيه سبب الإعلال. وأما "أشد" فلا نسلم أنه مفرد، بل هو جمع (٣)، كانهم جمعوا شدة وقصدوا إلى اختلاف أنواعها فجموها بهذا الاعتبار، أي: جهات ماتحصل به القوة. وليس المراد بالشدة التي هي المصيبة، وإنما المراد الشدة التي هي القوة. و"أرز" أيضا أعجمي، فلا يرد. وأما "أسنم" فإن كان جمعا فهو الذي نقول لا يأتي إلا جمعا. وإن كان اسما علما فلا يرد، لأن الأعلام أتت أيضا في
стр. 780
باب "فالل" كقولهم: بلا كف (١) وحضاجر. لأن الأعلام قد تأتي منقولة ومر تجلة على غير قياس كلامهم. وإن كان اسما مفردا جنسا عربيا فحينئذ يرد، وبم يثبت ذلك، ولو ثبت فجوابه ما أجيب عن سرويل في ذلك الباب (٢). وأما " أبلم" (٣) فإن ثبت فلأنه فرع "أبلمة" كقولك: قمحة وقمح. هذا بعد التسليم أنه مفرد وأما إن قيل: إنه جمع فقد سقط وروده، ويجوز أن يقال: إنهم سوغوه لما كان معناه جمعا، فجرت فيه هذه الصيغة لذلك. وأما "أصبع" و"أثمد" (٤) فشاذ. و"أنملة" و"اسنمة" ليس من ذلك، لأن هذا بالهاء. فإن قالوا: الهاء لا اعتداد بها، قلنا: فلا اعتداد بها أيضا في "صياقلة"، فلا يرد. و"أذرح" (٥)، شاذ كما تقدم في الأعلام (٦).
[إملاء ١١٦]
[البدل لا يتقدم على المبدل منه ولا يفصل بينهما بالجملة]
وقال ممليا: لا يجوز أن يكون: زيدا ضربته، بدلا من الهاء في "ضربته" لوجهين: أحدهما: التقدم، إذ هو تابع. والثاني: الفصل بينهما بالجملة. ولا يجوز أن تكون الهاء بدلا من زيد للفصل بينهما بالجملة الفعلية.
стр. 781
[إملاء ١١٧]
[إطلاق الإعراب]
وقال ممليا: الإعراب يطلق على المعرب، ولا بعد في ذلك، أو على حذف مضاف، كأنه قال: الكلام على صاحب الإعراب، أو ذي الإعراب.
[إملاء ١١٨]
[الغرض من الحرف تحسين الكلام]
وقال ممليا: إن قيل: إن الحرف من مفردات الكلام، فالكلا م يحصل دونه، وهو المبتدأوالخبر أو الفعل والفاعل. فالجواب: أن المفرد على ضربين: مفرد وهو مقوم للشيء، ومفرد ليس مقوما. فالأول: ما ذكرناه من المبتدأ والخبر أو الفعل والفاعل. والثاني: الحرف، وإنما جيء به لتحسين الكلام، فسمي جزءا لهذا، ألا ترى أن القائل لو قال: الحبر يتركب من عفص (١) وزاج (٢) وقلقند (٣) وزعفران (٤) فالزعفران ههنا لم يكن إلا لتحسين الهيئة الحبرية، لا انه من مقوماته، فإنه ينفك عنه ويعقل دونه، كذلك الحرف مثل قولنا: زيد في الدار قائم. ولا شك في كون هذا وما أشبهه فضلة، فإن الكلام مستقل بدونه، وإنما جيء به لغرض آخر.
стр. 782
[إملاء ١١٩]
[الجواب عن إيراد على حذف حروف الجر]
وقال ممليا مجيبا عن إيراد بعضهم على قوله (١): حروف الجر لا تحذف إلا في مواضع تحفظ ولا يقاس عليها، قولو تعالى: ﴿واختار موسى قومه﴾ (٢): من وجهين: أحدهما: أن " اختار" تارة يتعدى بنفسه، وتارة بحرف الجر كقولك: استغفرت الله الذنب ومن الذنب، فليست (من) فيه محذوفة (٣)، وإنما هي إحدى (٤) اللغتين. الآخر: أنه معدى بنفسه، وجاءت (من) على سبيل الزيادة لا على أنه معدى بـ "من" ثم حذفت، كقولك: ما ضربت أحدا، وما ضربت من أحد.
[إملاء ١٢٠]
[الفرق بين ألفاظ العدد في التمييز وبين المشترك]
وقال ممليا: الفرق بين عشرين وشبهه من ألفاظ العدد في التمييز وبين المشترك، أن المشترك موضوع للدلالة على ذات المسمى باعتبار حقيقته. وإنما يجيء الإلباس في بعض الأحيان للجهل بالقرائن. وأسماء العدد ونحوها مما يميز لم يوضع للذات باعتبار حقيقها التي تحصل بالتمييز لا باشتراك ولا ظهور ولا تجوز. فإنه لا يفهم من عشرين إلا عشرتان من أي معدود كان. ولو أطلقها المطلق مريدا بها الدلالة على ذات الدراهم، كإطلاق
стр. 783
العين (١) في أحد مدلولية (٢) أو أطلقها بإزائه معتقدا ظهورا كظهور رجل في مسماه، أو أطلقها قاصدا التجوز بها في الدلالة على الدراهم أو غيرها معينا، كإطلاق أسد في الدلالة على الرجل الشجاع، كان مخطئا في الوجوه الثلاثة لأنها لم توضع إلا لمعدود مبهم حقيقته. فاستعمالها على غير ذلك استعمال للفظ في غير موضوعه (٣)، وهو غير مستقيم.
[إملاء ١٢١]
[الكلام في منع صرف "أجمع وجمع" وأخواتهما]
وقال ممليا: "أجمع" وأخواه (٤)، و (جمع) واخواه (٥)، مشكل منع صرفه. لأنه إن قيل في "جمع": العدل والصفة، فالعدل مسلم، والصفة غير مستقيم، لأنها من باب التوكيد، وهما بابان متغايران يتميز كل واحد منهما بخاصته، فلا يستقيم أن يكون أحدهما فرعا (٦) للآخر. فإذا بطل أن يكون صفة فالعدل وحده لا يستقيم وإن قيل: العدل والتعريف. فالتعريف المعتبر في منع الصرف هو العلمية، وهذه ليست باعلام، فلم يصح كون العلمية علة فيها. والكلام في "أجمع" فيما ينضم إلى وزن الفعل من صفة أو تعريف كالكلام في "جمع" فيما انضم إلى العدل من الصفة أو التعريف، ولا شك في إشكال ذلك.
стр. 784
والجواب أن يقال: أجمع العرب على منع صرف البابين، ولا بد من علتين. ففي "أجمع" وزن الفعل محقق، فيحتاج إلى علة أخرى. وفي "جمع" العدل التحقيقي محقق، فيحتاج إلى علة أخرى، فيجب تقديرها، وإن كان على بعد، [كما] (١) وجب التقدير في أسامة ونحوه، وإن كان على بعد. بقي أن يقال: ما المقدر مع العلم، فإنه لا بد من علة أخرى؟ فيمكن أن يقال: الصفة، باعتبار أصل المعنى (٢)، لا باعتبار الخاصة التي صيرته تأكيدا. ويمكن أن يقال: التعريف، ويمنع أن تكون العلمية مشترطة في التعريف. ويمكن أن يقال: هي أعلام باعتبار معانيها الكلية كباب أسامة، وإن كان بعيدا. ولا ينكر استعماله تابعا مع كونه علما. فقد ثبت في الإبدال وعطف البيان استعمال الا علام توابع مثل: أبو عمرة زيد، وجاو أخوك زيد. إلا أنه يستبعد من حيث كان لا يستعمل إلا تابعا، ولا شك في استبعاده. إلا أنه اغتفر لما لزم من وجوب تقدير علة أخرى، فبقي الترجيح فيما يمكن تقديره، ولم يتعين ما يكمن تقديره لتعدد المقدرات، بخلاف باب أسامة، فإنه لم يكن ثم إلا العلمية، فلذلك تعينت. ويجوز أن يقال: إن هذه الألفاظ في أصلها صفات ثم استعملت غير صفات، فكانت كأسود وأدهم (٣) باعتبار الصفة الأصلية، فلما انضمت إلى العدل وجب منع الصرف، إلا أنه ليس بمحقق كونه صفة في الأصل كأسود، إذ
стр. 785
لا يقال: مررت برجل أجمع (١) ولا بامرأة جمعاء بخلاف أسود وأدهم وأرقم، فإنه قد ثبت استعمالها صفات محققة. إلا أنه اغتفر هذا التقدير لوجوب تقدير علة [أخرى] (٢)، وكانت أولى من دعوى الصفة المحققة، لعلمنا بانتفائها، ومن كون التعريف معترا، وإن لم يكن علمية من حيث لم يثبت ذلك، ومن حيث صرح المحققون باشتراط العلمية. وأولى من دعوى العلمية فيها لكونها خارجة عن قياس العلم في المعنى والاستعمال. أما المعنى فلجريها على الشيء وشبهه، وأما الاستعمال فلزومها التبعية. وكأن هذا القول فيه جمع بين الأقاويل حسب الإمكان. فإن في إثبات الصفة في الأصل، فهو موافق لمن ادعى الوصفية. وفيه إثبات أن التعريف مشترط فيه العلمية. وفيه إثبات أنها معارف (٣). فقد حصلت الموافقة حسب الإمكان باعتبار الأقاويل الثلاثة.
[إملاء ١٢٢]
[علة عدم تقدم خبر "كاد" على اسمها]
وقال: إنما لم يتقدم خبر "كاد" على اسمها لوجهين: أحدهما: أنها من باب "عسى"، فكما لم يتقدم خبر "عسى" لا يتقدم خبرها. الثاني: أنهم لو قدموه وهو لا يكون إلا فعلا لأدى إلى تقديم خبر المبتدأ عليه وهو فعل، فكما لا يقال: يقوم زيد، على أن يكون "زيد" مبتدأ، و"يقوم" خبره وفيه ضمير فاعل،
стр. 786
فكذلك لا يقال: كاد يقوم زيد، على ذلك، لأنها إنما تدخل على مبتدأ خبره فعل مضارع، فإذا امتنع التقديم قبل دخوله امتنع بعد دخولها. والذي منع التقديم في "كاد" منع التقديم في "عسى". ألا ترى أنهم حكموا إذا قالوا: عسى أن يقوم زيد، بأن زيدا فاعل "يقوم لما تعذر عليهم تقدير التقديم، فجعلوها على استعمالين لذلك: ويمكن أن يقال: إن معنى: عسى أن يقوم زيد، قرب قيامه، ومعنى: عسى زيد أن يقوم، قارب زيد القيام. فكرهوا التقديم ليظهر الفرق بين المعنيين بذلك (١).
[إملاء ١٢٣]
[إطلاق العوامل اللفظية]
وقال ممليا: العوامل اللفظية مطلقة على "كان" وأخواتها، وعلى "ظننت وأخواتها" و"إن" وأخواتها، و"ما" الحجازية. وحرف الجر، وإن كانت لفظية أيضا، إلا أنها لما كانت تقتضي شيئا واحدا لم تعد مع تيك بخلاف ما ذكر أولا.
[إملاء ١٢٤]
[ضمير الفصل لا يجوز أن يكون توكيدا]
وقال ممليا: هو الذي هو فصل (٢)، لا جائز أن يكون تأكيدا (٣)، لأنه لو
стр. 787
كان تأكيدا لم يخل إما أن يكون لفظيا وأما أن يكون معنويا. لا جائز أن يكون لفظيا، لأن اللفظي إعادة اللفظ الأول بعينه إن كان ظاهرا، وإعادة الفظ إن أمكن، وإلا فما يدل عليه من بابه إن كان مضمرأ كقولك: مررت بك أنت، ورايتني أنا. لأنهم لما قصدوا إلى التأكيد اللفظي فيه وتعذر أن يؤتى بالمتصل من غير متصل به وجب الا نفصال. ولما لم يكن لضمير المجرور منفصل حملوه على المرفوع لأنه أخصر، فلم يقولوا مررت بك إياك، وقالوا: مررت بك أنت، كما قالوا: ما أنا كانت، لما تعذر المتصل أتوا بالمرفوع المنفصل. ولا جائز أن يكون معنويا لأي المعنوي بألفاظ تحفظ ولا يقاس عليها.
[إملاء ١٢٥]
[وجوب اشتمال الجملة الواقعة خبرا على ضمير يعود على المبتدأ]
وقال ممليا: الجملة إذا وقعت خبرا عن المبتدأ فلا بد فيها من ضمير يعود على المبتدأ (١) أما لفظا (٢) وأما تقديرا (٣). وما توهمه المتوهم من مثل: زيد أخول قائم، في أن "زيد" مبتدأ و"أخوك" قائم" جملة خبر لـ "زيد" ولا ضمير، غير مستقيم. لأن "أخوك" ليس بمبتدأ،
стр. 788
وإنما هو بدل من "زيد" أوخبر عنه، و"قائم" خبر بعد خبر. وإنما وقع الوهم حيث (١) كان " أخوك" هو "زيد" وهو على صورة المبتدأ، فتوهم أن الكلام صح مع كونه مبتدأ، وليس الأمر كما ظنه، لأن الخبر شرطه أن يكون هو الأول باعتبار الذات، أو فيه ذكر لتحصل الإفادة بينهما. لأنه لو انتفى هذان لم تحصل إفادة. ألا ترى أنك إذل قلت: حصير كتاب، أو زيد عمرو قائم، لم يكن مفيدا، وهذا الإشكال فيه فإن قيل: ضمير "قائم" في: زيد أخوك قائم، عائد على "أخوك"، و"أخوك" هو زيد، فصار في المعنى عائدا على زيد، فلم يخل المبتدأ عن أن يكون في خبره ضمير عائد إليه. فالجواب: أن الضمير إذا عاد على "أخوك" فلا يصح اعتبار عوده إلى غيره، وإن كان هو هو في المعنى، ولذلك لم يخبروا عن الضمير في "منه" في قولهم: السمن منوان منه بدرهم، لكون الضمير لواحد منهما، وهما محتاجان إلى ضميرين: فلو كان ما ذكروه معتبرا لكونه في المعنى لهما لم يمتنع الاخبار ههنا. وسر ذلك أنهما في المعنى واحد لم يقصدوا إعادته إلا على من هو له وكونه في المعنى لمدلول الأول قضية عقلية، والكلام في دلالة الألفاظ باعتبار وضعها.
[إملاء ١٢٦]
[الصواب أن نقول: حال مقيدة]
وقال ممليا: إذا قيل قي الحال في مثل قولهم: جاء زيد راكبا وشبهه: إنها حال مقيدة. فمعناه: أنها قيدت الإطلاق الذي كان يحتمله قولك: جاء زيد، لأنه يحتمل أحوالا مختلفة من الركوب والمشي وغيرهما. فإذا قلت: راكبا،
стр. 789
فقد قيدته بعد أن كان مطلقا. فيكون قولهم: مقيدة، بكسر الياء، على أنه اسم فاعل، لا مفتوحة على أنه اسم مفعول. ولا يصلح أن يقال، مقيدة، لأنها ما جيء بها لتقيد، إنما جيء به لتقيد. ولذلك قيل: ومجيئها لبيان هيئة الفاعل أو المفعول عند نسبته إليه أو وقوعه عليه. وإنما توصف بالمعنى الذي جيء بها لأجله.
[إملاء ١٢٧]
[الكلام في قلب ألف "كلا" ياء إذا أضيف إلى مضمر]
وقال ممليا: قال بعض المتقدمين: إنما قلبت الألف ياء في "كلا" إذا أضيف إلى مضمر تشبيها بقلب الألف ياء في: على وإلى ولدى، إذا اتصلت بالمضمر (١). وأجيب عن حال الرفع في "كلا" حيث لم يقولوا: كليهما، في الرفع: بأن المشبه به إنما وقع في موضع النصب أو الخفض، ولم يقع في موضع الرفع، فلذلك بقيت الألف على حالها في الرفع، وهو غير سديد، لأنه لو كان كذلك لوجب انقلاب كل ألف نحوه من نحو: الغضا والوغى واشباهها، ولا قائل به.
стр. 790
[إملاء ١٢٨]
[الجواب عن إيراد على حد الفعل]
وقال ممليا: إذا قيل في حد الفعل: ما دل على معنى في نفسه غير (١) مقترن بزمان محصل، ورد [عليه] (٢) قولنا: الماضي والمستقبل (٣)، فإنه دل على معنى في نفسه مقترن بزمان محصل، وهو اسم باتفاق. والجواب عنه: أن الماضي والمستقبل دل على نفس الزمان، والزمان غير مقترن بزمان. فإن قيل: فإذا أريد بالماضي الفعل الذي انقضى، والمستقبل الفعل الذي لم يأت، لم ينهض هذا الجواب. والجواب: أن المراد به إذا أطلق على ما ذكر الماضي زمانه والمستقبل زمانه، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، توهم أنه له. وعلى تقدير تسليم أنه له، فمدلول الماضي ذات نسب إليها عدم بعد وجود، ومدلول المستقبل أمر معلوم نسب إليه انتظار وجود، فلا دلالة فيهما على الزمان، وإن كان لا يحصل إلا بزمان مختص إلا أنه من لوازمه، لا من دلالته، كما أن الضرب ونحوه لا يكون إلا بزمان، إلا أنه من لوازمه لا من مدلوله.
[إملاء ١٢٩]
[همزة "اضرب" المنقول عن فعل الأمر إذا سمي به]
وقال ممليا: إذا سمي بـ " اضرب" المنقول عن فعل الأمر. فإن سمي به ولا ضمير فيه قلته بقطع الهمزة، فتقول: جاءني إضرب، لأنه صار كـ "إصبع"
стр. 791
وإن سميت (١) به وفيه الضمير فهو إذن فعل وفاعل، وهمزته همزة وصل على ما كانت عليه ووجه الفرق ظاهر وهو أنه صار كالأسماء، وليس في الأسماء اسم أوله همزة وصل إلا الأسماء الجارية على الأفعال كالا نطلاق والاقتدار وشبهه، والعشرة الأسماء التي هي ابن وابنة (٢).
[إملاء ١٣٠]
[العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال]
وقال ممليا: قولهم: هذا زيد قائما. إن قيل: كيف صح أن يكون العامل في الحال عن اسم الإشارة ما في معناه من معنى الإشارة مع الاتفاق على أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال؟ فإذا كان العامل في الحال معنى اسم الإشارة والعامل في صاحب الحال هنا الابتداء لم يصدق أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال لا ختلاف العاملين. فالجواب: أن اسم الإشارة له جهتان ههنا: أحدهما: أنه مبتدأ، والعامل فيه الابتداء، وليس الحال له على هذه الجهة، والثاني: أنه في المعنى مفعول لما تضمنه معنى الإشارة، فالحال له بهذ الاعتبار. ومعنى الإشارة عامل فيه بهذا الاعتبار الذي كان به صاحب الحال، وهو العامل في الحال، ققد صدق أن العامل في الحال هو العامل في صاحب الحال
стр. 792
[إملاء ١٣١]
[إعراب كلام للحريري في الملحة]
وقال ممليا: قول الحريري (١) في الملحة (٢):"حدا ونوعا، وهو التمييز عن النسبة. إذ المراد بقولك: عرفت الكلام ههنا، عرفت حد الكلام ونوعه، كما تقول: حسن زيد وجها ودارا، وأنت تعني: حسن وجه زيد وداره. ويجوز أن يكون حالا بمعنى المفعول، يعني: عرفت الكلام محدودا ومنوعا.
[إملاء ١٣٢]
[إطلاق المعاني عند النحويين]
وقال ممليا: النحويون يطلقون المعاني على الأمور النسبية والأمور الحقيقية كالقرب والبعد وما أشبه ذلك، والأمور المعقولة مثل العلم والإرادة والكلام.
[إملاء ١٣٣]
[الكلام على زعم بعض العلماء أن الفصل يفيد الحصر]
وقال ممليا على زعم بعض العلماء أن الفصل يفيد الحصر: إن له وجهين من الاستدلال: أحدهما: مثل قوله: ﴿وإن جندنا لهم الغالبون﴾ (٣).
стр. 793
فإنه لم يسق إلا للإعلام بأنهم الغالبون دون غيرهم، وكذلك. وقوله: ﴿وأن المسرفين هم أصحاب النار﴾ (١). ﴿وإن ربك لهو العزيز الرحيم﴾ (٢). وهذا معنى الحصر. والثاني: أنه لم يوضع إلا لفائدة، ولا فائدة في مثل قوله (٣): ﴿ولكن كانوا هم الظالمين﴾ (٤)، سوى الحصر (٥).
[إملاء ١٣٤]
[وجه حذف حرف الجر في باب "أن" و"أن "]
وقال ممليا: إنما حذف حرف الجر في باب: أن وأن، ولم يحذف في باب الأسد، في امتناع قولهم: إياك الأسد، بتقدير: من، لأن "أن" و"أن" حرفان موصولان بجملة معهما كالاسم، فاستطيلت مع نفي الالباس، فحذف حرف الجر معها تخفيفا، بخلاف الأسد، فإنه اسم مفرد، فلا يلزم من حذف حرف الجر فيما ذكرناه أن يحذف في باب الأسد. وقوله: مع نفي الإلباس، احتراز من مثل قولهم: عجبت من ما تصنع، فإن "ما" حرف مصدري كأن وأن، ولكنه لا يحذف منه "من"، لأنها لو حذفت عنها لالتبست بـ "ما" التي بمعنى الذي، لأن صورتها واحدة، فلما كان الحذف يؤدي إلى اللبس لم يحذف حرف الجر، وحذف فيما ذكرناه لما ذكر.
стр. 794
[إملاء ١٣٥]
[اعتراض على حد بعضهم الاسم]
وقال ممليا معترضا (١) على حد بعضهم الاسم بقوله: ما دل على المسمى دلالة بيان من غير اقتران بزمان (٢): قوله: ما دل على المسمى. إن أراد بالمسمى المعنى الذي كان به الاسم اسما، أو المعنى باعتبار اشتقاقه من الاسم، فدور، وأيضا لا حاجة الى زيادة. وإن أراد بالمسمى المدلول المطلق فالحرف كذلك. إلا أن يريد بقوله: دلالة بيان، الاستقلال بالمفهومية، فحينئذ يكون مستقيما.
[إملاء ١٣٦]
[نون الوقاية وأشباهها ليست كلمة]
وقال ممليا: نون الوقاية وأشباهها مثل حروف المضارعة وشبهها (٣)، ليست بكلمة وإنما هي كالألف في "ضارب" والميم في "مخرج" والألف في "سكرى" وغضبى" ونحو ذلك. وقد تخيل كون حروف المضارعة كلمة بعض المتأخرين، وهو غلط. والفرق بين هذه الحروف وأشباهها مما ليس بكلمة وبين الحروف التي هي كلمات أن هذه لا تدل على المعنى الذي قصد بزيادتها له إلا بسبك ما
стр. 795
انضم إليها معها (١) حتى صارت كالجزء منه. فدلالة "ضارب" على الذات التي قام بها الضرب، كدلالة "علم" وجهل" على مدلولهما. فالألف في هذا المعنى كالضاد والراء والباء، وإن حكم عليها بالزيادة. وأما الحرف الذي هو كلمة فتجد ما ينضم إليه مستقلا في دلالته قبله، وتجده أيضا موضوعا لذلك بمجرده، وإن اشترط في استعماله ذكر متعلقه. فلذلك يقهم من "زيد" في قولك": لزيد، معناه مستقلا. ويفهم من اللام على انفرادها معنى الاختصاص وإن كانت لا تستعمل إلا بمتعلقها. ولو أخرجت الألف من "ضارب" والميم من "مخرج" لم تجد معناه مستقلا فيما كان عليه. وكذلك لو أخذت الميم على انفرادها والألف على انفرادها لم تجد له معنى أصلا. فظهر الفرق بينهما بما يدخل ما هو كلمة في حد الكلمة ويخرج ما ليس بكلمة من حد الكلمة. إذ الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد (٢). وليست الألف في "ضارب" والميم من "مخرج" كذلك. وأما الباء من "بزيد" واللام من "لزيد" فدالة على معنى مفرد. وقد تبين بذلك ما هو المقصود.
[إملاء ١٣٧]
[المراد بالإسناد]
وقال ممليا: قولهم: المراد بالإسناد نسبة تفيد (٣). فإن قيل (٤): فلو قيل على هذه: العالم حادث، لمن يعلم الحدوث، لم يكن كلاما، لأنك لم تفده شيئا.
стр. 796
فالجواب: أنه ليس المراد أنها تفيد كل من يسمعها، وإنما معنى: تفيد، أي: تفيد من ليس عنده علمها. ويجوز أن يقال: إن المراد بالإفادة إفادة أن المتكلم حاكم بأحد مدلولي الجزتين على الآخر. فلا فرق على هذا بين أن يكون الخاطب عالما أو غير عالم. فإن قيل: فأين الإفادة في مثل: هل زيد قائم؟ على المعنى الأول، وعلى المعنى الثاني: فإنك على المعنى الأول لم تفد أحد هذه النسبة، إذ ليس الكلام موضوعا لإفادتها. وإنما هو سؤال عنها. وعلى المعنى الثاني لا يستفيد السامع أن المتكلم حكم بالقيام على زيد لأنه سائل عنه. فالجواب: أن النسبة حاصلة على المعنيين. أما على الأول فإن المتكلم أفاد المخاطب هذه النسبة على وجه الاستفها، فكأنه نسب قياما مستفهما عنه إلى زيد، فوزانه وزان قولك: زيد أنا مستفهم منك عن قيامه. وعلى المعنى الثاني أوضح، وهو أنه أفاد المخاطب أنه نسب الجزء المستفهم عنه إلى الآخر، فيفهم السامع أنه قام بالمتكلم قيام مستفهم عنه منسوب إلى زيد.
[إملاء ١٣٨]
[إيراد على أن المبتدأ لا يقع جملة والجواب عنه]
وقال ممليا: إن ورد على قولنا: (١) "إن المبتدأ لا يقع جملة"، قوله: ﴿سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ (٢). فإن (سواء) خبر مبتدأن مقدم، و (أأنذرتهم أم لم تنذرهم) المبتدأ، وهو جملة (٣).
стр. 797
فالجواب: أنه إنما صح الابتداء ههنا بالجملة لأنها مأولة مع حرف الاستفهام بالمصدر المعرفة. وإنما جيء بهمزة الاستفهام المعادلة لـ "أم" لإفادة تحقيق معنى التسوية على ما ذكرناه في غير موضع (١). فوزان ذلك وإن كان مخصوصا بهذا المحل وزان الجملة الواقعة مع "أن" و "ما"، كقولك: أن تحسن خير لك. فكما صح وقوع هذه الجملة مع "أن" و"ما" مبتدأ لكونه متأولا بمصدر معرفة صح وقوع هذه الجملة أيضا مبتدأ لوقوعها موقع المصدر المعرفة في المعنى.
[إملاء ١٣٩]
[علة جعل الإعراب آخر الكلمة]
وقال: إنما جعل الإعراب آخر الكلمة ولم يجعل لا أولا ولا وسطا، لأنه ليس مم تعد حركته وسكونه من بنية الكلمة، بدليل أنه محل التغير والوقف والحذف بخلاف غيره (٢). فلو وضع الإعراب في غيره لأدى إلى الإخلال بالبنية وإلى اللبس. فإنه لا يدرى حينئذ هل حركته لبناء الصيغة أو للإعراب. ويجوز أن يقال: إن الإعراب دليل معان زائدة على معقولية المدلول، فلا ينبغي أن يؤتى بها إلا بعد ثبوت ذكر المدلول، وذلك يقتضي أن يكون آخرا، لأنه لا يثبت ذكر المدلول حتى تتم صيغته. فلو جعل في أوله أو وسطه لكان دالا على شيء قبل ثبوت ما يتوقف عليه (٣).
стр. 798
[إملاء ١٤٠]
[إيراد على علة بناء "من" الموصوفة والجواب عنه]
وقال ممليا: إذا ورد على علة بناء "من" الموصوفة أنها إنما بنيت لافتقارها إلى صفتها كافتقار الموصول إلى الصلة، الأسماء التي لا تعقل إلا مضافة مثل "كل" و"بعض" وشبهه (١)، فإنها مفتقرة إلى المضاف إليه كافتقار الموصول إلى صلته. فجوابه من وجهين: أحدهما: أن كلا وبعضا ونحوهما قد ثبت لها القطع، فصح فيها، بخلاف "من" الموصوفة فإنه لم يثبت قطعها عن صفتها أصلا، فحصل الفرق بينهما باعتبار أن الملازمة ههنا لا تنفك، والملازمة ثم قد انفكت. الثاني: أن افتقار الشيء الى صفة لموصوف الموصول الذي قام الموصول مقامه. وكذلك إذا قلت: جاءني الرجل الذي ضربته، فـ "الذي" في الحقيقة صفة للرجل، ولولا "ضربته" لم تتقوم وضفيته به لأنه لم يوضع إلا ليتوصل به إلى وصف المعارف بالجمل. فأنت إذا حذفت موصوف الموصول صار الموصول قائما مقامه ونائبا منابه، فصارت الصلة لذلك صفة في المعنى له. فلما كانت "من" الموصوفة بهذه المثابة في احتياجها إلى موصوف بنيت لشبهها بالموصول.
стр. 799
[إملاء ١٤١]
[هل يقوم المفعول الثاني والثالث مقام الفاعل في باب ما لم يسم فاعله ؟]
وقال ممليا: إن قيل: ما المانع من قيام الثاني والثالث مقام الفاعل في باب ما لم يسم فاعله (١) باعتبار جهتين (٢). فالجواب عنه من وجهين: أحدهما: لا نسلم أن ثم جهتين. سلمنا أن ثم جهتين، ولكن إذا دار الأمر بين أمرين أحدهما فيه اختلاف، والآخر لا اختلافيه، فارتكاب ما لا اختلاف فيه أولى، وهذا كذلك، لأن الأمر جاء على وفقه. والنحوي إنما يعلل الواقع. فالواضع اعتبر هذا الطرف دون غيره.
[إملاء ١٤٢]
[وجه بناء "مثل" و"غير" على الفتح مع "ما" و"أن]
وقال ممليا: إنما خصت "مثل" و"غير" في بنائهما على الفتح مع "ما" و"أن" في مثل قوله: ﴿إنه لحق مثل ما أنكم﴾ (٣). وغير أن نطقت (٤)، لكثرتهما
стр. 800
في الكلام ككثرة الظروف. فلما أضيفتا إلى المبني أجريتا مجرى الظروف في جواز البناء، كما بنوا "غير" على الضم لما قطعت عن الإضافة تشبيها بالغايات، حيث قالوا: لا غير، وليس غير (١). وكان مع "ما" و"أن" المصدرتين لوقوع الجمل بعدهماز وقيل لأنهما حرفان. وعليهما الخلاف في مثل قوله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين﴾ (٢) هل هو مبني أو معرب؟ والاتفاق على البناء في مثل قوله: ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئا﴾ (٣). لأنك إن عللت بالحرف فالحرف موجود، وإن عللت بالجملة، فالجملة موجودة.
[إملاء ١٤٣]
[الفرق بين التضمن والتقدير]
وقال ممليا: الفرق بين التضمن (٤) وبين التقدير في قولنا: بني "أين"
стр. 801
لتضمنه معنى حرف الاستفهام، وضربته تأديبا، منصوب بتقدير اللام، وغلام زيد، مجرور بتقدير اللام، وخرجت يوم الجمعة، منصوب بتقدير "في"، أن التتضمن يراد به أنه في معنى المتضمن على وجه لا يصح إظهاره معه. والتقدير أن يكون على وجه يصح إظهاره معه، سواء اتفق الإعراب أو اختلف. فإنه قد يختلف في مثل قولك: ضربها يوم الجمعة، وضربته في [يوم] (١) الجمعة. وقد لا يختلف في مثل قولك: الله لأفعلن، وبالله لأفعلن. والفرق بينهما أنه إذا لم يختلف الإعراب كان مرادا وجوده، فكان جكمه حكم الموجود. وإذا اختلف الإعراب كان مرادا وجوده، فكان حكمه حكم الموجود. وإذا اختلف الإعراب كان المقدر غير مراد وجوده، فيصل الفعل إلى متعلقه فينصبه.
[إملاء ١٤٤]
[معنى قول للزمخشري في باب الحرف]
وقال ممليا وقد سئل (٢) عن قول الزمخشري في "المفرد والمؤلف" (٣) لما قسم الحرف إلى عامل وغير عامل، ثم قال بعد ذلك: "ولا محال له لجموده ولزومه وتيرة واحدة". فقال: معناه أنه لا يدل كدلالة الاسم والفعل. فإن الاسم يدل على ذات باعتبار معنى، والفعل كذلك، فإنه قد يقع موقع الاسم. ألا ترى أنك تقول: جاء زيد يضرب عمرا، فـ "يضرب عمرا" في موضع نصب على الحال. فقد صار
стр. 802
إذن دالا على ذات باعتبار معنى، ولذلك يقع صفة وخبرا، والحرف ليس كذلك. فهذا قوله: لا حال له لجموده ولزومه وتيرة واحدة.
[إملاء ١٤٥]
[المانع من وصف ضمير الغائب]
وقال ممليا: إن قيل: ما المانع من وصف ضمير الغائب؟ وذلك أنه إذا قال: جاء زيد وعمرو وخالد وضربته. فالظاهر عوده على الأقرب، ويحتمل أن يعود على غيره. فإذا قال: الكريم، وعنى به خالدا، فقد أوضحه، لأن الصفة في المعارف إنما هي للتوضيح. ألا ترى أنه إذا قال: زيد، احتمل: زيد الخياط، وزيد النجار. فإذا جاءت الصفة وضح أمره عن غيره. وهذا المعنى بعينه موجود فيما ذكرناه. فالجواب: أن المضمر المتكلم لا يستقيم فيه إيضاح لتعينه ونفي احتماله. فلم يوصف لذلك. والمخاطب والغائب قسم من اقسام المضمرات، فسلك بالجميع مسلك واحد، كما سلكوا بـ: نخرج ويخرج، مسلك: أخرج في حذف الهمزة بعد حرف المضارعة لكونها من باب واحد، لأن العلة التي حذفت لها الهمزة في "أخرج" غير موجودة في بقية أخواتها.
[إملاء ١٤٦]
[سد "أن" المشددة والمخففة مسد مفقولي "ظن" وأخواتها]
وقال ممليا: إنما سدت "أن" المشددة والمخففة منها مسد المفعولين في باب " ظننت" وأخوتها لا شتمالها على محكوم به ومحكوم عليه، وهو ما
стр. 803
تقتضيه، وتعلقه بهما في المعنى على حسب ما كان، فلم تقتض أمرا آخر (١). ومن ههنا جاز كسرها عند إدخال اللام كقولك: ظننت إن زيدا لقائم (٢). ولولا أن معناها ما ذكرناه لم يجز ذلك. ألا ترى أنك لا تقول: أعجبني أن زيد لقائم، لتعذر تقديرها في معنى الجملة المستقلة، لكونه فاعلا. ومن ههنا أيضا عطف على موضعها بالرفع (٣) وأن كانت مفتوحة لفظا، لأنها في معنى المكسورة باعتبار ما ذكرناه فتقول: ظننت أن زيدا قائم وعمرو، كما تقول: إن زيدا قائم وعمرو. ولا يجوز ذلك في المفتوحة في غيرها كقولك: أعجبتني أن زيدا قائم وعمرو، لكونها (٤) ليست في معنى الجملة.
[إملاء ١٤٧]
[وجوب اشتمال الجملة الواقعة خبرا على ضمير يعود على المبتدأ]
وقال: الجملة الواقعة خبرا عن المبتدأ لابد فيها من ضمير (٥). فأما المبتدأ والخبر في باب ضمير الشأن والقصة، مثل: هو زيد قائم، وشبه،
стр. 804
وهذه (١) جملة لا ضمر فيها. وكذلك قوله: ﴿القارعة. ما القارعة﴾ (٢). فالجواب: أما ضمير الشان فالجملة هي المبتدأ في المعنى، والضمير أتي به في مثل قولهم: زيد أبوه قائم، ليحصل الربط بين الأول والثاني، وإلا كان أجنبيا فلا يحتاج إلى ضمير. وأما: ﴿القارعة ما القارعة﴾، وضبهه، فأوقع الظاهر ههنا موقع المضمر لتعظيم الأمر مثل قولهم:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء ... نغص الموت ذا الغنى والفقيرا (٣)
[إملاء ١٤٨]
[على بناء "لدن" مع الإضافة]
وقال ممليا: إنما بنيت "لدن" مع الإضافة ولم تبن قبل وبعد إلا عند الاقتطاع (٤). لأن من جملة لغات "لدن": لد، وهي موضوعة وضع الحروف، فبنيت كما بنيت "مذ" الاسمية و"عن" الاسمية و"كم" "ومن". وليس كذلك قبل وبعد وعند، وإن كانت "لدن" بمعنى عند؛ لأن هذه لم توضع وضع الحروف (٥). ولأحكام لا تثبت بالعلل، وإنما التعليل للواقع، وهذا تعليل مناسب والحكم ثبت على وفقه فيصح التعليل به.
стр. 805
[إملاء ١٤٩]
[الجملة المنفية الواقعة حالا]
وقال ممليا: الجملة المنفية الواقعة جالا إما بما وإما بلا، وكلاهما يجوز الإتيان فيها بالواو، ويجوز أن لا يؤتي بها، إلا أن الواو مع "ما" أكثر منه مع "لا" (١). وسر ذلك أن "لا" مع المضارع كالمضارع مجردا، فأجري مجراه. ألا ترى أنك تقول: إن تكرمنى أكرمك، وإن تكرمنى لا أكرمك، بغير "ما" فيهما. ولا تقول: إن تكرمني ما أكرمك، ولا بد من الفاء لأنها لم تجعل مع المضارع لمجرد النفي حتى تنزل منزلته، ولذلك قالوا: أريد أن لا تقوم، ولم يقولوا: أريد أن ما تقوم، ونحوه.
[إملاء ١٥٠]
[الأسماء المبنية لا تنون للضرورة]
وقال ممليا: الأسماء المبنية لا تنون للضرورة، لأن التنوين فرع الإعراب وهي لا يدخلها الإعراب، فلا يدخلها التنوين. أما غير تنوين التمكين (٢)
стр. 806
فواضح، وأما تنوين التمكين فإن كان مع الإعراب فيها ففاسد، وليس هو الغرض، وإن كان مع غير الإعراب فلا يستقيم أن يكون صفة للأكملية فيما عري عن الكمال. لأن الإعراب من كمال الاسم، والتنوين من أكمليته، فيكف يستقيم أن يكون أكمل وليس بكامل؟ وأيضا فإن تنوين التمكين عبارة عما يتبع حركة الإعراب. والغرض فرض أنه باق على بنائه، فيخرج تنوين التمكين عن حقيقته.
[إملاء ١٥١]
[الوقف على الاستثناء المنقطع]
وقال: الوقف على الاستثناء المنقطع، منهم من يجوزه مطلقا، ومنهم من يمنعه مطلقا. ولو قيل: يجوز إن صرح بالخبر، ولا يجوز إن لم يصرح، لكان قويا؛ لأنه إذا صرح بالخبر استقلت الجملة واستغنت عما قبلها. وإذا لم يصرح به كانت مفتقرة إلى ما قبلها. ووجه من قال: يجوز مطلقا، أنها في معنى مبتدأ حذف خبره للدلالة عليه، فكان مثل قولك: زيد، لمن قال: من أبوك؟ ألا ترى أن تقدير المنقطع في قولك: ما في الدار أحد إلا الحمار (١)، لكن الحمار في الدار. ولو قلت: لكن الحمار، مبتدئا به بعد الوقوف على ما قبله، لكان حسنا. ألا ترى إلى جواز الوقف بالإجماع على مثل قوله: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا﴾ (٢)، والابتداء بقوله: ﴿ولكن الناس أنفسهم يظلمون﴾ (٣). فكذلك هذا.
стр. 807
ووجه من قال بالمنع ما رأى من احتياج الاستثنناء المنقطع إلى ما قبله لفظا ومعنى. أما اللفظ فلأنه لم يعهد استعمال "إلا" وما في معناها إلا متصلة بما قبلها لفظا. ألا ترى أنك إذا قلت: ما في الدار أحد غير حمار، فوقفت على ما قبل غير، وابتدأت به، لكان قبيحا، فكذلك هذا. وأما المعنى فلأن ما قبله مشعر بتمام الكلام في المعنى. ف‘ن قولك: ما في الدار أحد إلا الحمار، هو الذي صحح قولك: إلا الحمار. ألا ترى أنك لو قلت: إلا الحمار، على إنفراده، كان خطأ.
[إملاء ١٥٢]
[القياس أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة]
وقال: القياس يقتضي أن يكون المبتدأ معرفة والخبر نكرة، لأن المبتدأ هو المحكوم عليه، فالأولى أن يكون معروفا عند المخاطب ليستفيد الحكم على معروف (١). إلا أنهم سوغوه في النكرة أيضا لأنهم قد يحتاجون إلى الحكم على النكرة كما يحتاجون إليه في المعرفة. فاشترطوا أن تخصص بوجه من وجوه التخصيصات ليكونوا قد وفوا بالغرضين (٢). وأما كون الخبر نكرة فلأنه حكم لا بد أن يكون للإفادة لمن ليس عنده. فلو عوفوه لم يستقم. لأنك إذا حكمت على زيد بالقيام فقلت: زيد قائم، فلم
стр. 808
ذهبت تعرفه لوجب أن تكون الذات المنسوب إليها القيام معروفة (١)، فتكون مخبرا بما لا يفيد المخاطب. وأيضا فإنه لو صح ... ذلك لوقع التعريف ضائعا، ومن ثم وجب التقدير في مثل: زيد القائم، وزيد أخوك بأن (٢) المعنى زيد محكوم عليه بأنه القائم. وإنما يكون ذلك إذا كان المخاطب قد فهم مسمى بزيد، وفهم ذاتا منسوبا إليها القيام وهو لا يعلم بأنهما في الوجود، فإذا أخبر بذلك أفيد ماليس عنده أما لو كان الخبر بنفس قولك: القائم، لم يستفد ما ليس عنده (٣). ولا يعنون بالقياس العقلي الموجب الذي يستحيل خلافه، وإنما أرادوا القياس العقلي باعتبار الاستحسان.
[إملاء ١٥٣]
[وجه حمل النصب على الجر والجر على النصب]
وقال: إنما حمل النصب على الجر والجر على النصب، ولم يحمل واحد منهما على الرفع لأمور: أحدها: أنهما أخف من الرفع فحمل أحدهما على الآخر، ولم يحمل على الأثقل لئلا يكثر الثقل. الثاني: أنهما كلاهما في الأصل لما هو فضلة، والرفع موضوع لما هو أحد جزئي الجملة (٤)، فحمل أحدهم على الآخر لا شتراكهما في ذلك. الثالث: هو أنهما كلاهما في الأصل من متعلقات الفعل، والرفع لمتعلق الفعل في الأصل إنما هو لمن قام به، فحمل أحدهما على الآخر لاشتراكهما في ذلك (٥).
стр. 809
[إملاء ١٥٤]
[عدم جواز: جاء زيد والعاقل]
وقال: لا يجوز: جاء زيد والعاقل. لأنك إما أن تعطف العاقل باعتبار المعنى أو باعتبار الذات. فإن عطفته باعتبار الذات فسد لعدم التعدد، وإن عطفته باعتبار المعنى فسد أيضا. لأنك إنما تعطفه على الذات المنسوب إليها المجيء، فيجب أن يكون المعنى منسوبا إليه المجيء لتشريكه معه بالواو، وهو فاسد، بخلاف قولنا: جاء زيد العاقل والكريم، فإنك عطفت معنى على معنى، والمعنى الأول منسوب إلى الذات المتقدمة، فكذلك المعنى الثاني ثبت فيه ما ثبت في المعطوف عليه بخلاف قولك: جاء زيد والعاقل، لما تقدم.
[إملاء ١٥٥]
[الضمائر لا تعود إلا على الأسماء]
وقال: إنما كانت الضمائر لا تعود إلا على الأسماء، لأنها إذا عادت على شيء فإما أن تكون بمعنى ذلك أو لا، والقسمة حاصرة، وليس إلا الأسماء والأفعال والحروف. فأن كان الأول فهو المراد. وإن كان الثاني لزم أن تكون إما أفعالا وإما حروفا، وهو باطل، لأنه قد ثبت اسميتها بالدخول في حد الأسماء والخواص، وذلك غير خاف.
стр. 810
[إملاء ١٥٦]
[جواز حذف الموصوف وعدم جواز حذف الموصول]
وقال إن قيل: لم حذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، ولم يفعل ذلك في الموصول؟ فلأن الصفة تدل على الذات التي دل عليها الموصوف بنفسها وباعتبار التعريف والتنكير لأنها تابعة للموصوف في ذلك. والموصول لا ينفك عن جعل الجملة التي معه في معنى اسم معرف. فلو حذف لكانت الجملة نكرة، فيختل المعنى (١).
[إملاء ١٥٧]
[وجه جعل "أي" وصلة لنداء ما فيه الألف واللام]
وقال إنما جعلت "أي" متوصلا بها إلى نداء ما فيه الألف واللام لأنها مبهمة يصح تفسيرها بكل ما فيه الألف واللام (٢). والغرض ههنا أن يأتي ما فيه الألف واللام تفسيرا لها. فلما كانت كذلك صلحت لهذا المعنى. والذي يدل على ذلك أن أسماء الإشارة لما كانت بهذا الوصف وقعت هذا الموقع، فقيل: يا هذا الرجل، ويا هؤلاء الرجال.