← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 124910

الفتح الرباني لترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني

أحمد البنا الساعاتي

Полный текст (7 020 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

أبا هريرة يقول: ثم سجد رسول الله ﷺ سجدتين. وعنه من طريق سادس (١) ز. قال: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة العصر فسلم من ركعتين فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله ﷺ : كل ذلك لم يكن. فقال: قد كان ذلك يا رسول الله. فأقبل رسول الله ﷺ على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فأتم رسول الله ﷺ ما بقي من صلاته ثم سجد سجدتين وهو جالس. ٨٩٢ - عن عطاء أن ابن الزبير صلى المغرب فسلم في ركعتين ونهض ليستلم الحجر فسبح القوم، فقال: ما شأنكم؟ قال: فصلى ما بقي وسجد

стр. 1087

سجدتين قال: فذكر ذلك لابن عباس فقال: ما أماط (١) عن سنة نبيه ﷺ

стр. 1088

_________ وأما حديث زيد بن أرقم ﵁ فليس فيه بيان أنه قبل حديث أبي هريرة أو بعده، والنظر يشهد أنه قبل حديث أبي هريرة. وأما قولهم إن أبا هريرة ﵁ لم يشهد ذلك فليس بصحيح، بل شهوده لها محفوظ من روايات الثقات الحفاظ. ثم ذكر بإسناده ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن أبا هريرة ﵁ قال: «صلى لنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي فسلم من اثنتين» وذكر الحديث وقصة ذي اليدين، وفي رواية «صلى بنا رسول الله ﷺ »، وفي رواية في مسلم وغيره «بينا أنا أصلي مع رسول الله ﷺ » وذكر الحديث، وفي رواية في غير مسلم «بينا نحن نصلي مع رسول الله ﷺ »، قال: وقد روى قصة ذي اليدين عبد الله بن عمر ومعاوية بن حديج بضم الحاء المهملة وعمران بن حصين وابن مسعدة رجل من الصحابة ﵃ وكلهم لم يحفظ عن النبي ﷺ ولا صحبه إلا بالمدينة متأخرًا، ثم ذرك أحاديثهم بطرقها، قال: وابن مسعدة هذا رجل من الصحابة يقال له صاحب الجيوش اسمه عبد الله معروف في الصحابة له رواية، قال: وأما قولهم إن ذا اليدين قتل يوم بدر فغلط، وإنما المقتول يوم بدر ذو الشمالين، ولسنا ندافعهم أن ذا الشمالين قتل يوم بدر، لأن ابن إسحاق وغيره من أهل السير ذكره فيمن قتل يوم بدر، قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عمير بن عمرو بن عيشان من خزاعة حليف لبني زهرة، قال أبو عمر: فذو اليدين غير ذي الشمالين المقتول ببدر بدليل حضور أبي هريرة ومن ذكرنا قصة ذي اليدين، وأن المتكلم رجل من بني سليم كما ذكره مسلم في صحيحه، وفي رواية عمران بن الحصين ﵁ اسمه الخرباق ذكره مسلم، فذو اليدين الذي شهد السهو في الصلاة سليمي، وذو الشمالين المقتول ببدر خزاعي، يخالفه في الاسم والنسب، وقد يمكن أن يكون رجلان وثلاثة يقال لكل واحد منهم ذو اليدين وذو الشمالين، لكن المقتول ببدر غير المذكور في حديث السهو، هذا قول أهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه، ثم روى هذا بإسناده عن مسدد. وأما قول الزهري في حديث السهو إن المتكلم ذو الشمالين فلم يتابع عليه. (قلت: تقدم أنه توبع عليه في رواية للنسائي وإن كان فيها ضعف). قال: وقد اضطرب الزهري في حديث ذي اليدين اضطرابًا أوجب عند أهل العلم بالنقل تركه من روايته خاصة، ثم ذكر طرقه وبين اضطرابها في المتن والإسناد، وذكر أن مسلم بن الحجاج غلَّط الزهري في حديث، قال أبو عمر رحمه الله تعالى: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث الزهري في قصة ذي اليدين، وكلهم تركوه لاضطرابه، وأنه لم يتم له إسنادًا ولا متنًا وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن فالغلط لا يسلم منه بشر، والكمال لله تعالى، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 1089

٤ - باب ما يفعل من سلم وقد بقي من الصلاة ركعة ٨٩٣ - عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﵌ سلَّم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل (١) فقام إليه رجل يقال له الخرباق (٢) وكان في يده طول، فقال: يا رسول الله، فخرج إليه، فذكر له صنيعه، فجاء فقال: اصدق هذا؟ قالوا: نعم، فصلى الركعة التي ترك ثم سلم

стр. 1090

ثم سجد سجدتين ثم سلم. ٨٩٤ - عن معاوية بن حديج (١) ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى يومًا وانصرف وقد بقي من الصلاة ركعة فأدركه رجل فقال: نسيت من الصلاة ركعة، فرجع فدخل المسجد وأمر بلالاً فأقام الصلاة (٢) فصلى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس فقالوا لي: أتعرف الرجل؟ (٣) قلت: لا، إلا أن أراه، فمر بي فقلت: هو ذا. فقالوا: طلحة بن عبيد الله (٤) ﵁

стр. 1091

٥ - باب من نسي الجلوس الأول حتى انتصب قائمًا لم يرجع ٨٩٥ - عن عبد الرحمن بن الأعرج أن ابن بحينة (١) أخبره أن رسول الله ﷺ قام في الثنتين من الظهر نسي الجلوس حتى إذا فرغ من صلاته إلى أن يسلم سجد سجدتين ثم ختم بالتسليم. (وفي رواية «فلما صلى الأخريين انتظر الناس تسليمه فكبر فسجد ثم كبر فسجد ثم سلم»). وعنه من طريق ثان (٢) عن ابن بحينة أيضًا: صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة نظن أنها العصر

стр. 1092

فقام في الثانية لم يجلس، فلما كان قبل أن يسلم سجد سجدتين. (زاد في رواية «وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس») (١). ٨٩٦ - عن محمد بن يوسف مولى عثمان عن أبيه يوسف عن معاوية بن أبي سفيان ﵄ أنه صلى إمامهم فقام في الصلاة وعليه جلوس فسبح الناس فتم علي قيامه، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من نسي من صلاته شيئًا (٢) فليسجد مثل هاتين السجدتين. ٨٩٧ - عن زياد بن علاقة قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة فلما صلى ركعتين قام ولم يجلس فسبح به من خلفه (٣) فأشار إليهم أن قوموا، فلما فرغ من صلاته سلم ثم سجد سجدتين وسلم، ثم قال: هكذا صنع رسول

стр. 1093

الله ﵌. ٨٩٨ - عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: أمنا رسول الله ﷺ في الظهر أو العصر فقام فقلنا: سبحان الله. فقال: سبحان الله. وأشار بيده، يعني قوموا، فقمنا فلما فرغ من صلاته سجد سجدتين، ثم قال: إذا ذكر أحدكم قبل أن يستتم قائمًا فليجلس (١) وإذا استتم قائمًا فلا يجلس.

стр. 1094

٦ - باب ما يفعل من صلى الرباعية خمسًا ٨٩٩ - عن عبد الله (بن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ صلى الظهر خمسًا فقيل: زيد في الصلاة؟ قيل: صليت خمسًا. فسجد سجدتين (١). وعنه من طريق ثان (٢): أن النبي ﵌ صلى بهم خمسًا

стр. 1095

ثم انفتل (١) فجعل بعض القوم يوشوش إلى بعض فقالوا له: يا رسول الله صليت خمسًا؟ فانفتل فسجد بهم سجدتين وسلم وقال: إنما أنا بشر أنسى كما تنسون. ومن طريق ثالث (٢) عن علقمة عن عبد الله أن النبي ﷺ سجدهما قبل السلام، وقال مرة: إن النبي ﷺ سجد السجدتين في السهو بعد السلام (٣). ومن طريق رابع (٤) عن الأسود عن عبد الله أن النبي ﷺ صلى الظهر أو العصر خمسًا ثم سجد سجدتي السهو ثم قال رسول الله ﷺ : هاتان السجدتان لمن ظن منكم أنه زاد أو نقص (٥). ومن طريق خامس (٦) عن علقمة عن عبد الله أن رسول الله ﷺ سها في الصلاة فسجد بهم سجدتي السهو بعد الكلام (٧)

стр. 1096

٧ - باب ما جاء في السجود بعد السلام لكل سهو ٩٠٠ - عن ثوبان ﵁ (مولى رسول الله ﷺ عن النبي

стр. 1097

صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لكل سهو سجدتان بعدما يسلم (١).

стр. 1098

٩٠١ - عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﵌ صلى بهم فسها فلما سلم سجد سجدتين ثم سلم. ٩٠٢ - عن عبد الله بن جعفر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: من شك في صلاته فليسجد سجدتين بعدما يسلم.

стр. 1099

أبواب سجود التلاوة والشكر ١ - باب ما جاء في فضله وعدد مواضعه ٩٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد (١) اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله، أمر بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فعصيت فلي النار.

стр. 1100

٩٠٤ - عن أبي الدرداء ﵁ قال: سجدت مع النبي ﵌ إحدى عشرة سجدة، منهن سجدة النجم.

стр. 1101

_________ في حديث أبي هريرة دلالة على فضل سجوده التلاوة وأن فعله من أسباب دخول الجنة ورضا الرب، وإدخال الهلاك والحزن على إبليس عدو آدم وذريته وأن مصير إبليس إلى النار وبئس القرار. وفي حديث أبي الدرداء دليل على أن سجدات التلاوة إحدى عشرة سجدة، وإلى ذلك ذهب الشافعي في القديم والمالكية وأخرجوا سجدات المفصل، وهي ثلاثة كما سيأتي، وأول المفصل سورة الحجرات إلى آخر القرآن. وذهب الشافعي في الجديد وطائفة إلى أنهن أربع عشرة سجدة، منها سجدتان في الحج وثلاث في المفصل، وليست سجدة صاد منهن، وإنما هي سجدة شكر. وقال أبو حنيفة: هن أربع عشرة أثبت سجدات المفصل وسجدة صاد وأسقط السجدة الثانية من الحج. وقال الإمام أحمد وابن سريج من الشافعية وطائفة: هن خمس عشرة محتجين بحديث عمرو بن العاص المذكور آنفًا. واعلم أن أول مواضع السجود خاتمة الأعراف، وثانيها عند قوله في الرعد ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ﴾ [الرعد/١٥]، وثالثها عند قوله في النحل ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل/٥٠]، ورابعها عند قوله في بني إسرائيل ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء/١٠٩]، وخامسها عند قوله في مريم ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم/٥٨]، وسادسها عند قوله في الحج ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج/١٨]، وسابعها عند قوله في الفرقان ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان/٦٠]، وثامنها عند قوله في النمل ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل/٢٦]، وتاسعها عند قوله في ألم تنزيل ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة/١٥]، وعاشرها عند قوله في صاد ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص/٢٤]، والحادي عشر عند قوله في حم السجدة ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [فصلت/٣٧]، وبه قال مالك وطائفة من السلف وبعض الشافعية، وقال أبو حنيفة والشافعي والجمهور عند قوله ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت/٣٨]، والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر سجدات المفصل وستأتي، والخامس عشر السجدة الثاني في الحج. واحتج من نفى سجدات المفصل وهم المالكية ومن وافقهم بحديث ابن عباس عند أبي داود وابن السكن في صحيحه بلفظ «لم يسجد ﷺ في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» وفي إسناده أبو قدامة الحارث بن عبيد، ومطر الوراق وهما ضعيفان وإن كانا من رجال مسلم. قال النووي: حديث ابن عباس ضعيف الإسناد لا يحتج به. قال الشوكاني: وعلى فرض صلاحيته للاحتجاج فالأحاديث المتقدمة مثبتة وهي مقدمة على النفي، ولا سيما مع إجماع العلماء على أن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة وهو يقول في حديثه الآتي بعد أربعة أبواب «سجدت مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق/١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق/١]». فائدة: قال النووي ﵀ في (شرح مسلم): قد أجمع العلماء على إثبات سجود التلاوة، وهو عند الجمهور سنة، وعند أبي حنيفة واجب ليس بفرض. اهـ.

стр. 1102

٢ - باب ما يقال في سجدة التلاوة ٩٠٥ - عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته. ٣ - باب قراءة السجدة في الصلاة الجهرية والسرية ٩٠٦ - عن أبي رافع (١) قال: صليت مع أبي هريرة صلاة العتمة أو

стр. 1103

قال صلاة العشاء فقرأ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق/١] فسجد فيها فقلت: يا أبا هريرة «ما هذه السجدة» (١) فقال: سجدت فيها خلف أبي القاسم ﵌ فلا أزال أسجدها حتى ألقاه. ٩٠٧ - عن سليمان التيمي عن أبي مجلز عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﵌ سجد في الركعة الأولى من صلاة الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ تنزيل السجدة قال: ولم أسمعه من أبي مجلز (٢).

стр. 1104

٤ - باب إذا سجد القارئ سجد المستمع ٩٠٨ - عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﵌ يقرأ علينا السورة (١) فيقرأ السجدة في غير صلاة (٢) فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا مكانًا لموضع جبهته (٣).

стр. 1105

٩٠٩ - وعنه أيضًا قال: كان رسول الله ﵌ يعلمنا القرآن (١) فإذا مر بسجود القرآن سجد وسجدنا معه (٢).

стр. 1106

_________ في المراسيل، وقال البيهقي: رواه قرة عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وقرة ضعيف. وأخرج ابن أبي شيبة من رواية ابن عجلان عن زيد بن أسلم قال: إن غلامًا قرأ عند النبي ﷺ السجدة فانتظر الغلام النبي ﷺ فلما لم يسجد قال: يا رسول الله ليس في هذه السجدة سجود؟ قال ﷺ : بلى ولكنك كنت إمامَنا فيها، ولو سجدتَ لسجدنا. قال الحافظ في (الفتح): رجاله ثقات إلا أنه مرسل. (الأحكام) حديثا الباب مع ما ذكرنا تدل على مشروعية السجود لمن سمع الآية التي يشرع فيها السجود إذا سجد القارئ. قال ابن بطال: وأجمعوا على أن القارئ إذا سجد لزم المستمع أن يسجد. قال الشوكاني: وقد اختلف العلماء في اشتراط السماء لآية السجدة. وإلى اشتراط ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة والشافعي وأصحابه، لكن الشافعي شرط قصد الاستماع والباقون لم يشترطوا ذلك، وقال الشافعي في (البويطي): لا أؤكد على السامع كما أؤكد على المستمع. وقد روى البخاري عن عثمان بن عفان وعمران بن حصين وسلمان الفارسي أن السجود إنما شرع لمن استمع، وذلك روى البيهقي وابن أبي شيبة عن ابن عباس. اهـ. وبه قالت المالكية والحنابلة، لكن اشترط المالكية في المستمع أن يكون قاصدًا بالاستماع تعلم القراءة من القارئ أو أحكامها من إظهار وإدغام ومد وقصر وغير ذلك، أو الروايات كرواية ورش مثلاً، أو يعلم القارئ ذلك محتجين بقول ابن عمر في الحديث الثاني من الباب «كان رسول الله ﷺ يعلمنا القرآن» الخ. ولا يشترط عندهم سجود القارئ، فيسجد المستمع ولو لم يسجد القارئ كالحنفية والشافعية. واشترط الحنابلة سجود القارئ، فإن سجد القارئ سجد المستمع وإلا فلا، محتجين بحديثي الباب وبما ذكرنا بعدهما، وقد استدل بحديث ابن عمر (الثاني من حديثي الباب) القائلون بمشروعية التكبير لسجود التلاوة، لأن أبا داود رواه بلفظ «كان النبي ﷺ يقرأ علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا». قال الشوكاني: وإلى ذلك ذهبت الهادوية وبعض أصحاب الشافعي، قال أبو طالب: ويكبر بعد تكبيرة الافتتاح تكبيرة أخرى للنقل، وحكى في (البحر) عن العترة أنه لا تشهد في سجود التلاوة ولا تسليم. وقال بعض أصحاب الشافعي: بل يتشهد ويسلم كالصلاة، وقال بعض أصحاب الشافعي: يسلم قياسًا للتحليل على التحريم، ولا يتشهد إذ لا دليل. ولهم في السائر وجهان: يومئ للعذر ويسجد، إذ الإيماء ليس بسجود، وفي الاستغناء عنه بالركوع قولان: الهادوية والشافعي لا يغني، إذ لم يؤثر، وقال أبو حنيفة: يغني إذ القصد الخضوع. اهـ. قلت: ولم يذكر الشوكاني ما ذهب إليه الحنفية والمالكية والحنابلة في مشروعية تكبيرة الإحرام والتشهد والسلام في سجود التلاوة، وإليك ما ذهبوا إليه: أما المالكية والحنفية فلم يقولوا بشيء من ذلك. وأما الحنابلة فقالوا: يكبر إذا

стр. 1107

٥ - باب حجة من قال بعدم سجدات التلاوة في سور المفصل ٩١٠ - عن زيد بن ثابت ﵁ قال: قرأت على النبي ﵌ النجم فلم يسجد (١).

стр. 1108

٦ - باب حجة القائلين بمشروعية سجود التلاوة في سور المفصل ٩١١ - عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﵌ سجد بالنجم وسجد المسلمون (١) إلا رجل (٢) من قريش أخذ كفًا من تراب

стр. 1109

فرفعه إلى جبهته فسجد عليه قال: عبد الله (٢) فرأيته بعد قُتل كافرًا. ٩١٢ - عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قرأ النجم فسجد وسجد الناس معه إلا رجلين (٣) أرادا الشهرة

стр. 1110

٩١٣ - عن جعفر بن المطلب بن أبي وداعة السهمي عن أبي ﵁ قال: قرأ النبي ﷺ بمكة سورة النجم فسجد وسجد من عنده، فرفعت رأسي وأبيت أن أسجد، ولم يكن أسلم يومئذ المطلب، وكان بعد لا يسمع أحدًا قرأها إلا سجد. وعنه من طريق ثان (١) بنحوه، وفيه «فقال المطلب فلا أدع السجود فيها أبدًا». ٩١٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سجدنا مع رسول الله ﵌ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق/١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق/١].

стр. 1111

_________ وذهبت المالكية إلى عدم السجود فيها محتجين بحديث رواه أبو داود عن ابن عباس «أن رسول الله ﷺ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة» وهو ضعيف، ضعفه أئمة الحديث وتقدم في الباب الأول قول النووي إنه لا يحتج به. قلت: حديث ابن عباس لا يقاوم أحاديث الباب لصحتها وضعفه، ولكثرتها وانفراده، ولكونه نافٍ وهي مثبتة، والمثبت مقدم على النافي. فإن قيل: إن سياق أحاديث الباب يدل على أن ذلك كان بمكة وحديث ابن عباس يوافق ذلك. قلت: حديث أبي هريرة الأخير من أحاديث الباب (وهو صحيح رواه مسلم وغيره) مصرح بقوله «سجدنا مع رسول الله ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الإنشقاق/١] و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق/١] وتقدم في الباب الأول إجماع العلماء على أن إسلام أبي هريرة كان سنة سبع من الهجرة، فثبت بذلك أنه ﷺ سجد في المفصل بعد تحوله إلى المدينة، فالحق ما ذهب إليه الجمهور والله أعلم. تتمة في مسألة الغرانيق وتفسير أربع آيات من قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ [الحج/٥٢] إلى قوله ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج/٥٥] لحكيم الإسلام الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ﵀ وجعل الجنة مأواه قال رحمه الله تعالى في ذيل كتابه (تفسير الفاتحة) بعد المقدمة ما نصه: يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهي (القرآن) ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي وقدوة البشر في الفضائل وصالح الأعمال، وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم، وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم، ولا يخفى على أحد من أهل النظر في هذا الدين القيوم أنه قد قرر عصمة الرسل كافة من الزلل في التبليغ والزيغ عن الوجهة التي وجه الله وجوههم نحوها من قول أو عمل، وخص خاتمهم محمدًا ﵌ فوق ذلك بمزايا فصلت في ثنايا الكتاب العزيز. عصمة الرسول في التبليغ عن الله أصل من أصول الإسلام، شهد به الكتاب وأيدته السنة وأجمعت عليه الأمة، وما خالف فيه بعض الفرق فإنما هو في غير الإخبار عن الله وإبلاغ وحيه إلى خلقه، ذلك الأصل الذي اعتمدت عليه الأديان حق لا يرتاب فيه مليّ يفهم ما معنى الدين، مع ذلك لم يعدم الباطل في أعوانًا يعملون على هدمه وتوهين ركنه أولئك عشاق الروايات وعبدة النقل، نظروا نظرة في قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ

стр. 1112

_________ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج/٥٢] الآية وفيما روي عن ابن عباس ﵄ من أن «تمنى» بمعنى قرأ والأمنية القراءة، فعمي عليهم وجه التأويل الحق على فرض صحة الرواية عن ابن عباس، فذهبوا يطلبون ما به يصح التأويل في زعمهم، فقيض لهم من يروي في ذلك أحاديث تختلف طرقها وتتباين ألفاظها، وتتفق في أن النبي ﷺ عندما بلغ منه أذى المشركين ما بلغ وأعرضوا عنه وجفاه قومه وعشيرته لعيبه أصنامهم وزرايته على آلهتهم أخذه الضجر من إعراضهم، ولحرصه على إسلامهم وتهالكه عليه تمنى أن لا ينزل عليه ما ينفرهم لعله يتخذ ذلك طريقًا إلى استمالتهم واستنزالهم عن غيرهم وعنادهم، فاستمر به ما تمناه حتى نزلت عليه سورة ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم/١] وهو في نادي قومه، وروي أنه كان في الصلاة وذلك التمني أخذ بنفسه فطفق يقرؤها فلما بلغ قوله ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم/٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته التي تمناها بأن وسوس له بما شيعها به فسبق لسانه على سبيل السهو والغلط فمدح تلك الأصنام وذكر أن شفاعتهن ترتجى، فمنهم من قال: إنه عندما بلغ ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم/٢٠] سهى فقال: «تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى» ومنهم من روى «الغرانقة العلى» ومنهم من روى «إن شفاعتهن ترتجى» بدون ذكر الغرانقة والغرانيق، ومنهم من قال إنه قال: «وإنها لمع الغرانيق العلى» ومنهم من روى «وإنهن لهن الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لهي التي ترتجى» ففرح المشركون بذلك، وعندما سجد في آخر السورة سجدوا معه جميعًا. قال ابن حجر العسقلاني: وتعدد الطرق وصحة ثلاثة منها وإن كانت مرسلة يدل على أن للواقعة أصلاً صحيحًا، وهذه الأسانيد الصحيحة (في رأيه) وإن كانت مراسيل يحتج بها من يرى الاحتجاج بالحديث المرسل بل ومن لا يراه كذلك، لأنها متعددة يعضد بعضها بعضًا. اهـ. ولولا خوف التطويل لأتيت بجميع تلك الروايات ما صح عنده منها وما لم يصح، ولكن لا أرى حاجة إليه في مقالي هذا. روى ذلك ابن جرير الطبري وشايعه عليه كثير من المفسرين. وفي طباع الناس إلف الغريب، والتهافت على العجيب، فولعوا بهذه التفاسير، واتخذوها عقدة إيمانهم حتى ظنوا (وبعض الظن إثم) أن لا معدل عنها، ولا سبيل في فهم الآية سواها، ونسوا ما رآه جمهور المحققين في تأويلها، وذهب إليه الأئمة في بيانها حتى ثارت ثائرة الشبه هذه الأيام في نفوس كثير منهم وهم يزعمون أنهم مسلمون، وأحسوا أن ذلك الضرب من التفسير لا يتفق مع أصل العصمة في التبليغ فيه من الحجة للعدو ما لا سبيل إلى دفعه، فلجئوا إلى أهل العلم الصحيح يلتمسون منهم بيان المخرج مما سقطوا فيه، وتوهموا أنهم يقررون لهم ما ألفوا ثم ينقذونهم من الحيرة مع ثباتهم على ما حرفوا، ولكن ضل رأيهم وخاب ظنهم وسيقامون على المنهج، ويرون الحق ناصعًا

стр. 1113

_________ أبلج. في صحيح البخاري: وقال ابن عباس ﴿إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [الحج/٥٢] إذا حدث، ألقى الشيطان في حديثه فيبطل الله ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته، ويقال: أمنيته قراءته ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة/٧٨] يقرئون ولا يكتبون. اهـ. فتراه حكى تفسير الأمنية بالقراءة بلفظ «يقال» بعدما فسرها بالحديث رواية عن ابن عباس. وهذا يدل على المغايرة بين التفسيرين. فما يدعيه الشراح أن الحديث في رأي ابن عباس بمعنى التلاوة يخالف ظاهرة العبارة. ثم حكايته تفسير الأمنية بمعنى القراءة بلفظ «يقال» يفيد أنه غير معتبر عنده. (وسيأتي أن المراد بالحديث حديث النفس). وقال صاحب (الإبريز): إن تفسير تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة، مروي عن ابن عباس في نسخة علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، ورواها على ابن صالح كاتب الليث عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وقد علم ما للناس في ابن صالح كاتب الليث وأن المحققين على تضعفيه. اهـ. هذا ما في الرواية عن ابن عباس، وهي أصل هذه الفتنة، وقد رأيت أن المحققين يضعفون راويها. وأما قصة الغرانيق فمع فما فيها من الاختلاف الذي سبق ذكره جاء في تتميمها أن النبي ﷺ لم يفطن لما ورد على لسانه وأن جبريل جاءه بعد ذلك فعرض عليه السورة فلما بلغ الكلمتين قال له: ما جئتك بهاتين فحزن لذلك، فأنزل الله عليه ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج/٥٢] الآيات تسلية له كما أنزل لذلك قوله ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (٧٣) وَلَوْلا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (٧٤) إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء/٧٣ - ٧٥] وفي بعض الروايات أن حديث الغرانيق فشا في الناس حتى بلغ أرض الحبشة فساء ذلك المسلمين والنبي ﷺ فنزلت ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ الآية. قال القسطلاني في (شرح البخاري): وقد طعن في هذه القصة وسندها غير واحد من الأئمة، حتى قال ابن إسحاق وقد سئل عنها: هي من وضع الزنادقة. اهـ. وكفى في إنكار حديث أن يقول فيه ابن إسحاق أنه من وضع الزنادقة مع حال ابن إسحاق المعروفة عند المحدثين. وقال القاضي عياض: إن هذا حديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه أحد بسند متصل سليم، وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب، والمتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم. ثم نقل عن أبي بكر بن العلاء ما يدل على سقم الرواية واضطراب الرواة فيها وما يقضي عليها بالوهن والسقوط عن درجة الاعتبار. وقال الإمام أبو بكر بن العربي، وكفى به حجة في الرواية والتفسير: إن جميع ما ورد في هذه القصة لا أصل له. قال القاضي عياض: والذي ورد في الصحيح أن النبي ﷺ قرأ ﴿وَالنَّجْمِ﴾ وهو بمكة فسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس. اهـ. وقد يكون ذلك لبلاغة السورة وشدة قرعها وعظم وقعها، ثم قال القاضي: قد

стр. 1114

_________ قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته ﷺ ونزاهته عن هذه الرذيلة، أما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح آلهة غير الله وهو فكر، أو أن يتسود عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ويعتقد النبي ﷺ أن من القرآن ما ليس منه حتى يفهمه جبريل ﵇، وذلك ممتنع في حقه ﷺ ، أو يقول ذلك النبي ﷺ من قبل نفسه عمدًا وذلك كفر، أو سهوًا وهو معصوم من هذا كله، وقد قررنا بالبراهين والإجماع عصمته ﷺ من جريان الكفر على لسانه أو قلبه لا عمدًا ولا سهوًا، أو أن يشتبه عليه ما يلقيه الملك بما يلقي الشيطان، أو يكون للشيطان عليه سبيل، أو أن يتقول على الله لا عمدًا ولا سهوًا ما لم ينزل عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ﴾ [الحاقة/٤٤ - ٤٦] وقال: ﴿إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء/٧٥]. ووجه ثان: وهو استحالة هذه القصة نظرًا وعرفًا، وذلك أن هذا الكلام لو كان كما روي لكان بعيد الالتئام، متناقض الأقسام، ممتزج المدح بالذم، متخاذل التأليف والنظم، ولكان النبي ﷺ ومن بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ممن يخفى عليه ذلك، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل، فكيف بمن رجح حلمه واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام عمله. ووجه ثالث: أنه علم من عادة المنافقين ومعاندة المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين نفورهم لأول وهلة وتخليط العدو على النبي ﷺ لأقل فتنة، وتعييرهم المسلمين والشماتة بهم الفينة بعد الفينة (١) وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة، ولم يحك أحد في هذه القصة شيئًا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل، ولو كان ذلك لوجدت قريش بها على المسلمين الصولة، ولأقامت بها اليهود عليهم الحجة كما فعلوا مكابرة في قصة الإسراء، قال: ولا فتنة أعظم من هذه البلية لو وجدت، ولا تشغيب (٢) للمعادي حينئذ أشد من هذه الحادثة لو أمكنت، وما ورد عن معاند فيها كلمة ولا عن مسلم بسببها بنت شفة فدل على بطلها، واجتثاث أصلها، ولا شك في إدخال بعض شياطين الإنس والجن هذا الحديث على بعض مغفلي المحدثين ليلبس به على ضعفاء المسلمين. ووجه رابع: ذكر الرواة لهذه القصة أن فيها نزلت ﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء/٧٣] الآيتان - هاتان الآيتان تردان الخبر الذي رووه، لأن الله تعالى ذكر أنهم كادوا يفتنونه حتى يفتري، ولوا أن ثبته لكاد يركن إليهم شيئًا قليلاً، فمضمون هذا ومفهومه أن الله عصمه من أن يفتري، وثبته حتى لم يركن إليهم قليلاً، فكيف كثيرًا وهم يروون في أخبارهم الواهية أنه زاد على الركون والافتراء بمدح آلهتهم، وأنه ﷺ قال: «افتريت على الله وقلت ما لم يقل»

стр. 1115

_________ وهي تضعف الحديث لو صح، فكيف ولا صحة له؟ وهذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ﴾ [النساء/١١٣] قال القشيري: ولقد طالبه قريش وثقيف إذ مر بآلهتهم أن يقبل لوجهه إليها ووعدوه الإيمان به إن فعل، فما فعل ولا كان ليفعل. قال ابن الأنباري: ما قارب الرسول ولا ركن. انتهى المطلوب من كلام القاضي ﵀. وقد أورد بعد ذلك كثيرًا من القول في توهين الرواية وتكذيبها. أما ما ذكره ابن حجر من أن القصة رويت مرسلة من ثلاث طرق على شرط الصحيح وأنه يحتج بها الخ ما سبق، فقد ذهب عليه كما قال في (الإبريز) أن العصمة من العقائد التي يطلب فيها اليقين، فالحديث الذي يفيد خرمها ونقضها لا يقبل على أي وجه جاء، وقد عد الأصوليون الخبر الذي يكون على تلك الصفة من الأخبار التي يجب القطع بكذبها، هذا لو فرض اتصال الحديث فما ظنك بالمراسيل، وإنما الخلاف في الاحتجاج بالمرسل (١) وعدم الاحتجاج به فيما هو من قبيل الأعمال وفروع الأحكام، لا في أصول العقائد ومعاقد الإيمان بالرسل وما جاءوا به فهي هفوة من ابن حجر يغفرها الله له. هذا ما قاله الأئمة جزاهم الله خيرًا في بيان فساد هذه القصة، وأنها لا أصل لها، ولا عبرة برأي من خالفهم، فلا يعتد بذكرها في بعض كتب التفسير وإن بلغ أربابها من الشهرة ما بلغوا، وشهرة المبطل في بطله لا تنفخ القوة في قوله ولا تحمل على الأخذ برأيه. (تفسير الآيات) والآن أرجع إلى تفسير الآيات على الوجه الذي تحتمله ألفاظها وتدل عليه عباراتها والله أعلم. لا يخفى على كل من يفهم اللغة العربية، وقرأ شيئًا من القرآن أن قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج/٥٢] الآيات، يحكي قدرًا قُدِّرَ للمرسلين كافة لا يعدونه، ولا يقفون دونه، ويصف شنشنة عُرفت فيهم وفي أممهم، فلو صح ما قال أولئك المفسرون لكان المعنى أن جميع الأنبياء والمرسلين قد سلط الشيطان عليهم، فخلط في الوحي المُنَزَّل إليهم، ولكنه بعد هذا الخلط ينسخ الله كلام الشيطان ويحكم الله آياته ... إلخ، وهذا من أقبح ما يتصور متصور في اختصاص الله تعالى لأنبيائه، واختيارهم من خاصة أوليائه، فلندع هذا الهذيان ولنعد إلى ما نحن بصدده. ذكر الله لنبيه حالاً من أحوال الأنبياء والمرسلين قبله ليبين له سنته فيهم، وذلك بعد أن

стр. 1116

_________ قال: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ [الحج/٤٢ - ٤٤] إلى آخر الآيات، ثم قال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الجَحِيمِ (٥١) وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ [الحج/٤٩ - ٥٢] ... إلخ، فالقصص السابق كان في تكذيب الأمم لأنبيائهم، ثم تبعه الأمر الإلهي بأن يقول النبي ﷺ لقومه: إنني لم أرسل إليكم إلا لأنذركم بعاقبة ما أنتم عليه، ولأبشر المؤمنين بالنعيم، وأما الذين سعوا في الآيات والأدلة التي أقيمها على الهدى وطرق السعادة ليحولوا عنها الأنظار، ويحجبوها عن الأبصار، ويفسدوا أثرها الذي أقيمت لأجله، ويعاجزوا بذلك النبي ﷺ والمؤمنين، أي يسابقونهم ليعجزوهم ويسكتوهم عن القول، وذلك بلعبهم بالألفاظ وتحويلها عن مقصد قائلها كما يقع عادة من أهل الجدل والمماحكة، هؤلاء الضالون المضلون هم أصحاب الجحيم، وأعقب ذلك بما يفيد أن ما ابتُلي به النبي ﷺ من المعاجزة في الآيات قد ابتُلي به الأنبياء السابقون، فلم يبعث نبي في أمة إلا كان له خصوم يؤذونه بالتأويل والتحريف، ويضادون أمانيه، ويحولون بينه وبين ما يبتغي بما يلقون في سبيله من العثرات، فعلى هذا المعنى الذي يتفق مع ما لقيه الأنبياء جميعًا يجب أن تفسر الآية، وذلك يكون على وجهين: الأول: أن يكون تمنى بمعنى قرأ، والأمنية بمعنى القراءة، وهو معنى قد يصح، وقد ورد استعمال اللفظ فيه، قال حسان بن ثابت في عثمان ﵄: تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حِمَام المقادر وقال آخر: تمنى كتاب الله أول ليله ... تمنى داود الزبور على رسل غير أن الإلقاء لا يكون على المعنى الذي ذكروه، بل المعنى المفهوم من قولك (ألقيت في حديث فلان) إذا أدخلت فيه ما ربما يحتمله لفظه، ولا يكون قد أراده، أو نسبت إليه ما لم يقله تعللاً بأن ذلك الحديث يؤدي إليه. ونسبة الإلقاء إلى الشيطان، لأنه مثير الشبهات بوساوسه، مفسد القلوب بدسائسه، وكل ما يصدر من أهل الضلال يصح أن ينسب إليه ويكون المعنى: وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا حدَّث قومه عن ربه، أو تلا وحيًا أُنزل إليه فيه هدًى لهم قام في وجهه مشاغبون يحوِّلون ما يتلوه عليهم عن المراد منه، ويقولون عليه ما لم يقله، وينشرون ذلك بين الناس؛ ليبعدوهم عنه، ويعدلوا بهم عن سبيله، ثم يحق الله الحق ويبطل الباطل،

стр. 1117

_________ ولا يزال الأنبياء يصبرون على ما كُذِّبوا وأوذوا، ويجاهدون في الحق، ولا يعتدَّون بتعجيز المعجزين، ولا بهزء المستهزئين، إلى أن يظهر الحق بالمجاهدة، وينتصر على الباطل بالمجالدة، فينسخ الله تلك الشبهة، ويجتثها من أصولها، ويثبت آياته ويقررها، وقد وضع الله هذه السنة في الناس ليتميز الخبيث من الطيب، فيفتتن الذين في قلوبهم مرض -وهم ضعفاء العقول- بتلك الشبه والوساوس، فينطلقون وراءها، ويفتتن بها القاسية قلوبهم من أهل العناد والمجاحدة فيتخذونها سندًا يعتمدون عليها في جدلهم، ثم يتمحص الحق عند الذين أوتوا العلم، ويخلص لهم بعد ورود كل شبهة عليه، فيعلموا أنه الحق من ربك، فيصدِّقوا به فتخبت وتطمئن له قلوبهم. والذين أوتوا العلم هم الذين رزقوا قوة التمييز بين البرهان القاطع الذي يستقر بالعقل في قرارة اليقين، وبين المغالطات وضروب السفسطة التي تطيش بالفهم، وتطير به مع الوهم، وتأخذ بالعقل تارة ذات الشمال وأخرى ذات اليمين. وسواء أرجعت الضمير في ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [الحج/٥٤]: إلى ما جاءت به الآيات المحكمة من الهدى الإلهي، أو إلى القرآن وهو أجلها، فالمعنى من الصحة على ما يراه أهل التمكين. هؤلاء الذين أوتوا العلم هم الذين آمنوا، وهم الذين هداهم الله إلى الصراط المستقيم، ولم يجعل للوهم عليهم سلطانًا، فيحيد بهم عن ذلك النهج القويم، وأما الذين كفروا وهم ضعفاء العقول ومرضى القلوب، أو أهل العناد وزعماء الباطل وقساة الطباع الذين لا تلين أفئدتهم، ولا تبش للحق قلوبهم، فأولئك لا يزالون في ريب من الحق أو الكتاب لا تستقر عقولهم عليه، ولا يرجعون في متصرفات شئونهم إليه، حتى تأتي ساعة هلاكهم بغتة، فيلاقون حسابهم عند ربهم، أو إن امتد بهم الزمن، ومادَّهم الأجل، فسيصيبهم ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾ [الحج/٥٥] يوم حرب يسامون فيه سوء عذاب القتل أو الأسر، ويقذفون إلى مطارح الذل وقرارات الشر، فلا ينتج لهم من ذلك اليوم خير ولا بركة، بل يسلبون ما كان لديهم، ويساقون إلى مصارع الهلكة، وهذا هو العقم في أتم معانيه وأشأم درجاته. ما أقرب هذه الآيات في مغازيها إلى قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران/٧] وقد قال بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران/١٠] ثم قال: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ﴾ [آل عمران/ ١٢] ... إلخ الآيات، وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى، فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم فيقولون: آمنا به كل من

стр. 1118

_________ عند ربنا. فتخبت له قلوبهم، وإن الله لهاديهم إلى صراط مستقيم، وأولئك هم الذين يفتنون بالتأويل، ويشتغلون بقالٍ وقيل، بما يلقي إليهم الشيطان، ويصرفهم عن مرامي البيان، ويميل بهم عن محجة الفرقان، وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد لن يغني عنهم من الله شيئًا، فستوافيهم آجالهم، وتستقبلهم أعمالهم، فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم، فسيغلبون في هراشهم (١). وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم، وسبيل الحق مع الباطل من يوم رفع الله الإنسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه، وبين ما يستبقيه وما يذهب ببقائه، وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران لا مدخل لها في آيات سورة الحج. هذا هو الوجه الأول في تفسير آيات ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ [الحج/٥٢] إلى آخرها على تقدير أن تمنَّى بمعنى قرأ، وأن الأمنية بمعنى القراءة والله أعلم. الوجه الثاني في تفسير الآيات: إن التمني على معناه المعروف، وكذلك الأمنية وهي أفعولة بمعنى المنية وجمعها أماني كما هو مشهور، قال أبو العباس أحمد بن يحيى: التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون، قال: والتمني سؤال الرب، وفي الحديث «إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه» وفي رواية «فليكثر» (٢). قال ابن الأثير: التمني تشهي حصول الأمر المرغوب فيه، وحديث النفس بما يكون وما لا يكون. وقال أبو بكر: تمنيت الشيء أي قدرته وأحببت أن يصير إلي. وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه فهو يرجع إلى ما ذكرنا ويتبعه معنى الأمنية. ما أرسل الله من رسول ولا نبي ليدعو قومًا إلى هدًى جديد، أو شرع سابق شرعه لهم، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولاً، أو جاء به غيره إن كان نبيًّا ليحمل الناس على اتِّباع من سبقه إلا وله أمنية في قومه، وهي أن يتبعوه وينحازوا إلى ما يدعوهم إليه، ويستشفوا ممن دائهم بدوائه، ويعصوا أهواءهم بإجابة ندائه، وما من رسول إلا وقد كان أحرص على إيمان أمته، وتصديقهم برسالته - منه على طعامه الذي يطعم، وشرابه الذي يشرب، وسكنه الذي يسكن إليه، ويغدو عنه ويروح عليه، وقد كان نبينا ﷺ من ذلك في المقام الأعلى، والمكان الأسمى، قال الله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفاً﴾ [الكهف/٦] وقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف/١٠٣] وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس/٩٩] وفي الآيات ما يطول سرده مما يدل على أمانيه ﷺ بهداية قومه وإخراجهم من ظلمات ما كانوا فيه إلى نور ما جاء به. وما من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى هذه الأمنية السامية ألقى الشيطان في سبيله العثرات، وأقام بينه وبين مقصده العقبات، ووسوس في صدور الناس، وسلبهم الانتفاع بما وُهبوا من قوة العقل والإحساس، فثاروا في وجهه، وصدوه عن قصده، وعاجزوه

стр. 1119

_________ حتى لقد يعجزونه، وجادلوه بالسلاح والقول حتى لقد يقهرونه، فإذا ظهروا عليه والدعوة في بدايتها وسهل عليهم إيذاؤه وهو قليل الأتباع ضعيف الأنصار - ظنوا الحق من جانبهم، وكان فيما ألقوه من العوائق بينه وبين ما عمد إليه فتنة لهم. غلبت سنة الله في أن يكون الرسل من أواسط قومهم، أو من المستضعفين فيهم؛ ليكون العامل في الإذعان بالحق محض الدليل وقوة البرهان، وليكون الاختيار المطلق هو الحامل لمن يدعى إليه على قبوله، ولكيلا يشارك الحق الباطل في وسائله، أو يشاركه في نصب شراكه وحبائله، أنصار الباطل في كل زمان هم أهل الأنفة والقوة والجاه والاعتزاز بالأموال والأولاد والعشيرة والأعوان والغرور بالزخارف، والزهو بكثرة المعارف، وتلك الخصال إنما تجتمع كلها أو بعضها في الرؤساء وذوي المكانة من الناس فتذهلهم عن أنفسهم، وتصرف نظرهم عن سبيل رشدهم، فإذا دعا إلى الحق داعٍ عرفته القلوب النقية من أوضار هذه الفتن، وفزعت إليه النفوس الصافية والعقول المستعدة لقبوله بخلوصها من هذه الشواغل، وقلما توجد إلا عند الضعفاء وأهل المسكنة، فإذا التف هؤلاء حول الداعي وظافروه على دعوته قام أولئك المغرورون يقولون: ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود/٢٧]. فإذا استدرجهم الله على سنته وجعل الجدال بينهم وبين المؤمنين سجالاً، افتتن الذين في قلوبهم مرض من أشياعهم، وافتتنوا هم بما أصابوا من الظفر في دفاعهم، ولكن الله غالب على أمره، فيمحق ما ألقاه الشيطان من هذه الشبهات، ويرفع هذه الموانع وتلك العقبات، ويهب السلطان لآياته فيحكمها، ويثبت دعائمها، وينشئ من ضعف أنصارها قوة، ويخلف لهم من ذلتهم عزة، وتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الشيطان هي السفلى، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ [الرعد/١٧]. وفي حكاية هذه السنة الإلهية التي أقام عليها الأنبياء والمرسلين تسلية لنبينا ﷺ عما كان يلاقي من قومه، وعدٌ له بأن سيكمل له دينه، ويتم عليه وعلى المؤمنين نعمته، مع استلفاتهم إلى سيرة من سبقهم ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت/٢ - ٣]، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة/٢١٤]. هذا هو التأويل الثاني في معنى الآية، ويدل عليه ما سبق من الآيات، ويرشد إليه سياق القصص السابق في قوله: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [الحج/٤٢] الخ، وأنت ترى أن قصة الغرانيق لا تتفق مع هذا المعنى الصحيح. وهناك تأويل ثالث ذكره صاحب (الإبريز)، وإني أنقله بحروفه وما هو بالبعيد

стр. 1120

_________ عن هذا بكثير، قال بعد ذكر أماني الأنبياء في أممهم وطمعهم في إيمانهم، وشأن نبينا ﷺ في ذلك على نحو يقرب مما ذكرناه في الوجه الثاني: «ثم الأمة تختلف كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ﴾ [البقرة/٢٥٣] فأما من كفر فقد ألقى إليه الشيطان الوساوس القادحة له في الرسالة الموجبة لكفره، وكذا المؤمن أيضًا لا يخلو أيضًا من وساويس، لأنها لازمة للإيمان بالغيب في الغالب، وإن كانت تختلف في الناس بالقلة والكثرة وبحسب المتعلقات، إذا تقرر هذا فمعنى تمنى أنه يتمنى لهم الإيمان ويحب لهم الخير والرشد والصلاح والنجاح، فهذه أمنية كل رسول ونبي، وإلقاء الشيطان فيها يكون بما يلقيه في قلوب أمة الدعوة من الوساويس الموجبة لكفر بعضهم، ويرحم الله المؤمنين، فينسخ ذلك من قلوبهم ويحكم فيها الآيات الدالة على الوحدانية والرسالة، ويبقي ذلك في قلوب المنافقين والكافرين ليفتتنوا به، فخرج من هذا أن الوساويس تُلقى أولاً في قلوب الفريقين معًا غير أنها لا تدوم على المؤمنين وتدوم على الكافرين» اهـ. وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه تتبين الأحق بالترجيح. لو صح ما قاله نقلة قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي، وانتقض الاعتماد عليه كما قاله القاضي البيضاوي وغيره، ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء ولانهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة، وما يقال في المخرج عن ذلك ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل، على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العُلى لم يرِد لا في نظمهم ولا في خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريًا على ألسنتهم إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح، وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة كما قال ابن إسحاق، وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت. ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسمًا لطائر مائي أسود وأبيض، أو هو اسم الكركي أو طائر يشبهه، والغرنيق (بالضم وكزنبور وقنديل وسَمْوأل وفردوس وقرطاس وعُلابط) معناه الشاب الأبيض الجميل، وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة الغرنوق، كما يسمى به ضرب من الشجر، ويطلق الغرنوق والغرانق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات، ويقال: لِمَّة غُرانِقة وغُرانِقِية؛ أي: ناعمة تفيئها الريح، أو الغرنوق: الناعم المستتر من النبات ... إلخ، ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام، حتى يُطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام، فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلقات الملبسين ممن لا يميز بين حر الكلام، وما استعبد منه لضعفاء الأحلام، فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية، عما تقتضيه الدراية، ﴿رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الوَهَّابُ﴾ [آل عمران/٨]. اهـ ما ذكره الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى.

стр. 1121

٧ - باب ما جاء في سجدتي سورة الحج وسجدة سورة ص ٩١٥ - عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: نعم، فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما. ٩١٦ - عن ابن عباس ﵄ قال: رأيت رسول الله ﵌ سجد في ص. ٩١٧ - وعنه أيضًا أنه قال في السجود في ص ليست من عزائم

стр. 1122

السجود (١) وقد رأيت رسول الله ﵌ يسجد فيها. ٩١٨ - ز. عن السائب بن يزيد أن عثمان بن عفان (رض) سجد في ص. ٩١٩ - عن العوام بن حوشب قال: سألت مجاهدًا عن السجدة التي في ص فقال: نعم، سألت عنها ابن عباس ﵄ فقال: أتقرأ هذه الآية؟ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ [الأنعام/٨٤] وفي آخرها ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام/٩٠] قال: أُمر نبيكم ﵌ أن يقتدي بداود (٢).

стр. 1123

(فصل منه في رؤيا أبي سعيد الخدري ﵁ ٩٢٠ - عن أبي سعيد الخدري ﵁ رأي رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ إلى سجدتها قال: رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلت ساجدًا، قال: فقصها على النبي ﵌ فلم يزل يسجد بها بعد

стр. 1124

_________ في الأولى منهما، واختلفوا في الثانية، فمن أثبتها عمر بن الخطاب وعلي وابن عمر وأبو الدرداء وأبو موسى ﵃ وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو العالية وزر بن حبيش ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود ﵏. قال ابن المنذر: قال أبو إسحاق يعني السبيعي التابعي الكبير: أدركت الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج سجدتين. وحكى ابن المنذر عن سعيد بن جبير والحسن البصري والنخعي وجابر بن زيد وأصحاب الرأي (ومنهم أبو حنيفة) إسقاطها، وعن ابن عباس روايتان، قال ابن المنذر: وبإثباتها أقول. قلت: وحديث ابن عباس وما بعده من أحاديث الباب جميعها تدل على مشروعية السجود في سورة ص عند قوله تعالى ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص/٢٤] وبه قال الجمهور وخالف في ذلك الشافعية. قال النووي: قال أصحابنا سجدة ص ليست من عزائم السجود، معناه ليست سجدة تلاوة، ولكنها سجدة شكر، هذا هو الصواب المنصوص وبه قطع الجمهور، وقال أبو العباس بن سريج وأبو إسحاق المروزي: هي سجدة تلاوة من عزائم السجود، والمذهب الأول. اهـ. ج. قلت: احتج الشافعية بحديث أبي سعيد قال: «قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص» الحديث تقدم في الشرح آنفًا وبحديث ابن عباس مرفوعًا «سجدها داود توبة ونحن نسجدها شكرًا» رواه النسائي والبيهقي وضعفه، قال الحافظ: فاستدل الشافعي بقوله «شكرًا» على أنه لا يسجد فيها في الصلاة، لأن سجود الشاكر لا يشرع داخل الصلاة. اهـ. قال صاحب (المهذب): فإن قرأها في الصلاة فسجد فيها ففيه وجهان: أحدهما: تبطل صلاته لأنها سجدة شكر فبطلت بها الصلاة كالسجود عند تجدد نعمة. والثاني: لا تبطل؛ لأنها تتعلق بالتلاوة فهي كسائر سجدات التلاوة. اهـ. فائدة: قال الشوكاني ﵀: ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدل على اعتبار أن يكون الساجد متوضأ، وقد كان يسجد معه ﷺ من حضر تلاوته، ولم ينقل أنه أمر أحدًا منهم بالوضوء، ويبعد أن يكونوا جميعًا متوضئين، وأيضًا قد كان يسجد معه المشركون كما تقدم وهم أنجاس لا يصح وضوؤهم، وقد روى البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير وضوء، وكذلك روى عنه ابن أبي شيبة، وأما ما رواه البيهقي عنه بإسناد قال في (الفتح): صحيح أنه قال «لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر» فيجمع بينهما بما قال الحافظ من حمله على الطهارة الكبرى، أو على حالة الاختيار والأول على الضرورة، وليس في الأحاديث ما يدل على اعتبار طهارة الثياب والمكان، وأما ستر العورة والاستقبال مع الإمكان فقيل إنه معتبر اتفاقًا. قال في (الفتح): لم يوافق ابن عمر أحد على جواز السجود بلا وضوء إلا الشعبي، أخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وأخرج أيضًا عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه «كان يقرأ السجدة ثم يسجد وهو على غير وضوء إلى غير القبلة وهو يمشي يومئ إيماءً» ومن الموافقين لابن

стр. 1125

٨ - باب ما جاء في سجدة الشكر ٩٢١ - عن محمد بن جبير بن مطعم عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ (وفي رواية «دخلت المسجد فرأيت رسول الله ﷺ خارجًا من المسجد) فاتبعته حتى دخل نخلاً فسجد فأطال السجود حتى خفت أو خشيت أن يكون الله قد توفاه أو قبضه، قال: فجئت أنظر فرفع رأسه فقال: مالك يا عبد الرحمن؟ قال: فذكرت ذلك له، فقال: إن جبريل ﵇ قال لي: ألا أبشرك؟ إن الله يقول لك: من صلى عليك صليت عليه (١) ومن سلم عليك سلمت عليه. ومن طريق ثان (٢) عن عبد الواحد بن محمد بن عبد الرحمن بن عوف عن عبد الرحمن بن عوف
следующие страницы →