(١١٨١) عن عبد الله بن سرجس رضى الله عنه بنحوه وفيه، اللهمَّ إنِّي أعوذ بك من وعثاء السَّفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور، ودعوة المظلوم، وسوء المنظر فى المال والأهل، وإذا رجع قال مثلها إلاَّ أنَّه يقول وسوء المنظر فى الأهل والمال فيبدأ بالأهل (وعنه من طريق ثان) بنحوه وفيه وسئل عاصم عن الحور بعد الكور قال حار بعد ما كان
(١١٨٢) عن ابن عمر رضى الله عنهما قال كان رسول الله ﷺ إذا غزا أو سافر فأدركه اللَّيل قال يا أرض ربِّى وربُّك الله، أعوذ بالله من شرِّك وشرِّ ما فيك، وشرِّ ما خلق فيك، وشرِّ ما دبَّ عليك، أعوذ بالله من شرِّ كلِّ أسد وأسود وحيَّة وعقرب، ومن شرِّ ساكن البلد، ومن شرِّ والد وما ولد
стр. 1332
(١١٨٣) عن سعد بن أبي وقاص رضى الله عنه قال سمعت خولة بنت حكيم السُّلميَّة رضى الله عنها تقول سمعت رسول الله ﷺ يقول من نزل منزلًا ثمَّ قال أعوذ بكلمات الله التَّامَّات كلِّها من شرِّ ما خلق لم يضره شئ حتَّى يرتحل من منزله ذلك
(١١٨٤) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال كنَّا نسافر مع النَّبيِّ ﷺ فإذا صعدنا كبَّرنا وإذا هبطنا سبَّحنا
(١١٨٥) عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال كان رسول الله ﵌ إذا صعد أكمة أو نشزًا قال اللَّهمَّ لك الشَّرف على كلِّ
стр. 1333
شرف، ولك الحمد على كلِّ حمد (وفى لفظ) ولك الحمد على كلِّ حال
стр. 1334
(٧) باب آداب رجوع المسافر وعدم طروق أهله ليلا وصلاة ركعتين
(١١٨٦) عن كعب بن مالك رضى الله عنه قال كان النَّبيُّ ﵌ لا يقدم من سفر إلاَّ نهارًا فى الضُّحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد فصلَّى فيه ركعتين ثمِّ جلس فيه (زاد فى روايةٍ) فيأتيه النَّاس فيسلِّمون عليه
(١١٨٧) عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال إنَّ النَّبيَّ صلَّي الله عليه وآله وسلَّم كان لا يطرق أهله ليلًا كان يدخل عليهم غدوةً أو عشيةً
стр. 1335
(١١٨٨) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن النَّبيَّ ﷺ قال له إذا دخلت ليلًا فلا تدخل على أهلك حتَّى تستحدَّ المغيبة وتمتشط الشَّعثة قال وقال رسول الله ﷺ إذا دخلت فعليك الكيس الكيس
(١١٨٩) عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ نزل العقيق فنهى عن طروق النِّساء اللَّيلة الَّتى يأتى فيها، فعصاه فتيان فكلاهما رآي ما يكره
(١١٩٠) عن نبيح العنزىِّ عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إذا دخلتم
стр. 1336
ليلًا فلا يأتينَّ أحدكم أهله طروقًا فقال جابر فوا الله لقد طرقناهنَّ بعد
(١١٩١) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال نهى رسول الله ﷺ أن يطرق الرَّجل أهله ليلًا، أن يخوِّنهم أن يلتمس عثراتهم
(١١٩٢) عن أبى سلمة عن عبد الله بن رواحة رضى الله عنه أنَّه قدم من سفر ليلًا فتعجَّل إلى امرأته فإذا فى بيته مصباح، وإذا مع امرأته شيء، فأخذ السَّيف فقالت امرأته إليك إليك عنِّى، فلانة تمشطنى، فأتى النَّبيَّ ﵌ فأخبره، فنهى أن يطرق الرَّجل أهله ليلًا
стр. 1337
(٨) باب النهي عن الدخول على المغيبة منفردا وسبب ذلك ووعيد من فعله
(١١٩٣) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما أنَّ نفرًا من بنى هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس فدخل أبو بكر وهى تحته يومئذ فرآهم فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله ﵌، فقال
стр. 1338
لم أر إلاَّ خيرًا فقال رسول الله ﷺ إنَّ الله قد برَّأها من ذلك، ثمَّ قام رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم على المنبر فقال لا يدخلنَّ رجل بعد يومى هذا على مغيبة إلاَّ ومعه رجل أو اثنان
(١١٩٤) خط عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال قال لنا رسول الله ﷺ لا تلجوا على المغيبات فإنَّ الشيطان يجرى من أحدكم مجرى الدَّم قلنا من أحدكم مجرى الدَّم قلنا ومنك يا رسول الله؟ قال ومنِّى، ولكنَّ الله
стр. 1339
أعانني عليه فأسلم
(١١٩٥) عن أبى صالح قال استأذن عمرو بن العاص على فاطمة فأذنت له، قال ثمَّ علىُّ؟ قالوا لا، قال فرجع، ثمَّ استأذن عليها مرةً أخرى فقال ثمَّ علىُّ؟ قالوا نعم، فدخل عليها، فقال له علىُّ ما منعك أن تدخل حين لم تجدنى ههنا؟ قال إنَّ رسول الله ﵌ نهانا أنّ ندخل على المغيبات
(١١٩٦) عن ابن بى قتادة عن أبيه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال من قعد على فراش مغيبة قيَّض الله له يوم القيامة ثعبانًا
стр. 1340
(٩) باب سفر النساء والرفق بهن
والأقراع بينهن لأجل السفر وعدم سفرهن بدون محرم
(١١٩٧) عن ابن عبَّاس ﵄ عن النَّبيِّ ﵌ قال لا تسافر امرأة إلاَّ ومعها ذو محرم وجاء النَّبيَّ ﷺ رجل فقال إنِّى اكتتبت فى غزوة كذا وكذا وامرأتى حاجَّة، قال فارجع فحجَّ معها
стр. 1341
(١١٩٨) عن أبي سعيد الخدرىِّ رضى الله عنه قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لا تسافر المرأة سفر ثلاثة أيَّام فصاعدًا إلاَّ مع أبيها أو أخيها أو ابنها أو زوجها أو مع ذى محرم
(١١٩٩) عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال لا تسافر المرأة ثلاثًا إلاَّ ومعها ذو محرم
(١٢٠٠) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ لا يحلُّ
стр. 1342
لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يومًا وليلةً إلاَّ مع ذى محرم من أهلها (وفى لفظ) إلاَّ مع ذى رحم (وعنه من طريق ثان) قال إنَّ رسول الله ﵌ لا تسافر امرأة مسيرة يوم تام إلاَّ مع ذى محرم
(١٢٠١) عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إذا خرج أقرع بين نسائه
стр. 1343
(١٢٠٢) عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال بينما رسول الله ﷺ يسير وحاد يحدو بنسائه فضحك رسول الله ﵌ فإذا هو قد تنحَّي بهنَّ قال فقال له يا أنجشة ويحك ارفق بالقوارير
стр. 1344
(١٢٠٣) عن أمِّ سليم ﵂ أنَّها كانت مع نساء النَّبيِّ ﷺ وهنَّ يسوق بهنَّ سوَّاق فقال النَّبيُّ ﷺ أي أنجشة رويدك سوقًا بالقوارير
стр. 1345
_________
رفقا، أو على الحال أى سر رويدًا، أو رويدك منصوب على الأغراء أو مفعول بفعل مضمر، أى الزم رفقك أو على المصدر أى ارود رويدك (وقال القرطبى) فى المفهم رويدًا أى ارفق وسوقك مفعول به، وورقع فى رواية مسلم سوقًا وكذا للأسماعيلى فى رواية شعبة، وهو منصوب على الأغراء بقوله ارفق سوقًا أو على المصدر أى سق سوقًا، وقرأت بخط ابن الصائغ المتأخر رويدك إما مصدر والكاف فى محل خفض وإما اسم فعل والكاف حرف خطاب وسوقك بالنصب على الوجهين، والمراد به حدوك إطلاقًا لاسم المسبب على السبب (وقال ابن مالك) رويدك اسم فعل بمعنى ارود أى أمهل، والكاف المتصلة به حرف خطاب وفتحة داله بنائية، ولك أن تجعل رويدك مصدرًا مضافا الى الكاف ناصبها سوقك وفتحه داله على هذا إعرابية، وقال أبو البقاء الوجه النصب برويدًا، والتقدير أمهل سوقك والكاف حرف خطاب وليست اسما، ورويد يتعدى الى مفعول واحد اهـ (تخريجه) (نس) وسنده جيد (الأحكام) فى أحاديث الباب دلالة على أنه لا يجوز للمرأة السفر بدون محرم، وسواء فى ذلك الحج وغيره (قال ابن دقيق العيد) هذه المسألة تتعلق بالعامَّين اذا تعارضا، فان قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت: الآية﴾ عام فى الرجال والنساء فمقتضاه أن الاستطاعة على السفر اذا وجدت وجب الحج على الجميع؛ وقوله ﷺ "لا تسافر المرأة إلا مع ذى محرم" عام فى كل سفر فيدخل فيه الحج، فمن أخرجه عنه خص الحديث بعموم الآية، ومن أدخله فيه خص الآية بعموم الحديث فيحتاج الى الترجيح من خارج اهـ (قال الشوكانى) ويمكن أن يقال إن أحاديث الباب لا تعارض الآية لأنها تضمنت أن المحرم فى حق المرأة من جملة الاستطاعة على السفر التى أطلقها القرآن وليس فيها إثبات أمر غير الاستطاعة المشروطة حتى تكون من تعارض العمومين اهـ (قلت) وقد أطلق السفر فى الحديث الأول من أحاديث الباب وقيده فى الأحاديث المذكورة بعده (قال الحافظ) وقد عمل أكثر العلماء فى هذا الباب بالمطلق لاختلاف التقديرات (قال النووى) ليس المراد من التحديد ظاهره، بل كان ما يسمى سفرًا فالمرأة منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه (وقال ابن التين) وقع الاختلاف فى مواطن بحسب السائلين (وقال المنذرى) يحتمل أن يقال إن اليوم المفرد والليلة المفردة بمعنى اليوم والليلة، يعنى فمن أطلق يوما أراد بليلته، أو ليلة أراد بيومها، قال ويحتمل أن يكون هذا كله تمثيلا لأوائل الأعداد فاليوم أول العدد، والأثنان أول التكثير، والثلاث أول الجمع، ويحتمل أن يكون ذكر الثلاث قبل ذكر ما دونها فيؤخذ بأقل ما ورد من ذلك، وأقله الرواية التى فيها ذكر البريد، كما فى رواية أبى هريرة عند أبى داود، وقد أخرجه الحاكم والبيهقى وقد ورد من حديث
стр. 1346
_________
ابن عباس عند الطبراني ما يدل على اعتبار المحرم فيما دون البريد، ولفظه "لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج أو ذى محرم" وهذا هو الظاهر أعنى الأخذ بأقل ما ورد لأن ما فوقه منهى عنه بالأولى، والتنصيص على ما فوقه كالتنصيص على الثلاث واليوم والليلة واليومين والليلتين لا ينافيه، لأن الأقل موجود فى ضمن الأكثر، وغاية الأمر أن النهى عن الأكثر يدل بمفهومه على أن ما دونه غير منهى عنه، والنهى عن الأقل منطوق وهو أرجح من المفهوم (وقالت الحنفية) إن المنع مقيد بالثلاث لأنه متحقق وما عداه مشكوك فيه، فيؤخذ بالمتيقن، ونوقض بأن الرواية المطلقة شاملة لكل سفرر؛ فينبغى الأخذ بها وطرح ما سواها فانه مشكوك فيه، والأولى أن يقال إن الرواية المطلقة مقيدة بأقل ما ورد، وهى رواية الثلاثة الأميال إن صحت وإلا فرواية البريد (وقال سفيان) يعتبر المحرم فى المسافة البعيدة لا القريبة (وقال أحمد) لا يجب الحج على المرأة اذا لم تجد محرمًا، والى كون المحرم شرطا فى الحج ذهبت العترة (وأبو حنيفة والنخعى وإسحاق والشافعى) فى أحد قوليه على خلاف بينهم هل هو شرط أداء أو شرط وجوب؟ (وقال مالك) وهو مروى عن (أحمد) انه لا يعتبر المحرم فى سفر الفريضة وروى عن (الشافعى) وجعلوه مخصوصا من عموم الأحاديث بالأجماع، ومن جملة سفر الفريضة سفر الحج، وأجيب بأن المجمع عليه إنما هو سفر الضرورة فلا يقاس عليه سفر الاختيار كذا قال صاحب المغنى، وأيضا قد وقع عند الدارقطنى بلفظ "ولا تحجن امرأة إلا ومعها زوج" وصححه أبو عوانة (وفى رواية) للدارقطنى أيضا عن أبى امامة مرفوعا "ولا تسافر المرأة سفر ثلاثة أيام أو تحج إلا ومعها زوجها" فكيف يخص سفر الحج من بقية الأسفار؛ وقد قيل إن اعتبار المحرم إنما هو فى حق من كانت شابة لا فى حق العجوز لأنها لا تشتهى، وقيل لا فرق لأن لكل ساقط لاقطا، وهو مراعاة للأمر النادر، وقد احتج أيضا من لم يعتبر المحرم فى سفر الحج بما فى البخارى من حديث عدى بن حاتم مرفوعا بلفظ "يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت لا جوار معها" وتعقب بأنه يدل على وجوب ذلك لا على جوازه، وأجيب عن هذا بأنه خبر فى سياق المدح ورفع منار الأسلام، فيحمل على الجواز، والأولى حمله على ما قال المتعقب جمعا بينه وبين أحاديث الباب أفاده الشوكانى (وفى أحاديث الباب أيضا) أن من كان له أكثر من زوجة وأراد السفر باحداهن يستحب له الأقراع بينهن تطبيبا لخاطرهن فمن خرج سهمها أخذها معه (وفيها أيضا) استحباب الرفق بالنساء فى السفر ومراعاة راحتهن لأنهن ضعيفات لا يتحملن ما يتحمله الرجل (وفيها أيضا) جواز الحداء وهو بضم الحاء ممدود، وجواز السفر بالنساء ومباعدتهن من الرجال، ومن سماع كلامهم إلا الوعظ ونحوه، وفيها غير ذلك والله أعلم
стр. 1347
(١٠) باب افتراض صلاة السفر وحكمها
(١٢٠٤) عن عائشة رزوج النَّبيِّ ﷺ ورضي عنها قالت كان أوَّل ما افترض على رسول الله ﷺ الصَّلاة ركعتان ركعتان إلاَّ المغرب فإنَّها كانت ثلاثًا ثمَّ أتمَّ الله الظُّهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا فى الحضر، وأقرَّ الصَّلاة على فرضها الأوَّل في السَّفر (وعنها من طريق ثان) قالت قد فرضت الصَّلاة ركعتين ركعتين بمكَّة، فلمَّا قدم رسول الله صلَّي الله عليه وآله وسلَّم المدينة زاد مع كلِّ ركعتين ركعتين إلاَّ المغرب فإنَّها وتر النَّهار، وصلاة الفجر لطول قراءاتها، قالت وكان إذا سافر صلَّى الصَّلاة الأولى
(١٢٠٥) عن مجاهد عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال فرض الله صلاة الحضر أربعًا وفي السَّفر ركعتين، والخوف
стр. 1348
ركعةً على لسان نبيِّه صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(١٢٠٦) عن عبيد الله بن زحر أنَّ أبا هريرة ﵁ قال أيُّها النَّاس إنَّ الله فرض لكم على لسان نبيِّكم صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الصَّلاة في الحضر أربعًا، وفي السَّفر ركعتين
(١٢٠٧) عن عمر (بن الخطَّاب) رضى الله عنه قال صلاة السَّفر
стр. 1349
ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلَّي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(١٢٠٨) عن يعلى بن أميَّة رضى الله عنه قال سألت عمر بن الخطَّاب رضى الله عنه قلت "ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصَّلاة إن خفتم إن يفتنكم الَّين كفروا" وقد أمن النَّاس، فقال لى عمر رضى الله عنه عجبت ممَّا عجبت منه، فسألت رسول الله صلَّي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقال صدقة تصدَّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته
(١٢٠٩) عن أبى حنظلة سألت ابن عمر رضى الله عنهما عن الصَّلاة
стр. 1350
فى السَّفر، قال الصَّلاة فى السَّفر ركعتان، قلت إنَّا آمنون قال سنَّة النَّبيِّ ﷺ
(١٢١٠) عن رجل من آل خالد بن أسيد قال قلت لابن عمر إنَّا نجد صلاة الخوف في القرآن وصلاة الحضر ولا نجد صلاة السَّفر فقال إنَّ الله تعالى بعث محمَّدًا ﷺ ولا نعلم شيئًا، فإنَّما نفعل كما رأينا محمَّدًا ﷺ يفعل (ومن طريق ثان) عن أميَّة بن عبد الله أنَّه قال لابن عمر نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن ولا نجد صلاة المسافر قال ابن عمر بعث
стр. 1351
الله نبيَّه ﷺ ونحن أجفى النَّاس فنصنع كما صنع رسول الله ﷺ
(١٢١١) عن الضَّحَّاك بن مزاحم عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال صلَّى رسول الله ﷺ حين سافر ركعتين ركعتين وحين قام أربعًا قال وقال ابن عبَّاس فمن صلَّى فى السَّفر أربعًا كمن صلَّي فى الحضر ركعتين قال وقال ابن عبَّاس لم تقصر الصَّلاة إلاَّ مرَّة حيث صلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ركعتين وصلَّى النَّاس ركعةً ركعةً
(١٢١٢) عن سعيد بن شفىٍّ عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال جعل النَّاس يسألونه عن الصَّلاة في السَّفر، فقال كان رسول الله ﷺ
стр. 1352
إذا خرج من أهله لم يصلِّ إلاَّ ركعتين حتَّى رجع إلى أهله
(١٢١٣) عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال سافرت مع النَّبيِّ ﷺ ومع عمر فكانا لا يزيدان على ركعتين وكنَّا ضلاَّلًا فهدانا الله به فبه نقتدي
стр. 1353
_________
وابن عمر وابن عباس، وروى ذلك عن عمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن (وقال حماد ابن سليمان) يعيد من يصلى فى السفر أربعا (وقال مالك) يعيد ما دام فى الوقت اهـ والى الثانى ذهب (الشافعى ومالك وأحمد) قال النووى وأكثر العلماء، وروى عن عائشة وعثمان وابن عباس، قال ابن المنذر وقد أجمعوا على أنه لا يقصر فى الصبح ولا فى المغرب (قال النووى) ذهب الجمهور الى أنه يجوز القصر فى كل سفر مباح، وذهب بعض السلف الى أنه يشترط فى القصر الخوف فى السفر، وبعضهم كونه سفر حج أو عمرة، وعن بعضهم كونه سفر طاعة (احتج القائلون بوجوب القصر بحجج) (الأولى) ملازمته ﷺ للقصر فى جميع أسفاره كما فى حديث ابن عمر المذكور فى الباب، ولم يثبت عنه ﷺ أنه أتم الرباعية فى السفر البتة كما قال ابن القيم (وأجاب المخالفون) عن هذه الحجة بأن مجرد الملازمة لا يدل على الوجوب كما ذهب الى ذلك جمهور أئمة الأصول وغيرهم (الحجة الثانية) حديث عائشة المتفق عليه بألفاظ منها "فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر وأتمت صلاة الحضر" وهو دليل ناهض على الوجوب؛ لأن صلاة السفر اذا كانت مفروضة ركعتين لم تجز الزيادة عليها كما أنه لا يجوز النقص عن أربع فى الحضر، كما فى حديث الباب عن الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس (الحجة الثالثة) ما فى حديث الباب عند مسلم والأمام أحمد عن ابن عباس أنه قال "فرض الله صلاة الحضر أربعا وفى السفر ركعتين" ولفظ مسلم "إن الله فرض الصلاة على لسان نبيكم على المسافر ركعتين، وعلى المقيم أربعا، والخوف ركعة" فهذا الصحابى الجليل قد حكى عن الله أنه فرض صلاة السفر ركعتين وهو أتقى لله، وأخشى من أن يحكى ان الله فرض ذلك بلا برهان (الحجة الرابعة) حديث الباب عن عمر "صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان الخ" ورواه النسائى أيضا وغيره، وهو يدل على أن الصلاة مفروضة كذلك من أول الأمر وأنها لم تكن أربعا ثم قصرت، وقوله على لسان محمد تصريح بثبوت ذلك من قوله ﷺ (الحجة الخامسة) حديث ابن عمر عند النسائى بلفظ "وأمرنا أن نصلى ركعتين فى السفر" (واحتج القائلون بأن القصر رخصة) والتمام أفضل بحجج (الأولى منها) قول الله تعالى ﴿ليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾ ونفى الجناح لا يدل على العزيمة بل على الرخصة، وعلى أن الأصل التمام، والقصر إنما يكون من شئ أطول منه، وأجاب المخالفون بأن الآية وردت فى قصر الصفة فى صلاة الخوف لا فى قصر العدد، لما علم من تقدم مشروعية قصر العدد (قال ابن القيم ﵀ فى الهدى وما أحسن ما قال، وقد يقال إن الآية اقتضت قصرًا يتناول قصر الأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين، وقيد ذلك بأمرين، الضرب فى الأرض والخوف، فاذا وجد الامران أبيح القصران فيصلون صلاة خوف مقصورًا عددها وأركانها، وإن انتفى الأمران
стр. 1354
_________
وكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة كاملة، وان وجد أحد السبيلين ترتب عليه قصره وحده، فان وجد الخوف والأقامة قصرت الأركان واستوفى العدد، وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق فى الآية، وإن وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفيت الأركان وصليت صلاة أمن، وهذا أيضا نوع قصر وليس القصر المطلق، وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد، وقد تسمى تامة باعتبار تمم أركانها وان لم تدخل فى الآية اهـ (الحجة الثانية) قوله ﷺ فى حديث الباب صدقة تصدق الله بها عليكم فان الظاهر من قوله صدقة أن القصر رخصة فقط، وأجيب بأن الأمر بقبولها يدل على أنه لا محيص عنها وهو المطلوب (الحجة الثالثة) ما فى صحيح مسلم وغيره أن الصحابة كانوا يسافرون مع رسول الله ﷺ فمنهم القاصر ومنهم المتم ومنهم الصائم ومنهم المفطر، لا يعيب بعضهم على بعض، كذا قال النووى فى شرح مسلم، ولم نجد فى صحيح مسلم قوله "فمنهم القاصر ومنهم المتم" وليس فيه الا أحاديث الصوم والأفطار، واذا ثبت ذلك فليس فيه أن النبى ﷺ اطلع على ذلك وقررهم عليه، وقد نادت أقواله وأفعاله بخلاف ذلك، وقد تقرر أن إجماع الصحابة فى عصره ﷺ ليس بحجة والخلاف بينهم فى ذلك مشهور بعد موته؛ وقد أنكر جماعة منهم على عثمان لماَّ أتم بمنى وتأولوا له تأويلات، (قال ابن القيم) أحسنها أنه كان قد تأهل بمنى، والمسافر اذا أقام فى موضع وتزوج فيه أو كان له به زوجة أتم، وقد روى أحمد عن عثمان أنه قال أيها الناس لماَّ قدمت تأهلت بها وانى سمعت رسول الله ﷺ يقول "اذا تأهل رجل ببلد فليصل به صلاة مقيم" ورواه أيضا عبد الله بن الزبير الحميدى فى مسنده أيضا، وقد أعله البيهقى بانقطاعه وتضعيفه عكرمة بن ابراهيم (قال ابن القيم فى الهدى) قال أبو البركات بن تيمية ويمكن المطالبة بسبب الضعف فان البخارى ذكر عكرمة المذكور فى تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين (الحجة الرابعة) ما روى عن عائشة رضى الله عنها قالت "خرجت مع النبى ﷺ فى عمرة فى رمضان فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت بأبى وأمى أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت، فقال أحسنت يا عائشة" رواه الدارقطنى وقال هذا إسناد حسن (وعنها أيضا) "أن النبى ﷺ كان يقصر فى السفر وتتم ويفطر وتصوم" رواه أيضا الدارقطنى وقال إسناد صحيح، ويجاب عن هذين الحديثين بأن الأول منهما ضعفه أكثر الحفاظ، قال الحافظ فى التلخيص واختلف قول الدارقطنى فيه فقال فى السنن إسناده حسن. وقال فى العلل المرسل أشبه (والثانى) أورده الحافظ فى التلخيص أيضا وقال قد استنكره أحمد وصحته بعيدة فان عائشة كانت تتم وذكر عروة أنها تأولت ما تأول عثمان كما فى الصحيح؛ فلو كان عندها عن النبى ﷺ رواية لم يقل عروة عنها إنها تأولت، وقد ثبت فى الصحيحين خلاف ذلك اهـ وقد
стр. 1355
(١١) باب مسافة القصر وحكم من نزل ببلد فنوى الأقامة فيه
وإتمام المسافر اذا اقتدى بمقيم - وهل يقصر الصلاة بمنى أهل مكة؟
(١٢١٤) عن جبير بن نفير عن أبى السِّمط أنَّه أتى أرضًا يقال لها دومين من حمص على رأس ثمانية عشر ميلًا فصلَّى ركعتين، فقلت له أتصلِّى ركعتين؟ فقال رأيت عمر بن الخطَّاب بذى الحليفة يصلِّي ركعتين فسألته فقال إنَّما أفعل كما رأيت رسول الله ﷺ أو قال كما فعل رسول الله ﷺ
стр. 1356
(١٢١٥) عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم سافر من المدينة (وفى رواية سرنا مع رسول الله ﷺ بين مكَّة والمدينة) لا يخاف إلاَّ الله فصلَّى ركعتين حتَّى رجع
(١٢١٦) عن حارثة بن وهب الخزاعىِّ رضى الله عنه قال صلَّينا مع النَّبيِّ ﷺ الظُّهر والعصر بمنىً أكثر ما كان النَّاس وآمنه ركعتين
стр. 1357
(١٢١٧) عن موسى بن سلمة قال كنَّا مع ابن عبَّاس بمكة فقلت إذا كنَّا معكم صلَّينا أربعًا، وإذا رجعنا إلى رحالنا صلَّينا ركعتين قال سنَّة أبى القاسم ﷺ (وعنه من طريق ثان) قال قلت لابن عبَّاس إذا لم تدرك الصَّلاة فى المسجد كم تصلِّى فى البطحاء قال ركعتين سنَّة أبى القاسم ﷺ (وعنه من طريق ثالث) قال سألت ابن عبَّاس قلت إنِّى أكون بمكَّة فكيف أصلِّى؟ فقال ركعتين سنِّة أبى القاسم ﵌
(١٢١٨) عن ابن عمر ﵄ قال صلَّيت مع النَّبيِّ ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان ستَّ سنين بمنىً فصلوا صلاة المسافر
(١٢١٩) عن أنس بن مالك الأنصارىِّ ﵁ قال صلَّى بنا رسول الله ﵌ الظُّهر فى مسجده بالمدينة أربع ركعات،
стр. 1358
ثمَّ صلَّى بنا العصر بذى الحليفة ركعتين آمنًا لا يخاف في حجَّة الوداع
(١٢٢٠) عن شعبة عن يحيى بن يزيد الهنائىِّ قال سألت أنس بن مالك رضى الله عنه عن قصر الصَّلاة، قال كنت أخرج إلى الكوفة فأصلِّى ركعتين حتى أرجع، وقال أنس كان رسول الله ﵌ إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ شعبة الشَّاكُّ صلَّى ركعتين
стр. 1359
(١٢٢١) عن حفص عن أنس بن مالك رضى الله عنه أنَّه قال انطلق بنا إلى الشَّام إلى عبد الملك ونحن أربعون رجلًا من الأنصار ليفرض لنا، فلمَّا رجع وكنَّا بفجِّ النَّاقة صلَّى بنا العصر ثمَّ سلَّم ودخل فسطاطه وقام القوم يضيفون إلى ركعتيه ركعتين أخريين، قال فقال قبح الله الوجوه فوالله ما أصابت السُّنَّة ولا قبلت الرُّخصة، فأشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول إنَّ أقوامًا يتعمقون فى الدِّين يمرقون كما يمرق السَّهم من الرّميَّة
(١٢٢٢) عن يحيى بن أبى إسحاق قال سألت أنس بن مالك ﵁
стр. 1360
عن قصر الصَّلاة، فقال سافرنا مع النَّبيِّ ﷺ من المدينة إلى مكَّة فصلَّى بنا ركعتين حتَّى رجعنا، فسألته هل أقام؟ فقال، نعم، أقام بمكَّة عشرًا
(١٢٢٣) عن ابن عمر رضى الله عنهما قال صلَّيت مع النَّبيِّ ﷺ بمنىً ركعتين، ومع أبى بكر ومع عمر ومع عثمان صدرًا من إمارته ثمَّ أتمَّ
(١٢٢٤) عن أبى جحيفة رضى الله عنه قال صلَّيت مع رسول الله
стр. 1361
صلى الله عليه وسلم بالأبطح العصر ركعتين (وفى لفظ) الظُّهر والعصر ركعتين ركعتين (زاد فى رواية) ثمَّ لم يزل يصلِّى ركعتين حتَّى أتى المدينة
(١٢٢٥) عن يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير عن أبيه عبَّاد قال لمَّا قدم علينا معاوية يعنى (بن أبى سفيان) رضى الله عنه حاجَّا قدمنا معه مكَّة، قال فصلَّى بنا ركعتين ثمَّ انصرف إلى دار النَّدوة، قال وكان عثمان حين أتمَّ الصَّلاة إذا قدم مكَّة صلَّى بها الظُّهر والعصر والعشاء الآخرة أربعًا أربعًا، فإذا خرج إلى منى وعرفات قصر الصَّلاة، فإذا فرغ من الحجِّ وأقام بمنى أتمَّ الصَّلاة حتَّى يخرج من مكَّة، فلمَّا صلَّى بنا الظهُّر ركعتين (يعنى معاوية) نهض إليه مروان ابن الحكم وعمرو بن عثمان فقالا له ما عاب أحد ابن عمِّك بأقبح ما عبته به، فقال لهما وما ذاك؟ قال فقالا له ألم تعلم أنَّه أتمَّ الصَّلاة بمكَّة؟ قال فقال لهما ويحكما، وهل كان غير ما صنعت؟ قد صلَّيتها مع رسول الله ﷺ ومع أبى بكر وعمر رضى الله عنهما، قالا فإنَّ ابن عمَّك قد كان أتَّمها، وإنَّ خلافك إيَّاه له عيب، قال فخرج معاوية إلى العصر فصلاَّها بنا أربعًا
стр. 1362
_________
وغيره فيها نحوًا من عشرين قولا، أقل ما قيل فى ذلك يوم وليلة، وأكثره ما دام غائبا عن بلده، وقيل أقل ما قيل فى ذلك الميل كما رواه ابن أبى شيبة باسناد صحيح عن ابن عمر، والى ذلك (ذهب ابن حزم الظاهرى) واحتج له باطلاق السفر فى كتاب الله تعالى كقوله ﴿واذا ضربتم فى الأرض﴾ الآية، وفى سنة رسول الله ﷺ قال فلم يخص الله ولا رسوله ولا المسلمون بأجمعهم سفرًا من سفر، ثم احتج على ترك القصر فيما دون الميل بأن النبى ﷺ قد خرج الى البقيع لدفن الموتى، وخرج الى الفضاء للغائط والناس معه فلم يقصر ولا أفطر، وذكر فى المحلى من أقوال الصحابة والتابعين والأئمة والفقهاء فى تقدير مسافة القصر أقوالا كثيرة لم يحط بها غيره، واستدل لها وردَّ تلك الاستدلالات، وقد أخذ بظاهر حديث أنس المذكور فى الباب يعنى قوله "صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر فى مسجده بالمدينة أربع ركعات ثم صلى بنا بذى الحليفة ركعتين" (أخذ به الظاهرية) كما قال النووى فذهبوا الى أن مسافة القصر ثلاثة أميال (قال الحافظ) وهو أصح حديث ورد فى ذلك وأصرحه، وقد حمله من خالفه على أن المراد المسافة التى؛ يبتدأ منها القصر لا غاية السف؛ قال ولا يخفى بعد هذا الحمل مع أن البيهقى ذكر فى روايته من هذا الوجه أن يحيى بن يزيد راويه عن أنس قال سألت أنسا عن قصر الصلاة وكنت أخرج الى الكوفة يعنى من البصرة فأصلى ركعتين ركعتين حتى أرجع فقال أنس فذكر الحديث، قال فظهر أنه سأله عن جواز القصر فى السفر لا عن الموضع الذى يبتدئ القصر منه (وذهب الشافعى ومالك) وأصحابهما وأحمد والليث والأوزاعى وفقهاء أصحاب الحديث وغيرهم الى أنه لا يجوز الا فى مسيرة مرحلتين وهما ثمانية وأربعون ميلاها شمية كما قال النووى "وهو قول ابن عباس وابن عمر" واستدلوا بما رواه ابن المنذر والبيهقى باسناد صحيح وعلقه البخارى عن عطاء بن أبى رباح "أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان الرباعية ركعتين ويفطران فى أربعة برد فما فوق ذلك" وبما رواه الشافعى والبيهقى باسناد صحيح أيضا عن عطاء "قال سئل ابن عباس أتقصر الصلاة الى عرفة؟ " فقال لا، ولكن الى عسفان فالى جدة والى الطائف" ونقل النووى عن مالك أن بين مكة وكل من الطائف وعسفان أربعة برد (وقال أبو حنيفة والكوفيون) لا يقصر فى أقل من ثلاث مراحل (وروى) عن عثمان وابن مسعود وحذيفة، وفى البحر عن أبى حنيفة أن مسافة القصر أربعة وعشرون فرسخا، وحكى عنه أيضا أن مسافة القصر ثلاثة أيام بسير الأبل والأقدام، وفسرها الحنفية بثلاثة أيام السنة، قالوا ويكفى أن يسافر فى كل يوم منها من الصباح الى الزوال، والمعتبر السير الوسط أى سير الأبل ومشى الأقدام، فلو بكر
стр. 1363
_________
في اليوم الأول ومشى الى الزوال وبلغ المرحلة ونزل وبات فيها، ثم بكر فى اليوم الثانى وفعل ذلك، ثم فعل فى اليوم الثالث أيضا فقد قطع مسافة القصر ولا عبرة بتقديرها بالفراسخ على المعتمد، ولا يصح القصر فى أقل من هذه المسافة هكذا فى كتب الحنفية، وقد اتفق العلماء على أن الفرسخ ثلاثة أميال، وحقق العلماء فى عصرنا أن الميل ستة آلاف ذراع بذراع اليد، وهذه المسافة تساوى ثمانين كيلو ونصف كيلو ومائة وأربعين مترًا باعتبار أن الكيلو ألف متر؛ وهى مسيرة يوم وليلة بسير الأبل المحملة بالأثقال سيرًا معتادًا، وممن قال بأن مسافة القصر يوم وليلة أنس بن مالك رضى الله عنه "وهو مروى عن الأوزاعى" (قال الحافظ) وقد أورد البخارى ما يدل على أن اختياره أن أقل مسافة القصر يوم وليلة يعنى قوله فى صحيحه، وسمَّى النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم السفر يومًا وليلة بعد قوله "باب فى كم يقصر الصلاة" وحجج هذه الأقوال مأخوذة من قوله ﷺ "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسافة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم" رواه الشيخان والأمام أحمد والأربعة إلا النسائى (وفى رواية) للبخارى من حديث ابن عمر عنه ﷺ "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذى محرم" رواه الأمام أحمد أيضا وتقدم، وفى رواية لأبى داود "لا تسافر المرأة بريدًا" ولا حجة فى جميع ذلك، أما قصره ﷺ فى أسفاره فلعدم استلزام فعله لعدم الجواز فيما دون المسافة التى قصر فيها، وأما نهى المرأة عن أن تسافر ثلاثة أيام بغير ذى محرم فغاية ما فيه إطلاق اسم السفر على مسيرة ثلاثة أيام، وهو غير مناف للقصر فيما دونها، وكذلك نهيها عن سفر اليوم بدون محرم، والبريد لا ينافى جواز القصر فى ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ كما فى حديث أنس، لأن الحكم على الأقل حكم على الأكثر، وأما حديث ابن عباس عند الطبرانى أنه ﷺ قال "يا أهل مكة لا تقصروا فى أقل من أربعة برد من مكة الى عسفان" فليس مما تقوم به حجة، لأن فى إسناده عبد الوهاب بن مجاهد ابن جبير وهو متروك؛ وقد نسبه النووى الى الكذب، وقال الأزدى لا تحل الرواية عنه، والراوى عنه اسماعيل بن عياش وهو ضعيف فى الحجازيين، وعبد الوهاب المذكور حجازى، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس كما أخرجه عنه الشافعى باسناد صحيح ومالك فى الموطأ، اذا تقرر لك هذا فالمتيقن هو ثلاثة فراسخ، لأن حديث أنس المذكور فى الباب متردد ما بينهما وبين ثلاثة أميال، والثلاثة الأميال مندرجة فى الثلاثة الفراسخ، فيؤخذ بالأكثر احتياطا؛ ولكنه روى سعيد بن منصور عن أبى سعيد قال "كان رسول الله ﷺ اذا سافر فرسخا يقصر الصلاة" وقد أورد الحافظ هذا فى التلخيص ولم يتكلم عليه، فان صح كان الفرسخ هو المتيقن، ولا يقصر فيما دونه إلا اذا كان يسمى سفرًا لغة أو شرعًا (وقد
стр. 1364
_________
اختلف العلماء أيضا) فيمن قصد سفرًا يقصر فى مثله الصلاة على اختلاف الأقوال من أين يقصر؟ فقال ابن المنذر أجمعوا على أن لمريد السفر أن يقصر اذا خرج عن جميع بيوت القرية التى يخرج منها (واختلفوا) فيما قبل الخروج من البيوت (فذهب الجمهور) الى أنه لا بد من مفارقة جميع البيوت (وذهب بعض الكوفيين) الى أنه اذا أراد السفر يصلى ركعتين ولو كان فى منزله، ومنهم من قال اذا ركب قصر إن شاء، ورجح ابن المنذر الأول بأنهم اتفقوا على أنه يقصر اذا فارق البيوت (واختلفوا) فيما قبل ذلك فعليه الأتمام على أصل ما كان عليه حتى يثبت أن له القصر، قال ولا أعلم أن النبى ﷺ قصر فى سفر من أسفاره إلا بعد خروجه من المدينة أفاده الشوكانى بتصرف وزيادة (واختلفوا أيضا) فى قدر المدة التى تقطع القصر وتوجب الأتمام اذا دخل المسافر بلدًا ونوى الأقامة فيه لحاجة، فذهب الأئمة الثلاثة (مالك والشافعى وأحمد) الى أن المسافر يصير مقيما اذا نوى إقامة أربعة أيام كوامل، واستدل لهم بنهيه ﷺ للمهاجرين عن إقامة فوق ثلاث فى مكة فتكون الزيادة عليها إقامة لا قدر الثلاث، ورده المخالفون بأن الثلاث قدر قضاء الحوائج لا لكونها غير إقامة، قال الشوكانى (وقال أبو حنيفة) إنه يتم اذا عزم على إقامة خمسة عشر يومًا، واحتج بما روى عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا اذا قمت ببلد وأنت مسافر وفى نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة، ورد بأنه لا حجة فى أقوال الصحابة فى المسائل التى للاجتهاد فيها مسرح وهذه منها، وروى عن الأوزاعى التحديد باثنى عشر، يومًا وعن ربيعة يوم وليلة، وعن الحسن البصرى أن المسافر يصير مقيما بدخول البلد، وعن عائشة بوضع الرجل قال الأمام يحى ولا يعرف لهم مستند شرعى، وإنما ذلك اجتهاد من أنفسهم والأمر كما قال هذا الأمام، والحق أن من حط رحله ببلد ونوى الأقامة بها أيامًا من دون تردد لا يقال له مسافر فيتم الصلاة ولا يقصر الا لدليل، ولا دليل ههنا الا ما فى حديث الباب (يعنى حديث أنس) من اقامته ﷺ بمكة أربعة إيام يقصر الصلاة، والاستدلال به متوقف على ثبوت أنه ﷺ عزم على إقامته أربعة أيام، الا أن يقال ان تمام أعمال الحج فى مكة لا يكون فى دون الأربع فكان كل من يحج عازمًا على ذلك فيقتصر على هذا المقدار، ويكون الظاهر والأصل فى حق من نوى اقامة أكثر من أربعة أيام هو التمام، واستلزام أن يقصر الصلاة من نوى اقامة سنين متعددة ولا قائل به، ولا يرد على هذا قوله ﷺ فى إقامته بمكة يوم الفتح انا قوم سفر كما سيأتى لأنه كان اذ ذاك متردد او لم يعزم على اقامته مدة معينة اهـ (وفى احاديث الباب ايضا) دليل على جواز اقتداء المسافر بامام مقيم بشرط أن يتم صلاته تبعا لأمامه، وبه قال جمهور العلماء واختلفوا فى المسافر اذا أدرك جزأ من
стр. 1365
(١٢) باب مدة القصر ومتى يتم المسافر وحكم من لم يجمع اقامة
(١٢٢٦) عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال سافر رسول الله ﷺ فأقام تسع عشرة يصلِّي ركعتين ركعتين، قال ابت عباس فنحن إذا سافرنا فأقمنا تسع عشرة صلينا ركعتين ركعتين، فإذا أقمنا أكثر من ذلك صلَّينا أربعًا (وعنه من طريق ثان) قال لماَّ فتح النَّبيُّ ﷺ مكَّة أقام فيها سبع عشرة يصلِّي ركعتين
стр. 1366
(١٢٢٧) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال أقام رسول الله ﵌ بتبوك عشرين يومًا يقصر الصَّلاة
стр. 1367
(١٢٢٨) عن ثمامة بن شراحيل قال خرجت إلى ابن عمر فقلت ما صلاة المسافر؟ فقال ركعتين ركعتين إلاَّ صلاة المغرف ثلاثًا، قلت أرأيت إن كنَّا بذى المجاز، قال وما ذو المجاز؟ قلت مكان نجتمع فيه ونبيع فيه ونمكث عشرين ليلةً أو خمس عشرة ليلةً، قال يا أيُّها الرَّجل كنت بأذربيجان لا أدرى قال أربعة أشهر أو شهرين فرأيتم يصلُّونها ركعتين ركعتين، ورأيت نبيَّ الله ﷺ نصب عينىَّ يصلِّيهما ركعتين ركعتين، ثمَّ نزع هذه الآية ﴿لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة﴾ حتَّى فرغ من الآية
(١٢٢٩) عن أبى نضرة قال مرَّ عمران بن حصين فجلسنا فقام إليه فتىً من القوم فسأله عن صلاة رسول الله ﷺ فى الغزو والحجِّ والعمرة، فجاء فوقف علينا فقال إن هذا سألنى عن أمر فأردت أن تسمعوه أو كما قال، غزوت مع رسول الله ﷺ فلم يصلِّ إلاَّ ركعتين حتَّى رجع إلى المدينة، وحججت معه فلم يصلِّ إلاَّ ركعتين حتَّى رجع إلى المدينة، وحججت معه فلم يصلِّ إلا ركعتين حتَّى رجع إلى المدينة، وشهدت معه الفتح فأقام بمكَّة ثمان عشرة لا يصلِّى إلاَّ ركعتين، ويقول لأهل البلد صلُّوا
стр. 1368
أربعًا فإنَّا سفر، واعتمرت معه ثلاث عمر فلم يصلِّ إلاَّ ركعتين، وحججت مع أبى بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما حجَّات فلم يصلِّيا إلاَّ ركعتين حتَّى رجعا إلى المدينة (وعنه من طريق ثان بنحوه وفيه) ما سافر رسول الله ﷺ سفرًا إلاَّ صلَّى ركعتين ركعتين حتَّى يرجع، وإنّه أقام بمكَّة زمان الفتح ثمانى عشرة ليلةً يصلِّى بالنَّاس ركعتين ركعتين، قال أبى وحدَّثناه يونس بن محمَّد بهذا الإسناد وزاد فيه إلاَّ المغرب، ثمَّ يقول يا أهل مكَّة قوموا فصلُّوا ركعتين أخريين فإنَّا سفر، ثمَّ غزا حنينًا والطَّائف فصلَّي ركعتين ركعتين، ثمَّ رجع إلى جعرانة فاعتمر منها فى ذى القعدة، ثمَّ غزوت مع بى بكر رضى الله تعالى عنه وحججت واعتمرت فصلَّى ركعتين ركعتين، ومع عمر رضى الله فصلَّى ركعتين ركعتين، قال يونس إلاَّ المغرب،
стр. 1369
ومع عثمان ﵁ صدر إمارته قال يونس ركعتين إلاَّ المغرب، ثمَّ إنَّ عثمان رضى الله عنه صلَّي بعد ذلك أربعًا
стр. 1370
(١٣) باب من اجتاز ببلد فتزوج فيه أو كان لديه زوجة فليتم
(١٢٣٠) عن عبد الله بن عبد الرَّحمن بن أبى ذباب عن أبيه أنَّ عثمان ابن عفَّان رضى الله عنه صلَّى بمنى أربع ركعات فأنكره النَّاس عليه، فقال يا أيُّها النَّاس إنِّى تأهَّلت بمكَّة منذ قدمت، وإنِّى سمعت رسول الله ﵌ يقول من تأهَّلت بمكَّة منذ قدمت، وإنِّى سمعت رسول الله ﵌ يقول من تأهَّل فى بلد فليصلِّ صلاة المقيم