والكفر والنَّفاق من سمع منادى الله ينادى بالصَّلاة يدعو إلى الفلاح ولا يجيبه
стр. 1437
_________
الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، وتعقب هذا التعقب ابن دقيق العيد بأنه لا يتم إلا أن ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبا عليه ولا دليل على ذلك، وليس فى إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم (قال الحافظ) والذى يظهر لى أن الحديث ورد فى المنافقين لقوله ﷺ فى صدر الحديث "أثقل الصلاة على المنافقين" ولقوله "ولو يعلمون الخ" لأن هذا الوصف يليق بهم لا بالمؤمنين، لكن المراد نفاق المعصية لا نفاق الكفر، يدل على ذلك قوله فى رواية "لا يشهدون العشاء فى الجمع" وقوله فى حديث أسامة "لا يشهدون الجماعات" وأصرح من ذلك ما فى رواية أبى داود عن أبى هريرة "ثم آتى قومًا يصلون فى بيوتهم ليست بهم علة" فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر، لأن الكافر لا يصلى فى بيته، إنما يصلى فى المسجد رياًء وسمعة، فاذا خلا فى بيته كان كما وصفه الله تعالى من الكفر والاستهزاء (قال الطيبى) خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم اذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعات، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم بل هو من صفات المنافقين، ويدل على ذلك قول ابن مسعود "لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق" وأخرج ابن أبى شيبة وسعيد بن منصور باسناد صحيح عن عمير بن أنس قال "حدثنى عمو متى من الأنصار قالوا قال رسول الله ﷺ ما شهدهما منافق" يعنى العشاء والفجر (ومنها) أن فريضة أن فريضة الجماعة كانت فى أول الأمر ثم نسخت حكى ذلك القاضى عياض (قال الحافظ) ويمكن أن يتقوى لثبوته، بالوعيد المذكور فى حقهم وهو التحريق بالنار، قال ويدل على النسخ الأحاديث الواردة فى تفصبل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (قلت تقدمت فى الباب الأول) قال لأن الأفضلية الاستراك فى أصل الفضل ومن لازم ذلك الجواز اهـ (ومنها) أن المراد بالصلاة فى أحاديث الباب الجمعة لا باقى الصلوات، وتعقب بان الأحاديث مصرحة بالعشاء والفجر كما فى روايات أبى هريرة، ولا ينافى ذلك ما وقع عند مسلم والأمام احمد من حديث ابن مسعود أنها الجمعة، لاحتمال تعدد الواقعة كما أشار إليه النووى والمحب الطبرى (والظاهر) ما ذهب اليه الجمهور وهو القول بالسننة لما فى ذلك من الجمع بين الأحاديث (قال الشوكانى) قد تقرر أن الجمع بين الأحاديث ما أمكن هو الواجب، ولبقية الأحاديث المشعرة بالوجوب على ظاهرها من دون تأويل، والتمسك بما يقتضى به الظاهر اهدارٌ للأدلة القاضية بعدم الوجوب وهو لا يجوز، فأعدل الأقوال وأقربها الى الصواب أن الجماعة من السنن المؤكدة التى لا يخل بملازمتها ما أمكن إلا محروم مشئوم، وأما انها فرض عين أو كفاية أو شرط لصحة الصلاة فلا، ولهذا قال المصنف (يعنى صاحب المنتقى ٩ بعد أن ساق حديث أبى هريرة يعنى "صلاة الرجل فى جماعة تزيد
стр. 1438
_________
على صلاته فى بيته وصلاته فى موقه بضعًا وعشرين درجة" قال ما لفظه وهذا الحديث يرد على من أبطل صلاة المنفرد لغير عذر وجعل الجماعة شرطا، لأن المفاضلة بينهما تستدعى صحتهما، وحمل النص على المنفرد لعذر لا يصح، لأن الأحاديث قد دلت على أن أجره لا ينقص عما يفعله لولا العذر، فروى أبو موسى عن النبى ﷺ قال "اذا مرض العبد أو سافر كتب الله له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا" رواه احمد والبخارى وأبو داود (وعن أبى هريرة) قال قال رسول الله ﷺ "من توضأ فأحسن الوضوء ثم راح فوجد الناس قد صلوا أعطاه الله مثل أجر من صلاها وحضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا" رواه احمد وأبو داود والنسائى اهـ كلام صاحب المنتقى (قال الشوكانى) استدل المصنف (يعنى صاحب المنتقى) بهذين على ما ذكره من عدم صحة حمل النص على المنفرد لعذر، لأن أجره كأجر المجمع أهـ (وقال صاحب حجة الله البالغة) الجماعة سنة مؤكدة تقام اللائمة على من تركها لأنها من شعائر الدين، لكنه ﷺ رآى من بعض من هنا لك تأخيرًا واستبطاء وعرف ان سببه ضعف النية فى الأسلام، فشدد النكير عليهم وأخاف قلوبهم، ثم لما كان فى شهود الجماعة حرج للضعيف والسقيم وذى الحاجة اقتضت الحكمة ان يرخص فى تركها عند ذلك ليتحقق العدل بين الأفراط والتفريط أهـ (وفى أحاديث الباب أيضا) أنه لا بأس بالحلف فيما يريد المخبر ان يخبر به للتأكيد (وفيها) أن لا بأس للأمام أن يستنيب عنه فى الأمامة لحاجة تعرض له وهو كذلك (وفيها) جواز العقوبة بالمال أخذًا من قوله فأحرق عليهم بيوتهم واليه ذهب الأمام احمد (وذهب الجمهور) الى أن العقوبات منسوخة بالمال بنهيه عن إضاعة المال ونحو ذلك، وقد يقال هذا من باب ما لغا يتم الواجب الا به، لأنهم قد يختفون فى مكان لا يعلم فأراد التوصل اليهم بتحريق البيوت، وفى ذلك من التأكيد والحض على صلاة الجماعة والتهديد لمن تركها مالا يخفى (فان قيل) كيف يهم النبى ﷺ بتحريق من تخلف عن الجماعة بالنار، وقد ثبت عنه ﷺ النهى عن التعذيب بها فيما رواه البخارى وأبو داود والترمذى والنسائى والأمام احمد أيضًا (وسيأتى فى موضعه) من حديث أبى هريرة قال "بعثنا رسول الله ﷺ فى بعث فقال ان وجدتم فلانا وفلانًا فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله ﷺ حين أردنا الرواح إنى أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانا وان النار لا يعذب بها إلا الله، فان وجدتموها فاقتلوهما" (وعن عكرمة) قال أتى علىّ رضى الله عنه بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله ﷺ "لا تعذبوا بعذاب الله" أو لقتلتهم لقول رسول الله ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه" رواه (خ. د. نس. مذ) وزاد الترمذى فبلغ ذلك عليًا فقال صدق ابن عباس (ولأبي داود)
стр. 1439
(٥) باب ما جاء فى الأعذار التى تبيح التخلف عن الجماعة
عن نافع أنَّ ابن عمر رضى الله عنهما نادى بالصَّلاة في ليلةٍ ذات بردٍ وريحٍ، ثمَّ قال في آخر ألا صلُّوا في رحالكم ألا صلُّوا فى رحالكم، ألا صلُّوا في الِّرحال، فإنَّ رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذِّن إذا كانت ليلةٌ باردةٌ أو ذات ريحٍ فى السَّفر ألاَّ صلُّوا في الرِّحال (وعنه
стр. 1440
من طريق ثانٍ) قال نادى ابن عمر بالصَّلاة بضجنان ثم نادى أن صلُّوا فى رحالكم ثمَّ حدَّث عن رسول الله ﷺ أنَّه كان يأمر المنادي فينادي بالصلَّاة، ثمَّ ينادى أن صلُّوا فى رحالكم في اللَّيلة الباردة وفي اللَّيلة المطيرة في السفَّر
عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فى سفر فمطرنا، قال ليصل من شاء منكم في رحله
стр. 1441
(١٣١٨) عن عمر بن أوس عن رجلٍ حدَّثه مؤذّن النَّبي ﷺ قال نادى منادى النَّبي صلَّي الله عليه وآله وسلَّم فى يومٍ مطيرٍ ألا صلُّوا فى الرِّحال عه نعيم بن النَّحَّام رضى الله عنه قال نودى بالصبُّح فى يوم بارد وأنا فى مرط امرأتى فقلت ليت المنادى قال من قعد فلا حرج عليه، فنادى النَّبيّ ﷺ في آخر أذانه ومن قعد فلا حرج عليه (وعنه من طريقٍ ثان) قال سمعت مؤذّن النَّبيّ ﷺ فى ليلة باردةٍ وأنا فى لحافي فتمنَّيت أن يقول صلوا في رحالكم، فلمَّا بلغ حىَّ على الفلاح قال صلُّوا فى رحالكم ثمَّ سألت عنها فإذا النَّبيُّ ﷺ أمره بذلك
стр. 1442
(١٣٢٠) عن سمرة (بن جندبٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال يوم حنين في يوم مطيرٍ الصَّلاة فى الرِّحال
عن أبى المليح بن أسامة قال خرجت إلى المسجد فى ليلة مطيرةٍ، فلمَّا رجعت استفتحت فقال أبى من هذا؟ قالوا أبو المليح، قال لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية وأصابتنا سماءٌ لم تبل أسافل نعالنا، فنادى منادي رسول الله ﷺ أن صلُّوا في رحالكم
стр. 1443
(وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن أبيه أنَّ يوم حنينٍ كان مطيرًا قال فأمر النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مناديه أن الصَّلاة فى الرَّحال
حّدثنا عبد الله حدَّثنى أبى ابن أبى عدىّ عن ابن عون عن محمَّدٍ أنَّ ابن عبَّاسٍ قال ابن عونٍ أظنُّه رفعه قال أمر مناديًا فنادى في يومٍ مطيرٍ أن صلُّوا في رحالكم
عن عائشة رضى الله عنها تبلغ به النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إذا وضع العشاء وأقيمت الصَّلاة
стр. 1444
فابدؤا بالعشاء
عن أم سلمة رضى اله عنها قغالت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إذا حضر العشاء وحضرت الصَّلاة فابدؤا بالعشاء
عن نافعٍ عن ابن عمر عن النَّبى ﵌ قال إذا وضع العشاء وأقيمت الصَّلاة فابدؤا بالعشاء قال ولقد تمشَّى ابن عمر
стр. 1445
مرةً وهو يسمع قراءة الإمام
عن موهوب بن عبد الرَّحمن بن أزهر عن أنس بن مالك (رض) أنَّه كان يخالف عمر بن عبد العزيز فقال له عمر ما يحملك على هذا؟ فقال إنَّى رأيت رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلَّم يصلَّى صلاةً متى توافقها أصلِّى معك. ومتى تخالفها أصلِّى وأنقلب إلى أهلي
стр. 1446
_________
فلو قال المؤذن حى على الصلاة لكلفتهم المجئ اليها ولحقتكم المشقة (وقوله كرهت أن أحرجكم) قال النووى هو بالحاء المهملة من الحرج وهو المشقة هكذا ضبطناه، وكذا نقله القاضى عياض عن رواياتهم (وقوله فى الطين والدحض) باسكان المهملة وبعدها ضاد معجمة الزلق اهـ وقد ذكر النووى للدحض معان أخرى اقتصرت على الزلق لأنه اشهرها (وعن أنس ابن مالك) رضى الله عنه ان النبى ﷺ قال "اذا قدم العشاء فابدؤا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" رواه البخارى والأمام أحمد أيضا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية التخلف عن الجماعة والجمعة والترخيض فى ذلك عند حصول المطر وشدة البرد والريح، وتقدم تفصيل ذلك فى خلال الشرح، قال ابن بطال أجمع العلماء على أن التخلف عن الجماعة فى شدة المطر والظلمة والريح وما أشبه ذلك مباح اه (قلت) وهذا لا ينافى أنها متأكدة اذا لم يكن ثم عذر، وأنها مشروعة لمن تكلف الأتيان اليها وتحمَّل المشقة، لقوله فى حديث جابر "ليصلى من شاء منكم فى رحله" (وفيها أيضا) أن صلاة الجماعة مشروعة فى السفر، وكذلك الاذان، وأن النداء بقوله "صلوا فى رحالكم" مشروع فى آخره لحديث ابن عمر الذى فى أول الباب، وفيه ثم قال فى آخر ندائه "ألا صلوا فى رحالكم" وكذلك عند مسلم، وفى رواية للبخارى ثم يقول على أثره يعنى أثر الأذان " ألا صلوا فى الرحال" وهو صريح فى أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان (قال القرطبى) يحتمل أن يكون المراد فى آخره قبل الفراغ منه جمعا بينه وبين حديث ابن عباس أى الذى ذكرناه آنفا وفيه "فلا تقل حى على الصلاة قل صلوا فى بيوتكم" وحمل ابن خزيمة حديث ابن عباس على ظاهره وقال انه يقال ذلك بدلا من الحيعلة نظرًا الى المعنى، لأن معنى حى على الصلاة هملوا اليها، ومعنى الصلاة فى الرحال تأخروا عن المجئ، فلا يناسب إيراد اللفظين معا، لأن أحدهما نقيض الآخر (قال الحافظ) ويمكن الجمع بينهما ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى الصلاة فى الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا الى الصلاة ندب لمن أراد ان يستكمل الفضيلة ولو بحمل المشقة، ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم (قلت تقدم فى أحاديث الباب) قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فمطرنا، فقال ليصل من شاء منكم فى رحله اهـ (وقال الحافظ ولى الدين أبو زرعة العراقى) فى طرح التثريب (وفيها) أن الأعذار المذكورة رخصة فى مطلق الجماعة، سواء فيها الجمعة وغيرها، وقد صرح فى حديث ابن عباس أنه فى يوم جمعة ولم يفرق أصحابنا فى أصحاب الاعذار بين الجمعة والجماعة إلا ما حكاه صاحب العدة عن أئمة طبرستان أنهم أفتوا أن الوحل الشديد عذر فى الجماعة دون الجمعة، والصحيح أنه عذر فيهما معًا، ومن فرق بينهما محجوج بحديث ابن عباس
стр. 1447
_________
وهو متفق عليه من رواية عبد الله بن الحارث فذكرا الحديث وقال فى بعض طرقه إن الجمعة عزمة وإنى كرهت أن أخرجكم فتمشوا فى الطين والدحض قال (وفيها) حجة على رواية مالك حيث ذهب الى أن المطر والوحل ليسا بعذر فى الجمعة، وعنه رواية أن المطر الشديد والوحل عذر فيها (وقال احمد بن حنبل) إن المطر الوابل عذر، وقيد أصحابنا الوحل بالشديد وأطلق أكثرهم المطر ولم يقيدوه بالشديدن وقيد بعضهم بما يحصل به أذى، وقد أطلق المطر فى حديث ابن عباس لكن فى بعض طرقه عند البخارى أن ابن عباس قال "كرهت أن أؤثمكم فتحيئون تدوسون الطين الى ركبكم" فهذا يدل على شدة الوحل والمطر، لكن يجوز أن يكون بعد انقطاع المطر وهو الظاهر من سياق الحديث اهـ (وفيها أيضا) مشروعية تقديم العشاء (بفتح العين المهملة) اذا حضر سواء كان محتاجًا اليه أم لا، وسواء كان خفيفا أم لا، وسواء خشى فساد الطعام أم لا، وخالف الغزالى فزاد فيه خشية فساد الطعام الطعام، والشافعية فزادوا قيد الاحتياج اليه، ومالك فزاد قيد أن يكون الطعام خفيفا وقد ذهب الى الأخذ بظاهر الأحاديث (ابن حزم والظاهرية) ورواه الترمذى عن أبى بكر وعمر وابن عمر وأحمد وإسحاق، ورواه العراقى عن العراقى عن الثورى فقال يجب تقديم الطعام، وجزموا ببطلان الصلاة اذا قدمت (وذهب الجمهور) الى الكراهة، وظاهرا الأحاديث أيضا أنه يقدم الطعام وإن خشى خروج الوقت، واليه ذهب ابن حزم، وذكره أبو سعيد المتولى وجها للشافعية (وذهب الجمهور) الى أنه اذا ضاق صلى على حاله محافظة على الوقت ولا يجوز تأخيرها، قالوا لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا نفوته لأجله، وظاهر قوله فى حديث ابن عمر عند البخارى (ولا تعجل حتى تفرغ) أنه يستوفى حاجته من الطعام بكمالها، وهو يرد ما ذكره بعض الشافعية فى أنه يقتصر على تناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع (قال النووى) وهذا الحديث صريح فى إبطاله اهـ وقد ألحق بالطعام ما يحصل بتأخيره تشويش الخاطر بجامع ذهاب الخشوع الذى هو روح الصلاة (وقوله) فى حديث عائشة وابن عمر (إذا وضع العشاء) دليل على اعتبار الحضور الحقيقى (قال الشوكانى) ومن نظر إلى المعنى من أهل القياس لا يقصر الحكم على الحضور بل يقول به عند وجود المعنى، وهو التشوق الى الطعام، ولا شك أن حضور الطعام مؤثر لزيادة الاشتغال به والتطلع اليه، ويمكن أن يكون الشارع قد اعتبر هذه الزيادة فى تقديم الطعام، وقد تقرر فى الأصول أن محل النص إذا اشتمل على وصف يمكن أن يكون معتبرًا لم يلغ؛ قال ابن دقيق العيد إنه لا يبعد الحاق ما كان متيسر الحضور عن قرب بالحاضر اهـ
стр. 1448
أبواب خروج النساء الى المساجد للجماعة
(١) باب الأذن لهن بالخروج لذلك
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال قال رسول الله ﵌ لا تمنعوا إماء الله أن يصلِّين فى المسجد
عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلاتٍ
عن زيد بن خالد الجهنيِّ رضى الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه
стр. 1449
وعلى آله وصحبه وسلَّم مثله
عن مجاهدٍ عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ ائذنوا باللَّيل تفلات "ليثٌ الَّذى ذكر تفلاتٍ"
وعنه أيضًا عن عبد الله بن عمر أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لا يمنعنَّ رجلٌ أهله أن يأتوا المساجد، فقال ابنٌ لعبد الله بن عمر فإنَّا نمنعهن، فقال عبد الله أحدِّثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا، فما كلَّمه عبد الله حتَّى مات
стр. 1450
(١٣٣٢) وعن مجاهد أيضًا عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النَّبيَّ ﷺ أنَّه قال لاغ تمنعوا نساءكم المساجد باللَّيل، فقال سالمٌ أو بعض بنيه والله لا ندعهنَّ يتخذنه دغلًا قال فلطم صدره وقال أحدِّثك عن رسول الله ﷺ وتقول هذا؟
عن حبيب بن أبى ثابتٍ عن ابن عمر رضى الل ٩ هـ عنهما أنَّ رسول الله ﷺ قال لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهنَّ خيرٌ لهنَّ قال فقال ابنٌ لعبد الله بن عمر بلى والله لنمنعهنَّ، فقال ابن عمر تسمعنى أحدِّث
стр. 1451
عن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وتقول ما تقول
عن كعب بن علقمة عن بلال بن عبد الله بن عمر بن الخطَّاب عن أبيه قال رسول الله ﵌ لا تمنعوا النَّساء حظوظهنَّ من المساجد إذا أستأذنَّكم، فقال بلالٌ والله لنمنعهن فقال عبد الله أقول قال رسول الله ﷺ وتقول لنمنعهنَّ؟
عن سالم بن عبد الله (يعني ابن عمر) قال كان عمر رضي
стр. 1452
الله عنه رجلًا غيورًا، فكان إذا خرج إلى الصلًاة اتَّبعته عاتكه ابنة زيدٍ فكان يكره خروجها ويكره منعها وكان يحدِّث أنَّ رسول الله صلَّى الله وعليه وآله وسلَّم قال إذا استأذنكم نساؤكم إلى الصلَّاة فلا تنمعوهنَّ
عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ إذا استأذنت أحدكم امرأته أن تأتى المسجد فلا يمنعها، قال وكانت امرأة عمر بن الخطّاب رضى الله عنه تصلِّي فى المسجد فقال لها إنَّك لتعلمهين ما أحب فقالت والله لا أنتهى حتَّى تنها قال فطعن عمرو إنَّها لفي المسجد
стр. 1453
(٢) باب منعهن من الخروج اذا خشى منه الفتنة
(وفضل صلاتهن فى بيوتهن)
عن عبد الله بن سويد الأنصارىَّ عن عمَّته أمِّ حميدٍ امرأة أبى حميدٍ السَّاعدىِّ رضى الله عنهما أنَّها جاءت النَّبيَّ ﵌ فقالت يا رسول الله إنَّى أحبُّ الصَّلاة معك، قال قد علمت أنَّك تحبِّين الصَّلاة معى، وصلاتك فى بيتك خيرٌ لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك
стр. 1454
في حجرتك خيرٌ لك من صلاتك فى دارك، وصلاتك فى دارك خيرٌ لك من صلاتك فى مسجد قومك، وصلاتك فى مسجد قومك خيرٌ لك من صلاتك فى مسجدى، قال فأمرت فبنى لها مسجدٌ فى أقصى شئ من بيتها وأظلمه فكانت تصلِّى فيه حتَّى لقيت الله
عن أمِّ سلمة رضى الله عنها عن رسول الله ﷺ أنَّه خير مساجد النَّساء قغر بيوتهنَّ
стр. 1455
(١٣٣٩) عن عبيد مولى لأبى رهمٍ عن أبى هريرة رضى الله عنه أنَّه لقى امرأةً فوجد منها ريج إعصارٍ طيِّبة، فقال لها أبو هريرة المسجد تريدينً؟ قالت نعم، قال وله تطيَّبت؟ قالت نعم، قال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ ما من امرأةٍ تطَّيَّبت للمسجد فيقبل الله لها صلاةً حتَّى تغتسل منه اغتسالها من الجنابة فاذهبي فاغتسلي (وعنه من طريقٍ ثانٍ يرفعه) أيُّما امرأةٍ خرجت من بيتها متطيَّبةً تريد المسجد لم يقبل الله لها صلاةً حتَّى ترجع فتغتسل منه غسلها من الجنابة
стр. 1456
(١٣٤٠) عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أيُّما امرأةٍ أصابت بخورًا فلا تشهدنَّ عشاء الآخرة
عن عائشة رضى الله عنها عن النَّبيِّ ﷺ قال لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات، قالت عائشة ولو رأى حالهنَّ اليوم منعهنَّ
عن حَّماد بن زيدٍ عن يحيى عن عمرة عن عائشة ﵂ قالت لو أن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وصلَّم رأى من النِّساء ما رأينا لمنعهنَّ من المساجد كما منعت بنوا إسرائيل نساءها قلت
стр. 1457
لعمرة ومنعت بنوا إسرائيل نساءها؟ قالت نعم
стр. 1458
(٣) باب في آداب تتعلق بخروجهن وصلاتهن فى المسجد
عن بسر بن سعيدٍ قال أخبرتنى زينب الثَّقفية امرأة عبد الله ابن مسعودٍ أنَّ رسول الله ﵌ قال لها إذا خرجت إحداكنَّ إلى العشاء تمسَّ طيبًا
عن عائشة ﵂ قالت كنَّ النَّساء يصلِّين مع النَّبيِّ ﷺ الغداة ثمَّ يخرجن متلفِّعات بمروطهنَّ لا يعرفن (وعنها من طريقٍ ثانٍ) أن نساءً من المؤمنات كنَّ يصلِّين مع رسول الله ﷺ الصبُّح متلفِّعات بمروطهنَّ ثمَّ يرجعن إلى أهلهنَّ وما يعرفهنَّ أحدٌ من الغلس عن أسماء (بنت أبى بكر رضى الله عنها) أنَّها قالت كان المسلمون ذوى حاجةٍ يأتزرون بهذه النَّمرة فكانت إنَّما تبلغ أنصاف
стр. 1459
سوقهم أو نحو ذلك فسمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يعني النَّساء فلا ترفع رأسها حتَّى نرفع رؤسنا كراهية أن تنظر إلى عورات الرِّجال من صغر أزرهم
عن سهل بن سعدٍ السِّاعديِّ رضي اللهى عنه قال كان رجالٌ يصلُّون مع النَّبيِّ ﷺ عاقدى أزرهم على رقابهم كهيئة الصِّبيان فيقال للنِّساء لا ترفعن رؤسكنَّ حتىَّ يستوى الرِّجال جلوسًا
عن أمِّ سلمة رضى الله عنها أنَّ النِّساء فى عهد رسول الله صلى اللخهى عليه وسلم إذا سلَّم من الصَّلاة المكتوبة قمن وثبت رسول الله ﷺ وثبت من صلَّى
стр. 1460
من الرِّجال ما شاء الله فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرِّجال
стр. 1461
(٤) باب فضل المسجد الابعد وكثرة الخطا الى المساجد
عن أبى هريرة رضى الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال الأبعد فالأبعد من المسجد أفضل أجرًا
عن أبى الزُّبير قال سألت جابرًا سميع النَّبيَّ ﷺ يقول في كثرة خطا الرَّجل إلى المسجد شيئًا؟ فقال هممنا أن ننتقل من دورنا إلى المدينة لقرب المسجد فزجرنا رسول الله ﷺ عن ذلك، وقال لا تعروا المدينة، فإنَّ لكم فضيلةً على من عند المسجد بكلِّ خطوةٍ درجة (ومن طريقٍ ثانٍ) عن أبى نضرة عن جابر قال خلت البقاع حول
стр. 1462
المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقال لهم إنَّه بلغنى أنَّكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد؟ قالوا نعم يا رسول الله أردنا ذلك، فقال يا بنى سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم
وعن أنس بن مالكٍ ﵁ بنحوه وفيه فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وكره أن تعرى المدينة، فقال يا بنى سلمة ألا تحتسبون آثاركم إلى المسجد؟ قالوا بلى يا رسول الله، فأقاموا
стр. 1463
(١٣٥١) عن أبي عثمان عن أبىَّ بن كعبٍ ﵁ قال كل رجلٌ بالمدينة لا أعلم رجال كان أبعد منه منزلًا أوقات دارًا من المسجد منه (زاد فى رواية قال فكان يحضر الصلوات كلَّهن مع النَّبيَّ ﷺ فقيل له لو اشتريت حمارًا فركبته فى الرَّمضاء والظَّلمات. فقال ما يسرُّنى أنَّ داري أو قال منزلى إلى جنب المسجد، فمنمى الحديث إلى رسول الله ﷺ فقال ما أردت بقولك ما يسرُّنى أنَّ منزلى أو قال دارى إلى جنب المسجد؟ قال أردت أن يكتب إقبالى إذا أقبلت إلى المسجد ورجوعى إذا رجعت إلى أهلى، قال أعطاك الله ذلك كلَّه، أو أنطاك الله ما احتسبت أجمع
стр. 1464
(٥) باب فضل المشي الى الجماعة بالسكينة
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلَّم إذا أقيمت الصَّلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السَّكينة فما أدركتم فصلَّوا
стр. 1465
وما فاتكم فأتمَّوا (وفى روايةٍ أخرى) "فقضوا" بدل قوله "فأتمُّوا"
стр. 1466
(وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه وفيه) فصلُّوا ما أدركتم واقضوا ما سبقكم
(١٣٥٣) عن عبد الله بن أبى قتادة عن أبيه قال بينما نحن نصلَّى مع النَّبى ﵌ إذا سمع جلبة رجالٍ، فلمَّا صلَّى دعاهم فقال ما شأنكم قالوا يا رسول الله استعجلنا إلى الصَّلاة، قال فلا تفعلوا، إذا أتيتم الصَّلاة فعليكم السّكينة، فما أذركتم فصلّوا. وما سبقكم فأتُّموا
(١٣٥٤) عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال أقيمت الصلَّاة فجاء رجلٌ لايسعى فانتهى وقد حفزه النَّفس أو انبهر فلمَّا انتهى إلى الصَّفَّ قال الحمد لله حمدًا كثيرًا طيَّبًا كاًفيه، فلمَّا قضى رسول ﷺ الله صلاته قال أيُّكم المتكلِّم؟ فسكت القوم، فقال أيُّكم المتكلِّم؟ فإنَّه قال خيرًا أو لم يقل بأسًا، قال
стр. 1467
يا رسول الله أنا أسرعت المشى فانتهيت إلى الصَّفِّ فقلت الَّذى قلت، قال لقد رأيت اثنى عشر ملكا يبتدرونها أيهم يرفعها، ثمَّ قال، إذا جاء أحدكم إلى الصَّلاة على هيئته فليصلِّ ما أدرك وليقض ما سبقه
(١٣٥٥) عن عبد الله (يعني ابن مسعودٍ) رضى الله عنه قال امشوا إلى المسجد فإنَّه من الهدى وسنَّة محمَّدٍ ﵌
(١٣٥٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ من راح إلى مسجد الجماعة فخطوة تمحو سيِّئةً وخطوةٌ تكتب حسنةً ذاهبًا وراجعًا
стр. 1468
(١٣٥٧) عن نافعٍ عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﵌ لا يجعل أحدكم عن طعامه للصلاة، قال وكان ابن عمر يسمع الإقامة وهو يتعشَّى فلا يعجل
стр. 1469
_________
لها دون غيرها من الصلوات، وأما قوله [إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله] فإن المراد بالسعى فيه مطلق المضي أو القصد والله أعلم (قال النووي ﵀ يقال سعيت في كذا أو إلى كذا إذا ذهبت إليه وعملت فيه، ومنه قوله تعالى [وأن ليس للانسان إلا ما سعى] قال العلماء والحكمة في إتيانها بسكينة والنهي عن السعي أن الذاهب إلى صلاة عامد في تحصيلها ومتوصل إليها، فينبغي أن يكون متأدبًا بآدابها وعلى أكمل الأحوال، وهذا معنىى قوله ﷺ "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" (وفي أحاديث الباب) أيضًا دليل للشافعية القائلين بأن ما أدركه المسبوق مع الامام هو أول صلاته وما يأتي به بعد سلام الامام هو آخر صلاته، لقوله في الحديث وما فاتكم فأتموا (قال الحافظ) ولي الدين أبو زرعة العراقي في طرح التثريب، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر وعلي وأبي الدرداء وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن المسيب والحسن البصري وسعيد ابن جبير، وحكاه ابن المنذر عن هؤلاء خلا سعيد بن حبير، وقال إنه لا يثبت عن عمرو علي وأبي الدرداء، وحكاه أيضًا عن مكحول وعطاء والزهري والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز واسحاق بن راهويه والمزني، قال ابن المنذر وبه أقول، ورواه البيهقي عن ابن عمرو محمد بن سيرين وأبي قلابة، وهو منصوص مالك في المدونة، فإنه قال فيها "إن ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من القراءة بأم القرآن وسورة" قال ابن بطال ورواه ابن نافع عن مالك (وقال سحنون) في العتبية هو الذي لم نعرف خلافه وهو قول مالك أخبرني به غير واحد، وحكاه ابن بطال عن أحمد بن حنل، وحكاه القاضي عياض عن جمهور العلماء والسلف، وحكاه النووي عن جمهور العلماء من السلف والخلف (وذهب آخرون) إلى أن ما أدركه مع الامام هو آخر صلاته وما يأتي به بعد سلام الامام هو أول صلاته، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابن مسعود وابن عمر وإبراهيم المخعي وكجاهد وأبي قلابة وعمرو بن دينار والشعبي وابن سيرين وعبيد بن عمير؛ وحكاه ابن المنذر عن مالك وسفيان النوري والشافعي وأحمد (فأما مالك) فهو المشهور في مذهبه كما قال القاضي عبد الوهاب، قال ابن بطال وهو قول أشهب وابن الماجشون، واختاره ابن حبيب وقال الذي يقضي هو أولها لأنه لا يستطيع أن يخالف إمامه فتكون له أولى وللامام ثانية أو ثالثة اهـ (وأما الشافعي) فليس هذا مذهبه وما رأيت أحدًا حكاه عنه إلا أن النووي حكاه في الروضة؛ قال أنه حكى عنه قول غريب أنه يجهر (وما أحمد) فكذلك حكاه عنه الخطابي أيضًا وهو خلاف ما حكاه عنه ابن؟؟ كما تقدم؛ واستدل هؤلاء بقوله في الرواية الأخرى "وما فاتكم فاقضوا" فلما استعمل لفظ القضاء
стр. 1470
_________
في المأتى به بعد سلام الإمام دل على أنه مؤخر عن محله وأنه أول الصلاة لكنه يقضيه، (وأجاب الجمهور) عنه بجوابين (أحدهما) تضعيف هذه اللفظة (الثاني) أن قوله اقضوا بمعنى أتموا والعرب تستعمل القضاء على غير معنى إعادة ما مضى، قال الله تعالى (فقضاهن سبع سماوات) وقال تعالى [فإذا قضيت الصلاة] وقالوا قضى فلان حق فلان، فيحمل القضاء في هذا الحديث على المعنى جمعًا بين الروايتين (وفي المسألة مذهب ثالث) أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، وآخرها بالنسبة إلى الأقوال، وهي رواية عن مالك: ويوافقه ما نص عليه الشافعي ﵀ من أنه لو أدرك ركعيتين من رباعية ثم قام للتدارك يقرأ السورة في الركعتين، واخنلف أصحابه في هذا فقال بعضهم هو تفريع على قوله يستحب قراءة السورة في جمبع الركعات، وقال بعضهم هو تفريع على القولين معًا لئلا تخلو صلاته عن السورة وصححه النووي، ويوافقه ما رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب أنه قال "ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن" (وذكر ابن بطال) انه لا خلاف عن مالك في قراءة المسبوق للسورة مع الفاتحة في آخر صلاته، وجعل القول بأن ما أدركه مع الإمام أول صلاته وإذا أتى بما فاته لا يقرأ فيه السورة قولًا آخر غير القولين الأولين، وحكاه المزني وإسحاق وأهل الظاهر، وقال فهؤلاء طردوا قولهم على أصولهم إلا أنه لا سلف لهم فيه فلامعنى له اهـ واقتضى كلامه أن جميع القائلين بأن ما فعله مع الإمام أول صلاته يقولون بقراءة السورة فيما يأتي به بعد سلام الإمام سوى هؤلاء المذكورين والله أعلم أفاده صاحب طرح التثريب (قلت واستدل بأحاديث الباب) بعض أهل الظاهر وابن حزم على أن من أدرك الإمام راكعًا لا تحسب له تلك الركعة لأنه ﵊ أمره بإتمام ما فاته وقد فاتته الوقفة وقراءة أم القرآن، وحكاه عن أبي هريرة وزيد بن وهب وبه قال ابن خزيمة وأبو بكر الضبي من الشافعية (وخالفهم الجمهور) والأئمة الأربعة فقالوا باعتداد الركعة لمن أدرك الإمام راكعًا قبل أن يقيم صلبه (وذهب الشوكاني) إلى ما ذهب إليه الأولون فقال بعد ترجيح أدلة القائلين بوجوب قراءة الفاتحة وأنها شرط في صحة الصلاة قال: من ههنا يتبين لك ضعف ما ذهب إليه الجمهور أن من أدرك الإمام راكعًا معه واعتد بتلك الركعة وإن لم يدرك شيئًا من القراءة، قال واستدلوا على ذلك بحديث أبي هريرة "من أدرك الركوع من الركعة الأخيرة في صلاته يوم الجمعة فليضف إليها ركعة أخرى" رواه الدارقطني من طريق ياسين بن معاذ وهو متروك، وأخرجه الدارقطني بلفظ "إذا أدرك أحدكم الركعتين يوم الجمعة فقد أدرك، وإذا أدرك ركعة فليركع إليها أخرى" ولكنه من طريق سليمان بن داود الحراني ومن طريق صالح بن أبي الأخضر وسليمان متروك
стр. 1471
_________
وصالح ضعيف، على أن التقييد بالجمعة في كلا الراويتين مشعر بأن غير الجمعة بخلافها، وكذا التقييد بالركعة في الرواية الأخرى يدل على خلاف المدّعى لأن الركعة حقيقة لجميعها. وإطلاقها على الركوع وما بعده مجاز لإيصار إليه إلا لقرينه كما وقع عند مسلم من حديث البراء بلفظ "فوجدت قيامه فركعته فاعتداله فسجدته" فإن وقوع الركعة في مقابلة القيام والاعتدال، والسجود قرينة تدل على أن المراد بها الركوع، وقد ورد حديث "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة" بألفاظ لا تخلو طرقها عن مقال حتى قال ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه لا أصل لهذا الحديث، إنما المتن "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركهت" وكذا قال الدارقطني والعقيلي، وأخرجه ابن خزيمة عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن يقيم للإمام صلبه" وليس في ذلك دليل لمطلولهم لما عرفت من أن مسمى الركعة جميع أذكارها وأركانها حقيقة شرعية وعرفية، وهما مقدمتان على اللغوية كما تقرر في الأصول، فلا يصح جعل حديث ابن خزيمة وما قبله قريبنة صارفة عن المعنى الحقيقي (فإن قلت) فأي فائدة على هذا في التقييد بقوله "قبل أن يقيم صلبه" قلت دفع توهم أن من دخل مع الإمام ثم قرأ الفاتحة وركع الإمام قبل فراغه منها غير مدرك؛ إذا تقرر لك هذا علمت أن الواجب الحمل على الإدراك الكامل للركعة الحقيقية لعدم وجود ما تحصل به البراءة من عهدة أدلة وجوب القيام القطعية وأدلة وجوب الفاتحة (وقد ذهب إلى هذا) بعض أهل الظاهر وابن حزيمة وأبو بكر الضبعي، وروى ذلك ابن سيد الناس في شرح الترمذي وذكر فيه حاكيًا عمن روى عن ابن حزيمة أنه احتج لذلك بما روى عن أبي هريرة أنه ﷺ قال "من أدرك الإمام في الركوع فليركع معه وليعد الركعة" وقد رواه البخاري في القراءة خلف الإمام من حديث أبي هريرة أنه قال "إن أدركت القوم ركوعًا لم تعتد بتلك الركعة" قال الحافظ وهذا هو المعروف عن أبي هريرة موقوفًا، وأما المرفوع فلا أصل له (وقال الرافعي) تبعًا للإمام إن أبا عاصم العبادي حكى عن ابن خزيمة أنه احتج به، وقد حكى هذا المذهب البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحكاه في الفتح عن جماعة من الشافعية وقواه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من محدثي الشافعية ورجحه المقبلي، قال وقد بحثت هذه المسئلة واحطتها في جميع بحثي فقهًا وحديثًا فلم أحصل منها على غير ما ذكرت يعني من عدم الاعتداد بإدراك الركوع فقط (قال العراقي) في شرح الترمذي بعد أن حكى عن شيخه السبكي أنه كان يختار أنه لا يعتد بالركعة من لا يدرك الفاتحة ما لفظه وهو الذي يختاره اهـ فالعجي ممن يدعي الإجماع والمخالف مثل هؤلاء: وأما احتجاج الجمهور) بحديث أبي بكرة حيث صلى خلف الصف مخافة أن تفوته الركعة
стр. 1472
_________
فقال ﷺ زادك الله حرصًا ولا تعد" ولم يؤمر بإعادة الركعة فليس فيها ما يدل على ما ذهبوا إليه لأنه كما لم يأمره بالإعادة لم ينقل إلينا أنه اعتد بها، والدعاء له بالحرص لا يستلزم الاعتداد بها لأن الكون مع الإمام مأمور به سواء كان الشيء الذي يدركه المؤتم معتمدًا به أم لا كما في حديث "إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدّوها شيئًا" أخرجه أبو داود وغيره؛ على أن النبي ﷺ قد نهى أبا بكرة عن العود إلى مثل ذلك، والاحتجاج بشيء قد نهى عنه لا يصح، وقد أجاب ابن حزم في المحلى عن حديث أبي بكرة فقال إنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس فيه اجتزاء بتلك الركعة؛ ثم استدل على ما ذهب إليه من أنه لا بد في الاعتداد بالركعة من إدراك القيام والقراءة بحديث "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" ثم حزم بأنه لا فرق بين فوت الركعة والركن والذكر المفروض لأن الكل فرض لا تتم الصلاة إلا به، قال فهو مأمور بقضاء ما سبقه به الإمام وإتمامه، فلا يجوز تخصيص شيء من ذلك بغير نص آخر ولا سبيل إلى وجوده، قال وقد أقدم بعضهم على دعوى الإجماع على ذلك وهو كاذب في ذلك، لأنه قد روى عن أبي هريرة أنه لا يعتد بالركعة حتى يقرأ أم القرآن، وروى القضاء أيضًا عن زيد بن وهب ثم قال (فإن قيل) أنه يكبر قائمًا ثم يركع فقد صار مدركًا للوقفة (قلنا) وهذه معصية أخرى، وما أمر الله تعالى قط ولا رسوله أن يدخل في الصلاة من غير الحال التي يجد الإمام عليها، وأيضًا لا يجزئ قضاء شيء يسبق به من الصلاة إلا بعد سلام الإمام لا قبل ذلك، وقال أيضًا في الجواب عن استدلالهم بحديث "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة" أنه حجة عليهم لأنه مع ذلك لا يسقط عنه قضاء ما لم يدرك من الصلاة اهـ (والحاصل) أن أنهض ما احتج به الجمهور في المقام حديث أبي هريرة حينئذ باللفظ الذي ذكره ابن خزيمة لقوله فيه قبل أن يقيم صلبه كما تقدم، وقد عرفت أن ذكر الركعة فيه مناف لمطلوبهم وابن خزيمة الذي عولوا عليه في هذه الرواية من القائلين بالمذهب الثاني كما عرفت، ومن البعيد أن يكون هذا الحديث عنده صحيحًا ويذهب إلى خلافه (قال) ومن الأدلة على ما ذهبنا إليه في هذه المسءلة حديث أبي قتادة وأبي هريرة عليهما بلفظ "ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" قال الحافظ في الفتح قد استدل بهما على أن من أدرك الإمام راكعًا لم يحتسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه؛ ثم قال وحجة الجمهور وحديث أبي بكرة، وقد عرفت الجواب عن احتجاجهم به، وقد ألف السيد العلامة محمد بن إسماعيل الأمير رسالة في هذه المسئلة ورجح مذهب الجمهور وقد كتبت أبحاثًا في الجواب عليها اهـ (وحكى الحافظ أبو زرعة العراقي) عن النووي أنه قال فيما ذهب إليه الظاهرية وابن حزم وغيرهم إنه شاذ منكر
стр. 1473
(٤) باب من مشى إلى الجماعة كما أمر فسبق بها كان له مثل أجر من أدركها
(١٣٥٨) عن أبى هريرة رضى الله عنه أنَّ رسول الله ﵌ قال من توضَّأ فأحسن وضوءه ثمَّ راح فوجد النَّاس قد صلَّوا أعطاه
стр. 1474
الله مثل أجر من صلاَّها أو حضرها لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا
(١٣٥٩) ز وعنه أيضًا قال قال رسول الله ﷺ إذا ثوّب بالصلَّاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السَّكينة، فما أدركتم فصلُّوا، وما فاتكم فأتمُّوا فإنَّ أحدكم فى صلاةٍ إذا ما كان يعمد إلى الصلَّاة
стр. 1475
(أبواب الإمامة وصفة الائمة واحكام تتعلق بهمى)
(١) باب الأمام ضامن وما جاء فى امامة الفاسق
(١٣٦٠) عن أبى هريرة رضى الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال الإمام ضامنٌ والمؤذَّن مؤتمنٌ (وفى لفظ أمينٌ) اللهمَّ أرشد الأئمَّة واغفر للمؤذِّنين
(١٣٦١) عن أبى علىّ الهمدانهىِّ قال خرجت فى سفرٍ ومعنا عقبة بن عامرٍ رضى الله عنه قال فقلنا إنَّك يرحمك الله من أصحاب رسول الله صلى الله عله وسلم فأمَّنا فقال لا، إنَّي سمعت رسول الله ﷺ يقول من أم النَّاس فأصاب الوقت