Полный текст (7 020 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
-[فضل الغسل والطيب ليوم الجمعة]-
(١٥٤١) عن عائشة رضي الله عنهت قالت كان النَّاس عمَّال أنفسهم (١) فكانوا يروحون كهيئتهم (٢) فقيل لهم لو اغتسلتم (٣)
(١٥٤٢) عن أبى سعيد الخدري وأبى هريرة رضى الله عنهما قالا قال رسول الله ﷺ من اغتسل يوم الجمعة واستاك ومسَّ من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثمَّ خرج حتَّى يأتي المسجد فلم يتخطَّ رقاب النَّاس حتَّى ركع ما شاء أن يركع ثمَّ أنصت (٤) إذا اخرج الإمام فلم يتكلَّم حتَّى يفرغ من صلاته (٥) كانت كفَّارة لما بينها وبين الجمعة التى قبلها (٦) قال وكان الحواشي
(١٥٤١) عن عائشة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) رواية أبى داود مُهَّان بضم الميم وتشديد الهاء جمع ماهن ككتاب جمع كاتب، وقال الحافظ أبو موسى مهان بكسر الميم والتخفيف جمع ماهن كقيام وصيام جمع قائم وصائم (وفى رواية البخارى) مَهَنة أنفسهم جمع ماهن أيضاً ككتبة جمع كاتب والماهن الخادم، والمعنى أنهم كانوا يخدمون أنفسهم؛ لأنه لم يكن لديهم خدم لفقرهم كما قدمنا، وكل عامل يباشر عملاً شاقاً لابد أن يعرق، ولاسيما فى البلاد الحارة فينتج من هذا العرق ريح كريهة فأمروا بالاغتسال للتنظيف ولأزالة الريح الكريهة(٢) أي يذهبون إلى صلاة الجمعة بحالتهم التي هم عليها من العرق والوسخ فتظهر لهم رائحة كريهة(٣) أى لكان أفضل وأطيب ﴿تخريجه﴾ (ق. د. والطحاوى. وغيرهم)(١٥٤٢) عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن محمد بن إسحاق ثنا محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبى أمامة بن سهل بن حنيف عن أبى سعيد الخدرى وأبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(٤) أى استمع الخطبة(٥) أى حتى ينتهى الأمام منها (وفى رواية مسلم) حتى يفرغ من خطبته، ويستفاد منها أن الكلام بعد الخطبة وقبل الأحرام بالصلاة جائز(٦) يعنى الخصال المتقدمة وهى الغسل والسواك ومسстр. 1647
-[فضل لبس الثياب الحسنة والطيب والدهن للجمعة]-
أبو هريرة يقول وثلاثة أيَّام زيادة (١) إنَّ الله جعل الحسنة بعشر أمثالها.
(١٥٤٣) عن أبى ذر ﵁ عن النبي ﵌ قال من اغتسل أو تطهَّر (٢) فأحسن الطُّهور ولبس من أحسن ثيابه ومسَّ ما كتب الله له من طيب (٣) أو دهن أهله (٤) ثمَّ أتى الجمعة فلم يلغ (٥) ولم يفرِّق بين اثنين (٦) غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى (ومن طريق ثانٍ) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا يونس ثنا ليث عن محمَّدٍ يعنى ابن عجلان عن الحواشي
(١) أى من التى بعدها كما فى رواية ابن حبان، لأن الزمن من صلاة الجمعة السابقة إلى صلاة التي تليها بعد أسبوعاً كاملاً، فاذا زدنا ثلاثة أيام كما فى رواية أبى هريرة صار المجموع عشرة أيام، فصلاة الجمعة فى يوم واحد كفرت ذنوب عشرة أيام، لأن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها، والمراد هنا تكفير الذنوب الصغائر كما يستفاد من بعض الروايات الصحيحة، فعند ابن ماجه ما لم يغش الكبائر، وعند مسلم نحو ذلك، وظاهر الحديث أن تكفير الذنوب من الجمعة إلى الجمعة مشروط بوجود جميع الخصال المذكورة فى الحديث وترك الكبائر كما فى الروايات الأخرى والله أعلم ﴿تخريجه﴾ (م. د)(١٥٤٣) عن أبى ذر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن ابن عجلان حدثنى سعيد عن أبيه عن عبد الله بن وديعة عن أبى ذر "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) أو للشك من الراوى (وقوله فأحسن الطهور) أى استوعب جميع جسمه بالغسل والنظافة(٣) أى ما يسّره الله له(٤) الدهن بضم الدال المهملة هو ما يدَّهن به من زيت ودهن سمسم ونحو ذلك من الأدهان المطيّبة، وإنما قال دهن أهله "أى زوجته" لأن الأدهان لا تستعمل إلا فى الشعر وهو خاص بالنساء غالباً، والمعنى أن من لم يتخذ لنفسه دهناً فليستعمل من دهن امرأته، وفيه إشارة الى التزين يوم الجمعة بالدهن لأزالة شعث الشعر وبالطيب لأزالة الريح الكريهة، فان لم يجد إلا أحدهما اقتصر عليه(٥) أى لم يتكلم، لأن الكلام حال الخطبة لغو، يقال لغا يلغو كغزا يغزو، ولغِىَ يَلغَى كعمِىَ يَعمَى، ومن الثانى قوله تعالى ﴿والغَوْا فيه﴾ واللغو السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع، وإنما كان مطلق الكلام فى حال الخطبة لغوًا لورود النهى عنه(٦) أي لم يتخطстр. 1648
-[فضل الغسل للجمعة والانصات للخطيب]-
سعيد بن أبي سعيدٍ عن أبيه عن عبد الله بن وديعة الخدريِّ عن أبى ذرّ رضى الله عنه (مثله وفيه) قال محمَّد فذكرت لعبادة بن عامر بن عمر وبن حزم فقال صدق وزيادة ثلاثة أيَّامٍ.
(١٥٤٤) وعن سلمان الخير (١) رضى الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بنحو الطَّريق الأولى من الحديث السَّابق.
(١٥٤٥) وعنه أيضًا رضى الله عنه قال قال لى النَّبيِّ ﷺ أتدرى ما يوم الجمعة؟ قلت هو اليوم الَّذى جمع الله فيه أباكم (٢) قال لكنِّى أدرى ما يوم الجمعة، لا يتطهَّر الرَّجل فيحسن طهوره ثمَّ يأتى الجمعة فينصت حتَّى يقضي الإمام الحواشي
(١٥٤٤) وعن سلمان الخير رضى الله عنه ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجاج بن محمد ثنا ابن أبى ذئب عن سعيد المقبرى قال أخبرنى أبى عن عبد الله بن وديعة عن سلمان الخير "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) هو أبو عبد الله سلمان الفارسى رضى الله عنه، ويقال له سلمان بن الاسلام وسلمان الخير، وقال ابن حبان من زعم أن سلمان الخير آخر فقد وهم، أصله من رام هرمز، وقيل من أصبهان، وكان قد سمع بأن النبى ﷺ سيبعث فخرج فى طلب ذلك فأسرو بيع بالمدينة فاشتغل بالرق حتى كان أول مشاهده الخندق وفتوح العراق وولى المدائن؛ أفاده الحافظ فى الأصابة، وستأتى ترجمته مستوفاة فى كتاب مناقب الصحابة إن شاء الله تعالى ﴿تخريجه﴾ (خ. نس)(١٥٤٥) وعنه أيضاً ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم عن مغيرة عن أبى معشر عن إبراهيم عن قرئع الضبى عن سلمان الفارسى قال قال لى النبى ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) الظاهر أن سلمان فهم أن النبى ﷺ يسأله عن سبب تسمية يوم الجمعة فأجابه بقوله "هو الذى جمع الله فيه أباكم" يعنى خلق آدم، فقال له النبى ﷺ "لكنى أدرى ما يوم الجمعة" يعنى لست أريد ما ذكرت؛ ولكنى أريد ما يعود على العبد من مزيد الفضل والثواب فى يوم الجمعة، ثم أخبره ﷺ فقال "لا يتطهر الرجل" الخстр. 1649
-[الإنكار على من خالف السنة وإن كان كبير القدر]-
صلاته إلَّا كان كفَّارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجتنبت المقتلة (١)
(١٥٤٦) عن ابن عمر ﵄ قال دخل رجل (٢) ومن أصحاب رسول الله ﷺ المسجد يوم الجمعة وعمر بن الخطَّاب رضى الله عنه يخطب النَّاس، فقال عمر أيَّة (٣) ساعة هذه، فقال يا أمير المؤمنين انقلبت (٤) من السُّوق فسمعت النِّداء (٥) فما زدت على أن توضَّأت، فقال عمر والوضوء أيضًا (٦) وقد علمت أنّ رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه الحواشي
(١) يعني الكبائر التي تسبب لصاحبها الهلاك والوقوع تحت طائلة العقاب ﴿تخريجه﴾ أورده الهيثمى بزيادة "وذلك الدهر كله" بعد قوله ما اجتنبت المقتلة، وفيه هو الذى جمع الله فيه أبوك وأبويك وقال روى النسائى بعضه، ورواه الطبرانى فى الكبير وإسناده حسن(١٥٤٦) عن ابن عمر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله قال قال أبى قرأت على عبد الرحمن بن مهدى عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) هو عثمان بن عفان رضى الله عنه كما سماه ابن وهب وابن القاسم عن مالك فى روايتهما للموطأ، وكذا سماه معمر عن الزهرى عند الشافعى، وعبد الرزاق وابن وهب فى روايته عن أسامة بن زيد الليثى عن نافع عن ابن عمر، وكذا سماه أبو هريرة عند مسلم، قال ابن عبد البر لا أعلم خلافاً فى ذلك(٣) بشد التحتية تأنيث "أىّ" يستفهم بها، والساعة اسم لجزء من الزمان مقدر؛ ويطلق على الوقت الحاضر وهو المراد هنا، وهذا استفهام توبيخ وإنكار، كأنه يقول لم تأخرت إلى هذه الساعة؟ وقد ورد التصريح بالإنكار فى رواية أبى هريرة بلفظ "فقال عمر لم تحتسبون عن الصلاة" ولمسلم فعرّض به عمر، فقال "ما بال رجال يتأخرون بعد النداء" (قال الحافظ) والذي يظهر أن عمر قال ذلك كله فحفظ بعض الرواة ما لم يحفظه الآخر، ومراد عمر التلميح الى ساعات التبكير التى وقع الترغيب فيها وأنها اذا انقضت طوت الملائكة الصحف، وهذا من أحسن التعريضات وأرشق الكنايات، وفهم عثمان ذلك فبادر الى الاعتذار عن التأخير اهـ(٤) أى رجعت من السوق، روى أشهب عن مالك فى العتبية أن الصحابة رضى الله عنهم كانوا يكرهون ترك العمل يوم الجمعة على نحو تعظيم اليهود السبت والنصارى الأحد(٥) أى الأذان بين يدى الخطيب (وقوله فما زدت على أن توضأت) أى لم أشتغل بشئ إلا بالوضوء(٦) أى فأنكر عليه عمر إنكارًاстр. 1650
-[الأمر بالغسل للجمعة]-
وسلَّم كان يأمر بالغسل؟
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال بينما عمر بن الخطَّاب ﵁ يخاطب (فذكر نحوه (١) وفيه) ألم تسمعوا رسول الله ﷺ يقول إذا راح أحدكم إل الجمعة فليغتسل.
حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا أبو اليمان ثنا شعيب قال سئل الزُّهري هل فى الجمعة غسلٌ واجبٌ؟ فقال حدثنى سالم بن عبد الله بن عمر أنَّه سمع عبد الله بن عمر رضى الله عنهما يقول سمعت النَّبيَّ ﷺ يقول من جاء منكم الجمعة (٢) فليغتسل، وقال طاوس (٣) قلت لابن عبَّاس ذكروا أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤسكم (٤) وإن لم تكونوا الحواشي
(١٥٤٧) عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد ثنا حرب يعنى ابن شداد ثنا يحيى ثنا أبو سلمة ثنا أبو هريرة قال بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه يخطب إذ جاء رجل فجلس فقال عمر لم تحتسبون عن الجمعة؟ فقال الرجل يا أمير المؤمنين ما هو إلا أن سمعت النداء فتوضأت ثم أقبلت، فقال عمر رضى الله عنه وأيضاً، ألم تسمعوا "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) أى نحو حديث ابن عمر المتقدم ﴿تخريجه﴾ (م. د. هق)(١٥٤٨) حدثنا عبد الله ﴿غريبه﴾(٢) المراد بالجمعة هنا اسم سبب الاجتماع وهو الصلاة لا اسم اليوم، لأن اليوم لا يؤتى، وكذلك يقال فى أمثاله، وفى القاموس الجمعة المجموعة ويوم الجمعة(٣) هو ابن كيسان اليمانى ولم يسمّ طاوس من حدثه بذلك؛ والظاهر أنه أبو هريرة، لأن الطحاوى روى عن طاوس عن أبى هريرة نحوه، وكذلك رواه ابن خزيمة وابن حبان(٤) ذكر غسل الرأس بعد ذكر الاغتسال، أما تأكيد لاغتسلوا من باب ذكر الخاص بعد العام وبيان لزيادة الاهتمام به، أو يراد بالأول الغسل المشهور الذيстр. 1651
-[حجة القائلين بوجوب الغسل للجمعة]-
جنبًا وأصيبوا من الطِّيب، فقال ابن عبَّاس رضى الله عنهما أمَّا الغسل فنعم، وأمَّا الطِّيب فلا أدرى (١٥٤٩) عن أبى سعيدٍ الخدريِّ ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال غسل الجمعة واجبٌ (١) على كلِّ محتلم (٢)
وعنه أيضًا قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الغسل يوم الجمعة على كلِّ محتلم والسِّواك (٣) وإنَّما يمسُّ من الطِّيب الحواشي
(١٥٤٩) عن أبى سعيد الخدرى ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد الخدرى "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) قال الخطابى معناه وجوب الاختيار والاستحباب دون وجوب الفرض كما يقول الرجل لصاحبه حقك علىَّ واجب وأنا أوجب حقك وليس بمعنى اللزوم الذى لا يسع غيره ويشهد لصحة هذا التأويل حديث عمر اهـ يعنى حديث عمر مع عثمان حين لامه وهو عل المنبر ولم يغتسل عثمان، وسيأتى الكلام على ذلك فى الأحكام(٢) أى بالغ وإنما ذكر الاحتلام لكونه الغالب، ومثله من بلغ بالسن ولم يحتلم أو بعلامة أخرى من علامات البلوغ كأنبات العانة ونحو ذلك ﴿تخريجه﴾ (ق. لك. د. نس. جه. هق)(١٥٥٠) وعنه أيضاً ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا إسحاق قال أنا ابن لهيعة عن بكير عن أبى بكر بن المنكدر عن عمرو بن سليم الزرقى عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدرى عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ الغسل يوم الجمعة على كل محتلم "الحديث" ﴿غريبه﴾(٣) احتج به الجمهور فى عدم وجوب الغسلстр. 1652
-[حجة القائلين بوجوب غسل الجمعة]-
ما يقدر عليه ولو من أهله
(١٥٥١) عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال حقُّ الله على كلِّ مسلم (١) أن يغتسل في كلِّ سبعة أيَّام (٢) يغسل رأسه وجسده (٣)
(١٥٥٢) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ على كلِّ مسلم غسلٌ في سبعة أيَّاٍم كلَّ جمعةٍ (٤) الحواشي
(١٥٥١) عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أن كل أمة أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه فهدانا الله له، فغدًا لليهود وبعد غد للنصارى، فسكت فقال حق الله على كل مسلم "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) هو من أدلة القائلين بوجوب الغسل للجمعة وسيأتى ذكرهم فى الأحكام، وحمله القائلون بعدم الوجوب على التأكيد لا الحق الواجب المستلزم للعقاب(٢) لم يبين اليوم الذى يغتسل فيه، وكذلك أبهمه فى رواية البخارى ولفظه "لله تعالى على كل مسلم حق أن يغتسل فى كل سبعة أيام يوماً" قال الحافظ وقد بينه جابر فى حديثه عند النسائى بلفظ "الغسل واجب على كل مسلم فى كل أسبوع يومًا وهو يوم الجمعة" وصححه ابن خزيمة ﴿ولسعيد بن منصور﴾ وأبى بكر بن أبى شيبة من حديث البراء بن عازب مرفوعاً نحوه ولفظه "إن من الحق على المسلم أن يغتسل يوم الجمعة الحديث" اهـ ﴿قلت﴾ حديث جابر الذى أشار إليه الحافظ رواه أيضاً الأمام أحمد وهو الآتى بعد هذا؛ وفيه ما يشعر بذلك، ولكن رواية النسائى أصرح منه(٣) ذكر الجسد بعد الرأس من باب ذكر العام بعد الخاص وهو يشعر بالاعتناء بغسل الرأس وتنظيفه ﴿تخريجه﴾ (ق. نس. وغيرهم)(١٥٥٢) عن جابر بن عبد الله ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بشر ابن المفضل عن داود عن أبى الزبير عن جابر "الحديث" ﴿غريبه﴾(٤) أى كل يوم جمعة كما صرح بذلك عند النسائي وتقدم لفظه ﴿تخريجه﴾ (نس) وصححه ابن خزيمة،стр. 1653
-[حجة القائلين بعدم وجوب غسل الجمعة]-
(١٥٥٣) عن سمرة بن جندب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من توضَّأ يوم الجمعة فيها ونعمت (١) ومن اغتسل فهو أفضل.
(١٥٥٤) عن البراء بن عازب رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إنَّ من الحقِّ على المسلمين أن يغتسل أحدهم يوم الجمعة وأن يمسَّ من طيبٍ إن كان عند أهله، فإن لم يكن عندهم طيبٌ فإنَّ الماء أطيب (٢)
(١٥٥٥) عن محمَّد بن عيد الرحمن بن ثوبان عن شيخٍ من الأنصار قال الحواشي
(١٥٥٣) عن سمرة بن جندب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن بن مهدى وأبو داود قالا ثنا همام عن قتادة عن الحسن بن سمرة بن جندب الخ ﴿غريبه﴾(١) أى فبطهارة الوضوء حصل الواجب والتاء فى نعمت للتأنيث قاله العراقى، وقيل ونعمت الخصلة هى أى الطهارة قاله أبو حاتم، وقيل فبرخصة الوضوء أخذ ونعمت الرخصة لان السنة الغسل، قاله أبو حامد الشاركى؛ وهو من حجج القائلين بعدم وجوب الغسل للجمعة ﴿تخريجه﴾ (د. نس. خز. مذ) وحسنه، ورواه ابن ماجه من حديث جابر ابن سمرة، وروى عن قتادة عن الحسن عن النبى ﷺ مرسلاً، قال الحافظ والصواب كما قال الدارقطنى عن قتادة عن الحسن عن سمرة، وكذا قال العقيلى، قال فى الأمام من يحمل رواية الحسن عن سمرة يصحح هذا الحديث وهو مذهب على بن المدينى كما نقله عنه البخارى والترمذى والحاكم وغيرهم أفاده الحافظ فى التلخيص(١٥٥٤) عن البراء بن عازب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم عن يزيد بن أبى زياد عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن البراء بن عازب "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) أي فيكتفى بالغسل لأنه اشد تأكيدًا، وتقدم الكلام على معناه فيما سبق ﴿تخريجه﴾ (ش) وفى إسناده يزيد بن أبى زياد كان من أئمة الشيعة الكبار، وقال ابن عدى يكتب حديثه، وقال الحافظ شمس الدين الذهبى هو صدوق ردئ الحفظ، قال مطين مات سنة سبع وثلاثين ومائة، روى له مسلم مقروناً "خلاصة" وفى التهذيب قال أبو زرعة يكتب حديثه، وقال ابن معين ضعيف الحديث لا يحتج بحديثه، وقال أبو داود لا أعلم أحداً ترك حديثه وغيره أحب إلىّ منه اهـ(١٥٥٥) عن محمد بن عبد الرحمن ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثني أبي ثناстр. 1654
-[فضل الغسل والتبكير للجمعة]-
قال رسول الله ﷺ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ الغسل والطِّيب والسِّواك يوم الجمعة
عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ عن النَّبيِّ صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال من غسَّل (١) واغتسل وغدا (٢) وابتكر ودنا فاقترب واستمع وأنصت كان ل بكلِّ خطوةٍ (٣) يخطوها الحواشي
(١٥٥٦) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ثور بن يزيد عن عثمان الشامى أنه سمع أبا الأشعث الصنعانى عن أوس بن أوس الثقفى عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبى ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) روى بالتشديد والتخفيف، قيل أراد به غسل رأسه وبقوله اغتسل غسل سائر بدنه، وقيل جامع زوجته فأوجب عليها الغسل فكأنه غسلها واغتسل فى نفسه، وقيل كرر ذلك للتأكيد، ويرجح التفسير الأول ما فى رواية أبى داود فى هذا الحديث بلفظ "من غسل رأسه واغتسل" وما رواه البخارى والأمام أحمد عن طاوس "قلت لابن عباس ذكروا أن النبى ﷺ قال اغتسلوا يوم الجمعة واغسلوا رؤسكم" وتقدم آنفاً، وقال الترمذي عقب ذكر الحديث قال محمود "يعنى ابن غيلان شيخ الترمذى" قال وكيع اغتسل هو وغسَّل امرأته، ويروى عن المبارك أنه قال فى هذا الحديث من غسَّل واغتسل يعنى غسَّل رأسه واغتسل اهـ (وفى النهاية) ذهب كثير من الناس أن غسَّل أراد به المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة، لأن ذلك يجمع غض الطرف فى الطريق يقال غسَّل الرجل امرأته بالتشديد والتخفيف اذا جامعها، وقد روى مخففًا وقيل أراد غسَّل غيره واغتسل هو لأنه إذا جامع زوجته أحوجها الى الغسل اهـ(٢) أى راح فى أول الوقت وابتكر أى أدرك أول الخطبة ورجحه العراقى، وفى لفظ (وبكّر "بالتشديد" وابتكر) قيل كرره للتأكيد، وبه جزم ابن العربى، وفى رواية للأمام أحمد وأبى داود ومشى ولم يركب (وقوله واقترب) أى دنا من الأمام كما صرح به فى بعض الروايات (واستمع) أى الخطبة (وأنصت) تأكيد لاستمع(٣) بضم الخاء المعجمة وهى بعد ما بين القدمين حين المشى وجمعه خطى وخطُوات كغرفстр. 1655
-[فضل المشي على القدم للجمعة والاقتراب من الامام والانصات]-
أجر قيام سنةٍ وصيامها (١)
وعن أوس بن أوس النَّقفىِّ رضى الله عنه عن النَّبىِّ ﷺ مثله (وفى لفظٍ إذا كان يوم الجمعة فغسل أحدكم رأسه واغتسل ثمَّ غدا الخ) (وعنه من طريقٍ ثانٍ (٢) بنحوه وفيه) وخرج يمشى ولم يركب ثمَّ دنا من الإمام فأنصت ولم يلغ كان له كأجر سنة صيامها وقيامها الحواشي
(١) المعنى أن من جمع هذه الأمور باخلاص لله تعالى استحق هذا الثواب الجزيل وفضل الله واسع ﴿تخريجه﴾ لم أقف عليه لغير الأمام أحمد، وقال المنذرى والهيثمى رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح ﴿قلت﴾ وروى نحوه الأربعة من حديث أوس بن أوس الثقفى، وسيأتى للأمام أحمد أيضاً بعد هذا الحديث(١٥٥٧) وعن أوس بن أوس ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد الزبيرى قال ثنا سفيان عن عبد الله بن عيسى عن يحيى بن الحارث عن أبى الأشعث الصنعانى عن أوس بن أوس الثقفى قال قال رسول الله ﷺ "من غسّل واغتسل ثم غدا فابتكر وجلس من الأمام قريبا فاستمع وأنصت كان له لكل خطوة أجر سنة صيامها وقيامها"(٢) ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن إسحاق قال أنا على بن المبارك قال أنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال حدثنى عبد الرحمن الدمشقى قال حدثنى أبو الأشعث قال حدثنى أوس بن أوس الثقفى قال سمعت رسول الله ﷺ وذكر الجمعة فقال "من غسّل واغتسل ثم غدا وابتكر وخرج يمشى ولم يركب ثم دنا من الأمام فأنصت ولم يلغ كان له كأجر سنة صيامها وقيامها" قال وزعم يحيى بن الحارث أنه حفظ عن أبى الأشعث أنه قال بكل خطوة كأجر سنة صيامها وقيامها، قال يحيى ولم أسمعه يقول مشى ولم يركب ﴿قلت﴾ ثبت هذا اللفظ عند أبى داود والنسائى وابن ماجه ﴿تخريجه﴾ (الأربعة. وغيرهم) وقد ذكر الأمام أحمد لهذا الحديث سبع طرق اخترت أجودها إسناداً وأكثرها معنى، وحسن الترمذى هذا الحديث وسكت عليه أبو داود والمنذرى؛ ورواه الطبرانى بإسناد قال العراقى حسن عن أوس المذكور وكثرة طرقه تعضده، ويعضده أيضاً حديث عبد الله ابن عمرو بن العاص المتقدم والله أعلمстр. 1656
-[فضل الغسل والطيب والملابس الحسنة ليوم الجمعة]-
(١٥٥٨) عن أبي أيُّوب الأنصارىِّ رضى الله عنه قال سمعت رسول الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول من اغتسل يوم الجمعة ومسَّ من طيبٍ إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثمَّ خرج حتَّى يأتي المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحدًا ثمَّ أنصت إذا خرج إمامه حتَّى يصلِّى كانت كفَّارةً لما بينها وبين الجمعة الأخرى.
عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول ﷺ من توضَّأ يوم الجمعة فأحسن الوضوء (١) ثمَّ أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع (٢) غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيَّامٍ، وقال ومن مسَّ الحصى فقد لغا (٣) الحواشي
(١٥٥٨) عن أبي أيوب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن محمد بن إسحاق حدثنى محمد بن إبراهيم التيمي عن عمران بن أبى يحيى عن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبى أيوب الأنصارى "الحديث" وفى آخره وقال "يعنى عمران بن أبى يحيى" فى موضع آخر إن عبد الله بن كعب بن مالك السلمى حدثه أن أبا أيوب صاحب رسول الله ﷺ حدثه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "من اغتسل يوم الجمعة وزاد فيه ثم خرج وعليه السكينة حق يأتى المسجد" ﴿تخريجه﴾ أورده المنذرى وقال رواه احمد والطبرانى وابن خزيمة فى صحيحه ورواه أحمد ثقات اهـ وكذلك قال الهيثمى إلا أنه لم يعزه لابن خزيمة(١٥٥٩) عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) إحسان الوضوء الأتيان به ثلاثاً ثلاثاً ودلك الأعضاء وإطالة الغرة والتحجيل وتقديم الميامن والاتيان بسننه المشهورة(٢) هما شيئان متمايزان وقد يجتمعان، فالاستماع الاصغاء، والانصات السكوت، ولهذا قال الله تعالى ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾(٣) المراد بمس الحصى العبث به والاشتغال بذلك عن سماع الخطبة، وكانت المساجد تفرش بالحصى، ومثله التلهي بنقش البسط والحصر التي تفرش بها المساجد الآن، وكذا كل شيء يلهى عن الاستماع، وفيه إشارة إلى إقبال القلب والجوارح على الخطبة (وقوله فقط لغا) تقدم تفسيره فى شرح حديث أبى ذر من هذا الباب رقم ١٥٤٣ ﴿تخريجه﴾ (م. وغيره)стр. 1657
-[أحاديث وردت في الباب غير ما تقدم وحجة القائلين بوجوب الغسل للجمعة]-
.....
الحواشي
(١) ﴿وفي الباب عن أبى أمامة﴾ رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "اغتسلوا يوم الجمعة فإنه من اغتسل يوم الجمعة فله كفارة ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" رواه الطبرانى في الكبير قال العراقي وإسناده حسن ﴿وعن ابن عباس﴾ رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ "من غسَّل واغتسل يوم الجمعة ثم دنا حيث يسمع خطبة الأمام فاذا خرج استمع وأنصت حتى يصليها معه كتب له بكل خطوة يخطوها عبادة سنة قيامها وصيامها" ﴿وعن أبى بكر رضى الله عنه﴾ قال قال رسول الله ﷺ "من اغتسل يوم الجمعة كفرت عنه ذنوبه وخطاياه، فإذا أخذ في المسير كتب له بكل خطوة عشرون حسنة، فإذا انصرف من الصلاة أجيز بعمل مائتى سنة" رواه الطبرانى وفى إسناده الضحاك بن حُمرة، وقد ضعفه ابن معين والنسائى والجمهور، وذكره ابن حبان فى الثقات، وللحديث طرق أخرى عند الطبرانى ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على مشروعية الغسل للجمعة وسببه وعلى مشروعية التجمل لها بالثياب الحسنة والدهن وغير ذلك، وأفضل الثياب البياض لورود الأحاديث بذلك، وستأتى فى الباب الأول من كتاب اللباس إن شاء الله ﴿وفيها أيضاً﴾ استحباب المشى للجمعة لما فى حديث أوس بن أوس "وخرج يمشى ولم يركب" وفى قوله ولم يركب بعد قوله يمشى معنى دقيق (قال الخطابى) عن الأثرم إنه للتأكيد وانهما بمعنى، واختار النووى أنه احتراز من شيئين (أحدهما) نفى توهم حمل المشى على المضى والذهاب وإن كان راكباً (والثانى) نفى الركوب بالكلية، لأنه لو اقتصر على مشى لاحتمل أن المراد وجود شئ من المشى ولو فى بعض الطريق فنفى ذلك الاحتمال وبيّن أن المراد مشى جميع الطريق ولم يركب فى شئ منها اهـ وهذا لغير المعذور، أما المعذور كالمريض مثلاً فلا بأس بركوبه ﴿وفيها﴾ أن من فعل كل هذه الخصال كان له فضل عظيم وثواب جسيم ﴿وقد اتفق العلماء﴾ على استحباب ذلك كله إلا الغسل ففيه خلاف بين العلماء، فبعضهم يقول إنه واجب وبعضهم يقول إنه سنة (قال النووى) ﵀ مذهبنا انه سنة ليس بواجب يعصى بتركه بل له حكم سائر المندوبات، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وقال بعض أهل الظاهر هو فرض، وحكاه ابن المنذر عن أبى هريرة رضى الله عنه ﴿قلت وحكاه عن عمار بن ياسر أيضاً، وحكاه ابن حزم عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبى سعيد وغيرهم من الصحابة والتابعين﴾ قال وحكاه "غسل الجمعة واجب على كل محتلم" وبحديث "من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل" وهما في الصحيحين ﴿واحتج أصحابنا والجمهور﴾ بقوله ﷺ "من توضأ فبها ونعمتстр. 1658
-[مذاهب العلماء في حكم الغسل يوم الجمعة وحجج القائلين بعدم الوجوب]-
.....
الحواشي
(١) ومن اغتسل فالغسل أفضل" وفيه دليلان على عدم الوجوب (أحدهما) قوله ﷺ "فبها" قال الأزهرى والخطابى قال الأصمعى معناه فبالسنة أخذ ونعمت السنة، قال الخطابى ونعمت الخصلة أو نعمت الفعلة أو نحو ذلك، قال وإنما ظهرت تاء التأنيث لأضمار السنة أو الخصلة أو الفعلة، وحكى الهروى فى الغريبين عن الأصمعى ما سبق، ثم قال وسمعت الفقيه أبا حاتم الشاركى يقول معناه فبالرخصة أخذ، لأن السنة يوم الجمعة الغسل، وقال صاحب الشامل فبالفريضة أخذ، ولعل الأصمعى أراد بقوله فبالسنة أى فيما جوزته السنة (قال النووى) وعلى كل قول فى تفسيره تحصل الدلالة (والثانى) قوله ﷺ "فالغسل أفضل" والأصل فى أفعل التفضيل أن يدخل على مشتركين فى الفضل يرجح أحدهما فيه ﴿واحتجوا أيضاً بحديث أبى هريرة﴾ أن رسول الله ﷺ قال "من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" رواه مسلم وغيره، ﴿وبحديث أبى هريرة أيضاً﴾ قال بينما عمر بن الخطاب يخطب الناس يوم الجمعة إذ دخل عثمان فأعرض عنه عمر فقال ما بال رجال يتأخرون بعد النداء، فقال عثمان مازدت حين سمعت النداء أن توضأت ثم أقبلت، فقال عمر والوضوء أيضاً؟ ألم تسمعوا أن رسول الله ﷺ يقول "إذا جاء أحدكم الى الجمعة فليغتسل" رواه البخارى ومسلم وهذا لفظ مسلم، وفى رواية للبخارى دخل رجل ولم يسم عثمان، وموضع الدلالة أن عمر وعثمان ومن حضر الجمعة وهم الجم الغفير أقروا عثمان على ترك الغسل ولم يأمروه بالرجوع له؛ ولو كان واجباً لم يتركه ولم يتركوا أمره بالرجوع له ﴿وبحديث عائشة﴾ قالت كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم ومن العوالى فيأتون فى العباء ويصيبهم الغبار فتخرج منهم الريح فأتى رسول الله ﷺ إنسان منهم وهو عندها فقال رسول الله ﷺ "لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا" رواه البخارى ومسلم ﴿وعن ابن عباس﴾ قال "غسل الجمعة ليس بواجب ولكنه أطهر وخير لمن اغتسل وسأخبركم كيف كان بدء الغسل فذكر نحو حديث عائشة" رواه أبو داود باسناد حسن (والجواب) عما احتجوا به أنه محمول على الاستحباب جمعًا بين الأدلة والله أعلم اهـ ج ﴿قلت﴾ وقال القرطبي فى تقرير الاستدلال على الاستحباب بحديث أبى هريرة عند مسلم "من توضأ فأحسن الوضوء إلى آخره الذي ذكر آنفاً" ما لفظه، ذكر الوضوء وما معه مرتباً عليه الثواب المقتضى للصحة يدل على أن الوضوء كاف، قال الحافظ في التلخيص إنه من أقوى ما استدل به على عدم فرضية الغسل يوم الجمعة ﴿واحتجوا أيضاً﴾ لعدم الوجوب بحديث أبى سعيد أن النبى ﷺ قال "غسل الجمعة واجب على كل محتلم والسواك وأن يمس من الطيب ما يقدر عليه" رواه الشيخان والأمام أحمد وهو من أحاديث الباب،стр. 1659
-[مسائل تختص بغسل الجمعة]-
.....
الحواشي
(١) قال صاحب المنتقى وهذا يدل على أنه أراد بلفظ الوجوب تأكيد استحبابه كما تقول حقك علىّ واجب والعدة دين بدليل أنه قرنه بما ليس بواجب بالأجماع وهو السواك والطيب اهـ ﴿ومن حججهم أيضاً﴾ (حديث أوس بن أوس) المذكور فى الباب، ووجه دلالته جعله قريناً للتبكير والمشى والدنو من الأمام وليست بواجبة فيكون مثلها ﴿وحديث عائشة رضى الله عنها﴾ الثانى من أحاديث الباب، ووجه دلالته أنهم إنما أمروا بالاغتسال لأجل تلك الروائح الكريهة فاذا زالت زال الوجوب ﴿وفى حديث ابن عمر الذى فى الباب﴾ دليل على تعليق الأمر بالغسل بالمجئ إلى الجمعة، والمراد إرادة المجئ وقصد الشروع فيه، وقد اختلف فى ذلك على ثلاثة أقوال (الأول) اشتراط الاتصال بين الغسل والرواح، وإليه ذهب ﴿مالك﴾ (والثانى) عدم الاشتراط لكن لا يجزئ فعله بعد صلاة الجمعة ويستحب تأخيره إلى الذهاب وإليه ﴿ذهب الجمهور﴾ (والثالث) أنه لا يشترط تقديم الغسل على صلاة الجمعة بل لو اغتسل قبل الغروب أجزأ عنه ﴿وإليه ذهب داود﴾ ونصره ابن حزم، واستبعده ابن دقيق العيد وقال يكاد يجزم ببطلانه، وادعي ابن عبد البر الأجماع على أن من اغتسل بعد الصلاة لم يغتسل للجمعة، واستدل مالك بحديث ابن عمر ونحوه، واستدل الجمهور وداود بالأحاديث التى أطلق فيها يوم الجمعة، لكن استدل الجمهور على عدم الاجتزاء به بعد الصلاة بأن الغسل لأزالة الروائح الكريهة؛ والمقصود عدم تأذى الحاضرين وذلك لا يتأتى بعد إقامة الجمعة ﴿وقد ذكر النووى﴾ ﵀ فى المجموع جملة مسائل تختص بغسل الجمعة مع بيان مذاهب الأئمة فيها آثرت ذكرها لما فيها من الفوائد ﴿منها﴾ قوله لو اغتسل للجمعة قبل الفجر لم يجزئه على الصحيح من مذهبنا، وبه قال جماهير العلماء، وقال الأوزاعى يجزئه ﴿ومنها﴾ قوله لو اغتسل لها بعد طلوع الفجر أجزأه عندنا وعند الجمهور، حكاه ابن المنذر عن الحسن ومجاهد والنخعى والثورى وأحمد وإسحاق وأبى ثور ﴿وقال مالك﴾ لا يجزئه إلا عند الذهاب الى الجمعة وكلهم يقولون لا يجزئه قبل الفجر إلا الأوزاعى فقال يجزئه الاغتسال قبل طلوع الفجر للجنابة والجمعة ﴿ومنها﴾ قوله لو اغتسل للجمعة ثم أجنب لم يبطل غسله عندنا وعند الجمهور ﴿وقل الأوزاعى يبطل﴾ ولو أحدث لم يبطل بالأجماع؛ واختلفوا فى استحباب إعادة الغسل، فمذهبنا أنه لا يستحب، وحكاه ابن المنذر عن الحسن ومجاهد ومالك والأوزاعى، قال وبه أقول، وحكى عن طاوس والزهرى وقتادة ويحيى بن أبى كثير استحبابه ﴿ومنها﴾ قال ابن المنذر أكثر العلماء يقولون يجزئ غسل واحد عن الجنابة والجمعة، وهو قول ابن عمر رضى الله عنهما ومجاهد ومكحول ومالك والنووى والأوزاعى والشافعى وأبو ثور ﴿وقال أحمد﴾ أرجو أن يجزئه، وقال أبو قتادةстр. 1660
-[بقية مسائل تختص بغسل الجمعة]-
(٧) باب فضل التبكير الى الجمعة
(والمشى لها دون الركوب والدنو من الامام والانصات للخطية وغير ذلك)
ز عن أبى هريرة رضى الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال من اغتسل يوم الجمعة في حديث عبد الرَّحمن غسل الجنابة (١) الحواشي
(١٥٦٠) "ز" عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله قال قرأت على عبد الرحمن عن مالك قال وثنا إسحاق قال أنا مالك عن سمىّ مولى أبى بكر عن أبى صالح السماك عن أبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) معنى هذا أن عبد الله بن الأمام أحمد رحمهما الله روى هذا الحديث من طريقتين كما ترى فى السند، الطريق الأولى عن عبد الرحمن بن مهدى عن مالك، والطريق الثانية عن إسحاق عن مالك، فروى عن عبد الرحمن "من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح الحديث" باثبات لفظ غسل الجنابة؛ وروى عن إسحاق "من اغتسل يوم الجمعة ثم راح" بدون لفظ غسل الجنابة، وهذا الحديث من زوائد عبد الله على مسند أبيه، ولذا رمزت له بحرف زاى فى أول الحديث كما أشرت إلى ذلك فى المقدمة، وثبت هذا اللفظ فى رواية البخارى عن عبد الله بن يوسف، وفى رواية مسلم عن قتيبة بن سعيد كلاهما عن مالك، وفى رواية أبى داود عن عبد الله بن مسلمة عن مالك أيضاً (ولفظ غُسلَ) منصوب نعت لمقدر محذوف أى غسلا كغسل الجنابة، وظاهره أن التشبيه للكيفية لا للحكم كقوله تعالى ﴿وهى تمر مرَّ السحاب) ويؤيد ذلكстр. 1661
-[فضل التبكير إلى الجمعة]-
ثمَّ راح فكأنَّما قرَّب بدنة (١) ومن راح في السَّاعة الثَّانية فكأنَّما قرَّب بقرةً (٢) ومن راح في السَّاعة الثَّالثة فكأنَّما مما قرَّب كبشا، قال إسحاق أقرن (٣) الحواشي
(١) رواية الأمام مالك فى الموطأ "ثم راح فى الساعة الأولى فكأنما قرَّب بدنة" والزواج يكون أول النهار وآخره، قال الأزهرى لغة العرب الرواح الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو فى الليل ﴿قلت﴾ والمراد بالرواح هنا الذهاب أول النهار بدليل أحاديث التبكير، وفى بيان ساعة الرواح الى الجمعة خلاف بين العلماء سيأتى تحقيقه فى الأحكام، ومعنى قوله "فكأنما قرب بدنة" أى تصدق بها متقربًا الى الله تعالى، وفى رواية الزهرى عند البخارى بلفظ "كمثل الذى يهدى بدنه" وفى رواية أيضًا عند الامام احمد فى الطريق الثانى من هذا الحديث بلفظ "المهجر الى الجمعة كالمهدى بدنه" فكأن المراد بالقربان هنا الاهداء الى الكعبة، قال الطيبى وفى لفظ الاهداء جماع معنى التعظيم للجمعة، وان المبادرة اليها كمن ساق الهدى (والمراد بالبدنة) البعير ذكراً كان أو أنثى، والهاء فيه للوحدة لا للتأنيث، وحكى ابن التين أن مالكاً كان يتعجب ممن يخص البدنة بالأنثى، قال الزهرى البدنة لا تكون إلا من الأبل وصح ذلك عن عطاء، وأما الهدى فمن الأبل والبقر والغنم هذا لفظه، وحكى النووى عنه أنه قال البدنة تكون من الأبل والبقر والغنم، وكأنه خطأ نشأ عن سقط، وفى الصحاح البدنة ناقة أو بقرة تذبح بمكة سميت بذلك لأنهم كانوا يسمنونها اهـ واستدل به على أن البدنة تختص بالأبل لأنها قوبلت بالبقرة عند الاطلاق، وقسم الشئ لا يكون قسيمه، أشار الى ذلك ابن دقيق العيد(٢) أى ذكراً أو أنثى فالتاء للوحدة لا للتأنيث(٣) يعنى أن إسحاق قال فى روايته كبشاً اقرن، ولم يذكر عبد الرحمن في روايتهстр. 1662
-[مراتب التبكير إلى الجمعة في الفضل]-
ومن راح في السَّاعة الرَّابعة فكأنَّما قرَّب دجاجةً (١) ومن راح في الساعة الخامسة فكأنَّما قرَّب بيضة (٢) فإذا خرج الإمام (٣) أقبلت الحواشي
(١) بفتح الدال وكسرها لغتان مشهورتان ويقع على الذكر والأنثى والتاء فيه للوحدة لا للتأنيث، قال الحافظ واستشكل التعبير فى الدجاجة والبيضة بقوله فى رواية الزهرى كالذى يهدى، لأن الهدى لا يكون منهما، وأجاب القاضى عياض تبعاً لابن بطال بأنه لما عطفه على ما قبله أعطاه حكمه فى اللفظ فيكون من الاتباع كقوله * متقلدًا سيفًا ورمحًا * وتعقبه ابن المنير فى الحاشية بأن شرط الاتباع أن لا يصرح باللفظ الثانى فلا يسوغ أن يقال متقلدًا سيفاً ومتقلداً رمحاً، والذى يظهر أنه من باب المشاكلة، والى ذلك اشار ابن العربى بقوله هو من تسمية الشئ باسم قرينه؛ وقال ابن دقيق العيد قوله قرب بيضة، وفى الرواية الأخرى كالذى يهدى يدل على أن المراد بالتقرب الهدى؛ وينشأ منه أن الهدى يطلق على مثل هذا حتى لو التزم هل يكفيه ذلك أو لا؟ انتهى والصحيح عند الشافعية الثانى، وكذا عند الحنفية والحنابلة ﴿قلت والمالكية أيضًا﴾ قال وهذا ينبنى على أن النظر هل يسلك به مسلك جائز الشرع أو واجبه؟ فعلى الأول يكفى أقل ما يتقرب به، وعلى الثانى يحمل على أقل ما يتقرب به من ذلك الجنس، ويقوّى الصحيح أيضًا أن المراد بالهدى هنا التصديق كما دل عليه لفظ التقرب والله أعلم اهـ(٢) هى واحدة البيض والجمع بيوض، وقد جاء عند الأمام احمد من حديث أبى سعيد زيادةُ مَرتبةٍ بين الدجاجة والبيضة وهى العصفور، وسيأتى بعد الحديث التالى، ومثله للنسائى من طريق الليث عن ابن عجلان عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة، وللنسائى عن أبى هريرة أيضًا من طريق عبد الأعلى عن معمر عن الزهرى زيادة بطة فقال فى الرابعة فكأنما قرب بطة وجعل الدجاجة فى الخامسة والبيضة فى السادسة، لكن خالفه عبد الرزاق فلم يذكرها وهو أثبت منه فى معمر، قال النووى فى الخلاصة هاتان الروايتان (يعنى روايتى النسائى) وإن صح إسنادهما فهما شاذتان لمخالفتهما الروايات المشهورة ﴿قلت﴾ رواية العصفور عند النسائي ليست شاذة، لأن لها شاهداً عند الأمام احمد من حديث أبى سعيد الآتى بسند آخر رجاله ثقات(٣) أى من منزله ودخل الجامع أو من المكان المعدّ له فى الجامع؛ وقد استنبط الماوردى منه أن الامام لا يستجيب له المبادرةстр. 1663
-[مراتب التبكير إلى الجمعة في الفضل]-
الملائكة (١) يستمعون الذِّكر (وفى لفظ) فإذا خرج الإمام طوت الملائكة الصُّحف (٢) ودخلت تسمع الذِّكر (وعنه من طريق ثانٍ) (٣) عن النَّبيِّ ﷺ قال المهجرِّ إلى الجمعة (٤) المهدى بدنةً، ثمَّ الَّذى يليه كالمهدى بقرة، والَّذى يليه كالمهدى كبشًا حتَّى ذكر الدَّجاجة والبيضة (٥) الحواشي
(١) أى دخلت الجامع كما فى اللفظ الآتى (وقوله يسمعون الذكر) أى الخطبة لاشتمالها على ذكر الله تعالى والثناء عليه، والمراد بالملائكة هنا الملائكة الذين وظيفتهم كتابة حاضرى الجمعة، وهم غير الحفظة(٢) المراد بطى الصحف طى صحف الفضائل المتعلقة بالمبادرة الى الجمعة دون غيرها من سماع الخطبة وإدراك الصلاة والذكر والدعاء والخشوع ونحو ذلك فانه يكتبه الحافظان قطعا، وأخرج أبو نعيم فى الحلية عن ابن عمر رضى الله عنهما مرفوعاً "إذا كان يوم الجمعة بعث الله ملائكة بصحف من نور وأقلام من نور الحديث" فبين صفة الصحف ودل على أنهم غير الحفظة، وفى حديث الزهرى عند ابن ماجه (فمن جاء بعد ذلك "يعنى بعد طى الصحف" فانما يجئ لحق الصلاة) وفى رواية ابن جريح عن سمى زيادة فى آخره هى "ثم اذا استمع وأنصت غفر له من بين الجمعتين وزيادة ثلاثة أيام" وفى رواية عمر بن شعيب عن أبيه عن جده عند ابن خزيمة فيقول بعض الملائكة لبعض ما حبس فلاناً فتقول "اللهم إن كان ضالاً فاهده، وإن كان فقيراً فأغنه، وإن كان مريضاً فعافه"(٣) ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن الزهرى عن سعيد بن أبى هريرة عن النبى ﷺ قال المهجر الخ(٤) قال فى النهاية التهجير التبكير الى كل شئ والمبادرة اليه يقال هجَّر يُهجِّر تهجيرًا فهو مُهجر، وهى لغة حجازية أراد المبادرة الى أول وقت الصلاة، وفى حديث الجمعة "فالمهجر اليها كالمهدى بدنة" أى المبكر اليها اهـ(٥) المعنى أن درجات المبادرين الى الجمعة تتفاوت وأن نسبة الثانى من الأول نسبة البقرة الى البدنة فى القيمة مثلاً أو فى قدر ثواب مهديها أو المتصدق بها وهكذا والله أعلم ﴿تخريجه﴾ أخرج الطريق الأولى منه (ق. لك. هق. والأربعة) وأخرج الطريق الثانية (ق. نس. جه)стр. 1664
-[جلوس الملائكة على أبواب المساجد يوم الجمعة يكتبون الناس على قدر منازلهم في التبكير]-
(١٥٦١) وعنه أيضًا قال قال رسول الله ﷺ لا تطلع الشَّمس ولا تغرب على يوم أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلاَّ تفزع ليوم الجمعة إلاَّ هذين الثَّقلين من الجنِّ والإنس (١) على كلِّ بابٍ من أبواب المسجد ملكان (٢) يكتبان (وفى لفظ ملائكة يكتبون) الأوَّل فالأوَّل فكر جلٍ قدم بدنةً. وكرجلٍ قدَّم بقرةً، وكرجلٍ قدَّم شاةً، وكرجلٍ قدَّم طائرًا، كرجل قدَّم بيضةً، فإذا قعد الإمام طويت الصُّحف
عن أبى سعيد الخدريِّ رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنَّه قال إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد فيكتبون النَّاس من جاء منه النَّاس على منازلهم فرجل قدَّم جزورًا (٣) ورجل قدَّم بقرةً، ورجلٌ قدَّم شاةً، ورجلٌ قدَّم دجاجةً، ورجلٌ قدَّم عصفورًا (٤) ورجلً قدَّم الحواشي
(١٥٦١) وعنه أيضاً ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا أنا ابن جريح أخبرنى العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبى عبد الله إسحاق أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ لا تطلع الشمس "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) هذا الجزء من أول الحديث الى هنا تقدم شرحه فى الباب الأول من أبواب الجمعة(٢) تثنية ملك؛ وفى اللفظ الثانى ملائكة بالجمع، وظاهر هذا التعارض، ويمكن الجمع باحتمال أن على كل باب ملائكة بالجمع منهم اثنان رؤساء، فعبَّر باللفظ الأول عن الرؤساء، وعبر باللفظ الثانى عن الجميع، وبهذا يزول الاشكال والله أعلم بحقيقة الحال ﴿تخريجه﴾ لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الامام أحمد وبعضه فى مسلم والنسائى ومعناه فى الصحيحين وغيرهما(١٥٦٢) عن أبى سعيد ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى سعيد الخدرى عن رسول الله ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(٣) الجزور والبعير ذكراً كان أو أنثى إلا أن اللفظة مؤنثة تقول هذه الجزور وإن أردت ذكراً، والجمع جزر وجزائر (نه)(٤) هذه مرتبة زائدة عن المراتب المتقدمة من روايات أبى هريرة عند الامام أحمد ووافقه النسائيстр. 1665
-[إنتشار الشياطين يوم الجمعة وصدهم الناس عن التبكير لها]-
بيضةً، قال فإذا أذَّن المؤذِّن وجلس الإمام على المنبر طويت الصُّحف (١) ودخلوا المسجد يستمعون الذكرِّ
(١٥٦٣) عن علىِّ بن أ [ى طالبٍ رضى الله عنه قال إذا كان يوم الجمعة خرج الشياطين يربِّثون (٢) النَّاس إلى أسواقهم ومعهم الرَّايات، وتقعدا الملائكة على أبواب المساجد يكتبون النَّاس على قدر منازلهم، السَّابق والمصلَّى والذَذى يليه حتَّى يخرج الإمام، فمن دنا من الإمام وأنصت واستمع ولم يلغ كان له كفلان (٣) من الأجر، ومن دنا من الإمام فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه الحواشي
(١) تقدم فى الحديث الأول لأبى هريرة أن طى الصحف عند خروج الامام، وفى هذه الرواية عند جلوسه على المنبر، ويجمع بينهما بأن ابتداء طى الصحف عند ابتداء خروج الامام، وانتهاءه بجلوسه على المنبر؛ وقد جاء مثل هذه الرواية لأبى هريرة بلفظ "فإذا خرج الامام وقعد على المنبر طووا صحفهم" ﴿تخريجه﴾ (ص) فى مرسل طاوس، وأخرجه حميد بن زنجويه فى الترغيب له، وأورده الهيثمى وقال رواه احمد ورجاله ثقات وحسنه المنذرى، وروى نحوه النسائى من حديث أبى هريرة(١٥٦٣) عن على بن أبى طالب رضى الله عنه ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن اسحاق أنبأنا عبد الله بن الحجاج بن أرطاة عن عطاء الخراسانى أنه حدث عن مولى امرأته عن على بن أبى طالب رضى الله عنه "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) هو بالباء الموحدة بعد الراء يقال ربَّثته عن الأمر اذا حبسته وثبَّطه، والربائث جمع ربيثة وهى الأمر الذى يحبس الانسان عن مهامّه (نه) ومعناه أن الشياطين تشغلهم وتقعدهم عن السعى الى الجمعة حتى تمضى الأوقات الفاضلة (والرايات) جمع راية وهى العلم الذى فى العسكر؛ فلعلها كناية عن طاعة الناس للشياطين واتّباعهم لهم كما يتبع الجيش حامل الراية والله أعلم(٣) الكفل بكسر الكاف هو النصيب من الأجر أو الوزر، وانما كان له كفلان من الأجر لدنوه من الامام وإنصاته، لأن الدنّو من الامام خصلة مرغب فيها، وكذلك الانصات، فهما خصلتان لهذا كان له كفلان من الاجر (ومن نآى) ابتعد عن الامام بحيث جلس مجلسا لا يستمكن فيه منстр. 1666
-[فضل التبكير والدنو من الإمام والانصات للخطبة]-
كفلان من الوزر (١) ومن نآى عنه (٢) فلغا ولم ينصت ولم يستمع كان عليه كفل من الوزر، ومن قال صه (٣) فقد تكلَّم، ومن تكلَّم فلا جمعة له، ثمَّ قال هكذا سمعت نبيَّكم ﵌
(١٥٦٤) عن أبى هريرة رضى الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال إنَّ الملائكة يوم الجمعة على أبواب المساجد يكتبون النَّاس على منازلهم، جاء فلانٌ من ساعة كذا، جاء فلانٌ من ساعة كذا، جاء فلانٌ والإمام يخطب، جاء فلانٌ فأدرك الصَّلاة ولم يدرك الجمعة إذا لم يدرك الخطبة (٤) الحواشي
(١) انما كان هذا عليه كفلان من الوزر لأن ننّوه من الامام يحتم عليه الانصات وعدم اللغو، فان لغا ربما هوش على الامام بلغوه فهو لم يفعل ما أمر به من الانصات ولم يجتنب ما نهى عنه من اللغو، فلذلك استحق كفلان من الوزر(٢) أى بعد عن الامام بحيث لا يمكنه الاستماع ولغا كان عليه كفل من الوزر للغوه فقط(٣) بسكون الهاء وتكسير منونة؛ وهى اسم فعل آمر وكلمة زجر للمتكلم بمعنى اسكت، وهذا من أبلغ عبارات التشديد فى النهى عن الكلام والامام يخطب، لأن معناه أن من قال للمتكلم اسكت صار متكلمًا يأثم بذلك النهى فما بالك بالمتكلم الأول (وقوله فلا جمعة له) يعنى أنه حرم من الثواب المترتب على صلاة الجمعة وكأنه صلاها ظهراً فضلاً عما يلحقه من الاثم سبب اللغو ﴿تخريجه﴾ (د. هق) بألفاظ متقاربة والمعنى واحد وفى إسناده رجل لم يسم وهو مولى امرأة عطاء الخراسانى مجهول لا يعرف ويؤيده ما بعده(١٥٦٤) عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا حماد بن سلمة ثنا على بن زيد عن أوس بن خالد عن أبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(٤) المعنى أنه اذا لم يدرك الخطبة لم يدرك ثواب الجمعة ويكون ثوابه كثواب الصلوات المكتوبة غير الجمعة، لأن الجمعة لم تزد عن الصلوات الأخرى إلا الخطبتين ولم يحضرهما والله أعلم ﴿تخريجه﴾ لم أقف عليه بهذا اللفظ وفى إسناده على بن زيد بن جدعان مختلف فيه، وروى نحوه ابن ماجه؛ قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجه وإسناده صحيحстр. 1667
-[فضل الإنصات للخطبة وعدم تخطي رقاب الناس والزجر عن اللغو والتخطي]-
(١٥٦٥) عن عمر بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله ﷺ قال يحضر الجمعة ثلاثةٌ، رجلٌ حضرها بدعاءٍ وصلاةٍ (١) فذلك رجلٌ دعا ربَّه إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجلٌ حضرها بسكوتٍ وإنصاتٍ (٢) فذلك هو حقها، ورجلٌ يحضرها بلغو فذلك حظُّه منها (٣) (وعنه من طريق ثانٍ (٤) بنحوه وفيه) ورجلٌ حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدًا (٥) فهى كفَّارة له إلى الجمعة التي تليها (٦) وزيادة ثلاثة أيَّام (٧) فإنَّ الله يقول (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) الحواشي
(١٥٦٥) عن عمرو بن شعيب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا سعيد عن يوسف عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) أى اشتغل بدعاء وصلاة عن سماع الخطبة فهو تحت مشيئة الله إن شاء قبل دعاءه أو صلاته، وإن شاء لم يقبل عقاباً له على ما حصل منه من اشتغاله بالدعاء أو الصلاة عن الخطبة، والصلاة المنهى عنها فى ذلك الوقت هى ما زاد عن ركعتين للداخل فقط، أما الجالس فلا يجوز له افتتاح صلاة مطلقاً والامام يخطب(٢) يعنى بسكوت عن اللغو واستماع للخطبة فذلك هو المطلوب منه(٣) أى اللغو نصيبه من حضور الجمعة وليس له نصيب من الأجر(٤) ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان حدثنا يزيد ثنا حبيب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبى ﷺ قال "يحضر الجمعة ثلاثاً فرجل حضرها يلغو فذاك حظه منها، ورجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله فان شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بانصات وسكوت الخ"(٥) أي بأى نوع من أنواع الأذى، وتخطى الرقاب من الأذى، فقوله ولم يؤذ أحدًا من ذكر العام بعد الخاص(٦) أى تكون كفارة لما يقع منه من الذنوب من صلاة الجمعة التي هو فيها الى انتهاء صلاة الجمعة المقبلة وهى سبعة أيام(٧) أى من بعد صلاة الجمعة التالية فبانضمامها الى السبعة المتقدمة تصير عشرة أيام، قال النووى قال العلماء معنى المغفرة له ما بين الجمعتين وثلاثة أيام أن الحسنة بعشر أمثالها وصار يوم الجمعة الذي فيه الأفعال فى معنى الحسنة التى تجعل بعشرة أمثالها اهـ ﴿تخريجه﴾ (د. خز. هق) وسنده جيدстр. 1668
-[فضل التبكير إلى المسجد يوم الجمعة]-
(١٥٦٦) عن أبي أيُّوب عن أبى هريرة رضى الله عنهما قال دخلت معه المسجد يوم الجمعة فرأى غلامًا فقال له (١) يا غلام اذهب العب، قال إنَّما جئت إلى المسجد، قال يا غلام اذهب العب، قال إنَّما جئت إلى المسجد، قال فتقعد حتَّى يخرج الإمام؟ قال نعم، قال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول إنَّ الملائكة تجئ يوم الجمعة فتقعد على أبواب المسجد فيكتبون السَّابق والثَّانى والثَّالث والنَّاس على منازلهم حتَّى يخرج الإمام، فإذا خرج الإمام طويت الصُّحف
(١٥٦٧) عن أبى غالبٍ عن أبى أمامة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ تقعد الملائكة يوم الجمعة على أبواب المسجد معهم الصُّحف يكتبون النَّاس، فإذا خرج الإمام طويت الصُّحف، قلت يا أبا أمامة ليس لمن جاء بعد خروج الإمام جمعةٌ؟ قال بلى (٢) ولكن ليس ممَّن يكتب في الصُّحف الحواشي
(١٥٦٦) عن أبي أيوب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس قال ثنا الخزرج عن أبى أيوب عن أبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) القائل هو أبو هريرة ﴿تخريجه﴾ (ق. وغيرهما) بدون قصة الغلام، ولم أقف على من أخره بهذا اللفظ(١٥٦٧) عن أبى غالب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا مبارك يعنى ابن فضالة حدثنى أبو غالب عن أبى أمامة "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) هو حرف إيجاب، فإذا قيل ما قام أحد وقلت فى الجواب بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل أليس كان كذا وقلت بلى، فمعناه التقرير والاثبات، ولا يكون إلا بعد نفى، إما فى أول الكلام كما تقدم وإما فى أثنائه كقوله تعالى ﴿أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه بلى" والتقدير بلى نجمعها، وقد يكون مع النفى استفهام، وقد لا يكون كما تقدم، فهو أبدا يرفع حكم النفى ويوجب نقيضه وهو الاثبات، فقوله فى الحديث بلى، يعنى له جمعة تسقط الفرض فقط مع حرمانه من ثوابها الذي تكتبه الملائكة فى الصحف ومن غفران الذنوب من الجمعة الى الجمعة ﴿تخريجه﴾ (طب) وفى إسناده مبارك بن فضالة وثقه جماعة وضعفه آخرونстр. 1669
-[فضل المشي على القدمين إلى الجمعة]-
(١٥٦٨) عن يزيد بن أبي مريم (١) قال لحقنى عباية بن رافع بن خديج وأنا رايحٌ إلى المسجد إلى الجمعة ماشيًا وهو راكب (٢) قال ابشر فإنِّى سمعت أبا عبسٍ (٣) يقول قال رسول الله ﵌ من اغبرت قدماه (٤) فى سبيل الله حرَّمها الله على النَّار. الحواشي
(١٥٦٨) عن يزيد بن أبي مريم ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا الوليد بن مسلم قال سمعت يزيد بن أبى مريم "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) هو أبو عبد الله الأنصارى الدمشقى إمام جامعها، مات سنة أربع وأربعين ومائة (وعباية) بفتح المهملة بعدها موحدة هو ابن رفاعة بن رافع بن خديج، وقد نسب فى الحديث الى جده، وكذلك فى رواية النسائى، وجاء فى رواية الترمذى والبخارى التصريح باسم والده(٢) فيه أن القصة وقعت ليزيد بن أبى مريم مع عباية، وكذا أخرجه النسائى عن الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم، وكذا عند الاسماعيلي من رواية على بن بحر وغيره عن الوليد بن مسلم، لكن رواية البخارى تدل على أن القصة وقعت لعباية مع أن عبس ولفظه "حدثنا على بن عبد الله قال حدثنا الوليد بن مسلم قال حدثنا يزيد بن أبى مريم قال حدثنا عباية بن رفاعة قال أدركنى أبو عبس وأنا أذهب الى الجمعة فقال سمعت النبى ﷺ يقول من اغبرَّت قدماه فى سبيل الله حرّمه الله على النار" وقد جمع بينهما الحافظ باحتمال أن تكون القصة وقعت لكل منهما والله أعلم(٣) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفى آخره سين مهملة واسمه عبد الرحمن على الصحيح ابن جبر بفتح الجيم وسكون الباء الموحدة وبالراء، قال الذهبى وقيل جابر بن عمرو الأنصارى الأوسى الحارثى بدرى مشهور(٤) أى أصابها الغبار، وإنما ذكر القدمين وإن كان الغبار يعم البدن كله عند ثورانه، لأن أكثر المجاهدين فى ذلك الزمان كانوا مشاة والأقدام تتغير على كل حال سواء كان الغبار قوياً أو ضعيفًا، ولأن أساس ابن آدم على القدمين، فاذا سلمت القدمان من النار سلم سائر أعضائه منها (وقوله فى سبيل الله) اسم جنس مضاف يفيد العموم فيدخل فيه المشى الى الجهاد والمشى الى الجمعة والجماعة وكل سبل الخير، وقد جعل أبو عبس السعى الى الجمعة من السعى فى سبيل الله وهو صحابى أدرى بذلك من غيره وكذلك قال العلماء ﴿تخريجه﴾ (خ. نس. مذ) وقال حديث حسن صحيح ﴿وفى الباب﴾ عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود قال قال عبد الله (يعنى أباه) سارعوا الى الجمعة فان الله يبرز الى أهل الجنة في كلстр. 1670
-[كلام العلماء في ما يستفاد من أحاديث الباب]-
.....
الحواشي
(١) يوم جمعة فى كثيب كافور فيكونون منه فى القرب على قدر تسارعهم، فيحدث الله لهم من الكرامة شيئاً لم يكونوا رأوه قبل ذلك، ثم يرجعون إلى أهليهم فيحدثونهم بما أحدث الله لهم، قال ثم دخل عبد الله (يعنى ابن مسعود) المسجد فاذا هو برجلين يوم الجمعة قد سبقاه، فقال عبد الله "رجلان وأنا الثالث إن شاء الله أن يبارك فى الثالث" أورده المنذرى وقال رواه الطبرانى فى الكبير، وأبو عبيدة اسمه عامر ولم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود رضى الله عنه وقيل سمع منه ﴿وعن علقمة﴾ قال خرجت مع عبد الله ابن مسعود رضى الله عنه يوم الجمعة فوجد ثلاثة قد سبوه فقال رابع أربعة، وما رابع أربعة من الله ببعيد، إنى سمعت رسول الله ﷺ يقول "إن الناس يجلسون يوم القيامة من الله على قدر رواحهم الى الجمعات الأول فالأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع وما رابع أربعة من الله ببعيد" قال المنذرى رواه ابن ماجه وابن أبى عاصم وإسنادهما حسن ﴿الأحكام﴾ فى أحاديث الباب الحث على التبكير الى صلاة الجمعة والمشى لها دون الركوب والدنوّ من الامام والأنصات للخطبة وعدم اللغو، وأن من جمع هذه الخصال كان له الفضل المترتب على ذلك فى أحاديث الباب، وعليه يحمل ما أطلق فى بعض الروايات من ترتيب الفضل على بعض هذه الخصال من غير تقييد بجميعها ﴿وفيها﴾ أن الملائكة تحضر الجمعة وتكتب الحاضرين لها الأول فالأول، وما ذلك إلا العظيم فضلها وامتيازها عن الصلوات الأخرى، وأن الملائكة المذكورين غير الحفظة ﴿وفيها﴾ أن مراتب الناس فى الفضل بحسب أعمالهم وهو من باب قوله ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ وأن القليل من الصدقة غير محتقر فى الشرع، وأن التقرب بالأبل أفضل من التقرب بالبقر وهو بالاتفاق فى الهدى، واختلف فى الضحايا، فذهب الجمهور الى أنها كذلك، وقال الزين بن المنير فرّق مالك بين التقرُّ بين اختلاف المقصودين، لأن أصل مشروعية الأضحية التذكير بقصة الذبيح وهو قد فدى بالغنم، والمقصود بالهدى التوسعة على المساكين فناسب البُدن (قال النووى) وحجة الجمهور ظاهر هذا الحديث والقياس على الهدايا، وأما تضحيته ﷺ فلا يلزم منها ترجيح الغنم، لأنه محمول على أنه ﷺ لم يتمكن ذلك الوقت إلا من الغنم أو فعله لبيان الجواز، وقد ثبت فى الصحيح أنه ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر اهـ ﴿وقد اختلف العلماء﴾ فى الساعة المذكورة فى الحديث ما المراد بها، قال النووى ﴿مذهب مالك﴾ وكثير من أصحابه والقاضى حسين وإمام الحرمين من أصحابنا أن المراد بالساعات هنا لحظات لطيفة بعد زوال الشمس والرواح عندهم بعد الزوال، وادعوا أن هذا معناه فى اللغة ﴿ومذهب الشافعى﴾ وجماهير أصحابه وابن حبيب المالكى وجماهير العلماء استحباب التبكير إليهاстр. 1671
-[إختلاف العلماء في وقت الذهاب إلى الجمعة]-
.....
الحواشي
(١) أول النهار، والساعات عندهم من أول النهار، والرواح يكون أول النهار وآخره، قال الأزهرى لغة العرب الرواح الذهاب سواء كان أول النهار أو آخره أو فى الليل، وهذا هو الصواب الذي يقتضيه الحديث والمعنى، لأن النبى ﷺ أخبر أن الملائكة تكتب من جاء فى الساعة الأولى وهو كالمهدى بدنة؛ ومن جاء فى الساعة الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ﴿وفى رواية﴾ للنسائى "السادسة" فاذا خرج الامام طووا الصحف ولم يكتبوا بعد ذلك أحدًا، ومعلوم أن النبى ﷺ كان يخرج الى الجمعة متصلاً بالزوال وهو بعد انفصال السادسة، فدل على أنه لا شئ من الهدى والفضيلة لمن جاء بعد الزوال؛ ولأن ذكر الساعات إنما كان للحث فى التبكير اليها والترغيب فى فضيلة السبق وتحصيل الصف الأول وانتظارها والاشتغال بالتنفل والذكر ونحوه، وهذا كله لا يحصل بالذهاب بعد الزوال؛ ولا فضيلة لمن أتى بعد الزوال لأن النداء يكون حينئذ، ويحرم التخلف بعد النداء والله أعلم اهـ ﴿قلت﴾ وللشافعية خلاف فى ابتداء الساعات المذكورة هل هى من طلوع الفجر أم من طلوع الشمس؟ (فقال الرويانى) إن ظاهر كلام الشافعى أن التبكير يكوم من طلوع الفجر، وصححه الرافعى والنووى (وقال الماوردى) الأصح أنه من طلوع الشمس، لأن ما قبل ذلك زمان غسل وتأهب (وقال الرافعى) ليس المراد من الساعات الساعات الفلكية، وإنما المراد ترتيب الدرجات وتفضيل السابق على الذى يليه؛ ومن جاء فى أول ساعة من هذه الساعات ومن جاء فى آخرها مشتركان فى تحصيل أصل البدنة أو البقرة أو الكبش، ولكن بدنة الأول اكمل من بدنة من جاء فى آخر الساعة، وبدنة المتوسط متوسطة، وهذا كما أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بسبع وعشرين درجة؛ ومعلوم أن الجماعة تطلق على اثنين وعلى ألوف، فمن صلى فى جماعة هم عشرة آلاف له سبع وعشرون درجة، ومن صلى مع اثنين له سبع وعشرون درجة، لكن درجات الأول أكمل واشباه هذا كثيرة اهـ (وقال الصيدلانى) شارح المختصر إن أول التبكير يكون من ارتفاع النهار وهو أول الضحى وهو أول الهاجرة؛ ويؤيده الحث على التهجير الى الجمعة اهـ ﴿واحتج بعض المالكية﴾ بقوله فى رواية الزهرى (مثل المهجر) لأنه مشتق من الهجر وهو السير فى وقت الهاجرة، وأجيب بأن المراد بالتهجير هنا التبكير كما تقدم نقله عن صاحب النهاية، ونقله الحافظ أيضًا عن الخليل، واشتد إنكار الأمام احمد وابن حبيب من المالكية ما نقل عن الأمام مالك من كراهية التبكير الى الجمعة، وقال الأمام أحمد هذا خلاف حديث رسول الله ﷺ ﴿قلت﴾ والذى ظهر لى من مضمون أحاديث الباب أن ساعات التبكير الى الجمعة تبتدئ من ارتفاع النهار وهو أول الضحى وأول الهاجرة كما قال الصيدلاني، وتنتهيстр. 1672
-[الكلام على ساعات الذهاب إلى الجمعة وهل هي زمانية أو فلكية؟]-
(٨) باب الجلوس فى المسجد للجمعة وآدابه والنهى عن التخطى الا لحاجة
(١٥٦٩) عن ابن عمر رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إذا نعس أحدكم فى المسجد يوم الجمعة (١) الحواشي
(١٥٦٩) عن ابن عمر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) أى قبل الصلاة وسواء فيه حال الخطبة أو قبلها، لكن حال الخطبة أكثر، وتخصيص يوم الجمعة بالذكر يحتمل أنه خرج مخرج الأغلب لطول مكث الناس فى المسجد للتبكير إلى الجمعة واستماع الخطبة، وأن المراد انتظار الصلاة فى المسجد فى الجمعة وغيرها كما عند أبى داود والترمذى عن ابن عمر أيضًا بلفظ "إذا نعس أحدكم وهو فى المسجد فليتحول من مجلسه ذلك الى غيره" فيكون ذكر يوم الجمعة من التنصيص على بعض أفراد العام، ويحتمل أن المراد يوم الجمعة فقط للاعتناء بسماع الخطبة فيه (أما الحكمة فى الأمر بالتحول) فقيل لأنстр. 1673
-[النهي عن إقامة الجالس من مجلسه في المسجد يوم الجمعة]-
فليتحول من مجلسه ذلك إلى غيره
(١٥٧٠) عن جابر (بن عبد الله رضى الله عنهما) أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال لا يقيم (١) أحدكم أخاه يوم الجمعة (٢) ثمَّ يخالفه إلى مقعده ولكن ليقل افسحوا
(١٥٧١) عن عثمان بن الأرقم بن أبى الأرقم المخزوميِّ عن أبيه رضى الله عنه وكان من أصحاب النبيَّ ﷺ أنَّ النبيَّ ﷺ قال إنَّ الحواشي
(١٥٧٠) عن جابر بن عبد الله ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرازق أنا ابن جريح قال سليمان بن موسى أنا جابر أن النبى ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) هكذا جاءت الرواية بصيغة الخبر والمراد النهى، وفى لفظ لمسلم لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه بصيغة النهى المؤكد(٢) فيه التقييد بيوم الجمعة، وقد بوّب لذلك البخارى فقال باب لا يقيم الرجل أخاه يوم الجمعة ويقعد فى مكانه، وذكر يوم الجمعة فى حديث جابر من باب التنصيص على بعض أفراد العام لا من باب التقييد للأحاديث المطلقة، ولا من باب التخصيص للمعلومات، فمن سبق الى موضع مباح سواء أكان مسجداً أم غيره فى يوم جمعة أو غيرها لصلاة أو غيرها من الطاعات فهو أحق به، ويحرم على غيره إقامته منه والقعود فيه ﴿تخريجه﴾ (ق. وغيرهما)(١٥٧١) عن عثمان بن الأرقم ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عباد بن عباد المهلي عن هشام بن زياد عن عثمان بن الأرقم بن أبى الأرقم المخزومي عنстр. 1674
-[وعيد من تخطى رقاب الناس]-
الَّذي يتخطَّى رقاب النَّاس (١) يوم الجمعة ويفرِّق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجارِّ قصبه (٢) فى النَّار.
(١٥٧٢) عن سهل بن معاذٍ عن أبيه (معاذ بن أنس الجهنىِّ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال من تخطَّى المسلمين يوم الجمعة (٣) اتُّخذ جسرًا إلى جهنم
(١٥٧٣) عن عبد الله بن بسر رضى الله عنه أنَّ رجلاً جاء إلى النبي صلَّى الحواشي
(١) فرّق النووى بين التخطى والتفريق بين الاثنين، وجعل ابن قدامة فى المغنى التخطى هو التفريق، قال العراقى والظاهر الأول، لأن التفريق يحصل بالجلوس بينهما وإن لم يتخط ﴿قلت﴾ الجلوس الممنوع بين الاثنين هو ما اذا لم يكن بينهما فرجة وإلا فلا بأس به(٢) بضم القاف وسكون الصاد المهملة واحد الأقصاب وهى المعنى جمعها أمعاء كما فى القاموس ﴿تخريجه﴾ (طب) وفى إسناده هشام بن زياد ضعفه الأمام أحمد وأبو داود والنسائى وغيرهم(١٥٧٢) عن سهل بن معاذ ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم وحسن قالا ثنا ابن لهيعة عن زيان قال حسن فى حديثه ثنا زيان بن فايد عن سهل بن معاذ عن أبيه "الحديث" ﴿غريبه﴾(٣) الظاهر أن غير الجمعة مثلها فى كراهة التخطى أو تحريمه، وإنما خصت الجمعة بالذكر لاختصاصها بكثرة الناس (وقوله اتخذ) بضم التاء المثناة مشددة وكسر الخاء المعجمة مبنى للمفعول، والمعنى أنه يُجعل جسرًا على طريق جهنم ليُوطأ ويُتخطى كما تخطى رقاب الناس، فان الجزاء من جنس العمل، ويؤيده رواية الديلمي فى مسند الفردوس بلفظ "من تخطى رقبة أخيه المسلم جعله الله يوم القيامة جسرًا على باب جهنم للناء" ﴿تخريجه﴾ (جه. مذ) وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد والعمل عليه عند أهل العلم اهـ ﴿قلت﴾ رواية الأمام أحمد فى إسنادها ابن لهيعة فيه مقال، ورواية الترمذى وابن ماجه فى إسنادها رشدين بن سعد، قال فى التقريب ضعيف، وقال ابن يونس كان صالحاً فى دينه فأدركته غفلة الصالحين فخلط فى الحديث ﴿قلت﴾ فالحديث ضعيف ولكن له شواهد تعضده منها حديث عبد الله بن بسر الآتى بعده(١٥٧٣) عن عبد الله بن بسر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زيد بن الحباب ثنا معاوية بن صالح قال حدثنى أبو الزاهرية عن عبد الله بن بسر "الحديث"стр. 1675
-[النهي عن الحبوة في المسجد يوم الجمعة]-
الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم "زاد في روايةٍ يتخطَّى رقاب النَّاس" وهو يخطب النَّاس يوم الجمعة فقال اجلس فقد آذيت وآنيت (١)
(١٥٧٤) عن سهل بن معاذ بن أنس الجهنىِّ عن أبيه رضى الله عنه عن رسول الله ﷺ أنَّه نهى عن الحبوة (٢) يوم الجمعة والإمام يخطب
(١٥٧٥) عن قيس بن أبى حازمٍ عن أبيه أنَّ أباه ﵁ جاء ورسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يخطب فقعد فى الشَّمس، قال فأوما إليه أو قال فأمر به أن يتحوَّل إلى الظِّلِّ (٣) الحواشي
(١) بهمزة ممدودة أى أبطأت وتأخرت وآذيت الناس بتخطى رقابهم ﴿تخريجه﴾ (د. نس) وسكت عنه أبو داود والمنذرى وصححه ابن خزيمة(١٥٧٤) عن سهل بن معاذ ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد ثنا سعيد بن أبى أيوب قال أخبرنى أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون عن سهل بن معاذ "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) هى أن يقيم الجالس ركبتيه ويضم رجليه الى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره ويشد عليهما وتكون إليتاه على الأرض، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض الثوب، يقال احتبى يحتبى احتباءً، والاسم الُحْبوَة بالضم والكسر معاً والجمع حُبىً وحِبىً بالضم والكسر، قال الخطابى وإنما نهى عن الاحتباء فى ذلك الوقت لأنه يجلب النوم ويعرض طهارته للانتقاض، وقد ورد النهى عن الاحتباء مطلقًا غير مقيد بحال الخطبة ولا بيوم الجمعة، لأنه مظنة لانكشاف عورة من كان عليه ثوب واحد ﴿تخريجه﴾ (د. مذ) وقال هذا حديث حسن ﴿قلت﴾ فى إسناده أبو مرحوم عبد الرحيم بن ميمون ضعفه ابن معين، وقال النسائي ليس به بأس(١٥٧٥) عن قيس بن أبى حازم ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن إسماعيل عن قيس بن أبى حازم "الحديث" ﴿غريبه﴾(٣) أمر النبى ﷺ به أن يتحول الى الظل إشفاقاً عليه من حر الشمس، قال تعالى ﴿وكان بالمؤمنين رحيماً﴾ والظاهر أن هذ الصحابى رضى الله عنه ما جلس فى الشمس إلا مراعاة للأدب وتحاشيًا من أن يزحم غيره أو نحوه ذلك فاستحق بهذا أن يأمر النبى ﷺ بانتقاله الى الظل مكافأة له على حسن صنيعه والله أعلم ﴿تخريجه﴾ (د) في الأدب، ورواهстр. 1676
-[كلام العلماء في عدم إقامة الجالس والجلوس مكانه]-
.....
الحواشي
(١) الإمام أحمد ﵀ من أربع طرق هذه أجمعها وأجودها ورجاله من رجال الصحيحين ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على جملة أحكام وآداب تتعلق بداخل المسجد للجمعة والجالس فيه ﴿منها﴾ أن من كان جالساً بالمسجد وغلبه النعاس فليتحول من مكانه الى مكان آخر، وتقدمت الحكمة فى ذلك فى شرح الحديث الأول من أحاديث الباب ﴿ومنها﴾ أن من دخل المسجد ولم يجد مكاناً يجلس فيه لا يجوز له أن يقيم غيره ويجلس مكانه، ولكن يطلب منه التوسعة كما فى حديث جابر وتقدم الكلام عليه فى شرحه، وكذا من جلس فى مكان ثم قام منه لقضاء حاجة ثم يعود إليه فانه أحق به ممن جلس فيه بعد قيامه ﴿لحديث أبى هريرة﴾ رضى الله عنه قال قال رسول الل ﷺ "إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به" رواه مسلم والأمام أحمد ﴿ولحديث وهب بن حذيفة﴾ رضى الله عنه عن النبى ﷺ قال "إذا قام الرجل من مجلسه فرجع إليه فهو أحق به، وإن كانت له حاجة فقام البهائم رجع فهو أحق به" رواه الترمذى وصححه ورواه الأمام أحمد، وسيأتى هو وحديث أبى هريرة فى باب آداب تختص بمن فى المجلس من كتاب المجالس وآدابها فى قسم الترغيب إن شاء الله تعالى ﴿وقد ذهب الى ذلك الشافعية﴾ والهادوية، ومثل ذلك الأماكن المباحة التي يقعد الناس فيها لتجارة أو نحوها، فان المعتاد للقعود فى مكان يكون أحق به من غيره إلا اذا طالت مفارقته له بحيث ينقطع معاملوه، ذكره النووى فى شرح مسلم، وقال فى الغيث يكون أحق به الى العشىّ، وقال أصحاب الشافعى إن ذلك على وجه الندب لا على وجه الوجوب واليه ﴿ذهب الأمام مالك﴾ قال أصحاب الشافعى ولا فرق فى المسجد بين من قام وترك له سجادة فيه ونحوها وبين من لم يترك، قالوا وإنما يكون أحق به فى تلك الصلاة وحدها دون غيرها، وظاهر حديثي أبى هريرة وابن حذيفة عدم الفرق، وظاهرهما مع حديث جابر أنه يجوز للرجل أن يقعد فى مكان غيره اذا أقعده برضاه، لكن ورد فى رواية للأمام أحمد ومسلم "أن ابن عمر رضى الله عنهما كان إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه" ولعل امتناع ابن عمر عن الجلوس فى مجلس من قام له برضاه كان تورعاً منه، لأنه ربما استحيا منه إنسان فقام له بدون طيبة من نفسه، ولكن الظاهر أن من فعل ذلك قد أسقط حق نفسه؛ وتجويز عدم طيبة نفسه بذلك خلاف الظاهر ﴿ويكره﴾ الأيثار بمحل الفضيلة كالقيام من الصف الأول الى الثانى، لأن الأيثار وسلوك طرائق الآداب لا يليق أن يكون فى العبادات والفضائل؛ بل المعهود أنه فى حظوظ النفس وأمور الدنيا، فمن آثر بحظه فى أمر من أمور الآخرة فهو من الزاهدين فى الثواب، وكل إنسان محتاج الى الثواب مهما كانت درجته ﴿ومنها﴾ عدم جواز التخطى يوم الجمعة وان ذلك حرام يأثم فاعله،стр. 1677
-[كلام العلماء في التخطي يوم الجمعة - وحجة القائلين بكراهة الاحتباء]-
.....
الحواشي
(١) لورود الوعيد الشديد فى ذلك، وظاهر التقييد بيوم الجمعة أن الحرمة مختصة به، ويحتمل أن يكون التقييد خرّج مخرج الغالب لاختصاص الجمعة بكثرة الناس بخلاف سائر الصلوات فلا يختص ذلك بالجمعة بل يكون حكم سائر الصلوات حكمها، ويؤيد ذلك التعليل بالأذية، وظاهر هذا التعليل أن ذلك يجرى فى مجالس العلم وغيرها، ويؤيده أيضاً ما أخرجه الديلمي فى مسند الفردوس من حديث أبى أمامة قال قال رسول الله ﷺ "من تخطى حِلَق قوم بغير إنهم فهو عاص" ولكن فى إسناده جعفر بن الزبير وقد كذبه شعبة وتركه الناس ﴿وقد اختلف أهل العلم﴾ فى حكم التخطى يوم الجمعة وشددوا فى ذلك، وحكى أبو حامد فى تعليقه عن الشافعى التصريح بالتحريم، وقال النووى فى زوائد الروضة إن المختار تحريمه للأحاديث الصحيحة ﴿قلت﴾ وهو الذى أميل اليه وأختاره، واقتصر أصحاب الأمام أحمد على الكراهة فقط، وقال ابن المسيب لأن أصلى الجمعة بالحرّة أحب إلىّ من التخطى، وروى عن أبى هريرة رضى الله عنه نحوه، ولا يصح عنه لأنه من رواية صالح مولى التوأمة عنه (قال العراقى) وقد استثنى من التحريم أو الكراهة الأمام أو من كان بين يديه فرجة لا يصل اليها الا بالتخطى وهكذا أطلق النووى فى الروضة، وقيَّد ذلك فى شرح المهذب فقال اذا لم يجد طريقًا الى المنبر أو المحراب الا بالتخطى لم يكره لأنه ضرورة، وروى نحو ذلك عن الشافعى، ويستأنس له بحديث عقبة بن الحارث رضى الله عنه قال صليت وراء رسول الله ﷺ بالمدينة العصر ثم قام مسرعًا فتخطى رقاب الناس الى بعض حجز نسائه ففزع الناس من سرعته فخرج عليهم فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته فقال "ذكرت شيئاً من تبر كان عندنا فكرهت أن يحبسنى فأمرت بقسمته" رواه البخارى والنسائى، لكنه يدل على جواز التخطى للحاجة فى غير الجمعة، فمن خصص الكراهة بصلاة الجمعة فلا معارضة بينه وبين أحاديث الباب عنده، ومن عمّم الكراهة لوجود العلة المذكورة سابقاً فى الجمعة وغيرها فهو يحتاج الى الاعتذار عنه، وقد خص الكراهة لوجود العلة المذكورة سابقاً فى الجمعة وغيرها فهو يحتاج الى الاعتذار عنه، وقد خص الكراهة بعضهم بغير من يتبرك الناس بمروره ويسرهم ذلك ولا يتأذون لزوال علة الكراهة التى هي التأذى ﴿ومنها﴾ أيضًا النهى عن الحبوة يوم الجمعة ﴿وقد اختلف الناس فى ذلك﴾ فقال بالكراهة قوم من أهل العلم كما قال الترمذى (وقال العراقى) ورد عن مكحول وعطاء والحسن أنهم كانوا يكرهون ان يحتبوا والأمام يخطب يوم الجمعة رواه ابن أبى شيبة فى المصنف، قال ولكنه قد اختلف عن الثلاثة (يعنى مكحول وعطاء والحسن) فنقل عنهم القول بالكراهة ونقل عنهم عدمها، واستدلوا على الكراهية بحديث الباب وبحديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند ابن ماجه قال "نهى رسولстр. 1678
-[حجة القائلين بعدم كراهة الاحتباء والامام يخطب]-
(٩) باب التنفل قبل الجمعة ما لم يصعد الخطيب المنبر
(فإذا صعد فلا صلاة إلا ركعتين تحية المسجد لداخل)
(١٥٧٦) عن عطاءٍ الخراساني قال كان نيشة الهذليُّ رضى الله عنه يحدث عن رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أن المسلم إذا اغتسل يوم الجمعة ثمَّ أقبل إلى المسجد لا يؤذى أحدًا فإن لم يجد الإمام خرج صلَّى ما بدا له، وإن وجد الإمام قد خرج جلس (١) فاستمع وأنصت الحواشي
(١٥٧٦) عن عطاء الخراسانى ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على ابن اسحاق أنا عبد الله أنا يونس بن يزيد عن عطاء الخراساناى "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) احتج بذلك القائلون بعدم تحية المسجد للداخل اذا كان الخطيب على المنبر، وسيأتيстр. 1679
-[استحباب صلاة التطوع يوم الجمعة إلى أن يصعد الامام المنبر]-
حتى يقضى الإمام جمعته وكلامه إن لم يغفر له في جمعته تلك ذنوبه كلها (١) أن تكون كفَّارة للجمعة الَّتى قبلها
(١٥٧٧) عن نافع أنَّ ابن عمر رضى الله عنهما كان يغدو إلى المسجد يوم الجمعة فيصلِّى ركعاتٍ يطيل فيهنَّ القيام (٢) فإذا انصرف الإمام رجع إلى بيته فصلَّى ركعتين وقال هكذا كان يفعل رسول الله ﷺ
(١٥٧٨) عن أبى الدَّرداء رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من اغتسل يوم الجمعة ولبس ثيابه ومسَّ طيبًا إن كان عنده ثمَّ مشى إلى الجمعة وعليه السَّكينة ولم يتخطَّ أحدًا ولم يؤذه وركع ما قضى له (٣) ثمَّ انتظر حتَّى ينصرف الإمام غفر له ما بين الجمعتين الحواشي
(١) أى الصغائر كما تقدم غي مرة، وجواب الشرط غير مذكور بالأصل فلعله محذوف أو ساقط؛ وتقديره رجوت أو نحوه والمعنى أن لم تغفر ذنوبه من وقت الجمعة التى صلاها الى الجمعة التالية رجوت أن تكون كفارة للجمعة الماضية والله أعلم ﴿تخريجه﴾ لم أقف عليه لغير الأمام أحمد؛ وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ أحمد وهو ثقة اهـ وقال المنذرى عطاء لم يسمع من نبيشة فيما أعلم(١٥٧٧) عن نافع أن ابن عمر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا أيوب عن نافع أن ابن عمر "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) فيه استحباب اطالة القيام للمتنفل ﴿تخريجه﴾ (د) وقال العراقى اسناده صحيح، وأخرجه النسائى بدون لفظ اطالة القيام، وقال المنذرى أخرجه مسلم والترمذى والنسائى وابن ماجه من وجه آخر بمعناه اهـ(١٥٧٨) عن أبى الدرداء ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا مكى بن ابراهيم ثنا عبد الله بن سعيد عن حرب بن قيس عن أبى الدرداء "الحديث" ﴿غريبه﴾(٣) فيه أن الصلاة قبل الجمعة لا حدَّ لها وأنه مرغب فيها ﴿تخريجه﴾ أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير عن حرب بن قيس عن أبى الدرداء وحرب لم يسمع من أبى الدرداء اهـ وقال مثل ذلك المنذريстр. 1680
-[مشروعية صلاة تحية المسجد لداخل والامام على المنبر]-
(١٥٧٩) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن سليكًا (١) جاء ورسول الله ﷺ يخطب فجلس (٢) فأمره النَّبي صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أن يصلِّى ركعتين، ثمَّ أقبل على النَّاس فقال إذا جاء أحدكم والإمام يخطب فليصلِّ ركعتين يتجوَّز فيهما (٣) الحواشي
(١٥٧٩) عن جابر بن عبد الله ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن جعفر ثنا سعيد وثنا روح وعبد الوهاب عن سعيد عن الوليد أبى بشر عن طلحة قال عبد الوهاب الاسكافى انه سمع جابر بن عبد الله يحدث أن سليكا جاء ورسول الله ﷺ يخطب فجلس فأمره النبيى ﷺ أن يصلى ركعتين، قال محمد فى حديثه ثم أقبل على الناس الخ ﴿غريبه﴾(١) بالتصغير الغطفانى بفتحات ابن عمرو، وقيل ابن هدبة بضم الهاء وبالموحدة صحابى(٢) فيه أن تحية المسجد لا تفوت بالجلوس للجاهل بالحكم(٣) أيى يخففها ولا يزيد عن ركعتين ﴿تخريجه﴾ (م. د) ﴿وفي الباب﴾ عن جابر أيضًا ولفظه قال "دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فقال صليت؟ قال لا، قال فصل ركعتين" رواه الشيخان والأربعة ﴿وعنه بلفظ آخر﴾ مرفوعاً "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة وقد خرج الأمام فليصل ركعتين" رواه الشيخان ﴿وعن أبى سعيد الخدرى﴾ رضى الله عنه "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر فأمره أن يصلى ركعتين" رواه النسائى وابن ماجه والترمذى وصححه، ولفظه "أن رجلاً جاء يوم الجمعة فى هيئة بذة والنبى ﷺ يخطب فأمره فصلى ركعتين والبى ﷺ يخطب" أورده صاحب المنتقى وقال فى آخره وهذا يصرح بضعف ما روى أنه ﷺ أمسك عن خطبته حتى فرغ من الركعتين اهـ ورواه أيضاً الأمام أحمد، وسيأتى هذا الحديث فى (باب من تصدق عليه بثوبين) من أبواب صدقة التطوع فى كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى ﴿وعن أبى قتادة﴾ رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "اذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" رواه الشيخان والأربعة والأمام أحمد وتقدم فى باب تحية المسجد رقم ١١٤٨ ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على جملة أحكام تقدم الكلام على معظمها فى أبوابها، وأهم ما نريد الكلام عليه هنا ينحصر فى ثلاث مسائل ﴿المسألة الأولى﴾ مشروعية التبكير لصلاة الجمعية والاشتغال بالصلاة بدون قيد مع مراعاة طول القيام، فاذا جلس الخطيب على المنبر كف عن الصلاة، فاذا شرع فى الخطبة كف عن الكلام وجوبًا واستمع الخطبة كما يؤخذстр. 1681
-[مذاهب العلماء في حكم تحية المسجد والامام على المنبر]-
.....
الحواشي
(١) من أحاديث الباب، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ﴿المسألة الثانية﴾ مشروعية صلاة ركعتين لداخل المسجد مطلقاً قبل أن يجلس وإن كان الخطيب على المنبر، إلا أنه فى هذه الحالة يخففها ليتفرغ لسماع الخطبة كما يستفاد من حديث جابر وقصة سليك ﴿والى ذلك ذهب الأئمة﴾ الحسن وابن عيينة والشافعى وأحمد وإسحاق ومكحول وأبو ثور وابن المنذر، وحكاه النووى عن فقهاء المحدثين، وحكى ابن العربى أن محمد بن الحسن حكاه عن مالك ﴿المسألة الثالثة﴾ من تأخر عن التبكير وجاء الأمام على المنبر فعليه أن يجلس ولا يصلى الركعتين كما فى حديث نبيشة، والى ذلك ذهب الثورى وأهل الكوفة حكى ذلك عنهم الترمذى، وحكاه القاضى عياض عن الأئمة ﴿مالك والليث وأبى حنيفة﴾ وجمهور السلف من الصحابة والتابعين، وحكاه العراقى عن محمد بن سيرين وشريح القاضى والنخعى وقتادة والزهرى، ورواه ابن أبى شيبة عن على وابن عمر وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبى رباح وعروة بن الزبير، ورواه النووى عن عثمان، وأجابوا عن أمره ﷺ لسليك بأن ذلك واقعة عين لا عموم لها فيحتمل اختصاصها بسليك، قالوا ويدل على ذلك ما وقع فى حديث أبى سعيد أن الرجل كان فى هيئة بذة فقال له أصليت؟ قال لا، قال صل الركعتين، وحض الناس على الصدقة، فأمره أن يصلى ليراه الناس وهو قائم فيتصدقوا عليه، قالوا ويؤيده أن فى هذا الحديث عند الامام احمد أن النبى ﷺ قال إن هذا الرجل دخل فى هيئة بذة وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه، ويؤيده أيضاً قوله صلى الله عليه ولم لسليك فى آخر الحديث لا تعودنّ لمثل هذا أخرجه ابن حبان ﴿ورُدَّ هذا التأويل﴾ بأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ﷺ قصد التصدق عليه لا يمنع القول يجواز ركعتى التحية، فان المانعين لا يجوزون الصلاة فى هذا الوقت لعلة التصدق. ولو ساغ هذا لساغ مثله فى سائر الأوقات المكروهة ولا قائل به، كذا قال ابن المنير ﴿ومما يرد هذا التأويل أيضاً﴾ ما فى الباب "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة الخ" فان هذا النص لا يتطرق اليه التأويل (قال النووى) ﵀ لا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ صحيحاً فيخالفه اهـ (وقال الحافظ) الحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض لقوله تعالى ﴿واذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ وقوله ﷺ "إذا قلت لصاحبك انصت والأمام يخطب فقد لغوت" متفق عليه، قالوا فاذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغى بالأنصات فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى، وعارضوا أيضاً بقوله ﷺ للذى دخل يتخطى رقاب الناس وهو يخطب "اجلس فقد آذيت" وقد تقدم، قالوا فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية، وبما أخرجه الطبرانى من حديث ابن عمر رفعه "إذا دخل أحدكم المسجد والأمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الأمام" ﴿ويجابстр. 1682
-[دفع حجج القائلين بعدم صلاة تحية المسجد والامام على المنبر]-
.....
الحواشي
(١) عن ذلك كله﴾ بامكان الجمع وهو مقدم على المعارضة المؤدية الى إسقاط أحد الدليلين (أما فى الآية) فليست الخطبة قرآناً، وأمّا ما فيها من القرآن فالأمر بالانصات حال قراءته عام مخصص بأحاديث الباب (وأما حديث) اذا قلت لصاحبك انصت فهو وارد فى المنع من المكالمة للغير ولا مكالمة فى الصلاة، ولو سلم أنه يتناول كل كلام حتى الكلام فى الصلاة لكان عموماً مخصصاً بأحاديث الباب؛ قال الحافظ وأيضاً فمصلى التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت لحديث أبى هريرة المتقدم "أنه قال يا رسول الله سكوتك بين التكبيرة والقراءة ما تقول فيه" فأطلق على القول سراً السكوت ﴿قلت حديث أبى هريرة تقدم رقم ٥٠٣ من كتاب الصلاة﴾ قال وأما أمره ﷺ لمن دخل يتخطى الرقاب بالجلوس فذلك واقعة عين ولا عموم لها، فيحتمل أن يكون أمره بالجلوس قبل مشروعيتها؛ أو أمره بالجلوس بشرطه وهو فعل التحية وقد عرفه قبل ذلك، أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، أو لكون دخوله وقع فى آخر الخطبة وقد ضاق الوقت عن التحية ﴿وأما حديث ابن عمر﴾ فهو ضعيف، لأن فى إسناده أيوب بن نهيك، قال أبو زرعة وأبو حاتم منكر الحديث، والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله اهـ بتصرف واختصار؛ وصفوة القول أن أدلة القائلين بمشروعية صلاة ركعتين تحية المسجد أقوى من أدلة القائلين بعدمها وهو الذى أميل اليه وأفعله ﴿وفى قوله ﷺ فى حديث جابر﴾ "إذا جاء أحدكم والأمام يخطب فليصل ركعتين يتجوز فيهما" دليل على أن داخل المسجد حال الخطبة يقتصر على ركعتين لا يزيد عنهما (قال صاحب المنتقى) ومفهومه يمنع من تجاوز الركعتين بمجرد خروج الأمام وان لم يتكلم، وفى رواية ﴿عن أبى هريرة وجابر﴾ قال "جاء سليك الغطفانى ورسول الله ﷺ يخطب فقال له أصليت ركعتين قبل أن تجئ؟ قال لا، قال فصل ركعتين وتجوز فيهما" رواه ابن ماجه ورجال إسناده ثقات، وقوله قبل أن تجئ يدل على أن هاتين الركعتين سنة للجمعة قبلها وليستا تحية المسجد اهـ (قال الحافظ بن القيم) فى الهدى قال شيخنا حفيده أبو العباس (يعنى ابن تيمية) وهذا غلط والحديث المعروف فى الصحيحين عن جابر قال "دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فقال أصليت؟ قال لا، قال فصل ركعتين، وقال اذا جاء أحدكم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" فهذا هو المحفوظ فى هذا الحديث، وافراد ابن ماجه فى الغالب غير صحيحة هذا معنى كلامه، وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزى هذا تصحيف من الرواة وإنما هو أصليت قبل أن تجلس فغلط فيه الناسخ، قال وكتاب ابن ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به بخلاف صحيح البخارى ومسلم فان الحافظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما، قال ولذلك وقع فيه اغلاط وتصحيف "قلت" ويدل على صحةстр. 1683
-[مذاهب الأئمة في سنن الجمعة القبلية والراجح عدمها]-
.....
الحواشي
(١) هذا أن الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنفوا فى ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرهما لم يذكر واحد منهم هذا الحديث فى سنة الجمعة قبلها، وانما ذكروه فى استحباب تحية المسجد والامام على المنبر، واحتجوا به على من منع من فعلها فى هذه الحال؛ فلو كانت هى سنة الجمعة لكان ذكرها هنا والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد، ويدل عليه أيضًا أن النبى ﷺ لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الدّاخل لأجل أنها تحية المسجد، ولو كانت سنة الجمعة لأمر بها القاعدين أيضاً ولم يختص بها الداخل وحده اهـ ﴿وقد اختلف العلماء﴾ هل للجمعة سنة قبلها أو لا؟ فأنكر جماعة أن لها سنة قبلهاوبالغوا فى ذلك (قال الحافظ ابن القيم) فى الهدى الجمعة كالعيد لا سنة لها قبلها، وهذا أصح قولى العلماء وعليه تدل السنة فان النبى ﷺ كان يخرج من بيته فاذا رقى المنبر أخذ بلال فى أذان الجمعة فاذا اكمله أخذ النبى ﷺ فى الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأى عين، فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا اذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة، وهذا الذى ذكرناه من أنه لا سنة قبلها هو ﴿مذهب مالك ﵀ وأحمد﴾ رجمه الله فى المشهور عنه وأحد الوجهين لأصحاب الشافعى، قال والذين قالوا إن لها سنة منهم من احتج بأن ظهر مقصورة فيثبت لها أحكام الظهر، ومنهم من أثبت السنة لها هنا بالقياس على الظهر، وذكر ابن القيم لهم أنواعًا كثيرة من الحجيج، ولكنه ضعفها جميعاً اهـ وقال العراقى لم ينقل عن النبى ﷺ أنه كان يصلى قبل الجمعة، لأنه كان يخرج اليها فيؤذن بين يديه ثم يخطب ﴿قلت﴾ وذهبت ﴿الحنفية والشافعية﴾ الى أن الجمعة كالظهر فى السنن القبلية والبعدية (وقال الترمذى) روى عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلى قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا، قال وذهب سفيان الثورى وابن المبارك الى قول ابن مسعود اهـ (وقال الحافظ) فى أثر ابن مسعود الذى رواه الترمذى أخرجه عبد الرزاق، ورواه الطبرانى عن ابن مسعود مرفوعًا وفى إسناده ضعف وانقطاع (وقال فى التلخيص) وفى ابن ماجه عن ابن عباس كان النبى ﷺ يركع قبل الجمعة أربع ركعات ولا يفصل بينهن بشئ وإسناده ضعيف جداً (وفى الباب) عن ابن مسعود وعلىّ فى الطبرانى الأوسط، وصح عن ابن مسعود من فعله رواه عبد الرزاق، قال ولم يذكر الرافعى فى سنة الجمعة التى قبلها حديثاً، وأصح ما فيه ما رواه ابن ماجه اهـ ﴿قلت﴾ يعنى الحديث الذى رواه ابن ماجه عن أبى هريرة وجابر قال جاء سليك الغطفانى الخ، وتقدم لفظه آنفًا نقلاً عن صاحب المنتقى وقد علمت ما قيل فيه من كلام الحافظ ابن القيم وشيخه ابن تيمية والمزى ﵏، وقصارى القول أن حجج القائلين بعدم سنة قبلية للجمعة أرجح وأوضح والله أعلمстр. 1684
-[كيف كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر ﵄]-
(١٠) باب الأذان للجمعة
اذا جلس الخطيب على المنبر وكيف كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ
(١٥٨٠) عن السَّائب بن يزيد بن أخت نمرٍ ﵁ قال لم يكن لرسول الله ﷺ إلاَّ مؤذِّنٌ واحدٌ في الصَّلوات كلَّها فى الجمعة وغيرها يؤذِّن ويقيم، قال بلالٌ يؤذِّن ورسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة (١) ويقيم إذا نزل ولأبي بكرٍ وعمر رضى الله عنهما حتَّى كان عثمان
(١٥٨١) وعنه أيضًا قال كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر ﵄ أذانين (٢) حتَّى كان زمن عثمان فكثر النَّاس فأمر بالأذان الأول (٣) الحواشي
(١٥٨٠) "عن السائب بن يزيد" هذا الحديث والذى بعده تقدما فى الباب التاسع من أبواب الأذان رقم ٢٨٨ - ٢٨٩ فى الجزء الثالث، وتقدم الكلام عليهما سندًا وشرحًا وتخريجًا، وإنما ذكرتهما هنا للكلام على بعض أمور فيهما تختص بالجمعة لم تذكر هناك(١) لم يرد فى رواية الامام احمد ولا فى رواية البخارى بيان الموضع الذى كان يؤذن فيه بلال رضى الله عنه والنبى ﷺ على المنبر، وجاء مبيناً فى رواية أبى داود من حديث السائب ابن يزيد أيضًا قال "وكان يؤذّن بين يدى رسول الله ﷺ اذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر، زاد فى رواية فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذّن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك" ﴿تخريجه﴾ (خ. والأربعة وغيرهم)(١٥٨١) وعنه أيضاً ﴿غريبه﴾(٢) بالأذانين الأذان والأقامة تغليباً أو أطلق الأذان على الأقامة لأنها إعلام كالأذان، ومنه قوله ﷺ "بين كل أذانين صلاة لمن شاء"(٣) فى لفظ للبخارى من رواية عُقيل عن ابن شهاب أن السائب بن يزيد أخبره أن التأذين الثانى يوم الجمعة أمر به عثمان رضى الله عنه حين كثر أهل المسجد، وله من طريق ابن أبى ذئب عن الزهرى "فلما كان عثمان رضى الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء" وظاهر هذا التعارض لأنه فى حديث الباب عند الأمام احمد سُمِّى بالأذان الأول، وفى الرواية الأولى للبخارى سُمِّى بالأذان الثانى، وفي الرواية الثانيةстр. 1685
-[الأذان المسمى بالأولى والثانية يوم الجمعة قبل الزوال بدعة]-
بالزَّوراء (١)
(١٥٨٢) عن الحسن عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ : إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة (٢) فلمَّا كثر النَّاس قال الحواشي
(١) بفتح الزاى وسكون الواو وبعدها راء ممدودة فسرها البخارى بقوله موضع بالسوق بالمدينة؛ قال الحافظ وما فسر به الزوراء هو المعتمد يعنى البخارى اهـ وقال أبو عبد الله الحموى هى قرب الجامع مرتفعة كالمتنار، وعند ابن ماجه وابن خزيمة بلفظ "زاد النداء الثالث على دار فى السوق يقال لها الزوراء" وعند الطبرانى "فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها الزوراء" والله أعلم ﴿تخريجه﴾ (خ. والأربعة وغيرهم)(١٥٨٢) عن الحسن عن أنس بن مالك ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ثنا المبارك عن الحسن عن أنس "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) يعنى جذع نخلةследующие страницы →