Полный текст (7 020 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
-[مذاهب العلماء في حكم تحية المسجد والامام على المنبر]-
.....
الحواشي
(١) من أحاديث الباب، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء ﴿المسألة الثانية﴾ مشروعية صلاة ركعتين لداخل المسجد مطلقاً قبل أن يجلس وإن كان الخطيب على المنبر، إلا أنه فى هذه الحالة يخففها ليتفرغ لسماع الخطبة كما يستفاد من حديث جابر وقصة سليك ﴿والى ذلك ذهب الأئمة﴾ الحسن وابن عيينة والشافعى وأحمد وإسحاق ومكحول وأبو ثور وابن المنذر، وحكاه النووى عن فقهاء المحدثين، وحكى ابن العربى أن محمد بن الحسن حكاه عن مالك ﴿المسألة الثالثة﴾ من تأخر عن التبكير وجاء الأمام على المنبر فعليه أن يجلس ولا يصلى الركعتين كما فى حديث نبيشة، والى ذلك ذهب الثورى وأهل الكوفة حكى ذلك عنهم الترمذى، وحكاه القاضى عياض عن الأئمة ﴿مالك والليث وأبى حنيفة﴾ وجمهور السلف من الصحابة والتابعين، وحكاه العراقى عن محمد بن سيرين وشريح القاضى والنخعى وقتادة والزهرى، ورواه ابن أبى شيبة عن على وابن عمر وابن عباس وابن المسيب ومجاهد وعطاء بن أبى رباح وعروة بن الزبير، ورواه النووى عن عثمان، وأجابوا عن أمره ﷺ لسليك بأن ذلك واقعة عين لا عموم لها فيحتمل اختصاصها بسليك، قالوا ويدل على ذلك ما وقع فى حديث أبى سعيد أن الرجل كان فى هيئة بذة فقال له أصليت؟ قال لا، قال صل الركعتين، وحض الناس على الصدقة، فأمره أن يصلى ليراه الناس وهو قائم فيتصدقوا عليه، قالوا ويؤيده أن فى هذا الحديث عند الامام احمد أن النبى ﷺ قال إن هذا الرجل دخل فى هيئة بذة وأنا أرجو أن يفطن له رجل فيتصدق عليه، ويؤيده أيضاً قوله صلى الله عليه ولم لسليك فى آخر الحديث لا تعودنّ لمثل هذا أخرجه ابن حبان ﴿ورُدَّ هذا التأويل﴾ بأن الأصل عدم الخصوصية، والتعليل بكونه ﷺ قصد التصدق عليه لا يمنع القول يجواز ركعتى التحية، فان المانعين لا يجوزون الصلاة فى هذا الوقت لعلة التصدق. ولو ساغ هذا لساغ مثله فى سائر الأوقات المكروهة ولا قائل به، كذا قال ابن المنير ﴿ومما يرد هذا التأويل أيضاً﴾ ما فى الباب "إذا جاء أحدكم يوم الجمعة الخ" فان هذا النص لا يتطرق اليه التأويل (قال النووى) ﵀ لا أظن عالماً يبلغه هذا اللفظ صحيحاً فيخالفه اهـ (وقال الحافظ) الحامل للمانعين على التأويل المذكور أنهم زعموا أن ظاهره معارض لقوله تعالى ﴿واذا قرئ القرآن فاستمعوا له﴾ وقوله ﷺ "إذا قلت لصاحبك انصت والأمام يخطب فقد لغوت" متفق عليه، قالوا فاذا امتنع الأمر بالمعروف وهو أمر اللاغى بالأنصات فمنع التشاغل بالتحية مع طول زمنها أولى، وعارضوا أيضاً بقوله ﷺ للذى دخل يتخطى رقاب الناس وهو يخطب "اجلس فقد آذيت" وقد تقدم، قالوا فأمره بالجلوس ولم يأمره بالتحية، وبما أخرجه الطبرانى من حديث ابن عمر رفعه "إذا دخل أحدكم المسجد والأمام على المنبر فلا صلاة ولا كلام حتى يفرغ الأمام" ﴿ويجابстр. 1682
-[دفع حجج القائلين بعدم صلاة تحية المسجد والامام على المنبر]-
.....
الحواشي
(١) عن ذلك كله﴾ بامكان الجمع وهو مقدم على المعارضة المؤدية الى إسقاط أحد الدليلين (أما فى الآية) فليست الخطبة قرآناً، وأمّا ما فيها من القرآن فالأمر بالانصات حال قراءته عام مخصص بأحاديث الباب (وأما حديث) اذا قلت لصاحبك انصت فهو وارد فى المنع من المكالمة للغير ولا مكالمة فى الصلاة، ولو سلم أنه يتناول كل كلام حتى الكلام فى الصلاة لكان عموماً مخصصاً بأحاديث الباب؛ قال الحافظ وأيضاً فمصلى التحية يجوز أن يطلق عليه أنه منصت لحديث أبى هريرة المتقدم "أنه قال يا رسول الله سكوتك بين التكبيرة والقراءة ما تقول فيه" فأطلق على القول سراً السكوت ﴿قلت حديث أبى هريرة تقدم رقم ٥٠٣ من كتاب الصلاة﴾ قال وأما أمره ﷺ لمن دخل يتخطى الرقاب بالجلوس فذلك واقعة عين ولا عموم لها، فيحتمل أن يكون أمره بالجلوس قبل مشروعيتها؛ أو أمره بالجلوس بشرطه وهو فعل التحية وقد عرفه قبل ذلك، أو ترك أمره بالتحية لبيان الجواز، أو لكون دخوله وقع فى آخر الخطبة وقد ضاق الوقت عن التحية ﴿وأما حديث ابن عمر﴾ فهو ضعيف، لأن فى إسناده أيوب بن نهيك، قال أبو زرعة وأبو حاتم منكر الحديث، والأحاديث الصحيحة لا تعارض بمثله اهـ بتصرف واختصار؛ وصفوة القول أن أدلة القائلين بمشروعية صلاة ركعتين تحية المسجد أقوى من أدلة القائلين بعدمها وهو الذى أميل اليه وأفعله ﴿وفى قوله ﷺ فى حديث جابر﴾ "إذا جاء أحدكم والأمام يخطب فليصل ركعتين يتجوز فيهما" دليل على أن داخل المسجد حال الخطبة يقتصر على ركعتين لا يزيد عنهما (قال صاحب المنتقى) ومفهومه يمنع من تجاوز الركعتين بمجرد خروج الأمام وان لم يتكلم، وفى رواية ﴿عن أبى هريرة وجابر﴾ قال "جاء سليك الغطفانى ورسول الله ﷺ يخطب فقال له أصليت ركعتين قبل أن تجئ؟ قال لا، قال فصل ركعتين وتجوز فيهما" رواه ابن ماجه ورجال إسناده ثقات، وقوله قبل أن تجئ يدل على أن هاتين الركعتين سنة للجمعة قبلها وليستا تحية المسجد اهـ (قال الحافظ بن القيم) فى الهدى قال شيخنا حفيده أبو العباس (يعنى ابن تيمية) وهذا غلط والحديث المعروف فى الصحيحين عن جابر قال "دخل رجل يوم الجمعة ورسول الله ﷺ يخطب فقال أصليت؟ قال لا، قال فصل ركعتين، وقال اذا جاء أحدكم الجمعة والامام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما" فهذا هو المحفوظ فى هذا الحديث، وافراد ابن ماجه فى الغالب غير صحيحة هذا معنى كلامه، وقال شيخنا أبو الحجاج الحافظ المزى هذا تصحيف من الرواة وإنما هو أصليت قبل أن تجلس فغلط فيه الناسخ، قال وكتاب ابن ماجه إنما تداولته شيوخ لم يعتنوا به بخلاف صحيح البخارى ومسلم فان الحافظ تداولوهما واعتنوا بضبطهما وتصحيحهما، قال ولذلك وقع فيه اغلاط وتصحيف "قلت" ويدل على صحةстр. 1683
-[مذاهب الأئمة في سنن الجمعة القبلية والراجح عدمها]-
.....
الحواشي
(١) هذا أن الذين اعتنوا بضبط سنن الصلاة قبلها وبعدها وصنفوا فى ذلك من أهل الأحكام والسنن وغيرهما لم يذكر واحد منهم هذا الحديث فى سنة الجمعة قبلها، وانما ذكروه فى استحباب تحية المسجد والامام على المنبر، واحتجوا به على من منع من فعلها فى هذه الحال؛ فلو كانت هى سنة الجمعة لكان ذكرها هنا والترجمة عليها وحفظها وشهرتها أولى من تحية المسجد، ويدل عليه أيضًا أن النبى ﷺ لم يأمر بهاتين الركعتين إلا الدّاخل لأجل أنها تحية المسجد، ولو كانت سنة الجمعة لأمر بها القاعدين أيضاً ولم يختص بها الداخل وحده اهـ ﴿وقد اختلف العلماء﴾ هل للجمعة سنة قبلها أو لا؟ فأنكر جماعة أن لها سنة قبلهاوبالغوا فى ذلك (قال الحافظ ابن القيم) فى الهدى الجمعة كالعيد لا سنة لها قبلها، وهذا أصح قولى العلماء وعليه تدل السنة فان النبى ﷺ كان يخرج من بيته فاذا رقى المنبر أخذ بلال فى أذان الجمعة فاذا اكمله أخذ النبى ﷺ فى الخطبة من غير فصل، وهذا كان رأى عين، فمتى كانوا يصلون السنة؟ ومن ظن أنهم كانوا اذا فرغ بلال من الأذان قاموا كلهم فركعوا ركعتين فهو أجهل الناس بالسنة، وهذا الذى ذكرناه من أنه لا سنة قبلها هو ﴿مذهب مالك ﵀ وأحمد﴾ رجمه الله فى المشهور عنه وأحد الوجهين لأصحاب الشافعى، قال والذين قالوا إن لها سنة منهم من احتج بأن ظهر مقصورة فيثبت لها أحكام الظهر، ومنهم من أثبت السنة لها هنا بالقياس على الظهر، وذكر ابن القيم لهم أنواعًا كثيرة من الحجيج، ولكنه ضعفها جميعاً اهـ وقال العراقى لم ينقل عن النبى ﷺ أنه كان يصلى قبل الجمعة، لأنه كان يخرج اليها فيؤذن بين يديه ثم يخطب ﴿قلت﴾ وذهبت ﴿الحنفية والشافعية﴾ الى أن الجمعة كالظهر فى السنن القبلية والبعدية (وقال الترمذى) روى عن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلى قبل الجمعة أربعًا وبعدها أربعًا، قال وذهب سفيان الثورى وابن المبارك الى قول ابن مسعود اهـ (وقال الحافظ) فى أثر ابن مسعود الذى رواه الترمذى أخرجه عبد الرزاق، ورواه الطبرانى عن ابن مسعود مرفوعًا وفى إسناده ضعف وانقطاع (وقال فى التلخيص) وفى ابن ماجه عن ابن عباس كان النبى ﷺ يركع قبل الجمعة أربع ركعات ولا يفصل بينهن بشئ وإسناده ضعيف جداً (وفى الباب) عن ابن مسعود وعلىّ فى الطبرانى الأوسط، وصح عن ابن مسعود من فعله رواه عبد الرزاق، قال ولم يذكر الرافعى فى سنة الجمعة التى قبلها حديثاً، وأصح ما فيه ما رواه ابن ماجه اهـ ﴿قلت﴾ يعنى الحديث الذى رواه ابن ماجه عن أبى هريرة وجابر قال جاء سليك الغطفانى الخ، وتقدم لفظه آنفًا نقلاً عن صاحب المنتقى وقد علمت ما قيل فيه من كلام الحافظ ابن القيم وشيخه ابن تيمية والمزى ﵏، وقصارى القول أن حجج القائلين بعدم سنة قبلية للجمعة أرجح وأوضح والله أعلمстр. 1684
-[كيف كان الأذان للجمعة على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر ﵄]-
(١٠) باب الأذان للجمعة
اذا جلس الخطيب على المنبر وكيف كان المنبر على عهد رسول الله ﷺ
(١٥٨٠) عن السَّائب بن يزيد بن أخت نمرٍ ﵁ قال لم يكن لرسول الله ﷺ إلاَّ مؤذِّنٌ واحدٌ في الصَّلوات كلَّها فى الجمعة وغيرها يؤذِّن ويقيم، قال بلالٌ يؤذِّن ورسول الله ﷺ على المنبر يوم الجمعة (١) ويقيم إذا نزل ولأبي بكرٍ وعمر رضى الله عنهما حتَّى كان عثمان
(١٥٨١) وعنه أيضًا قال كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر ﵄ أذانين (٢) حتَّى كان زمن عثمان فكثر النَّاس فأمر بالأذان الأول (٣) الحواشي
(١٥٨٠) "عن السائب بن يزيد" هذا الحديث والذى بعده تقدما فى الباب التاسع من أبواب الأذان رقم ٢٨٨ - ٢٨٩ فى الجزء الثالث، وتقدم الكلام عليهما سندًا وشرحًا وتخريجًا، وإنما ذكرتهما هنا للكلام على بعض أمور فيهما تختص بالجمعة لم تذكر هناك(١) لم يرد فى رواية الامام احمد ولا فى رواية البخارى بيان الموضع الذى كان يؤذن فيه بلال رضى الله عنه والنبى ﷺ على المنبر، وجاء مبيناً فى رواية أبى داود من حديث السائب ابن يزيد أيضًا قال "وكان يؤذّن بين يدى رسول الله ﷺ اذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر، زاد فى رواية فلما كان خلافة عثمان وكثر الناس أمر عثمان يوم الجمعة بالأذان الثالث فأذّن به على الزوراء فثبت الأمر على ذلك" ﴿تخريجه﴾ (خ. والأربعة وغيرهم)(١٥٨١) وعنه أيضاً ﴿غريبه﴾(٢) بالأذانين الأذان والأقامة تغليباً أو أطلق الأذان على الأقامة لأنها إعلام كالأذان، ومنه قوله ﷺ "بين كل أذانين صلاة لمن شاء"(٣) فى لفظ للبخارى من رواية عُقيل عن ابن شهاب أن السائب بن يزيد أخبره أن التأذين الثانى يوم الجمعة أمر به عثمان رضى الله عنه حين كثر أهل المسجد، وله من طريق ابن أبى ذئب عن الزهرى "فلما كان عثمان رضى الله عنه وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء" وظاهر هذا التعارض لأنه فى حديث الباب عند الأمام احمد سُمِّى بالأذان الأول، وفى الرواية الأولى للبخارى سُمِّى بالأذان الثانى، وفي الرواية الثانيةстр. 1685
-[الأذان المسمى بالأولى والثانية يوم الجمعة قبل الزوال بدعة]-
بالزَّوراء (١)
(١٥٨٢) عن الحسن عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ : إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة (٢) فلمَّا كثر النَّاس قال الحواشي
(١) بفتح الزاى وسكون الواو وبعدها راء ممدودة فسرها البخارى بقوله موضع بالسوق بالمدينة؛ قال الحافظ وما فسر به الزوراء هو المعتمد يعنى البخارى اهـ وقال أبو عبد الله الحموى هى قرب الجامع مرتفعة كالمتنار، وعند ابن ماجه وابن خزيمة بلفظ "زاد النداء الثالث على دار فى السوق يقال لها الزوراء" وعند الطبرانى "فأمر بالنداء الأول على دار له يقال لها الزوراء" والله أعلم ﴿تخريجه﴾ (خ. والأربعة وغيرهم)(١٥٨٢) عن الحسن عن أنس بن مالك ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ثنا المبارك عن الحسن عن أنس "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) يعنى جذع نخلةстр. 1686
-[مشروعية اتخاذ المنبر لخطبة الجمعة - وفيه معجزة للنبي ﷺ ]-
ابنو لي (١) منبرًا أراد أن يسمعهم فبنوا له عتبتين (٢) فتحوَّل من الخشبة إلى المنبر قال فأخبرنى أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الوالد (٣) قال فمازالت تحنُّ حتَّى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر فمشى إليها فاحتضنها فسكنت
(١٥٨٣) عن ابن عمر ﵄ قال كان النَّبي ﵌ عند هذه السَّارية وهي يومئذٍ جذع نخلةٍ يعني يخطب الحواشي
(١) أى اصنعوا لى منبراً (وقوله أراد أن يسمعهم) يعنى الخطبة، لأن قيامه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على المنبر اعون على إسماعهم الخطبة من كونه قائمًا على الأرض(٢) أى درجتين غير المقعدة التى كان يجلس عليها؛ وتقدم الكلام على المنبر وعدد درجاته فى شرح الحديث الأول من باب الغسل للجمعة(٣) أي بصوت سمعه الحاضرون كما جاء فى بعض الروايات وهذا من معجزاته ومن علامات نبوته ﷺ ، وسيأتى للمنبر ذكر فى باب فضل مسجد النبى ﷺ فى آخر كتاب الحج وفى أبواب المعجزات إن شاء الله تعالى ﴿تخريجه﴾ (خ) وغيره(١٥٨٣) عن ابن عمر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان ثنا أبو حباب عن أبيه عن ابن عمر رضى الله عنهما "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (مذ) وصححه وبعضه عند أبى داود ﴿وفى الباب﴾ عند أبى داود عن السائب بن يزيد رضى الله عنه قال "كان يؤذن بين يدى رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر أذَّن المؤذن على المسجد ثم كان الصحابة على ذلك" ﴿الأحكام﴾ فى أحاديث الباب مع ما ذكرنا فى الشرح دليل على مشروعية جلوس الأمام على المنبر قبل الخطبة، واليه ذهب الأئمة ﴿أبو حنيفة ومالك والشافعى وأحمد﴾ والجمهور وأنكر مشروعيته بعض الكوفيين والحديث حجة عليهم ﴿وفى أحاديث الباب أيضاً﴾ دليل على مشروعية الأذان للجمعة اذا جلس الأمام على المنبر وعلى ترك تأذين اثنين وعلى أن الخطبة للجمعة قبل صلاتها لقوله فى الحديث "ويقيم اذا نزل" ﴿وفيها﴾ أن الأذان الذى كان على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكرстр. 1687
-[من الذي أحدث الأذان الثالث - والكلام على شيء من البدع]-
.....
الحواشي
(١) وعمر ﵄ كان على باب المسجد أو على المسجد كما في بعض الروايات، ففعله الآن أمام المنبر داخل المسجد محدث وليس من السنة في شيء، وكأن الذي أحدثه فهم مما جاء في بعض الروايات بلفظ "كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ " أن ذلك كان عند المنبر داخل المسجد، ويرده ما جاء واضحاً في رواية أبي داود عن السائب بن يزيد رضى الله عنه قال "كان يؤذَّن بين يدى رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة على باب المسجد وأبى بكر وعمر" فهو صريح في أن الأذان كان على باب المسجد لا داخله عند المبنر، وقد أحدثوا بدعة أخرى مذمومة، وهي ما يفعلونه الآن في بعض المساجد من جعلهم مؤذنينِ أحدهما أمام المنبر والثاني على مكان مرتفع داخل المسجد، ويقول الأول جملة م الأذان ويسكت فيقولها الثاني، ثم يقول الأول الجملة التي تليها من الأذان ويسكت فيقولها الثاني، وهكذا حتى ينتهى الأذان بهذه الكيفية؛ فهذه بدعة لا أصل لها فى الدين يجب إبطالها ﴿وفى أحاديث الباب أيضاً﴾ أن الذي زاد الأذان على الزوراء هو عثمان رضى الله عنه (وقيل) إن عمر رضى الله عنه هو الذي زاد الأذان (وقيل معاوية) وقيل هشام بن عبد الملك وقيل غير ذلك، لكن قال الحافظ تواردت الروايات أن عثمان هو الذي زاده فهو المعتمد، وللحافظ كلام فى هذا المقام تقدم فى أحكام الباب التاسع من أبواب الأذان فى الجزء الثالث فارجع اليه إن شئت (قال الأمام ابن الحاج) رحمه الله تعالى فى المدخل ما معناه، السنة فى أذان الجمعة اذا صعد الأمام على المنبر أن يكون المؤذن على المنار "أى أو السطح أو الباب" كذلك كان على عهد النبى ﷺ وأبى بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان رضى الله عنهم، ثم زاد عثمان رضى الله عنه أذانا آخر بالزوراء؛ وهو موضع بالسوق لما كثر الناس وأبقى الأذان الذى كان على عهد رسول الله ﷺ على المنار والخطيب على المنبر إذ ذاك، ثم إنه لما تولى هشام بن عبد الملك جعل الأذان الذى فعله عثمان بالزوراء على المنار، ثم نقل الأذان الذى كان على المنار حين صعود الأمام على المنبر على عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وصدر من خلافة عثمان بين يديه، قال علماؤنا رحمة الله عليهم وسنة النبى ﷺ هى التي تتبع اهـ ﴿قلت﴾ لعل ابن الحاج ﵀ يعنى بقوله (على المنار) سطح المسجد لارتفاعه، لأنه لم يكن منائر فى عهد النبى ﷺ وصاحبيه، ويؤخذ من كلامه ﵀ أنه يريد أن يكون الأذان واحداً على المنار أو السطح عند صعود الأمام على المنبر، وهو الذى ينشرح له صدرى وأميل اليه، لأنه يوافق ما كان عليه النبى ﷺ وصاحبيه، وفيه الغرض الذى زاد عثمان رضى اللله عنه الأذان لأجله وهو الأعلام، وبذلك قال كثير من العلماء ﴿قال الامام الشافعي﴾ ﵀ فى الأم ما نصه، وأحب أن يكون الأذان يومстр. 1688
-[مشروعية الإتيان بالشهادتين في الخطبة]-
(١١) باب ما جاء في الخطبتين يوم الجمعة وهيئاتهما وآدابهما والجلوس بينهما
(١٥٨٤) عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ كلُّ خطبةٍ ليس فيها شهادةٌ (١) كاليد الجذماء (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٢) قال قال رسول الله ﷺ الخطبة الَّتى ليس فيها شهادةٌ كاليد الجذماء الحواشي
(١٥٨٤) عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثناعفان ثنا عبد الواحد بن زياد قال أنا عاصم بن كليب حدثنى أبى قال سمعت أبا هريرة قال قال رسول الله ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) أى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ﷺ (وقوله الجذماء) أى المقطعوعة، والمعنى أن الخطبة التى لا تشتمل على الشهادتين تكون ناقصة وقليلة البركة، ويحتمل أن يراد بالجذماء المصابة بالجذام، ويكون قد شبه الخطبة العارية عن الشهادتين بتلك اليد تنفيراً عنها وإرشاداً إلى وجود الشهادتين فى الخطبة(٢) ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن ثنا عبد الواحد بن زياد ثنا عاصم بن كليب حدثنى أبى سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (د. مذ) وحسنه وقال تشُّهدٌ بدل شهادةстр. 1689
-[مشروعية حمد الله والثناء عليه في الخطبة]-
(١٥٨٥) عن جابر (بن عبد الله رضى الله عنهما) قال خطبنا رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فحمد الله وأثنى عليه (١) بما هو له أهلٌ، ثمَّ قال أمَّا بعد (٢) فإنَّ أصدق الحديث كتاب الله، وإنَّ أفضل الهدى هدى محمَّدٍ (٣) ﷺ وشرُّ الأمور محدثاتها (٤) وكلُّ بدعةٍ ضلالة (٥) ثمًّ يرفع صوته الحواشي
(١٥٨٥) عن جابر بن عد الله ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا مصعب ابن سلام ثنا جعفر عن أبيه عن جابر "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) فيه مشروعية حمد الله والثناء عليه في أول الخطبة وأوجبه الشافعية ويتعين لفظه ولا يقوم غيره مقامه(٢) قال سيبويه أمَّا بعد معناها مهما يكن من شيء بعد، وقال أبو إسحاق هو الزجَّاج اذا كان الرجل في حديث فأراد أن يأتى بغيره قال أما بعد، وهو مبنى على الضم لأنه من الظروف المقطوعة عن الأضافة، وقيل التقدير أما الثناء على الله فهو كذا، وأما بعد فكذا(٣) الهدى بضم الهاء وفتح الدال في الكلمتين، ويجوز فتح الدال في الكلمتين، ويجوز فتح الهاء وإسكان الدال أيضاً وضبطه النووى بالوجهين، وكذا ذكره جماعة غير بالوجهين، وقال القاضي عياض رويناه في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبالفتح ذكره الهروى وفسره على رواية الفتح بالطريق، أى أحسن الطرق طرق محمد ﷺ يقال فلان حسن الهدى أى الطريقة والمذهب "اهتدوا بهدى عمار" وأما على رواية الضم فمعناه الدلالة والارشاد (قال العلماء) لفظ الهدى له معنيان (أحدهما) بمعنى الدلالة والارشاد وهو الذى يضاف الى الرسل والقرآن والعباد، قال الله تعالى ﴿وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم﴾ ﴿إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم﴾ ﴿هدى للمتقين﴾ ومنه قوله تعالى ﴿وأما ثمود فهديناهم﴾ أى بينا لهم الطريق ﴿إنا هديناه السبيل﴾ ﴿وهديناه النجدين﴾ (والثانى) بمعنى اللطف والتوفيق والعصمة والتأييد وهو الذى تفرد الله به، ومنه قوله تعالى ﴿إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله يهدى من يشاء﴾(٤) بفتح الدال المهملة جمع محدثة بالفتح وهى ما لم يكن معروفاً فى كتاب ولا سنة ولا إجماع، وهى البدعة كما يشير الحديث الى ذلك(٥) قال النووى هذا عام مخصوص والمراد غالب البدع، قال أهل اللغة هى كل شئ عمل على غير مثال سابق، قال العلماء البدعة خمسة أقسام واجبة ومندوبة ومحرمة ومكروهة ومباحة (فمن الواجبة) نظم أدلة المتكلمين للرد على الملاحدة والمبتدعين وشبه ذلك (ومن المندوبة) تصنيف كتب العلم وبناء المدارس والرُّبُط وغير ذلك (ومن المباح) التبسيط فى ألوان الأطعمة وغير ذلك (والحرام والمكروه)стр. 1690
-[قرب مبعث النبي ﷺ من الساعة وما ينبغي أن يفعله الخطيب]-
وتحمر وجنتاه ويشتد غضبه إذا ذكر السَّاعة (١) كأنَّه منذر (٢) جيشٍ، قال ثمَّ يقول أتتكم السَّاعة، بعثت أنا والسَّاعة هكذا وأشار بإصبعيه السَّبَّابة والوسطى (٣) صبَّحتكم السَّاعة ومسَّتكم (٤) من ترك مالاً فلأهله (٥) ومن ترك دينًا أو ضياعًا (٦) فإلىَّ وعلىَّ والضَّياع يعني ولده المساكين الحواشي
(١) فيه أنه يستحب للخطيب أن يفخم أمر الخطبة ويرفع صوته ويجزل كلاه ويكون مطابقاً للفصل الذى يتكلم فيه من ترغيب أو ترهيب، ولعل اشتداد غصبه ﷺ عند ذكر الساعة لما فيها من الأهوال العظيمة والخطوب الجسيمة(٢) المنذر المعْلِم الذى يعرّف القوم بما يكون قد دهمهم من عدو أو غيره وهو المخوّف أيضاً، وأصل الانذار الاعلام يقال أنذرته أنذره إنذار اذا أعلمته فأنا منذر ونذير أى معْلم ومخوّف ومحذّر، والمعنى أنه ﷺ كان يخوفهم من قيام الساعة وقربها ليستعدوا لها بطاعة الله عز وجث واجتناب المعاصى كما يُخوَّف الجيش بهجوم العدو ليستعد للقائه(٣) أى قرن بين إصبعيه السبابة والوسطى كما فى رواية مسلم (قال القاضى عياض ﵀ يحتمل أنه تمثيل لمقاربتها وانه ليس بينهما إصبع أخرى كما أنه لا نبى بينه وبين الساعة، ويحتمل أنه لتقريب ما بينهما من المدة وأن التفاوت بينهما كنسبة التفاوت بين الأصبعين تقريباً لا تجديداً اهـ(٤) المراد ستصبحكم أى تأتيكم صباحاً، وعبر بالماض لتحقق مجيئها كأنها جاءت، ويقال كذلك فى مسَّتكم(٥) أى فلورثته(٦) الضياع بفتح الضاد فسرها الراوى بقوله ولده المساكين يعنى أولاد المتوفى، وكذلك فسرها أهل اللغة، قال ابن قتيبة أصله مصدر ضاع يضيع ضياعاً المراد من ترك أطفالاً وعيالاً ذوى ضياع، فأوقع المصدر موضع الاسم (وقوله فالى وعلى) أى فالى تربية أولاده وعلى قضاء دينه (قال النووى) قال أصحابنا وكان النبى ﷺ لا يصلى على من مات وعليه دين لم يخلف به وفاء لئلا يتساهل الناس فى الاستدانة ويهملوا الوفاء فزجرهم عن ذلك بترك الصلاة عليهم، فلما فتح الله على المسلمين مبادئ الفتوح قال ﷺ "من ترك ديناً فعلىَّ" أى قضاؤه فكان يقضيه ﴿تخريجه﴾ (م. جه)стр. 1691
-[آداب تتعلق بالخطيب وحديث ابن مسعود في خطبة الحاجة]-
(١٥٨٦) عن عدي بن حاتم الطَّائيِّ رضى الله عنه أنَّ رجلاً خطب عند النبيِّ ﷺ فقال من يطع الله ورسوله فقد رشد (١) ومن يعصمها فقد غوى، فقال رسول الله ﷺ بئس الخطيب أنت (٢) قل ومن يعص الله ورسوله
(١٥٨٧) عن أبى سعيد الخدريِّ ﵁ أنَّ النبيِّ ﵌ خطب قائمًا على رجليه الحواشي
(١٥٨٦) عن عدي بن حاتم ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان عن عبد العزيز يعنى ابن رفيع عن تميم بن طرفة عن عدى بن حاتم "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) بفتح الشين المعجمة وكسرها(٢) قال القاضى عياض وجماعة من العلماء إنما أنكر عليه لتشريكه فى الضمير المقتضى للتسوية وأمره بالعطف تعظيماً لله بتقدير اسمه كما قال ﷺ فى الحديث الآخر "لا يقل أحدكم ما شاء الله وشاء فلان، ولكن ليقل ما شاء الله ثم شاء فلان" اهـ (وقال النووى) الصواب أن سبب النهى أن الخطب شأنها البسط والأيضاح واجتناب الاشارات والرموز، ولهذا ثبت فى الصحيح أن رسول الله ﷺ كان اذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثاً ليفهم، وأما قول الأولين فيضعف بأشياء، منها أن مثل هذا الضمير قد تكرر فى الأحاديث الصحيحة من كلام رسول الله ﷺ لقوله ﷺ "أن يكون الله ورسوله أحب اليه مما سواهما" وغيره من الأحاديث، وإنما ثنى الضمير ههنا لأنه ليس خطبة وعظ، وإنما هو تعليم حكم، فكلما قل لفظه كان أقرب الى حفظه، بخلاف خطبة الوعظ فانه ليس المراد حفظهما وإنما يراد الاتعاظ بها، ومما يؤيده هذا ما ثبت فى سنن أبى داود (ومسند الامام احمد) باسناد صحيح عن ابن مسعود رضى الله عنه قال علمنا رسول الله ﷺ خطبة الحاجة "الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدى الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصمها فانه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً" اهـ وستأتى هذه الخطبة فى أبواب خطب النبى ﷺ فى آخر القسم الثانى من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى ﴿تخريجه﴾ (مذ. نس. ك. هق)(١٥٨٧) عن أبى سعيد الخدرى ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا داود بن قيس عن عياض بن عبد الله بن أبى شرح عن أبى سعيد الخدرى "الحديث" ﴿تخريجه﴾ لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيدстр. 1692
-[حجة القائلين بوجوب القيام للخطبة]-
(١٥٨٨) عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يخطب يوم الجمعة قائمًا ثمَّ يقعد ثمَّ يقوم فيخطب
(١٥٨٩) عن ابن عمر ﵄ قال كان النَّبيُّ ﷺ يخطب يوم الجمعة مرَّتين بينهما جلسة (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (١) أنَّ النَّبيَّ ﵌ كان يجلس بين الخطبتين.
(١٥٩٠) عن سماك بن حرب قال نبَّأني جابر بن سمرة رضى الله عنه أنَّه رأى رسول الله ﷺ خطب قائمًا على المنبر ثمَّ يجلس "وفى روايةٍ ثمَّ يقعد قعدةً لا يتكلم" ثمَّ يقوم فيخطب قائمًا، قال فقال لي جابرٌ فمن نبَّأك (٢) أنَّه كان يخطب قاعدًا فقد كذب، فقد والله صلَّيت معه أكثر من ألفي صلاةٍ (٣) الحواشي
(١٥٨٨) عن ابن عباس ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الله ابن محمد وسمعته أنا منه قال ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربى عن الحجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس "الحديث" ﴿تخريجه﴾ أورده الهيثمى وقال رواه احمد وأبو يعلى والطبرانى فى الكبير والأوسط ورجال الطبرانى ثقات(١٥٨٩) عن ابن عمر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر "الحديث"(١) "وعنه من طريق ثان" ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قراد أنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن النبى ﷺ "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (ق. والأربعة) بلفظ "كان ﷺ يخطب يوم الجمعة قائماً يجلس ثم يقوم كما تفعلون اليوم".(١٥٩٠) عن سماك بن حرب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو كامل ثنا زهير ثنا سماك بن حرب "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) رواية أبى داود فمن حدثك أنه كان يخطب كما فى رواية أخرى عند الأمام احمد، ورواية مسلم كلفظ حديث الباب(٣) قال النووى المراد الصلوات الخمس لا الجمعة اهـ قال الشوكانى ولابد من هذا، لأن الجمع التى صلاها ﷺ من عند افتراض صلاة الجمعة الى عند موته لا تبلغ ذلك المقدارстр. 1693
-[مشروعية الخطبتين للجمعة والجلوس بينهما]-
(وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه (١) وفيه بعد قوله فقد كذب) قال ولكنَّه ربمَّا خرج ورأى النَّاس في قلةٍ فجلس ثمَّ يثوبون (٢) ثمَّ يقوم فيخطب قائمًا
(١٥٩١) وعنه أيضًا عن جابر بن سمرة قال ما رأيت رسول الله ﷺ قطُّ يخطب فى الجمعة إلاَّ قائمًا، فمن حدَّثك أنَّه جلس فكذِّبه فإنَّه لم يفعل، كان النَّبيُّ ﵌ يخطب ثمَّ يقعد ثمَّ يقوم فيخطب: كان يخطب خطبتين يقعد بينهما في الجمعة.
(١٥٩٢) ز عن جابر بن سمرة ﵁ قال صلَّيت مع النَّبيِّ ﷺ فكانت صلاته قصدًا وخطبته قصدًا (٣) وبهذا الإسناد قال كانت لرسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم خطبتان يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكِّر النَّاس (٤) الحواشي
(٢) أى يرجعون الى المسجد، ومنه قوله تعالى ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس﴾ أى مرجعاً ومجتمعاً ﴿تخريجه﴾ أخرج الطريق الأولى منه (م. د) ولم أقف على من أخرج الطريق الثانية غير الأمام أحمد(١٥٩١) وعنه أيضاً ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو سعيد ثنا زائدة ثنا سماك عن جابر بن سمرة "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (م. د)(١٥٩٢) "ز" عن جابر بن سمرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أحمد ابن إبراهيم أبو على الموصلى ثنا أبو الأحوص عن سماك عن جابر بن سمرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(٣) القصد فى الشئ هو الاقتصاد فيه وترك التطويل، وإنما كانت صلاة رسول الله ﷺ قصداً وخطبته كذلك لئلا يمل الناس(٤) استدل به على مشروعية القراءة والوعظ فى الخطبة، وقد ذهب الشافعى الى وجوب الوعظ وقراءة آية، وسيأتى ذكر المذاهب فى الأحكام ﴿تخريجه﴾ (م. نس. مذ. جه) الى قوله وخطبته قصداً، وروى الباقى منه حديثاً مستقلاً (م. د. نس. جه)стр. 1694
-[إستحباب إطالة الصلاة وإقصار الخطبة]-
(١٥٩٣) عن واصل بن حيَّان (١) قال قال أبو وائل خطبنا عمَّار بن ياسرٍ فأبلغ وأوجز، فلمَّا نزل قلنا يا أبا اليقظان لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفَّست (٢) قال إنِّي سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول إنَّ طول صلاة الرَّجل وقصر خطبته مئنَّةٌ (٣) من فقهه، فأطيلوا الصَّلاة واقصروا (٤) الخطبة فإنَّ من البيان لسحرًا
(١٥٩٤) عن أبي راشدٍ قال خطبنا عمَّار بن ياسرٍ فتجوز في خطبته، الحواشي
(١٥٩٣) عن واصل بن حيان ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قريش بن إبراهيم قال ثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر عن أبيه عن واصل بن حيان "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) حيان بالمثناة(٢) أى فلو أطلت قليلاً(٣) بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة أى علامة، قال الأزهرى والأكثرون الميم فيها زائدة وهى مفعلة، قال الهروى قال الأزهرى غلط أبو عبيد فى جعله الميم أصلية، قال القاضى عياض قال شيخنا ابن سراج هى أصلية اهـ وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه القاضى عياض قال شيخنا ابن سراج هى أصلية اهـ وإنما كان إقصار الخطبة علامة من فقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على جوامع الألفاظ فيتمكن بذلك من التعبير باللفظ المختصر عن المعانى الكثيرة(٤) الهمزة فى واقصروا همزة وصل قال النووى، قال وليس هذا الحديث مخالفاً للأحاديث المشهورة فى الأمر بتخفيف الصلاة، لقوله فى الرواية الأخرى وكانت صلاته قصداً وخطبته قصداً، لأن المراد بالحديث الذى نحن فيه أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة لا تطويلاً يشق على المأمومين، وهى حينئذ قصد أى معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة الى وضعها (وقوله ﷺ فان من البيان لسحراً) قال أبو عبيد هو من الفهم وذكاء القلب، قال القاضى عياض فيه تأويلان (أحدهما) أنه ذمّ لأنه امالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام اليه حين يكسب من الاثم به كما يكسب بالسحر، وأدخله مالك فى الموطأ فى باب ما يكره من الكلام وهو مذهبه فى تأويل الحديث (والثانى) أنه مدح، لأن الله تعالى امتنَّ على عباده بتعليمهم البيان وشبهه بالسحر لميل القلوب اليه، واصل السحر الصرف، فالبيان يصرف القلوب ويميلها الى ما تدعو اليه، هذا كلام القاضى، قال النووى وهذا التأويل الثانى هو الصحيح المختار اهـ ﴿تخريجه﴾ (م)(١٥٩٤) عن أبى راشد ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن نميرстр. 1695
-[مشروعية توكي الخطيب على قوس أو عصا]-
فقال رجلٌ من قريشٍ لقد قلت قولاً شفاءً (١) فلو أنَّك أطلت، فقال إنَّ رسول الله ﵌ نهى أن نُطيل الخطبة.
(١٥٩٥) عن الحكم بن حزنٍ الكلفىَّ رضى الله عنه قال قدمت على رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم سابع سبعةٍ أو تاسع تسعةٍ (٢) قال فأذن لنا فدخلنا فقلنا يا رسول الله أتيناك لتدعو لنا بخيرٍ، قال فدعا لنا بخيرٍ وأمر بنا فأنزلنا، وأمر لنا بشيءٍ من تمرٍ والشَّأن إذ ذاك دون (٣) قال فلبثنا عند رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أيَّامًا شهدنا فيها الجمعة، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم متوكِّئًا على قوسٍ أو قال على عصًا (٤) فحمد الله وأثنى عليه كلماتٍ (٥) خفيفاتٍ طيباتٍ مباركاتٍ، ثمَّ قال يا أيُّها النَّاس إنَّكم لن تفعلوا ولن تطيقوا كلَّ ما أمرتم الحواشي
(١) يريد أن الخطبة كانت مؤثرة فى قلوب السامعين وشفاء لأمراض القلوب إلا انها قصيرة ﴿تخريجه﴾ لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد(١٥٩٥) عن الحكم بن حزن الكلفى ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا الحكم بن موسى قال عبد الله وسمعته أنا من الحكم حدثنا شهاب بن خِراش حدثنى شعيب بن رُزَيق الطائفى قال كنت جالساً عند رجل يقال له الحكم بن حزن الكلفى وله صحبة من النبى ﷺ قال فأنشأ يحدثنا قال قدمت على رسول الله ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) شك من شعيب وهو حال من فاعل قدمت يعنى أتيت النبى ﷺ حال كونى واحداً من سبعة أو واحداً من تسعة(٣) يعنى وحالتهم فى ذاك الوقت حالة إعسار وضيق من العيش، وإنما قال ذل الحكم بن حزن يريد الاعتذار عن اقتصار النبى ﷺ على التمر الذي قدم لهم(٤) شك من الراوى وفيه مشروعية اعتماد الخطيب حال الخطبة على عصا أونحوها، قالوا وحكمة ذلك الاشتغال عن العبث(٥) رواية البيهقى "بكلمات فما هنا منصوب بنزع الخافض أى أثنى عليه بكلمات" كما فى رواية البيهقيстр. 1696
-[كراهة رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة]-
به ولكن سدِّدوا وأبشروا (١)
(١٥٩٦) عن يزيد بن البراء (بن عازبٍ) عن أبيه ﵁ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم خطب على قوسٍ أو عصًا
(١٥٩٧) عن حُصين بن عبد الرَّحمن السَّلميِّ قال كنت إلى جنب عمارة بن رؤيبة (٢) السَّلميِّ رضى الله عنه وبشرٌ (٣) يخطبنا فلمَّا دعا رفع يديه (٤) فقال عمارة يعني قبَّح الله هاتين اليدين أو اليديتين (٥) رأيت الحواشي
(١) المعنى حيث أنكم لم تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتم به فسددوا وأبشروا (قال الحافظ) سددوا أى الزموا السداد وهو الصواب من غير إفراط ولا تفريط (وأبشروا) بالثواب على العمل الدائم وإن قل، والمراد تبشير من عجز عن العمل بالأكمل بأن العجز اذا لم يكن من صنيعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشر به تعظيماً وتفخيماً له ﴿تخريجه﴾ (د. عل. هق) وسنده جيد وصححه ابن خزيمة وابن السكن وحسن إسناده الحافظ(١٥٩٦) عن يزيد بن البراء ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا أبو جناب عن يزيد بن البراء "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (د. طب) ولفظ أبى داود عن البراء أن النبى ﷺ أعطى يوم العيد قوساً أو عصاً فخطب عليه، ورواه أيضاً الأمام أحمد والطبرانى مطولاً، وسيأتى فى باب خطبة العيدين وصححه ابن السكن.(١٥٩٧) عن حصين بن عبد الرحمن السلمى ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا موسى بن داود ثنا زهير عن حصين بن عبد الرحمن السلمى "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) براء وموحدة مصغراً الثقفى يكنى بأبى زهير صحابى نزل الكوفى(٣) هو ابن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشى، تولى الكوفى سنة إحدى وسبعين بعد قتل مصعب بن الزبير وأضيف اليه البصرة سنة ثلاث وسبعين بعد أن عزل عنها خالد بن عبد الله فرحل اليها واستخلف على الكوفة عمرو ابن حريث(٤) أى وهو يدعو فى يوم جمعة كما فى رواية أبى داود، يعنى حال الدعاء فى الخطبة(٥) شك الراوى هل قال اليدين بفتح أوله مكبراً أو اليديّتين بضم أوله وفتح الدال المهملة وتشديد التحتية المفتوحة مصغراً، ورواية الترمذى اليُديّتين بالتصغير بغير شك وزاد القصيرتين بالتصغير أيضاً، والظاهر أنه دعاء عليه، وقيل إخبارٌ عن قبح صنعهстр. 1697
-[استحباب قراءة سورة ق أو شيء منها في الخطبة]-
رسول الله ﷺ وهو يخطب إذا دعا يقول هكذا، ورفع السَّبَّابة وحدها (١)
(١٥٩٨) عن أمِّ هشامٍ بنت حارثة (٢) رضى الله عنها قالت لقد كان تنُّورنا (٣) وتنُّور النَّبيِّ ﷺ واحدًا سنتين أو سنةً وبعض سنةٍ (٤) وما أخذت ق والقرآن المجيد إلاَّ على لسان رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، كان يقرأ بها كلَّ يوم جمعةٍ على المنبر إذا خطب النَّاس الحواشي
(١) فيه جواز رفع السبابة عند الدعاء فى خطبة الجمعة وأما رفع اليدين فلا، وسيأتى الكلام على ذلك فى الأحكام ﴿تخريجه﴾ (م. د. مذ. نس. هق).(١٥٩٨) عن أم هشام ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن إسحاق حدثنى عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن ﴿غريبه﴾(٢) هى أم هشام بنت حارثة بن النعمان رضى الله عنها صحابية مشهورة وهى أخت عمرة بنت عبد الرحمن لأمها، روت عنها أختها عمرة وبايعت بيعة الرضوان، روى لها مسلم وأبو داود والأمام احمد(٣) التنور بضم الفوقية والنون المشددتين هو الذيى يخبر فيه(٤) تريد أنها جاورت النبى ﷺ هذه المدة فكانت تسمعه يقرأ سورة ق كل جمع وهو يخطب فحفظتها منه، وهذا يدل على قوة حفظها ومعرفتها بأحوال النبى ﷺ وقربها من منزله، قال العلماء وسبب اختياره ﷺ ق أنها مشتملة على البعث والموت والمواعظ المفيدة والزواجر الشديدة، وفيه دليل للقراءة فى الخطبة واستحباب قراءة ق أو بعضها فى كل خطبة ﴿تخريجه﴾ (م. د. نس. ك. هق) ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على مشروعية خطبتين للجمعة مشتملتين على حمد الله والثناء عليه والشهادتين وشئ من القرآن والوعظ والدعاء ﴿وفيها أيضاً﴾ مشروعية الأتيان بهما من قيام لا من جلوس والفصل بينهما بجلسة يسيرة لا يتكلم فيها وعدم التطويل فيهما لئلا يمل الناس ﴿وفيها أيضاً﴾ مشروعية اعتماد الخطيب على عصاً أو نحوها أثناء الخطبة ﴿أما حكم الخطبتين﴾ فقد ذهب إلى وجوبهما العترة والأمام الشافعى ﵀. وعن الحسن البصرى وأهل الظاهر، ورواية ابن الماجشون عن مالك أنهما مستحبتان لا واجبتان، وحكىстр. 1698
-[مذاهب العلماء في حكم خطبة الجمعة - وهل الواجب واحدة أو اثنتان]-
.....
الحواشي
(١) العراقي في شرح الترمذى عن الأئمة ﴿مالك وأبى حنيفة﴾ والأوزاعى وإسحاق بن راهوية وأبى ثور وابن المنذر ﴿وأحمد بن حنبل﴾ فى رواية عنه أن الواجب خطبة واحدة، قال واليه ذهب جمهور العلماء (قال الشوكانى) واستدلوا على الوجوب بما ثبت عنه ﷺ بالأحاديث الصحيحة ثبوتاً مستمراً أنه ﷺ كان يخطب فى كل جمعة، قال ومجرد الفعل لا يفيد الوجوب، واستدلوا أيضاً بقوله ﷺ "صلوا كما رأيتمونى أصلى" قال وهو مع كونه غير صالح للاستدلال به على الوجوب ليس يه إلا الأمر بايقاع الصلاة على الصفة التي كان يوقعها عليها، والخطبة ليست بصلاة، واستدلوا أيضاً بقوله تعالى ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ وفعله ﷺ للخطبة بيان للمجمل وبيان المجمل الواجِب واجبٌ (ورُدَّ) بأن الواجب بالأمر هو السعى فقط (وتعقب) بأن السعى ليس مأموراً به لذاته بل لمتعلقه وهو الذكر (ويتعقب) هذا التعقب بأن الذكر المأمور بالسعى اليه هو الصلاة، غاية الأمر أنه متردد بينها وبين الخطبة؛ وقد وقع الاتفاق على وجوب الصلاة والنزاع فى وجوب الخطبة فلا ينتهض هذا الدليل للوجوب، فالظاهر ما ذهب اليه ﴿الحسن البصرى وداود الظاهرى والحوينى﴾ من أن الخطبة مندوبة فقط، وأما الاستدلال للوجوب بحديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال "كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم" رواه أبو داود وأحمد بمعناه، وبحديثه أيضاً عند البيهقى فى دلائل النبوة مرفوعاً حكاية عن الله تعالى بفظ "وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدى ورسولى" فوهم لأن غاية الحديث الأول عدم قبول الخطبة التي لا حمد فيها، وغاية الثانى عدم جواز خطبة لا شهادة فيها بأنه ﷺ عبد الله ورسوله؛ والقبول والجواز وعدمهما لا ملازمة بينها وبين الوجوب قطعاً اهـ ﴿وأما الحمد والوعظ وقراءة شيء من القرآن﴾ فذهبت الشافعية والحنابلة الى وجوبها وزادوا عما فى أحاديث الباب وجوب الصلاة على النبى ﷺ (قال ابن قدامة فى المغنى) واذا وجب ذكر الله تعالى وجب ذكر النبى ﷺ لما روى فى تفسير قوله تعالى ﴿ألم نشرح لك صدرك ورفعنا لك ذكرك﴾ قال لا أذكر إلا ذكرت معى، ولأنه موضع وجب فيه ذكر الله تعالى والثناء عليه فوجب فيه الصلاة على النبى ﷺ كالأذان والتشهد؛ قال ويحتمل أن لا تجب الصلاة على النبى ﷺ لأن النبى ﷺ لم يذكر فى خطبه ذلك اهـ ﴿قلت﴾ هذا هو المتعين، وزاد الشافعية وجوب الدعاء للمؤمنين في الخطبة الثانية على أصح القولين عندهم ﴿وذهبت المالكية﴾ والأوزعى وإسحاق وأبو ثور وأبو يوسف ومحمد وداود الى أن الواجب ما يقع عليه اسم الخطبة وما زاد عن ذلك فهو مستحب ﴿وقال أبو حنيفة﴾ فرض الخطبة تسبيحة أو تهليلة أو تحميدة أو تكبيرة على قصد الخطبة. وعندهما "أعنى أبا يوسف ومحمد" لابد من ذكر طويل يسمى خطبة عُرفاً وهو مقدار ثلاث آيات عند الكرخى، وقيل مقدار التشهدстр. 1699
-[مذاهب العلماء في أركان الخطبة وآدابها]-
.....
الحواشي
(١) ﴿وأما الشهادتان﴾ فالجمهور على استحبابهما ﴿وأما القيام للخطبتين﴾ فقد اختلف فى وجوبه، فذهب الجمهور إلى الوجوب، ونقل عن ﴿أبى حنيفة﴾ أن القيام سنة وليس بواجب والى ذلك ذهبت الهادوية، واستدل الجمهور على الوجوب بما فى أحاديث الباب من أنه ﷺ كان يخطب قائماً، وبما أخرجه ابن أبى شيبة عن طاوس قال خطب رسول الله ﷺ قائماً وأبو بكر وعمر وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية، وروى ابن أبى شيبة أيضاً عن الشعبى أن معاوية إنما خطب قاعداً لمَّا كثر شحم بطنه ولحمه (قال الشوكانى) ولا شك أن الثابت عنه ﷺ وعن الخلفاء هو القيام حال الخطبة، ولكن الفعل بمجرده لا يفيد الوجوب كما عرفت غير مرة اهـ ﴿وأما الجلوس بينهما﴾ فذهبت الشافعية والامام يحيى الى وجوبه مستدلين بفعله ﷺ وقوله "صلوا كما رأيتمونى أصلى" وتقدم الجواب عن ذلك، وذهب الجمهور الى الاستحباب وعدم الوجوب ﴿وأما عدم تطويلهما﴾ فلا خلاف بين العلماء فى استحبابه، إنما الخلاف فى أقل ما يجزئ وهو مبسوط فى كتب الفقه ﴿وأما اعتماد الخطيب على قوس أو عصا﴾ فذهب الجمهور الى استحبابه، ولكنهم اختلفوا فى أخذه بأى اليدين ﴿فذهبت المالكية﴾ الى أخذه باليد اليمنى ﴿وذهبت الشافعية﴾ الى أخذه باليد اليسرى ويشغل اليمنى بحرف المنبر لاتباع السلف والخلف، فان لم يجد شيئاً من ذلك وضع اليمنى على حرف المنبر وأرسل اليسرى ﴿وقالت الحنفية﴾ يعتمد على سيف بيساره فى كل بلدة فتحت عنوة ويخطب بقوس أو عصا فى كل بلدة فتحت صلحاً ﴿وقالت الحنابلة﴾ يسن أن يعتمد على سيف أو قوس أو عصا باحدى يديه ﴿قلت﴾ لم أقف على شئ من الأحاديث يدل على هذه التفاصيل، والأفضل الأخذ باليمين لما رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم عن عائشة رضى الله عنها قالت "كان رسول الله ﷺ يعجبه التيمن فى ترجُّله وتنعُّله وطُهوره وفى شأنه كله" (قال الحافظ ابن القيم فى الهدى) كان ﷺ يعتمد على قوس أو عصا قبل أن يتخذ المنبر، وكان فى الحرب يعتمد على قوس، وفى الجمعة يعتمد على عصا، ولم يحفظ عنه أنه اعتمد على سيف، وما يظنه بعض الجهال أنه كان يعتمد على السيف دائماً وأن ذلك إشارة الى أن الدين قام بالسيف فمن فَرْطِ جهلِه، فانه لا يحفظ عنه ﷺ بعد اتخاذ المنبر أنه كان يرقاه بسيف ولا قوس ولا غيره ولا قبل اتخاذه أنه أخذ بيده سيفاً ألبتة، وإنما كان يعتمد على عصا أو قوس اهـ ﴿وفى حديث عمارة بن رؤيبة﴾ دليل على كراهة رفع الأيدى على المنبر حال الدعاء وأنه بدعة، ويؤيد ذلك ما رواه البزار والطبرانى فى الكبير والأمام أحمد، وتقدم فى باب التحذير من الابتداع فى الدين رقم ١٦ من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة عن غضيف بن الحارث الثمالى رضى الله عنه قال بعثстр. 1700
-[كلام العلماء في رفع اليدين عند الدعاء في الخطبة]-
(١٢) باب المنع من الكلام والإمام يخطب
والرخصة في تكلمه وتكليمه لمصلحة - وجواز قطع الخطبة لأمر يحدث
(١٥٩٩) عن ابن عباسٍ رضى الله عنهما قال قال رسول الله صلَّى الله الحواشي
(١٥٩٩) عن ابن عباس ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن نميرстр. 1701
-[التشديد في النهي عن الكلام يوم الجمعة والامام يخطب]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من تكلَّم يوم الجمعة وهو يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفارًا (١) والَّذي يقول له أنصت ليس له جمعةٌ (٢)
(١٦٠٠) عن أبي هريرة رضى الله عنه عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب أنصت فقد لغيت (٣) قال سفيان قال أبو الزِّناد هي لغة أبى هريرة (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٤) الحواشي
(١) شبَّه من لم يمسك عن الكلام بالحمار الحامل للأسفار بجامع عدم الانتفاع، وظاهر قوله من تكلم يوم الجمعة المنع من جميع أنواع الكلام من غير فرق بين مالاً فائدة فيه وغيره، وسيأتى الكلام على ذلك فى الأحكام(٢) قال العلماء معناه ليس له جمعة كاملة للأجماع على إسقاط فرض الوقت عنه ﴿تخريجه﴾ أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والبزار والطبرانى وفيه مجالد ابن سعيد وقد ضعفه الناس ووثقه النسائى فى رواية ﴿قلت﴾ أورده الحافظ فى بلوغ المرام أيضاً وقال رواه أحمد باسناد لا بأس به، قال وهو يفسر حديث أبى هريرة فى الصحيحين مرفوعاً "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والأمام يخطب فقد لغوت" اهـ(١٦٠٠) عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى قا قرئ على سفيان سمعت أبا الزناد يحدث عن الأعرج عن أبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(٣) فى رواية مسلم بعد قوله فقد لغيت، قال أبو الزناد هى لغة أبى هريرة، وإنما هو فقد لغوت (قال النووى) قال أهل اللغة يقال لغا يلغو كغزا يغزو، ويقال لَغِىَ يَلغَى كعَمِىَ يَعمَى لغتان، الأول أفصح، وظاهر القرآن يقتضى هذه الثانية التى هى لغة أبى هريرة، قال الله تعالى ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوْا فيه﴾ وهذا من لغِىَ يَلغَى، ولو كان من الأول لقال والغُوا بضم الغين، قال ابن الكسيت وغيره مصدر الأول اللغو ومصدر الثانى اللغى (ومعنى فقد لغوت) أى قلت اللغو وهو الكلام الملغى الساقط الباطل المردود، وقيل معناه قلت غير الصواب، وقيل تكلمت بما لا ينبغى، ففى الحديث النهى عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة ونبه بهذا على ما سواه، لأنه اذا قال أنصت وهو فى الأصل أمر بمعروف وسماه لغواً فيسيره من الكلام أولى، وإنما طريقه اذا أراد نهى غيره عن الكلام أن يشير اليه بالسكوت إن فهمه، فان تعذر فهمه فلينهه بكلام مختصر ولا يزيد على أقل ممكن اهـ(٤) ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاقстр. 1702
-[التشديد في النهي عن الكلام يوم الجمعة والامام يخطب]-
قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت (وعنه من طريقٍ ثالثٍ) (١) قال قال رسول الله ﷺ إذا قلت للنَّاس أنصتوا فقد ألغيت على نفسك.
(١٦٠١) ز عن عطاء بن يسارٍ عن أبىِّ بن كعبٍ رضى الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قرأ يوم الجمعة براءةً وهو قائمٌ يذكِّر بأيَّام الله (٢) وأبيُّ ابن كعب وجاه النبيِّ ﷺ وأبو الدَّرداء وأبو ذرٍ، فغمز أبىَّ بن كعبٍ أحدهما فقال متى أنزلت هذه السورة يا أبىُّ فإنِّى لم أسمعها إلاّ الآن؟ فأشار إليه أن اسكت (٣) فلمَّا انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه السُّورة فلم تخبر، قال أبىُّ ليس لك من صلاتك اليوم إلاَّ ما لغوت (٤) فذهبت إلى رسول الله الحواشي
(١) حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق بن همّام ثنا معمر عن همّام بن منبه قال هذا ما حدّث به أبو هريرة عن رسول الله ﷺ قال قال رسول الله ﷺ "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (ق. والامامان. والأربعة) وفى رواية لمسلم فقد لغيت بلفظ الطريق الأولى، وأخرجه البيهقى من طريق عقيل عن الزهرى بلفظ "من قال لصاحبه يوم الجمعة والأمام يخطب أنصت فقد لغا" وبهذا اللفظ رواه الترمذى، ورواه البيهقى من طريق آخر غير الطريق الأولى بلفظ "إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة فقد لغوت، عليك بنفسك" ولم أقف على من أخرج الطريق الثالثة من حديث الباب بلفظه غير الأمام أحمد(١٦٠١) "ز" عن عطاء بن يسار ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى مصعب ابن عبد الله الزبيرى ثنا عبد العزيز بن محمد عن شريك عن عبد الله بن أبى نمر عن عطاء بن يسار "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) يعنى يذكرهم بنعم الله وآياته الواقعة فى الأيام، وكان ذلك فى خطبة الجمعة(٣) فيه جواز نهى المتكلم بالأشارة لا بالكلام(٤) يعني أن نصيبهстр. 1703
-[حجة القائلين بجواز الكلام بعد فراغ الخطيب وقبل الصلاة]-
ﷺ فذكرت ذلك له وأخبرته بالَّذي قال أبىُّ فقال صدق أبىُّ
(١٦٠٢) عن أبى الدَّرداء رضى الله عنه قال جلس رسول الله ﷺ يومًا على المنبر فخطب النَّاس وتلا آيةً وإلى جنبي أبىَّ بن كعبٍ فقلت له يا أبىُّ متى أنزلت هذه الآية؟ قال فأبى أن يكلَّمنى، ثمَّ سألته فأبى أن يكلِّمنى، حتَّى نزل رسول الله ﷺ فقال لى أبىُّ مالك من جمعتك إلاَّ ما لغيت، فلمَّا انصرف رسول الله ﷺ جئته فأخبرته فقلت أي رسول الله إنَّك تلوت آيةً وإلى جنبي أبىُّ كعبٍ فسألته متى أنزلت هذه الآية؟ فأبى أن يكلِّمنى حتَّى إذا نزلت زعم أبىٌّ أنَّه ما ليس لي من جمعتى إلاَّ ما لغيت، فقال صدق أبىُّ، فإذا سمعت إمامك يتكلَّم فأنصت حتَّى يفرغ
(١٦٠٣) عن أنس بن مالكٍ رضى الله عنه قال كان رسول الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ينزل من المنبر يوم الجمعة فيكلِّمه الرَّجل فى الحاجة فيكلِّمه ثمَّ يتقدَّم إلى مصلاَّه فيصلِّي (١) الحواشي
(١٦٠٢) عن أبى الدرداء ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا مكى ثنا عبد الله بن سعيد عن حرب بن قيس عن أبى الدرداء "الحديث" ﴿تخريجه﴾ أخرجه أيضاً الطبرانى من رواية شريك بن عبد الله بن أبى نمر عن عطاء بن يسار عن أبى الدرداء، قال الهيثمى ورجال أحمد موثقون اهـ ويشهد له ما أخرجه أبو يعلى والطبرانى عن جابر قال دخل ابن مسعود والنبى ﷺ يخطب فجلس الى جنبه أبىّ فذكر نحو حديث أبى الدرداء المذكور فى الباب، قال العراقى ورجاله ثقات(١٦٠٣) عن أنس بن مالك ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا جرير بن حازم عن ثابت البنانى عن أنس بن مالك "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) فيه أنه لا بأس بالكلام بعد فراغ الخطيب من الخطبة وأنه لا يحرم ولا يكره ﴿تخريجه﴾ أخرجهстр. 1704
-[جواز قطع الخطبة لأمر يحدث]-
(١٦٠٤) عن موسى بن طلحة قال سمعت عثمان بن عفَّان ﵁ وهو على المنبر يقيم الصَّلاة وهو يستخبر النَّاس يسألهم عن أخبارهم وأسعارهم
(١٦٠٥) عن أبى رفاعة ﵁ قال انتهيت إلى رسول الله ﵌ وهو يخطب فقلت يا رسول الله رجلٌ غريبٌ جاء يسأل عن دينه لا يدرى ما دينه، قال فأقبل إلىَّ فأتى بكرسيٍ (١) فقعد عليه فجعل الحواشي
(١٦٠٤) عن موسى بن طلحة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم بن بشير إملاء قال أنبأنا محمد بن قيس الأسدى عن موسى بن طلحة "الحديث" ﴿تخريجه﴾ هذا الأثر أورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح اهـ ﴿قلت﴾ وكذلك صحح العراقى إسناده(١٦٠٥) عن أبى رفاعة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بهز ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حميد بن هلال قال قال أبو رفاعة انتهيت الى رسول الله ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) بضم الكاف وكسرها والضم أشهر وقعوده ﷺ على الكرسى ليسمع الباقون كلامه ويروا شخصه الكريم، ويحتمل أن هذه الخطبة التي كان النبى ﷺ فيها خطبة أمر غير الجمعة، ولهذا قطعها بهذا الفصل الطويل، ويحتمل أنها كانت الجمعة واستأنفها. ويحتمل أنه لم يحصل فصل طويل، ويحتمل أن كلامه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لهذا الغريب كان متعلقاً بالخطبة فيكون منها ولا يضر المشي فيстр. 1705
-[جواز قطع الخطبة لأمر يحدث]-
يعلِّمني ممَّا علَّمه الله تعالى، قال ثمَّ أتى خطبته فأتمَّ آخرها
(١٦٠٦) عن بريدة الأسلميِّ رضى الله عنه قال كان رسول الله ﷺ يخطبنا، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران (١) فنزل رسول الله ﷺ من المنبر فحملهما فوضعهما بين يديه (٢) ثمَّ قال صدق الله ورسوله، إنَّما أموالكم وأولادكم فتنةٌ (٣) نظرت إلى هذين الصَّبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر (٤) حتَّى قطعت حديثي ورفعتهما الحواشي
(١٦٠٦) عن بريدة الأسلمى ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا زيد ابن حباب حدثنى حسين بن واقد حدثنى عبد الله بن بريدة قال سمعت أبى بريدة يقل كان رسول الله ﷺ "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) من العثرة وهى الزّلة مضارع عثر من بابى نصر وضرب أى يمشيان مشى صغير يميل فى مشيه تارة الى هنا وتارة الى هنا لضعفه فى المشى(٢) فى رواية النسائي "فحملها ثم عاد الى المنبر" وإنما حملها وصعد بهما الى المنبر لكمال ما أودع الله فى قلبه ﷺ من الرحمة(٣) أى بلاء ومحنة واختبار يختبر الله بها عباده ليتميز من يشغله ذلك عن طاعة الله ممن لا يشغله، فمن أقبل على طاعة الله واشتغل بها عن ماله وولده كان من الفائزين، ومن عكس كان من الهالكين، وقد ثبتت له ﷺ العصمة فلا يشغله شئ عن الله مهما كان، فالمراد بالفتنة هنا بالنسبة له ﷺ هو الميل الطبيعي الذى لم يشغله عن ربه(٤) أى لأنه ﷺ كان أرحم خلق الله بخلق الله وأى قلب رحيم يرى طفلين فى هذه الحالة ولا يرحمهما، فعدم صبره ﷺ على تركها لما أودعه الله فى قلبه من كثرة الرحمة ورقة القلب ﴿تخريجه﴾ (د. نس. هق) وسنده جيد ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على مشروعة عدم الكلام والامام يخطب، وظاهرها يدل على المنع من جميع أنواع الكلام من غير فرق بين ما لا فائدة فيه وغيره لاطلاق الكلام فيها؛ ويؤيد ذلك أنه اذا جَعَل قوله أنصت مع كونه أمراً بمعروف لغواً، فغيره من الكلام أولى بأن يسمى لغواً، وقد اختلف العلماء فى ذلك هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه، فذهب الى تخريجه الائمة ﴿أبو حنيفة ومالك وأحمد والأوزاعى والشافعى﴾ فى أحد القولين عنه، واحتج لهم بقوله تعالى ﴿واذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ وبحديث أبى هريرة وحديث أبى الدرداء وهو حديث صحيح، ولأن الخطبتين بدلстр. 1706
-[مذاهب العلماء في حكم الكلام والامام يخطب]-
.....
الحواشي
(١) ركعتين فحرم بينهما الكلام ﴿وذهبت الشافعية﴾ فى أصح القولين عندهم الى أنه لا يحرم الكلام بل يكره كراهة تنزيه، قال النووى وبه قال عروة بن الزبير وسعيد بن جبير والشعبى والنخعى والثورى وداود، قال واحتج أصحابنا بالأحاديث الصحيحة المشهورة أن النبى ﷺ تكلم فى خطبته يوم الجمعة مرات، وبحديث أنس قال "دخل رجل المسجد ورسول الله ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة فقال يا رسول الله متى الساعة فأشار اليه الناس أن اسكت، فسأله ثلاث مرات كل ذلك يسيرون اليه أن اسكت، فقال رسول الله ﷺ ويحك ما أعددت لها" رواه البيهقى باسناد صحيح ﴿وعن أنس أيضاً﴾ قال "بينما النبى ﷺ يخطب فى يوم الجمعة قام أعرابى فقال يا رسول الله هلك المال وجاع العيال فادع الله لنا فرفع يديه وذكر حديث الاستسقاء" رواه البخارى ومسلم ﴿قلت سيأتى للأمام أحمد فى أبواب الاستسقاء﴾ قال وأجابوا عن الآية أنها محمولة على الاستحباب جمعاً بين الأدلة، هذا إن سلّمنا أن المراد الخطبة وأنها داخلة فى المراد، وعن حديث أبى هريرة أن المراد باللغو الكلام الفارغ ومنه لغو اليمين، وعن حديث أبى الدرداء أن المراد نقص جمعته بالنسبة الى الساكت، وأما القياس على الصلاة فلا يصح لأنها تفسد بالكلام بخلاف الخطبة اهـ ج ﴿قلت﴾ وأدلة الشافعية فيها نظر لأنها أخص من الدعوى، وغاية ما فيها أن يكون عموم الأمر بالأنصات مخصَّصاً بالسؤال ﴿واختلفوا أيضاً﴾ فى النهى عن الكلام هل هو فى حال الخطبة فقط، أو من ابتداء جلوس الأمام على المنبر؟ (قال النووى) إنما هو فى حال الخطبة، قال وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجمهور ﴿قلت﴾ وبه قال عطاء وطاوس والزهرى وبكر المزنى والنخعى وإسحاق ويعقوب ومحمد وروى ذلك عن ابن عمر وكرهه الحكم ﴿وقال أبو حنيفة﴾ اذا خرج الأمام حرم الكلام، قال ابن عبد البر إن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الأمام ﴿واختلفوا أيضاً﴾ اذا لم يسمع الأمام هل يلزمه الأنصات كما لو سمعه؟ قال الجمهور يلزمه، وقال النخعى وأحمد وهو أحد قولى الشافعى لا يلزمه، قال القاضى عياض ﴿ونقل ابن قدامة فى المغنى﴾ أن الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر أو من يخاف عليه ناراً أو حيّة أو حريقاً ونحو ذلك فله فعله، لأن هذا يجوز فى نفس الصلاة مع إفسادها فهاهنا أولى، فأمّا تشميت العاطس ورد السلام ففيه روايتان، قال الأثرم سمعت أبا عبد الله (يعنى الأمام أحمد ﵀ سئل يرد الرجل السلام يوم الجمعة؟ فقال نعم، ويشمت العاطس؟ فقال نعم والأمام يخطب، قال أبو عبد الله قد فعله غير واحد، قال ذلك غير مرة، وممن رخص فى ذلك الحسن الشعبى والنخعى والحكم وقتادة والثورى وإسحاق وذلك لأن هذا واجب فوجب الأتيان به فى الخطبة لتحذير الضرير ﴿والرواية الثانية﴾ إن كان لا يسمع ردّ السلامَ وتشميت العاطس، وإن كان يسمعстр. 1707
-[مذاهب العلماء فيما يجوز من الكلام والامام يخطب]-
.....
الحواشي
(١) لم يفعل، قال أبو طالب قال أحمد اذا سمعت الخطبة فاستمع وأنصت ولا تقرأ ولا تشمت؛ واذا لم تسمع الخطبة فاقرأ وشمت ورد السلام (وقال أبو داود) قلت لأحمد يرد السلام والأمام يخطب ويشمت العاطس، قال اذا كان ليس يسمع الخطبة فيرد، واذا كان يسمع فلا لقول الله تعالى ﴿فاستمعوا له وأنصتوا﴾ (وقيل لأحمد) الرجل يسمع نغمة الامام بالخطبة ولا يدرى ما يقول يرد السلام؟ قال لا اذا سمع شيئاً، وروى نحو ذلك عن عطاء، وذلك لأن الانصات واجب فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة كالأمر بالانصات بخلاف من لم يسمع، وقال القاضى لا يرد ولا يشمّت وروى ذلك عن ابن عمر ﴿وهو قول مالك والأوزاعى وأصحاب الرأى﴾ "واختلف قول الشافعى" فيحتمل أن يكون هذ القول مختصاً بمن يسمع دون من لم يسمع فيكون مثل الرواية الثانية، ويحتمل أن يكون عاماً في كل حاضر يسمع أو لم يسمع، لأن وجوب الانصات شامل لهم فيكون المنع من رد السلام وتشميت العاطس ثابتاً فى حقهم كالسامعين اهـ ﴿قلت﴾ للشافعية قولان فى استماع الخطبة الوجوب والاستحباب، فعلى القول بالوجوب لا يرد السلام ولا تشميت العاطس إلا بالاشارة عندهم الاستحباب فالرد جائز (قال الحافظ) وقد استثنى من الانصات فى الخطبة ما اذا انتهى الخطيب الى كلام لم يشرع فى الخطبة مثل الدعاء للسلطان مثلاً؛ بل جزم صاحب التهذيب بأن الدعاء للسلطان مكروه، وقال النووى محله اذا جاوز، وإلا فالدعاء لولاة الأمور مطلوب (قال الحافظ) ومحل الترك اذا لم يخف الضرر وإلا فيباح للخطيب اذا خشى على نفسه اهـ ﴿وأما الكلام فى الجلسة بين الخطبتين﴾ فقد قال ابن قدامة يحتمل أن يكون جائزاً، لأن الامام غير خاطب ولا متكلم فأشبه ما قبلها وبعدها، وهذا قول الحسن (ويحتمل) أن يمنع منه وهو قول مالك والشافعى والأوزاعى وإسحاق، لأنه سكوت يسير فى أثناء الخطبتين أشبه السكوت للتنفس اهـ ﴿قلت﴾ فى كتب الحنابلة والشافعية جواز الكلام عند جلوس الأمام بين الخطبتين ﴿وفى حديث أنس بن مالك والأثر المروى عن عثمان﴾ رضى الله عنهما دليل على جواز الكلام بعد فراغ الخطيب من الخطبتين وقبل الصلاة وأنه لا يحرم ولا يكره، واليه ذهب الجمهور، وروى عن أبى حنيفة أنه يكره الكلام بعد الخطبة (قال ابن العربى) والأصح عندى أن لا يتكلم بعد الخطبة، لأن مسلماً قد روى أن الساعة التى فى يوم الجمعة هى من حين يجلس الامام على المنبر الى أن تقام الصلاة، فينبغى أن يتجرد للذكر والتضرع اهـ ﴿قلت﴾ الذى فى مسلم "أنها من بين أن يجلس الامام الى أن تقتضى الصلاة" ووردت أحاديث صحيحة أيضاً فى الأنصات حتى تنقضى الصلاة رواها الامام أحمد وغيره، منها حديث سلمان ونبيشة، وتقدما فى باب الغسل للجمعة، ولكنهاстр. 1708
-[كلام العلماء في جواز قطع الخطبة لأمر يحدث]-
(١٣) باب قصة الذين انقضوا عن النبي ﷺ في خطبة الجمعة
(١٦٠٧) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال قدمت عيرٌ (١) مرَّةً المدينة ورسول الله ﵌ يخطب (٢) فخرج النَّاس وبقي الحواشي
(١٦٠٧) عن جابر بن عبد الله ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن إدريس عن حصين عن سالم بن أبى الجعد عن جابر "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) العير بكسر العين الأبل التي تحمل التجارة طعاماً كانت أو غيره، وهى مؤنثة لا واحد لها من لفظها، ولابن مردويه عن ابن عباس جاءت عير لعبد الرحمن بن عوف، ووقع عند الطبرانى عن أبى مالك أن الذى قدم بها من الشام دحية بن خليفة الكلبى، وكذلك فى حديث ابن عباس عند البزار، وجمع بين الروايتين بأن التجارة كانت لعبد الرحمن، وكان دحية السفير فيها أو كان مقارضاً، ووقع فى رواية ابن وهب عن الليث أنها كانت لوبرة الكلبى، ويجمع بأنه كان رفيق دحية، أفاده الحافظ(٢) ظاهره أن الانقضاض وقع حال الخطبة، لكن جاء فى راية البخارى بلفظ "بينما نحن نصلى مع النبى ﷺ إذ أقبلت غير الحديث" وظاهر هذه الرواية أن الانقضاض وقع بعد دخولهم فى الصلاة، ويؤيد الرواية الأولى ما عند مسلم من طريق أبى بكر بن أبى شيبة حدثنا عبد الله بن إدريس بسند رواية الامام احمد، وفيه قال ورسول الله ﷺ يخطب، وما عند أبى عوانة من طريق عباد بن العوام، وعند ابن حميد من طريق سلمان بن بشر كلاهما عن حصين به بلفظ يخطب، وكذا وقع عند البرار من حديث ابن عباس، وعند الطبرانى فى الأوسط من حديث أبى هريرة؛ وعلى هذا فقوله "نصلي" أيстр. 1709
-[كلام العلماء في تعيين من بقى مع النبي ﷺ من الذين انقضوا]-
اثنا عشر (١) فنزلت "وإذا رأوا تجارةً أو لهوًا انفضُّوا إليها" (٢) الحواشي
(١) زاد فى تفسير اسماعيل بن زياد الشامى "وامرأتان" وقد سُمّى من الجماعة الذين لم ينفضوا أبو بكر وعمر فى رواية عند مسلم، وفى رواية له أيضاً أن جابراً رضى الله عنه قال "فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً أنا فيهم" وفى تفسير الشامى أن سالماً مولى أبى حذيفة منهم، وروى العقيلى عن ابن عباس أن منهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأناس من الأنصار، وروى السهيلى بسند منقطع أن الاثنى عشر هم العشرة المبشرون بالجنة وبلال وابن مسعود، قال (وفى رواية) عمّارٌ بدل ابن مسعود، ورواية العقيلى أقوى وأشبه بالصواب (وقوله نزلت) ظاهر فى أنها نزلت بسبب قدوم العير المذكورة، والمراد باللهو على هذا ما ينشأ برؤية القادمين وما معهم، ووقع عند الشافعى من طريق جعفر بن محمد عن أبيه مرسلاً "كان النبى ﷺ يخطب يوم الجمعة وكان لهم سوق كانت بنو سليم يجلبون إليها الخيل والأبل والسمن فقدموا فخرج اليهم الناس وتركوه قائماً، وكان لهم لهو يضربونه فنزلت" ووصله أبو عوانة فى صحيحه، أفاده الحافظ(٢) قيل النكتة فى عود الضمير الى التجارة دون اللهو أن اللهو لم يكن مقصوراً وإنما كان تبعاً للتجارة، وقيل حذف ضمير أحدهما لدلالة الآخر عليه، وقال الزجاج أعيد الضمير إلى المعنى أى انفضوا الى الرؤية اهـ ﴿قلت﴾ زاد مسلم فى روايته "وتركوك قائماً" أى على المنبر تخطب، قال ابن كثير فى تفسيره هكذا ذكره غير واحد من التابعين منهم أبو العالية والحسن وزيد بن أسلم وقتادة، وزعم مقاتل بن حيان أن التجارة كانت لدحية بن خليفة قبل أن يسلم، وكان معها طبل فانصروا اليها وتركوا رسول الله ﷺ قائماً على المنبر إلا القليل منه، وقد صح بذلك الخبر فذكر حديث الباب بسنده اهـ ﴿تخريجه﴾ (ق. نس. مذ) ﴿الأحكام﴾ حديث الباب فيه دليل على أن الخطبة تكون من قيام، وقد استدل به المالكية ومن وافقهم ممن قال تنعقد الجمة باثنى عشر رجلاً، وأجاب الشافعية وغيرهم ممن يشترط أربعين بأنه محمول على أنهم رجعوا أو رجع منهم تمام الأربعين فأتم بهم الجمعة هكذا قالوا، وتقدم بسط الكلام على المذاهب فى العدد الواجب للجمعة فى أحكام الباب الثالث من أبواب صلاة الجمعة، وقد استشكل الأصلى حديث الباب فقال إن الله تعالى قد وصف أصحاب محمد ﷺ بأنهم لا تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ثم أجاب باحتمال أن يكون هذا الحديث قبل نزول الآية، قال الحافظ وهذا الذى يتعين المصير اليه مع أنهстр. 1710
-[الدليل على أن صلاة الجمعة ركعتان]-
(١٤) باب صلاة الجمعة ركعتين
وحكم من سبق بركعة أو زوحم - ومن قال باشتراط المسجد لصحة الجمعة
(١٦٠٨ (ع عمر بن الخطَّاب ﵁ قال صلاة السَّفر ركعتان (١) وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمامٌ غير قصرٍ (٢) على لسان محمدَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(١٦٠٩) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من الحواشي
(١٦٠٨) عن عمر بن الخطاب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان وعبد الرحمن عن سفيان عن زبيد الأيامى عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن عمر رضى الله عنه "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) أى لمن أراد الاقتصار عليهما وهذا على مذهب القائلين بأن القصر رخصة ويجوز الاتمام، أو فرضت ركعتين على مذهب القائلين بوجوب القصر وعدم جواز الاتمام، وتقدم الكلام على ذلك فى أحكام الباب العاشر من أبواب صلاة السفر فى الجزء اخامس(٢) أى شرعت ركعتين من أصلها لا تقبل تغييراً بحال من الأحوال (قال النووى) وهل الجمعة صلاة مستقلة أم ظهر مقصورة؟ فيه خلاف مشهور فى طريقة الخراسانيين، وممن نقله من المتقدمين صاحب التقريب حكاه عنه إمام الحرمين وغيره، وظاهر كلام بعضهم أنه قولان، وظاهر كلام الآخرين أنه وجهان ولعلهما قولان مستنبطان من كلام الشافعى فيصح تسميتهما قولين ووجهين أصحهما أنها صلاة مستقلة، ويستدل له بحديث عمر رضى الله عنه "يعنى حديث الباب" وبأن ادعاء القصر يحتاج الى دليل اهـ ج ﴿تخريجه﴾ (نس. جه. هق) ورجاله ثقات (قال الحافظ) ابن القيم هو ثابت عن عمر اهـ ﴿قلت﴾ أشار النسائى الى تضعيفه فقال لم يسمعه ابن أبى ليلى من عمر، قال النووى قد رواه البيهقى عن ابن أبى ليلى عن كعب بن عجرة عن عمر باسناد صحيح، لكن ليس فى هذه الرواية قوله على لسان نبيكم وه وثابت فى باقى الروايات اهـ ج(١٦٠٩) عن أبى هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن عبيد ثنا عبيد الله عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة رضى الله عنه "الحديث"стр. 1711
-[جواز صلاة الرجل على ظهر أخيه عند شدة الزحام في الجمعة]-
أدرك من الصَّلاة ركعةً (١) فقد أدركها كلَّها (٢)
(١٦١٠) عن سيَّار بن المعرور قال سمعت عمر (رضى الله عنه) وهو يخطب يقول إنَّ رسول الله ﷺ بنى هذا المسجد ونحن معه المهاجرون والأنصار (٣) فإذا اشتدَّ الزِّحام فليسجد الرَّجل منكم على ظهر أخيه، ورأى الحواشي
(١) أي بركوعها وسجودها(٢) فى رواية لمسلم "من أدرك ركعة من الصلاة مع الأمام فقد أدرك الصلاة" وله فى أخرى مثل حديث الباب إلا أنه قال "فقد أدرك الصلاة كلها" وللنسائى "فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضى ما فاته" بزيادة "إلا أنه يقضى ما فاته" وبهذا الزيادة اتضح معنى الحديث إذ ظاهره بدونها متروك بالأجماع، لأنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركاً لجميع الصلاة بحيث تبرأ ذمته منها، فاذا فيه إضمار تقديره فقد أدرك وقت الصلاة أو حكم الصلاة أو نحو ذلك ويلزمه اتمام بقيتها (قال ابن عبد البر) واختلف فى معنى فقد أدرك الصلاة، فقيل أدرك وقتها فهو بمعنى حديث "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح" وليس كذلك لأنهما حديثان لكل واحد منهما معنىً (وقيل) أدرك حكمها فيما يفوته من سهو الأمام ولزوم الأتمام ونحو ذلك (وقيل) أدرك فضل الجماعة على أن المراد من أدرك ركعة مع الامام، قال وظاهر الحديث يوجب الأدراك التام، الوقت والحكم والفضل، ويدخل فى ذلك إدراك الجمعة، فاذا أدرك منها ركعة مع الأمام أضاف إليها أخرى وإلاَّ صلّى أربعاً، ثم أخرج من طريق ابن المبارك عن معمر والأوزاعى ومالك عن الزهرى عن أبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعاً "من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها" قال الزهرى فنرى الجمعة من الصلاة اهـ ﴿تخريجه﴾ (ق. والأربعة وغيرهم) باختلاف يسير فى بعض الألفاظ ﴿وفى الباب﴾ عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ "من أدرك ركعة من الجمعة فَليُصلِّ اليها أخرى" قال النووى رواه الحاكم فى المستدرك من ثلاث طرق وقال أسانيدها صحيحة، ورواه ابن ماجه والدارقطني والبيهقى وفي إسناده ضعف، ويغنى عنه حديث أبى هريرة أن النبى ﷺ قال "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة" رواه البخارى ومسلم، وبهذا الحديث احتج مالك فى الموطأ والشافعى فى الأم وغيرهما، قال الشافعى معناه لم تفته تلك الصلاة، ومن لم تفته الجمعة صلاها ركعتين اهـ ج(١٦١٠) عن سيار بن المعرور ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان بن داود ثنا سلام يعنى سلام يعنى أبا الأحوص عن سماك بن حرب عن سيار بن المعرور "الأثر" ﴿غريبه﴾(٣) يريد أن المسجد بنى صغيراً على قدر المهاجرين والأنصار، لأنه لمстр. 1712
-[مذاهب العلماء فيما تدرك به الجمعة]-
قومًا يصلُّون في الطَّريق فقال صلَّوا في المسجد (١) الحواشي
(١) أى وان ترتب على ذلك سجودكم على ظهر إخوانكم ﴿تخريجه﴾ (ص. هق) قال النووى إسناده صحيح ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على جملة أحكام ﴿منها﴾ أن صلاة الجمعة ركعتان، دليل ذلك ما فى حديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه من قوله "وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد ﷺ " ولأنه نقْلُ الخلف عن السلف (قال ابن المنذر) أجمع المسلمون على أن صلاة الجمعة ركعتان، ونقل الأجماع أيضاً النووى وغيره ﴿ومنها﴾ أن من أدرك من الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى وكانت له جمعة، دليل ذلك حديث أبى هريرة المذكور فى الباب وروايته الأخرى المذكورة فى الشرح ﴿قال النووى مذهبنا﴾ أنه إن أدرك ركوع الركعة الثانية أدركها وإلا فلا؛ قال وبه قال أكثر العلماء حكاه ابن المنذر عن ابن مسعود وابن عمر وأنس بن مالك وسعيد بن المسيب والأسود وعلقمة والحسن البصرى وعروة بن الزبير والنخعى والزهرى ﴿ومالك والأوزاعى﴾ والثورى وأبى يوسف ﴿وأحمد وإسحاق﴾ وأبى ثور، قال وبه أقول ﴿وقال عطاء وطاوس ومجاهد ومكحول﴾ من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً، وحكى أصحابنا مثله عن عمر بن الخطاب ﴿وقال الحكم وحماد وأبو حنيفة﴾ من أدرك التشهد مع الامام أدرك الجمعة فيصلى بعد سلام الأمام ركعتين وتمت جمعته، وحكى الشيخ أبو حامد عن هؤلاء أنه اذا أحرم قبل سلام الأمام كان مدركاً للجمعة حتى قال أبو حنيفة لو سلم الأمام ثم سجد للسهو فأدركه مأموم فيه أدركها، وحكى أصحابنا مثل مذهبنا أيضاًَ عن الشعبى وزفر ومحمد بن الحسن اهـ ج ﴿قلت﴾ احتج الأولون بحديثي أبى هريرة (أما عطاء وطاوس) ومن وافقها فانهم يقولون إن الجمعة إنما قصرت من أجل الخطبة، وسماع الخطبة شرط فى صحة الجمعة عندهم فلا تكون جمعة فى حق من لم يوجد فى حقه الشرط (وأما الحكم وحماد وأبو حنيفة) فقد احتجوا بحديث أبى هريرة مرفوعاً "إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ولكن ائتوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا" وقد تقدم الكلام عليه فى الباب الخامس، قالوا وهذا مطلق يشمل ما اذا أدركه بعد التشهد أو فى سجود السهو وهذا قول أبي حنيفةстр. 1713
-[كلام العلماء في حكم من زوحم فلم يمكنه السجود على الأرض]-
.....
الحواشي
(١) وأبي يوسف ﴿قلت﴾ وخالفهما محمد فذهب الى ما ذهب اليه الأولون محتجاً بحديثى الباب والله أعلم بالصواب ﴿ومنها﴾ اذا اشتد الزحام فى صلاة الجمعة جاز للرجل أن يسجد على ظهر أخيه لأثر عمر بن الخطاب رضى الله عنه (قال ابن قدامة) فى المغنى ومتى قدر المزحوم على السجود على ظهر إنسان أو قدمه لزمه ذلك وأجزأه، قال احمد فى رواية أحمد بن هاشم يسجد على ظهر الرجل والقدم ويمكّن الجبهة والأنف فى العيدين والجمعة، وبهذا قال الثورى ﴿وأبو حنيفة والشافعى﴾ وأبو ثور وابن المنذر ﴿وقال عطاء والزهرى ومالك﴾ لا يفعل؛ قال مالك وتبطل الصلاة إن فعل، لقول النبى ﷺ "ومكن جبهتك من الأرض" ولنا ما روى عن عمر رضى الله عنه أنه قال "اذا اشتد الزحام فليسجد على ظهر يظهر له مخالف فكان إجماعاً، ولأنه أتى بما يمكنه حال العجز فصح كالمريض يسجد على المرفقة، والخبر لم يتناول العاجز لأن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها ولا يأمر العاجز عن الشيء بفعله اهـ ﴿فائدة﴾ الحكمة فى ذكر مسألة الزحام فى صلاة الجمعة أنها تفارق غيرها من الصلوات لأن الزحمة فيها أكثر، ولأن الجماعة شرط فيها بل اشترط بعض الأئمة صلاتها فى المسجد وأنها لا تصح إلا فيه، لهذا كانت صلاة من زوحم فسجد على ظهر أخيه جائزة لأنه اذا لم يكن كذلك لزم حرمانه من صلاتها ودين الله يسر (قال الشوكانى ﵀ ذهب الهادى الى اشتراط المسجد، قال لأنها لم تقم إلا فيه ﴿قلت والمالكية أيضاً﴾ قال وقال أبو حنيفة والشافعى والمؤيد بالله وسائر العلماء إنه غير شرط، قالوا إذ لم يفصّل دليلها؛ قال فى البحر قلت وهو قوى إن صحت صلاته ﷺ فى بطن الوادى؛ وقد روى صلاته ﷺ فى بطن الوادى ابن سعد وأهل السير؛ ولو سلم عدم صحة ذلك لم يدل فعلها فى المسجد على اشتراطه اهـ (وقال الأمام ابن رشد) فى كتابه بداية المجتهد بعد أن ذكر شروط الجمعة واختلاف العلماء فيها قال، والسبب فى اختلافهم فى اشتراط الأحوال والأفعال المقترنة بها هو كون بعض تلك الأحوال أشد مناسبة لأفعال الصلاة من بعض، ولذلك اتفقوا على اشتراط الجماعة إذ كان معلوماً من الشرع أنها حال من الأحوال الموجودة فى الصلاة، ورأى المسجد شرطاً لكونه أقرب مناسبة، حتى لقد اختلف المتأخرون من أصحابه هل من شرط المسجد السقف أم لا؟ وهل من شرطه أن تكون الجمعة راتبة فيه أم لا؟ وهذا كله لعله تعمق فى هذا الباب ودين الله يسر، ولقائل أن يقول إن هذه لو كانت شروطاً فى صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنها ﵊ ولا أن يترك بيانها لقوله تعالىстр. 1714
-[ما يستحب أن يقرأ به في صلاة الجمعة]-
(١٥) باب ما يقرأ به فى صلاة الجمعة
(١٦١١) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما أنَّ رسول الله ﵌ كان يقرأ فى صلاة الصُّبح يوم الجمعة الم تنزيل وهل أتى، وفى الجمعة سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون
(١٦١٢) عن عبيد الله بن عبد الله أنَّ الضَّحَّاك بن قيسٍ سأل النُّعمان ابن بشيرٍ رضى الله عنه بم كان النَّبيُّ ﵌ يقرأ فى الجمعة مع سورة الجمعة (١) قال هل أتاك حديث الغاشية
(١٦١٣) عن عبيد الله بن أبى رافعٍ وكان كاتبًا لعلىٍّ ﵁ قال كان مروان يستخلف أبا هريرة على المدينة فاستخلفه مرَّةً فصلَّى الجمعة فقرأ سورة الجمعة وإذا جاءك المنافقون، فلمَّا انصرف مشيت إلى جنبه الحواشي
(١٦١١) عن ابن عباس ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن شعبة ثنا مُخوَّلٌ عن مسلم البَطِين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (م. نس. وغيرهما)(١٦١٢) عن عبيد الله بن عبد الله ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرحمن بن مهدى ثنا مالك عن ضمرة بن سعيد عن عبيد الله بن عبد الله "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) لفظ أبى داود والموطأ "ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ يوم الجمعة على إثر سورة الجمعة" والمعنى ماذا كان يقرأ به رسول الله ﷺ فى الجمعة فى الركعة الثانية على إثر سورة الجمعة التي كان يقرؤها فى الركعة الأولى، قال أبو عمر قوله على إثر سورة الجمعة يدل على أنه كان يقرؤها فلم يحتج الى السؤال عن ذلك لعلمه به، ويدل على أنه لو كان يقرأ معها شيئاً واحداً أبداً لعلمه كما علم سورة الجمعة، ولكنه كان مختلفاً فسأل عن الأغلب منه، أفاده الزرقانى على الموطأ ﴿تخريجه﴾ (م. لك. د. نس. جه. هق)(١٦١٣) عن عبيد الله بن أبى رافع ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن جعفر بن محمد قال حدثنى أبى عن عبيد الله بن أبي رافع "الحديث"стр. 1715
-[استحباب القراءة في الجمعة والعيدين بسبح وهل أتاك]-
فقلت أبا هرّ قرأت بسورتين قرأ بهما علىٌّ ﵇ (١) قال قرأ بهما حبِّي أبو القاسم ﵌
(١٦١٤) عن النُّعمان بن بشيرٍ رضى الله عنه أن نبيَّ الله ﵌ قرأ فى العيدين بسبِّح اسم ربِّك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية، وإن وافق يوم الجمعة قرأهما جميعًا (٢) (وعنه من طريقٍ ثانٍ) (٣) عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه كان يقرأ فى صلاة الجمعة بسبِّح اسم ربِّك وهل أتاك حديث الغاشية، فربما اجتمع العيد والجمعة فقأ بهاتين السُّورتين الحواشي
(١) لفظ مسلم وأبى داود "فقلت له إنك قرأت بسورتين كان علىّ بن أبى طالب يقرأ بهما فى الكوفة" وكأنه لمّا وجد أبا هريرة يقرأ بهما فى الجمعة أيضاً بالمدينة أدرك أنه لابد لهذا من سر، فأراد الوقوف عليه فسأل أبا هريرة عن ذلك فأجابه بأن النبى ﷺ كان يقرأ بهما، ففيه استحباب القراءة فى صلاة الجمعة بالسورتين المذكورتين ﴿تخريجه﴾ (م. د. نس. مذ. جه. هق)(١٦١٤) عن النعمان بن بشير ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن إبراهيم يعنى ابن محمد بن المنتشر عن أبيه عن حبيب بن سالم عن أبيه عن النعمان بن بشير "الحديث" وفى آخره، قال أبو عبد الرحمن (يعنى عبد الله بن الأمام أحمد رحمهما الله) حبيب بن سالم سمعه من النعمان وكان كاتبه وسفيان يخطئ فيه يقول حبيب بن سالم عن أبيه وهو سمعه من النعمان ﴿قلت﴾ يعنى أن قوله فى السند عن حبيب بن سالم عن أبيه خطأ، والصواب عن حبيب بن سالم عن النعمان الخ ﴿غريبه﴾(٢) يعنى فى الصلاتين كل سورة فى ركعة كما جاء ذلك واضحاً فى رواية مسلم "قال واذا اجتمع العيد والجمعة فى يوم واحد يقرأ بهما فى الصلاتين" وإنما كان النبى ﷺ يقرأ بهما فى هاتين الصلاتين الجامعتين لما فيهما من التذكير بنعم الله تعالى وعظمته وكمال قدرته وما أكرم الله به عباده المتقين من الفور بجنات النعيم وما أعده للكافرين من العذاب الأكبر الأليم نعوذ بالله من ذلك(٣) ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن شعبة قال حدثنى إبراهيم عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير عن النبى ﵌ "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (م. د. نس. مذ. هق)стр. 1716
-[كلام العلماء فيما يستحب القراءة به في صلاة الجمعة]-
(١٦١٥) عن سمرة بن جندبٍ ﵁ أنَّ النَّبيِّ ﷺ كان يقرأ فى الجمعة بسبِّح اسم ربك الأعلى وهل أتاك حديث الغاشية الحواشي
(١٦١٥) عن سمرة بن جندب ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى ابن سعيد عن شعبة ثنا معبد بن خالد عن زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (د. نس. هق) وسنده جيد وقال العراقى إسناده صحيح ﴿وفى الباب﴾ عن أبى هريرة رضى الله عنه قال "كان رسول الله ﷺ مما يقرأ فى صلاة الجمعة بالجمعة فيحرض به المؤمنين، وفى الثانية بسورة المنافقين فيقرع به المنافقين" أورده الهيثمى وقال هو فى الصحيح باختصار، رواه الطبرانى فى الأوسط وإسناده حسن، ومحمد بن عمار هو الوازعى وهو شيخه عبد الصمد من أهل الرأى وثقهما ابن حبان اهـ ﴿الأحكام﴾ فى الحديث الأول من أحاديث الباب دليل على استحباب قراءة سورة الم تنزيل (المعروفة بسورة السجدة) فى الركعة الأولى من صبح يوم الجمعة، وسورة هل أتى فى الركعة الثانية (قال النووى) ﵀ فيه دليل لمذهبنا ومذهب موافقينا فى استحبابهما فى صبح يوم الجمعة وأنه لا تكره قراءة آية السجدة فى الصلاة ولا السجود؛ ذكر مالك وآخرون ذلك (يعنى الكراهة) قال وهم محجوجون بهذه الأحاديث الصريحة المروية من طرق عن أبى هريرة وابن عباس رضى الله عنهم اهـ ﴿قلت﴾ تقدم الكلام على حكم السجدة فى صبح يوم الجمعة وكلام العلماء فى ذلك فى أحكام (باب القراءة فى الصبح وصبح يوم الجمعة) صحيحفة ٢٣٤ من الجزء الثالث فارجع اليه إن شئت ﴿وفى الحديث أيضاً﴾ استحباب قراءة سورة الجمعة فى الركعة الأولى من صلاة الجمعة، وسورة اذا جاءك المنافقون فى الركعة الثانية كاملتين فيهما كما كان يقرأهما النبى ﷺ (قال النووى) وهو مذهبنا ومذهب آخرين من العلماء، والحكمة فى قراءة الجمعة اشتمالها على وجوب الجمعة وغير ذلك من أحكامها وغير ذلك مما فيها من القواعد والحث على التوكل والذكر وغير ذلك، وقراءة سورة المنافقين لتوبيخ حاضريها منهم وتنبيههم على التوبة وغير ذلك مما فيها من القواعد، لأنهم ما كانوا يجتمعون فى مجلس أكثر من اجتماعهم فيها اهـ ﴿وفى بعض أحاديث الباب﴾ استحباب القراءة فى الركعة الأولى من صلاة الجمعة بسورة الجمعة، وفى الثانية بهل أتاك حديث الغاشية (وفى بعضها) فى الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفى الثانية بهل أتاك حديث الغاشية (قال العراقى) والأفضل من هذه الكيفيات قراءة الجمعة فى الأولى ثم المنافقين فى الثانية كما نص عيه الشافعى فيما رواه عنه الربيع (قال الشوكانى) قد ثبتتстр. 1717
-[مشروعية ركعتين بعد صلاة الجمعة]-
(١٦) باب النفل بعد صلاة الجمعة وعدم وصلها بصلاة حتى يتكلم أو يخرج
(١٦١٦) عن ابن عمر رضى الله عنهما قال كان رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يصلِّى بعد الجمعة ركعتين فى بيته
(١٦١٧) عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄ أنَّه كان إذا انصرف من الجمعة انصرف إلى منزله فسجد سجدتين، وذكر أنَّ رسول الله ﵌ كان يفعل ذلك الحواشي
(١٦١٦) عن ابن عمر ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (ق. والأربعة وغيرهم)(١٦١٧) عن عبد الله بن دينار ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الصمد ثنا عبد العزيز يعنى ابن مسلم ثنا عبد الله يعنى ابن دينار عن ابن عمر "الحديث" ﴿تخريجه﴾ (م. هق. والأربعة)стр. 1718
-[مشروعية أربع ركعات بعد صلاة الجمعة]-
(١٦١٨) عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إذا صلَّى أحدكم الجمعة فليصلِّ بعدها أربع ركعاتٍ (١)
(١٦١٩) وعنه أيضًا قال قال رسول الله ﷺ إذا صلَّيتم الجمعة فصلَّوا أربعًا، فإن عجل (٢) بك شيءٌ فصلِّ ركعتين، وركعتين إذا رجعت، قال ابن إدريس (٣) ولا أدرى هذا من حديث رسول الله ﷺ أم لا (٤) الحواشي
(١٦١٨) عن أبي هريرة ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن عاصم ثنا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) لفظ أبى داود والترمذى وهو أحد ألفاظ مسلم "من كان منكم مصلياً بعد الجمعة فليصل أربعاً" وفى رواية لمسلم كلفظ حديث الباب، قال النووى نبَّه بقوله من كان منكم مصلياً على أنها سنة ليست بواجبة، وذكر الأربع لفضلها، وفَعَل الركعتين فى أوقات بياناً لأن أقلها ركعتان اهـ ﴿تخريجه﴾ (م. والأربعة. وغيرهم)(١٦١٩) وعنه أيضاً ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن إدريس قال سمعت سهيل بن أبى صالح يذكر عن أبيه عن أبى هريرة "الحديث" ﴿غريبه﴾(٢) أى فان منعك مانع عن أداء الأربع معاً فى المسجد فصل ركعتين فى المسجد وركعتين فى المنزل اذا رجعت اليه(٣) هو عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودى الزعافرى بفتح المعجمة والعين وكسر الفاء أبو محمد الكوفى أحد الأعلام عن أبيه وعمه داود وسهيل بن أبى صالح ويحيى بن سعيد الأنصارى وخلق، وعنه أحمد واسحاق وابن معين وعبد الله بن أبى شيبة وأبو حيثمة وزياد بن أيوب وخلق، قال ابن معين ثقة فى كل شئ، قال أبو حاتم ثقة حجة إمام من أئمة المسلمين، قال ابن سعد مات سنة اثنتين وتسعين ومائة(٤) المعنى أن ابن إدريس الذى روى عنه الأمام أحمد هذا الحديث شك فى قوله "فان عجل بك أمر الى آخر الحديث" هل هو من كلام النبى ﷺ أو من كلام بعض الرواة؟ وقد جاء فى رواية مسلم بسند حديث الباب ما يشعر بأنه من قول سهيل أحد الرواة، ولفظ مسلم هكذا حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وعمرو الناقد قالا حدثنا عبد الله بن إدريس عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ "إذا صليتم بعد الجمعة فصلوا أربعاً، زاد عمرو فى روايته قال ابن إدريس قال سهيل فان عجل بك شيء فصل ركعتين فى المسجد وركعتين اذا رجعت" ﴿تخريجه﴾ (م) ورواه الأربعة الى قوله فصلوا أربعاًстр. 1719
-[استحباب الفصل بين الفرض والنافلة بخروج أو كلام]-
(١٦٢٠) عن السَّائب بن يزيد قال صلَّيت مع معاوية رضى الله عنه الجمعة فى المقصورة (١) فلمَّا سلَّم (٢) قمت فى مقامى فصلَّيت، فلمَّا دخل (٣) أرسل إلىَّ فقال لا تعد لما فعلت، إذا صلَّيت الجمعة (٤) فلا تصلها بصلاةٍ حتَّى تتكلَّم أو تخرج، فإنَّ نبيَّ الله صلَّى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أمر بذلك، لا توصل صلاةٌ بصلاةٍ حتَّى تخرج أو تتكلَّم (٥) الحواشي
(١٦٢٠) عن السائب بن يزيد ﴿سنده﴾ حدثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا أنا ابن جريح قال أخبرنى عمرو بن عطاء بن أبى الخوار أن نافع بن جبير أرسله الى السائب بن يزيد بن أخت نمر يسأله عن شئ رآه منه معاوية فى الصلاة فقال نعم، صليت معه الجمعة فى المقصورة "الحديث" ﴿غريبه﴾(١) قال فى القاموس المقصورة الدار الواسعة المحصنة أو هى أصغر من الدار كالقصارة بالضم ولا يدخلها إلا صاحبها اهـ والمراد هنا مقصورة المسجد، مكان يبنى فيه للمكبّرين والأمراء، قالوا وأول من عملها معاوية حين طعنه الخارجى، ثم استمر العمل عليها تحصيناً للأمراء، قال القاضى عياض وأجاز بعض المتأخرين اتخاذها وهو خطأ لتفريقها الصفوف وسترها الأمام عمن خلفه، وإنما عملت لعلة تحصين الأمراء، وأما لغير ذلك فلا تفعل، واختلف فى الصلاة فيها فأجاز الحسن والقاسم وسالم وغيرهم وصلوا فيها (وكرهها) ابن عمر والشعبى والشافعى وأحمد واسحاق، إلا أن اسحاق قال من صلى فيها أجزأه، وكان ابن عمر اذا أقيمت الصلاة وهو فيها خرج الى المسجد، وقيل هذا إن كانت مباحة، وأما المحجورة عن آحاد الناس فلا تجزئ الجمعة فيها لأنها خرجت بالحجز عن حكم الجامع المشترط اهـ(٢) يعنى معاوية وفى لفظ لمسلم "فلما سلم الأمام" والمعنى واحد لأن معاوية كان هو الأمام (وقوله قمت فى مقامى) أى مكانى الذى صليت فيه الجمعة فصليت النافلة من غير فاصل بينها وبين الجمعة(٣) أى فلما دخل معاوية بيته(٤) ومثل الجعة غيرها من الصلوات المفروضة لأدلة أخرى تقدمت فى الباب السادس من أبواب الخروج من الصلاة بالسلام وما يتبع ذلك فى الجزء الرابع، وانما خص الجمعة هنا بالذكر لئلا يظن جاهل أن النافلة تكملة لها(٥) فيه استحباب الفصل بين الفرض والنافلة بالخروج أو التحول من مكانه أو الكلام، وسيأتى بسط ذلك فى الأحكام ﴿تخريجه﴾ (م. د. هق) ﴿وفى الباب﴾ عن نافع أن ابن عمر رآى رجلاً يصلى ركعتين يوم الجمعة فى مقامه فدفعه وقال أتصلى الجمعة أربعاً؟ وكان عبد الله يصلي يومстр. 1720
-[مذاهب العلماء في عدد ركعات النفل بعد الجمعة]-
.....
الحواشي
(١) الجمعة ركعتين فى بيته ويقول هكذا فعل رسول الله ﷺ رواه أبو داود والبيهقى ﴿وعن عطاء ابن عمر﴾ رضى الله عنهما قال كان اذا كان بمكة فصلى الجمعة تقدم فصلى ركعتين ثم تقدم فصلى أربعاً، واذا كان بالمدينة صلى الجمعة ثم رجع الى بيته فصلى ركعتين ولم يصل فى المسجد؛ فقيل له فقال كان رسول الله ﷺ يفعل ذلك، رواه أبو داود والبيهقى ﴿وعن أبى عبد الرحمن السلمى﴾ قال علّمنا ابن مسعود رضى الله عنه أن نصلى بعد الجمعة أربعاً، فلماذا قدم علينا علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه علّمنا أن نصلى ستاً، رواه سعيد بن منصور فى سننه ﴿الأحكام﴾ أحاديث الباب تدل على مشروعية التنقل بعد الجمعة وأن أقله ركعتان وأكثره أربع، وله أن يصليها كلها فى المسجد أو البيت، أو بعضها فى المسجد وبعضها فى البيت، ولكن فعلها فى البيت أفضل تأسياً بفعله ﷺ ولحديث "أفضل الصلاة صلاة المرء فى بيته إلا المكتوبة" واقتصاره ﷺ على ركعتين فى البيت لا ينافى مشروعية الأربع، لأنه لا معارضة بين قوله ﷺ الخاص بنا وفعله الذى لم يقترن بدليل خاص يدل على التأسى به فيه، وقد أمرنا بصلاة أربع كما فى حديث أبى هريرة رضى الله عنه فعلينا الامتثال ﴿وقد اختلف العلماء﴾ فى الصلاة بعد الجمعة ﴿فذهبت طائفة﴾ إلى أنه يصلى بعدها ركعتين وهو مروى عن عمر وعمران بن حصين وحكاه الترمذى عن ﴿الشافعى واحمد﴾ قال العراقى لم يُرد الشافعى واحمد بذلك الا بيان أقل ما يستحب، وإلا فقد استحبا أكثر من ذلك، فنص الشافعى فى الأم على أنه يصلى بعد الجمعة أربع ركعات، ذكره فى باب صلاة الجمعة والعيدين، ونقل ابن قدامة عن احمد أنه قال إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين وإن شاء صلى أربعاً، وفى رواية عنه وإن شاء ستاً اهـ ﴿وذهبت طائفة﴾ الى أنه يصلى بعدها أربعاًوهو مروى عن ابن مسعود وعلقمة والنخعى وهو قول (أبى حنيفة وإسحاق) ﴿وذهبت طائفة﴾ الى أنه يصلى بعدها ركعتين ثم أربعاً وهو مروى عن على وابن عمرو أبى موسى، وهو قول ﴿عطاء والثورى وأبى يوسف﴾ الا أنه أبا يوسف استحب أن يقدم الأربع قبل الركعتين، احتج الأولون بحديث ابن عمر، وحجة الطائفة الثانية حديث أبى هريرة، وحجة الطائفة الثالثة (ما رواه عطاء عن ابن عمر) رضى الله عنهما وتقدم فى الشرح، رواه أبو داود والبيهقى وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال العراقى إسناده صحيح، ووجه قول أبى يوسف ما رواه الأعمش عن إبراهيم عن سليمان بن مسهر عن حرشة بن الحرّ أن عمر رضى الله عنه كره أن يصلى بعد صلاة مثلها ﴿والحاصل﴾ أن الذى ثبت عنه ﷺ ركعتان بعد الجمعة فعلاً وأربع قولاً، وأما الست فلم تثبت عنه ﷺ بحديث صحيح صريح، نعم ثبت عن ابن عمر رضى الله عنهما من فعله، ورى عن على أنه أمر بها (وأما حديث)следующие страницы →