أثبت من حيث الرواية، فإن معمرا أثبت من حماد، فإن حماداً تكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير، ذكروا أن ربيبه دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها، ومن ثم لم يخرج له البخاري شيئا، ولا خرج له مسلم في الأصول إلا من رواتيه عن ثابت (قال الحاكم) في المدخل ما خرج مسلم لحماد في الأصول من حديثه عن ثابت، وقد خرج له في الشواهد عن طائفة، وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه، واتفق على التخريج له الشيخان فكان لفظه أثبت، ثم وجدنا الحديثورد من حديث سعد بن أبي وقاص بمثل لفظ رواية معمر عن ثابت عن أنس، فأخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عامر بن سعد عن أبيه أن إعرابيا قال لرسول الله ﷺ أين أبي؟ قال في النار، قال فأين ابوك؟ قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار، وهذا إسناد على شرط الشيخين فتعين الاعتماد على هذا اللفظ وتقديمه على غيره، وقد زاد الطبراني والبيهقي في آخره قال فأسلم الأعرابي بعد فقال كلفني رسول الله ﷺ تعبا، ما مررت بقبر كافر إلا بشرته بالنار، فهذه الزيادة أوضحت بلا شك أن هذا اللفظ عام هو الذي صدر منه ﷺ ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسمعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة، فعلم أن هذا اللفظ العام هو الذي صدر منه ﷺ ورآه الأعرابي بعد إسلامه أمرا مقتضيا للامتثال فلم يسمعه إلا امتثاله، ولو كان الجواب باللفظ الأول لم يكن فيه أمر بشيء البتة، فعلم أن هذا اللفظ الأول من تصرف الراوي رواه بالمعني على حسب فهمه، وقد وقع في الصحيحين روايات كثيرة من هذا النمط فيها لفظ تصرف فيه الراويوغيره أثبت منه، كحديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة، وقد أعله الإمام الشافعي ﵁ بذلك، وقال إن الثابت من طريق آخر نفي سماعها، ففهم منه الراوي نفي قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ، ونحن أجبنا عن حديث مسلم في هذا المقام بنظير ما أجاب به إمامنا االشافعي ﵁ عن حديث مسلم في نفي قراءة البسملة، ثم لو فرض اتفاق الرواة على اللفظ الأول كان معارضا بما تقدم من الأدلة؛ والحديث الصحيح إذا عارضه أدلة أخرى هي أرجح منه وجب تأويله وتقديم تلك الأدلة عليه كما هو مقرر في الأصول (قال السهيلي) في الروض الانف بعد إيراده حديث مسلم، وليس لنا نحن أن نقول ذلك في أبويه ﷺ لقوله "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات" وقال الله تعالي "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا" (وسئل القاضي) أبو بكر ابن العربي أحد أئمة المالكية عن رجل قال إن أبا النبي ﷺ في النار؟ فأجاب بأن من قال ذلك فهو ملعون لقوله تعالى "إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة" قال ولا أذى أعظم من أن يقال عن أبيه إنه في النار (ومن العلماء من ذهب إلى قول خامس) وهو الوقف، قال الشيخ تاج الدين الفاكهاني في كتابه الفجر المنير الله أعلم بحال أبويه أهـ
стр. 2277
(وأخرج أبو نعيم) في دلائل النبوة بسند ضعيف من طريق الزهري عن أم سماعة بنت أبي رهم عن أمها قالت شهدن آمنة أم رسول الله ﷺ في علتها التي ماتت فيها ومحمد ﷺ غلام يفع له خمس سنين عند رأسها فنظرت إلى وجهه ثم قالت:
بارك فيك الله من غلام ... يا ابن الذي من حومه الحمام
نجا بعون المالك العلام ... فودي غداة الضرب بالسهام
بمائة من إبل سوام ... إن صح ما أبصرت في المنام
فأنت مبعوث إلى الأنام ... تبعث في الحل وفي الحرام
تبعث بالتحقيق والإسلام ... دين أبيك البر ابراهام
فالله أنهاك عن الأصنام ... ألا تواليها مع الأقوام
ثم قالت كل حي ميت. وكل جديد بال. وكل كبير يفنى. وأنا ميتة وذكري باق، وقد تركت خيرا وولدت ظهرا، ثم ماتت فكنا نسمع نوح الجن عليها فحفظنا من ذلك.
نبكي الفتاة البرة الأمينة ... ذات الجمال العفة الرزينة
زوجة عبدالله والقرينة أم نبي الله ذي السكينة
وصاحب المنر بالمدينة ... صارت لدى حفرتها رهينة
فأنت ترى هذا الكلام منها صريحا في النهي عن موالاة الأصنام مع الأقوام والاعتراف بدين إبراهيم وببعث ولدها إلى الأنام من عند ذي الجلال والإكرام بالإسلام، وهذه الألفاظ منافية للشرك، وقولها تبعث بالتحقيق كذا هو في النسخة، وعندي أنه تصحيح وإنما هو بالتخفيف، وإلى هنا قد انتهى ما قصدت تلخيصه من كتاب (مسالك الحنفا في والدي المصطفى ﷺ (وأما أبوة ﷺ فقد نقل عنه كلمات دلت على توحيده وإيمانه بالشرائع القديمة كقوله حين عرضت امرأة نفسها عليه:
أما الحرام فالممات دونه والحل لا حل فاستبينه
يحمي الكريم عرضه ودينه فكيف بالأمر الذي تبغينه
هذا مع ما كان عليه من كمال العفة فقد افتتن به النساء ولم ينلن منه شيئا (قال الحلواني في المواكب) القول بكفر أبويه ﷺ زلة عاقل نعوذ بالله من ذلك، فمن تفوه به فقد تعرض للكفر بإيذائه ﷺ فقد جاء أن عكرمة بن أبي جهل اشتكى إلى النبي ﷺ أن الناس يسبون أباه، فقال ﷺ "لا تؤذوا الأحياء بسبب الأموات" رواه الطبراني؛ ولا شك أنه ﷺ حي في قبره تعرض عليه أعمالنا، وإذا روعي عكرمة رضى الله عنه في أبيه بالنهي عما يتأذى به من سبه فسيد الخلق أولى وأوجب، فكيف وقد جاء أن سبيعة وكأنها المعروفة
стр. 2278
(٢) باب ما يقال عند زيارة القبور وهل يسمع الميت قول الحي
(٣٣٦) عن سليمان بن بريدة عن أبيه (بريدة الأسلمي) ﵁ قال كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين قال معاوية في حديثه إنا إن شاء الله بكم لاحقون أنتم فرطنا ونحن لكم تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية
(٣٣٧) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وعلى
стр. 2279
آله وصحبه وسلم أنه أتى المقبرة فسلم على أهل المقبرة فقال سلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون الحديث.
(٣٣٨) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاج قال أنا ابن جريج قال حدثني عبد الله رجل من قريش أنه سمع محمد بن قيس بن مخرمة بن المطلب أنه قال يوما ألا أحدثكم عني وعن أمي؟ فظننا أنه يريد أمه التي ولدته، قال قالت عائشة ألا أحدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم؟ قلت بلى، قال قالت لما كانت ليلتي التي كان النبي
стр. 2280
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع، فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت فأخذ رداءه رويدا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج ثم أجافه رويدا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت فسبقته، فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال مالك يا عائش حشيا رابية؟ قالت قلت لا شيء يا رسول الله، قال لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير، قالت قلت يا رسول الله
стр. 2281
بأبي أنت وأمي فأخبرته قال فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت نعم، فلهزني في ظهري لهزة فأرجعتني، وقال أظننت أن يحيف عليك الله ورسوله؟ قالت مهما يكتم الناس يعلمه الله، قال نعم، فإن جبريل ﵇ أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك، فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن ليدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت أنك قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي، فقال إن ربك جل وعز يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، قالت فكيف أقول يا رسول الله؟ فقال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله للاحقون.
(٣٣٩) عن عائشة ﵂ قالت قام النبي ﷺ من الليل فظننت
стр. 2282
أنه يأتي بعض نسائه فاتبعتع فأتى المقابر، ثم قال سلام عليكم دار قوم مؤمنين (زادني رواية وأنتم لنا فرط) وإنا بكم لاحقون، اللهم لا ترحمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، قالت ثم التفت فرآني فقال ويحها لواستطاعت ما فعلت.
(٣٤٠) عن ابن عمر ﵄ قال وقف رسول الله ﷺ على القليب يوم بدر فقال يا فلان يا فلان يا فلان هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟ أما والله إنهم الآن ليسمعون كلامي، قال يحيى فقالت عائشة غفر الله لأبي عبد الرحمن إنه وهل إنما قال رسول الله ﷺ والله إنهم ليعلمون
стр. 2283
الآن أن الذي كنت أقول لهم حقا، وإن الله تعالى يقول (إنك لا تسمع الموتى (وما أنت بمسمع من في القبور)
стр. 2284
السلام على أهل القبور ثلاث مرات من كان منكم من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، عافانا الله وإياكم، رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه اسماعيل بن عياش؛ وفيه كلام وقد وثق، أورد هذه الأحاديث الثلاثة الحافظ الهيثمي ويعضدها ما تقدم من أحاديث الباب (وعن ابن عباس) ﵄ قال مر رسول الله ﷺ بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر، رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب (وعن الحسن البصري) قال من دخل المقابر فقال اللهم رب الأجسام البالية والعظام النخرة التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة أدخل عليها روحا (بفتح فسكون أي رحمة) منك وسلاما مني؛ استغفر له كل مؤمن مات منذ خلق آدم، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية السلام على الأموات عند زيارتهم والدعاء لهم بالعافية، وباستحباب ذلك قال جمهور العلماء (قال الخطابي وغيره) إن السلام على الأموات والأحياء سواء في تقديم السلام على عليكم، بخلاف ما كانت الجاهلية عليه كقولهم.
عليكم سلام الله قيس بن عاصم ورحمته ما شاء أن يترجما أهـ
(قال النووي ﵀ ويستحب للزائر أن يسلم على المقابر ويدعو لمن يزوره ولجميع أهل المقبرة، والأفضل أن يكون السلام والدعاء بما ثبت في الحديث، ويستحب أن يقرأ من القرآن ما تيسر ويدعو لهم عقيها، نص عليه الشافعي واتفق عليه الأصحاب، قال الحافظ أبو موسى الأصفهاني ﵀ في كتابه آداب زيارة القبور، الزائر بالخيار إن شاء زار قائما وإن شاء قعد كما يزور الرجل أخاه في الحياة، فربما جلس عنده وربما زاره قائما أومارا، قال وروى القيام عند القبر من حديث أبي أمامة والحكم بن الحارث وابن عمر وأنس، وعن جماعة من السلف ﵃، قال أبو موسى وقال الإمام أبو الحسن محمد ابن مرزوق الزعفراني وكان من الفقهاء المحققين في كتابه في الجنائز ولا يستلم القبر بيده ولا يقبله، قال وعلى هذا مضت السنة، قال أبو الحسن واستلام القبور وتقبيلها الذي يفعله العوام الآن من المبتدعات المنكرة شرعا ينبغي تجنب فعله وينهى فاعله وينهى فاعله، قال فمن قصد السلام على ميت سلم عليه من قبل وجهه، وإذا أراد الدعاء تحول عن موضعه واستقبل القبلة، قال أبو موسى وقال الفقهاء المتبحرون الخراسانيون المستحب في زيارة القبور أن يقف مستدير القبلة مستقبلا وجه الميت يسلم ولا يمسح القبر ولا يقبله ولا يمسه =، فإن ذلك عادة النصارى، قال وما ذكروه صحيح لأنه قد صح النهي عن تعظيم القبور، ولأنه إذا لم يستحب استلام الركنين الشاميين من أركان الكعبة لكونه لم يسن استحباب استلام الركنين الآخرين، فلأن لا يستحب
стр. 2285
من القبور أولى والله أعلم أهـ (وقال الحافظ ابن القيم) في الهدى كان ﷺ إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم، وهذه هي الزيارة التي سنها لأمته وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية، وكان هديه أن يقول ويفعل عند زيارتها من جنس ما يقوله عند الصلاة عليه من الدعاء والترحم والاستغفار، فأبي المشركون الأدعاء والإشراك به والأقسام على الله به سؤاله الحوائج والاستعانة به والتوجه إليه، بعكس هديه ﷺ فإنه هدى توحيد وإحسان إلى الميت، وهدى هؤلاء شرك وإساءة إلى نفوسهم وإلى الميت، وهم ثلاثة أقسام، إما أن يدعو به أو عنده، ويرون الدعاء عنده أوجب وأولى من الدعاء في المساجد، ومن تأمل هدي رسول الله ﷺ وأصحابه تبين الفرق بين الأمرين وبالله أهـ (وقال الإمام محمد بن اسماعيل الصنعاني) صاحب كتاب سبل السلام في رسالته (تطهير الاعتقاد من أدران الالحاد) بعد كلام طويل في هذا الموضوع (فإن قلت) هذا أمر عم البلاد واجتمعت عليه سكان الأغوار والانجاد وطبق الأرض شرقا وغربا ويمنما وشاما وجنوبا وشمالا بحيث لا بلدة من بلاد الإسلام ولا قرية من قراه إلا وفيها قبور ومشاهد، وأحياء يعتقدون فيها ويعظمونها وينذرون لها ويهتفون بأمسائها ويحلفون ويطوفون بفناء القبور ويسرجونها ويلقون عليها الورد والرياحين ويلبسونها الثياب ويصنعون كل أمر ويقدرون عليه من العيادة لها وما في معناها من التعظيم والخشوع والتذلل والافتقار إليها، بل هذه مساجد المسلمين غالبا لا تخلو عن قبر أو مشهد يقصده المصلون في أوقات الصلاة يصنعون فيه ما ذكر أو بعضه، ولا يسع العاقل أن منكرا يبلغ إلى ما ذكرت من الشناعة والقباحة ويسكت عليه علماء الإسلام الذين ثبتت لهم الوطأة في جميع جهات الدنيا (قلت) إن أردت الأنصاف، وتركت متابعة الأسلاف، وعرفت أن الحق ما قام عليه الدليل، لا ما اتفق عليه العوالم جيلا بعد جيل وقبيلا بعد قبيل، فاعلم أن هذه الأمور التي تدندن حول انكارها، ونسعى في هدم منارها، صادرة عن العامة الذين اسلامهم تقليد الآباء بلا دليل؛ ومتابعتهم لهم من غير فرق بين دني ومثيل، ينشأ الواحد فيهم فيجد أهل قريته وأصحاب بلدته يلقنونه في الطفولية أن يهتف باسم من يعتقدون فيه، ويراهم ينذرون له ويعظمونه ويرحلون به إلى محل قبره ويلطخونه بترابه ويطوفون به على قبره، فينشأ على هذا الصغير رشاخ عليه الكبير، ولا يسمعون من أحد انكارا عليهم، بل ترى من يتسم بالعلم ويدعي الفضل وينتصب للقضاء
стр. 2286
أو الفتيا أو التدريس أو الولاية والمعرفة أو الأمارة والحكومة معظما لما يعظمونه مكرما لما يكرمونه قابضا للنذور، آكلا ما ينحر على القبور، فيظن أن هذا دين الإسلام، وأنه رأس الدين والسنام، ولا يخفي على أحد يتأهل للنظر، ويعرف بارقة من علم الكتاب والسنة والأثر، أن سكوت العالم أو العالم على وقوع منكر ليس دليلا على جواز ذلك المنكر، ولنضرب لك مثلا من ذلك، وهي هذه المكوس المسماة بالمجابي المعلوم من ضرورة الدين تحريمها قد ملأت الديار والبقاع، وصارت أمرا مأنوسا لا يلج إنكارها إلى سمع من الأسماع، وقد امتدت أيدي المكاسين في أشرف البقاع، في مكة أم القرى يقبضونها من القاصدين لأداء فريضة الإسلام، ويرتكبون في البلد الحرام كل فعل حرام (١) وسكانها من فضلاء الأنام، والعلماء والحكام ساكتون عن الأنكار معرضون عن بيان أنها ظلم وعدوان، أفيكون السكوت من العلماء بل من العالم دليلا على جوازها وأخذها، هذا لا يقوله من له أدنى إدراك، بل أضرب لك مثلا آخر، هذا حرم الله الذي هو أفضل بقاع الدنيا باتفاق وإجماع العلماء، أحدث فيه بعض ملوك الشراكسة الجهلة الضلال هذه المقامات الأربعة التي فرقت عبادة العباد (٢) واشتملت على ما لا يحصيه إلا الله من الفساد، وفرقت عبادات المسلمين وصيرتهم كالملل المختلفة في الدين، بدعة قرت بها عين إبليس اللعين، وصيرت المسلمين ضحكة للشياطين، وقد سكت الناس عليها، ووفد علماء الآفاق والأقطار إليها، وشاهدها كل ذي عينين، وسمع بها كل ذي أذنين، أفهذا السكوت دليل على جوازها، هذا لا يقوله من له إلمام بشيء من المعارف، وكذلك سكوتهم على هذه الأشياء الصادرة من عباد القبور (فإن قلت) يلزم من هذا أن الأمة قد اجتمعت على ضلالة حيث سكتت عن إنكارها لأعظم جهالة (قلت) الإجماع حقيقة اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ على أمر بعد عصره وفقهاء المذاهب الأربعة يحيلون الاجتهاد من بعد الأئمة الأربعة، وإن كان هذا قولا باطلا، وكلاما لا يقوله إلا من كان للحقائق جاهلا، فعلى زعمهم لا إجماع أبدا من بعد الأئمة الأربعة فلا يرد السؤال، فإن هذا الابتداع والفتنة بالقبور لم يكن على عهد أئمة المذاهب
стр. 2287
(٨) كتاب الزكاة (*)
(١) باب ما ورد في فضلها
(١) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الله يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيريها لأحدكم كما يربي
стр. 2288
أحدكم مهره أو فلوه أو فصيلة حتى إن القمة لتصير مثثل جبل أحد، قال وكيع في حديثه وتصديق ذلك في كتاب الله وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، ويمحق الله الربا ويربي الصدقات.
(٢) وعنه أيضا أن رسول الله ﷺ قال ما من عبد مؤمن تصدق بصدقة من طيب ولا يقبل الله إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب إلا وهو
стр. 2289
يضعها في يد الرحمن أو في كف الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى إن التمرة لتكون مثل الجبل العظيم.
(٣) وعن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ نحوه
(٤) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما فكلما هم المتصدق بصدقة اتسمت عليه حتى
стр. 2290
تعفى أثره وكلما هم البخيل بصدقة انقبضت عليه كل خلقة منها إلى صاحبتها وتقلصت عليه قال فسمعت رسول الله ﷺ يقول فيجهد أن يوسعها فلا تتسع.
(٥) عن أبي الدرداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما طلعت شمس قط إلا بعث بجنتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا
стр. 2291
الثقلين يا أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ولا آبت شمس قط إلا بعث بجنتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين، اللهم أعط متفقا خلفا وأعط ممسكا مالا تلفا.
(٦) عن أبي هريرة ﵁ يبلغ به النبي ﷺ قال يقول الله
стр. 2292
عن وجل يا ابن آدم أنفق أنفق عليك وقال يمين الله ملأى وسحاء لا يغيضها شيء بالليل والنهار.
(٧) وعنه أيضا عن النبي ﷺ قال بينما رجل بفلاة من الأرض فسمع صوتا في سحابة اسق حديقة فلان فتنحى ذلك السحاب ففزع ماءه في حرة فانتهى إلى الحرة فإذا هو أذناب شراج وإذا شرجه من تلك الشراج قد استوعبت ذلك الماء كله، فتبع الماء فإذا رجل قائم في حديقته
стр. 2293
يحول الماء بمسحاته فقال له يا عبد الله ما اسمك؟ قال فلان بالاسم الذي سمع في السحابة، فقال له يا عبد الله لم تسألني عن اسمي؟ قال إني سمعت صوتا في السحاب الذي هذا ماؤه يقول اسق حديقة فلان لاسمك فما تصنع فيها؟ قال أما إذ قلت هذا فإني أنظر إلى ما خرج منها فأتصدق بثلثه وآكل أنا وعيالي ثلثه وأرد فيها ثلثه.
(٨) عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال أتى رجل من بني تميم رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني ذو مال كثير وذو أهل وولد وحاضرة فأخبرني كيف أنفق وكيف أصنع؟ فقال رسول الله ﷺ تخرج الزكاة من مالك فإنها طهرة تطهرك؛ وتصل أقرباءك، وتعرف حق السائل والجار
стр. 2294
والمسكين، فقال يا رسول الله أقلل لي قال فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا، قال حسبي يا رسول الله إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله ﷺ نعم إذا أديتها إلى رسولي فقد برئت منها، فلك أجرها وإثمها على من بدلها.
(٢) باب افتراض الزكاة والحث عليها والتشديد في منعها
(٩) عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى
стр. 2295
آله وصحبه وسلم لما بعث معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمين قال إنك تأتي قوما أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله
стр. 2296
افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم وأتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب.
стр. 2297
(١٠) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم وحسابهم على الله، وقال فلما قام أبو بكر وارتد من ارتد أراد أبو بكر تنالهم، قال عمر كيف تقاتل هؤلاء القوم وهم يصلون؟ قال
стр. 2298
فقال أبو بكر والله لأقاتلن قوما ارتدوا عن الزكاة، والله لو منعوني عناقا مما فرض الله ورسوله لقاتلتهم، قال عمر فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر لقتالهم عرفت أنه الحق
(١١) عن عبيد الله بن عبدالله بن عتيبة قال لما ارتد أهل الردة في زمان أبي بكر ﵁ قال عمر كيف تقاتل الناس يا أبا بكر وقد قال
стр. 2299
رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوا لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله فقال أبو بكر ﵁ والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة الزكاة، فإن الزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليها، قال عمر ﵁ فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر ﵁ للقتال فعرفت أنه الحق
(١٢) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال ما من صاحب
стр. 2300
كنز لا يؤدي زكاته إلا جيء به يوم القيامة وبكنزه فيحمى عليه صفائح في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا جيء به يوم القيامة وبإبله كأوفر ما كانت عليه فيبطح لها بقاع قرقر كلما مضى أخراها
стр. 2301
رد عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها إلا جيء به وبغنمه يوم القيامة كأوفر ما كانت فيبطح لها بقاع قرقر فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها كلما مضت أخراها ردت عليه أولاها حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار، قيل يا رسول الله فالخيل، قال الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة، والخيل ثلاثة وهي لرجل أجر، وهي لرجل ستر، وهي على رجل وزر (فأما الذي هي له أجر) الذي يتخذها ويحبسها في سبيل الله فما غيبت في بطونها فهو له أجر، ولو عرض له نهر فسقاها منه كان له بكل قطرة غيبته في بطونها أجر حتى ذكر الأجر في أرواثها وأبوالها (وأما الذي هي له ستر) فرجل يتخذها تعففا وتجملا وتكرما ولا ينسى حقها في ظهورها وبطونها في عسرها ويسرها
стр. 2302
(وأما الذي عليه وزر) فرجل يتخذها أشرا وبطرا ورئاء الناس وبذخا عليه قيل يا رسول الله فالحمر؟ قال ما أنزل على فيها شيء إلا هذه الآية "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره"
(١٣) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر قال ثنا سعيد عن قتادة عن أبي عمر الغداني قال كنت عند أبي هريرة جالسا فمر رجل من بني عامر ابن صعصعة فقيل له هذا أكثر عامري مالا، فقال أبو هريرة ردوه إلي فردوه عليه فقال نبئت أنك ذو مال كثير، فقال العامري إي والله إن لي مائة حمرا ومائة أدما حتى عد من ألوان الإبل وأفنان الرقيق ورباط الخيل، فقال
стр. 2303
أبو هريرة إياك وأخفاف الإبل وأظلاف الغنم يردد ذلك عليه حتى جعل لون العامري يتغير أو يتلون، فقال ما ذاك يا أبا هريرة؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول من كانت له إبل لا يعطي حقها (فذكر مثل الحديث المتقدم ثم قال) وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها (فذكر مثل الحديث المتقدم ثم قال) وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكبره وأسمنه وأسره ثم يبطح لها بقاع قرقر.
стр. 2304
فتطؤه فيه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس حتى يرى سبيله، وإذا كانت له غنم (فذكر نحو الحديث المتقدم ثم قال) فقال العامري وما حق الإبل يا ابا هريرة؟ قال أن تعطي الكريمة وتمنح الغزيرة وتفقر الظهر وتسقي اللبن وتطرق الفحل
(١٤) حدثنا عبدالله حدثني أبي ثنا محمد بن بكر وعبد الرزاق قالا ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبدالله ﵄ يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها (فذكر نحو ما تقدم في الإبل والبقر والغنم ثم قال) ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع يتبعه فاغرًا فاه
стр. 2305
فإذا رآه فر منه فيناديه ربه خذ كنزك الذي خبأته فأنا عنه أغنى منك، فإذا رأى أنه لابد له منه سلك يده في فيه فقضمها قضم الفحل، قال أبو الزبير وسمعت عبيد بن عمير قال يا رسول الله قال عبد الرزاق في حديثه قال رجل يا رسول الله ما حق الإبل، قال حلبها على الماء وإعارة دلوها وإعارة فحلها ومنيحتها. وحمل عليها في سبيل الله، قال عبد الرزاق فيها كلها وقعد لها وقال عبد الرزاق فيه، قال أبو الزبير سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول ثم سألنا جابر الأنصاري عن ذلك فقال مثل قول عبيد بن عمير
стр. 2306
(١٥) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يأخذ بلهزمتيه يوم القيامة، ثم يقول أنا مالك أنا كنزك ثم تلا هذه الآية (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله - الخ الآية)
(١٦) وعنه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
стр. 2307
قال يكون كنز أحدهم يوم القيامة شجاعا اقرع ذا ربيبتين يتبع صاحبه وهو يتعوذ منه، ولا يزال يتبعه حتى يلقمه إصبعه.
(١٧) عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال سمعت رسول الله ﷺ يقول لا يأتي رجل مولاه فيسأله من فضل هو عنده فيمنعه إلا دعي له يوم القيامة شجاع يتلمظ فضله الذي منعه (وفي رواية) ما من مولى يأتي له فيسأله من فضل من فضل عنده فيمنعه إلا جعله الله تعالى عليه شجاعا ينهسه قبل القضاء
стр. 2308
(١٨) عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ لا يمنع عبد زكاة ماله إلا جعل له شجاع أقرع يتبعه يفر منه وهو يتبعه، فيقول أنا كنزك ثم قرأ عبد الله مصداقه في كتاب الله (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) قال سفيان مرة يطوقه في عنقه.
(١٩) عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ إن الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل الله له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان ثم يلزمه يطوقه يقول أنا كنزك أنا كنزك.
(٢٠) عن الأحنف بن قيس قال قدمت المدينة وأنا أريد العطاء من عثمان بن عفان ﵁ فجلست إلى حلقة من حلق قريش فجاء رجل عليه أسمال له فدلف ثوبا على رأسه قال بشر الكنازين بكى في الجباه
стр. 2309
وبكي في الظهور وبكى في الجنوب ثم تنحى إلى سارية فصلى خلفها ركعتين، فقلت من هذا، فقيل هذا أبو ذر ﵁ فقلت ما شيء سمعتك تنادى به؟ قال ما قلت لهم إلا شيئا سمعوه من نبيهم ﷺ فقلت يرحمك الله، إني كنت آخذ العطاء من عمر فما ترى؟ قال خذه فإن فيه اليوم معونة ويوشك أن يكون دينا، فإذا كان دينا فارفضه (وفي لفظ) فإذا كان ثمنا لدينك فدعه.
(٢١) عن أبي ذر ﵁ قال أتيت رسول الله ﷺ وهو في ظل الكعبة، فقال هم الأخسرون، ورب الكعبة، هم الأخسرون ورب الكعبة فأخذني غم وجعلت أتنفس، قال قلت هذا شر حدث في، قال قلت من فداك أبي وأمي؟ قال الأكثرون إلا من قال في عباد الله
стр. 2310
هكذا وهكذا وهكذا وقليل ما هم، ما من رجل يموت فيترك غنما أو إبلا أو بقرا لم يؤد زكاته إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما تكون وأسمن حتى تطأه بأظلافها وتنطحه بقرونها حتى يقضي بين الناس، ثم تعود أولاها على أخراها (وفي رواية) كلما نفدت أخراها عادت عليه أولاها.
(٢٢) عن سماك بن حرب قال سمعت قبيصة بن هلب يحدث عن أبيه سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال وذكر الصدقة قال لا يجيئن أحدكم بشاة لها يعار يوم القيامة
стр. 2311
أبي هريرة مطولا وسنده جيد (زوائد الباب) (عن علي ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا أو عروا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حسابا شديدا أو يعذبهم عذابا أليما، رواه الطبراني في الصغير والأوسط وقال تفرد به ثابت بن محمد الزاهد (قال الهيثمي) ثابت من رجال الصحيح وبقية رجاله وثقوا وفيهم كلام (وعن أنس ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ويل للأغنياء من الفقراء يوم القيامة يقولون ربنا ظلموا حقوقنا التي فرضت لنا عليهم، فيقول الله تعالى وعزتي وجلالي لأدنينكم ولأباعدنهم، ثم تلا رسول الله ﷺ "والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم" رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه الحارس بن النعمان وهو ضعيف (وعن أبي الدرداء) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال "الزكاة قنطرة الإسلام" رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله موثقون إلا أن بقية مدلس وهو ثقة (وعن حذيفة بن اليمان) ﵁ عن النبي ﷺ قال "الإسلام ثمانية أسهم، الإسلام سهم. والصلاة سهم. والصيام سهم. والزكاة سهم. وحج البيت سهم. والأمر بالمعروف سهم. والنهي عن المنكر سهم. والجهاد في سبيل الله سهم. وقد خاب من لا سهم له" رواه البزار وفيه يزيد بن عطاء؛ وثقه أحمد وضعفه جماعة (وعن ابن مسعود) ﵁ قال "أمرنا بإقام الصلاة وإيناء الزكاة ومن يزك فلا صلاة له" رواه (طب) وله إسناد صحيح (وعن جابر) ﵁ قال قال رجل من القوم يا رسول الله أرأيت إن أدى الرجل زكاة ماله؟ فقال رسول الله ﷺ من أدى زكاة ماله فقد ذهب عنه شره (طس) وإسناده حسن وإن كان في بعض رجاله كلام (وعن أبي هريرة) ﵁ قال سمعت من عمر بن الخطاب حديثا عن رسول الله ﷺ ما سمعته منه كنت أكثرهم لزوما لرسول الله ﷺ قال عمر قال رسول الله ﷺ ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة (طس) وفيه عمر بن هارون ضعيف (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ حصنوا أموالكم بالزكاة وداووا مرضاكم بالصدقة، وأعدوا للبلاء الدعاء (طب. طس) وفيه موسى بن عمير الكوفي وهو متروك) وعن ابن عمر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ظهرت لهم الصلاة فصلوها. وخفيت لهم الزكاة فأكلوها. وأولئك هم المنافقون (بز) وفيه عبد الله بن إبراهيم الغفاري وهو ضعيف (وعن ابن عباس ﵄ قال قال رسول الله ﷺ خمس بخمس قيل يا رسول الله وما خمس بخمس؟ قال ما نقض قوم العهد إلا سلط عليهم عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا فيهم الموت، ولا منعوا الزكاة إلا حبس عنهم القطر/ ولا طفقوا المكيال إلا حبس عنهم النبات وأخذوا بالسنين
стр. 2312
هكذا بالأصل، وهي أربع لا خمس، فالظاهر أن الراوي نسي خامسه (طب) وفيه اسحق ابن عبد الله بن كيسان المروزي لينه الحاكم. وبقية رجاله موثقون وفيهم كلام (وعن بريدة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين (طس) ورجاله ثقات (وعن ميمون بن مهران) قال قيل لابن عمر إن زيد بن حارثة قد مات فقال ﵀، فقيل يا أبا عبد الرحمن إنه قد ترك مائة ألف، فقال لكنها لم تتركه (طب) ورجال رجال صحيح، ذكر هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد وهذا كلامه عليها جرحا وتعديلا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على وجوب الزكاة وأنها فرض على كل من ملك النصاب، وقد ثبت فرضيتها بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" وغير ذلك في كتاب الله كثير، وأما السنة فحديث (بني الإسلام على خمس) وفيه قال "وإيتاء الزكاة" وحديث معاذ الأول من أحاديث الباب وفيه فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم" وغير ذلك كثير، ما ثبت من الوعيد الشديد لمانع الزكاة في أحاديث الباب (وأما الإجماع) على فرضية الزكاة فقد حكاه ابن المنذر وغيره، وهي أحد أركان الإسلام الخمس (قال ابن بطال) فمن جحد واحدة من هذه الخمس فلا يتم إسلامه، ألا ترى أن أبا بكر ﵁ قال لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، وقال ابن الأثير من منعها منكرا وجوبها فقد كفر إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام ولم يعلم وجوبها، وقال القشيري من جحدها كفر، وأجمع العلماء أن مانعها تؤخذ منه قهرا، وإن نصب الحرب دونها قتل كما فعل أبو بكر ﵁ بأهل الردة ووافق على ذلك جميع الصحابة ﵃ (وفي حديث معاذ) ابن جبل ﵁ دليل على بعث السعاة وتوصية الإمام عامله فيما يحتاج غليه من الأحكام وقبول خبر الواحد، ووجوب العمل به، وأن من ملك نصابا لا يعطي من الزكاة من حيث أنه جعل أن المأخوذ منه غني وقابله بالفقر؛ وإن المال إذا تلف قبل التمكن من الأداء سقطت الزكاة لإضافة الصدقة إلى المال، وقد احتج به أيضا على صرف الزكاة في بلدها واشتراط إسلام الفقير، وأنها تجب في مال المجنون والصبي اليتيم الغني عملا بعمومه (قال الترمذي) وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في مال اليتيم زكاة منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر، وبه يقول (مالك والشافعي) وأحمد) وإسحق (وقالت طائفة) من أهل العلم ليس في مال اليتيم زكاة، وبه قال سفيان الثوري وعبدالله بن المبارك أهـ (قال العيني) (وبه قال أبو حنيفة وأصحابه) وهو قول أبي وائل وسعيد ن جبير والنخعي والشعبي والحسن البصري، وحكى عنه إجماع الصحابة (وقال
стр. 2313
(٣) باب ما جاء في كتاب رسول الله ﷺ الذي جمع فيه فرائض الصدقة
(٢٣) حدثنا عبد الله حدثني ابي حدثنا محمد بن يزيد يعني الواسطي عن سفيان يعني بن حسين عن الزهري عن سالم عن أبيه (عبد الله بن عمر ﵄ قال كان رسول الله ﷺ قد كتب الصدقة ولم يخرجها إلى عماله حتى توفى، قال فأخرجها أبو بكر ﵁ من بعده فعمل بها حتى توفى، ثم أخرجها عمر من بعده فعمل بها؛ قال فلقد هلك عمر يوم هلك وإن ذلك لمقرون بوصيته، فقال كان فيها في الإبل في كل خمس شاة حتى تنتهي إلى اربع وعشرين، فإذا بلغت إلى خمس وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمس
стр. 2314
وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون فإذا زادت على خمس وثلاثين ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإذا زادت ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون (وفي الغنم) من أربعين شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت ففيها ثلاث إلى ثلاثمائة، فإذا زادت بعد فليس فيها شيء حتى تبليغ أربعمائة؛ فإذا كثرت الغنم ففي كل مائة شاة وكذلك لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة وما كان من خليطين
стр. 2315
فهما يتراجعان بالسوية لا تؤخذ هرمة ولا ذات عيب من الغنم