Полный текст (7 020 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
-[زوائد الباب فيما ورد فى فضل شهر رمضان]-
.....
الحواشي
(١) رمضان نظر الله الى خلقه، واذا نظر الله الى عبد لم يعذبه أبدا، ولله فى كل يوم ألف ألف عتيق كانت ليلة الفطر ارتجت الملائكة وتجلى الجبار تعالى بنوره مما أنه لا يصفه الواصفون فيقول للملائكة وهم فى عيدهم من الغد يا معشر الملائكة يوحى اليهم ما جزاء الأجير اذا وفى عمله؟ تقول الملائكة يوفى أجره، فيقول الله تعالى أشهدكم أني قد غفرت لهم، أورده المنذري بصيغة التمريض وقال رواه الأصبهاني (وعن عبادة بن الصامت) ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوما وحضر رمضان أتاكم رمضأن شهر بركة يغشاكم الله فيه فينزل الرحمة ويحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله تعالى إلى تنافسكم فيه، ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيرا فان الشقى من حرم فيه رحمة الله ، أورده المنذري وقال رواه الطبراني ورواته ثقات إلا أن محمد بن قيس لا يحضرني فيه جرح ولا تعديل (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ عن رسول الله ﷺ قال إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب الشهر كله، وغلت عتاة الجن، ونادي مناد من السماء كل ليلة الى انفجار الصبح يا باغي الخير يمم وأبشر يا باغي الشر أقصر وأبصر. هل من مستغفر يغفر له تائب؟ هل من تائب يتوب عليه؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من سائل يعطي سؤله؟ ولله عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون الفا، فاذا كان يوم الفطر أعتق الله مثل ما أعتق فى جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفا ستين ألفا، رواه البيهقى وهو حديث حسن لا بأس به فى المتابعات، وفى اسناده ناشب بن عمرو الشيباني وثق وتكلم فيه الدارقطني و (وعن أنس بن مالك) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ ماذا يستقبلكم وتستقبلونه ثلاث مرات؟ فقال عمر بن الخطاب ﵁ يا رسول الله وحي نزل؟ قال لا. قال عدو حضر؟ قال لا. قال فماذا؟ قال ان الله يغفر فى أول ليلة من شهر رمضان لكل أهل هذه القبلة وأشار بيده اليها، لجعل رجل بين يديه يهز رأسه ويقول بخ بخ، فقال رسول الله ﷺ يا فلان ضاق به صدرك؟ قال لا. ولكن ذكرت المنافق، فةال ان المنافقين هم الكافرون. وليس للكافرين فى ذلك شاء، رواه ابن خزيمة فى صحيحه والبيهقى وسنده جيد و (وعن ابن عمر) رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قال ان الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول الى الحول المقبل، فاذا كان أول يوم من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش فصفقت ورق الجنة، ويجئ الحور العين يقلن يا رب اجعل لنا من عبادك أزواجا تقربهم أعيينا وتقرّ أعينهم بنا، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير والأوسطстр. 2592
-[بقية زوائد الباب فى فضل شهر رمضان والعمل فيه]-
(٤) باب وعيد من تهاون بصيام رمضان والعمل فيه
(٣٠) عن زياد بن نعيم الحضرميِّ قال قال رسول الله ﷺ أربعٌ فرضهنَّ الله فى الإسلام (١) فمن جاء بثلاثٍ لم يغنين عنه الحواشي
(٣٠) عن زياد بن نعيم الحضرمي (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قتيبة بن سعيد قال ثنا ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي مرزوق عن المغيرة بن أبي بردة عن زياد بن نعيم الحضرمي - الحديث" (غريبه)(١) أي أربع خصال فرضهن الله على كل مسلم، وهذه الخصال هى أربعة أركان من أركان الأسلام الخمسة المذكورة فى حديث "بنى الأسلام على خمس" والركن الخامس النطق بالشهادتين ولم يذكره مع هذه الأركان لأنه قال "فرضهن الله فى الأسلام" يعنى على كل مسلم، والأنسان لا يكونстр. 2593
-[وعيد من تهاون بصيام رمضان والعمل فيه]-
شيئًا (١) حتّى يأتى بهنَّ جميعًا، الصَّلاة. والزَّكاة. وصيام رمضان. وحجُّ البيت الحواشي
(١) أى لم يغن الثلاثة عن الواحد المتروك لأنه ركن مستقل يثاب على فعل ويعاقب على تركه، فمن أتى بالصلاة مثلا وترك الزكاة بعد وجوبها عليه أثيب على فعل الصلاة وعوقب علي وك الزكاة، ومن أتي بهما ورك الصيام أثيب عليهما وعوقب على ترك الصيام، ومن أتى بالثلاثه وكان مستطيعا وكان مستطيعا وترك لحج أثيب على الثلاثة وعوقب على ترك الحج، ومن أتى بها جميعها كان من المفلحين الناجين، ولذا قال ﷺ فى حديث ضمام بن ثعلبة رضى الله عنه وقد ذكر له هذه الأركان (لئن صدق ليدخلنَّ الجنة) وكان ضمام قال (والله لا أزيد عليهن شيئا ولا أنقص منهن شيئا) فمن ترك الصيام وفعل باق الأركان لا تغنى عنه شيئًا بل لابد من عقابه على تركه إلا إذا عفا الله عنه، وهذا موضع الدلالة من الحديث (تخريجه) لم أقف عليه لغير الامام أحمد وهو مرسل لأن زياد بن نعيم ليس صحابيا وفى اسناده ابن لهيعة، وله شاهد من حديث عمارة بن حزم رضى الله عنه عند الطبرانى فى الكبير مرفوعا وفى اسناده ابن لهيعة أيضا وقد ضعفوه، وله شواهد أخرى صحيحة تعضده (زوائد الباب) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال حماد بن زيد (أحد الرواة) ولا أعلمه إلا قد رفعه إلى النبى ﷺ قال عرى الاسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الأسلام. من ترك واحدة منهن فهو بها كافر. حلال الدم. شهادة أن لا إله الا الله. والصلاة المكتوبة. وصوم رمضان، رواه أبو يعلى باسناد حسن، ورواه سعيد بن زيد أخو حماد بن زيد عن عمرو بن مالك النكرى عن أبي الجوزاء عن ابن عباس مرفوعا وقال فيه "من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر، ولا يقبل منه صرف ولاعدل، وقد حل دمه وماله" (وعن أبى هريرة رضى الله عنه) أن رسول الله ﷺ قال من أفطر يوما من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه صوم الدهر كله وان صامه رواه الترمذى واللفظ له وأبو داود والنسائى وابن ماجه وابن خزيمة فى صحيحه والبيهقى كلهم من رواية ابن المطوس، وقيل أبى المطوس عن أبيه عن أبى هريرة، وذكره البخارى تعليقا غير مجزوم فقال ويذكر عن أبى هريرة رفعه (من أفطر يوما من رمضان من غير عذر ولا مرض لم يقضه صوم الدهر وان صامه) وقال الترمذي لا نعرفه الا من هذا الوجه، وسمعت محمدا يعني البخاري يقول أبو المطوس اسمه يزيد بن المطوس ولا أعرف له غير هذا الحديث اهـ وقال البخارى أيضا لا أدري سمع أبوه من أبى هريره أم لا؟ وقال (ابن حبان) لا يجوز الاحتجاج بما انفردстр. 2594
-[العمرّى والرقبى لمن أعطيها (بضم الهمزة وكسر الطاء) ولورثته من بعده]-
أعطى أمه حديقة (١) من نخل حياتها فماتت فجاء اخوته فقالوا نحن فيه شرع (٢) سواء فأبى فاختصموا إلى النبى ﷺ فقسمها بينهم ميراثَا (٣) . (عن سليمان بن يسار) (٤) أن أميرًا كان بالمدينة يقال له طارق (٥) قضى بالعمرى للوارث على قول جابر بن عبد الله عن رسول الله ﷺ (٦) (عن زيد بن ثابت) (٧) أن النبى ﷺ جعل العمرى (وفى لفظ قضى بالعمرى) للوارث (٨) (حدّثنا عبد الرازق) (٩) ومحمد بن بكر قالا أنبأنا جريج أخبرنى ابن شهاب الزهرى عن حديث أبى سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن جابر بن عبد الله الانصارى أخبرنى أن رسول الله ﷺ قضى أيما رجل أعمر رجلًا عمرى له ولعقبه فقال قد أعطيتكما وعقبك ما بقى منكم أحد فانما هى (١٠) قال ابن بكر لمن اعطاها وقال عبد الرازق (١١) لمن أعطيها وأنها لا ترجع إلى صاحبها (١٢) من أجل أنه أعطاها عطاء وقعت فيه المواريث (١٣) (كتاب الوقف (١٤) ) (باب مشروعية الوقف وفضله ووقف المشاع والمنقول). (عن أبى هريرة) (١٥) أن النبى ﷺ قال إذا مات الحواشي
(١) تقدم تفسير الحديقة وهى البستان يكون عليه الحائط، فعليه بمعنى مفعولة لأن الحائط احدق بها أى أحاط ثم توسعوا حتى أطلقوا الحديقة على البستان وإن كان غير حائط(٢) بفتح الشين المعجمة والراء (وقوله سواء) تفسير لشرع أى سواء ومثل ذلك فى القاموس(٣) أى على سبيل الميراث وهو حجة الجمهور فى عدم رجوع العطية إلى صاحبها الأول وان شرط ذلك (تخريجه) (د هق) وسكت عنه أبو داود والمنذرى، وقال ابن رسلان فى شرح السين ما لفظه وهذا الحديث رواه احمد ورجاله رجال الصحيح اهـ ويشهد لصحته أحاديث الباب المصرحة بأن المعمر والمرقب يكون أولى بالعين فى حياته وورثته من بعده.(٤) (سنده) حدّثنا سفيان عن عمرو عن سليمان بن يسار الخ (غريبه)(٥) هو طارق بن عمرو المكى الأموى امير المدينة لعبد الملك بن مروان(٦) يعنى قوله ﷺ فى حديث جابر المتقدم (فانه من أعمر عمرى فهى للذى أعمرها حيًا أو ميتًا ولعقبه) (تخريجه) (م هق).(٧) (سنده) حدّثنا سفيان عن عمرو عن طاوس سعن حجر المدرى عن زيد بن ثابت الخ (غريبه)(٨) أى لوارث المعمر بفتح الميم الثانية مبنى للمفعول (تخريجه) (بس جه هق) ورجاله ثقات(٩) (حدّثنا عبد الرازق الخ) (غريبه)(١٠) أى العمرى (قال ابن بكر) يعنى فى روايته (لمن أعطاها) بضم الهمزة مبنى للمفعول(١١) يعنى فى روايته (لمن أعطيها) بضم الهمزة وكسر المهملة وفتح التحتية مبنى للمفعول أيضًا والمعنى واحد(١٢) أى لا تصير إلى الذى أعطاها (بفتح الهمزة)(١٣) هذا التعليل مدرج فى الحديث من قول أبى سلمة كما صرح بذلك فى رواية لمسلم (تخريجه) (م نس هق) (كتاب الوقف)(١٤) هو فى اللغة الحبس يقال وقفت كذا بدون ألف على اللغة الفصحى اى حبسته، وفى الشريعة حبس الملك فى سبيل الله تعالى للفقراء وأبناء السبيل يصرف عليهم منافعه ويبقى أصله على مبك الواقف، وألفاظه وقفت وحبست وسبلت وأبدّت هذه صرائح ألفاظه، وأما كنايته فقوله تصدقت: واختلف فى حرّمت فقيل صريح وقيل غير صريح (باب).(١٥) هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب ما جاء فى الصدقة الجارية من كتاب الزكاة رقم ١٤٨ صحيفة ٢٠٤ من الجزءстр. 2595
-[تنبيه وإيقاظ للغافلين عن فضل رمضان المغترين بالملاهى]-
(٥) باب الأحوال التي عرضت للصيام ووجوب صيام رمضان ومبدأ فرضه
(٣١) عن معاذ بن جبلٍ رضى الله عنه قال أحيلت الصَّلاة ثلاثة أحوالٍ، وأحيل الصِّيام ثلاثة أحوالٍ، فأمَّا أحوال الصَّلاة فانَّ النَّبيَّ ﷺ قدم المدينة وهو يسلِّى سبعة عشرة شهرًا إلى بيت المقدس (الحديث) (١) قال وأمَّا أحوال الصِّيام فإنَّ رسول الله ﷺ قدم المدينة فجعل يصوم من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ (٢) الحواشي
(٣١) عن معاذ بن جبل (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا المسعودي ويزيد بن هارون أخبرنا المسعودي قال أبو النضر في حديثه حدثني عمرو ابن مرة عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن معاذ بن جبل - الحديث" (غريبه)(١) تقدم ما يختص بالصلاة منه فى باب الأحوال التى عرضت للصلاة فى الجزء الثانى صحيفة ٢٣٥ رقم ٨٣ من كتاب الصلاة(٢) يعني من حين قدومه المدينة إلى أن فرض الصيام وكانت هذه المدة سبعة عشر شهرا كما بين ذلك يزيد بن هارون أحد رجال السند فى روايته.
وقد ثبت عن السند الشيخين والأمام أحمد وغيرهم أن رسول الله ﷺ نزل المدينة يوم الاثنينстр. 2596
-[الدليل على وجوب الصيام من كتاب الله ]-
وقال يزيد فصام سبعة عشر شهرًا من ربيع الأول إلى رمضان (١) من كلِّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ (٢) وصام يوم عاشوراء (٣) ثمَّ إنَّ الله فرض عليه الصِّيام (٤) فأنزل الله ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا كتب عليكم الصِّيام كما كتب على الَّذين من قبلكم﴾ (إلى هذه الآية) وعلى الَّذين يطيقونه فديةٌ طعام الحواشي
(١) يعني إلى أن زل فرض صيام رمضان وكان ذلك فى السنة الثانية من الهجرة، روى الواقدى عن عائشة وابن عمر وأبي سعيد الحدرى قالوا زل فرض شهر رمضان بعد ما حولت القبلة الى الكعبة بشهر فى شعبان(٢) قيل من كل عشرة أيام يوما، وقد روى أن الصيام فرض علينا أولا كما كان عليه الأم قبلنا من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ وابن مسعود وابن عباس وعطاء وقتادة والضحاك بن مزاحم، وزاد لم يزل هذا مشروعا من زمان نوح الى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان(٣) روى الشيخان والأمام أحمد عن عائشة رضى الله عنها قالت كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش فى الجاهلية، وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان قال من شاء صامه ومن شاء تركه، يستفاد منه أن النبى ﷺ لم يأمر الناس بصيام يوم عاشوراء إلا بعد قدومه المدينة واختلف فى صومه هل كان فرضا أم تفلا، فذهب قوم إلى أنه كان فرضا، فلما فرض صوم رمضان نسخ افتراضه وبقي مستحبًا. وذهب آخرون الى أنه كان نفلا مؤكدا، فلما فرض صوم رمضان خفف فى أمره، وقد ورد فى صوم عاشوراء أحاديث كثيرة ستأتي في بابها من أبواب صيام التطوع (قال الحافظ) ويؤخذ من مجموع الأحاديث أنه كان واجبًا لثبوت الأمر بصومه ثم تأكد الأمر بذلك(٤) أى صيام رمضان، وكان ذلك فى شعبان فى السنة الثانية من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا من مقدمه المدينة ﷺ(٥) أى فرضه الله عليكم كما فرضه على الأمم الذين من قبلكم من لدن آدم الى عهدكم فالصوم عبادة قديمة فرضها الله على جميع الأمم المتقدمة، وعلى هذا فالتشبيه فى أصل الوجوب لا فى قدر الواجب. قيل وكان الصوم على آدم ﵊ أيام البيض، وصوم عاشوراء على قوم موسى. وكان على كل أمة صوم، والتشبيه لا يقتضى التسوية من كل وجه كما فى قوله ﷺ انكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئى بالمرئى، وقيل هذا التشبيه فى الاصل والقدر والوقت جميعًا، وكان على الأولينстр. 2597
-[الحال الثانية من احوال الصيام وكلام المفسرين فيمن كتب عليه الصيام قبلنا]-
مسكين) قال فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينًا فأجزأ ذلك عنه (١) * قال ثمَّ إنَّ الله أنزل الآية الأخرى ﴿شهر رمضان الَّذى أنزل فيه القرآن﴾ "على قوله" ﴿فمن شهد منكم الشَّهر فليصمه﴾ قال فأثبت الله صيامه على المقيم الصَّحيح. ورخَّص فيه للمريض والمسافر. وثبت الإطعام للكبير الَّذي الحواشي
(١) روي البخاري عن سلمة بن الأكوع ﵁ أنه لما نزلت ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ كان من أراد أن يفطر يفتدى حتى نزلت الآية التى بعدها فنسخها، وروي أيضًا من حديت عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال هى منسوخة، وقال السدى عن مرة عن عبد الله قال لما زلت هذه الآية ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ قال يقول وعلى الذين يطيقونه أى يتجشمونه. قال عبد الله فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا (فمن تطوع) يقول أطم مسكينًا آخر فهو خير له ﴿وأن تصومواстр. 2598
-[الحال الثالثة من أحوال الصيام. وقصة صرمة بن قيس]-
لا يستطيع الصِّيام فهذان حالان (١) * قال وكانوا يأكلون ويشربون (٢) ويأتون النِّساء ما لم يناموا، فإذا ناموا امتنعوا، قال ثمَّ إنَّ رجلًا من الأنصار يقال له صرمة (٣) ظلَّ يعمل صائمًا حتَّى أمسى فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء ثمَّ نام فلم يأكل ولم يشرب حتَّي أصبح فأصبح صائمًا، قال فرآه رسول الله ﷺ وقد جهد جهدًا شديدًا، قال مالى أراك قد جهدت جهدًا شديدًا؟ قال يا رسول الله إنِّى عملت أمس فجئت حين جئت فألقيت نفسى وأصبحت حين أصبحت الحواشي
(١) قد علمت الحال الأولى مما تقدم، (أما الحال الثانية) فتؤخذ من قوله ﴿شهر رمضان - إلى قوله ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ وهى تفيد وجوب الصيام حتما على المقيم الصحيح. والرخصة للمريض والمسافر. وبقى حكم الأطعام للكبير الذى لا يستطيع الصيام (روى البخارى فى صحيحه بسنده عن عطاء أنه سمع ابن عباس يقرأ وعلى الذين يطيقوه فدية طعام مسكين) قال ابن عباس ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبير ة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينا، وهكذا روي غير واحد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه. وهذا يؤيد مافى حديث الباب من قول معاذه وثبت الأطعام للكبير الذى لا يستطيع الصيام" وهذا القول أرجح من القول بالنسخ(٢) هذا شروع فى ذكره (الحال الثالثة من أحوال الصيام)(٣) اختلف فى اسمه اختلافا كثيرًا فى روايات متعددة ذكرها الحافظ فى الأصابة، ثم قال فان حمل هذا الاختلاف على تعدد أسماء من وقع لذلك وإلا فيمكن الجمع برد جميع الروايات الى واحد، فانه قيل فيه صرمة بن قيس؛ وصرمة بن مالك. وصرمة بن أنس، وقيل فيه قيس بن صرمة. وأبو قيس بن صرمة، وأبو قيس بن عمرو، فيمكن أن يقال إن كان إسمه صرمة بن قيس فمن قال فيه قيس بن صرمة قلبه وإنما اسمه صرمة وكنيتة أبو قيس أو العكس، وأما أبوه فاسمه قيس أوصرمة على ما تقرر من القلب وكنيته أبو أنس، ومن قال فيه أنس حذف أداة الكنية، ومن قال فيه ابن مالك نسبه إلى جد له والعلم عند الله اهـ(٤) الجهد بالضم الوسع والطاقة. وبالفتح المشقة. وقيل المبالغه والغاية. وقيل هما الغتانстр. 2599
-[سبب نزول قوله تعالى - أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم الآية]-
صائمًا، قال وكان عمر قد أصاب من النِّساء من جاريةٍ أو من حرةٍ بعد ما نام وأتى النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فذكر ذلك له فأنزل الله ﴿أحلَّ لكم ليلة الصِّيام الرَّفث إلى نسائكم (١) إلى قوله الحواشي
(١) كان السبب فى نزول هذه الآية ما ذكر فى حديث معاذ، مارواه البخارى وغيره عن البراء بن عازب قال كان أمحاب النبى ﷺ اذا كان الرجل صائما فنام قبل أن يفطر لم يأكل الى مثلها وأنّ قيس بن صرمة الأنصارى كان صائما وكان يومه ذلك يعمل فى أرضه فلما حضر الأفطار أتى امرأته فقال هل عندك طعام؟ قالت لا. ولكن أنطلق فأطلب لك فغلبته عينه فنام، وجاءت امرأته فلما رأته نائما قالت خيبة لك، أنمت؟ فلما انتصف النهار غشى عليه فذكر ذلك للنبى ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم - الى قوله وكلوا - واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ ففرحوا بها فرحا شديدًا، وللبخارى أيضا فى التفسير من طريق أبى اسحاق سمعت البراء قال لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأ نزل الله ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسك فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ وقال على بن أبى طلحة (عن ابن عباس) قال كان المسلمون فى شهر رمضان اذا صلوا العشاء حرم عليهم النساء والطعام الى مثلها من القابلة، ثم ان اناسا من المسلمين أصابوا من النساء والطعام فى شهر رمضان بعد العشاء منهم عمر بن الخطاب، فشكوا ذلك الى رسول الله ﷺ فانزل الله تعالى ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن - الآية﴾ وكذا روى العوفى عن ابن عباس، وقال موسى بن عقبة عن كريب (عن ابن عباس) قال ان الناس كانوا قبل أن ينزل فى الصوم ما نزل فيهم يأكلون ويشربون ويحل لهم شأن النساء، فاذا نام أحدهم لم يطعم ولم يشرب ولا يأتى أهله حتى يفطر من القابلة، فبلغنا أن عمر بن الخلطاب رضى الله عنه بعد ما نام ووجب عليه الصوم وقع على أهله، ثم جاء الى النبى ﷺ فقال أشكو الى الله واليك الذى صنعت، قال وما صنعت؟ قال إنى سوَّلت لى نفسى فوقعت على أهلى بعد ما نمت وأنا أريد الصوم، فزعموا أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال ما كنت خليقًا أن تفعل؛ فنزل الكتاب ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث الى نسائكم﴾ (والرفث) هنا معناه مجامعة النساءстр. 2600
-[فضل قيام رمضان - وأنه سنة]-
ثم أتموا الصيام إلى الليل (١) .
(٣٢) عن النضر بن شيبان قال لقيت أبا سلمة بن عبد الرحمن (يعني ابن عوف) قلت حدثني عن شيء شمعته من أبيك سمعه من رسول الله ﷺ في شهر رمضان، قال نعم حدثني أبي عن رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم قال إن الله فرض صيام رمضان وسننت قيامه (٢) فمن صامه وقامة احتسابًا خرج من الذنوب كيوم ولدته أمه (٣) . الحواشي
(١) يعني إلى ابتداء دخول الليل وهو يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكمًا شرعيًا كما عند الشيخين والأمام أحمد وسيأتي عن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ وعلى آله وسلم "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصائم" (وعن سهل بن سعد الساعدي) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ (لا بزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) رواه الشيخان وللإمام أحمد مثله من حديث أبي ذر وسيأتي (تخريجه) (د: هق) وهو مرسل صحيح الإسناد فإن ابن أبي ليلي لم يدرك معاذا، وذكر البخاري الحال الثانية منه تعليقًا في صحيحة بصيغة الجزم فيكون صحيحًا كما تقررت قاعدته وهذا لفظه (قال وقال ابن نمير حديثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا ابن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد ﷺ نزل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم محكينا ترك الصوم ممن يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسختها وأن تصوموا خير لكم فأمروا بالصوم) وحديث الباب أخرجه أيضًا عبد بن حميد في التفسير عن عمرو بن عوف عن هشيم، وأخرجه الطبراني من حديث ابن إدريس كذلك، وأخرجه ابن شاهين أيضًا من طريق المسعودي عن عمرو بن أبي ليلي عن معاذ بن جبل قال أحيل الصوم ثلاثة أحوال فذكر الحديث وحيث قد تعددت طرقه فهو حجة.(٣٢) عن النضر بن شيبان (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ثنا القاسم بن الفضل ثنا النضر بن شيبان- الحديث" (غريبة)(٢) هذا صريح في أن صيام رمضان فرض وقيامه سنة وقوله "وسنن" بصيغة المتكلم ولفظ النسائي (وسننت لكم قيامه) أي ندبت لكم، وإنما قال لكم لأنه نفع محض لا ضرر فيه أصلاً فمن فعل نال أجرًا عظيمًا، ومن ترك فلا آثم عليه.(٣) أي طهر من الذنوب كطهارته يوم ولدته أمه لا كخروجه منها يوم ولدته أمه، إذ لا ذنب عليه في ذلك اليوم حتى يخرج منه، ثم ظاهره الشمول للكبائر، والتخصيص في مثله بعيد، وفضل الله واسع (تخريجه) (نسстр. 2601
-[حكمة مشروعية الصوم - وكلام العلماء في وجوبه بالكتاب والسنة والأجماع]-
(٣٣) عن عوف بن مالك عن أبي ذر ﵁ أنه قال يا رسول الله ما الصوم؟ قال فرض مجزي. الحواشي
(٣٣) عن عوف بن مالك (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو كامل ثنا حماد بن سلمة عن معبد بن هلال حدثني رجل في مسجد دمشق عن عوف بن مالك -الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وفي إسناده رجل لم يسم (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية الصيام للأمة المحمدية وللأمم السابقة من لدن آدم إلى رسالة نبينا محمد ﷺ ، أما صوم رمضان فهو فرض واجب على كل مسلم عاقل بالغ ذكر أم أنثى، وقد ثبتت فرضيته بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فمن منكم الشهر فليصمه) وأما السنة فما في أحاديث الباب وحديث بنى الإسلام على خمس وغيره كثير جدًا، وهو أحد أركان الإسلام الخمس، وأجمعت الأمة على ذلك فلم يخالف فيه أحد، فمن جحد فرض صيامه فهو كافر؛ (وحكمة مشروعيته) تقليل الأكل والشرب لسكون النفس وكسر سورتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح في العين واللسان والأذن والفرج، (فبالصوم) ترجع النفس عن الاسترسال في اللذات والشهوات البهيمية وتسمو بروح الإخلاص والقوة الملكية المتحلية بالفضائل، (وبالصوم) يتخلق المؤمن في بعض آنائه بخلق من أخلاق المهيمن جل وعلا وهو الصمدية، ويتشبه على قدر الإمكان بالملائكة المقربين من الله تعالى في الصفات المنزهين عن جميع الشهوات في الكف عنها والخلو منها (وبالصوم) يتعود الإنسان على الصبر والثبات على المكاره، فإن الصائم يكلف نفسه البعد عن مشياتها من الأكل والشرب ومباشرة النساء، ويذودها عن ذلك بعزم قوى وصبر حسن (وبالصوم) يتذكر العبد ما هو عليه من الذلة والمسكنة لأنه يشعر أثناء صومه بحاجته إلى يسير الطعام وقليل الشراب والمحتاج إلى الشيء ذليل به (وبالصوم) يحصل المحافظة على النفس من الوقوع في الآثام (وبالصوم) حث الأغنياء على مساعدة الفقراء والقيام بما يذود عنهم عائل الجوع وغائلстр. 2602
-[كلام العلماء في الصيام المشروع قبل فرض رمضان]-
.....
الحواشي
(١) الصدى (وبالصوم) إيقاد الفكرة وإنقاذ البصيرة (يروى أن لقمان) قال لابنه وهو يعظه. يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة وخرست الحكمة وقعدت الأعضاء عن العبادة، وصفاء القلب ورقة المدرك بهما لذة المناجاة والتأثر بالذكر (وبالصوم) تستريح المعدة من التخمة لأن المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء، فإذا استراحت من ذلك مدة شهر استعادت نشاطها وهضمها، وفي هذا العصر عصر تقدم الطب لجأ الأطباء على اختلاف أديلهم في مداواة بعض المرضي إلى صيام المسلمين فوجدوا أن ذلك أعظم دواء لمرض الباطن (قال الزرقاني) شرع الصيام لفوائد- أعظمها. كسر النفس. وقهر الشيطان، فالشبع نهر في النفس برده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة (ومنها) أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه باقداره على ما منع منه كثير من الفقراء من فضول الطعام والشراب والنكاح فإنه بامتناعه في ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع ذلك على الإطلاق فيوجب ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقة له بذلك يتذكر به من منع ذلك على الإطلاق فيوجب ذلك شكر نعمة الله عليه بالغني ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك اهـ (أما الصيام المشروع قبل فرض رمضان) فقد اختلف السلف فيه هل كان فرضًا أو نفلاَ" فذهب الجمهور وهو المشهور عند الشافعية أنه لم يجب قط صوم قبل صوم رمضان، وفي وجه وهو قول الحنفية أول ما فرض صيام عاشوراء نزل رمضان نسخ، ومن أدلة الجمهور حديث معاوية ابن أبي سفيان قال سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا يوم عاشوراء لم يكتب الله عليكم صيامه وأنا صائم. فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر. رواه البخاري والإمام أحمد وسيأتي في باب صيام يوم عاشوراء، قال الحافظ قد استدل به على أنه لم يكن (يعني صوم يوم عاشوراء) فرضا قط ولا دلالة فيه لاحتمال أنه يريد ولم يكتب الله عليكم صيامه على الدوام كصيام رمضان، وغايته أنه عام خص بالأدلة الدالة على تقدم وجوبه اهـ (وذهب الحنفية) إلى أن أول ما فرض صيام عاشوراء. ثم ثلاثة أيام من كل شهر. من كل عشرة أيام يومًا. ثم نسخ ذلك بصوم رمضان بحيث يمسك في كل يوم وليلة من صلاة العشاء إلى غروب الشمس، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ إلى قوله ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ واستدلوا بحديث معاذ الطويل المذكور في الباب وبما رواه نافع عن ابن عمر قال "صام النبي ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك، وكان عبد الله لا يصومه إلا أن يوافق صومه" وبحديث عائشة ﵂ أن قريشًا كانت تصوم يوم عاشوراء فليصمه ومن شاء أفطر، وراهما البخاري والإمام أحمد وسيأتيان أيضًا، واستنتج الحافظ من مجموع الأحاديث أن صوم يوم عاشوراء كان واجبًا قبل افتراض صوم رمضان، وستأتي جميع الأحاديث المشار إليها في أبواب ما ورد في يوم عاشوراء إن شاء الله تعالى والله الموفقстр. 2603
-[ثبوت شهر رمضان برؤية عدلين للهلال أو عدل على الخلاف في ذلك]-
(٦) باب ثبوت الشهر برؤية الهلال في الصوم والفطر أو إكمال العدة ثلاثين أن كان غيم
(٣٤) عن قيس بن طلق عن أبيه (١) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم إن الله جعل هذه الأهلة (٢) مواقيت للناس، صوموا (٣) لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم (٤) عليكم فأتموا العدة. الحواشي
(٣٤) عن قيس بن طلق (سنده) حدثنا عبد الله ثنا أبي ثنا إسحاق بن عيسي أنا محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه- الحديث" (غريبة)(١) هو طلق بن على بن المنذر الحنفي السحيمي بمهملتين مصغرًا يكني أبا على، مشهور له صحبة ووفادة ورواية، روى عنه ابنه قيس وابنته خلدة وعبد الله بن بدر وعبد الرحمن بن على بن شيبان(٢) جمع هلال مثل رداء وأردية، سمى هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم بالذكر عند رؤيته، من قولهم استهل الصبي إذا صرخ حين يولد، وأهل القوم بالحج (وقوله مواقيت) جمع ميقات، أي جعلها الله كذلك ليعلم الناس أوقات الحج والعمرة والصوم والأفطار وآجال الديون وعدد النساء وغيرها(٣) أي بيتوا فيه الصيام أو صوموا إذا دخل وقت الصوم وهو من فجر الغد وقوله لرؤيته) أي لرؤية الهلال واللام فيه للتوقيت كهى في قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ أي وقت دلوكها، وقال ابن مالك وابن هشام بمعنى بعد، أي بعد زوالها وبعد رؤية الهلال اهـ قال النووي والمراد رؤية بعض المسلمين. ولا يشترط رؤية كل إنسان. بل يكفي جميع الناس رؤية عدلين وكذا عدل على الأصحز هذا في الصوم. وأما في الفطر فلا يجوز بشهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل اهـ (وقوله وأفطروا لرؤيته) أي رؤية هلال شوال وليس المراد الأفطار من وقت الرؤية حتى يلزم أن يفطر قبل الغروب إذا رأى الهلال في ذلك الوقت، كما أنه ليس المراد الصوم من وقت الرؤية؛ بل المراد الإفطار والصوم على الوجه المشروع وهو في الصوم من فجر الليلة التي رأى فيها هلال رمضان وفي الإفطار بعد غروب شمس آخر يوم من رمضان سواء رأى الهلال قبل غروب شمس ذلك اليوم أو بعد الغروب(٤) بضم الغين المعجمة وفنج الميم المشددة أي فإن حال بينكم وبينه غيم أو سحاب كما صرح بذلك في رواية عكرمة عن ابن عباس وستأتي في الفصل الأول من هذا الباب بلفظ (فأن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين) "وقوله في حديث الباب فأتموا العدة" أي عدة شعبان ثلاثين يومًا عند إرادة الصوم. وعدة رمضان ثلاثين عند إرادة الفطر إذا لم ير الهلال بسبب غيم ونحوه (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه محمد بن جابر اليماني وهو صدوقстр. 2604
-[إذا لم يرا هلال مرضان وجب تكميل شعبان ثلاثين يوما]-
(٣٥) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ صوموا لرؤيته وأفطر والرؤيته فإن غم (١) عليكم الشهر (٢) فأكملوا العدة ثلاثين
(٣٦) عن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ مثله
(٣٧) عن أبي البخري (٣) قال أهللنا هلال رمضان ونحن بذات عرق (٤) قال فأرسلنا رجلاً إلى ابن عباس يسأله قال هاشم فقال ابن عباس رضي الله الحواشي
(٣٥) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي بن سعيد الأموي قال ثنا الحجاج عن عطاء عن أبي هريرة- الحديث" (غريبة)(١) لفظ البخاري (فإن غبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) (ولفظ مسلم) فإن غميي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين، وقد جاءت هذه الكلمة بلغات متعددة، يقال غم بضم الغين وتشديد الميم مفتوحة وأغمى بضم الهزة وسكون الغين وكسر الميم بعدها ياء مفتوحة وعمي وغمىِ بتشديد الميم وتخفيفها والغين مضمومة فيهما ويقال غبي بفتح الغين وكسر الباء وكلها صحيحة، وقد غامت الصماء وغيمت وأغامت وتغيمت وأغمت قاله النووي(٢) أي هلال الشهر حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فارتفع ارتفاعه، والمراد بالشه هنا رمضان أو شوال (تخريجه) (ق. نس).(٣٦) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا زكريا ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ إذا رأيتم الهلال فصوموا. وإذا رأيتموه فأفطروا. فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يومًا (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح.(٣٧) عن أبي البختري (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر وهاشم قالا ثنا شعبه عن عمرو بن مرة قال سمعت أبا البختري- الحديث (غريبة)(٣) بفتح الموحدة والمثناة بينهما معجمة ساكنة اسمه سعيد بن فيروز بن أبي عمران الطائي مولاهم الكوفي ثقة ثبت(٤) هو منزل معروف من منازل الحاج يحرم أهل العراق بالحج منه، سمى به لأنه فيه عرقًا وهو الجبل الصغير، وقيل العرق من الأرض سبخة تنبت الطرفاء. والعراق في اللغة شاطئ النهر والبحر، وبه سمى الصقع لأنه على شاطئ الفرات ودجلة (نه) (وقوله قال هاشم) يعني في روايته وهو أحد الراوبين اللذين روى عنهما الإمامстр. 2605
-[النهي عن تقدم رمضان بصيام يوم أو يومين]-
عنهما قال رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم إن الله قد مد رؤيته قال هاشم لرؤيته (١) فإن أغمى عليكم فأكملوا العدة.
(٣٨) عن ابن عباس ﵄ عجبت ممن يتقدم الشهر (٢) وقد قال رسول الله ﷺ لا تصوموا تروه (٣) أو قال صوموا لرؤيته
(٣٩) عن ربعي بن حراش عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ (٤) قال قال رسول الله ﷺ لا تقدموا (٥) الشهر حتى تكملوا العدة أو تروا الحواشي
(١) في رواية لمسلم إن الله مده للرؤية، وله في أخرى (إن الله قد أمده لرؤيه) قال القاضي عياض قال بعضهم الوجه أن يكون أمده بالتشديد من الآمداد، ومده من الامتداد، قال القاضي والصواب عندي بقاء الرواية على وجهها، ومعناه أطال مدته إلى الرؤية، يقال منه مدوا أمد قال الله تعالى ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي﴾ قوي بالوجهين أي يطيلون لهم، قال وقد يكون أمده من المدة التي جعلت له، قال صاحب الأفعال أمددتكما أي أعطيتكما اهـ (وفي التقيح) قوله مده لرؤيته أي أطال مدته إلى الرؤية أي أطال مدة شعبان إلى زمان رؤية هلال رمضان، والضمير في مده راجع إلى شعبان اهـ (وقوله أغمى) بضم الهمزة وسكون الغين المعجمة. ومثل ذلك عند مسلم وهي بمعنى غم أي حال بينكم وبين رؤيته غيم ونقدم الكلام في ذلك (تخريجه) (م. قط)(٣٨) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا سفيان عن عمرو عن محمد بن حنين عن ابن عباس الحديث (غريبة)(٢) أي بصيام يوم أو يومين كما صرح بذلك في رواية أبي داود(٣) أي حتى تروا هلال رمضان (وقوله أو قال صوموا لرؤيته) أو للشك من الراوي (تخريجه) (د. نس. فع. هق) بألفاظ مختلفة وسنده جيد(٣٩) عن ربعي بن حراش (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش- الحديث" (غريبه)(٤) في رواية لأبي داود "عن حذيفة" بدل قوله هنا عن بعض أصحاب النبي ﷺ والصحيح عن منصور عن ربعي عن رجل من أصحاب النبي ﷺ كما رواه الأمام أحمد. وسيأتي الكلام رمضان بصيام لقصد الاحتياط له لما فيه من التشبه بالنصارى فيما رادوه عن ما افترض عليهم برأيهم فلا تصومواстр. 2606
-[بيان أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين]-
الهلال وصوموا ولا تفطروا حتى تكلموا العدة أو تروا الهلال
(٤٠) عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ إنما الشهر تسع وعشرون (١) فلا تصوموا حتى تروه (٢) ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا (٣) له الحواشي
(٤٠) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا إسماعيل أنا أيوب عن نافع ابن عمر- الحديث" (غريبه)(١) ظاهره حصر الشهر في تسع وعشرين مع أنه لا ينحصر فيه، بل قد يكون ثلاثين، والمعني أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، أو اللام للعهد. والمراد شهر بعينه ويؤيد الأول ما سيأتي في حديث يحيي بن عبد الرحمن بن حاطب عن ابن عمر من قال عائشة ترفعه إلى النبي ﷺ (أن الشهر يكون تسعًا وعشرين) ومثله من حديث أم سلمة عند مسلم مرفوعًا (إن الشهر يكون تسعا وعشرين) ويؤيد الثاني قول ابن مسعود (صمنا مع النبي ﷺ تسعا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين) أخرجه أبو داود والترمذي، ومثله عن ابن مسعود وعائشة عند الأمام أحمد بإسناد جيد(٢) يعني هلال رمضان وليس المراد تعليق الصوم بالرؤية من كل أحد، بل المراد بذلك إما واحد على رأى الجمهور أو اثنان على رأي غيرهم، وسيأتي الكلام على ذلك في الأحكام إن شاء الله تعالى ﴿وقوله ولا تفطروا حتى تروه) يعني هلال شوال(٣) قال أهل اللغة يقال قدرت الشيء أقدره واقدره بكسر الدال وضمها وقدرته واقدرته كلها بمعني واحد وهي من التقدير (قال الخطابي) ومنه قول الله تعلى (فقدرنا فنعم القادرون) اهـ ومعناه عند الشافعية والحنفية والمالكية وجمهور السلف والخلف فاقدر واله تمام الثلاثين يومًا (وقالت طائفة) من العلماء ضيقو اله وقدروه تحت السحاب، وممن قال بهذا الأمام أحمد وغيره ممن يجوز صوم يوم ليلة الغيم عن رمضان وسيأتي الكلام علىстр. 2607
-[إستحباب رؤية القمر ليلة الثلاثين من شعبان - ومعنى قوله ﷺ فاقدرو اله]-
قال نافع فكان عبد الله (يعنى ابن عمر رضى الله عنهما) إذا مضي من شعبان تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رؤى فذاك (١) وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب أو قتر (٢) أصبح مفطرًا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائمًا (٣)
(٤١) عن يحيي بن عبد الرحمن بن حاطبٍ قال قال عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال رسول الله ﷺ الشهر تسع وعشرون (٤) وصفق بيديه مرتين، ثم صفق الثالثة وقبض إبهامه (٥) (وفي روايةٍ فذكروا ذلك لعائشة) الحواشي
(١) يعنى أصبح صائما(٢) القتر بفتح القاف والتاء الفوقية وبعدها راء هو الغبرة على ما في القاموس(٣) بستفاد منه أن ابن عمر رضى الله عنهما كان يقول بصوم يوم الشك. وسيأتى الكلام على ذلك إن شاء الله (تخريجه) (م. وغيره.) إلى قوله فادروا له وانفرد الأمام أحمد بهذه الزيادة(٤١) عن يحيي بن عبد الرحمن (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبى ثنا يزيد أنا محمد عن يحيي بن عبد الرحمن بن حاطب - الحديث" (غريبه)(٤) قال ابن العربي قوله الشهر تسع وعشرون إلخ معناه حصره من جهة أحد طرفيه أي أنه يكون تسعًا وعشرين وهو أقله، ويكون ثلاثين وهو أكثره، فلا تأخذوا أنفسكم بصوم الأكثر احتياطا ولا تقتصروا على الأقل تخفيفا. ولكن اجعلوا عبادتكم مرتبطة ابتداء وإنهاء باستهلاله أهـ(٥) أي جمع كفيه بعضهما لبعض مفتوحة الأصابع مرتين، ومعلوم أن عدد أصابع اليدينстр. 2608
-[سبب قوله ﷺ إن الشهر يكون تسعا وعشرين وقصة ذلك]-
فقالت عائشة رضى الله عنها غفر الله لأبي عبد الرحمن إنه وهل (١) إنما هجر رسول الله ﷺ نساءه شهرًا، فنزل لتسعٍ وعشرين، فقالوا يا رسول الله إنك نزلت لتسعٍ وعشرين، فقال إن الشهر يكون تسعًا وعشرين
(٤٢) عن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال إنا أمة أمية الحواشي
(١) هذه الجملة من قوله "فذكروا ذلك لعائشة إلى قوله إنه وهل" لم أقف عليها لغير الأمام أحمد، والظاهر أن عائشة رضى الله عنها بلغها أن ابن عمر فهم من قوله ﷺ "الشهر تسع وعشرون" أن كل شهر يكون تسعًا وعشرين، ولهذا قالت غفر الله لأبي عبد الرحمن تعنى ابن عمر ﵄ لما تعلمه فيه من تمسكه بقول رسول الله ﷺ وفعله، وحملت ما بغلها عنه على أنه وهل في فهم الحديث أي ذهب وهمه إلى ما بلغها، يقال وهل إلى الشيء بالفتح يهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه، ويجوز أن يكون بمعنى سها وغلط، يقال منه وهل في الشيء وعن الشيء بالكسر يوهل وهلا بالتحريك ثم ذكرت عائشة رضى الله عنها الحديث مع سببه لتدفع به ما بلغها عن ابن عمر، وفيه التصريح بأن الشهر يكون تسعا وعشرين (أي في بعض الأحيان) لا أن كل شهر تسع وعشرون وقد يكون المبلغ أخطأ في فهم قول ابن عمر، فبلغها ذلك خطأ وهو الغالب، لأن حرص ابن عمر رضى الله عنهما على فهم الحديث والعمل به ينافى ذلك. لاسيما وقد جاء في حديثه الآتى بعد هذا ما يفهم منه أن الشهر تارة يكون تسعا وعشرين وتارة يكون ثلاثين، فالخطأ ممن بلغ عائشة لا من ابن عمر. والله أعلم، وسبب هجر النبي ﷺ نساءه أنهن اجتمعن حوله يطلبن منه النفقة بما ليس عنده ولا يقدر عليه، فأقسم أن يعتزلهن شهرا. وسيأتى ذلك في تفسير قوله تعالى "يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها الآية - في سورة الأحزاب من كتاب التفسير، وقد جاء حديث "الشهر تسع وعشرون" من عدة طرق عن كثير من الصحابة ستأتي جميعها في كتاب الأيلاء إن شاء الله تعالى وسيأتى قريبًا طرف منه في باب ما جاء خاصا بنقص الشهر (تخريجه) (ق. د. نس هق) بدون ذكر قصة عائشة. وأخرجها الشيخان وغيرهما حديثا مستقلا.(٤٢) عن ابن عمر (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا محمد بن جعفرстр. 2609
-[جواز الاستدلال بالإشارة والعمل بمقتضاها]-
لا نكتب ولا نحسب (١) الشهر هكذا وهكذا وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة (٢) والشهر هكذا وهكذا وهكذا؛ يعنى تمام ثلاثين
فصل منه فيما جاء خاصا بإكمال شعبان ثلاثين يوما إذا غم على هلال رمضان
(٤٣) عن عكرمة قال سمعت ابن عباسٍ رضى الله عنهما يقول قال رسول الله ﷺ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن حال بينكم وبينه سحاب فكملوا العدة ثلاثين (٣) ولا تستقبلوا الشهر استقبالاً (٤) قال حاتم الحواشي
(١) قال العلماء أمية باقون على ما ولدتنا عليه أمهاتنا لم نتعلم الكتابة ولا الحساب. ومنه قوله تعالى (النبي الأمي) وقيل هو نسبة إلى الأم وصفتها. لأن هذه صفة النساء غالبا "وقوله ولا نحسب" بضم السين المهملة من باب قتل من الحسب بمعنى الأحصاء، يقال حسبت المال حسبا أحصيته عددا. وفي قوله "لا نكتب ولا نحسب" بيان لكونهم أمية. وهذا بالنظر للغالب وإلا فقد كان فيهم من يكتب ويحسب. وقيل المراد بالحساب حساب النجوم وتسييرها، وهذا أيضا لم يكونوا يعرفونه إلا النذر اليسير والله أعلم(٢) يعني أن النبي ﷺ أشار بيديه الكريمتين ثلاث مرات ناشرًا أصابعه إلا في المرة والثالثة فإنه قبض أصبعه الأبهام إشارة إلى أن الشهر قد يكون تسعا وعشرين "وقوله والشهر هكذا وهكذا وهكذا يعني تمام ثلاثين" معناه أنه ﷺ فعل كما تقدم إلا في المرة الثالثة فإنه لم يقبض من أصابعه شيئًا إشارة إلى أن الشهر قد يكون ثلاثين. وحاصله أن الاعتبار بالهلال فقد يكون تاما ثلاثين. وقد يكون ناقصا تسعا وعشرين. وقد لا يرى الهلال فيجب إكمال العدة ثلاثين، قال العلماء وقد يقع النقص متواليا في شهرين وثلاثة وأربعة ولا يقع في أكثر من أربعة، وفي هذا الحديث جواز الإشارة المفهمة في مثل هذا. قاله النووي (تخريجه) (ق. د. نس)(٤٣) عن عكرمة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي أنا حاتم بن أبى صغيرة عن سماك بن حرب عن عكرمة - الحديث" (غريبه)(٣) أي فكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما كما فسره بذلك حاتم أحد رجال السند(٤) قال العلماء معنىстр. 2610
-[الحث على الاعتناء برؤية هلال شعبان استعداداً لرؤية هلال رمضان]-
يعني عدة شعبان (وعنه من طريقٍ ثانٍ (١) مثله وفيه) فإن حال دونه غيابة (٢) فأكملوا العدة (٣) والشهر تسع وعشرون يعنى أنه ناقص
(٤٤) عن عائشة ﵂ قالت كان رسول الله ﷺ يتحفظ من هلال شعبان مالا يتحفظ من غيره (٤) ثم يصوم برؤية الحواشي
(١) (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا معاوية بن عمرو ثنا زائدة عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن حال دونه غيابة إلخ(٢) كسحابة وزنا ومعنى وهي كل شيء غيبه عنك، وفي رواية أبي داود (غمامة) وهي السحاب. وفي الطريق الأولى (فإن حال بينكم وبينه سحاب) قال في القاموس وغيابة كل شيء ما سترك منه(٣) أي عدة شعبان كما فسره بذلك حاتم في الطريق الأولى، وقوله والشهر تسع وعشرون، يعنى أنه قد يكون تسعا وشعرين لا أنه يكون دائما كذلك (تخريجه) (د. مذ. حب. خزك) وقال الترمذي حديث ابن عباس حسن صحيح، وقال الحاكم هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبي، وقال أبو داود عقب هذا الحديث. ورواه حاتم بن أبى صغيرة وشعبة والحسن بن صالح عن سماك بمعناه لم يقولوا ثم أفطروا، قال أبو داود وهو حاتم بن مسلم بن أبى صغيرة وأبو صغيرة زوج أمه أهـ(٤٤) عن عائشة (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا عبد الرحمن عن معاوية عن عبد الله بن أبي قيس قال سمعت عائشة تقول كان رسول الله ﷺ الحديث" (غريبه)(٤) أي يتحرى رؤية هلال شعبان وعد أيامه محافظة على صوم رمضان تحريا لا يتحراه في غيره من الأشهر التي لا يتعلق بها أمر شرعي كالحج ونحوه (وقوله ثم يصوم برؤية رمضان) يعني برؤية هلال رمضان ليلة الثلاثين من شعبان فإن رآه أصبح صائما.стр. 2611
-[إعتماد الصيام والفطر على رؤية الهلال فإن لم بر غدوا ثلاثين يوما]-
رمضان، فإن غم عليه عد ثلاثين يومًا ثم صام
فصل منه فيما جاء خاصا بإكمال رمضان ثلاثين يوما إذا غم على هلال شوال
(٤٥) عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم قال إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم (١) فصوموا ثلاثين يومًا
(٤٦) وعن جابر بن عبد الله ﵄ عن النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم مثله إلا أنه قال فعدوا ثلاثين يومًا
(٤٧) عن أبي هريرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تقدموا الشهر بيومٍ ولا يومين (٢) إلا أن يوافق أحدكم صومًا كان يصومه، صوموا الحواشي
(٤٥) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهرى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه)(١) يعنى هلال شوال (تخريجه) (م. نس. جه)(٤) وعن جابر بن عبد الله (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا روح ثنا زكريا ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول قال رسول الله ﷺ إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط. ورجال أحمد رجال الصحيح(٤٧) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يحيي يعني ابن سعيد عن محمد بن عمرو قال ثنى أبو سلمة عن أبي هريرة - الحديث" (غريبه)(٢) قال النووي فيه التصريح بالنهى عن استقبال رمضان بصوم يوم أو يومين لمن لم يصادف عادة له أو يصله بما قبله. فإن لم يصله ولا صادف عادة فهو حرام، هذا هو الصحيح في مذهبنا لهذا الحديث. وللحديث الآخر في سنن أبي داود وغيره (إذا انتصف شعبان فلا صيام حتى يكون رمضان) فإن وصله بما قبله أو صادف عادة له فإن كانت عادته صوم يوم الاثنين ونحوه فصادف فصامه تطوعا بنية ذلك جاز لهذا الحديث وسواء في النهي عندنا لمن لم يصادفстр. 2612
-[النهي عن صيام يوم أو يومين قبل رمضان]-
لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين يومًا، ثم أفطروا
فصل منه فيما جاء في استقبال رمضان بيوم أو يومين وحكم صوم يوم الشك
(٤٨) عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال لا تقدموا بين يدى رمضان بيومٍ ولا يومين إلا رجلاً كان يصوم صومًا فليصمه.
(٤٩) عن عبد الله بن أبي موسى قال سألت عائشة زوج النبي ﷺ (ورضي عنها) عن اليوم الذي يختلف فيه من رمضان (١) فقالت لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إلى من أن أفطر يومًا من رمضان، قال فخرجت فسألت ابن عمر وأبا هريرة فكل واحدٍ منهما قال أزواج النبي ﷺ أعلم بذاك منا الحواشي
(٤٨) عن أبي هريرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عمرو بن الهيثم ثنا هشام عن يحيي عن أبي سلمة عن أبي هريرة - الحديث" تقدم شرحه في الذي قبله (تخريجه) (ق. وغيرهما)(٤٩) عن عبد الله بن أبي موسى، صوابه عبد الله بن أبي قيس كما سيأتي (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر قال ثنا شعبة عن يزيد بن خمير قال سمعت عبد الله بن أبي موسى - الحديث" وفي آخره "قال عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله" سمعت أبي يقول يزيد بن خمير صالح الحديث، قال أبي عبد الله بن أبي موسى هو خطأ. أخطأ فيه شعبة، هو عبد الله بن أبي قيس (غريبه)(١) هو يوم الثلاثين من شعبان المسمى بيوم الشك إذا حال دون رؤية الهلال من ليلته غيم أو نحوه. فالجمهور على عدم صومه وتكميل شعبان ثلاثين يوما. وذهبت عائشة وبعض الصحابة وآخرون إلى صومه احتياطا لرمضان وسيأتي الكلام على ذلك في الأحكام (تخريجه) أخرجه أيضا سعيد بن منصور في سننه. وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح أهـ (قلت) وهو طرف من حديث طويل ذكر بعضه في الجزء الرابع صحيفة ٢١٠ رقم ٩٦٠ من كتاب الصلاة وسيأتيстр. 2613
-[زوائد الباب في ثبوت الشهر برؤية الهلال - وفي النهي عن صوم يوم الشك]-
.....
الحواشي
(١) جميعه تاما في الفصل الحادة عشر في فتاوى السيدة عائشة ﵂ من ترجمتها في باب ذكر أزواج النبي ﷺ من كتاب السيرة النبوية إن شاء الله تعالى (زوائد الباب) (عن أبي بكرة ﵁ قال قال رسول الله ﷺ "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غم عليكم فأكملوا العدة، قال وقال رسول الله ﷺ "الشهر هكذا وهكذا وهكذا" رواه البزار والطبراني في الكبير وفيه عمران بن داود القطان، وثقه ابن حبان وغيره، وفيه كلام (وعن مسروق والبراء بن عازب) قال قال رسول الله ﷺ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين وقال بيده الشهر هكذا وهكذا، يعنى تسعا وعشرين (طب) (وعن عدى بن حاتم ﵁ قال قال رسول الله ﷺ إذا جاء رمضان فصم رمضان ثلاثين إلا أن ترى الهلال قبل ذلك (طب) وفيه مجالد بن سعيد وثقه النسائي وضعفه جماعة (وعن عمر بن الخطاب) ﵁ قال قال رسول الله ﷺ لا تقدموا يعنى شهر رمضان. صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين (طب طس) وفيه ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه ثقة (وعن عبد الله بن مسعود) ﵁ قال الصيام من رؤية الهلال إلى رؤيته، فإن خفى عليكم فثلاثين يوما (طب) ورجاله رجال الصحيح، أورد هذه الأحاديث الحافظ الهيثمي وتكلم عليها جرحا وتعديلا وتخريجا (وعن أبي إسحاق) عن صلة بن زفر قال كنا عند عمار في اليوم الذي يشك فيه فأتى بشاة فتنحى بعض القوم، فقال عمار من صام هذا اليوم فقد عصى أبا القاسم ﷺ (د. نس. جه. خز. حب. مى. مذ) وقال حديث حسن صحيح - وأخرجه أيضًا الدارقطني وقال إسناده حسن صحيح وروائه كلهم ثقات أهـ. وأخرجه أيضا الحاكم وقال صحيح على شرطهما - وذكره البخاري تعليقًا في باب إذا رأيتم الهلال فصوموا (وعن محمد ابن كعب) قال دخلت على أنس بن مالك عند العصر يوم يشكون فيه من رمضان وأنا أريد أن أسلم عليه، فدعا بطعام فأكل فقلت هذا الذي تصنع سنة؟ قال نعم، أورده الهيثمي وقال روى له الترمذي حديثا في الفطر إذا أراد السفر. رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ نهى عن صيام ثلاثة أيام، تعجيل يوم قبل الرؤية - والفطر - والأضحى - أورده الهيثمي وقال رواه الطبراني في الكبير وفيه سعيد بن سلمة وثقة ابن حبان وقال يخطئ وضعفه جماعة (وعن مسروق) قال دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان فقالت يا جارية خوضى له سويقا، فقلت إني صائم، فقالت تقدمت الشهر؟ فقلت. ولكني صمت شعبان كله فوافق ذلك هذا اليوم، فقالت إن ناسًا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي ﷺ فأنزل الله (يا أيهاстр. 2614
-[كلام العلماء في أحكام أحاديث الباب - وتفسيرهم قوله ﷺ "فاقدروا له"]-
.....
الحواشي
(١) الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله) رواه الطبراني في الأوسط وفيه حبان بن رقيدة وهو مجهول. قاله الهيثمي (الأحكام) أحاديث الباب تدل على جملة مسائل (منها) الأمر بصوم رمضان عند رؤية هلاله سواء أكان شعبان تاما أو ناقصًا، والفطر منه عند رؤية هلال شوال سواء أكان رمضان تاما أم ناقصا، والتام ثلاثون يوما والناقص تسعة وعشرون، يدل على ذلك حديث طلق بن علي وأبي هريرة وابن عباس بلفظ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته - الحديث) وفي حديث لأبي هريرة أيضًا (إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا) وقد جاء في أحاديث الباب عن ابن عباس وغيره النهي عن صوم رمضان قبل رؤية هلاله إذا لم يكمل شعبان ثلاثين يوما، والنهي عن الفطر قبل رؤية هلال شوال إذا لم يكمل رمضان ثلاثين يوما، وجاء أيضًا في حديث ابن عمر مرفوعا بلفظ "لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له" وظاهره إيجاب الصوم حين الرؤية متى وجدت ليلاً أو نهارًا وكذلك الفطر من رمضان، لكنه محمول على اليوم المستقبل في الصوم والفطر (وبعض العلماء) فرق بين ما قبل الزوال أو بعده، وخالف الشيعة الإجماع فأوجبوه مطلقًا، وقوله في حديث ابن عمر (لا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه) ظاهر في النهي في ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال فيدخل فيه صورة الغيم وغيرها، ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة وهو قوله (فإن غم عليكم فاقدروا له) فاحتمل أن يكون المراد التفرقة بين الصحو والغيم فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويحتمل أن لا تفرقة ويكون الثاني مؤكدًا للأول (وقد اختلف العلماء) في تفسير قوله فاقدروا له * (فذهبت الحنفية والمالكية والشافعية) وجمهور السلف والخلف إلى أن معناه فاقدروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر واحسبوا تمام ثلاثين يوما، وما ذهب إليه الجمهور يوافق معنى اللفظ لغة (قال أهل اللغة) يقال قدرت الشيء بالتخفيف أقدره بضم الدال وكسرها وقدرته بالتشديد وأقدرته بهمزة أوله وكلها بمعنى واحد وهو التقدير، قال الخطابي ومنه قوله تعالى (فقدرنا فنعم القادرون) ويدل لذلك قوله في رواية لمسلم فاقدروا ثلاثين، وفي رواية فأتموا العدة ثلاثين يوما، وفي رواية فعدوا ثلاثين يوما، وأولى ما فسر الحديث بالحديث (وذهب آخرون) إلى أن معنى قوله ﷺ فاقدروا له، ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إذا كان في محل الهلال ما يمنع رؤية من غيم وغيره (وهذا مذهب ابن عمر) راوى الحديث وفيه قال نافع فكان عبد الله (يعنى ابن عمر) إذا مضى من شعبانстр. 2615
-[كلام العلماء في ثبوت الشهر بحساب المنجمين إذا لم ير الهلال - والجمهور على خلافه]-
.....
الحواشي
(١) تسع وعشرون يبعث من ينظر، فإن رؤى فذاك، وإن لم ير ولم يخل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائما، رواه الأمام أحمد، وأبو داود وزاد "قال وكان ابن عمر يفطر مع الناس ولا يأخذ بهذا الحساب" (قال الخطابي) يريد أنه كان يفعل هذا الصنيع في شهر شعبان احتياطا للصوم، ولا يأخذ بهذا الحساب في شهر رمضان ولا يفطر إلا مع الناس أهـ. وقد تبع ابن عمر على هذا المذهب * (الأمام) * أحمد في المشهور عنه (وقال ابن عبد البر) لم يتابع ابن عمر على تأويله ذلك فيما علمت إلا طاوس وأحمد بن حنبل، وروي عن أسماء بنت أبي بكر مثله، وعن عائشة نحوه أهـ (وذهبت فرقة ثالثة) إلى أن معنى الحديث قدروه بحساب المنازل، حكاه النووي في شرح مسلم عن ابن سريج وجماعة منهم مطرف بن عبد الله وابن قتيبة وآخرون (وقال ابن عبد البر) روى عن مطرف وليس بصحيح عنه، ولو صح ما وجب إتباعه عليه لشذوذه فيه ولمخالفة الحجة له، ثم حكى عن ابن قتيبة مثله، وقال ليس هذا من شأن ابن قتيبة ولا هو ممن يعرج عليه في مثل هذا الباب أهـ. وبالغ ابن العربي في العارضة في إنكاره مقاله ابن سريج هذه (قال المازري) عن الجمهور لا يجوز أن يكون المراد حساب المنجمين لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم لأنه لا يعرفه إلا أفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربي عن ابن سريج أن قوله "فاقدروا" خطاب لمن خصه الله بهذا العلم "وقوله فأكملوا العدة" خطاب للعامة (قال ابن لعربي) فكأن وجوب رمضان عنده مختلف الحال يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب العدد، إن هذا لبعيد عن النبلاء (وقال ابن الصلاح) في مشكل الوسيط معرفة منازل القمر هي معرفة سير الأهلة وهي غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزالي في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختص بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل تدرك بأمر محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراد ابن سريج وقال به في حق العارف بها في خاصة نفسه (ونقل الرويائي) عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك عليه، وإنما قال بجوازه، وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق فقد نقل في المهذب عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة، وإذا جمعت بين مسألتى الحاسب والمنجم ونظرت فيهما بالنسبة إلى أنفسهما وإل غيرهما، وبالنسبة إلى الجواز والوجوب، حصل لك من ذلك في مذهب الشافعي ﵀ أوجه، جمعها النووي في شرح المهذب ملخصة بعد بسطها (أصحها) لا يلزم الحاسب ولا المنجم ولا غيرهما بذلك، ولكن يجوز لهما دون غيرهما ولا يجزيهما عن فرضهما (والثاني) يجوز لهما ويجزيهما (والثالث) يجوز للحاسب ويجزيه ولا يجوز للمنجم (والرابع) يجوز لهما ويجوز لغيرهماстр. 2616
-[كلام العلماء في المنجم هل يلزمه الصوم بعلمه إذا لم ير الهلال أم لا؟]-
.....
الحواشي
(١) تقليدهما (والخامس) يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم، وأهمل النووي من الأوجه وجوب الصوم وقد حكاه حين بسط الكلام قبل ذلك، فحكى عن صاحب المهذب أنه قال إذا غم الهلال وعرف رجل بالحساب ومنازل القمر أنه من رمضان فوجهان (قال ابن سريج) يلزمه الصوم لأنه عرف الشهر بدليل فأشبه من عرفه بالبينة، وقال غيره لا يصوم لأنا لم نتعبد إلا بالرؤية (قال النووي) ووافق صاحب المهذب على هذه العبارة جماعة، ثم حكى عن صاحب البيان أنه قال قال ابن الصباغ إما بالحساب فلا يلزمه بلا خلاف بين أصحابنا، وذكر صاحب المهذب أن الوجهين في الوجوب، ثم حكى عن الرافعي أنه قال لا يجب بما يقتضيه حساب المنجم عليه ولا على غيره الصوم (قال الروياني) وكذا من عرف منازل القمر لا يلزمه الصوم به على أصح الوجهين، قال وأما الجواز فتكلم على ذلك (وحكى ابن الصلاح عن الجمهور) منع الحاسب والمنجم من الصوم في حق أنفسهما على خلاف ما صححه النووي في شرح المهذب، وللمسألة نظير مذكور في الصلاة وهو ما لو علم المنجم دخول الوقت بالحساب فالمذهب أنه يعمل به بنفسه ولا يعمل به غيره كما في التحقيق للنووي تبعًا لصاحب البيان، ومعنى العمل به على طريق الجواز كما في الصيام والله أعلم، ورجح ابن دقيق العيد في شرح العمدة وجوب الصوم على الحاسب في الصورة المذكورة، فقال وأما ما دل عليه الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى لولا وجود المانع كالغيم، فهذا يقتضى الوجوب لوجود السبب الشرعي، قال وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم، لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم وإن لم ير الهلال ولا أخبره من رآه (قال الحافظ العراقي ﵀ في شرح الترمذي المحبوس في المطمورة معذور فوجب عليه الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدى إليه اجتهاده، فإن تبين خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعي للوجوب إنما هو الرؤية لا علم ذلك بالحساب لقوله ﷺ في الحديث الصحيح إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب - الحديث" أهـ (قلت) الحديث المشار إليه رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم، وتقدم في أحاديث الباب وهو حجة للجمهور القائلين بعدم اعتبار الحساب والتنجيم في الحكم بإثبات الشهر وعدمه، لأن في قوله ﷺ لا نكتب ولا نحسب وقوله بعده الشهر هكذا وهكذا إشعارا بعدم التعويل على الحساب (قال الحافظ) والمراد بالحساب هنا حساب النجوم وتسييرها ولم يكونوا يعرفون من ذلك أيضا إلا النذر اليسير فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية لرفع الحرج عنهم في معاناة حساب التسيير واستمر الحكم في الصوم ولو حدث بعدهمстр. 2617
-[مذاهب العلماء في صيام يوم أو يومين قبل رمضان والصيام في النصف الثاني من شعبان]-
.....
الحواشي
(١) من يعرف ذلك، بل ظاهر السياق يشعر بنفي تعليق الحكم بالحساب أصلا، ويوضحه قوله في الحديث الآخر (فأكملوا العدة ثلاثين) ولم يقل فسلوا أهل الحساب، والحكمة فيه كون العدد عند الإغماء يستوى فيه المكلفون فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم (وقد ذهب قوم) إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض. ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباحي وإجماع السلف الصالح حجة عليهم (وقال ابن بزيزة) وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق إذ لا يعرفها إلا القليل أفاده الحافظ، وقد ظهر مما أوضحنا صحة مذهب الجمهور في تعلق الحكم بالرؤية في ثبوت الصوم والفطر دون غيرها (وبه قال الأئمة الأربعة) وجمهور العلماء من السلف والخلف والله أعلم (وفي أحاديث الباب أيضا) النهى عن صوم يوم أو يومين من آخر شعبان لما في حديث ابن عباس "ولا تستقبلوا الشهر استقبالا" ولما في حديث أبي هريرة "لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين إلا رجلاً كان يصوم صوما فليصمه" قال العلماء معنى الحديث لا تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان (قال الترمذي) لما أخرج هذا الحديث. العلم على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل دخول رمضان بمعنى رمضان أهـ وإنما اقتصر على يوم أو يومين لأنه الغالب فيمن يقصد ذلك، وقد قطع كثير من الشافعية بأن ابتداء المنع من أول السادس عشر من شعبان، واستدلوا بحديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا" أخرجه أصحاب السنن والأمام أحمد وصححه ابن حبان وغيره، وسيأتي في باب الصوم في شعبان من أبواب صيام التطوع (وقال الروياني) من الشافعية يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب (يعني حديث أبي هريرة المتقدم) ويكره التقدم من نصف شعبان للحديث الآخر "يعني حديث العلاء" (وقال جمهور العلماء) يجوز الصوم تطوعا في النصف الثاني ولو لمن لم يعتده ولم يصله بالنصف الأول منه، ولا يكره إلا صوم يوم الشك، وقالوا إن حديث العلاء ضعيف، قال الإمام أحمد وابن معين إنه منكر (قال الحافظ) قال بعض أئمتنا يجوز بلا كراهة الصوم بعد النصف مطلقًا تمسكا بأن الحديث غير ثابت أو محمول على من يخاف الضعف بالصوم. ورده المحققون بما تقرر أن الحديث ثابت بل صحيح وبأنه مطنة الضعف ومانيط بالمظنة لا يشترط فيه تحققها أهـ (وقد جمع الطحاوي) بين حديث العلاء وبين حديث لا تقدموا بين يدي رمضان بيوم أو يومين الدال بمفهومه أن صيام ما بعد النصف غير مكروه إلا في آخر الشهر بأنه محمول على من يضعفه الصوم، وحديث النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين مخصوص بمن يصوم ذلك احتياطا لرمضان؛ قال الحافظ وهو جمع حسنстр. 2618
-[تعريف يوم الشك - ومذاهب العلماء في صومه وعدمه]-
.....
الحواشي
(١) اهـ (قلت) أما من كان له عادة فلا كراهة في صومهما كما يؤخذ من قوله في الحديث (إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه) فلا يجوز صوم النفل المطلق الذي لم تجر العادة به والله أعلم (وقد اختلف العلماء) في النهى عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين فقيل هي القوى بالفطر لرمضان ليدخل فيه بقوة ونشاط، وفيه نظر لأن مقتضى الحديث أنه لو؟؟؟ بصوم ثلاثة أيام أم أربعة أيام جاز (وقيل) الحكمة خشية اختلاط النفل بالفرض وفيه نظر، لأنه يجوز لمن له عادة كما تقدم (وقيل) لأن الحكم معلق بالرؤية. فمن تقدمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحكم، وهذا هو المعتمد. ولا يرد عليه صوم من اعتاد ذلك. لأنه قد أذن له فيه وليس من الاستقبال في شيء، ويلحق به القضاء والنذر لوجوبهما. قال بعض العلماء يستثنى القضاء والنذر بالأدلة القطعية على وجوب الوفاء بهما فلا يبطل القطعي بالظنى أفاده الحافظ (وفي حديث عمار بن ياسر المذكور في الزوائد) مع أحاديث الباب المصرحة بالنهى عن استقبال رمضان بيوم أو يومين دلالة على المنع من صوم يوم الشك وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث برؤيته أو شهد بها من لا يثبت بقوله، فإن لم يتحدث برؤيته أحد فليس يوم الشك ولو كانت السماء مغيمة (وذلك عند الشافعية، وقالت المالكية) هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة، وإلى المنع من صومه ذهب الأمامان (مالك والشافعي والجمهور) قاله النووي، وحكى الحافظ في الفتح عن الأمامين (مالك وأبي حنيفة) أنه لا يجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز صومه عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك، قال ابن الجوزي في التحقيق (ولأحمد في هذه المسألة) وهي إذا حال دون مطلع الهلال غيم أو غيره ليلة الثلاثين من شعبان ثلاثة أقوال (أحدها) يجب صومه على أنه من رمضان (وثانيها) لا يجوز فرضا ولا نفلا مطلقا بل قضاء وكفارة ونذرا ونفلا يوافق عادة (ثالثها) المرجع إلى رأى الأمام في الصوم والفطر (وذهب جماعة من الصحابة) إلى صومه، منهم علي وعائشة وعمر وابن عمر وأنس ابن مالك وأسماء بنت أبي بكر وأبو هريرة ومعاوية وعمرو بن العاص وغيرهم، وجماعة من التابعين منهم مجاهد وطاوس وسالم بن عبد الله وميمون بن مهران ومطرف بن الشخير وبكر بن عبد الله المزني وأبو عثمان النهدي (قال الشوكاني) وقال جماعة من أهل البيت باستحبابه، وقد ادعى المؤيد بالله أنه أجمع على استحباب صومه أهل البيت، وهكذا قال الأمير الحسين في الشفا والمهدي في البحر، وقد أسند لابن القيم في الهدى الرواية عن الصحابة المتقدم ذكرهم القائلين بصومه، وحكى القول بصومه عن جميع من تقدم ذكرهم من الصحابة والتابعين، قال (وهو مذهب إمام أهل الحديث والسنة أحمد بن حنبل) أهـ (قلت) أورد الحافظ ابن القيم في الهدى آثارًا كثيرة عن الصحابة المتقدم ذكرهمстр. 2619
-[كلام الحافظ ابن القيم في توجيه ما ذهب إليه جماعة من الصحابة من صوم يوم الشك]-
.....
الحواشي
(١) تدل على قولهم بصيامه (ثم أجاب عن ذلك بقوله ليس فيما ذكر عنهم أثر صالح صريح في وجوب صومه حتى يكون فعلهم مخالف لهدى رسول الله ﷺ ؛ وإنما غاية المنقول عنهم صومه احتياطا، وقد صرح أنس بأنه إنما صامه كراهة للخلاف على الأمراء، ولهذا قال الأمام أحمد في رواية (الناس تبع للأمام في صومه وإفطاره) والنصوص التي حكيناها عن رسول الله ﷺ من فعله، وقوله إنما تدل على أنه لا يجب صوم يوم الأغمام ولا تدل على تحريمه، فمن أفطره أخذ بالجواز، ومن صامه أخذ بالاحتياط (ثم قال ﵀ ويدل على أنهم إنما صاموه استحبابا وتحريا ما روى عنهم من فطره بيانا للجواز، فهذا ابن عمر قال حنبل في مسائله حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد العزيز بن حكيم الحضرمي قال سمعت ابن عمر يقول لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه، قال احنبل وحدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبيدة بن حميد قال أخبرنا عبد العزيز بن حكيم قال سألوا ابن عمر قالوا نسبق قبل رمضان حتى لا يفوتنا منه شيء؟ فقال أف أف صوموا مع الجماعة فقد صح عن ابن عمر أنه قال "لا ينقد من الشهر منكم أحد" وصح عنه ﷺ أنه قال "صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين" كذلك قال على بن أبي طالب رضى الله عنه إذا رأيتم الهلال فصوموا لرؤيته وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فأكملوا العدة (وقال ابن مسعود) رضى الله عنه فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين، فهذه الآثار إن قدر أنها معارضة لتلك الآثار التي رويت عنهم في الصوم فهذه أولى لموافقتها النصوص المرفوعة لفظا ومعنى، وإن قدر أنها لا تعارض بينها، فها هنا طريقان من الجمع (أحدهما) حملها على غير صورة الإغمام أو على الأغمام في آخر الشهر كما فعله الموجبون للصوم (والثاني) حمل آثار الصوم عنهم على التحرى والاحتياط استحبابا لا وجوبا؛ وهذه الطريقة أقرب إلى موافقة النصوص وقواعد الشرع، وفيها السلامة من التفريق بين يومين متساويين في الشك فيجعل أحدهما يوم شك والثاني يوم يقين مع حصول الشك فيه قطعا، أو تكليف العبد اعتقاد كونه من رمضان قطعا مع شكه هل هو منه أم لا تكليف بما لا يطاق وتفريق بين المتماثلين والله أعلم أهـ (قال الشوكاني) واستدل المجوزون لصومه بأدلة (منها) ما أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان يصومه، وأجيب عنه بأن مرادها أنه كان يصوم شعبان كله لما أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي (قلت والأمام أحمد وسيأتي في صوم شعبان) من حديثها قالت ما رأيته يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان وهو غير محل النزاع، لأن ذلك جائز عند المانعين من صوم يوم الشك لما في الحديث الصحيح المتفق عليه من قوله ﷺ "إلا رجلا كان يصوم صوما فليصمه"стр. 2620
-[ذكر من كره صوم يوم الشك من الصحابة رضى الله عنهم]-
(٧) باب من يكتفي بشهادته برؤية الهلال في الصوم والفطر
(٥٠) عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب في اليوم الذي يشك فيه (١) فقال ألا إني قد جالست أصحاب رسول الله ﷺ وساءلتهم، ألا وإنهم حدثوني أن رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم قال صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته وانسكوا لها (٢) فإن غم عليكم فأتموا الحواشي
(٥٠) عن عبد الرحمن بن زيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا يحيي ابن زكريا قال أنا حجاج عن حسين بن الحارث الجدلى قال خطب عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب في اليوم الذي يشك فيه - الحديث" (غريبه)(١) هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال وتقدم تعريفه في أحكام الباب السابق(٢) انسكوا بضم السين المهملة من نسك وبابه نصر، ومعناه التقرب إلى الله تعالى بالصوم في رمضان، والأفطار في أول شوالстр. 2621
-[ثبوت رؤية هلال شوال بشهادة رجلين]-
ثلاثين يوماً وإن شهد شاهد إن مسلمان (١) فصومووا وأفطروا
(٥١) عن ربعي بن حراشٍ عن بعض أصحاب رسول الله ﷺ قال أصبح الناس لتمام ثلاثين يومًا (٢) فجاء أعرابيان فشهدا أنهما أهلاه بالأمس عشيًة (٣) فأمر رسول الله ﷺ الناس أن يفطروا (٤)
(٥٢) عن أبي عمير بن أنسٍ (٥) حدثني عمومة لي من الأنصار من الحواشي
(١) فيه دلالة على أنها لا تقبل شهادة الكافر في الصيام والأفطار بل تشترط العدالة كما في بعض الأحاديث (واستدل به أيضا) على اشتراط العدد في شهادة الصوم والأفطار وسيأتي الكلام على ذلك في الأحكام (تخريجه) (نس) وذكره الحافظ في التلخيص ولم يذكر فيه قدحا، وإسناده لا بأس به على اختلاف فيه، ولم يذكر في رواية النسائي (مسلمان)(٥١) عن ربعي بن حراش (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد الرحمن بن مهدى قال ثنا سفيان عن منصور عن ربعي بن حراش - الحديث" (غريبه)(٢) لفظ أبي داود (اختلف الناس في آخر يوم من رمضان) أي ترددوا ليلة الثلاثين من رمضان في أن غدًا منه أو من شوال لكونهم لم يروا الهلال في تلك الليلة، فأصبح النبي ﷺ صائما كما جاء في رواية عند الدارقطني (وقوله فجاء أعرابيان فشهدا الخ) الظاهر أن شهادتهما كانت بعد الزوال من يوم الثلاثين من رمضان آخر النهار كما يستفاد ذلك من حديث أبي عمير الآتى بعد هذا، ولذا أمر النبي ﷺ بالفطر ولم يأمرهم بصلاة العيد في ذلك اليوم بل أخرهم لليوم التالي لأن آخر وقتها الزوال، والشهادة لم تقع إلا بعده (وفي رواية أبي داود فشهدا عند النبي ﷺ بالله) أي أقسما بالله أنهما (أهلاه) أي رأيا الهلال بالأمس، يقال أهللت الهلال إذا أبصرته(٣) العشية ما بين الزوال والغروب، والظاهر أنهما رأياه قبيل الغروب والله أعلم(٤) زاد أبو داود في رواية (وإن يغدوا إلى مصلاهم) ومثلها للإمام أحمد من حديث أبي عمير الآتى، أي يخرجوا لصلاة العيد في صباح اليوم التالي (تخريجه) (د. نس. قط) وقال إسناده حسن ثابت(٥٢) عن أبي عمير بن أنس (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا هشيم أنا أبو بشر عن أبي عمير بن أنس - الحديث" (غريبه)(٥) ويقال أبو عميرةстр. 2622
-[حجة من قال بثبوت رؤية هلال شوال وبشهادة رجل واحد]-
أصحاب رسول الله ﷺ قال غم علينا هلال شوالٍ فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب (١) من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله ﷺ أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمر رسول الله ﷺ أن يفطروا من يومهم وأن يخرجوا لعيدهم من الغد
(٥٣) "قط" عن أنس بن مالكٍ رضى الله عنه أن عمومًة له شهدوا عند النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم على رؤية الهلال (٢) فأمر الناس أن يفطروا وأن يخرجوا لعيدهم من الغد
(٥٤) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال كنت مع عمر رضى الله عنه فأتاه رجل فقال إني رأيت الهلال هلال شوالٍ، فقال عمر ﵁ الحواشي
(١) الركب جمع راكب أي جماعة ركبانا "وقوله من آخر النهار" أي يوم الثلاثين من رمضان "وقوله لعيدهم" أي لصلاة العيد من اليوم التالي، لأن الركب جاء بعد فوات وقتها، ويستفاد منه أنه إذا فات وقت صلاة العيد أول يوم صليت في اليوم الثاني (تخريجه) (د. نس. جه. حب. طح. قط) وقال إسناده حسن، وأخرجه أيضا البيهقي وحسنه، قال والصحابة كلهم عدول سموا أو لم يسموا(٥٣) "قط" عن أنس بن مالك (سنده) حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال حدثني سعيد بن عامر عن شعبة عن قتادة عن أنس - الحديث" (غريبه)(٢) أي هلال شوال (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه البزار ورجاله رجال الصحيح إلا أن البزار قال الصواب أنه مرسل أهـ (قلت) هذا الحديث من زوائد الحافظ أبي بكر القطيعي على مسند الإمام أحمد ولذا رمزت له في أوله بقاف وطاء هكذا (قط) كما هو مبين في مقدمة الكتاب في الجزء الأول فتنبه(٥٤) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يزيد أنبأنا إسرائيل بن يونس عن عبد الأعلى الثعلبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى - الحديث"стр. 2623
-[زوائد الباب فيمن يكتفى بشهادته في إثبات الصوم والفطر]-
يا أيها الناس أفطروا (١) الحواشي
(١) ليس هذا آخر الحديث (وبقيته - ثم قام إلى عس فيه ماء فتوضأ ومسح على خفيه. فقال الرجل والله يا أمير المؤممنين ما أتيتك إلا لأسألك عن هذا، أفرأيت غيرك فعله؟ فقال نعم خيرصا منى وخير الأمة، رأيت أبا القاسم ﷺ فعل مثل الذي فعلت وعله جبه شامية ضيقة الكمين فأدخل يده من تحت الجبة ثم صلى عمر المغرب) وقد اقتصرت منه على القدر المناسب للترجمة، وبقيته تقدم نحوها عن كثير من الصحابة في أبواب المسح على الخفين (تخريجه) أورده الهيثمي وقال رواه أحمد والبزار وفيه عبد الأعلى الثعلبي، قال النسائي ليس بالقوى ويكتب حديثه وضعفه الأئمة (زوائد الباب) عن أبي مالك الأشجعي عن حسين بن الحارث الجدلي من جديلة تيس أن أمير مكة خطب ثم قال عهد إلينا رسول الله ﷺ أن ننسك للرؤية فإن لم نره وشهد شاهدا عدل نسكنا بشهادتهما، فسألت الحسين بن الحارث من أمير مكة؟ فقال لا أدري. ثم لقيني بعد فقال هو الحارث بن حاطب أخو محمد بن حاطب، ثم قال الأمير إن فيكم من هو أعلم بالله ورسوله منى وشهد هذا من رسول الله ﷺ وأومأ بيده إلى رجل. قال الحسين. فقلت لشيخ إلى جنبى من هذا الذي أومأ إليه الأمير؟ قال هذا عبد الله بن عمر وصدق. كان أعلم بالله منه. فقال بذلك أمرنا رسول الله ﷺ أخرجه أبو داود والدارقطني وقال إسناده متصل صحيح (وعن عكرمة عن ابن عباس) رضى الله عنهما قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال إني رأيت الهلال يعني رمضان فقال أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال نعم قال أتشهد أن محمد رسول الله؟ قال نعم. قال يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (د. نس. جه. مذ. قط. ك. هق. مى) (وعن عكرمة) أنهم شكوا في هلال رمضان مرة فأرادوا أن لا يقوموا ولا يصوموا فجاء أعرابي من الحرة فشهد أنه رأى الهلال، فأتى به النبي ﷺ فقال أتشهد أن لا إلا الله وأني رسول الله؟ قال نعم، وشهد أنه رأى الهلال؟ فأمر بلالا فنادى في الناس أن يقوموا وأن يصوموا (أخرجه أبو داود والبيهقي والدارقطني) مرسلا والحاكم مسندا (وعن ابن عمر) رضى الله عنهما قال تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه (د. مى. حب. هق. ك) وقال صحيح على شرط مسلم وصححه أيضًا بن حبان وابن حزم (وعن عبد الملك ابن ميسرة) قال شهدت المدينة وبها ابن عمر وابن عباس رضى الله عنهم فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر رمضان فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن يجيزها وقالا إن رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجل واحد على رؤية هلال رمضان وكانстр. 2624
-[مذاهب العلماء فيمن تقبل شهادته في إثبات الصوم]-
.....
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ "لا يجيز شهادة في الإفطار إلا شهادة رجلين" أورده الهيثمي وقال هو في السنن باختصار عن هذا، رواه الطبراني في الأوسط وفيه حفص بن عمرو الأيلي وهو ضعيف (وعن ابن مسعود) قال أصبح الناس صياما لتمام ثلاثين فجاء رجلان فشهدا أنهما رأيا الهلال بالأمس فأمر رسول الله ﷺ الناس فأفطروا، رواه الهيثمي وقال أورده الطبراني في الكبير، وقال لم يقل في هذا الحديث عن أبي مسعود إلا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني قلت وهو ثقة أهـ (الأحكام) أعلم أنه جاء في هذا الباب عشرة أحاديث وأثر، (منها أربعة أحاديث والأثر) جاءت في المسند، وهي حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو يدل على اعتبار شاهدين مسلمين في إثبات الصوم والفطر من رمضان، وحديث ربعي ابن حراش، وحديث أبي عمير، وحديث أنس بن مالك، وهي تدل على اعتبار شاهدين في الفطر من رمضان، ثم الأثر المروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهو يدل على اعتبار شاهد واحد في الفطر، ومع كونه أثرا فهو ضعيف (ومنها ستة أحاديث) جاءت في الزوائد (أولها) حديث أمير مكة وهو يدل على اعتبار شاهدين في إثبات الصوم (وثانيها) حديث عكرمة عن ابن عباس مرفوط (وثالثها) حديث عكرمة مرسلا (ورابعها) حديث ابن عمر (وخامسها) حديث عبد الملك بن ميسرة، وهي تدل على اعتبار شاهد واحد في الصوم (وسادسها) حديث أبى مسعود وهو يدل على اعتبار شاهدين في الفطر أيضًا (لهذا اختلف العلماء) في إثبات الصوم والفطر هل يكتفى فيهما بشاهد واحد أم لابد من اثنين؟ ونتكلم أولا على اختلافهم في إثبات الصوم فنقول (ذهب جمهور العلماء) إلى القول بقبول شهادة الواحد في رؤية هلال رمضان مستدلين بحديث ابن عباس وحديث ابن عمر وحديث عبد الملك بن ميسرة المذكورة في الزوائد (قال الترمذي بعد ذكر حديث ابن عباس) والعلم على هذا الحديث عند أكثر أهل العلم قالوا تقبل شهادة رجل واحد في الصيام وبه يقول (ابن المبارك والشافعي وأحمد وأهل الكوفة) أهـ (قلت) ما حكاه الترمذي عن الإمام الشافعي هو أشهر قوليه عند أصحابه وأصحهما، وسيأتي ذكر القول الثاني (وذهب الأئمة مالك والليث والأوزاعي والثوري والشافعي) في أحد قوليه والهادوية أنه لا يقبل الواحد بل يعتبر اثنان، واستدلوا بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وفيه فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا، وبحديث أمير مكة وفيه "فإن لم نره وشهد شاهداً عدل الحديث" وظاهرهما اعتبار شاهدين، وتأولوا أدلة الأولين باحتمال أن يكون قد شهد عند النبي ﷺ غيرهما (وأجاب الأولون) بأن التصريح بالاثنين غاية ما فيه المنع من قبول الواجد بالمفهوم، وأدلتهم مصرحة بالواحد وهي تدل على قبوله بالمنطوق، ودلالة المنطوق أرجح، وأما التأويل بالاحتمال المذكور فتعسف وتجويز لو صح اعتبار مثله لكان مفضيا إلى طرح أكثرстр. 2625
-[مذاهب العلماء فيمن تقبل شهادته في إثبات الفطر من رمضان]-
.....
الحواشي
(١) الشريعة (قال الشوكاني) وحكى في البحر عن (الصادق وأبي حنيفة) وأحد قولي المؤيد بالله أنه يقبل الواحد في الغيم لاحتمال الهلال عن غيره لا الصحو فلا يقبل إلا جماعة لبعد خفائه (واختلف العلماء) أيضا في شهادة إثبات الفطر من رمضان برؤية هلال شوال هل يكتفي بشهادة واحد أو لابد من اثنين؟ (فذهب الجمهور والأئمة الأربعة) إلى أنه لابد من شهادة شاهدين في هلال شوال محتجين بحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وحديث ربعي بن حراش وحديث أبي عمير وحديث أنس وكلها في المسند (قال النووي) لا تجوز شهادة عدل واحد على هلال شوال عند جميع العلماء إلا أبا ثور فجوزه بعدل أهـ (قلت) لم أقف على ما يؤيده في أحاديث الباب إلا الأثر المروى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عمر ﵁ أمر الناس بالفطر لشهادة رجل أنه رأى هلال شوال. وهو ضعيف لا تقوم به حجة، والظاهر أنه جعل الخروج من الشهر كالدخول فيه، يثبت بشهادة رجل واحد لا فرق بينهما في ذلك، والجمهور إنما فرقوا بين هلال الفطر وهلال الصوم للتهمة التي تعرض للناس في هلال الفطر ولا تعرض في هلال الصوم، والاحتياط في العبادة يقضى وأن لا يخرج منها إلا بيقين، وخبر الواحد لا يفيده والله أعلم (قال الإمام) ابن رشد في بداية المجتهد ومذهب أبي بكر بن المنذر هو مذهب أبي ثور وأحسبه هو مذهب أهل الظاهر، وقد احتج أبو بكر بن المنذر لهذا بانعقاد الإجماع على وجوب الفطر والأمساك عن الأكل بقول واحد، فوجب أن يكون الأمر كذلك في دخول الشهر وخروجه إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم أهـ (واختلفوا أيضًا) في شهادة العدل هل تقبل منه سواء أكان ذكراً أم أنثى حرًا أم عبدا أم لابد من الذكورة والحرية (فذهب الحنفية) إلى جواز شهادة العدل ولو عبدا أو أنثى في ثبوت رمضان إذا كان بالسماء غيم ونحوه، ولا يشترط لفظ الشهادة بخلاف هلال شوال فلابد أن يكون بشهادة عدلين حرين أو حر وحرتين بلفظ الشهادة (وقال الأمامان الشافعي وأحمد) يكفى في هلال رمضان مطلقا رؤية عدل واحد. قال الأمام أحمد ولو عبدا أو امرأة (وهو قول للشافعية) ومعتمد مذهبهم أنه لابد أن يكون حرًا ذكرًا بلفظ الشهادة ولا يثبت هلال غيره كشوال إلا بشهادة عدلين حرين عندهما (قال النووي) ومحل الخلاف ما لم يحكم بشهادة الواحد حاكم يراه وإلا وجب الصوم ولم ينقض الحكم إجماعا (وذهبت الماليكة) إلى أنه يشترط في ثبوت هلال رمضان رؤية عدلين ذكرين حرين بالغين أو يراه جماعة كثيرة يفيد خبرهم العلم ويؤمن تواطؤهم على الكذب، ولا يشترط في هذه الصورة أن يكونوا كلهم ذكورا أحرارا عدولا (واتفقوا) على وجوب الصوم على المنفرد برؤيةстр. 2626
-[مذاهب العلماء فيمن انفرد برؤية الهلال ولم يعمل بقوله هل يجب عليه الصوم أم لا]-
(٧) باب إذا رؤي الهلال في بلد دون غيره
(هل يلزم بقية البلاد الصوم أم لا؟)
(٥٥) عن كريب (١) أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل (٢) على رمضان وأنا بالشام فرأينا الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني (٣) عبد الله بن عباسٍ ﵄، ثم ذكر الهلال فقال متى رأيتموه؟ فقلت رأيناه ليلة الجمعة، فقال أنت رأيته؟ قلت نعم. ورآه الناس وصاموا وصام معاوية، فقال لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه، فقلت أو لا تكتفى برؤية معاوية وصيامه؟ فقال لا. هكذا أمر النبي الحواشي
(٥٥) عن كريب (سنده) حدثنا عبد الله حدثنى أبي حدثني سليمان بن داود الهاشمي ثنا إسماعيل يعني ابن جعفر قال أخبرني محمد يعني ابن أبي حرملة عن كريب - الحديث" (غريبه)(١) هو مولى عبد الله بن عباس. وأم الفضل اسمها لبابة بتخفيف الموحدة بنت الحارث بن حزن؛ بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون. الهلالية أم الفضل بن العباس وزوج العباس بن عبد المطلب. أخت ميمونة زوج النبي ﷺ قال ابن حيان ماتت بعد العباس في خلافة عثمان رضى الله عنها(٢) بالبناء للمفعول أي رؤى هلاله(٣) أي سأله عن حاله كيف كان في السفر وعن حال أهل الشام ونحو ذلك مما جرت به العادة في مثل هذا، ثم جاء ذكر رمضان فسأله عن رؤية الهلال بقوله "متى رأيتموه إلخ"стр. 2627
-[مذاهب العلماء في رؤية الهلال بجهة هل تسرى على من لم يره في جهة أخرى]-
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (١) الحواشي
(١) ظاهره أي أمرنا أن لا نعمل برؤية أهل بلد آخر (تخريجه) (م. والثلاثة. وغيرهم) (الأحكام) احتج بحديث كريب هذا من قال إنه لا يلزم أهل بلد رؤية أهل بلد آخر، ووجه الاحتجاج به أن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام وقال في آخر الحديث هكذا أمر النبي ﷺ ، وقد اختلف في المراد بقوله "هكذا أمر النبي ﷺ " فقال بعضهم يشير إلى قوله في الحديث (فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه) يعني أن النبي ﷺ أمرهم بإكمال الشهر ثلاثين يوما إن لم يروا الهلال، وقال بعضهم أمرنا أن لا نعمل برؤية أهل بلد آخر، وقال الشيخ تقى الدين في شرح العمدة ويمكن أنه أراد بذلك هذا الحديث العام يعني قوله ﷺ (لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه) لا حديثا خاصًا بهذه المسألة، قال وهو الأقرب عندي أهـ وقد حكى ابن المنذر هذا المذهب (يعني عدم العمل برؤية أهل بلد آخر) عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق بن راهوية وحكاه الترمذي عن أهل العلم ولم يحك سواه وحكاه الماوردي وجهًا في مذهب الشافعي (وقال آخرون) إذا رؤى ببلدة لزم أهل جميع البلاد الصوم وهو مذهب الأئمة (مالك وأبي حنيفة وأحمد والليث بن سعد) وحكاه ابن المنذر عن أكثر الفقهاء، وبه (قال بعض الشافعية) فإنهم قالوا إن تقاربت البلدان فحكمهما حكم البلد الواحد، وإن تباعدتا فوجهان. أصحهما عند الشيخ أبي حامد والشيخ أبي إسحاق والغزالي والأكثرين أنه لا يجب الصوم على أهل البلد الآخر، والثاني الوجوب، وإليه ذهب القاضي أبو الطيب والروياني، وقال أنه ظهر المذهب واختاره جميع أصحابنا، وحكاه البغوى عن الشافعي نفسه، وعلى الأول ففي ضبط البعد أوجه (أحدها) وبه قطع العراقيون والصيدلاني وغيرهم أن التباعد أن تختلف المطالع كالحجاز والعراق وخراسان، والتقارب أن لا تختلف كبغداد والكوفة والرى وقزوين؛ وصححه النووي في الروضة والمنهاج وشرح المهذب (والثاني) أن التباعد مسافة القصر، وبهذا قطع إمام الحرمين وادعى الاتفاق عليه، والغزالي والبغوي وصححه الرافعي في شرحه الصغير والمحرر، والنووي في شرح مسلم (والثالث) اعتباره باتحاد الأقاليم واختلافه، وحكى السرخسى وجها آخر إن كل بلد لا يتصور خفاؤه عنهم بلا عارض يلزمهم دون غيرهم (وقال ابن الماجشون) من المالكية إن ثبت بأمر شائع لزم البعيد، وإن ثبت عند الحاكم بشهادة شاهدين كسائر الأحكام لم يلزم من خرج من ولايته إلا أن يكون أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعتهم إذا كتب بما عنده من شهادة أو رؤية إلى من لا يثبت عنده، حكاه ابن شاش في الجواهر أهـ. (وقال الشوكاني) واعلم أن الحجة إنما هي في المرفوع من رواية ابن عباس لا في اجتهادهстр. 2628
-[مذاهب العلماء في أنه هل يعتبر، اختلاف المطالع في رؤية الهلال]-
.....
الحواشي
(١) الذي فهم عنه الناس، والمشار إليه بقوله هكذا أمرنا رسول الله ﷺ هو قوله فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين. والأمر الكائن من رسول الله ﷺ هو ما أخرجه الشيخان وغيرهما بلفظ "لا تصوموا حتى تروا الهلال. ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" وهذا لا يختلف بأهل ناحية على جهة الانفراد؛ بل هو خطاب لكل من يصلح له من المسلمين، فالاستدلال به على لزوم رؤية أهل بلد لغيرهم من أهل البلاد أظهر من الاستدلال به على عدم اللزوم، لأنه إذا رآه أهل بلد فقد رآه المسلمون فيلزم غيرهم ما لزمهم، ولو سلم توجه الإشارة في كلام ابن عباس إلى عدم لزوم رؤية أهل بلد لأهل بلد آخر لكان عدم اللزوم مقيدا بدليل العقل وهو أن يكون بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع، وعدم عمل ابن عباس برؤية أهل الشام مع عدم البعد الذي يمكن معه الاختلاف عمل بالاجتهاد وليس بحجة، ولو سلم عدم لزوم التقييد بالعقل فلا يشك عالم أن الأدلة قاضية بأن أهل الأقطار يعمل بعضهم بخبر بعض وشهادته في جميع الأحكام الشرعية والرؤية من جملتها، وسواء كان بين القطرين من البعد ما يجوز معه اختلاف المطالع أم لا فلا يقبل التخصيص إلا بدليل، ولو سلم صلاحية حديث كريب هذا للتخصيص فينبغي أن يقتصر فيه على محل النص إن كان النص معلوما. أو على المفهوم منه إن لم يكن معلوما لوروده على خلاف القياس. ولم يأت ابن عباس بلفظ النبي ﷺ ولا بمعنى لفظه حتى تنظر في عمومه وخصوصه، إنما جاءنا بصيغة مجملة أشار بها إلى قصة هي عدم عمل أهل المدينة برؤية أهل الشام على تسليم أن ذلك المراد. ولم نفهم منه زيادة على ذلك حتى نجعله مخصصا لذلك العموم. فينبغي الاقتصار على المفهوم من ذلك الوارد على خلاف القياس وعدم الألحاق به، فلا يجب على أهل المدينة العمل برؤية أهل الشام دون غيرهم، ويمكن أن يكون في ذلك حكمة لا نعقلها، ولو سلم صحة الألحاق وتخصيص العموم به فغايته أن يكون في المحلات التي بينها من البعد ما بين المدينة والشام أو أكثر، وأما في أقل من ذلك فلا، وهذا ظاهر. فينبغي أن ينظر ما دليل من ذهب إلى اعتبار البريد أو الناحية أو البلد في المنع من العمل بالرؤية، (والذي ينبغي اعتماده) هو ما ذهب إليه المالكة وجماعة من الزيدية واختاره المهدي منهم، وحكاه القرطبي عن شيوخه أنه إذا رآه أهل بلد لزم أهل البلاد كلها، ولا يلتفت إلى ما قاله ابن عبد البر من أن هذا القول خلاف الأجماع، قال لأنهم قد أجمعوا على أنه لا ترعى الرؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس، وذلك لأن الاجماع لا يتم والمخالف مثل هؤلاء الجماعة أهـ (قلت) يريد بالجماعة (أبا حنيفة ومالكا وأحمد بن حنبل) ﵏ والله أعلمстр. 2629
-[سبب قوله ﷺ تم الشهر تسعا وعشرين]-
(٩) باب ما جاء خاصا ينقص الشهر مع قوله ﷺ شهران لا ينقصان
(٥٦) عن ابن عباس رضى الله عنهما أن جبريل ﵇ أتى النبي ﷺ وعلى آله وصحبه وسلم فقال تم الشهر تسعًا وعشرين (١)
(٥٧) عن إسحاق بن سعيدٍ عن أبيه قال قيل لعائشة ﵂ يا أم المؤمنين رؤى هذا الشهر لتسع وعشرين، قالت وما يعجبكم (٢) من ذاك؟ لما صمت مع رسول الله ﷺ تسعًا وعشرين أكثر مما صمت ثلاثين
(٥٨) عن ابن مسعودٍ ﵁ قال ما صمت (٣) مع رسول الله الحواشي
(٥٦) عن ابن عباس (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عمرو بن الهيثم ثنا شعبة عن سلمة بن كهيل عن أبي الحكم عن ابن عباس - الحديث" (غريبة)(١) سبب هذا الحديث جاء مصرحا به في رواية أخرى من حديث ابن عباس أيضا عند الأمام أحمد قال هجر رسول الله ﷺ نساءه شهرًا، فلما مضى تسع وعشرون أتاه جبريل فقال فقد برت يمينك وقد تم الشهر، وستأتي هذه الرواية في كتاب الأيلاء إن شاء الله تعالى (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد.(٥٧) عن إسحاق بن سعيد (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا هاشم ابن القاسم قال ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه - الحديث" (غريبه)(٢) بفتح العين المهملة وكسر الجيم المشددة، من التعجب وهو انفعال النفس لزيادة وصف في المتعجب منه، والمعنى وأي شيء في هذا تتعجبون منه "وقولها لما صمت" اللام واقعة في جواب قسم مقدر وما مصدرية أو موصولة، والمعنى والله لصومي مع رسول الله ﷺ شهر رمضان تسعا وعشرين أكثر من صومي له ثلاثين مع النبي ﷺ ، أو للذي صمته مع رسول الله ﷺ إلخ أي فلا تتعجبوا من ذلك (تخريجه) (هق. قط) وقال إسناده صحيح حسن (قلت) وأورده الهيثمي وقال رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح(٥٨) عن ابن مسعود (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا أبو المنذر ثنا عيسى بن دينار الخزاعى قال حدثني أبي أنه سمع عمرو بن الحارث الخزاعي يقول سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول ما صمت إلخ (غريبه)(٣) هكذا وقع فيстр. 2630
-[تفسير قوله ﷺ شهران لا ينقصان]-
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسعًا وعشرين أكثر مما صمت معه ثلاثين
(٥٩) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ قال شهران لا ينقصان (١) في كل واحدٍ منهما عيد، رمضان. وذو الحجة (٢) الحواشي
(٥٩) عن عبد الرحمن بن أبي بكرة (سنده) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة قال سمعت خالد الحذاء يحدث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة - الحديث" (غريبه)(١) جاء في معنى ذلك أقوال كثيرة للعلماء سنذكرها في الأحكام، وقال النووي الأصح أن معناه لا ينقص أجرهما والثواب المترتب عليهما وإن نقص عددهما "يعني في الأيام"(٢) إطلاق شهر العيد على ذي الحجة ظاهر. وعلى رمضان من ضروب المجاز لعلاقة المجاورة (تخريجه) (ق. د. مذ. جه. هق. طح) (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن الشهر قد يكون تسعًا وعشرين وهذا حق لا شك فيه والواقع يؤيده، بل الغالب أن يكون تسعًا وعشرين أكثر من كونه ثلاثين كما في أحاديث الباب، أما قوله ﷺ شهران لا ينقصان فليس المراد منه نقص الأيام، بل المراد والله أعلم لا ينقصان في أحر العبادة المشروعة فيهما بسبب نقصهما في الأيام بل الأجر فيهما واحد سواء نقصًاследующие страницы →