Полный текст (7 020 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
-[المتابعة بين الحج والعمرة تنفى الفقر والذنوب]-
عشيَّة عرفة بأهل عرفة، فيقول انظروا إلى عبادى أتونى شعثًا غبرًا
(٤) وعن أبى هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ مثله
(٥) عن عمر بن الخطَّاب ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال تابعوا بين الحجِّ والعمرة، فإنَّ متابعةً بينهما ينفيان الفقر والذُّنوب كما ينفى الكير الخبث الحواشي
(١) بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة آخره مثلثة. أى لم يتعهدوا تنظيف أبدانهم وملابسهم وشعورهم "وقوله غبرا" أى قد علاهم غبار الأرض، قال المناوى وذا يقتضى الغفران وعموم التكفير (تخريجه) أخرجه أيضا الطبرانى فى الكبير ورجال الأمام أحمد موثقون(٤) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو قطن واسماعيل ابن عمر قالا ثنا يونس عن مجاهد أبى الحجاج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الله ليباهى الملائكة بأهل عرفات يقول "انظروا إلى عبادى شعثا غبرا" (تخريجه) (حب. ك) وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه اهـ (قلت) وأقره الذهبى(٥) عن عمر بن الخطاب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة يحدث عن عمر رضى الله عنه يبلغ به النبى ﷺ ، وقال سفيان مرة عن النبى ﷺ الحديث" (غريبه)(٢) أى أوقعوا المتابعة بينهما بأن تجعلوا كلا منهما تابعًا للآخر أى إذا حججتم فاعتمروا واذا اعتمرتم فحجوا(٣) هكذا بالأصل (فان متابعة بينهما ينفيان) أى تجعلهما ينفيان الفقر والذنوب الخ، أى يزيلانه وهو يحتمل الفقر الظاهر بحصول غنى اليد والفقر الباطن بحصول غنى القلب، وكذلك يزيلان الذنوب ويمحوانها، قيل المراد بها الصغائر ولكن يأباه قوله "كما ينفى الكير الخ" وهو ما ينفخ به الحداد لاشتعال النار لتصفية خبث الحديد(٤) الخبث بفتحتين ويروى بضم فسكون، والمراد الوسخ والرداء الخبيث (تخريجه) (ش جه) وفى اسناده عاصم بن عبيد الله ضعيف، لكن يعضده الحديثان بعدهстр. 2942
-[فضل المتابعة بين الحج والعمرة]-
(٦) عن عبد الله بن عامرٍ عن أبيه ﵁ عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم مثله - وفيه فإنَّ متابعةً بينهما تزيد فى العمر والرِّزق وتنفيان الذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد
(٧) عن عبد الله (بن مسعودٍ) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ تابعوا بين الحجِّ والعمرة فإنَّهما ينفيان الفقر والذُّنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذَّهب والفضَّة، وليس للحجَّة المبرورة ثوابٌ دون الجنَّة
(٨) عن أبى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ الحجُّ المبرور الحواشي
(٦) عن عبد الله بن عامر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أسود ابن عامر ثنا شريك عن عاصم عن عبد الله بن عامر عن أبيه- الحديث" (غريبه)(١) هو عامر بن ربيعة الصحابي رضى الله عنه، وهذا الحديث رواه عامر عن النبى ﷺ بدون واسطة، والحديث السابق رواه عامر عن النبى ﷺ بواسطة عمر، فهذا من مسند عامر، وذاك من مسند عمر رضى الله عنهما(٢) المراد بالزيادة هنا البركة، فاذا كان عمره عشرين عاما مثلا بارك الله له فيها بتوفيقه للأعمال الصالحة ومضاعفة الثواب حتى يكون ثوابه أكثر ممن عاش أربعين عاما لم يعمل مثل عمله، وإذا كان يكتسب كل يوم درهما مثلا بارك الله له فيه حتى يكون كمن عنده عشرة دراهم وهكذا (تخريجه) (جه) وفى اسناده عاصم ابن عبيد الله أيضا ويعضده حديث ابن مسعود الآتى بعده(٧) عن عبد الله (بن مسعود) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو خالد الأحمر قال سمعت عمرو بن قيس عن عاصم عن شقيق عن عبد الله- الحديث" (غريبه)(٣) تقدم الكلام فى معنى الحج المبرور فى شرح الحديث الأول من أحاديث الباب (والثواب) الجزاء، والمعنى أن الحج المبرور ليس له جزاء إلا دخول الجنة أوَّلا وإلا فمطلق الدخول يكفى فيه الأيمان، وهذا الحديث من أدلة القائلين بأن الحج يكفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها والله أعلم (تخريجه) (د. مذ) وقال حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح غريب من حديث عبد الله بن مسعود(٨) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا عبد الرحمن قالстр. 2943
-[الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة]-
ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة، والعمرتان تكفِّران ما بينهما من الذُّنوب
(٩) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ الحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة، قالوا يا نبيَّ الله ما الحجُّ المبرور؟ قال إطعام الطَّعام وإفشاء السَّلام
(١٠) عن أبى سعيدٍ الخدرىِّ رضى الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ قال الحواشي
(١) هذا ظاهر فى فضيلة العمرة وأنها مكفرة للخطايا الواقعة بين العمرتين، وسبق فى أول أبواب الوضوء فى شرح حديث عمرو بن عبسة رقم ١٨٣ صحيفة ٣٠٠ بيان هذه الخطايا وبيان الجمع بين هذا الحديث وأحاديث تكفير الوضوء للخطايا وتكفير الصلاة، وقد أشار ابن عبد البر إلى أن المراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال وذهب بعض علماء عصرنا إلى تعميم ذلك ثم بالغ فى الأنكار عليه (قال الحافظ) واستشكل بعضهم كون العمرة كفارة مع أن اجتناب الكبائر يكفر. فماذا تكفر العمرة؟ (والجواب) أن تكفير العمرة مقيد بزمنها؛ وتكفير الاجتناب عام لجميع عمر العبد فتغايرا من هذه الحيثية والله أعلم (تخريجه) (م. نس. وغيرهما) وللأمام أحمد أيضا عن عامر بن ربيعة قال قال رسول الله ﷺ العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما من الذنوب والخطايا، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة(٩) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثنا عبد الصمد ثنا محمد بن ثابت ثنا محمد بن المنكدر عن جابر- الحديث" (غريبه)(٢) أى ما علامة الحج المبرور؟ قال "اطعام الطعام" يعنى للفقراء والمساكين "وإفشاء السلام" يعنى اظهاره والبدء به على من عرف ومن لم يعرف (وفى رواية عند الطبرانى) من حديث جابر أيضًا قال وطيب الكلام بدل وإفشاء السلام، والمراد أن هذه الخصال من علامات الحج المبرور وليست علاماته قاصرة على هذه، والظاهر والله أعلم أنه ﷺ أجاب السائل بذلك لكونه رأى منه التقصير فى هذه الخصال، لأنه ﷺ كان يجيب كل انسان على حسب حاله (تخريجه) أورده المنذرى بلفظ اطعام الطعام وطيب الكلام وهو لفظ الطبرانى، ثم قال رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط بأسناد حسن وابن خزيمة فى صحيحه والبيهقى والحاكم مختصرا وقال صحيح الأسناد (وفى روايه لأحمد والبيهقى) "اطعام الطعام وافشاء السلام"(١٠) عن أبى سعيد الخدرى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عفانстр. 2944
-[استمرار الحج والعمرة إلى ما بعد خروج يأجوج ومأجوج - وفضل النفقة فى الحج]-
ليحجَّنَّ البيت وليعتمرنَّ بعد خروج يأجوج ومأجوج
(١١) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ النَّفقة فى الحجِّ كالنفقة فى سبيل الله بسبعمائة ضعفٍ
(١٢) عن أمِّ سلمة رضى الله عنها قالت قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الحجُّ جهاد كلِّ ضعيفٍ الحواشي
(١) بضم المثناة التحتية وفتح الحاء والجيم مبنيا للمفعول مؤكدا بالنون الثقيلة؛ وكذا قوله وليعتمرن، ويأجوج ومأجوج اسمان أعجميان، وهما قبيلتان من يافث بن نوج، وبه جزم غير واحد من الأوائل، وعليه كثير من الأواخر والله أعلم(٢) هذا الحديث يفهم منه أن البيت يحج حتى بعد أشراط الساعة، لكن يعارضه ما ورد فى الصحيحين وعند الأمام أحمد وغيرهم أن الحبشة يخربون البيت فلا يعمر بعد ذلك، وما ورد عندهم أيضا بلفظ "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت، وظاهر هذا التعارض، لأنه يفهم من هذين الحديثين عدم الحج بعد أشراط الساعة وخراب البيت، ويفهم من حديث الباب عكس ذلك، وقد جمع الحافظ بينهما بأنه لا يلزم من حج البيت بعد خروج يأجوج ومأجوج أن يمتنع الحج فى وقت مّا عند قرب ظهور الساعة، قال ويظهر والله أعلم أن المراد بقوله ليحجن البيت أى مكان البيت يحج؛ لأن الحبشة إذا خربوه لم يعمر بعد ذلك اهـ (تخريجه) (خ. خز. عل) وأبو داود الطيالسى وأبو عوانة(١١) عن عبد الله بن بريدة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا بكر بن عيسى ثنا أبو عوانة ثنا عطاء بن السائب عن أبى زهير عن عبد الله بن بريدة الخ (غريبه)(٣) المعنى أن النفقة فى الحج تضاعف إلى سبعمائة ضعف كالنفقة فى الجهاد لأنها كلها فى سبيل الله (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الأوسط والبيهقى واسناده حسن(١٢) عن أم سلمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا القاسم ابن الفضل عن أبى جعفر محمد بن على عن أم سلمة- الحديث" (غريبه)(٤) المعنى أن من أراد الجهاد فى سبيل الله لأعلاء كلمة الله وابتغاء مرضاة الله وعجز عن ذلك لمرض ألمَّ به أو لضعف ببدنه وكان يمكنه الحج فليحج البيت، فان فعل ذلك كتب الله له مثل ثواب المجاهد فى سبيل الله ببركة نيته وإخلاصه وفضل الله واسع (تخريجه) (جه) ورجاله ثقاتстр. 2945
-[الحج والعمرة جهاد الكبير. والضعيف. والمرأة]-
(١٣) عن محمَّد بن إبراهيم بن الحارث التَّيميِّ عن أبى هريرة رضى الله عنه عن رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنَّه قال إن كان قاله جهاد الكبير والضَّعيف والمرأة الحجُّ والعمرة الحواشي
(١٣) عن محمد بن إبراهيم (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هارون قال حدثنى ابن وهب عن حيوة عن ابن الهاد عن محمد بن ابراهيم- الحديث" (غريبه)(١) هكذا فى الأصل "ان كان قاله" لكن رواه النسائى عن محمد بن ابراهيم أيضا عن أبى سلمة عن أبى هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال "جهاد الكبير. والصغير. والضعيف. والمرأة. الحج والعمرة" وهذا اتم وأظهر، والمعنى ان الحج والعمرة يقومان مقام الجهاد لمن منعه عنه كبر. أو ضعف بدن، أو صغر، أو أنوثة، ويؤجرون عليهما كأجر الجهاد، والله تعالى أعلم (تخريجه) (نس) وسنده جيد (زوائد الباب) (عن ابن عمر رضى الله عنهما) قال قال رسول الله ﷺ استمتعوا بهذا البيت فقد هدم مرتين ويرفع فى الثالثة، (بز. طب) ورجاله ثقات (وعن الحسين بن على) رضى الله عنهما قال جاء رجل الى النبى ﷺ فقال إنى جبان وإنى ضعيف، فقال هلم إلى جهاد لا شوكة فيه الحج (طب. طس) ورجاله ثقات (وقوله لا شوكة فيه أى لا قتال فيه، وشوكة القتال شدّته وحدّته (نه) (وعن عثمان بن سليمان) عن جدته أم أبيه قالت جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال إنى أريد الجهاد فى سبيل الله، قال الا أدلك على جهاد لا شوكة فيه؟ قلت بلى- قال حج البيت (طب) وفيه الوليد بن أبى ثور ضعفه أبو زرعة وجماعة وزكاه شريك (وعن أبى سعيد الخدرى) رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ قال إن الله يقول إن عبدا أصححت له بدنه وأوسعت عليه فى الرزق لم يفد إلىَّ فى كل اربعة أعوام لمحروم، رواه الطبرانى فى الأوسط وأبو يعلى الا أنه قال خمسة أعوام ورجال الجميع رجال الصحيح (وعن أنس بن مالك) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ الحج فى سبيل الله، النفقة فيه الدرهم بسبعمائة (طس) وفيه من لم أعرفه (وعن جابر) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إن للكعبة لسانا وشفتين ولقد اشتكت إلى الله فقالت يا رب قلَّ عوادى وقلَّ زوارى، فأوحى الله إنى خالق بشرا خشَّعا سجَّدا يحنون اليك كما تحن الحمامة إلى بيضها (طس) وفيه سهل بن قرين وهو ضعيف (وعن أبى ذر) رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال ان داود النبى ﷺ قال إلا هى ما لعبادك عليك إذا هم زاروك فى بيتك؟ قالَّ إن لكل زائر على المزور حقا، يا داود إن لهم على أن أعافيهم في الدنيا وأغفر لهمстр. 2946
-[زوائد الباب فى فضل الحج والعمرة - وكلام العلماء فى ذلك]-
__
الحواشي
(١) إذا لقيتهم (طس) وفيه محمد بن حمزة الرقى وهو ضعيف (وعن جابر بن عبد الله) رضى الله عنهما رفعه قال ما أمعر حاج قط، قيل لجابر ما الأمعار؟ قال ما افتقر، (طس. بز) ورجاله رجال الصحيح- الأمعار أصله من معر الرأس وهو قلة شعره (وعن عائشة رضى الله عنها) قالت قال رسول الله ﷺ من خرج فى هذا الوجه لحج أو عمرة فمات فيه لم يعرض ولم يحاسب وقيل له ادخل الجنة، قالت وقال رسول الله ﷺ ان الله يباهى بالطائفين (عل طس) وفى اسناد الطبرانى محمد بن صالح العدوى. ولم أجد من ذكره. وبقية رجاله رجال الصحيح وإسناد أبى يعلى فيه عائذ بن بشير وهو ضعيف (وعن أبى هريرة) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من خرج حاجا فمات كتب له أجر الحاج الى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات كتب له أجر المعتمر الى يوم القيامة، ومن خرج غاريا فمات كتب له أجر الغازى الى يوم القيامة (طس) وفي جميل بن أبى ميمونة، وقد ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره ابن حبان فى الثقات (وعن جابر) رضى الله عنه أن النبى ﷺ قال ان هذا البيت دعامة من دعائم الأسلام، فمن حج البيت أو اعتمر فهو ضامن على الله فان مات أدخله الجنة، وان رده الى أهله رده بأجر وغنيمة (طس) وفيه محمد بن عبد الله ابن عمير وهو متروك (وعن سهل بن سعد) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ما راح مسلم فى سبيل الله مجاهدا أو حاجا مهلا أو ملبيا إلا غربت الشمس بذنوبه وخرج منها (طس) وفيه من لم أعرفه، أورد هذه الزوائد الحافظ الهيثمى وتكلم عليها جرحا وتعديلا، هذا وقد جاء فى مسند الأمام أحمد ﵀ أحاديث كثيرة فى خصال متعددة من أفضل الأعمال، كالحج. والجهاد. والصلاة. وغير ذلك ستأتى (فى باب الترغيب فى خصال متعددة من أفضل أعمال البر) من قسم الترغيب ان شاء الله تعالى (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على فضل الحج والعمرة وانهما يمحوان الذنوب كلها صغيرها وكبيرها إذا حسنت النية وتمحض الأخلاص لله ، وتقدم الكلام فى الشرح على ما قاله العلماء فى ذلك، وحديث العباس بن مرداس الذى أشار اليه الحافظ (فى الكلام على قوله فى حديث أبى هريرة- رجع كهيئته يوم ولدته أمه) رواه ابن ماجه عن عبد الله بن كنانة بن عباس بن مرداس أن أباه أخبره عن أبيه أن رسول الله ﷺ دعا لأمته عشية عرفة فأجيب انى قد غفرت لهم ما خلا الظالم فانى آخذ للمظلوم منه، قال أى رب إن شئت أعطيت المظلوم الجنة وغفرت للظالم، فلم يجب عشية عرفة، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء فأجيب الى ما سأل، قال فضحك رسول الله ﷺ أو قال تبسم، فقال له أبو بكر وعمر رضى الله عنهما بأبى أنت وأمى إن هذه لساعة ما كنت تضحك فيها، فما الذى أضحكك؟стр. 2947
-[أدلة وجوب الحج]-
(٢) باب وجوب الحج
(١٤) عن عليٍّ رضى الله عنه قال لمَّا نزلت هذه الآية ﴿ولله على النَّاس حجُّ البيت من استّطاع إليه سبيلًا﴾ قالوا يا رسول الله أفي كلِّ عامٍ؟ فسكت فقالوا أفى كلِّ عامٍ؟ فسكت، قال ثمَّ قالوا أفى كلِّ عامٍ؟ فقال لا، ولو قلت نعم لوجبت فأنزل الله تعالى ﴿يا أيُّها الَّذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن الحواشي
(١٤) عن على رضى الله عنه (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا منصور بن وردان الأسدى ثنا على بن عبد الأعلى عن أبيه عن أبى البخترى عن على رضى الله عنه- الحديث" (غريبه)(١) فيه دليل على أن الحج لا يجب الا مرة واحدة وهو مجمع عليه كما قال النووى والحافظ وغيرهما، وكذلك العمرة عند من قال بوجوبها لا تجب إلا مرة إلا أن ينذر بالحج أو العمرة وجب الوفاء بالنذر بشرطه(٢) ظاهره يقتضى أن افتراض الحج كل عام كان مفروضًا عليه، حتى لو قال نعم لحصل، وليس بمستبعدстр. 2948
-[الدليل على أن الحج واجب فى العمر مرة]-
تبد لكم تسؤكم الى آخر الآية﴾
(١٥) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما قال خطبنا رسول الله ﷺ فقال يا أيُّها النَّاس كتب عليكم الحجُّ، قال فقام الأقرع بن حابسٍ فقال فى كلِّ عامٍ يا رسول الله؟ قال لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها أو لم تستطيعوا أن تعملوا بها، فمن زاد فهو تطوُّعٌ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) أنَّ الأقرع بن حابسٍ سأل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم الحجُّ كلّ عامٍ؟ فقال لا- بل حجَّةٌ، فمن حجَّ بعد ذلك فهو تطوُّعٌ، ولو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت لم تسمعوا ولم تطيعوا
(١٦) عن سعيدٍ بن جبيرٍ عن ابن عبَّاسٍ عن الفضل أو أحدهما الحواشي
(١) فى الحديث اشارة الى كراهة السؤال فى النصوص المطلقة والتفتيش عن قيودها، بل ينبغى اطلاقها حتى يظهر فيها قيد، وقد جاء القرآن موافقا لهذه الكراهة (تخريجه) (جه. مذ) وقال حديث على حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه أيضا البزار فى مسنده وقال البخترى لم يسمع من على اهـ وأخرجه الحاكم فى المستدرك فى تفسير آل عمران وسكت عنه ولم يتعقبه الذهبى فى مختصره بالانقطاع. ولكن أعله بعبد الأعلى قال وقد ضعفه أحمد اهـ(١٥) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا سليمان بن كثير أبو داود الواسطى قال سمعت ابن شهاب يحدث عن أبى سنان عن ابن عباس- الحديث" (غريبه)(٢) يعنى على المرة الواحدة فهو تطوع يثاب عليه(٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا محمد بن أبى حفصة ثنا ابن شهاب عن أبى سنان عن ابن عباس أن الأقرع- الحديث"(٤) أى لم تسمعوا سماع قبول. ولم تطيعوا إن سمعتم (تخريجه) (د. نس. هق. ك) وصحح الحاكم اسناده، وأقره الذهبى(١٦) عن سعيد بن جبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا أبو اسرائيل العبسى عن فضيل بن عمرو عن سعيد بن جبير الخ (غريبه)(٥) هو ابن عباسстр. 2949
-[حجة القائلين بأن الحج واجب على الفور]-
عن الآخر قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم من أراد الحجَّ فليتعجَّل فإنَّه قد يمرض المريض وتضلُّ الضَّالَّة وتعرض الحاجة
(١٧) عن ابن عباسٍ رضى الله عنهما عن النَّبىِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال على كلِّ مسلمٍ حجَّةٌ ولو قلت كلَّ عامٍ لكان
(فصل منه فى وجوب الحج على النساء وفى أمور تتعلق بهن)
(١٨) عن أبى هريرة رضى الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال لنسائه عام حجَّة الوداع هذه الحجَّة ثمَّ (وفى لفظ إنَّما هذه الحجَّة ثمَّ الزمن) ظهور الحصر، قال فكنَّ كلُّهنَّ يحججن إلَّا زينب بنت جحشٍ وسودة بنت زمعة الحواشي
(١) استدل به القائلون بوجوب الحج على الفور وسيأتى ذكرهم فى الأحكام (تخريجه) (جه. هق. مى) وسنده جيد(١٧) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد الزبيرى ثنا شريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (غريبه)(٢) أى واحدة واجبة فى العمر وله بعد ذلك أن يتطوع ما شاء(٣) أى لكان الحج فرضا فى كل عام مرة، ولكن لم يقل ذلك رحمة بأمته ﵊ (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد(١٨) عن أبى هريرة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجاج وحدثنا يزيد بن هارون قال أنا ابن أبى ذئب واسحاق بن سليمان قال سمعت ابن أبى ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة- الحديث" (غريبه)(٤) أى انما الواجب عليكن هذه الحجة ثم الزمن البيوت فلا تخرجن الى الحج مرة أخرى، فكنى النبى ﷺ بظهور الحصر عن ملازمتهن البيوت. وظهور جمع ظهر والحصر بضم أوله وسكون ثانيهстр. 2950
-[حجة القائلين باقتصار المرأة على الحجة المفروضة]-
رضي الله تعالى عنهما، وكانتا تقولان والله لا تحرِّكنا دابَّةٌ بعد أن سمعنا ذلك من النَّبىِّ ﷺ (وفى لفظ) بعد قول رسول الله ﷺ هذه ثمَّ ظهور الحصر
(١٩) عن واقد بن أبى واقدٍ اللَّيثىِّ عن أبيه رضى الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لنسائه في حجَّته هذه ثمَّ ظهور الحصر
(٢٠) عن عائشة بنت طلحة أنَّ عائشة امَّ المؤمنين رضى الله عنها قالت قلت للنَّبيِّ ﷺ ألا نجاهد معك؟ فقال رسول الله ﷺ لك أحسن الجهاد الحواشي
(١) هذا اللفظ من رواية اسحاق بن سليمان أحد رجال السند كما يستفاد ذلك من نفس الحديث فى الأصل، ففيه بعد قوله "سمعنا ذلك من النبى ﷺ " قال اسحق بن سليمان فى حديثه قالتا- والله لا تحركنا دابة بعد قول رسول الله ﷺ هذه ثم ظهور الحصر. وقال يزيد بعد أن سمعنا ذلك من رسول الله ﷺ (تخريجه) أوررده الهيثمى وقال رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قد قال "فكنَّ كلهن يحججن الا زينب وسودة" والبزار وقال "انما هى هذه الحجة ثم ظهور الحصر" وفيه صالح مولى التوأمة. ولكنه من رواية ابن أبى ذئب عنه، وابن أبى ذئب سمع منه قبل اختلاطه وهو حديث صحيح اهـ.(١٩) عن واقد بن أبى واقد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سعيد بن منصور ثنا عبد العزيز بن محمد عن زيد بن أسلم عن واقد بن أبى واقد- الحديث" (غريبه)(٢) يعنى حجة الوداع كما تقدم فى حديث أبى هريرة "وقوله هذه" أى هذه الحجة هى الواجبة عليكن ثم الزمن ظهور الحصر يعنى البيوت، لأنه لا يجب عليكن حج بعدها (تخريجه) (د. هق) وسنده جيد(٢٠) عن عائشة بنت طلحة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس قال ثنا عبد الواحد عن حبيب بن أبى عمرة قال حدثتنا عائشة بنت طحة أن عائشة أم المؤمنين- الحديث" (غريبه)(٣) أى نبذل المقدور فى القتال، لأن معنى الجهاد بذل النفس فى القتال(٤) هكذا رواية الأمام أحمد (لك) بكاف الخطاب المكسورةстр. 2951
-[حجة القائلين بجواز الحج للمرأة تطوعا]-
وأجمله، الحجُّ حجٌّ مبرورٌ، فقالت عائشة فلا أدع الحجَّ أبدًا بعد أن سمعت هذا من رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم
(٢١) عن عمران بن حطَّان السَّدوسىِّ عن عائشة رضى الله عنها أنّها سألت النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فقالت يا رسول الله أعلى النِّساء جهادٌ؟ قال الحجُّ والعمرة هو جهاد النِّساء الحواشي
(٢١) عن عمران بن حطان (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سليمان ابن داود قال ثنا حميد بن مهران عن محمد بن سيرين عن عمران بن حطان- الحديث" (غريبه)(١) أى لأنهما يشبهان الجهاد فى السفر والخروج من البلاد والتعب، أما مقاتلة الأعداء فلا تقوى عليها المرأة (تخريجه) أورده صاحب المنتقى وقال رواه أحمد وابن ماجه وسنده صحيح (زوائد الباب) (عن أبى أمامة) رضى الله عنه قال قام رسول الله ﷺ فى الناس فقال إن الله كتب عليكم الحج، فقام رجل من الأعراب، فقال أفى كل عام؟ فعلق كلام رسول الله ﷺ وغضب ومكث طويلا ثم مكث فقال من هذا السائل؟ فقال الأعرابى أنا يا رسول الله، فقال ويحك يؤمنك أن أقول نعم، والله لو قلت نعم لوجبت لو أن أحللت لكم جميع ما فى الأرض من شاء وحرمت عليكمстр. 2952
-[زوائد الباب - وحجج القائلين بوجوب الحج على الفور]-
__
الحواشي
(١) مثل خف بعير لوقعتم، فأنزل الله عند ذلك ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم- الآية﴾ (طب) واسناده حسن جيد (وعن ابن مسعود) رضى الله عنه قال أمرتم بأقامة أربع. اقامة الصلاة. وايتاء الزكاة. وأقيموا الحج والعمرة الى البيت. والحج الحج الأكبر، والعمرة الحج الأصغر (طب) ورجاله ثقات، أوردهما الهيثمى (الأحكام) أحاديث الباب تدل على وجوب الحج وجوا عينيًا على كل مسلم مكلف مستطيع وذلك باجماع المسلمين، وتظاهرت على ذلك دلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، والأصل فى ذلك قول الله ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ هذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل بل هى قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث الصحيحة المتعددة بأنه أحد أركان الأسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك اجماعا ضروريا؛ وإنما يجب على المكلف فى العمر مرة واحدة بالنص والأجماع، وقد جاء ذلك صريحًا فى حديث ابن عباس الثانى من أحاديث الباب أن الأقرع بن حابس سأل رسول الله ﷺ الحج كل عام؟ فقال لا- بل حجة واحدة فمن حج بعد ذلك فهو تطوع- الحديث" وفى حديث أبى هريرة الأخير من أحاديث الباب أن رسول الله ﷺ قال لنسائه عام حجة الوداع هذه ثم ظهور الحصر وغير ذلك كثير فى أحاديث الباب (وقد اختلف العلماء) هل الحج واجب على الفور أم على التراخى؟ (فذهب جماعة) إلى أنه واجب على الفور لما جاء فى حديث ابن عباس أو الفضل أو أحدهما عن صاحبه قال قال رسول الله ﷺ "من أراد أن يحج فليتعجل- الحديث" وللأمام أحمد أيضا وأبى داود حديث آخر عن ابن عباس وحده عن النبى ﷺ قال تعجلوا الى الحج يعنى الفريضة فان أحدكم لا يدرى ما يعرض له، والى القول بالفور ذهب الأئمة (أبو حنيفة وأبو يوسف ومالك وأحمد) والمزنى من أصحاب الشافعى ومن أهل البيت زيد بن على والهادى والمؤيد بالله والناصر، واحتج لهم بقوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ وهذا أمر والأمر يقتضى الفور، وبحديث ابن عباس السابق "من أراد أن يحج فليتعجل" وبما رواه سعيد بن منصور فى سننه عن عبد الرحمن بن سابط قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يحج حجة الأسلام لم يمنعه مرض حابس أو سلطان جائر أو حاجة ظاهرة فليمت على أى حال شاء يهوديا أو نصرانيا، ولأن وجوبه على التراخى يخرجه عن رتبة الواجبات لأنه يؤخر الى غاية، ولا يأثم بالموت قبل فعله لكون الشارع رخص له فى تأخيره، وليس على الموت أمارة يقدر بعدها على فعله (وذهب الائمة الشافعى والأوزاعى والثورى) ومحمد بن الحسن ونقله الماوردى عن ابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس إلى أنه واجب على التراخيстр. 2953
-[حجج القائلين بوجوب الحج على التراخى - وعدد من حج مع النبى ﷺ ]-
__
الحواشي
(١) (قال النووي) واحتج الشافعى والأصحاب بأن فريضة الحج نزلت بعد الهجرة وفتح رسول الله ﷺ مكة فى رمضان سنة ثمان. وانصرف عنها فى شوال من سنته. واستخلف عتاب بن أسيد فأقام للناس الحج سنة ثمان بأمر رسول الله ﷺ ، وكان رسول الله ﷺ مقيما بالمدينة هو وأزواجه وعامة أصحابه، ثم غزا غزوة تبوك فى سنة تسع وانصرف عنها قبل الحج فبعث أبا بكر رضى الله عنه فأقام للناس الحج سنة تسع ورسول الله ﷺ هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على الحج غير مشتغلين بقتال ولا غيره، ثم حج النبى ﷺ بأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر، فدل على جواز تأخيره، هذا دليل الشافعى وجمهور الأصحاب (قال البيهقى) وهذا الذى ذكره الشافعى مأخوذ من الأخبار "قال "فأما نزول فرض الحج بعد الهجرة فكما قال، واستدل أصحابنا له بحديث كعب بن عجرة قال وقف علىّ رسول الله ﷺ بالحديبية ورأسى يتهافت قملا، فقال يؤذيك هو امُّك؟ قلت نعم يا رسول الله، فقال قد أذاك هو امُّ رأسك؟ قلت نعم، قال فاحلق رأسك، قال ففىَّ نزلت هذه الآية ﴿فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية الخ﴾ رواه البخارى ومسلم (قال أصحابنا) فثبت بهذا الحديث أن قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله فأن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه الخ﴾ نزلت سنة ست من الهجرة، وهذه الآية دالة على وجوب الحج، ونزل بعدها قوله تعالى ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ وقد أجمع المسلمون على أن الحديبية كانت سنة ست من الهجرة فى ذى القعدة، وثبت بالأحاديث الصحيحة واتفاق العلماء أن النبى ﷺ غزا حنينا بعد فتح مكة وقسم غنائمها واعتمر من سنته فى ذى القعده، وكان احرامه بالعمرة من الجعرَّانة، ولم يكن بقى بينه وبين الحج إلا أيامًا يسيرة، فلو كان على الفور لم يرجع من مكة حتى يحج مع أنه هو وأصحابه كانوا حينئذ موسرين، فقد غنموا الغنائم الكثيرة ولا عذر لهم ولا قتال ولا شغل آخر، وإنما أخره ﷺ عن سنة ثمان بيانا لجواز التأخير وليتكامل الأسلام والمسلمون فيحج بهم حجة الوداع ويحضرها الخلق فيبلّغوا عنه المناسك، ولهذا قال فى حجة الوداع "ليبلّغ الشاهد منكم الغائب ولتأخذوا عنى مناسككم" ونزل فيه قوله تعالى ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ قال أبو زرعة الرازى فيما روينا عنه حضر مع رسول الله ﷺ حجة الوداع مائة ألف وأربعة عشر ألفا كلهم رآه وسمع منه، فهذا قول الأمام أبي زرعة الذى لم يحفظ أحد من حديث رسول الله ﷺ كحفظه ولا ما يقاربه (قال النووى) واحتج أصحابنا أيضًا بحديث أنس فذكره وهو حديث ضمام بن ثعلبة وتقدم بطوله رقم ١٠ صحيفة ٦٦ فى باب من وفد على النبى ﷺ من كتاب الأيمان في الجزءстр. 2954
-[حجج القائلين بوجوب الحج على التراخى وردُّ حجج المخالفين]-
__
الحواشي
(١) الأول وفيه "وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع اليه سبيلا- قال صدق" (قال النووى) رواه مسلم فى صحيحه فى أول كتاب الأيمان، وروى البخارى أصله، وفى رواية البخارى أن هذا الرجل ضمام بن ثعلبة (قلت وكذلك فى رواية الأمام أحمد) قال وقدوم ضمام بن ثعلبة على النبى ﷺ كان سنة خمس من الهجرة، قاله محمد بن حبيب وآخرون، وقال غيره سنة سبع. وقال أبو عبيد سنة تسع، وقد صرح فى هذا الحديث بوجوب الحج (قال واحتج أصحابنا) أيضا بالأحاديث الصحيحة المستفيضة أن رسول الله ﷺ أمر فى حجة الوداع من لم يكن معه هدى أن يفسخ الأحرام بالحج ويجعله عمرة وهذا صريح فى جواز تأخير الحج مع التمكن (واحتج أصحابنا أيضا) بأنه إذا أخره من سنة الى سنة أو أكثر وفعله يسمى مؤديا للحج لا قاضيا بأجماع المسلمين؛ هكذا نقل الأجماع فيه القاضى أبو الطيب وغيره، ونقل الاتفاق عليه أيضا القاضى حسين وآخرون، ولو حرم التأخير لكان قضاء لا أداء (قال) وأما الجواب عن احتجاج الحنفية بالآية الكريمة وأن الأمر يقتضى الفور فمن وجهين (أحدهما) أن أكثر أصحابنا قالوا إن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا يقتضى الفور بل هو على التراخى، وهذا الذى ذكرته من أن أكثر أصحابنا عليه هو المعروف فى كتبهم فى الأصول، ونقله القاضى أبو الطيب فى تعليقه فى هذه المسألة عن أكثر أصحابنا (والثانى) أنه يقتضى الفور وهنا قرينة، ودليل يصرفه إلى التراخى وهو ما قدمناه من فعل رسول الله ﷺ وأكثر أصحابه (وأما الحديث) "من أراد الحج فليتعجل" فجوابه من أوجه (أحدها) أنه ضعيف (قلت) هذا بالنسبة لرواية أبى داود لأن فى سندها مهران أبا صفوان وفيه مقال، لكن رواه الأمام أحمد من غير هذا الطريق بسند جيد (قال) (والثانى) أنه حجة لنا، لأنه فوض فعله إلى ارادته واختياره، ولو كان على الفور لم يفوض تعجيله الى اختياره (والثالث) أنه ندب جمعا بين الروايتين (قلت وهذا أوجه الأجوبة) قال وأما الجواب عن حديث فليمت إن شاء يهوديا، فمن أوجه * (أحدها) * أنه ضعيف * (والثانى) * أن الذم لمن أخره إلى الموت ونحن نوافق على تحريم تأخيره إلى الموت، والذى نقول بجوازه هو التأخير بحيث يفعل قبل الموت * (الثالث) * أنه محمول على من تركه معتقدًا عدم وجوبه مع الاستطاعة، فهذا كافر، ويؤيد هذا التأويل أنه قال فليمت ان شاء يهوديا أو نصرانيا؛ وظاهره أنه يموت كافرا ولا يكون ذلك إلا إذا اعتقد عدم وجوبه مع الاستدامة، وإلا فقد أجمعت الأمة على أن من تمكن من الحج فلم يحج ومات لا يحكم بكفره بل هو عاص. فوجب تأويل الحديث لو صح والله أعلم اهـ ج * (قلت) * الظاهر ما ذهب اليه الشافعية ومن وافقهم لقوة أدلتهمстр. 2955
-[الجمع بين حديث منع النساء من الحج بعد الفريضة - وبين حديث عائشة المبيح لذلك]-
__
الحواشي
(١) وهذا لا ينافي أن الأحوط والأفضل التعجيل للمستطيع بقدر الأمكان، لأن الأجل غير معلوم (وقد استدل بحديثى أبى هريرة وأبى واقد) المذكورين فى الباب على عدم جواز الحج لأزواج النبى ﷺ بعد حجة الوداع لقوله ﷺ لهن إذ ذاك "هذه ثم لزوم الحصر" أى عليكن لزوم البيت ولا يجب عليكن الحج مرة أخرى بعد هذه الحجة، ففهم بعض الصحابة من ذلك المنع مطلقا، ولذلك منع عمر ﵁ فى أول خلافته أزواج النبى ﷺ الحج والعمرة كما روى ابن سعد من طريق أم درة عن عائشة رضى الله عنها قالت منعنا عمر الحج والعمرة حتى إذا كان آخر عام أذن لنا، وإلى ذلك ذهبت زينب بنت جحش وسودة بنت زمعة من أزواج النبى ﷺ فقالتا "والله لا تحركنا دابة بعد أن سمعنا ذلك من النبى ﷺ ، ولكن يعارضهما حديث عائشة المذكور بعدهما فى الباب بلفظ "قلت للنبى ﷺ ألا نجاهد معك؟ فقال رسول الله ﷺ لك أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور، فقالت عائشة فلا أدع الحج أبدا بعد أن سمعت هذا من رسول الله ﷺ " رواه أيضا البخارى، ولفظ الاسماعيلى "لو جاهدنا معك، قال لا جهاد- ولكن حج مبرور" وأجيب عن هذا من وجهين (الوجه الأول) أن حديثى أبى هريرة وأبى واقد ليسا صريحين فى المنع فلا يترك بهما المتيقن وهو الجواز المستفاد من حديث عائشة، أما قوله ﷺ "لا جهاد ولكن حج مبرور" فى جواب قولهن "ألا تخرج فنجاهد معك" كما فى لفظ الاسماعيلى فالمراد به أن ذلك ليس بواجب عليكن كما وجب على الرجال ولم يرد بذلك تحريمه عليهن، فقد ثبت فى حديث أم عطية أنهن كن يخرجن فيداوين الجرحى وفهمت عائشة ومن وافقها من هذا الترغيب فى الحج إباحة تكريره لهن كما أبيح للرجال تكرير الجهاد وخص به عموم قوله ﷺ "هذه ثم ظهور الحصر" وقوله تعالى ﴿وقرن فى بيوتكن﴾ وكأن عمر ﵁ كان متوقفا فى ذلك ثم ظهر له قوة دليلها فأذن لهن فى آخر خلافته ثم كان عثمان بعده يحج بهن فى خلافته أيضا كما سيجاء (وقال البيهقى) فى حديث عائشة هذا دليل على أن المراد بحديث أبى واقد وجوب الحج مرة واحدة كالرجال لا المنع من الزيادة (وفيه دليل) على أن الأمر بالقرار فى البيوت ليس على سبيل الوجوب اهـ (الوجه الثانى) أن المراد بحديثى أبى هريرة وأبى واقد جواز الترك لا النهى عن الحج لهن بعد حجة الوداع، فقد ثبت حجهن بعد النبى ﷺ لما أخرج البخارى من طريق ابراهيم عن أبيه عن جده أذن عمر رضى الله عنه لأزواج النبى ﷺ فى آخر حجة حجها، فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن (وروى ابن سعد) فى الطبقات بأسناد صححه الحافظ من طريق أبى اسحاق السبيعى، قال رأيت نساء النبى ﷺ حججن فى هوادج عليها الطيالسةстр. 2956
-[حج عثمان بنساء النبى ﷺ فى خلافته - وحجهن أيضا فى خلافة معاوية]-
(٣) باب وجوب الحج على الشيخ الكبير والزمن (*)
(إذا أمكنهما الاستنابة - وجوازه عن الميت إذا كان قد وجب عليه)
(٢٢) عن الفضل بن عبَّاسٍ ﵄ قال أتت امرأةٌ من خثعم فقالت يا رسول الله إنَّ أبى أدركته فريضة الله فى الحجِّ وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أن يثبت على دابَّته قال فحجِّي عن أبيك الحواشي
(٢٢) عن الفضل بن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهرى عن سليمان بن يسار عن ابن عباس حدثنى الفضل بن عباس قال أتت امرأة- الحديث" (غريبه)(١) لم أقف على اسم هذه المرأة وخثعم بالخاء المعجمة المفتوحة فمثلثة ساكنة فعين مهملة غير منصرف للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث لكونه اسم قبيلة معروفة(٢) أى لضعفه من الكبر، زاد البخارى ومسلم أفأحج عنه، وفى رواية لمسلم بدون هذه الزيادة كرواية الأمام أحمد، وللأمام أحمد رواية أخرى بهذه الزيادة عن ابن عباس عن النبى ﷺ بدون واسطة الفضل أن امرأة من خثعم سألت رسول الله ﷺ غداة جمع والفضل بن عباس ردفه فقالت إن فريضة الله فى الحج على عباده أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يستمسك على الرحل، فهل ترى أن أحج عنه؟ قال نعم (تخريجه) (ق. والثلاثة) ولفظ البخارى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال كان الفضل رديف النبى ﷺ فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر اليها وتنظر اليه فجعل النبى ﷺ يصرف وجه الفضل الى الشق الآخر فقالت ان فريضة الله أدركت أبي شيخا الخ
_________
(*) الزمن بكسر الميم من باب تعب هو المريض الذى أصيب بمرض طويل يمنعه من تحمل مشقة السفرстр. 2957
-[دليل وجوب الحج على الكبير الذى لا يثبت على الراحلة إذا أمكنه الاستنابة]-
(٢٣) عن سليمان بن يسارٍ عن عبد الله بن عبَّاسٍ أو عن الفضل بن عبَّاسٍ ﵃ أنَّ رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ فقال يا رسول الله إنَّ أبى أدركه الإسلام وهو شيخٌ كبيرٌ لا يثبت على راحلته أفأحجُّ عنه قال أرأيت لو كان عليه دينٌ فقضيته عنه أكان يجزيه، قال نعم قال فاحجج عن أبيك الحواشي
(٢٣) عن سليمان بن يسار (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ثنا يحيى بن اسحاق عن سليمان بن يسار- الحديث" (غريبه)(١) هكذا فى هذه الرواية "أن رجلا سأل" وفى الحديث السابق أن السائل امرأة ولم يذكر فى هذه الرواية التصريح باسم الرجل، وقد جاء التصريح باسمه فى رواية ابن ماجه ولفظه عن ابن عباس عن حصين بن عوف الخثعمى قال قلت يا رسول الله إن أبى أدركه الحج- الحديث" وله رواية أخرى عن أبى الغوث بن حصين الخثعمى أنه استفتى النبى ﷺ عن حجة كانت على أبيه وقوَّى الحافظ إسناد الرواية الأولى، وقد جاء هذا الحديث بروايات متعددة وألفاظ مختلفة عند غير الأمام أحمد أيضا، ففى بعضها أن السائل رجل وأنه سأل عن أبيه. وفى بعضها أن قال إن أمى عجوز كبيرة (وفى رواية) إنى أبى أو أمى، وفى أخرى أن امرأة سألت عن أمها (قال الحافظ) اتفقت الروايات كلها عن ابن شهاب على أن السائلة امرأة وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبى اسحاق عن سليمان فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل اهـ ورجح الحافظ رواية ابن شهاب لقوة سندها، وقد جمع بعض العلماء بين هذه الروايات بتعدد الواقعة، لكن قال الحافظ الذى يظهر لى من مجموع هذه الطرق أن السائل رجل وكانت ابنته معه، فسألت أيضا- والمسئول عنه أبو الرجل وأمه جميعا، ويقرب ذلك ما رواه أبو يعلى باسناد قوة من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس عن الفضل بن عباس "قال كنت ردف النبى ﷺ وأعرابى معه بنت له حسناء، فجعل الأعرابى يعرضها لرسول الله ﷺ رجاء أن يتزوجها وجعلت التفت اليها ويأخذ النبى ﷺ برأسى فيلويه، فكان يلبى حتى رمى جمرة العقبة" فعلى هذا فقول الشابة إن أبى لعلها أرادت به جدها لأن أباها كان معها وكأنه أمرها أن تسأل النبى ﷺ ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم يرضها سأل أبوها عن أبيه، ولا مانع أن يسأل ايضا عن أمه؛ وتحصل من هذه الروايات ان اسم الرجل حصين بن عوف الخثعمى، وأما ما وقع فى الرواية الأخرى أنه ابو الغوث بن حصين فان اسنادها ضعيف، ولعله كان فيه عن ابى الغوث حصين فزيد فى الرواية ابن أو أن أبا الغوثстр. 2958
-[تقديم أكبر الأولاد فى الحج عن أحد والديه الذى لا يقوى على السفر لضعفه من الكبر]-
(وعنه من طريقٍ ثانٍ) حدَّثنا الفضل قال كنت رديف النَّبيِّ ﷺ فسأله رجلٌ فقال إنَّ أبى أو أمِّى شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع الحجَّ - فذكر الحديث
(٢٤) عن عبد الله بن الزُّبير ﵄ قال جاء رجلٌ من خثعم إلى رسول الله ﷺ فقال إن أبى أدركه الإسلام وهو شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع ركوب الرَّحل والحجُّ مكتوبٌ عليه، أفأحجُّ عنه؟ قال أنت أكبر ولده؟ قال نعم، قال أرأيت لو كان على أبيك دينٌ فقضيته عنه أكان ذلك يجزئ عنه؟ قال نعم قال فاحجج عنه
(٢٥) وعن سودة بنت زمعة رضى الله عنها عن النَّبيِّ ﷺ نحوه وفي الحواشي
(١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ابى ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن يحيى بن ابى اسحاق قال سمعت سليمان بن يسار حدثنا الفضل الخ(٢) اى راكبا خلفه وأردفته الا أركبته خلفى (تخريجه) (نس. هق. طب) وسنده جيد، وأخرجه ايضا ابن خزيمة عن الحسن مرسلا، ورواه ابن ماجه من حديث حصين بن عوف الخثعمى كما تقدم(٢٤) عن عبد الله بن الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا جرير عن منصور عن مجاهد عن يوسف بن الزبير عن عبد الله بن الزبير- الحديث" (غريبه)(٣) استدل به على أن المشروع أن يتولى الحج عن الأب العاجز أكبر أولاده(٤) فيه مشروعية القياس وضرب المثل ليكون أوضح وأوقع فى نفس السامع وأقرب إلى سرعة فهمه، وفيه تشبيه ما اختلف فيه وأشكل بما اتفق عليه، وفيه أن يستحب التنبيه على وجه الدليل لمصلحة (تخريجه) (نس. هق) وقال الحافظ إن اسناده صالح(٢٥) عن سودة بنت زمعة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد العزيز بن عبد الصمد العمّى أبو عبد الصمد ثنا منصور عن مجاهد عن مولى لابن الزبير يقال له يوسف بن الزبير بن يوسف عن ابن الزبير عن سودة بنت زمعة، قالت جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال إن أبى شيخ كبير لا يستطيع أن يحج، قال أريتك لو كان على أبيك دين فقضيته عنه قبل منك؟ قال نعم، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم فالله أرحم، حج عن أبيكстр. 2959
-[جواز حج الولد مطلقا عن أحد والديه إذا مات بعد أن وجب عليه الحج]-
آخره قالت قال رسول الله ﷺ فالله أرحم حجَّ عن أبيك
(٢٦) عن بريدة الأسلمىِّ رضى الله عنه أنَّ امرأةً أتت النَّبيَّ ﷺ فقالت إنَّ أمِّي قد ماتت ولم تحجَّ فيجزئها أن أحجَّ عنها؟ قال نعم، قالت فإنَّ أمِّى كان عليها صوم شهرٍ فيجزئها أن أصوم عنها؟ قال نعم الحواشي
(٢٦) عن بريدة الأسلمى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا اسحاق بن يوسف عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عبد الله بن عطاء المكى عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن امرأة أتت النبى ﷺ فقالت يا رسول الله إنى تصدقت على أمى بجارية فماتت وإنها رجعت إلى فى الميراث، قال قد آجرك الله ورد عليك فى الميراث، قالت فان أمى ماتت ولم تحج- الحديث" ذكر بتمامه فى باب نهى المتصدق عن مشترى ما تصدق به رقم ١٨٢ صحيفة ١٣٢ من كتاب الزكاة فى الجزء التاسع (تخريجه) (م. والأربعة) (زوائد الباب) (عن أبى رزين) رجل من بنى عامر أنه قال يا رسول الله إن أبى شيخ كبير لا يستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال احجج عن أبيك واعتمر (د. هق. خز) وسنده جيد- الظعن بفتحتين أو سكون الثاني، ومعناه الارتحال. أى لا يقوى على السير ولا على الركوب من كبر السن (وعن أنس بن مالك ﵁ قال جاء رجل إلى النبى ﷺ فقال إن أبى مات ولم يحج حجة الأسلام، فقال رسول الله ﷺ أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت تقضيه عنه؟ قال نعم، قال فانه دين عليه فاقضه (بز. طب. طس) وإسناده حسن (وعن عقبة بن عامر) رضى الله عنه أن امرأة جاءت إلى النبى ﷺ فقالت يا رسول الله أحج عن أمى وقد ماتت؟ قال أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أليس كان مقبولا منك؟ قالت بلى. فأمرها أن تحج عنها؛ وجاءت امرأة فقالت أحج بابنى وهو مرضع أو صغير؟ قال نعم (طب. طس) وفيه شريك أبو حاتم وثقه أبو زرعة وابن معين فى رواية وضعفه النسائى وابن معين فى رواية (وعن زيد بن أرقم) رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من حج عن أبيه أو عن أمه أجزأ ذلك عنه وعنهما (طب) وفيه راو لم يسم (وعن أبى هريرة) قال قال رسول الله ﷺ من حج عن ميت فللذى حج عنه مثل أجره، ومن فطَّر صائما فله مثل أجره، ومن دعا الى خير فله مثل أجر فاعله (طس) وفيه على بن زيد بن بهرام (قال الهيثمى) ولم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات، أورد هذه الأحاديثстр. 2960
-[مذاهب الأئمة فى الحج عن الضعيف والميت الذى لا يقوى على السفر]-
__
الحواشي
(١) الحافظ الهيثمي عدا الحديث الأول وتكلم عليها جرحا وتعديلا (الأحكام) احاديث الباب تدل على انه يجوز الحج من الولد عن والده إذا كان غير قادر على الحج لكبر سنه وضعفه وعدم تحمل مشاق السفر أو كان قد مات ولم يحج حجة الأسلام فللولد أن يحج عن أبيه وإن لم يوص الوالد بذلك، والمراد بالولد هنا الجنس سواء أكان ذكرا أم أنثى (وذهب بعض أهل العلم) الى عدم جواز حج المرأة عن الرجل، قالوا لأن المرأة تلبس فى الأحرام ما لا يلبسه الرجل فلا يحج عنه إلا رجل مثله، وقول النبى ﷺ للخثعمية فى أحاديث الباب حجى عن أبيك يردّ هذا القول، (وذهب جماعة) الى أن هذه القصة مختصة بالخثعمية كما اختص سالم مولى أبى حذيفة بجواز إرضاع الكبير، حكاه ابن عبد البر، وتعقب بأن الأصل عدم الخصوص، وأما ما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بأسنادين مرسلين فى هذا الحديث فزاد حجى عنه وليس لأحد بعده، فلا حجة فى ذلك لضعف اسنادهما مع الأرسال (وذهب جماعة) إلى أن ذلك خاص بالابن ولا يصح من غيره، والظاهر عدم اختصاص ذلك بالابن لحديث ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى ﷺ سمع رجلا يقول لبيك عن شبرمة قال من شبرمة؟ قال أخ لى أو قريب لى، قال حججت عن نفسك؟ قال لا، قال حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة، رواه أبو داود وابن ماجه، وقال فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة، ورواه الدارقطنى أيضا وفيه قال هذه عنك وحج عن شبرمة، وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه، والبيهقى وقال اسناده صحيح اهـ (وقال الخطابى) فى الكلام على حديث الخثعمية (فيه) بيان جواز حج الأنسان عن غيره حيا وميتا، وأنه ليس كالصلاة والصيام وسائر الأعمال البدنية التى لا تجزاء فيها النيابة (والى هذا ذهب الشافعى) وكان مالك لا يرى ذلك وقال لا يجزئه ان فعل، وهو الذى روى حديث ابن عباس، وكان يقول فى الحج عن الميت إن لم يوص به الميت- إن تصدق عنه وأعتق أحب إلى من أن يحج عنه، (وكان ابراهيم النخعى وابن أبى ذئب) يقولان لا يحج أحد عن أحد والحديث حجة على جماعتهم، قال وفيه دلالة على أن فرض الحج يلزم من استفاد مالا فى حال كبره وزمانته إذا كان قادرا به على أن يأمر غيره فيحج عنه كما لو قدر على ذلك بنفسه، وقد يتأول بعضهم قولها "ان فريضة الله أدركت أبى شيخا" فقال معناه أنه أسلم وهو شيخ كبير، وحكى عن (مالك وعن أبى حنيفة) أنهما قالا الزّمن لا يلزمه فرض الحج إلا أن أبا حنيفة قال إن لزمه الفرض فى حال الصحة ثم زمن لم يسقط عنه بالزمانة (وقال مالك) يسقط، واستدل الشافعى بخبر الخثعمية على وجوب الحج على المعضوب الزمن إذا وجد من يبذل له طاعته من ولده وولد ولده، ووجه ما استدل به من هذا الحديث أنها ذكرت وجوب فرض الحجстр. 2961
-[ما يستفاد من حديث الخثعمية - ومذاهب الأئمة فى الحج عن الحى والميت]-
__
الحواشي
(١) على أبيها حال الزمانة وهو قولها "إن فريضة الله على عباده أدركت ابى شيخا كبيرا لا يستطيع ان يستمسك على الراحلة" ولا بد من تعلق وجوبه بأحد أمور، إما بمال أو بقوة بدن أو وجود طاعة من ذى قوة. وقد علمنا عجزه ببدنه ولم يجر للمال ذكر، وإنما جرى الذكر لطاعتها وبذلها نفسها عنه، فدل عل أن الوجوب تعلق به. ومعلوم فى اللسان أن يقال فلان مستطيع لأن يبنى داره إذا كان يجد من يطيعه فى ابتنائها كما إذا وجد ما لا ينفقه فى بنائها وكما لو قدر عليه بنفسه انتهى كلام الخطابى رحمه الله تعالى (وقد اختلفوا) فيما إذا عوفى المعضوب. (فقال الجمهور) لا يجزئه لأنه تبين أنه لم يكن مأيوسا منه (وقال الأمامان أحمد واسحاق) لا تلزمه الأعادة لئلا تفضى الى إيجاب حجتين (وأجيب) بأن العبرة بالانتهاء وقد انكشف أن الحجة الأولى غير مجزئة (وقد ذكر النووى) ﵀ لأحاديث الباب فوائد (منها) جواز الأرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وجواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة فى الاستفتاء والمعاملة وغير ذلك (ومنها) تحريم النظر الى الأجنبية (ومنها) إزالة المنكر باليد لمن أمكنه (ومنها) جواز حج المرأة عن الرجل (ومنها) بر الوالدين بالقيام بمصالحهما من قضاء دين وخدمة ونفقة وحج وغير ذلك (ومنها) وجوب الحج على من هو عاجز بنفسه مستطيع بغيره كولده، وهذا مذهبنا لأنها قالت أدركته فريضة الحج شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة (ومنها) جواز قول حجة الوداع وأنه لا يكره ذلك (ومنها) جواز حج المرأة بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهبنا (ومذهب الجمهور) جواز الحج عن العاجز بموت أو عضب وهو الزمانة والهرم ونحوهما (وقال مالك والليث والحسن بن صالح) لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الأسلام (قال القاضى) (وحكى عن النخعى وبعض السلف) لا يصح الحج عن ميت ولا غيره وهى رواية عن مالك وإن أوصى به (وقال الشافعى والجمهور) يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أم لا ويجزاء عنه (ومذهب الشافعى) وغيره أن ذلك واجب فى تركته، وعندنا يجوز للعاجز الاستنابة فى حج التطوع على أصح القولين، واتفق العلماء على جواز حج المرأة عن الرجل الا الحسن بن صالح فمنعه، وكذا يمنعه من منع أصل الاستنابة مطلقا والله أعلم اهـ (قلت) وفى حديث بريدة الأخير من أحاديث الباب دلالة على أنه يجزاء عن الميت صيام وليه عنه إذا مات وعليه صوم واجب وإن لم يوص بذلك، وتقدم الكلام على ذلك مستوفى فى أحكام باب وصول ثواب القرب المهداة الى الميت صحيفة ١٠١ من كتاب الجنائز فى الجزء الثامن والله الموفقстр. 2962
-[حجة القائلين بجواز حج الصغير والأثابة عليه]-
(٤) باب ما جاء فى صحة حج الصبى والعبد من غير إيجاب له عليهما
(٢٧) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما قال كان النَّبىُّ ﷺ بالرَّوحاء فلقى ركبًا فسلَّم عليهم فقال من القوم؟ قالوا المسلمون، قالوا فمن أنتم؟ قال رسول الله ﷺ ففزعت امرأةٌ فأخذت بعضد صبىٍّ فأخرجته من محفَّتها فقالت يا رسول الله هل لهذا حجٌّ؟ قال نعم ولك أجرٌ الحواشي
(٢٧) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان عن ابراهيم عن عقبة عن كريب عن ابن عباس- الحديث" (غريبه)(١) الروحاء مكان على ستة وثلاثين ميلا من المدينة "وقوله فلقى ركبا" قال القاضى عياض يحتمل أن هذا اللقاء كان ليلا فلم يعرفوه ﷺ ، ويحتمل كونه نهارا لكنهم لم يروه ﷺ قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا فى بلدانهم ولم يهاجروا قبل ذلك اهـ. وكان ذلك اللقاء حين رجوعه ﷺ من مكة إلى المدينة بعد الحج، ففى رواية النسائى عن ابن عباس قال صدر رسول الله ﷺ ، فلما كان بالروحاء- الحديث" وفى زاد المعاد للحافظ ابن القيم "ثم ارتحل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، فلما كان بالروحاء لقى ركبا الخ" (والركب) بفتح الراء وسكون الكاف جمع راكب وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الأبل فى السفر دون بقية الدواب ثم اتسع فيه فأطلق على كل من ركب دابة(٢) معناه أن النبى ﷺ قال مستفهما من القوم؟ فقال القوم نحن المسلمون، ثم قالوا لرسول الله ﷺ ومن معه فمن أنتم؟ فقال النبى ﷺ أنا رسول الله ﷺ ، فلفظ رسول الله ﷺ خبر لمبتدأ محذوف(٣) أى خافت فوت الجواب وبادرت فأخذت بعضد صبى أى بساعده وهو من المرفق إلى الكتف(٤) بكسر الميم وتشديد الفاء، مركب من مراكب النساء كالهودج إلا أنها ليس لها قبة كقبة الهودج(٥) قال الخطابى إنما كان له الحج من ناحية الفضيلة دون أن يكون محسوبا عن فرضه لو بقى حتى بلغ ويدرك مدرك الرجل؛ وهذا كالصلاة يؤمر بها إذا أطاقها وهى غير واجبة عليه وجوب فرض، ولكن يكتب له أجرها تفضلا من الله ؛ ويكتب لمن يأمره بها ويرشده اليها أحر، فاذا كان له حج فقد علم أن من سننه أن يوقف به فى المواقف ويطاف به حول البيت محمولا إن لم يطق المشى، وكذلك السعى بين الصفا والمروة ونحوها من أعمال الحج، وفى معناه المجنون إذا كان مأيوسا من إفاقته، وفى ذلك دليل على أن حجه إذا فسد ودخله نقص فان جبرانه واجب عليه كالكبير وإن اصطاد صيدا لزمه الفداء كما يلزم الكبير (تخريجه) (م. د. نس)стр. 2963
-[جواز حج الصبى والرمى عنه - فان بلغ فعليه حجة أخرى]-
(٢٨) عن جابر (بن عبد الله رضى الله عنهما) قال حججنا مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم ومعنا النِّساء والصِّبيان ورمينا عنهم
(٢٩) عن السَّائب بن يزيد رضى الله عنه قال حجَّ بى مع رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم فى حجَّة الوداع وأنا ابن سبع سنين الحواشي
(٢٨) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا ابن نمير ثنا أشعث عن أبى الزبير عن جابر- الحديث" (غريبه)(١) أى نيابة عنهم، وفيه أن من لا يقدر على أداء فعل يجوز أن ينوب عنه رفيقه، وظاهره أن الرمى حصل نيابة عن النساء والصبيان، لكن رواه ابن أبى شيبة وابن ماجه بلفظ حججنا مع رسول الله ﷺ ومعنا النساء والصبيان فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم" وهويفيد أن التلبية والرمى حصل نيابة عن الصبيان لا النساء، وهى تبين أن المراد بقوله فى رواية الأمام أحمد "ورمينا عنهم" يعنى عن الصبيان فقط، ولا مانع من الرمى عن المرأة أيضا إذا عجزت عن ذلك، والله أعلم (تخريجه) (جه. ش) وفى اسناده أشعث بن سوّار، بعضهم وثقه وبعضهم ضعفه والاكثرون على تضعيفه، ورواه الترمذى من هذا الوجه بلفظ آخر قال- كنا إذا حججنا مع رسول الله ﷺ فكنا نلبى عن النساء ونرمى عن الصبيان (قال ابن القطان) ولفظ ابن أبى شيبة أشبه بالصواب، فان المرأة لا يلبى عنها غيرها أجمع على ذلك أهل العلم(٢٩) عن السائب بن يزيد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا قتيبة ابن سعيد ثنا حاتم بن اسماعيل عن محمد يعنى ابن يوسف عن السائب بن يزيد- الحديث" (غريبه)(٢) كذا للأكثر بضم أوله على البناء لما لم يسم فاعله (وقال ابن سعد) عن الواقدى عن حاتم "حجت بى أمى" وللفاكهى من وجه آخر عن محمد بن يوسف عن السائب "حج بى أبى" ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه، أفاده الحافظ (تخريجه) (خ. مذ) ولم يذكر البخارى لفظ حجة الوداع (زوائد الباب) (عن محمد بن كعب القرظى) عن النبى ﷺ قال أيما صبى حج به أهله فمات أجزأت عنه، فان أدرك فعليه الحج، وأيما رجل مملوك حج به أهله فمات أجزأت عنه، فان اعتق فعليه الحج، أورده صاحب المنتقى وقال ذكره أحمد بن حنبل فى رواية ابنه عبد الله هكذا مرسلا اهـ (قلت) لم أقف على هذا الحديث فى المسند ولعله فى كتاب آخر من كتب الأمام أحمد أو ابنه عبد الله لا سيما ولم يعزه صاحب المنتقى الى المسند والله أعلم، وأخرجه أيضا أبو داود فى المراسيل، وفيه راو لمстр. 2964
-[زوائد الباب - ومذاهب العلماء فى حكم حج الصبى]-
__
الحواشي
(١) يسم (وعن ابن عمر) رضى الله عنهما قال كنا نحج بصبياننا فمن استطاع منهم رمى ومن لم يستطع رمى عنه، أورده صاحب المهذب (وعن عبد الله بن أبى يزيد) قال سمعت ابن عباس رضى الله عنهما يقول بعثنى أو قدَّ منى النبى ﷺ فى الثَّقل من جمع بليل، رواه البخارى- الثقل بفتح المثلثة والقاف ويجوز اسكانها أى الأمتعة، ووجه الدلالة منه أن ابن عباس كان دون البلوغ (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أنه يصح حج الصبى ولا يجب عليه، أما عدم وجوبه عن الصبى فمجمع عليه (قال ابن المنذر) أجمع أهل العلم على سقوط فرض الحج عن الصبى وعن المجنون والمعتوه؛ قال وأجمعوا على أن المجنون إذا حج ثم أفاق أو الصبى ثم بلغ أنه لا يجزئهما عن حجة الاسلام، قال وأجمعوا على أن جنايات الصبيان لازمة لهم اهـ. وقد ذهب الى صحة حج الصبى الأئمة (مالك والشافعى وأحمد وداود) وجماهير العلماء من السلف والخلف، وأشار ابن المنذر الى الاجماع فيه (وقال ابن بطال) أجمع أئمة الفتوى على سقوط الفرض عن الصبى حتى يبلغ إلا أنه إذا حج كان له تطوعا عند الجمهور (وقال أبو حنيفة) لا يصح احرامه ولا يلزمه شاء من محظورات الأحرام، وإنما يحج على جهة التدريب، وشذ بعضهم فقال إذا حج الصبى أجزأه ذلك عن حجة الأسلام لظاهر قوله ﷺ (نعم) فى جواب قولها "ألهذا حج" وقال الطحاوى لا حجة فى قوله ﷺ نعم على أنه يجزئه عن حجة الاسلام بل فيه حجة على من زعم أنه لا حج له، قال لأن ابن عباس راوى الحديث قال "أيما غلام حج به أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى" ثم ساقه بأسناد صحيح، وقد أخرج هذا الحديث مرفوعا الحاكم وقال على شرطهما. والبيهقى وابن خزيمة وصححه (وقال ابن خزيمة) الصحيح موقوف وأخرجه كذلك (قال البيهقى) تفرد برفعه محمد بن المنهال، ورواه الثورى عن شعبة موقوفا، ولكنه قد تابع محمد بن المنهال على رفعه الحارث بن شريح أخرجه كذلك الاسماعيلى والخطيب، ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن عباس، قال احفظوا عنى ولا تقولوا قال ابن عباس فذكره وهو ظاهر فى الرفع (وقد أخرج ابن عدى) من حديث جابر بلفظ "لو حج صغير حجة لكان عليه حجة أخرى" ومثل هذا حديث محمد بن كعب المذكور فى الزوائد فيؤخذ من مجموع هذه الأحاديث أنه يصح حج الصبى ولا يجزئه عن حجة الاسلام إذا بلغ، وهذا هو الظاهر فتعين المصير اليه جمعا بين الأدلة (قال القاضى عياض) ﵀ أجمعوا على أنه لا يجزئه أذا بلغ عن فريضة الأسلام إلا فرقة شذت فقالت يجزئه لقوله نعم، وظاهره استقامة كون حج الصبى حجا مطلقا، والحج إذا أطلق تبادر منه اسقاط الواجب، ولكن العلماء ذهبوا الى خلافه محتجين بحديث ابن عباس (يعنيстр. 2965
-[حجة من اعتبر الزاد والراحلة من الاستطاعة]-
(٥) باب اعتبار الزاد والراحلة من الاستطاعة
(وكذلك سلامة الطريق ووجود محرم للمرأة)
(٣٠) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا يحيى عن ابن جريجٍ أنا عطاءٌ قال سمعت ابن عباسٍ قال قال رسول الله ﷺ لامرأةٍ من الأنصار سمَّاها ابن عبَّاسٍ فنسيت اسمها ما منعك أن تحجِّي معنا العام قالت يا نبيَّ الله إنَّما كان لنا ناضحان فركب أبو فلانٍ وابنه لزوجها وابنها ناضحان وترك ناضحًا ننضح عليه؛ فقال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فإذا كان رمضان فاعتمري فيه، فإنَّ عمرةً فيه تعدل حجَّةً الحواشي
(٣٠) حدّثنا عبد الله (غريبه)(١) قال الحافظ القائل نسيت اسمها ابن جريج بخلاف ما يتبادر الى الذهن من أن القائل عطاء وانما قلت ذلك لأن المصنف "يعنى البخارى" أخرج الحديث فى باب حج النساء من طريق حبيب المعلم عن عطاء فسماها ولفظه "لما رجع النبى ﷺ من حجته قال لأم سنان الأنصارية ما منعك من الحج- الحديث" ويحتمل ان عطاء كان ناسيا لاسمها لما حدَّث به ابن جريج وذاكرًا له لما حدث به حبيبا(٢) يعنى عام حجة الوداع لأنه ﷺ لم يحج بعد نزول فرض الحج غيرها(٣) تثنية ناضح بضاد معجمة ثم مهملة اى بعير (قال ابن بطال) الناضح البعير أو الثور أو الحمار الذى يستقى عليه اهـ. لكن المراد به هنا البعير لتصريحه بلفظ البكر فى حديث أبى بكر بن عبد الرحمن الآتى بعد هذا(٤) أى تعنى زوجها وابنها "وقولها ننضح" بكسر الضاد المعجمة(٥) رمضان بالرفع وكان تامة اى فاذا جاء رمضان(٦) قال ابن خزيمة فى هذا الحديث إن الشاء يشبه الشاء ويجعل عدله إذا أشبهه فى بعض المعانى لا جميعها. لأن العمرة لا يقضى بها فرض الحج ولا النذر (تخريجه) (ق. وغيرهما) ومناسبة هذا الحديث للترجمة أن المرأة لم تستطع الحج لعدم تيسر الراحلة، وقد اختلف العماء فى معنى هذا الحديث، فقال بعضهم ان الحجة التى فاتت هذه المرأة كانت تطوعا لأجماع الأمة على ان العمرة لا تجزاء عن حجة الفريضة إذ لا مانع من ان تكون حجت مع ابى بكر رضى الله عنه فى السنة التاسعة. ثم أرادت أن تحجстр. 2966
-[حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
(٣١) عن معقل بن أمِّ معقلٍ عن أمِّ معقلٍ الأسديَّة قال أرادت أمِّى الحجَّ وكان جملها أعجف فذكرت ذلك للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، فقال اعتمرى فى رمضان، فإنَّ عمرةً فى رمضان كحجَّةٍ (وعنه من طريقٍ ثانٍ) عن أبى سلمة بن عبد الرَّحمن عن أمِّ معقلٍ الحواشي
(٣١) عن معقل بن أم معقل (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى بن سعيد عن هشام قال حدثنى يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن معقل بن أم معقل- الحديث" (غريبه)(١) بفتح الهمزة والسين المهملة نسبة الى أسد بن خزيمة ابن مدركه بن الياس بن مضر أبى قبيلة عظيمة من مضر الحمراء، قال فى تاج العروس، وأم معقل هذه غير المرأة المبهمة المتقدمة فى حديث ابن عباس، فان هذه أسدية وتلك أنصارية، وهذه اسمها أم معقل، وتلك اسمها أم سنان، وقد صرح باسمها فى رواية للبخارى ومسلم فهما قصتان وقعتا لامرأتين كما قال الحافظ(٢) العجف الهزال. وبابه طرب فهو أعجف، والأنثى عجفاء. وعجف بالضم لغة، والجمع عجاف بالكسر على غير قياس، والمعنى أن جملها كان ضعيفا مهزولا لا يقدر على السفر؛ والظاهر أن أم معقل كانت أدت الحجة المفروضة وتريد الحج تطوعا، فأخبرها أن عمرة فى رمضان تعدل حجة، فلها أن تعتمر فى رمضان ريثما يقوى جملها أو تجد غيره، والله أعلم(٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنيстр. 2967
-[حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
الأسديَّة أنَّها قالت يا رسول الله إنِّى أريد الحجَّ وجملى أعجف فما تأمرنى؟ قال اعتمرى فى رمضان، فإنَّ عمرةً في رمضان تعدل حجَّةً
(٣٢) عن أبى بكر بن عبد الرَّحمن بن الحارث بن هشامٍ عن امرأةٍ من بنى أسد بن خزيمة يقال لها أمُّ معقلٍ قالت أردت الحجَّ فضلَّ بعيري فسألت رسول الله ﷺ فقال اعتمري في شهر رمضان، فإنَّ عمرةً فى شهر رمضان تعدل حجَّةً (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال كنت فيمن ركب مع مروان حين ركب إلى أمِّ معقلٍ، قال وكنت فيمن دخل عليها من النَّاس معه وسمعتها حين حدَّثت هذا الحديث (وعنه من طريقٍ ثالثٍ) قال أرسل مروان إلى أمِّ معقلٍ الأسديَّة يسألها عن هذا الحديث فحدَّثته أنَّ زوجها الحواشي
(٣٢) عن أبى بكر بن عبد الرحمن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق قال أنا معمر عن الزهرى عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث- الحديث" (غريبه)(١) أى غاب وخفى موضعه وأضللته بالألف فقدته (قال الأزهرى) وأضللت الشاء بالألف إذا ضاع منك فلم تعرف موضعه كالدابة والناقة وما أشبههما، فان أخطأت موضع الشاء قلت ضللته ولا تقل أضللته(٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال ثنا أبى عن ابن اسحاق قال ثنا يحيى بن عباد بن عبد الله ابن الزبير عن الحارث بن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه قال كنت فيمن ركب- الحديث" (غريبه)(٣) يعنى حديثها الآتى(٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا ثنا شعبة عن ابراهيم بن مهاجر عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قال أرسل مروان إلى أم معقل- الحديث" (غريبه)(٥) فى الطريق السابق قال كنت فيمن ركب مع مروان، وفى هذا الطريق قال أرسل مروان إلى أم معقل، فيحتمل أن مروان أرسل إليها أولا ثم ركب إليهاстр. 2968
-[حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
جعل بكرًا لها فى سبيل الله وأنَّها أرادت العمرة فسألت زجها البكر فأبى، فأتت النَّبىِّ ﷺ فذكرت ذلك له فأمره أن يعطيها، وقال النَّبيُّ ﷺ الحجُّ والعمرة من سبيل الله وقال عمرةٌ فى رمضان تعدل حجَّة أو تجزئ حجَّةً، وقال حجَّاجٌ تعدل بحجَّةٍ أو تجزئ بحجَّةٍ (وعنه من طريقٍ رابعٍ) قال أخبرنى رسول مروان الَّذى أرسل إلى أمِّ معقلٍ قال قالت جاء أبو معقلٍ مع النَّبيِّ ﷺ حاجًّا، فلمَّا قدم أبو معقلٍ قال قالت أمُّ معقلٍ قد علمت أنَّ علىَّ حجَّةً وأنَّ عندك بكرًا فأعطنى فلأحجَّ عليه، قال فقال لها إنَّك قد علمت أنِّى قد جعلته في سبيل الله؛ قالت فأعطني صرام
الحواشي
(١) هكذا بالأصل "وأنها أرادت العمرة" ولم أجد من قال ذلك فى طريق من الطرق ولا أصل من الأصول غير هذه الطريق. بل كلهم قالوا الحج بدل العمرة، ولا أدرى هل وقع ذلك تحريفا من الناسخ أو خطأ من بعض الرواة، لا سيما وفى اسناد هذه الطريق ابراهيم بن مهاجر وهو ضعيف لا يحتج بحديثه والله أعلم(٢) فيه أنه جعل الحج من سبيل الله، وعليه فيجوز صرف الزكاة لمن يريد الحج كالمجاهد، وفى ذلك خلاف سيأتى فى الأحكام(٣) (سنده) حدثنى عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان قال ثنا أبو عوانة قال ثنا ابراهيم بن مهاجر عن أبى بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال أخبرنى رسول مروان- الحديث" (غريبه)(٤) فى هذه الطريق "قال أخبرنى رسول مروان" وفى الطريق الثانية "قال كنت فيمن ركب مع مروان حين ركب إلى أم معقل قال وكنت فيمن دخل عليها من الناس وسمعتها حين حدثت هذا الحديث" ولا منافاة بين ذلك لاحتمال أن رسول مروان أدركها قبلهم فحدثهم بما سمع منها ثم لم يكتفوا بحديثه فقابلوها فحدثتهم والله أعلم(٥) يتبادر إلى الذهن من هذا التعبير أن عليها حجة مفروضة أو منذورة وليس كذلك، بل المعنى أنها جعلت على نفسها حجة مع النبى ﷺ لتحوز بذلك شرف المعية وكثرة الثواب، وإنما قلت ذلك لأنها لو كانت مفروضة أو منذورة ما كانت العمرة فى رمضان تغنى عنها، ويؤيد ذلك ما جاء عند النسائى بلفظ "ان أم معقل جعلت عليها حجة معك" وعند ابن منده أيضا "جعلت على نفسها حجة معك فلم يتيسر لها ذلك" والله أعلم(٦) الصرام قطع الثمرة واجتناؤها منстр. 2969
-[بقية حديث أم معقل الأسدية - وقصة الجمل]-
نخلك قال قد علمت أنه قوت أهلى، قالت فإنِّى مكلِّمةٌ النَّبيَّ ﷺ وذاكرته له، قال فانطلقا يمشيان حتَّي دخلا عليه، قال فقالت له يا رسول الله إنَّ علىَّ حجَّةً وإنَّ لأبى معقلٍ بكرًا، قال أبو معقلٍ، صدقت جعلته في سبيل الله، قال أعطها فلتحجَّ عليه فإنَّه فى سبيل الله، قال فلمَّا أعطاها البكر قالت يا رسول الله إنِّى امرأةٌ قد كبرت وسقمت فهل من عملٍ يجزئ عنِّى من حجَّتى؟ قال فقال عمرةٌ فى رمضان تجزيء لحجَّتك
الحواشي
(١) أى يكون ثوابه مثل ثواب حجتى التى أريدها؟ (تخريجه) (د. نس) ورواه الترمذى مختصرا عن أم معقل أن النبى ﷺ قال عمرة فى رمضان تعدل حجة. وقال حديث حسن غريب، ورواه أيضا ابن خزيمة فى صحيحه باختصار إلا أنه قال إن الحج والعمرة فى سبيل الله، وإن عمرة فى رمضان تعدل حجة أو تجزاء حجة، وهذا اللفظ أعنى قول النبى ﷺ (عمرة فى رمضان تعدل حجة) صحيح متفق على صحته، رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم من عدة طرق عن كثير من الصحابة كما سيأتى فى أبواب العمرة؛ وإنما الاختلاف والضعف والاضطراب جاء فى قصة أم معقل، قال صاحب عون المعبود فى شرح سنن أبى داود، ولا شك أن رواة هذا الحديث لم يتقنوا ألفاظ الحديث ولم يحفظوها بل اختلطوا وغيروا الألفاظ واضطربوا فى الأسناد وفيه ضعيف ومجهول اهـ (قلت) يعنى بالضعيف ابراهيم بن مهاجر؛ وبالمجهول رسول مروان لأنه لم يسم، ولأجل دفع الاضطراب ورفع التناقض قد أولت فى تفسير كثير من ألفاظه كما عرفت، والحديث الصحيح الذى عليه المعول هو الحديث الأول من أحاديث الباب فقد أخرجه الشيخان والأمام أحمد وليس فيه اختلاط، ولأبى داود رواية أخرى من طريق يوسف بن عبد الله بن سلام عن جدته أم معقل قالت، لما حج رسول الله ﷺ حجة الوداع وكان لنا جمل فجعله أبو معقل فى سبيل الله وأصابنا مرض وهلك أبو معقل وخرج النبى ﷺ ، فلما فرغ من حجه جئته فقال يا أم معقل ما منعك أن تخرجى معنا قالت لقد تهيأنا فهلك أبو معقل وكان لنا جمل هو الذى نحج عليه، فأوصى به أبو معقل فى سبيل الله، قال فهلا خرجت عليه فان الحج فى سبيل الله، فأما إذ فاتتك هذه الحجة معنا فاعتمرى فى رمضان فانها كحجة، فكانت تقول الحج حجة والعمرة عمرة، وقد قال هذا لي.стр. 2970
-[التحذير من النوم فوق السطوح التى ليس لها حاجز]-
(٣٣) عن أبي عمران الجونىِّ قال حدَّثنى بعض أصحاب محمَّدٍ ﷺ وغزونا نحو فارس، فقال قال رسول الله ﷺ من بات فوق بيتٍ ليس له إجَّارٌ فوقع فمات فقد برئت منه الذِّمَّة ومن ركب البحر عند ارتجاجه الحواشي
(٣٣) عن أبى عمران الجونى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أزهر بن القاسم ثنا محمد بن ثابت عن أبى عمران الجونى- الحديث" (غريبه)(١) الأجار بهمزة مكسورة بعدها جيم مشددة وآخره راء مهملة، هو ما يرد الساقط من البناء من حائط على السطح أو نحوه، ووقع فى رواية أبى داود "ليس له حجار" والحجار جمع حجر بكسر الحاء المهملة. أى ليس عليه شاء يستره ويمعه من السقوط، يقال احتجرت الأرض اذا ضربت عليها منارا تمنعها به عن غيرك، أو يكون من الحجر وهى حظيرة الأيل وحجرة الدار وهو راجع الى المنع أيضا(٢) معنى الذمة هنا العهد. وذلك أن لكل من الناس عهدا من الله تعالى بالحفظ والكلاءة، فاذا ألقى بيده الى التهلكة انقطع عنه ذلك العهد ووكله الله الى نفسه ولا يؤاخذ أحد بدمه(٣) الارتجاج الاضطراب أى عند هياجه وتلاطم أمواجه، لأن من ركبه فى هذه الحال فقد ألقى بنفسه الى الهلاك، والله تعالى يقول ﴿ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة﴾ أما اذا ركبه فى وقت هدوئه فلا بأس بذلك، ووجه الاستدلال بهذا الحديث أن من وجب عليه الحج وكان لا يصل اليه الا بطريق البحرстр. 2971
-[كراهة ركوب البحر عند هياجه - والنهى عن سفر المرأة بغير محرم]-
فمات فقد برئت منه الذِّمَّة (وعنه من طريقٍ ثان) قال كنَّا بفارس وعلينا أميرٌ يقال له زهير بن عبد الله، فقال حدَّثنى رجلٌ أنَّ نبىَّ الله ﷺ قال من بات فوق إجَّارٍ أو فوق بيتٍ ليس حوله شيءٌ يردُّ رجله فقد برئت منه الذِّمَّة، ومن ركب البحر بعد ما يرتجُّ فقد برئت منه الذِّمَّة
(٣٤) عن ابن عبَّاسٍ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال لا تسافر امرأةٌ إلَّا ومعها ذو محرمٍ، وجاء النَّبىُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم رجلٌ فقال إنِّى اكتتبت فى غزوة كذا وكذا وامرأتى حاجَّةٌ، قال فارجع فحجَّ معها الحواشي
(١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أزهر ثنا هشام يعنى الدستوائى عن أبي عمران الجونى قال كنا بفارس- الحديث"(٢) أى حاجز يمنع رجله من السقوط لا سيما فى الليالى المظلمة، وربما يفهم بعض الناس أن معنى البيات المذكور فى الحديث منحصر فى النوم فقط، وليس كذلك. فان إتيانه بمعنى النوم نادر، والأصل فى معناه السهر بالليل- قال تعالى ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما﴾ وقال الأزهرى قال الفراء بات الرجل إذا سهر الليل كله فى طاعة أو معصية (وقال الليث) من قال بات بمعنى نام فقد أخطأ، ألا ترى أنك تقول بات يرعى النجوم، ومعناه ينظر اليها، وكيف ينام من يراقب النجوم؟ اهـ (قلت) ويشير الى ذلك قوله فى الحديث (يرد رجله) أى عن المشى إلى موضع السقوط. ولا يمشى عادة إلا المتيقظ. وحدوثه من النائم نادر، ومع هذا فالحديث يستفاد منه النهى عن النوم فوق السطوح التى ليس لها حاجز والمكث عليها للمتيقظ، وسيأتى فى الزوائد ما يؤيد ذلك والله أعلم (تخريجه) أورده المنذرى وقال رواه أحمد والبيهقى ورجاله ثقات (وفى رواية للبيهقى) عن أبى عمران أيضا قال كنت مع زهير الشنوى فأتينا على رجل نائم على ظهر جدار وليس له ما يدفع رجليه فضربه برجله ثم قال قم ثم قال زهير قال رسول الله ﷺ فذكر نحو حديث الباب(٣٤) عن ابن عباس رضى الله عنهما الخ. هذا الحديث تقدم بسنده وشرحه وتخريجه فى باب سفر النساء من أبواب صلاة المسافر رقم ١١٩٧ صحيفة ٨٥ من الجزء الخامس فارجع اليه ان شئت وإنما ذكرته هنا لمناسبة الترجمةстр. 2972
-[النهي عن سفر المرأة ولو مسيرة يوم واحد بغير محرم - وزوائد الباب]-
(٣٥) عن أبي هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر يومًا وليلةً (وفى روايةٍ "تسافر ليلةً" وفى روايةٍ "ثلاثة أيَّامٍ" وفى روايةٍ "يومًا تامًّا) إلَّا مع ذي محرمٍ من أهلها الحواشي
(٣٥) عن أبي هريرة الخ الحديث تقدم أيضا بسنده وشرحه وتخريجه رقم ١٢٠٠ صحيفة ٨٦ فى الباب المشار اليه فى الجزء الخامس أيضا (زوائد الباب) (عن ابن عباس) رضى الله عنهما قال أراد رسول الله ﷺ الحج فقالت امرأة لزوجها أحجتى مع رسول الله ﷺ على جملك، فقال ما عندى ما أحجك عليه، فقالت أحججنى على جملك فلان، قال ذاك حبيس فى سبيل الله ، فأتى رسول الله ﷺ فقال إن امرأتى تقرأ عليك السلام ورحمة الله، وأنها سألتنى الحج معك قالت أحججنى مع رسول الله ﷺ ، فقلت ما عندى ما أحججك عليه، قالت أحجنى على جملك فلان، فقلت ذاك حبيس فى سبيل الله قال أما إنك لو أحججتها عليه كان فى سبيل الله، وأنها أمرتنى أن أسألك ما يعدل حجة معك؟ قال رسول الله ﷺ اقرأها السلام ورحمة الله وبركاته وأخبرها أنها تعدل حجة معى يعنى عمرة فى رمضان، رواه أبو داود وابن خزيمة فى صحيحه كلاهما بالقصة، واللفظ لأبى داود. وآخره عندهما سواء (وعنه أيضا) قال جاءت أم سليم الى رسول الله ﷺ فقالت حج أبو طلحة وابنه وتركانى، فقال يا أم سليم عمرة فى رمضان تعدل حجة، رواه ابن حبان فى صحيحه (وعن أبى طليق) أن امرأته قالت له وله جمل وناقة أعطنى جملك أحج عليه، قال هو حبيس فى سبيل الله، قالت إنه فى سبيل الله أن أحج عليه، قالت فأعطنى الناقة وحج على جملك، قال لا أوثر على نفسى أحدا؛ قالت فأعطنى من نفقتك، قال ما عندى فضل عن ما أخرج به وأدع لكم، ولو كان معى لأعطيتك، قالت فاذ فعلت ما فعلت فاقرأ رسول الله ﷺ السلام إذا لقيته وقل له الذى قلت لك، فلما لقى رسول الله ﷺ اقرأه منها السلام وأخبره بالذى قالت له، فقال رسول الله ﷺ صدقت أم طليق، لو أعطيتها جملك كان فى سبيل الله، ولو أعطيتها من نفقتك أخلفها الله لك، قلت فما يعدل الحج معك؟ قال عمرة فى رمضان، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير والبزار باختصار عنه ورجال البزار رجال الصحيح اهـ (قلت) قال الحافظ المنذرى أبو طليق هو أبو معقل وكذلك زوجته أم معقل تكنى أم طليق أيضا، ذكره ابن عبد البر النمرى اهـ. وأشار إلى هذا الحديث أيضا الحافظ فى الفتح وذكر شيئا منه، ثم قال وزعم ابن عبد البر أن أم معقلстр. 2973
-[ذكر النسوة اللاتي اشتركن فى قصة الجمل - وزوائد الباب]-
__
الحواشي
(١) هي أم طليق كنيتان وفيه نظر، لأن أبا معقل مات فى عهد النبى ﷺ وأبا طليق عاش حتى سمع منه طلق بن حبيب وهو من صغار التابعين، فدل على تغاير المرأتين ويدل عليه تغاير السياقين أيضا اهـ (قلت) يستفاد مما أوردنا فى أحاديث الباب والزوائد أن قصة الجمل وقعت لأربع نسوة إحداهن أم سنان الأنصارية. والثانية أم معقل الأسدية. والثالثة أم سليم. والرابعة أم طليق بل قال الحافظ ووقعت (يعنى القصة) لأم الهيثم أيضا فيصرن خمسة، والظاهر أن القصة تعددت وأن هؤلاء النسوة كن قد أدين فريضة الحج مع أبى بكر رضى الله عنه سنة تسع، ولذلك لم يستعد أزواجهن لما يوصلهن إلى الحج مع النبى ﷺ والله أعلم (وعن ابن عمر رضى الله عنهما) عن رسول الله ﷺ فى امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها زوجها فى الحج، قال ليس لها أن تنطلق الا باذن زوجها (قط)، وأورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الصغير والأوسط ورجاله ثقات (وعن جابر بن عبد الله) رضى الله عنهما قال لما نزلت هذه الاية ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ قام رجل فقال يا رسول الله ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة (قط) وفى اسناده محمد بن عبد الله بن عبيد الليثى (قال الزيلعى) تركوه وأجمعوا على ضعفه (وعن عمرو بن شعيب) عن أبيه عن جده قال قال رجل يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة (قط) وفيه محمد بن عبيد الله بن ميسرة العزرمى الكوفى (قال الأمام أحمد) ترك الناس حديثه وقال الفلاس متروك (وعن أنس) رضى الله عنه عن النبى ﷺ فى قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ قال قيل يا رسول الله ما السبيل؟ قال الزاد والراحلة رواه الدارقطنى، وأخرجه أيضا الحاكم وقال صحيح على شرطهما، والبيهقى كلهم من طريق سعيد ابن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن مرسلا (قال الحافظ) فى التلخيص وسنده صحيح الى الحسن ولا أرى الموصول إلا وهما، وقد رواه الحاكم من حديث حماد بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضا الا أن الراوى عن حماد هو ابو قتادة عبد الله بن واقد الحرانى وهو منكر الحديث كما قال أبو حاتم، ولكنه قد وثقه أحمد (وعن ابن عباس) رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال الزاد والراحلة، يعنى قوله من استطاع اليه سبيلا- رواه ابن ماجه والدارقطنى (قال الحافظ) وسنده ضعيف، ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس (وعن ابن عمر) رضى الله عنهما قال جاء رجل الى النبى ﷺ فقال يا رسول الله ما يوجب الحج؟ قال الزاد والراحلة. رواه الترمذى وقال هذا حديث حسن. والظاهر أن الترمذى حسنه لكثرة شواهده، والا ففى سنده ابراهيم بن يزيد الخوزى وهو متروك الحديث كما صرح به الحافظ فى التقريب (وعنه أيضا) قال سأل رسول الله ﷺ فقال ما الحاجстр. 2974
-[زوائد الباب مع شرح الغريب منها - وفضل من حج ماشيا]-
__
الحواشي
(١) قال الشعث التفل، فقال آخر يا رسول الله أى الحج أفضل؟ قال العج والثج، فقام آخر فقال يا رسول الله ما السبيل؟ فقال الزاد والراحلة، رواه الأمام الشافعى فى مسنده وابن ماجه، ورواه والترمذى فى التفسير إلى قوله والثج، وفى اسناده ابراهيم بن يزيد الخوزى وتقدم الكلام عليه فى الحديث السابق لكن حسنه المنذرى، وقال رواه ابن ماجه باسناد حسن، والشعث بفتح الشين المعجمة وكسر العين المهملة وبالثاء المثلثة، الذى تفرق شعره، والتفل بالتاء المثناة من فوق وبالفاء المكسورة. الذى لا يتطيب فتوجد منه رائحة كريهة، والعج رفع الصوت بالتلبية. وهو بفتح العين المهملة وبالجيم، والثج بفتح الثاء المثلثة وبالجيم نحر البدن، قال وكيع فى رواية ابن ماجه يعنى بالعج العجيج بالتلبية والثج نحر البدن (وعن بشير بن مسلم) عن عبد الله بن عمرو ابن العاص رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ لا يركب البحر الا حاج أو معتمر أو غاز فى سبيل الله، فان تحت البحر نارا وتحت النار بحرا، رواه أبو داود وسعيد بن منصور فى سننهما وهذا لفظ أبى داود، ومعنى قوله فان تحت البحر نارًا الخ. قيل هو على ظاهره فان الله على كل شاء قدير (وقال الخطابي) تأويله تفخيم أمر البحر وتهويل شأنه، وذلك أن الآفة تسرع إلى راكبه ولا يؤمن الهلاك عليه فى كل وقت كما لا يؤمن الهلاك فى ملابسة النار ومداخلتها والدنو منها اهـ (قال المنذرى) فى هذا الحديث اضطراب روى عن بشير هكذا، وروى عنه أنه بلغه عن عبد الله بن عمرو. وروى عنه عن رجل عن عبد الله بن عمرو وقيل غير ذلك (وقال أبو داد) رواته مجهولون. وذكره البخارى فى تاريخه وذكر له هذا الحديث وذكر اضطرابه وقال لم يصح حديثه (وقال الخطابى) قد ضعفوا إسناد هذا الحديث اهـ (وعن زاذان) قال مرض ابن عباس مرضا شديدًا فدعا ولده فجمعهم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول من حج من مكة ماشيًا حتى يرجع الى مكة كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة كل حسنة مثل حسنات الحرم. قيل وما حسنات الحرم؟ قال بكل حسنة مائة ألف حسنة (هق. ك) وقال الحاكم هذا حديث صحيح الأسناد ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى (وعن عبد الله بن عبيد بن عمير) قال قال ابن عباس ما ندمت على شاء فاتنى فى شبابى إلا أنى لم أحج ماشيا ولقد حج الحسن ابن على رضى الله عنهما خمسة وعشرين حجة ماشيا وان النجائب لتقاد معه. ولقد قاسم الله ما له ثلاث مرات حتى إنه يعطى الخف ويمسك النعل (قال البيهقى) ابن عمير يقول ذلك رواية عن الحسن بن على. وقد روى فيه عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حديث مرفوع وفيه ضعف (وعن عطاء عن ابن عباس) رضى الله عنهما قال ما آسى على شاء ما آسى على أنى لم أحج ماشيًا (الأحكام) أحاديث الباب تدل على أن الاستطاعة المذكورة فى قول الله ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليهстр. 2975
-[مذاهب الأئمة فى تفسير الاستطاعة إلى الحج]-
سبيلا" تشتمل على جملة أمور، ومع ذلك فهى نوعان (أحدهما) أن يكون مستطيعًا بنفسه (والثانى) أن يكون عاجزا بنفسه لا يقدر على الثبوت على الراحلة لمرض مزمن أو كبر وله مال أو من يطيعه من ولده أو ولد ولده، فيلزمه أن يستأجر بماله أو يأذن للمطيع فى الحج عنه؛ وتقدم الكلام عليه فى باب وجوب الحج على الشيخ الكبير الخ (وأما الاستطاعة بالنفس) فتشتمل على جملة أمور كما قدمنا (منها) أن يكون صحيحا واجدًا للزاد والراحلة "وفى معنى الراحلة ما حدث من المراكب البرية والبحرية والهوائية" لحديث الجمل المذكور أول الباب، رواه الشيخان وغيرهما، ولأحاديث الزاد والراحلة المذكورة فى الزوائد وإن كانت ضعيفة ولكنها جاءت من عدة طرق عن كثير من الصحابة، وصحح بعضها جماعة من الحفاظ، على أنها لكثرة طرقها يقوى بعضها بعضا فتصلح للاحتجاج بها (وقد استدل بها) من قال إن الاستطاعة المذكورة فى القرآن هى الزاد والراحلة، أما الزاد فهو أن يجد ما يكفيه ويكفي من يعول حتى يرجع، وأما الراحلة أو ما يقوم مقامها فيشترط أن تبلغه مقصوده ذهابًا وإيابًا سواء أكانت ملكه أو بأجرة معتدلة يقدر على دفعها بدون غبن، وهذا إذا كانت المسافة بعيدة لا يمكنه المشى اليها، والى ذلك ذهب الأئمة (أبو حنيفة والشافعى وأحمد) وبه قال الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وإسحاق (قال الترمذى) والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل اذا ملك زادًا أو راحلة وجب عليه الحج اهـ وفسرعكرمة الاستطاعة بالصحة (وقال الضحاك) ان كان شابا فليؤاجر نفسه بأكله وعقبه حتى يقضى نسكه (وعن مالك) ان كان يمكنه المشى وعادته سؤال الناس لزمه الحج، لأن هذه الاستطاعة فى حقه فهو كواجد الزاد والراحلة، وفى ذلك نظر. لأن السؤال محرم الا لضرورة الحياة. فكيف يجعل واجبا لغير ضرورة؟ (وفى حديثى ابن عباس وأم معقل) أنه جعل الحج من السبيل، وقد اختلف الناس فى ذلك، فكان ابن عباس لا يرى بأسا أن يعطى الرجل من زكاته فى الحج، وروى مثل ذلك عن ابن عمر (وكان الأمام أحمد واسحاق) يقولان يعطى من ذلك فى الحج. وقال الأئمة (أبو حنيفة وأصحابه وسفيان الثورى والشافعى) لا تصرف الزكاة الى الحج، وسهم السبيل عندهم الغزاة والمجاهدون (ومنها) أى من الاستطاعة أيضا أن يكون الحاج آمنا على نفسه وماله سواء أكان السفر برًا أم بحرًا فان كان لا بد له من اجتياز البحر جاز له ركوبه، وقد جاء فى ذلك حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص رضى الله عنهما، وتقدم فى الزوائد بلفظ "لا يركب البحر الا حاج أو معتمر أو غاز فى سبيل الله- الحديث" رواه أبو داود والبيهقى وآخرون، ولكنه ضعيف، وتقدم الكلام عليه. فان كان البحر هائجا فلا يجوز له ركوبه لا لحج ولا غيره حتى يهدأ لحديث
стр. 2976
-[مذاهب الأئمة فى سفر المرأة إلى الحج وهل يشترط لها المحرم أم لا؟]-
__
الحواشي
(١) أبي عمران الجونى المذكور فى الباب، وذلك باتفاق العلماء (قال النووى ﵀ إذا كان البحر مفرقًا أى مخيفًا أو كان قد اغتلم وماج حرم ركوبه لكل سفر لقول الله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة﴾ ولقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ هكذا صرح به امام الحرمين والأصحاب قال (ومذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد) أنه يجب الحج فى البحر إن غلبت فيه السلامة والا فلا، وهذا هو الصحيح عندنا اهـ (ومن الاستطاعة أيضا) وجود محرم للمرأة يسافر معها، والمحرم من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجرى مجراهم، وقد استدل بحديث ابن عباس المذكور قبل الحديث الأخير من أحاديث الباب على أن الزوج داخل فى مسمى المحرم أو قائم مقامه، لقول النبى ﷺ للرجل الذى أرادت امرأته الحج "فارجع فحج معها" (قال الحافظ) وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال (أحمد وهو وجه للشافعى) والمشهور أنه لا يلزمه كالولى فى الحج عن المريض، فلو امتنع إلا بأجرة لزمتها لأنه من سبيلها فصار فى حقها كالمؤنة (واستدل به) على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض (وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية) والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخى، وقد روى الدارقطنى عن ابن عمر مرفوعا فى امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها فى الحج ليس لها أن تنطلق إلا بأذن زوجها (وأجيب عنه) بأنه محمول على حج التطوع جمعا بين الحديثين (ونقل ابن المنذر الأجماع) على أن للرجل منع زوجته عن الخروج فى الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما إذا كان واجبا (وقد استدل ابن حزم) بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة السفر بغير زوج ولا محرم لكونه لم يعب عليها ذلك السفر بعد أن أخبره زوجها (وتعقب) بأنه لو لم يكن ذلك شرطا لما أمر زوجها بالسفر معها وترك الغزو الذى كتب فيه اهـ (واعلم) أنه وردت أحاديث كثيرة فى النهى عن سفر المرأة الا بمحرم فيها اختلاف فى تقدير المسافة التى يحرم قطعها فى السفر بغير محرم، ففى بعضها مسافة ثلاثة أيام، وفى بعضها ثلاثة أيام فصاعدا (وفى رواية) مسافة يومين (وفى رواية) يوم وليلة (وفى أخرى) يوم (وفى رواية ليلة) بل جاء فى رواية لأبى داود لا تسافر بريدا والبريد نصف يوم، وتقدمت هذه الروايات وأشبعنا الكلام عليها فى باب سفر النساء فى الجزء الخامس صحيفة ٨٥ (قال العلماء) اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن وليس فى النهى عن الثلاثة تصريح بأباحة اليوم والليلة أو البريد (قال البيهقى) كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يوما فقال لا، وكذلك البريد فأدى كل منهم ما سمعه،стр. 2977
-[مذاهب الأئمة واختلافهم فى حكم المحرم للمرأة فى سفر الحج]-
__
الحواشي
(١) وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد فسمعه فى مواطن، فروى تارة هذا وتارة هذا وكله صحيح وليس فى هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفرا (فالحاصل) أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغبر زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة (قلت) هى المذكورة قبل الحديث الأخير من أحاديث الباب بلفظ "لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم" ولفظ مسلم "الا مع ذى محرم" (قال النووى وأجمعت الأمة) على أن المرأة يلزمها حجة الأسلام اذا استطاعت؛ لعموم قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وقوله ﷺ "بنى الأسلام على خمس- الحديث" واستطاعتها كاستطاعة الرجل. لكن اختلفوا فى اشتراط المحرم لها (فأبو حنيفة يشترطه) لوجوب الحج عليها الا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل. ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأى. وحكى ذلك عن الحسن البصرى والنخعى. وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين (ومالك والأوزاعى والشافعى فى المشهور عنه) لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها (قال أصحابنا) يحصل الأمن بزوج أو محرم أو بنسوة ثقات. ولا يلزمها الحج عندنا الا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح وقال بعض أصحابنا يلزمها بوجود امرأة واحدة. وقد يكثر الأمن ولا تحتاج الى أحد بل تسير وحدها فى جملة القافلة وتكون آمنة. والمشهور من نصوص الشافعى وجماهير أصحابه هو الأول (واختلف أصحابنا) فى خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التى ليست واجبة. فقال بعضهم يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الأسلام (وقال الجمهور) لا يجوز الا مع زوج أو محرم. وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة. وقد قال القاضى عياض (واتفق العلماء) على أنه ليس لها أن تخرج فى غير الحج والعمرة إلا مع ذى محرم إلا الهجرة من دار الحرب. فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها الى دار الأسلام وان لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن اقامتها فى دار الكفر حرام اذا لم تستطع اظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها. وليس كذلك التأخر عن الحج، فانهم اختلفوا فى الحج هل هو على الفور أم على التراخى (قال القاضى عياض) قال الباجى هذا عندى فى الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت فى كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، وهذا الذى قاله الباجى لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع فى الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينهстр. 2978
-[مذاهب العلماء فى حكم المشى إلى الحج - وتفسير الصرورة]-
(٦) باب التغليظ فى ترك الحج للمستطيع
(٣٦) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنََّه كان يقول لا صرورة في الإسلام الحواشي
(٣٦) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر قال أنا ابن جريج أخبرنى عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (غريبه)(١) بفتح الصاد المهملة وضم الراء هو الذى لم يحج قط، وهو نفى معناه النهى. أى لا يترك الحج فى الاسلام من استطاعه، وأصله من الصر وهو الحبس والمنع، فمن ترك الحج مع الاستطاعة فقد منع عن نفسه الخير، وفى الموطأ قال مالك فى الصرورة من النساء التى لم تحج قط إنها إن لم يكن لها ذو محرم يخرج معها أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها أنها لا تترك فريضة الله عليها فى الحج ولتخرج فى جماعة النساء اهـ. وفى النهاية لا صرورة فى الأسلام (قال أبو عبيد) هو فى الحديث التبتل وترك النكاح، والصرورة أيضا الذى لم يحج قط وأصله من الصر الحبس والمنع، وقيل أراد من قتل فى الحرم قتل ولا يقبل منه أن يقول إنى صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كان الرجل فى الجاهلية إذا أحدث حدثًاстр. 2979
-[زوائد الباب فى وعيد من ترك الحج وهو مستطيع]-
__
الحواشي
(١) فلجأ إلى الكعبة لم يهج فكان إذا لقية ولى الدم فى الحرم قيل له هو صرورة فلا تهجه اهـ (قال الخطابى) الصرورة تفسر تفسيرين (أحدهما) أن الصرورة هو الرجل الذى قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى (والآخر) أن الصرورة هو الرجل الذى لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من المسلمين يستطيع الحج فلا يحج حتى يكون صرورة فى الأسلام اهـ (تخريجه) (د. ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى (زوائد الباب) عن الحارث عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من ملك زادا وراحلة تبلغه الى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك أن الله يقول فى كتابه ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ أخرجه الترمذى وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفى اسناده مقال. وهلال بن عبد الله مجهول. والحارث يضعف فى الحديث اهـ. وقد ورد هذا الحديث من عدة طرق (منها) هذه التى ذكرها الترمذى (ومنها) ما رواه البيهقى وأبو يعلى وسعيد بن منصور فى سننه عن شريك بن أبى سليم عن ابن سابط عن أبى أمامة بلفظ "من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا، وليث ضعيف. وشريك سيء الحفظ وقد خالفه سفيان الثورى فأرسله (قال الحافظ فى التلخيص) رواه أحمد فى كتاب الأيمان له (هو كتاب آخر غير المسند) عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة فذكره مرسلا، وكذلك ذكره ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص عن ليث مرسلا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك مخالفة للأسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف (ومنها) عن أبى هريرة رفعه من مات ولم يحج حجة الأسلام فى غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أى الميتتين شاء إما يهوديا أو نصرانيا، رواه ابن عدى من حديث عبد الرحمن القطامى عن أبى المهزم وهما متروكان عن أبى هريرة (قال الحافظ) بعد ذكر هذه الطرق مع ألفاظها وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة، رواها سعيد ابن منصور والبيهقى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لقد هممت أن أبعث رجالا إلى أهل الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين (لفظ سعيد) ولفظ البيهقى أن عمر قال ليمت يهوديا أو نصرانيًا يقولها ثلاث مرات. رجل مات ولم يحج وعنده كذلك سعة وخليت سبيله (قال الحافظ) وإذا انضم هذا الموقوف الى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلا ومحمله على من استحل التركстр. 2980
-[المذاهب في حكم من لم يحج وهو مستطيع - ومن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه]-
(أبواب العمرة)
(١) باب ما جاء فى فضل العمرة خصوصا فى رمضان
(٣٧) عن هرم بن خنبشٍ ﵁ قال كنت جالسًا عند الحواشي
(٣٧) عن هرم بن خنبش (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن عبيد ثنا داود الأودى عن عامر الأودى عن هرم بن خنبش- الحديث" (غريبه)(١) قال فى الخلاصة هرم بكسر الراء بن خنبش بمعجمتين بينهما نون ثم موحدة صحابى كذا سماه داود الأزدى، والصحيح وهب اهـ (قلت) ومما يؤيد ذلك أنه ترجم له فى المسند بقوله (حديث وهب بن خنبش الطائى عن النبى ﷺ ثم ذكر له هذا الحديث من ثلاث طرق (إحداها) قال حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا وكيع ثنا داود الزعافرى عن الشعبى عن ابن خنبش الطائى قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (والثانية) حديث الباب بسنده (والثالثة) قال حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ويحيى بن معين قالا ثنا وكيع ثنا سفيان وقال مرة وكيع وقال سفيان عن بيان وجابر عن الشعبى عن وهبследующие страницы →