Полный текст (7 020 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
-[مذاهب الأئمة فى سفر المرأة إلى الحج وهل يشترط لها المحرم أم لا؟]-
__
الحواشي
(١) أبي عمران الجونى المذكور فى الباب، وذلك باتفاق العلماء (قال النووى ﵀ إذا كان البحر مفرقًا أى مخيفًا أو كان قد اغتلم وماج حرم ركوبه لكل سفر لقول الله تعالى ﴿ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة﴾ ولقوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ هكذا صرح به امام الحرمين والأصحاب قال (ومذهب أبى حنيفة ومالك وأحمد) أنه يجب الحج فى البحر إن غلبت فيه السلامة والا فلا، وهذا هو الصحيح عندنا اهـ (ومن الاستطاعة أيضا) وجود محرم للمرأة يسافر معها، والمحرم من لا يحل له نكاحها من الأقارب كالأب والابن والأخ والعم ومن يجرى مجراهم، وقد استدل بحديث ابن عباس المذكور قبل الحديث الأخير من أحاديث الباب على أن الزوج داخل فى مسمى المحرم أو قائم مقامه، لقول النبى ﷺ للرجل الذى أرادت امرأته الحج "فارجع فحج معها" (قال الحافظ) وقد أخذ بظاهر الحديث بعض أهل العلم فأوجب على الزوج السفر مع امرأته إذا لم يكن لها غيره، وبه قال (أحمد وهو وجه للشافعى) والمشهور أنه لا يلزمه كالولى فى الحج عن المريض، فلو امتنع إلا بأجرة لزمتها لأنه من سبيلها فصار فى حقها كالمؤنة (واستدل به) على أنه ليس للزوج منع امرأته من حج الفرض (وبه قال أحمد وهو وجه للشافعية) والأصح عندهم أن له منعها لكون الحج على التراخى، وقد روى الدارقطنى عن ابن عمر مرفوعا فى امرأة لها زوج ولها مال ولا يأذن لها فى الحج ليس لها أن تنطلق إلا بأذن زوجها (وأجيب عنه) بأنه محمول على حج التطوع جمعا بين الحديثين (ونقل ابن المنذر الأجماع) على أن للرجل منع زوجته عن الخروج فى الأسفار كلها، وإنما اختلفوا فيما إذا كان واجبا (وقد استدل ابن حزم) بهذا الحديث على أنه يجوز للمرأة السفر بغير زوج ولا محرم لكونه لم يعب عليها ذلك السفر بعد أن أخبره زوجها (وتعقب) بأنه لو لم يكن ذلك شرطا لما أمر زوجها بالسفر معها وترك الغزو الذى كتب فيه اهـ (واعلم) أنه وردت أحاديث كثيرة فى النهى عن سفر المرأة الا بمحرم فيها اختلاف فى تقدير المسافة التى يحرم قطعها فى السفر بغير محرم، ففى بعضها مسافة ثلاثة أيام، وفى بعضها ثلاثة أيام فصاعدا (وفى رواية) مسافة يومين (وفى رواية) يوم وليلة (وفى أخرى) يوم (وفى رواية ليلة) بل جاء فى رواية لأبى داود لا تسافر بريدا والبريد نصف يوم، وتقدمت هذه الروايات وأشبعنا الكلام عليها فى باب سفر النساء فى الجزء الخامس صحيفة ٨٥ (قال العلماء) اختلاف هذه الألفاظ لاختلاف السائلين واختلاف المواطن وليس فى النهى عن الثلاثة تصريح بأباحة اليوم والليلة أو البريد (قال البيهقى) كأنه ﷺ سئل عن المرأة تسافر ثلاثا بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يومين بغير محرم فقال لا، وسئل عن سفرها يوما فقال لا، وكذلك البريد فأدى كل منهم ما سمعه،стр. 2977
-[مذاهب الأئمة واختلافهم فى حكم المحرم للمرأة فى سفر الحج]-
__
الحواشي
(١) وما جاء منها مختلفًا عن رواية واحد فسمعه فى مواطن، فروى تارة هذا وتارة هذا وكله صحيح وليس فى هذا كله تحديد لأقل ما يقع عليه اسم السفر، ولم يرد ﷺ تحديد أقل ما يسمى سفرا (فالحاصل) أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغبر زوج أو محرم سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك لرواية ابن عباس المطلقة (قلت) هى المذكورة قبل الحديث الأخير من أحاديث الباب بلفظ "لا تسافر امرأة إلا ومعها ذو محرم" ولفظ مسلم "الا مع ذى محرم" (قال النووى وأجمعت الأمة) على أن المرأة يلزمها حجة الأسلام اذا استطاعت؛ لعموم قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ وقوله ﷺ "بنى الأسلام على خمس- الحديث" واستطاعتها كاستطاعة الرجل. لكن اختلفوا فى اشتراط المحرم لها (فأبو حنيفة يشترطه) لوجوب الحج عليها الا أن يكون بينها وبين مكة دون ثلاث مراحل. ووافقه جماعة من أصحاب الحديث وأصحاب الرأى. وحكى ذلك عن الحسن البصرى والنخعى. وقال عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين (ومالك والأوزاعى والشافعى فى المشهور عنه) لا يشترط المحرم بل يشترط الأمن على نفسها (قال أصحابنا) يحصل الأمن بزوج أو محرم أو بنسوة ثقات. ولا يلزمها الحج عندنا الا بأحد هذه الأشياء، فلو وجدت امرأة واحدة ثقة لم يلزمها، لكن يجوز لها الحج معها، هذا هو الصحيح وقال بعض أصحابنا يلزمها بوجود امرأة واحدة. وقد يكثر الأمن ولا تحتاج الى أحد بل تسير وحدها فى جملة القافلة وتكون آمنة. والمشهور من نصوص الشافعى وجماهير أصحابه هو الأول (واختلف أصحابنا) فى خروجها لحج التطوع وسفر الزيارة والتجارة ونحو ذلك من الأسفار التى ليست واجبة. فقال بعضهم يجوز لها الخروج فيها مع نسوة ثقات كحجة الأسلام (وقال الجمهور) لا يجوز الا مع زوج أو محرم. وهذا هو الصحيح للأحاديث الصحيحة. وقد قال القاضى عياض (واتفق العلماء) على أنه ليس لها أن تخرج فى غير الحج والعمرة إلا مع ذى محرم إلا الهجرة من دار الحرب. فاتفقوا على أن عليها أن تهاجر منها الى دار الأسلام وان لم يكن معها محرم، والفرق بينهما أن اقامتها فى دار الكفر حرام اذا لم تستطع اظهار الدين وتخشى على دينها ونفسها. وليس كذلك التأخر عن الحج، فانهم اختلفوا فى الحج هل هو على الفور أم على التراخى (قال القاضى عياض) قال الباجى هذا عندى فى الشابة، وأما الكبيرة غير المشتهاة فتسافر كيف شاءت فى كل الأسفار بلا زوج ولا محرم، وهذا الذى قاله الباجى لا يوافق عليه، لأن المرأة مظنة الطمع فيها ومظنة الشهوة ولو كانت كبيرة، وقد قالوا لكل ساقطة لاقطة، ويجتمع فى الأسفار من سفهاء الناس وسقطهم من لا يرتفع عن الفاحشة بالعجوز وغيرها لغلبة شهوته وقلة دينهстр. 2978
-[مذاهب العلماء فى حكم المشى إلى الحج - وتفسير الصرورة]-
(٦) باب التغليظ فى ترك الحج للمستطيع
(٣٦) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما عن النَّبيِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أنََّه كان يقول لا صرورة في الإسلام الحواشي
(٣٦) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن بكر قال أنا ابن جريج أخبرنى عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس- الحديث" (غريبه)(١) بفتح الصاد المهملة وضم الراء هو الذى لم يحج قط، وهو نفى معناه النهى. أى لا يترك الحج فى الاسلام من استطاعه، وأصله من الصر وهو الحبس والمنع، فمن ترك الحج مع الاستطاعة فقد منع عن نفسه الخير، وفى الموطأ قال مالك فى الصرورة من النساء التى لم تحج قط إنها إن لم يكن لها ذو محرم يخرج معها أو كان لها فلم يستطع أن يخرج معها أنها لا تترك فريضة الله عليها فى الحج ولتخرج فى جماعة النساء اهـ. وفى النهاية لا صرورة فى الأسلام (قال أبو عبيد) هو فى الحديث التبتل وترك النكاح، والصرورة أيضا الذى لم يحج قط وأصله من الصر الحبس والمنع، وقيل أراد من قتل فى الحرم قتل ولا يقبل منه أن يقول إنى صرورة ما حججت ولا عرفت حرمة الحرم، كان الرجل فى الجاهلية إذا أحدث حدثًاстр. 2979
-[زوائد الباب فى وعيد من ترك الحج وهو مستطيع]-
__
الحواشي
(١) فلجأ إلى الكعبة لم يهج فكان إذا لقية ولى الدم فى الحرم قيل له هو صرورة فلا تهجه اهـ (قال الخطابى) الصرورة تفسر تفسيرين (أحدهما) أن الصرورة هو الرجل الذى قد انقطع عن النكاح وتبتل على مذهب رهبانية النصارى (والآخر) أن الصرورة هو الرجل الذى لم يحج، فمعناه على هذا أن سنة الدين أن لا يبقى أحد من المسلمين يستطيع الحج فلا يحج حتى يكون صرورة فى الأسلام اهـ (تخريجه) (د. ك) وقال هذا حديث صحيح على شرط البخارى ولم يخرجاه (قلت) وأقره الذهبى (زوائد الباب) عن الحارث عن على رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من ملك زادا وراحلة تبلغه الى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا، وذلك أن الله يقول فى كتابه ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ أخرجه الترمذى وقال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وفى اسناده مقال. وهلال بن عبد الله مجهول. والحارث يضعف فى الحديث اهـ. وقد ورد هذا الحديث من عدة طرق (منها) هذه التى ذكرها الترمذى (ومنها) ما رواه البيهقى وأبو يعلى وسعيد بن منصور فى سننه عن شريك بن أبى سليم عن ابن سابط عن أبى أمامة بلفظ "من لم يحبسه مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا، وليث ضعيف. وشريك سيء الحفظ وقد خالفه سفيان الثورى فأرسله (قال الحافظ فى التلخيص) رواه أحمد فى كتاب الأيمان له (هو كتاب آخر غير المسند) عن وكيع عن سفيان عن ليث عن ابن سابط قال قال رسول الله ﷺ من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس أو سلطان ظالم أو حاجة ظاهرة فذكره مرسلا، وكذلك ذكره ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص عن ليث مرسلا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى عن شريك مخالفة للأسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف (ومنها) عن أبى هريرة رفعه من مات ولم يحج حجة الأسلام فى غير وجع حابس أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فليمت أى الميتتين شاء إما يهوديا أو نصرانيا، رواه ابن عدى من حديث عبد الرحمن القطامى عن أبى المهزم وهما متروكان عن أبى هريرة (قال الحافظ) بعد ذكر هذه الطرق مع ألفاظها وله طريق صحيحة إلا أنها موقوفة، رواها سعيد ابن منصور والبيهقى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال لقد هممت أن أبعث رجالا إلى أهل الأمصار فينظروا كل من كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية ما هم بمسلمين (لفظ سعيد) ولفظ البيهقى أن عمر قال ليمت يهوديا أو نصرانيًا يقولها ثلاث مرات. رجل مات ولم يحج وعنده كذلك سعة وخليت سبيله (قال الحافظ) وإذا انضم هذا الموقوف الى مرسل ابن سابط علم أن لهذا الحديث أصلا ومحمله على من استحل التركстр. 2980
-[المذاهب في حكم من لم يحج وهو مستطيع - ومن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه]-
(أبواب العمرة)
(١) باب ما جاء فى فضل العمرة خصوصا فى رمضان
(٣٧) عن هرم بن خنبشٍ ﵁ قال كنت جالسًا عند الحواشي
(٣٧) عن هرم بن خنبش (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد ابن عبيد ثنا داود الأودى عن عامر الأودى عن هرم بن خنبش- الحديث" (غريبه)(١) قال فى الخلاصة هرم بكسر الراء بن خنبش بمعجمتين بينهما نون ثم موحدة صحابى كذا سماه داود الأزدى، والصحيح وهب اهـ (قلت) ومما يؤيد ذلك أنه ترجم له فى المسند بقوله (حديث وهب بن خنبش الطائى عن النبى ﷺ ثم ذكر له هذا الحديث من ثلاث طرق (إحداها) قال حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا وكيع ثنا داود الزعافرى عن الشعبى عن ابن خنبش الطائى قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (والثانية) حديث الباب بسنده (والثالثة) قال حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ويحيى بن معين قالا ثنا وكيع ثنا سفيان وقال مرة وكيع وقال سفيان عن بيان وجابر عن الشعبى عن وهبстр. 2981
-[فضل العمرة في شهر رمضان]-
رسول الله ﷺ فأتته امرأةٌ فقالت يا رسول الله فى أيِّ الشُّهور أعتمر؟ قال اعتمري في رمضان، فإنَّ عمرةً فى رمضان تعدل حجَّةً
(٣٨) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما عن النَّبىِّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قال عمرةٌ فى رمضان تعدل حجَّةً
(٣٩) عن جابر (بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما) عن النَّبىِّ ﷺ مثله
(٤٠) عن عمر بن الخطَّاب ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه استأذنه الحواشي
(١) تقدم الكلام على معنى ذلك قبل باب أى فى باب اعتبار الزاد والراحلة الخ (تخريجه) أخرجه ابن ماجه من طريقين (احداهما) من طريق وكيع عن سفيان عن بيان وجابر عن الشعبى عن وهب بن خنبش قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (والثانية) من طريق وكيع عن داود بن يزيد الزعافرى عن الشعبى عن هرم بن خنبش قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجه حديث وهب بن خنبش إسناد الطريق الأولى من طريق صحيح، وإسناد الطريق الثانية ضعيف لضعف داود بن يزيد، وضبط خنبش بأنه بمعجمة ونون وبموحدة بوزن جعفر اهـ(٣٨) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الله بن نمير ثنا ابن أبى ليلى عن عطاء عن ابن عباس- الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)(٣٩) عن جابر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا زكريا بن عدى أنبأنا عبيد الله يعنى ابن عمرو الرقى عن عبد الكريم عن عطاء عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (تخريجه) (جه) وفيه من لم أعرفه وباقى رجاله ثقات(٤٠) عن عمر بن الخطاب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما عن النبى ﷺ الحديث" (غريبه) (٢ فى الأصل عن عبد الله بن عمر عن النبى ﷺ كما ترى فى السند ولم يذكر عمر، والظاهر أن لفظ عمر سقط من الناسخ، لأن الحديثстр. 2982
-[تواضع النبي ﷺ ومنقبة لعمر بن الخطاب رضى الله عنه]-
في العمرة فأذن له، فقال يا أخي لا تنسنا من دعائك وقال بعد فى المدينة أشركنا فى دعائك فقال عمر ما أحبُّ أنَّ لى بها ما طلعت عليه الشَّمس لقوله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يا أخي
(٤١) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه رضى الله عنه قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم العمرة إلى العمرة كفَّارةٌ الحواشي
(١) فيه استحباب طلب الدعاء من الحاج أو المعتمر فى مواطن الخير، وفيه أن الأنسان لا يخص نفسه بالدعاء، وفيه تواضع النبى ﷺ حيث طلب الدعاء من عمر وهو ﷺ أفضل الخلق على الأطلاق(٢) معنى هذه الجملة وهى قوله "وقال بعد فى المدينة أشركنا فى دعائك" أن شعبة روى هذا الحديث عن عاصم فى غير المدينة؛ ثم لقيه بعد ذلك فى المدينة فحدثه به مرة أخرى فقال فيه "أشركنا فى دعائك" فيحتمل أنه قالها بدل قوله فى الرواية الأولى "لا تنسنا من دعائك" ويحتمل أنه زادها على الرواية الأولى لكونه سمعها كذلك فنسى تبليغها أوَّلا كما سمعها؛ فقد جاء هذا الحديث عند ابن ماجه عن ابن عمر عن عمر أنه استأذن النبى ﷺ فى العمرة فأذن له وقال يا أخى أشركنا فى شاء من دعائك ولا تنسنا" ولفظه عند أبى داود عن سالم بن عبد الله عن أبيه "عن عمر قال استأذنت النبى ﷺ فى العمرة فأذن لى وقال لا تنسنا يا أخى من دعائك، فقال كلمة ما يسرني أن لى بها الدنيا، قال شعبة ثم لقيت عاصما بعد بالمدينة، فحدثنيه فقال أشركنا يا أخى فى دعائك"(٣) يريد أن قول النبى ﷺ له يا أخى- أحب اليه مما طلعت عليه الشمس، يعنى أنه لو أعطيت له الدنيا بما احتوت عليه بدل قول النبى ﷺ له يا أخى ما قبلها ولا رغب فيها، فالباء فى قوله بها للبدلية (تخريجه) (د. جه. مذ) وقال حديث حسن صحيح (قلت) فى إسناده عند الجميع عاصم بن عبيد الله ضعيف، وبعضهم قال لا بأس بحديثه، ولعل الترمذى من هذا الفريق. والله أعلم(٤١) عن عبد الله بن عامر بن ربيعة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال ثنا حجاج قال ابن جريج حدثنى يحيى بن جرحة عن ابن شهاب قال حدثنى عبد الله ابن عامر قال رأى عامر رسول الله ﷺ يصلى على ظهر راحلته قال ثنا يونس بن محمدстр. 2983
-[فضل الحج والعمرة - وزوائد الباب - وشاء من الأحكام]-
لما بينهما من الذُّنوب والخطايا، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلَّا الجنَّة
الحواشي
(١) قيل المراد بالذنوب هنا الصغائر دون الكبائر كما فى قوله الجمعة إلى الجمعة كفارة، لما بينهما وقيل غير ذلك، وتقدم الكلام عليه مستوفى فى شرح حديث أبى هريرة رقم ٨ صحيفة ٩ من هذا الجزء فى باب ما ورد فى فضل الحج والعمرة (فان قيل) الذى يكفر ما بين العمرتين العمرة الأولى أو العمرة الثانية؟ (فالجواب) أن ظاهر الحديث أن العمرة الأولى هى المكفرة لأنها هى التى وقع الخبر فيها أنها تكفر، ولكن الظاهر من حيث المعنى أن العمرة الثانية هى التي تكفر ما قبلها إلى العمرة التى قبلها فان التكفير قبل وقوع الذنب خلاف الظاهر، قاله العينى، والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد وفيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف اهـ (قلت) يعضده حديث أبى هريرة الوارد بلفظه عند مسلم والأمام أحمد وغيرهما وتقدم فى الباب المشار اليه آنفًا والله أعلم (زوائد الباب) (عن ابن عباس) رضى الله عنهما أن النبى ﷺ اعتمر فى رمضان رواه الطبرانى فى الكبير وفيه مسلم بن كيسان الأعور وهو ضعيف لاختلاطه (وعن أنس ابن مالك) رضى الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "عمرة فى رمضان كحجة معى (طب) وفيه هلال مولى أنس وهو ضعيف (وعن عروة البارقى) قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (طب) وفيه جابر الجعفى وفيه كلام كثير، وقد وثقه شعبة وسفيان (وعن على رضى الله عنه) قال قال رسول الله ﷺ "عمرة فى رمضان تعدل حجة" (بز) وفيه حرب بن على (قال الهيثمى) لم أجد من ترجمه وبقية رجاله ثقات (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على فضل العمرة خصوصا فى رمضان، وتقدم الكلام على كونها تعدل حجة فى شرح حديث رقم ٣٠ صحيفة ٣٢ فى باب اعتبار الزاد والراحلة الخ "أما تكفير ما بين العمرتين من الذنوب" فقد تقدم الكلام عليه فى شرح حديث أبى هريرة صحيفة ١٠ فى باب ما ورد فى فضل الحج والعمرة، فارجع اليه والله الموفق
(تنبيه) قال الحافظ لم يعتمر النبى ﷺ إلا فى أشهر الحج، وقد ثبت فضل العمرة فى رمضان بحديث الباب فأيهما أفضل؟ الذى يظهر أن العمرة فى رمضان لغير النبى ﷺ أفضل، وأما فى حقه فما صنعه هو أفضل، لأن فعله لبيان جواز ما كان أهل الجاهلية يمنعونه، فأراد الرد عليهم بالقول والفعل، وهو لو كان مكروها لغيره لكان فى حقه أفضل والله أعلم (وقال صاحب الهدى) يحتمل أنه ﷺ كان يشتغل فى رمضان من العيادة بماстр. 2984
-[جواز العمرة قبل الحج وفى أى شهر من أشهر السنة]-
(٢) باب جواز العمرة فى جميع أشهر السنة قبل الحج وبعده ومعه
(٤٢) خط عن عكرمة بن خالدٍ قال سألت عبد الله بن عمر رضى الله عنهما عن العمرة قبل الحجِّ، فقال ابن عمر لا بأس على أحدٍ يعتمر قبل أن يحجَّ قال عكرمة قال عبد الله اعتمر النَّبيُّ ﷺ قبل أن يحجَّ "قر" (وعنه من طريقٍ ثانٍ) قال قدمت المدينة فى نفرٍ من أهل مكَّة نريد العمرة منها فلقيت عبد الله بن عمر رضى الله عنهما، فقلت إنَّا قومٌ من أهل مكَّة قدمنا المدينة ولم نحجَّ قطُّ. أفنعتمر منها؟ قال نعم، وما يمنعكم من ذلك؟ فقد اعتمر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم عمره كلَّها قبل حجَّته واعتمرنا
(٤٣) عن أبى عمران أسلم أنَّه قال حججت مع موالىَّ فدخلت على أمِّ الحواشي
(٤٢) "خط" عن عكرمة بن خالد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى قال وجدت فى كتاب أبى ثنا محمد بن بكر أنا ابن جريج قال قال عكرمة بن خالد سألت عبد الله ابن عمر- الحديث" (غريبه)(١) هو ابن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم مات سنة أربع عشرة ومائة(٢) يعنى ليس عليه شاء ولا حرج إذا اعتمر قبل أن يحج(٣) يعنى عمرة الحديبية. وعمرة القضاء. وعمرة الجعرانة، وسيأتى بيان ذلك مفصلا فى محله(٤) "قر" (سنده) حدّثنا عبد الله قال قرأت على أبى ثنا يعقوب بن ابراهيم ثنا أبى عن ابن اسحاق حدثنى عكرمة بن خالد بن العاص المخزومى قال قدمت المدينة- الحديث" (تخريجه) (خ. هق. د. خز)(٤٣) عن أبى عمران (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حجاج ثنا ليث بن سعد المصرى قال حدثنى يزيد بن أبى حبيب عن أبى عمران أسلم- الحديث" (غريبه)(٥) هو أسلم بن يزيد النجيبى مولاهم أبو عمران المصرى عن أبى أيوب وعقبة بن عامر وأم سلمة، وعنه يزيد بن أبى حبيب وعبد الله بن عياض وثقه النسائيстр. 2985
-[جواز العمرة قبل الحج وبعده ومعه]-
سلمة زوج النَّبيِّ ﷺ ، فقلت أعتمر قبل أن أحجَّ؟ قالت إن شئت اعتمر قبل أن تحجَّ وإن شئت بعد أن تحجَّ، قال فقلت إنَّهم يقولون من كان صرورةً فلا يصلح أن يعتمر قبل أن يحجَّ، قال فسألت أمَّهات المؤمنين فقلن مثل ما قالت، فرجعت إليها فأخبرتها بقولهنَّ، قال فقالت نعم وأشفيك سمعت رسول الله ﷺ يقول أهلُّوا يا آل محمَّدٍ بعمرةٍ فى حجٍّ
(٤٤) عن البراء بن عازبٍ رضى الله عنه قال اعتمر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم قبل أن يحجَّ، واعتمر قبل أن يحجَّ فقالت عائشة لقد علم أنَّه اعتمر أربع عمرٍ بعمرته الَّتى حجَّ فيها
(٤٥) عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أنَّ عائشة ﵂ الحواشي
(١) أى من لن يسبق له حج قط وتقدم تفسيره بأطول من هذا فى شرح حديث ابن عباس رقم ٣٦ صحيفة ٤٥ فى باب التغليظ فى ترك الحج للمستطيع(٢) أى أزيدك ربحا وعلما أكثر مما علمت، وعبرت بهذا التعبير البليغ، لأن الجهل داء والعلم شفاء(٣) أى مع الحج وهذا يقال له القران، وهو أن يحرم بالحج والعمرة معا، وهذه فائدة أخرى استفادها أبو عمران بغير سؤال، لأنه سألها عن العمرة قبل الحج فأجابته بجوازها قبل الحج وبعده، ثم زادته أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أمرهم بالعمرة مع الحج، فتلخص من هذا أن العمرة جائزة قبل الحج وبعده ومعه (تخريجه) (هق) وسنده جيد(٤٤) عن البراء بن عازب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد قال أخبرنا زكريا عن أبى اسحاق عن البراء بن عازب- الحديث" (غريبه)(٤) يعنى أنه اعتمر قبل أن يحج مرتين فقالت عائشة (لقد علم) أى البراء (أنه) أى النبى ﷺ اعتمر أربع عمر الخ. ويحاب عن ذلك بأن البراء لم يحسب العمرة الأولى وهى عمرة الحديبية. لأنها لم تتم، لأن المشركين صدوا النبى ﷺ عنها، وأسقط الأخيرة لدخولها فى أعمال الحج. وأثبت عمرة القضاء وعمرة الجعرانة والله أعلم (تخريجه) (خ. هق)(٤٥) (عن جابر بن عبد الله) هذا ظرف من حديث طويل سيأتي بسنده وطولهстр. 2986
-[اعتمار عائشة رضى الله عنها فى شهر الحجة بعد انقضاء الحج]-
حاضت فنسكت المناسك كلَّها غير أنّها لم تطف بالبيت، فلمَّا طهرت طافت قالت يا رسول الله أتنطلقون بحجٍّ وعمرةٍ وأنطلق بالحجِّ فأمر عبد الرَّحمن ابن أبى بكرٍ أن يخرج معها إلى التَّنعيم فاعتمرت بعد الحجِّ فى ذى الحجَّة
(٤٦) عن عبد الله بن طاوسٍ عن أبيه عن عائشة رضى الله عنها أنَّها الحواشي
(١) سيأتى من حديث عائشة نفسها فى باب ما تفعل من حاضت فى الحج أو نفست أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكة (قال الحافظ) وفى رواية أبى الزبير عن جابر عند مسلم أن دخول النبى ﷺ وشكواها ذلك له كان يوم التروية، ووقع عند مسلم من طريق مجاهد عن عائشة أن طهرها بعرفة، وفى رواية القاسم عنها وطهرت صبيحة ليلة عرفة حين قدمنا منى، وله من طريقه فخرجت من حجتى حتى نزلنا منى فتطهرت ثم طفنا بالبيت- الحديث" واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف الأفاضة من يوم النحر، واقتصر النووى فى شرح مسلم على النقل عن أبى محمد بن حزم أن عائشة حاضت يوم السبت ثالث ذى الحجة وطهرت يوم السبت عاشر يوم النحر، وإنما أخذه بن حزم من هذه الروايات التى فى مسلم ويجمع بين قول مجاهد وقول القاسم أنها رأت الطهر وهى بعرفة ولم تتهيأ للاغتسال إلا بعد أن نزلت منى، أو انقطع الدم عنها بعرفة وما رأت الطهر إلا بعد أن نزلت منى، وهذا أولى والله أعلم اهـ(٢) أى لأن الطهارة من شرط الطواف(٣) تريد أن الناس يرجعون بحج منفرد. وعمرة منفردة. وترجع هى بحج مقرون بعمرة، وسيأتى بيان ذلك فى شرح الحديث التالى(٤) بفتح المثناة وسكون النون وكسر المهملة مكان معروف خارج مكة وهو على أربعة أميال من مكة إلى جهة المدينة كما نقله الفاكهى (وقال المحب الطبرى) التنعيم أبعد من أدنى الحل إلى مكة بقليل وليس بطرف الحل. بل بينهما نحو من ميل، ومن أطلق عليه أدنى الحل فقد تجوز (قال الحافظ) أو أراد بالنسبة إلى بقية الجهات، قال وروى الفاكهى من طريق عبيد بن عمير قال إنما سمى التنعيم لأن الجبل الذى عن يمين الداخل يقال له ناعم والذى عن اليسار يقال له منعم والوادى نعمان اهـ (قلت) وهو المعروف الآن بمساجد عائشة (تخريجه) (ق. وغيرهما)(٤٦) عن عبد الله بن طاوس (سنده) حدثنى عبد الله حدثنى أبى قال ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن عائشة رضى الله تعالى عنها- الحديث"стр. 2987
-[اعتمار عائشة عقب الحج يدل على جواز العمرة فى أشهر الحج]-
أهلَّت بعمرةٍ فقدمت ولم تطف بالبيت حتَّى حاضت، فنسكت المناسك كلَّها وقد أهلَّت بالحجِّ، فقال لها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يوم النَّحر يسعك طوافك لحجِّك ولعمرتك فأبت، فبعث بها مع عبد الرَّحمن إلى التَّنعيم فاعتمرت بعد الحجِّ
(٤٧) عن عيسى بن عبد الرَّحمن البجلىِّ السَّلمىِّ عن أمِّه قالت سألت عائشة رضى الله عنها عن العمرة بعد الحجِّ قالت أرسل رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم معى أخي فخرجت من الحرم فاعتمرت
(٤٨) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما قال ما أعمر رسول الله ﷺ الحواشي
(١) جاء في رواية القاسم وغيره عند البخارى والأمام أحمد وغيرهما أنها أهلت بالحج، ولا منافاة فانها أول ما أهلت بعد خروجهم من المدينة أهلت بالحج كما صرحت بذلك عند البخارى فى رواية القاسم عنها قالت خرجنا مهلين بالحج الخ. ثم فسخته إلى العمرة لمَّا فسخ الصحابة، وعلى هذا يتنزل قول طاوس عنها، وكذا عروة فى رواية أخرى أنها "أهلت بعمرة" فلما حاضت وتعذر عليها التحلل من العمرة لأجل الحيض وجاء وقت الخروج إلى الحج أدخلت الحج على العمرة فصارت قارنة واستمرت إلى أن تحللت، وعليها يدل قول النبى ﷺ لها فى الحديث "يسعك طوافك لحجك ولعمرتك" فلما أبت ووجدها حريصة على عمرة منفردة كما فعل الناس ووجد فى إعمارها مخالفة لعادة المشركين وهى تحريم العمرة فى أشهر الحج كما سيأتى. تلطف بها وأمر أخاها عبد الرحمن بن أبى بكر أن يعمرها من التنعيم فاعتمرت بعد الحج، وهذا موضع الدلالة من الحديث والله أعلم (تخريجه) (م. وغيره)(٤٧) عن عيسى بن عبد الرحمن (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو أحمد قال ثنا عيسى بن عبد الرحمن البجلى- الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وأم عيسى بن عبد الرحمن لم أقف على من ترجمها وباقى رجاله ثقات(٤٨) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب ثنا أبى عن ابن اسحاق قال حدثنى عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس- الحديث"стр. 2988
-[إبطال ما زعمه المشركون من تحريم العمرة فى أشهر الحج بعمرة عائشة]-
عائشة ليلة الحصبة إلَّا قطعًا لأمر أهل الشِّرك فإنَّهم كانوا يقولون إذا برأ الدَّبر، وعفا الأثر، ودخل صفر، فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر،
(٤٩) عن ابن أبى مليكة قال قال عروة لابن عبَّاسٍ حتَّى متى تضلُّ النَّاس يا ابن عبَّاسٍ، قال ما ذاك يا عروة؟ قال تأمرنا بالعمرة في أشهر الحجِّ وقد نهى أبو بكرٍ وعمر فقال ابن عبَّاسٍ قد فعلها رسول الله ﷺ ، فقال الحواشي
(١) بفتح الحاء وسكون الصاد المهملتين وفتح الباء الموحدة وهى الليلة التى تلى ليلة النفر الأخير، والمراد بها ليلة المبيت بالمحصب(٢) يعنى أهل الجاهلية فانهم كانوا يرون أن العمرة فى أشهر الحج من أفجر الفجور فى الأرض ويجعلون المحرم صفرا كما صرح بذلك فى رواية لمسلم والأمام أحمد (قال العلماء) المراد الأخبار عن النساء الذى كانوا يفعلونه وكانوا يسمون المحرم صفرا ويحلونه وينسئون المحرم، أى يؤخرون تحريمه إلى ما بعد صفر لئلا يتوالى عليهم ثلاثة أشهر محرمة تضيق عليهم أمورهم من الغارة وغيرها فأضلهم الله تعالى فى ذلك، فقال جل ذكره ﴿إنما النساء زيادة فى الكفر- الآية﴾(٣) بفتح المهملة والموحدة أى ما كان يحصل بظهور الأبل من أثر الحمل عليها أو مشقة السفر فانه كان يبرأ بعد انصرافهم من الحج(٤) أى زال واندرس أثر الأبل وغيرها فى سيرها لطول مرور الأيام هذا هو المشهور (وقال الخطابى) المراد أثر الدبر والله أعلم اهـ (قال النووى) وهذه الألفاظ تقرأ كلها ساكنة الآخر ويوقف عليها، لأن مرادهم السجع اهـ(٥) يريدون أنها لا تحل إلا بعد ذلك؛ وهذا من تحكماتهم الباطلة المأخوذة من غير أصل، فأراد النبى ﷺ إبطال هذه العادة القبيحة وأعمر عائشة ليلة الحصبة لأنها من أشهر الحج ليخالفهم فيما تعودوه (تخريجه) (د. هق) وسنده جيد، قال المنذرى وأخرج البخارى ومسلم طرفا منه ولم يخرجا قصة عائشة فى العمرة(٤٩) عن ابن أبى مليكة (سنده حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا أيوب عن ابن أبى مليكة- الحديث" (غريبه)(٦) يريد أن ابن عباس أخطأ فى إفتاء الناس بجواز العمرة فى أشهر الحج، لا يريد عروة أن ابن عباس يقصد إضلالهم(٦) الظاهر أن أبا بكر وعمر رضى الله عنهما كانا ينهيان عن العمرة فى الحج بقصد التمتع، لا لأن ذلك حرام لا يجوز فعله، بل لأن الأكمل أن يأتى بالعمرة فى غير أشهر الحجстр. 2989
-[جراءة الصحابة فيما يرونه حقا - ومحاورة عروة وابن عباس]-
عروة كانا هما أتبع لرسول الله ﷺ وأعلم به منك
الحواشي
(١) يريد عروة أن صحبتهما لرسول الله ﷺ أقدم من صحبته فهما أعلم به منه، وليس بلازم فانه قد يصادف الصغير فى الزمن القصير ما لم يصادف الكبير فى الزمن الطويل والله أعلم (تخريجه) أورده الهيثمى باختلاف قليل فى بعض الألفاظ وعزاه للطبرانى فى الأوسط وقال إسناده حسن، ولفظه (عن عروة بن الزبير) أنه أتى ابن عباس فقال يا ابن عباس طالما أضللت الناس، قال وما ذاك يا عروة؟ قال الرجل يخرج محرما بحج أو عمرة، فاذا طاف زعمت أنه قد حل فقد كان أبو بكر وعمر ينهيان عن ذلك، فقال أهما ويحك آثر عندك أم ما فى كتاب الله وما سن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فى أصحابه وفى أمته؟ فقال عروة هما كانا أعلم بكتاب الله وما سن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم منى ومنك، قال ابن أبى مليكة رحمه الله تعالى فخصمه عروة (زوائد الباب) (عن عائشة رضى الله عنها) أنها قالت يا رسول الله يصدر الناس بنسكين وأصدر بنسك، فقيل لها انتظرى فاذا طهرت فاخرجى إلى التنعيم فأهلى ثم ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك، رواه البخارى (قال الكرمانى) فى قوله أو نصبك "أو" إما للتنويع فى كلام النبى ﷺ وإما شك من الراوى، والمعنى أن الثواب فى العبادة يكثر بكثرة النصب أو النفقة، والمراد النصب الذى لا يذمه الشرع، وكذا النفقة، قال النووى اهـ (قال الحافظ) ووقع فى رواية الاسماعيلى من طريق أحمد بن منيع عن اسماعيل "على قدر نصبك -أو- على قدر تعبك" وهذا يؤيد أنه من شك الراوى، وفى روايته من طريق حسين بن حسن "على قدر نفقتك أو نصبك" أو كما قال رسول الله ﷺ (وأخرجه الدارقطنى والحاكم) من طريق هشام عن ابن عون بلفظ "إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك" بواو العطف، وهذا يؤيد الاحتمال الأول اهـ (الأحكام)стр. 2990
-[مذاهب العلماء فى مشروعية العمرة فى جميع السنة - ومن أين يحرم لها]-
__
الحواشي
(١) أحاديث الباب تدل على مشروعية العمرة فى جميع أشهر السنة قبل الحج وبعده وفى أشهر الحج أيضا (وإلى ذلك ذهب الجمهور) قال الشوكانى (وذهبت الهادوية) إلى أن العمرة فى أشهر الحج مكروهة، وعللوا ذلك بأنها تشغل عن الحج فى وقته، وهذا من الغرائب التى يتعجب الناظر منها، فان الشارع ﷺ إنما جعل عمره كلها فى أشهر الحج لأبطال ما كانت عليه الجاهلية من منع الاعتمار فيها كما عرفت، فما الذى سوغ مخالفة هذه الأدلة الصحيحة والبراهين الصريحة وألجأ إلى مخالفة الشارع وموافقة ما كانت عليه الجاهلية، ومجرد كونها تشغل عن أعمال الحج لا يصلح مانعًا ولا يحسن نصبه فى مقابلة الأدلة الصحيحة؛ وكيف يجعل مانعا وقد اشتغل بها المصطفى ﷺ فى أيام الحج وأمر غيره بالاشتغال بها فيها، ثم أىُّ شغل لمن لم يرد الحج أو أراده وقدم مكة من أول شوال، لا جرم من لم يشتغل بعلم السنة المطهرة حق الاشتغال يقع فى مثل هذه المضايق التى هى السم القتَّال والداء العضال، قال وحكى فى البحر عن الهادى أنها تكره فى أيام التشريق (قال أبو يوسف) يوم النحر (وقال أبو حنيفة) ويوم عرفة اهـ قال الحافظ (واختلف السلف) فى جواز الاعتمار فى السنة أكثر من مرة (فكرهه مالك) وخالفه مطرف وطائفة من أتباعه وهو قول الجمهور (واستثنى أبو حنيفة) يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق، ووافقه أبو يوسف إلا فى يوم عرفة (واستثنى الشافعى) البائت بمنى لرمى أيام التشريق، وفيه وجه اختاره بعض الشافعية فقال بالجواز مطلقا كقول الجمهور والله أعلم (واختلفوا أيضًا) هل يتعين التنعيم لمن اعتمر من مكة؟ فروى الفاكهى وغيره من طريق محمد بن سيرين قال بلغنا أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل مكة التنعيم، ومن طريق عطاء قال من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها، وأفضل ذلك أن يأتي وقتا أى ميقاتا من مواقيت الحج (قال الطحاوى) ذهب قوم إلى أنه لا ميقات للعمرة لمن كان بمكة إلا التنعيم، ولا ينبغى مجاوزته كما لا ينبغى مجاوزة المواقيت التى للحج، وخالفهم آخرون فقالوا ميقات العمرة الحل، وإنما أمر النبى ﷺ عائشة بالأحرام من التنعيم، لأنه كان أقرب الحل من مكة؛ ثم روى من طريق ابن أبى مليكة عن عائشة فى حديثها، قالت وكان أدنانا من الحرم التنعيم فاعتمرت منه، قال فثبت بذلك أن ميقات مكة للعمرة الحل وأن التنعيم وغيره فى ذلك سواء اهـ (واستدل بحديث خروج عائشة إلى التنعيم مع أخيها) على جواز الخلوة بالمحارم سفرا وحضرا وعلى جواز إرداف المحرم محرمه معه (واستدل به) على تعيين الخروج الى الحل لمن أراد العمرة ممن كان بمكة وهو أحد قولى العلماء، والثانى تصح العمرة ويحب عليه دم لترك الميقات (قال الحافظ) وليس فى حديث الباب ما يدفع ذلك اهـ (واستدل به أيضا) على أن أفضل جهات الحل التنعيمстр. 2991
-[اختلاف المذاهب فى المكان الذى يحرم منه العمرة]-
(٣) باب حكم العمرة وصفتها
(٥٠) عن جابر بن عبد الله ﵄ قال أتى النَّبيَّ ﷺ أعرابىٌّ فقال يا رسول الله أخبرنى عن العمرة أواجبةٌ هي؟ فقال رسول الله صلَّى الله الحواشي
(٥٠) عن جابر بن عبد الله (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى حدثنا أبو معاوية ثنا الحجاج بن أرطاة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله- الحديث"стр. 2992
-[أركان العمرة - وزوائد الباب]-
عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لا؛ وأن تعتمر خيرٌ لك
(٥١) عن عمرو بن دينار ذكروا الرَّجل يهلُّ بعمرةٍ فيحلُّ هل له أن يأتى يعنى امرأته قبل أن يطوف بين الصَّفا والمروة، فسألنا جابر بن عبد الله رضى الله عنهما فقال لا حتَّى يطوف بين الصَّفا والمروة، وسألنا ابن عمر رضى الله عنهما، فقال قدم رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فطاف بالبيت سبعًا فصلَّى خلف المقام ركعتين وسعى بين الصَّفا والمروة، ثمَّ قال لقد كان لكم في رسول الله أسوةٌ حسنةٌ الحواشي
(١) بفتح الهمزة هكذا ضبطه المحدثون كقوله تعالى ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ وقد احتج بهذا الحديث القائلون بعدم وجوب العمرة، وسيأتى ذكرهم فى الأحكام (تخريجه) (هق. ش. مذ) وقال هذا حديث حسن صحيح(٥١) عن عمرو بن دينار (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا سفيان قال قال عمرو يعنى ابن دينار ذكروا الرجل يهل بعمرة- الحديث" (تخريجه) (نس) والبخارى مقدما سؤال ابن عمر ومؤخرا سؤال جابر بعكس ما هنا (زوائد الباب) (عن يعلى بن أمية) قال جاء رجل إلى رسول الله ﷺ متضمخ بالخلوق (أى متلطخ بالطيب) عليه مقطعات قد أحرم بعمرة، قال كيف تأمرنى يا رسول الله فى عمرتى؟ فأنزل الله ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فقال رسول الله ﷺ من السائل عن العمرة؟ فقال أنا، فقال ألق ثيابك واغتسل واستنق ما استطعت، وما كنت صانعا فى حجتك فاصنعه فى عمرتك، أورده الهيثمى وقال هو فى الصحيح باختصار، رواه الطبرانى فى الأوسط ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن عباس) رضى الله عنهما عن النبى ﷺ قال "الحج جهاد. والعمرة تطوع" أورده الهيثمى، وقال رواه الطبرانى فى الكبير وفيه محمد ابن الفضل بن عطية وهو كذاب (وعن ابن مسعود) رضى الله عنه قال أمرتم بأقامة أربع، إقامة الصلاة. وإيتاء الزكاة. وأقيموا الحج والعمرة إلى البيت. والحج الحج الأكبر. والعمرة الحج الأصغر، أورده الهيثمى وقال رواه الطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات (وعن وهيب) عن عبد الله بن عون أنه كان يقرأ ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ يقول هى واجبة، قال وكان الشعبى يقرؤها ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ ويقول هي تطوع (هق)стр. 2993
-[زوائد الباب - ومذاهب الأئمة فى حكم العمرة وأدلة القائلين بوجوبها]-
__
الحواشي
(١) (وعن عبد الله بن لهيعة) عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال الحج والعمرة فريضتان واجبتان (هق) وقال ابن لهيعة غير محتج به، قال وفى حديث الصُّبى بن معبد أنه قال لعمر بن الخطاب رضى الله عنه إنى وجدت الحج والعمرة مكتوبين على، وإنى أهللت بهما، فقال هديت لسنة نبيك ﷺ (قلت سيأتى حديث الصُّبى بن معبد) فى باب ما جاء فى فى القران (وعن ابن جريج) أخبرنى نافع مولى ابن عمر أن عبد الله بن عمر كان يقول ليس من خلق الله أحد إلا عليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع الى ذلك سبيلا، فمن زاد بعدها شيئا فهو خير وتطوع (قال ابن جريج) وأخبرت عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال العمرة واجبة كوجوب الحج من استطاع اليه سبيلا (هق) (وعن طاوس) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال والله انها لقرينتها فى كتاب الله ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ راوه البيهقى وقال رواه الشافعى عن سفيان بن عيينة (وعن ثوير) عن أبيه قال سمعت ابن مسعود يقول "وأقيموا الحج والعمرة الى البيت" ثم يقول والله لولا التحرج أنى لم أسمع من رسول الله ﷺ فيها شيئا لقلت العمرة واجبة مثل الحج (هق) (وعن طلحة بن عبيد الله) رضى الله عنه أنه سمع رسول الله ﷺ يقول "الحج جهاد. والعمرة تطوع" رواه ابن ماجه، قال البوصيرى فى زوائد ابن ماجه فى اسناده ابن قيس المعروف بمندل ضعفه أحمد وابن معين وغيرهما والحسن أيضا ضعيف اهـ (قلت) يعنى الحسن بن يحيى الخشنى أحد رجال السند عند ابن ماجه (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على مشروعية العمرة، وقد اتفق العلماء على ذلك، لكن منها ما يدل على الوجوب ومنها ما يدل على الندب لهذا اختلفت أنظار العلماء (فذهب الى وجوبها) جماعة من أهل الحديث وهو المشهور عند الأمامين (الشافعى وأحمد) وبه قال اسحاق. والثورى. والمزنى. وطاوس. وعطاء. وابن المسيب. وسعيد بن جبير، والحسن البصرى. وابن سيرين والشعبى. ومسروق. وأبو بردة بن أبى موسى الحضرمى. وعبد الله ابن شداد. وداود، وهو مروى عن عمر. وابن عباس. وابن عمر. وجابر من الصحابة رضى الله عنهم، واستدلوا بما فى الزوائد من الأحاديث المصرحة بالوجوب، وبحديث عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى قصة السائل الذى سأل رسول الله ﷺ عن الأيمان والأسلام وهو جبريل ﵇، فقال له النبى ﷺ الأسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وأن تقيم الصلاة. وتؤتى الزكاة. وتحج البيت. وتعتمر. وتغتسل من الجنابة. وتتم الوضوء. وتصوم رمضان، قال فان قلت هذا فأنا مسلم؟ قال نعم، قال صدقت وذكر الحديث، هكذا رواه البيهقى، وقال رواه مسلم فى الصحيح ولم يسق متنه، هذاстр. 2994
-[حجة القائلين بأن العمرة سنة لا واجبة]-
كلام البيهقي (قال النووى فى المجموع) وليس هذا اللفظ على هذا الوجه فى صحيح مسلم ولا للعمرة والغسل من الجنابة والوضوء فيه فى هذا الحديث ذكر؛ لكن الأسناد به للبيهقى موجود من صحيح مسلم، وروى الدارقطنى هذا اللفظ الذى رواه البيهقى بحروفه، ثم قال هذا إسناد صحيح ثابت، واحتج البيهقى أيضا بما رواه بأسناده عن أبي رزين العقيلى الصحابى رضى الله عنه أنه قال يا رسول الله إنى شيخ كبير لا أستطيع الحج والعمرة ولا الظعن، قال حج عن أبيك واعتمر (قال البيهقى) قال مسلم بن الحجاج سمعت أحمد بن حنبل يقول لا أعلم فى إيجاب العمرة، حديثا أجود من هذا ولا أصح منه ولم يجوده أحد كما جوده شعبة، هذا كلام البيهقى (قال النووى) وحديث أبى رزين هذا صحيح، رواه أبو داود والترمذى والنسائى وابن ماجه وغيرهم بأسانيد صحيحة، قال الترمذى هو حديث حسن صحيح اهـ (وذهب أبو حنيفة ومالك وأبو ثور) إلى أن العمرة سنة ليست واجبة، وحكاه ابن المنذر وغيره عن النخعى ودليلهم ما جاء فى الزوائد من الأحاديث المصرحة بعدم الوجوب وبحديث جابر المذكور فى الباب، وأجيب عن الحديث بأن فى اسناده الحجاج بن أرطاة وهو ضعيف وتصحيح الترمذى له فيه نظر، لأن الأكثر على تضعيف الحجاج، واتفقوا على أنه مدلس (قال النووى) ينبغى أن لا يغتر بالترمذى فى تصحيحه فقد اتفق الحفاظ على تضعيفه اهـ (قال الشوكانى) وتصحيح الترمذى له إنما ثبت فى رواية الكروخى فقط، وقد نبه صاحب الأمام على أنه لم يرد على قوله حسن فى جميع الروايات عنه إلا فى رواية الكروخى، وقد قال ابن حزم إنه مكذوب باطل وهو إفراط، لأن الحجاج وإن كان ضعيفًا فليس متهما بالوضع وقد رواه البيهقى من حديث سعيد بن عفير عن يحيى بن أيوب عن عبيد الله عن أبى الزبير عن جابر بنحوه، ورواه ابن جريج عن ابن المنكدر عن جابر، ورواه ابن عدى من طريق أبى عصمة عن ابن المنكدر عن أبى صالح. وأبو عصمة قد كذبوه، قال وفى الباب عن أبى هريرة عند الدارقطنى وابن حزم والبيهقى أن رسول الله ﷺ قال "الحج جهاد والعمرة تطوع" وإسناده ضعيف كما قال الحافظ (وعن طلحة) عند ابن ماجه باسناد ضعيف، وعن ابن عباس عند البيهقى (قال الحافظ) ولا يصح من ذلك شاء، وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره وهو محتج به عند الجمهور، ويؤيده ما عند الطبرانى عن أبى أمامة مرفوعا "من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة" (واستدل القائلون) بوجوب العمرة أيضا بما أخرجه الدارقطنى من حديث زيد بن ثابت رضى الله عنه بلفظ "الحج والعمرة فريضتان لا يضرك بأيهما بدأت" وأجيب عنه بأن فى إسناده اسماعيل بن مسلم المكى وهو ضعيف، وفى الحديث أيضا انقطاع، ورواه
стр. 2995
-[مذاهب العلماء فى أفعال العمرة وأركانها]-
البيهقي موقوفاً على زيد (قال الحافظ) واسناده أصح، وصححه الحاكم ورواه ابن عدى عن جابر وفى اسناده ابن لهيعة (قلت واستدلوا أيضا) بما رواه البخارى. وأبو داود. والنسائى وابن ماجه. والأمام أحمد، وتقدم رقم ٢١ صحيفة ١٨ فى فضل وجوب الحج على النساء عن عائشة رضى الله عنها قالت يا رسول الله أعلى النساء جهاد؟ قال الحج والعمرة هو جهاد النساء (قال الشوكانى) والحق عدم وجوب العمرة، لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلا بدليل يثبت به التكليف ولا دليل يصلح لذلك لا سيما مع اعتضادها بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب؛ ويؤيد ذلك اقتصاره ﷺ على الحج فى حديث بنى الأسلام على خمس واقتصار الله ﷻ على الحج فى قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا﴾ (فان قيل) إن وقوع العمرة فى جواب من سأل عن الأسلام يدل على الوجوب (فيقال) ليس كل أمر من الأسلام واجبا، والدليل على ذلك حديث شعب الأسلام والأيمان فانه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالأجماع ﴿وأما قوله تعالى- وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فلفظ التمام مشعر بأنه انما يجب بعد الأحرام لا قبله، ويدل على ذلك ما أخرجه الشيخان وأهل السنن (وأحمد والشافعى) وابن أبى شيبة عن يعلى بن أمية (قال جاء رجل الى النبى ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق، فقال كيف تأمرنى أن أصنع فى عمرتى؟ فأنزل الله تعالى على النبى ﷺ الآية، فهذا السبب فى نزول الآية، والسائل قد كان أحرم وإنما سأل كيف يصنع، أفاده الشوكاني (هذا وحديث عمرو بن دينار الثانى من حديثى الباب) يستفاد منه أن أركان العمرة ثلاثة. الأحرام. والطواف والسعى (وإلى ذلك ذهب الجمهور وزاد الشافعية) إزالة الشعر لما رواه البخارى والنسائى عن الحسن بن مسلم أن طاوسًا أخبره أن ابن عباس أخبره عن معاوية رضى الله عنه أنه قصر عن النبى ﷺ بمشقص فى عمرة على المروة، وسيأتى للأمام أحمد نحوه فى باب النحر والحلاق والتقصير ان شاء الله تعالى (وزاد الشافعية أيضا) والترتيب بين هذه الأركان، كما فعلها النبى ﷺ الأول فالأول (وخالف الحنفية) فقالوا ليس للعمرة إلا ركن واحد وهو معظم الطواف أربعة أشواط، أما الأحرام فهو شرط لها، وأما السعى بين الصفا والمروة فهو واجب كما فى الحج عندهم، ومثل السعى الحلق أو التقصير فهو واجب فقط لا ركن (فائدة) يجب للعمرة ما يجب للحج، وكذلك يسن لها ما يسن له، وبالجملة فهى كالحج فى الأحرام والفرائض والواجبات والسنن والمحرمات والمكروهات والمفسدات والأحصار وغير ذلك، ولكنها تخالفه فى أمور (وهى) أنها ليس لها وقت معين ولا تفوت. وليس فيها وقوف بعرفة ولا نزول بمزدلفة، وليس فيها رمى جمار ولا جمع بين صلاتين ولا خطبة ولا طواف قدوم، وأن ميقاتها الحل لجميع الناس بخلاف الحج فان ميقاته للمكى الحرم. والله أعلم
стр. 2996
-[عدد غزوات النبى ﷺ وحجه وعمره]-
(٤) باب كم حج النبى ﷺ واعتمر
(٥٢) عن أبى إسحاق حدَّثنى زيد بن أرقم رضى الله عنه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم غزا تسع عشرة وأنَّه حجَّ بعد ما هاجر حجَّةً واحدةَّ، حجَّة الوداع قال أبو إسحاق وبمكَّة أخرى
(٥٣) عن قتادة قال سألت أنسًا كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال أربعًا عمرته الَّتى صدَّه عنها المشركون فى ذي القعدة وعمرته أيضًا فى العام المقبل فى ذى القعدة، وعمرته حين قسم غنيمة حنينٍ من الجعرانة الحواشي
(٥٢) عن أبي اسحاق (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن بن موسى ثنا زهير عن أبى اسحاق قال سألت زيد بن أرقم كم غزوت مع رسول الله ﷺ ؟ قال سبع عشرة، قال وحدثنى زيد بن أرقم أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة- الحديث" (غريبه)(١) معناه أنه يعلم أن النبى ﷺ غزا تسع عشرة غزوة وأخبر أنه غزا معه سبع عشرة اهـ وكانت غزواته ﷺ خمسا وعشرين، وقيل سبعًا وعشرين. وقيل غير ذلك وهو مشهور فى كتب المغازى وغيرها وسيأتى تفصيل غزواته صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعددها فى باب حوادث السنة الثانية من الهجرة من كتاب السيرة النبوية ان شاء الله تعالى(٢) كانت سنة عشر من الهجرة؛ وكونه ﷺ لم يحج إلا مرة واحدة بعد الهجرة هذا متفق عليه، "وقوله قال أبو اسحاق وبمكة أخرى" يعنى قبل الهجرة. وسيأتى فى الزوائد أنه ﷺ حج قبل الهجرة أكثر من مرة والله أعلم (تخريجه) (م. وغيره)(٥٣) عن قتادة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا همام عن قتادة- الحديث" (غريبه)(٣) له فى رواية أخرى كم حج رسول الله ﷺ ؟ قال حجة واحدة واعتمر أربع مرات فذكر نحوه(٤) مفعول لفعل محذوف أى اعتمر أربعًا(٥) هى عمرة الحديبية(٦) يعنى عمرة القضاء(٧) هى المسماة بعمرة الجعرانة وفيها لغتان، إحداهما كسر الجيم وسكون العين المهملة وفتح الراء المخففة وبعد الألف نون، والثانية كسر العين وتشديد الراء. والى التخفيف ذهب الأصمعى وصوبه الخطابى، وقال فى تصحيف المحدثين إن هذا مما ثقلوه وهو مخفف. وحكى القاضى عياض عن ابن المدينى قال أهل المدينة ينقلونه وأهل العراق يخففونه، وهى ما بين الطائف ومكة وهى إلى مكة أقربстр. 2997
-[عدد عمر النبى ﷺ وأنها كلها كانت فى أشهر الحج]-
فى ذي القعدة، وعمرته مع حجَّته
(٥٤) عن ابن عبَّاسٍ رضى الله عنهما قال اعتمر النَّبيُّ ﷺ أربع عمرٍ؛ عمرة الحديبية. وعمرة القضاء. والثَّالثة من الجعرانة. والرَّابعة الَّتى مع حجَّته
(٥٥) عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه أنَّ النَّبىَّ ﷺ اعتمر ثلاث عمرٍ كلُّ ذلك فى ذي القعدة يلبِّى حيث يستلم الحجر
(٥٦) عن عائشة ﵂ قالت ما اعتمر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم إلَّا في ذى القعدة، ولقد اعتمر ثلاث عمرٍ
(٥٧) عن مجاهدٍ عن ابن عمر رضى الله عنهما قال سئل كم اعتمر الحواشي
(١) يعني العمرة التى قرنها ﷺ بحجته. لأنه كان قارنا (قال ابن حزم) ستة عشر من الثقات مع أنس اتفقوا على أن لفظ النبى ﷺ كان إهلالا بحجة وعمرة معًا. وصرحوا عن أنس أنه سمع ذلك منه ﷺ اهـ (قلت) وسيأتى ذلك فى باب ما جاء فى القران (تخريجه) (ق. د. مذ) وغيرهم(٥٤) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو النضر ثنا داود يعنى العطار عن عمرو عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما قال اعتمر النبى ﷺ الحديث" (تخريجه) رواه ابن ماجه فى سننه وسنده جيد(٥٥) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا حجاج عن عمرو بن شعيب- الحديث" (غريبه)(٢) يعنى غير العمره التى كانت مع حجته ﷺ فانها كانت فى ذى الحجة (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وسنده جيد(٥٦) عن عائشة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن سلمة عن أبى اسحاق عن يحيى بن عبَّاد عن أبيه عباد بن عبد الله بن الزبير قال دخلت على عائشة فقالت ما اعتمر رسول الله ﷺ الحديث" (غريبه)(٤) تعنى سوى التى قرنها بحجة الوداع كما صرحت بذلك فى الحديث التالى (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد ورجاله كلهم ثقات، وروى ابن ماجه الشق الأول منه، وصححه الحافظ(٥٧) عن مجاهد عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبي ثناстр. 2998
-[ما جاء في عمرة الحديبية]-
رسول الله ﷺ ؟ قال مرَّتين فقالت عائشة لقد علم ابن عمر أنَّ رسول الله ﷺ قد اعتمر ثلاثةً سوى الَّتى قرنها بحجَّة الوداع
(فصل منه فى عمرة الحديبية)
(٥٨) عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أنَّ رسول الله ﷺ خرج معتمرًا فحال كفَّار قريشٍ بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية فصالحهم على أن يعتمروا العام المقبل، ولا يحمل السِّلاح عليهم الحواشي
(١) يشبه أن يكون ابن عمر لم يعد العمرة التى قرنها النبى ﷺ بحجته، ولم يعد أيضا عمرة الحديبية لأن النبى ﷺ صدَّ عنها(٢) أى علم مشاهدة لما صرحت به عائشة فى حديث آخر حيث قالت "يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة إلا وهو معه" رواه البخارى والأمام أحمد وسيأتى فى العمرة فى رجب، وكأنها نسبته إلى نسيانه بعد علمه بأنها كانت أربع عمر لما رواه مجاهد وعروة بن الزبير عن عبد الله بن عمر أنهما قالا له كم اعتمر رسول الله ﷺ قال أربعا، رواه البخارى والأمام أحمد وسيأتى فى العمرة فى رجب أيضًا(٣) هى عمرة الحديبية. والقضاء. والجعرانة(٤) هى الرابعة التى قرنها بحجة الوداع سنة عشر كما تقدم (تخريجه) (د) قال المنذرى وأخرجه النسائى وأخرجه ابن ماجه مختصرا بنحوه(٥٨) عن عبد الله بن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يونس وسريج قالا ثنا فليح عن نافع عن ابن عمر- الحديث" (غريبه)(٥) كان خروجه ﷺ يوم الأثنين مستهل ذى القعدة سنة ست من الهجرة وبعث عينًا له من خزاعة يخبر عن قريش، وهذا العين اسمه بسر بضم الموحدة وسكون المهملة بن سفيان. ذكره ابن عبد البر وغيره. وكان دليله إليها عمرو بن عبد تميم الأسلمى ذكره العسكرى وابن شاهين، وقد ثبت فى الصحيحين وعند الأمام أحمد وغيره أنهم كانوا ألفًا وأربعمائة، وسيأتى ذلك فى باب عمرة الحديبية من أبواب حوادث السنة السادسة من كتاب السيرة النبوية عن جابر قال كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة، فقال لنا رسول الله ﷺ أنتم اليوم خير أهل الأرض، وله فى رواية أخرى قال كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهى سمرة على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت(٦) بحاء مضمومة فمهملة مفتوحةстр. 2999
-[من أفعال العمرة تقليد الهدى وإشعاره والحلاق أو التقصير]-
(وفي لفظ ولا يحمل سلاحًا) إلَّا سيوفًا ولا يقيم بها إلَّا ما أحبُّوا، فاعتمر من العام المقبل فدخلها كما كان صالحهم، فلمَّا أن أقام ثلاثًا أمروه أن يخرج فخرج
(٥٩) عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا قلَّد رسول الله ﷺ الهدى وأشعره بذى الحليفة، وأحرم منها بالعمرة، وحلق بالحديبية فى عمرته، وأمر أصحابه بذلك، ونحر بالحديبية قبل أن يحلق وأمر أصحابه بذلك
(فصل منه في عمرة القضاء (*)) الحواشي
(١) هذا اللفظ لسريج أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث(٢) يعنى عمرة القضاء وسيأتى الكلام عليها فى الفصل التالى (تخريجه) لم أقف عليه بهذا اللفظ لغير الأمام أحمد وسنده جيد ومعناه فى البخارى وغيره(٥٩) عن المسور بن مخرمة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبد الرزاق أنا معمر عن الزهرى عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان- الحديث" (غريبه)(٣) تقليد الهدى هو أن يفتل حبل من قشر شجر الحرم ويجعل فى عنق الهدى كالقلادة ليعلم أنه هدى فلا يمسه أحد بسوء، ويجوز أن تكون القلادة بحبل من العهن أى الصوف، وقيل هو المصنوع منه، وقيل هو الأحمر خاصة، وقد ثبت كون القلادة من العهن من حديث عائشة رضى الله عنها عند البخارى وغيره قالت "فتلت قلائدها من عهن كان عندى" واختار الأمام مالك وربيعة أن تكون من نبات الأرض (قال ابن التين) لعله أراد أنه الأولى مع القول بجواز كونها من الصوف والله أعلم "والأشعار" هو أن يكشط شاء من جلد البدنة حتى يسيل دم ثم يسلته فيكون ذلك علامة على كونها هديا، ويجوز أن يعلق فى عنقها نعلا، وسيأتى الكلام على ذلك مستوفى فى باب ما جاء فى إشعار البدن وتقليد الهدى، وهو الباب الأول من كتاب الهدايا والضحايا (تخريجه) (خ وغيره)
_________
(*) وتسمى أيضا بعمرة القضية، وإنما سميت بهما لأنه ﷺ قاضى قريشًا فيها لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التى صد عنها، إذ لو كان كذلك لكانتا عمرة واحدة (وهذا مذهب الشافعية والمالكية) وقالت الحنفية هى قضاء عنها؛ وكانت فى ذى القعدة سنة سبع من الهجرة قبلстр. 3000
-[ما جاء في عمرة القضاء أو القضية]-
(٦٠) عن عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه قال كنَّا مع رسول الله ﷺ حين اعتمر فطاف وطفنا معه، وصلَّي وصلَّينا معه وسعى بين الصَّفا والمروة وكنَّا نستره من أهل مكَّة لا يصيبه أحدٌ بشاءٍ
(٦١) عن إسماعيل بن أبى خالدٍ قال قلت لعبد الله بن أبى أوفي رضى الله عنه أدخل النَّبىُّ ﷺ البيت في عمرته قال لا الحواشي
(٦٠) عن عبد الله بن أبي أوفى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعلى ثنا اسماعيل قال سمعت عبد الله بن أبى أوفى يقول كنا مع رسول الله ﷺ الحديث" (غريبه)(١) قال فى المواهب خرج مع رسول الله ﷺ من المسلمين ألفان واستخلف على المدينة أبارهم، بضم الراء وسكون الهاء اسمه كلثوم بن الحصين الغفارى وساق ﵊ ستين بدنة اهـ(٢) يعنى خلف المقام ركعتين كما فى رواية البخارى، والمراد بالمقام هنا مقام ابراهيم ﵊(٣) أى خوفا عليه من غدر أهل مكة (تخريجه) (خ. د نس. جه)(٦١) عن إسماعيل بن أبى خالد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا اسماعيل بن أبى خالد- الحديث" (غريبه)(٤) يعنى الكعبة، وقد ثبت أنه ﷺ دخلها حين فتح مكة بالاتفاق وفى حجة الوداع على خلاف فى ذلك كما سيأتى فى بابه "وقوله فى عمرته" يعنى عمرة القضاء أو القضية(٥) ، قيل سبب عدم دخوله ﷺ الكعبة فى هذه العمرة ما كان فيها حينئذ من الأصنام ولا يمكنه إزالتها، لأن المشركين لا يمكنونه من ذلك، فلما كان فى الفتح أمر بأزالتها ثم دخلها، ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع فى الشرط، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الأقامة بمكة زيادة على الثلاث فلم يقصد دخولها لئلا يمنعوه (تخريجه) (خ. د. نس. جه) وروى الترمذى وأبو يعلى والطبرانى والنسائى وهذا لفظه عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال "دخل النبى ﷺ مكة
_________
فتح مكة (قال السهيلى) والمراد بالقضاء والقضية الكتاب الذى وقع بين رسول الله ﷺ والمشركين ووهم من ظن أن المراد قضاء العمرة التى تحللوا منها، إذ لا يجب القضاء على المحصر وتسمى عمرة الصلح، قاله الحاكم فى الأكليل، وتسمى عمرة القصاص لنزول قوله تعالى ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص﴾ اهـстр. 3001
-[شعر ابن رواحة فى عمرة القضاء - وما جاء فى عمرة الجعرانة]-
(فصل منه فى عمرة الجعرانة)
(٦٢) عن محرِّشٍ الكعبيِّ الخزاعىِّ رضى الله عنه أنَّ النَّبىَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم خرج ليلًا من الجعرانة حين أمسى معتمرًا فدخل مكَّة ليلًا فقضى عمرته، ثمَّ خرج من تحت ليلته فأصبح بالجعرانة كبائتٍ حتَّى إذا زالت الشَّمس خرج من الجعرانة فى بطن سرف حتَّى جامع الطَّريق الحواشي
(٦٢) عن محرش الكعبى (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج قال أخبرنى مزاحم بن أبى مزاحم عن عبد العزيز بن عبد الله عن محرش الكعبى- الحديث" (غريبه)(١) بضم أوله وفتح ثانيه وكسر راء مشددة فمعجمة، ويقال بكسر أوله وسكون ثانيه، ويقال بسكون المعجمة وفتح الراء الخفيفة(٢) تقدم ضبطها، والأشهر أنها بكسر الجيم وسكون العين المهملة وهى ما بين الطائف ومكة وهى إلى مكة أقرب (قال الحافظ بن كثير) فى تاريخه البداية والنهاية عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذى لا يمكن منعه ولا دفعه، ومن نفاها لا حجة معه فى مقابلة من أثبتها والله أعلم وهم كالمجمعين على أنها كانت فى ذى القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين، وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبرانى بسنده عن ابن عباس قال لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر فيها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال فانه غريب جدا وفى اسناده نظر والله أعلم اهـ، ويعارضه ما جاء عند الشيخين والأمام أحمد من حديث أنس مصرحا بأنها كانت فى ذى القعدة، ولفظ مسلم "وعمرة من جعرانة حيث قسم غنائم حنين فى ذى القعدة" ويوم حنين كانت غزوة هوازن، وحنين واد بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وكانت فى سنة ثمان وهى سنة غزوة الفتح، وكانت غزوة هوازن بعد الفتح فى خامس شوال(٣) بوزن كتف مصروفا وممنوعا، وهو موضع قريب من التنعيم، وتقدم الكلامстр. 3002
-[ما جاء في العمرة فى رجب والكلام على ذلك]-
طريق المدينة بسرف، قال محرِّشٌ فلذلك خفيت عمرته على كثيرٍ من النَّاس (زاد فى روايةٍ) فنظرت إلى ظهره كأنَّه سبيكة فضَّةٍ
(فصل منه فيما جاء فى العمرة فى رجب)
(٦٣) عن مجاهد قال دخلت أنا وعروة بن الزُّبير المسجد فإذا نحن بعبد الله بن عمر رضى الله عنهما فجالسناه قال فإذا رجالٌ يصلُّون الضُّحي، فقلنا يا أبا عبد الرَّحمن ما هذه الصَّلاة؟ فقال بدعةٌ فقلنا له كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال أربعًا إحداهنَّ في رجبٍ، قال فاستحيينا أن نردَّ الحواشي
(١) منهم ابن عمر ومولاه نافع، فقد روى مسلم بسنده عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال لم يعتمر منها (قال الحافظ) ابن كثير فى تاريخه البداية والنهاية، وهذا غريب جدا عن ابن عمر وعن مولاه نافع فى انكارهما عمرة الجعرانة وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، وذكر ذلك أصحاب المغازى والسنن كلهم اهـ(٢) أى فى صفاء اللون والاعتدال، وإنما تمكن من النظر إلى ظهره ﷺ لأنه كان محرما إذ ذاك بالعمرة (تخريجه) (د. نس. مذ) وقال الترمذى حسن غريب ولا يعرف لمحرش الكعبى عن النبى ﷺ غير هذا الحديث، وقال أبو عمرو النمرى روى عنه حديث واحد وذكر هذا الحديث(٦٣) عن مجاهد (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عبيدة بن حميد عن منصور بن المعتمر عن مجاهد- الحديث" (غريبه)(٣) يعنى إظهارها فى المسجد والاجتماع لها هوالبدعة، لا أن نفس تلك الصلاة بدعة (قال القاضى عياض) وغيره إنما أنكر ابن عمر ملازمتها واظهارها فى المساجد وصلاتها جماعة لأنها مخالفة للسنة، ويؤيده ما رواه ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قوما يصلونها فأنكر عليهم فقال ان كان ولا بد ففى بيوتكم اهـ (قلت) صلاة الضحى سنة ثابتة بقول رسول الله ﷺ وفعله، انظر أبواب صلاة الضحى صحيفة ١٩ فى الجزء الخامس(٤) يعنى اعتمر أربعا هكذا وقع فى رواية منصور عن مجاهد، وهذا يخالف ما تقدم فى الحديث السادس من أحاديث الباب من رواية أبى اسحاق عن مجاهد عن ابن عمر رضى الله عنهما، قال سئل كم اعتمر رسول اللهстр. 3003
إنكار عائشة رضى الله عنها اعتمار النبى ﷺ فى رجب
الحواشي
(١) يستفاد منه أنهما كان يعلمان الحكم ولكنهما كرها الرد عليه لكبر سنه وشرف صحبته، فأخبر عروة عائشة بما قال ليكون الرد منها(٢) قيل استنانها سواكها، وقيل استعمالها الماء (قال ابن فارس) سننت الماء على وجهى اذا أرسلته إرسالا الا أن يكون استن لم تستعمله العرب الا فى السواك، وقيل معناه سمعنا حس مرور السواك على أسنانها (قلت) جاء صريحا فى رواية عطاء عن عروة عند مسلم قال "وانا لنسمع ضربها بالسواك تستن"(٣) هو عبد الله بن عمر ذكرته بكنيته تعظيما له ودعت له إشارة الى أنه نسى "وقولها أما إنه لم يعتمر" تعنى رسول الله ﷺ "عمرة الا وهو" أى ابن عمر "شاهدها" أى حاضر معه، وقالت ذلك مبالغة فى نسبته الى النسيان ولم تنكر عائشة على ابن عمر الا قوله احداهن فى رجب، ولذا قالت وما اعتمر شيئا فى رجب "وفى رواية للأمام أحمد أيضا" فقالت يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة الا وهو معه، ما اعتمر رسول الله ﷺ فى رجب قط(٤) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يحيى عن ابن جريج- الحديث"стр. 3004
-[زوائد الباب فى عدد عمر النبى ﷺ ]-
رجبٍ، قالت يغفر الله لأبى عبد الرَّحمن، نسى، ما اعتمر النَّبيُّ ﷺ فى رجبٍ، قال وابن عمر يسمع فما قال لا ولا نعم، سكت
الحواشي
(١) قال النووي سكوت ابن عمر على انكار عائشة يدل على أنه كان اشتبه عليه أو نسى أو شك، وقال القرطبى عدم إنكاره على عائشة يدل على أنه كان على وهم وأنه رجع لقولها، وقد تعسف من قال إن ابن عمر أراد بقوله اعتمر فى رجب عمرة قبل الهجرة، لأنه وإن كان محتملا، لكن قول عائشة ما اعتمر فى رجب يلزم منه عدم مطابقة ردها عليه لكلامه ولا سيما وقد بينت الأربع وأنها لو كانت قبل الهجرة فما الذى كان يمنعه أن يفصح بمراده فيرجع الأشكال، وأيضا فان قول هذا القائل، لأن قريشا كانوا يعتمرون فى رجب يحتاج إلى نقل وعلى تقديره فمن أين له أنه ﷺ وافقهم، وهب أنه وافقهم فكيف اقتصر على مرة (تخريجه) (ق. وغيرهما) (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) رضى الله عنهما أن النبى ﷺ حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة فساق ثلاثة وستين بدنة وجاء على من اليمن ببقيتها فيها جمل لأبى جهل فى أنفه برة (بضم الباء وتخفيف الراء الحلقة تكون فى أنف البعير) من فضة فنحرها فأمر رسول الله ﷺ من كل بدنه ببضعة فطبخت فشرب من مرقها. رواه الترمذى وقال هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه الا من حديث زيد بن حباب ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن روى هذا الحديث فى كتبه عن عبد الله بن أبى زياد. وسألت محمدا (يعنى البخارى) عن هذا الحديث فلم يعرفه من حديث الثورى عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النبى ﷺ ورأيته لا يعد هذا الحديث محفوظا، وقال إنما يروى عن الثورى عن أبى اسحاق عن مجاهد مرسلا (وعن عروة عن عائشة رضى الله عنها) أن رسول الله ﷺ اعتمر عمرتين، عمرة فى ذى القعدة، وعمرة فى شوال. رواه أبو داود (وعنه أيضا) عن عائشة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم اعتمر ثلاث عمر، عمرتين فى ذى القعدة، وعمرة فى شوال. رواه سعيد بن منصور فى سننه والبيهقى وقوَّى الحافظ إسناده، ورواه الأمام مالك فى الموطأ عن هشام عن أبيه مرسلا. لكن قولها فى شوال مغاير لقول غيرها فى ذى القعدة بل لقولها كما فى رواية عباد بن عبد الله بن الزبير عنها قالت "ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا فى ذى القعدة ولقد اعتمر ثلاث عمر" وهو مذكور فى أحاديث الباب. وسيأتى الكلام على ذلك فى الأحكام (وعن أبى هريرة) رضى الله عنه قال اعتمر النبى ﷺ ثلاث عمر كلها فى ذى القعدة (هق) (وعن جابر) رضى الله عنه أن النبى ﷺ اعتمر ثلاث عمر كلها فيстр. 3005
-[زوائد الباب - وشئ من احكامه - ومعجزة للنبى ﷺ ]-
__
الحواشي
(١) وماء الكد لخالد وما بقى من الوادى لك يا محرش، ثم أن النبى ﷺ فحص الكدة بيده فانبجس الماء (أى انفجر) فشرب ثم ندب النبى ﷺ العمرة فأرسل خالد الى رجل من أصحابه يقال له محرش بن عبد الله والنبى ﷺ يومئذ خائف من دخول مكة فسار به طريقا يعدله عن من يخاف من ذلك قد عرفها حتى قضى نسكه وأضحى عند خالد راجعين وأحله محرش يعنى خلفه (طب) أورده الهيثمى وقال فيه من لم أعرفه، وأورد أيضا الثلاثة قبله وتكلم عليها جرحا وتعديلا (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد تدل على أن النبى ﷺ حج ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر؛ والمهم منها هى الحجة التى كانت بعد الهجرة سنة عشر، لأنها جاءت بعد افتراض الحج وتعلم الناس المناسك منها. وأجمع المسلمون عليها (وفيها أيضا دلالة) على أنه ﷺ اعتمر أربع عمر (الأولى) عمرة الحديبية سنة ست من الهجرة (والثانية) عمرة القضاء فى السنة السابعة (والثالثة) عمرة الجعرانة فى السنة الثامنة بعد فتح مكة (والرابعة) كانت مع حجته وكلها كانت فى القعدة إلا الرابعة فكانت فى ذى الحجة، هذا هو الصحيح الذى دلت عليه الأحاديث الصحيحة (وذهب اليه المحققون من الفقهاء) والمحدثين (أما ما ورد فيها) مخالفًا لذلك فى العدد كما جاء فى بعض روايات عائشة وابن عمر أنه ﷺ اعتمر مرتين، وفى بعضها ثلاثا كرواية عمرو
_________(١) بضم الكاف وفتح الدال المهملة مشدده، قال فى النهاية الكدة هى الأرض الغليظة، لانها تكد الماشى فيها أى تتعبه اهـ، والمعنى أن النبى ﷺ قسم ماء أشقاب الذى ينتهى إلى الكدة قسمين فجعل قسما منه يسمى بماء الكد لخالد بن عبد العزى وما بقى من الوادى لمحرش، وإنما فعل ذلك ﷺ معهما، لأن خالدا أكرم نزله، ومحرشًا رافقه فى الطريق، وكان صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يصنع معه معروف إلا ويكافاء صاحبه عليه بأفضل منه فينبغى الاقتداء به صلى الله عليه وسلمстр. 3006
-[كلام العلماء فى أنه ﷺ اعتمر أربع عمر فى ذى القعدة ولم يعتمر فى رجب]-
__
الحواشي
(١) ابن شعيب وعائشة المذكورين فى أحاديث الباب، وكذلك ما جاء فى الزوائد عن عمر وجابر وأبى هريرة، فيجمع بينها بأن من قال عمرتين فانه لم يحسب الأولى وهى عمرة الحديبية لكونها لم تتم، والعمرة التى كانت مع حجته لانها كانت مقرونة بحجه ﷺ كما تقدم (وأما ما ورد فيها) مخالفا فى الزمن كحديث ابن عمر رضى الله عنهما أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر فى رجب فيحمل على النسيان كما صرحت بذلك عائشة رضى الله عنها فقالت "يغفر الله لأبى عبد الرحمن نسى" وكذلك قال غير واحد من المحدثين المحققين (وأما ما رواه أبو داود) بسند قوى عن عائشة رضى الله عنها أن النبى ﷺ اعتمر ثلاث عمر عمرتين فى ذى القعدة وعمرة فى شوال فيجمع بينه وبين ما ورد فى الأحاديث الصحيحة أن الثلاثة كانت فى ذى القعدة بأن يكون وقع فى آخر شوال وأول ذى القعدة؛ ويؤيده ما رواه الأمام أحمد وابن ماجه بأسناد صحيح عنها أنها قالت "ما اعتمر رسول الله ﷺ إلا فى ذى القعدة ولقد اعتمر ثلاث عمر" (قال الحافظ ابن القيم) رحمه الله تعالى وظن بعض الناس أن النبى ﷺ اعتمر فى سنة مرتين، واحتج بما أخرجه أبو داود عن عائشة، قالوا وليس المراد بها ذكر مجموع ما اعتمره فان أنسا وعائشة وابن عباس وغيرهم قد قالوا إنه اعتمر أربع عمر فعلم أن مرادها به أنه اعتمر فى سنة مرتين، مرة فى ذى القعدة ومرة فى شوال، قال وهذا الحديث وهم وإن كان محفوظا عنها فان هذا لم يقع قط فانه اعتمر أربع عمر بلا ريب (العمرة الأولى) كانت فى ذى القعدة عمرة الحديبية ثم لم يعتمر إلا فى العام القابل (عمرة القضية) فى ذى القعدة ثم رجع إلى المدينة ولم يخرج إلى مكة حتى فتحها سنة ثمان فى رمضان ولم يعتمر ذلك العام، ثم خرج إلى حنين وهزم الله أعداءه فرجع إلى مكة (وأحرم بعمرة) وكان ذلك فى ذى القعدة كما قال أنس وابن عباس فمتى اعتمر فى شوال؟ ولكن لقى العدو فى شوال وخرج فيه من مكة وقضى عمرته لما فرغ من أمر العدو فى ذى القعدة ليلا ولم يجمع ذلك العام بين عمرتين ولا قبله ولا بعده، قال وقولها اعتمر فى شوال إن كان هذا محفوظا فلعله فى عمرة الجعرانة حين خرج فى شوال ولكن إنما أحرم بها فى ذى القعدة (قال) ولا تناقض بين حديث أنس "فى الصحيحين" أنهن فى ذى القعدة إلا التى مع حجته وبين قول عائشة وابن عباس لم يعتمر رسول الله ﷺ إلا فى ذى القعدة، لأن مبدأ عمرة القران كان فى ذى القعدة ونهايتها كان فى ذى الحجة مع انقضاء الحج، فعائشة وابن عباس أخبرا عن ابتدائها، وأنس أخبر عن انقضائها، (فأما قول عبد الله بن عمر) إن النبى ﷺ اعتمر أربعا إحداهن فى رجب فوهم منه رضى الله عنه، قالت عائشة لما بلغها ذلك عنه "يرحم الله أبا عبد الرحمن ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرة قط إلا وهو شاهد، وما اعتمر فى رجب قط" وأما ما رواه الدارقطنى عن عائشة قالتстр. 3007
-[كلام الحافظ ابن القيم فى أحاديث العمرة - وأنه ﷺ لم يعتمر فى رمضان]-
(٥) باب صفة حج النبى ﷺ
(٦٤) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى حدَّثنا يحيي حدَّثنا جعفرٌ حدَّثنى أبى قال أتينا جابر بن عبد الله رضى الله عنهما وهو فى بنى سلمة فسألناه عن حجَّة النَّبيِّ ﷺ فحدَّثنا أنَّ رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم يحجَّ الحواشي
(٦٤) حدّثنا عبد الله (غريبه)(١) بفتح الحاء ويجوز كسرها والمراد حجة الوداع(٢) بفتح الكاف وضمها أى لبث بالمدينة بعد الهجرة لكنه اعتمر، وقدстр. 3008
-[صفة حج النبى ﷺ وتاريخه وعدد من حضره]-
ثمَّ أذِّن فى النَّاس أنَّ رسول الله ﷺ حاجٌّ هذا العام، قال فنزل المدينة بشرٌ كثيرٌ كلُّهم يلتمس أن يحجَّ يأتمُّ برسول الله ﷺ ويفعل مثل ما يفعل فخرج رسول الله ﷺ لعشرٍ بقين من ذى القعدة وخرجنا معه حتَّى أتى ذا الحليفة نفست أسماء بنت عميسٍ بمحمَّد بن أبى بكرٍ، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ كيف أصنع؟ قال اغتسلى، ثم استذفري بثوبٍ ثمَّ أهلِّى، فخرج رسول الله ﷺ حتَّى إذ استوت به ناقته على البيداء أهلَّ بالتَّوحيد لبَّيك
الحواشي
(١) بضم الهمزة مبنى للمجهول أى نادى مناد بأذنه، ويجوز بناؤه للمعلوم ويكون النبى ﷺ أعلمهم بذلك بنفسه؛ وعلى كلا الأمرين فالمراد إعلام الناس بحجه ﷺ وإشاعته بينهم ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أقواله وأفعاله، وتشيع دعوة الأسلام وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يستحب للأمام إيذان الناس بالأمور المهمة ليتأهبوا لها(٢) قال القاضى عياض هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا بالحج لأنه ﷺ أحرم بالحج وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر وما عمل من شاء عملنا به، ومثله توقفهم عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر اليهم، ومثله تعليق علىّ وأبى موسى احرامهما على احرام النبى ﷺ(٣) قال فى المرقاة وقد بلغ جملة من معه ﷺ من أصحابه فى تلك الحجة تسعين ألفًا. وقيل مائة وثلاثين ألفًا اهـ (وقوله ذا الحليفة) بضم الحاء المهملة والفاء اسم مكان على نحو ستة أميال من المدينة، وبينه وبين مكة عشر مراحل أو تسع(٤) بكسر الفاء أى ولدت كما صرح بذلك فى رواية مسلم وأبى داود(٥) بالذال المعجمة وكذا عند أبى داود، وعند مسلم استثفرى بالثاء المثلثة بدل الذال، والمعنى واحد (قال النووى) فيه استحباب غسل الأحرام للنفساء، وفيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثفار. وهو أن تشد فى وسطها شيئا وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محل الدم وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها فى ذلك المشدود فى وسطها. وهو شبيه بثفر الدابة بفتح الفاء (وفيه) صحة إحرام النفساء وهو مجمع عليه والله أعلم اهـ (وقوله ثم أهلى) أى لبى وارفعى صوتك بالتلبية (قال العلماء) الأهلال رفع الصوت بالتلبية عند الدخول فى الأحرام، يقال أهلَّ المحرم بالحج يهل إهلالا اذا لبى ورفع صوته، والمهل بضم الميم موضع الأهلال، وهو الميقات الذى يحرمون منه(٦) أصل البيداء المفازة التى لا شاء بها، وهى هاهنا اسم موضعстр. 3009
-[صفة التلبية - وحجة القائلين بأنه ﷺ نوى الحج مفردا]-
اللَّهمَّ لبَّيك، لا شريك لك لبَّيك، إنَّ الحمد والنِّعمة لك والملك لا شريك لك، ولبَّي النَّاس. والنَّاس يزيدون ذ المعارج ونحوه من الكلام والنَّبيُّ ﷺ يسمع فلم يقل لهم شيئًا، فنظرت مدَّ بصري وبين يدى رسول الله ﷺ من راكبٍ وماشٍ ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، قال جابرٌ ورسول الله ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله وما عمل به من شاءٍ عملنا به، فخرجنا لا ننوى إلَّا الحجَّ حتَّى أتينا الكعبة فاستلم نبيُّ الله ﷺ الحجر الأسود ثمَّ
الحواشي
(١) أى العلو والفواضل، قاله ابن عباس (وقال مجاهد) ذا المعارج معارج السماء (وقال قتادة) ذا الفواضل والنعم (قال القاضى) عياض رحمه الله تعالى فيه اشارة الى ما روى من زيادة الناس فى التلبية من الثناء والذكر كما روى فى ذلك (عن عمر) رضى الله عنه أنه كان يزيد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهوبا منك ومرغوبا اليك (وعن ابن عمر) رضى الله عنهما لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء اليك والعمل (وعن أنس) رضى الله عنه لبيك حقا تعبدا ورقا (قال القاضى) قال أكثرالعلماء المستحب الاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ وبه قال (مالك والشافعى) والله أعلم(٢) قال النووى هكذا فى جميع النسخ مد بصرى (يعنى نسخ مسلم) وهو صحيح ومعناه منتهى بصرى، قال وأنكر بعض أهل اللغة مد بصرى وقال الصواب مدى بصرى وليس هو بمنكر بما هما لغتان. المد أشهر(٣) فيه جواز الحج راكبًا وماشيا (قال النووى) وهو مجمع عليه، وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة واجماع الأمة قال الله تعالى ﴿وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر﴾(٤) معناه الحث على التمسك بما أخبركم عن فعله فى حجته تلك فانه مأخوذ عن الوحى(٥) فيه أن السنة للحجاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليتمكنوا من استلام الحجر الأسود والطواف وغيرهстр. 3010
-[كيفية الطواف - ثم الصلاة فى مقام ابراهيم - ثم السعى بين الصفا والمروة]-
رمل ثلاثةً ومشى أربعةً حتَّى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم فصلَّى خلفه ركعتين ثمَّ قرأ ﴿واتَّخذوا من مقام إبراهيم مصلًّى﴾ قال أبى قال أبو عبد الله يعنى جعفرًا فقرأ فيهما بالتَّوحيد، وقل يا أيُّها الكافرون؛ ثمَّ استلم الحجر وخرج إلى الصَّفا ثمَّ قرأ ﴿إنَّ الصَّفا والمروة من شعائر الله﴾ ثمَّ قال نبدأ بما بدأ الله به فرقي على الصَّفا حتَّى إذا نظر إلى البيت كبَّر قال
الحواشي
(١) يعني في طواف القدوم، وفيه أن المحرم إذا دخل مكة قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبع مرات لقوله ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة، وفيه أن السنة الرمل فى الثلاث الأول ويمشى على عادته فى الأربع الأخيرة، قال العلماء الرمل هو أسرع المشى مع تقارب الخطا وهو الخبب(٢) هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغى لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلى خلف المقام ركعتى الطواف واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان، وسيأتى ذكر الخلاف فى أبواب الطواف إن شاء الله تعالى(٣) القائل (قال أبى) هو عبد الله بن الأمام أحمد(٤) هو جعفر بن محمد بن على بن الحسين رضى الله عنهم يقول ما معناه ان النبى ﷺ قرأ فى ركعتى الطواف فى الركعة الأولى بعد الفاتحة قل يا أيها الكافرون، وفى الثانية بعد الفاتحة بالتوحيد. يعنى بسورة قل هو الله أحد، وقد جاءت هذه الجملة فى صحيح مسلم مرفوعة الى النبى ﷺ بلفظ "فكان أبى يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبى ﷺ كان يقرأ فى الركعتين قل هو الله أحد. وقل يا أيها الكافرون" قال النووى معنى هذا الكلام أن جعفر بن محمد روى هذا الحديث عن أبيه عن جابر قال كان أبى يعنى محمدا يقول إنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر ولا أعلم أبى ذكر تلك القراءة عن قراءة جابر فى صلاة جابر. بل عن جابر عن قراءة النبى ﷺ فى صلاة هاتين الركعتين (قال) وأما قوله لا أعلم ذكره الا عن النبى ﷺ ليس هو شكا فى ذلك، لأن لفظة العلم تنافى الشك. بل جزم برفعه الى النبى ﷺ ، وقد ذكره البيهقى بأسناد صحيح على شرط مسلم عن جعفر ابن محمد عن أبيه عن جابر أن النبى ﷺ طاف بالبيت فرمل من الحجر الأسود ثلاثًا ثم صلى ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد(٥) فيه دليل للقائلين بالعود الى استلام الحجر الأسود بعد الفراغ من صلاة الركعتين ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب وانما هو سنة لو تركه لم يلزمه دم(٦) أى نبدأ السعى من الصفا، لأن الله قدمه فى الذكر فقال "إن الصفا والمروة من شعائر الله" فبدأстр. 3011
-[كيفية السعى والأذكار التى تقال على الصفا والمروة]-
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شاءٍ قديرٌ، لا إله إلَّا الله أنجز وعده وصدَّق عبده وغلب الأحزاب وحده، ثمَّ دعا ثمَّ رجع إلى هذا الكلام، ثمَّ نزل حتَّي إذا انصبَّت قدماه فى الوادى رمل حتَّى إذا صعد مشى حتَّي أتى المروة فرقى عليها حتَّي نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصَّفا فلمَّا كان السَّابع عند المروة، قال يا أيُّها النَّاس إنِّى لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي
الحواشي
(١) هكذا فى المسند "وصدق عبده" يعنى محمدًا ﷺ ورواية مسلم وأبى داود فى هذا الحديث نفسه (ونصر عبده) بدل وصدق، ومعنى تصديق الله تعالى لعبده تأييده بالمعجزات. والله أعلم (وغلب الأحزاب) أى هزمهم فى يوم الخندق (وحده) أى من غير قتال الآدميين قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ أو المراد كل من تحزب لحرب رسول الله ﷺ فانه هزمهم؛ وكان الخندق فى شوال سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس(٢) أى بعد فراغه من هذا الذكر (ثم رجع إلى هذا الكلام) أى الذكر بعد الدعاء، قال السندى يقول الذكر ثلاث مرات ويدعو بعد كل مرة(٣) قال القاضى عياض مجاز من قولهم صب الماء فانصب أى انحدرت قدماه، ومنه إذا مشى كأنه ينحط فى صبب أى موضه منحدر(٤) أى سعى وأسرع فى المشى فى بطن الوادى، وقد صرح بذلك فى رواية أبى داود، والمراد ببطن الوادى المنخفض منه، فاذا بلغ المرتفع منه مشى باقى المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعى مستحب فى كل مرة من المرات السبع فى هذه المواضع؛ والمثنى مستحب فيما قبل الوادى وبعده(٥) يعنى صنع على المروة كما صنع على الصفا من الرقى واستقبال القبلة والذكر والدعاء، وهذا متفق عليه(٦) أى لو علمت فى قبل من أمرى ما علمته فى دبر منه، والمعنى لو ظهر لى هذا الرأى الذى رأيته الآن لأمرتكم به فى أول أمرى وابتداء خروجى و (لم أسق الهدي)стр. 3012
-[أمر النبي ﷺ كل من ليس معه هدى أن يتحلل من إحرامه ويجعله عمرة]-
ولجعلتها عمرةً فمن لم يكن معه هديٌ فليحلل وليجعلها عمرةً، فحلَّ النَّاس كلُّهم، فقال سراقة بن مالك بن جعشمٍ وهو فى أسفل المروة يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أصابعه فقال للأبد ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ قال دخلت العمرة فى الحجِّ إلى يوم القيامة، قال وقدم علىٌّ من اليمن فقدم بهديٍ وساق رسول الله ﷺ معه
الحواشي
(١) أى جعلت إحرامى بالحج مصروفا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة(٢) بسكون الحاء المهملة أى ليصر حلالا وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وقوله وليجعلها عمرة) أى وليجعل الحجة عمرة إذ قد أبيح له ما قد حرم عليه بسبب الأحرام حتى يستأنف الأحرام بالحج، قاله القاراء(٣) معناه أن سراقة رضى الله عنه يستفهم من النبى ﷺ هل جواز فسخ الحج إلى العمرة "كما هو الظاهر من سياق الحديث" أو الأتيان بالعمرة فى أشهر الحج، أو مع الحج يختص بهذه السنة أم للأبد؟(٤) يعنى أن ذلك جائز فى كل عام لا يختص بعام دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتأكيد، وشبك بين أصابعه إشارة الى اشتراك كل الأعوام فى ذلك بدون اختصاص أحدها (وقد اختلف العلماء) فى معنى هذا السؤال فقال بعضهم المراد منه فسخ الحج إلى العمرة، وقال آخرون بل المراد الأتيان بالعمرة فى أشهر الحج، وذهب فريق إلى أن المراد بذلك القران يعنى اقتران الحج بالعمرة (فعلى الأول) يكون معنى قوله ﷺ (دخلت العمرة فى الحج الى يوم القيامة) أى دخلت نية العمرة فى نية الحج، بحيث أن من نوى الحج صح له الفراغ منه بالعمرة (وعلى الثانى) حلت العمرة فى أشهر الحج وصحت (وعلى الثالث) دخلت العمرة فى الحج أى اقترنت به لا تنفك عنه لمن نواهما معا، وتندرج أفعال العمرة فى أفعال الحج حتى يتحلل منهما معًا، وسيأتى ذكر الخلاف مبسوطا فى أحكام باب فسخ الحج الى العمرة إن شاء الله تعالى(٥) فى رواية مسلم وأبى داود (وقدم علىٌّ من اليمن ببدن رسول الله ﷺ بضم الباء وسكون الدال، جمع بدنة والبدنة واحدة الأبل، سميت به لعظمها وسمنها وتقع على الجمل والناقة. وقد تطلق على البقرة. ونسبت لرسول الله ﷺ لأن عليا رضي الله عنهстр. 3013
-[جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير - كأن يقول أحرمت بما أحرم به فلان]-
من المدينة هديًا فإذا فاطمة رضى الله عنها قد حلَّت ولبست ثيابها صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليٌّ رضى الله عنه عليها فقالت أمرنى به رسول الله ﷺ قال قال علىٌّ بالكوفة قال جعفرٌ قال أبى هذا الحرف لم يذكره جابرٌ فذهبت محرِّشًا أستفتى بها النَّبىَّ ﷺ فى الَّذى ذكرت فاطمة، قلت إنَّ فاطمة لبست ثيابها صبيغًا واكتحلت وقالت أمرنى به أبى، قال صدقت صدقت صدقت أنا أمرتها به، قال جابرٌ وقال لعلىٍّ بم أهللت؟ قال قلت اللَّهم إنِّى أهللت بما أهلَّ به رسولك ﷺ قال ومعى الهدي، قال فلا تحلَّ قال فكانت جماعة الهدى الَّذي أتى به علىٌّ رضى الله تعالى عنه من اليمن والَّذي
الحواشي
(١) كان عدد الهدى الذى ساقه النبى ﷺ معه منا المدينة ثلاثا وستين بدنة كما جاء فى رواية الترمذى وأعطى عليا البدن التى جاءت معه من اليمن وهى تمام المائة(٢) أى مصبوغا(٣) فيه إنكار الرجل على زوجته ما يراه منها مخالفا للدين، لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره(٤) معنى هذا أن جعفرا أحد رجال السند يذكر عن أبيه محمدا راوى هذا الحديث عن جابر أن جابرًا لم يذكر هذا الحرف يعنى هذه الجملة فى حديثه، والظاهر أن محمدا رواها عن على رضى الله عنه حين كان بالكوفة وهى قوله "فذهبت محرشا استفتى به النبى ﷺ إلى قوله صدقت أنا أمرتها به" وجاء فى رواية مسلم بلفظ "ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت إن أبى أمرنى بهذا. قال فكان على يقول بالعراق فذهبت الى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم محرشا على فاطمة للذى صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما ذكرت- الحديث" والله أعلم(٥) التحرش الأغراء والمراد هنا أن يذكر للنبى ﷺ ما فعلته ليزجرها عنه(٦) أى بأى شاء نويت حين أحرمت، بحج أو عمرة أو بهما؟ "فقال قلت اللهم إنى أهللت بما أهل به رسولك" فيه أنه يصح الأحرام معلقا وهو أن يحرم إحراما كأحرام فلان فينعقد احرامه وصير محرما بما أحرم به فلان(٧) إنما أمر عليا ﵁ بعدمстр. 3014
-[مكان النحر بمنى - وتحديد منًى وعرفات]-
أتى به النَّبي ﷺ مائةً فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثةً وستِّين ثمَّ أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه فى هديه، ثمَّ أمر من كلِّ بدنةٍ ببضعةٍ فجعلت في قدرٍ فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثمَّ قال نبيُّ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، قد نحرت هاهنا، ومنًى كلُّها منحرٌ ووقف بعرفة، فقال ونفت هاهنا وعرفة كلُّها موقفٌ، ووقف
الحواشي
(١) فيه استحباب ذبخ المهدى هديه بنفسه وجواز الاستنابة فيه، وذلك جائز بالأجماع إذا كان النائب مسلما(٢) أى ما بقى وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة فى يوم النحر ولا يؤخر بعضها الى أيام التشريق (وأما قوله وأشركه فى هديه) فظاهره أنه أشركه فى نفس الهدى (قال القاضى عياض) وعندي أنه لم يكن تشريكا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه اهـ والظاهر أن النبى ﷺ تولى ذبح البدن التى جاءت معه من المدينة، لأنها كانت ثلاثا وستين كما تقدم وأعطى عليا البدن التى جاءت معه من اليمن وهى تمام المائة والله أعلم (قال القارى) ولا يبعد أنه ﷺ أشرك عليا فى ثواب هديه، لأن الهدى يعطى حكم الأضحية(٣) البضعة بفتح الباء الموحدة لا غير، هى القطعة من اللحم، وفيه استحباب الأكل من هدى التطوع وأضحيته (قال العلماء) لما كان الأكل من كل واحدة سنة وفى الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت فى قدر ليكون آكلا من مرق الجميع الذى فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع فى المرق ما تيسر، وأجمع العلماء على أن الأكل من هدى التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب(٤) يعنى كل بقعة منها يصح النحر فيها وهو متفق عليه، لكن الأفضل فى المكان الذى نحر فيه ﷺ (كذا قال الشافعى) ومنحر النبى ﷺ هو عند الجمرة الأولى التى تلى مسجد منى. كذا قال ابن التين، وحدُّ منى من وادى محسر الى العقبة(٥) يعنى عند الصخرات وعرفة كلها موقف يصح الوقوف فيها، وقد أجمع العلماء على أن من وقف فى أى جزء كان من عرفات صح وقوفه ولها أربعة حدود، حد الى جادة طريق المشرق (والثانى) الى مسافات الجبل الذى وراء أرضها (والثالث) الى البساتين التى تلى قرنيها على يسار مستقبل الكعبة. (والرابع) وادى عرنة بضم العين وبالنون، وليست هى ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم
_________
(م ١١ - الفتح الربانى - ج ١١)стр. 3015
-[الإحرام بالحج يوم التروية - ووجوب الهدى على من تمتع بالعمرة الى الحج]-
بالمزدلفة فقال قد وقفت هاهنا والمزدلفة كلُّها موقفٌ (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه إلى قوله لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ثمَّ قال) ولو لم أسق الهدى لأحللت، ألا فخذوا مناسككم، قال فقام القوم بحلِّهم حتَّي إذا كان يوم التَّروية وأرادوا التَّوجُّه إلى منًى أهلُّوا بالحجِّ قال فكان الهدى على من وجد والصِّيام على من لم يجد وأشرك بينهم فى هديهم، الجزور بين سبعةٍ، والبقرة بين سبعةٍ وكان طوافهم
الحواشي
(١) يعني بالمزدلفة، وفى قوله والمزدلفة كلها موقف دلالة على أنها كلها موقف كما أن عرفات كلها موقف وسيأتى تحديدها فى شرح الحديث التالى(٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين ابن محمد وخلف بن الوليد قالا ثنا الربيع يعنى ابن صبيح عن عطاء عن جابر بنحوه(٣) أى حلوا من إحرامهم، ولفظ مسلم "قال فحل الناس كلهم وقصَّروا إلا النبى ﷺ ومن كان معه هدى" (قال النووى) والمراد بقوله حل الناس كلهم أى معظمهم، والهدى بأسكان الدال وكسرها وتشديد الياء مع الكسر وتخفف مع الأسكان، قال وأما قوله وقصَّروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق فى الحج، فلو حلقوا لم يبق شعر، فكان التقصير هنا أحسن ليحصل فى النسكين إزالة شعر. والله أعلم(٤) يوم التروية هو الثامن من ذى الحجة سمى به لأن الحجاج يرتوون ويشربون فيه من الماء ويسقون الدواب لما بعده(٥) قال النووى (والأفضل عند الشافعى) وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الأحرام بالحج أحرم يوم التروية عملا بهذا الحديث، وفيه بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد الى منى قبل يوم التروية (وقد كره مالك ذلك) وقال بعض السلف لا بأس به، ومذهبنا أنه خلاف السنة اهـ(٦) أى وجد الهدى والمراد به هدى التمتع(٧) المراد لم يجد هديا هناك إما لعدم الهدى وإما لعدم ثمنه. وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل. وإما لكونه موجودا لكنه لا يبيعه صاحبه، ففى كل هذه الصور يكون عادما للهدى فينتقل الى الصوم سواء كان واجدا لثمنه فى بلده أم لا، قاله النووى (قلت) وفيه اشارة الى قوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة اذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ وللعلماء خلاف فى أفضل الأوقات للصيام فى الحج سيأتى فى بابه ان شاء الله تعالى(٨) المعنى أن البدنة أو البقرة تجزاء فى الهدى عن سبعة اشخاص، وقد جاء صريحا فى حديث جابر قال "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك فى الأبل والبقر كل سبعة منا في بدنة"следующие страницы →