Полный текст (7 020 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
-[كيفية السعى والأذكار التى تقال على الصفا والمروة]-
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كلِّ شاءٍ قديرٌ، لا إله إلَّا الله أنجز وعده وصدَّق عبده وغلب الأحزاب وحده، ثمَّ دعا ثمَّ رجع إلى هذا الكلام، ثمَّ نزل حتَّي إذا انصبَّت قدماه فى الوادى رمل حتَّى إذا صعد مشى حتَّي أتى المروة فرقى عليها حتَّي نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصَّفا فلمَّا كان السَّابع عند المروة، قال يا أيُّها النَّاس إنِّى لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي
الحواشي
(١) هكذا فى المسند "وصدق عبده" يعنى محمدًا ﷺ ورواية مسلم وأبى داود فى هذا الحديث نفسه (ونصر عبده) بدل وصدق، ومعنى تصديق الله تعالى لعبده تأييده بالمعجزات. والله أعلم (وغلب الأحزاب) أى هزمهم فى يوم الخندق (وحده) أى من غير قتال الآدميين قال تعالى ﴿فأرسلنا عليهم ريحًا وجنودًا لم تروها﴾ أو المراد كل من تحزب لحرب رسول الله ﷺ فانه هزمهم؛ وكان الخندق فى شوال سنة أربع من الهجرة وقيل سنة خمس(٢) أى بعد فراغه من هذا الذكر (ثم رجع إلى هذا الكلام) أى الذكر بعد الدعاء، قال السندى يقول الذكر ثلاث مرات ويدعو بعد كل مرة(٣) قال القاضى عياض مجاز من قولهم صب الماء فانصب أى انحدرت قدماه، ومنه إذا مشى كأنه ينحط فى صبب أى موضه منحدر(٤) أى سعى وأسرع فى المشى فى بطن الوادى، وقد صرح بذلك فى رواية أبى داود، والمراد ببطن الوادى المنخفض منه، فاذا بلغ المرتفع منه مشى باقى المسافة إلى المروة على عادة مشيه، وهذا السعى مستحب فى كل مرة من المرات السبع فى هذه المواضع؛ والمثنى مستحب فيما قبل الوادى وبعده(٥) يعنى صنع على المروة كما صنع على الصفا من الرقى واستقبال القبلة والذكر والدعاء، وهذا متفق عليه(٦) أى لو علمت فى قبل من أمرى ما علمته فى دبر منه، والمعنى لو ظهر لى هذا الرأى الذى رأيته الآن لأمرتكم به فى أول أمرى وابتداء خروجى و (لم أسق الهدي)стр. 3012
-[أمر النبي ﷺ كل من ليس معه هدى أن يتحلل من إحرامه ويجعله عمرة]-
ولجعلتها عمرةً فمن لم يكن معه هديٌ فليحلل وليجعلها عمرةً، فحلَّ النَّاس كلُّهم، فقال سراقة بن مالك بن جعشمٍ وهو فى أسفل المروة يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أصابعه فقال للأبد ثلاث مرَّاتٍ ثمَّ قال دخلت العمرة فى الحجِّ إلى يوم القيامة، قال وقدم علىٌّ من اليمن فقدم بهديٍ وساق رسول الله ﷺ معه
الحواشي
(١) أى جعلت إحرامى بالحج مصروفا إلى العمرة كما أمرتكم به موافقة(٢) بسكون الحاء المهملة أى ليصر حلالا وليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة (وقوله وليجعلها عمرة) أى وليجعل الحجة عمرة إذ قد أبيح له ما قد حرم عليه بسبب الأحرام حتى يستأنف الأحرام بالحج، قاله القاراء(٣) معناه أن سراقة رضى الله عنه يستفهم من النبى ﷺ هل جواز فسخ الحج إلى العمرة "كما هو الظاهر من سياق الحديث" أو الأتيان بالعمرة فى أشهر الحج، أو مع الحج يختص بهذه السنة أم للأبد؟(٤) يعنى أن ذلك جائز فى كل عام لا يختص بعام دون آخر إلى يوم القيامة، وكرر ذلك ثلاثًا للتأكيد، وشبك بين أصابعه إشارة الى اشتراك كل الأعوام فى ذلك بدون اختصاص أحدها (وقد اختلف العلماء) فى معنى هذا السؤال فقال بعضهم المراد منه فسخ الحج إلى العمرة، وقال آخرون بل المراد الأتيان بالعمرة فى أشهر الحج، وذهب فريق إلى أن المراد بذلك القران يعنى اقتران الحج بالعمرة (فعلى الأول) يكون معنى قوله ﷺ (دخلت العمرة فى الحج الى يوم القيامة) أى دخلت نية العمرة فى نية الحج، بحيث أن من نوى الحج صح له الفراغ منه بالعمرة (وعلى الثانى) حلت العمرة فى أشهر الحج وصحت (وعلى الثالث) دخلت العمرة فى الحج أى اقترنت به لا تنفك عنه لمن نواهما معا، وتندرج أفعال العمرة فى أفعال الحج حتى يتحلل منهما معًا، وسيأتى ذكر الخلاف مبسوطا فى أحكام باب فسخ الحج الى العمرة إن شاء الله تعالى(٥) فى رواية مسلم وأبى داود (وقدم علىٌّ من اليمن ببدن رسول الله ﷺ بضم الباء وسكون الدال، جمع بدنة والبدنة واحدة الأبل، سميت به لعظمها وسمنها وتقع على الجمل والناقة. وقد تطلق على البقرة. ونسبت لرسول الله ﷺ لأن عليا رضي الله عنهстр. 3013
-[جواز تعليق الإحرام بإحرام الغير - كأن يقول أحرمت بما أحرم به فلان]-
من المدينة هديًا فإذا فاطمة رضى الله عنها قد حلَّت ولبست ثيابها صبيغًا واكتحلت، فأنكر ذلك عليٌّ رضى الله عنه عليها فقالت أمرنى به رسول الله ﷺ قال قال علىٌّ بالكوفة قال جعفرٌ قال أبى هذا الحرف لم يذكره جابرٌ فذهبت محرِّشًا أستفتى بها النَّبىَّ ﷺ فى الَّذى ذكرت فاطمة، قلت إنَّ فاطمة لبست ثيابها صبيغًا واكتحلت وقالت أمرنى به أبى، قال صدقت صدقت صدقت أنا أمرتها به، قال جابرٌ وقال لعلىٍّ بم أهللت؟ قال قلت اللَّهم إنِّى أهللت بما أهلَّ به رسولك ﷺ قال ومعى الهدي، قال فلا تحلَّ قال فكانت جماعة الهدى الَّذي أتى به علىٌّ رضى الله تعالى عنه من اليمن والَّذي
الحواشي
(١) كان عدد الهدى الذى ساقه النبى ﷺ معه منا المدينة ثلاثا وستين بدنة كما جاء فى رواية الترمذى وأعطى عليا البدن التى جاءت معه من اليمن وهى تمام المائة(٢) أى مصبوغا(٣) فيه إنكار الرجل على زوجته ما يراه منها مخالفا للدين، لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره(٤) معنى هذا أن جعفرا أحد رجال السند يذكر عن أبيه محمدا راوى هذا الحديث عن جابر أن جابرًا لم يذكر هذا الحرف يعنى هذه الجملة فى حديثه، والظاهر أن محمدا رواها عن على رضى الله عنه حين كان بالكوفة وهى قوله "فذهبت محرشا استفتى به النبى ﷺ إلى قوله صدقت أنا أمرتها به" وجاء فى رواية مسلم بلفظ "ولبست ثيابا صبيغا واكتحلت فأنكر ذلك عليها، فقالت إن أبى أمرنى بهذا. قال فكان على يقول بالعراق فذهبت الى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم محرشا على فاطمة للذى صنعت مستفتيا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فيما ذكرت- الحديث" والله أعلم(٥) التحرش الأغراء والمراد هنا أن يذكر للنبى ﷺ ما فعلته ليزجرها عنه(٦) أى بأى شاء نويت حين أحرمت، بحج أو عمرة أو بهما؟ "فقال قلت اللهم إنى أهللت بما أهل به رسولك" فيه أنه يصح الأحرام معلقا وهو أن يحرم إحراما كأحرام فلان فينعقد احرامه وصير محرما بما أحرم به فلان(٧) إنما أمر عليا ﵁ بعدمстр. 3014
-[مكان النحر بمنى - وتحديد منًى وعرفات]-
أتى به النَّبي ﷺ مائةً فنحر رسول الله ﷺ بيده ثلاثةً وستِّين ثمَّ أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه فى هديه، ثمَّ أمر من كلِّ بدنةٍ ببضعةٍ فجعلت في قدرٍ فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثمَّ قال نبيُّ الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم، قد نحرت هاهنا، ومنًى كلُّها منحرٌ ووقف بعرفة، فقال ونفت هاهنا وعرفة كلُّها موقفٌ، ووقف
الحواشي
(١) فيه استحباب ذبخ المهدى هديه بنفسه وجواز الاستنابة فيه، وذلك جائز بالأجماع إذا كان النائب مسلما(٢) أى ما بقى وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة فى يوم النحر ولا يؤخر بعضها الى أيام التشريق (وأما قوله وأشركه فى هديه) فظاهره أنه أشركه فى نفس الهدى (قال القاضى عياض) وعندي أنه لم يكن تشريكا حقيقة بل أعطاه قدرًا يذبحه اهـ والظاهر أن النبى ﷺ تولى ذبح البدن التى جاءت معه من المدينة، لأنها كانت ثلاثا وستين كما تقدم وأعطى عليا البدن التى جاءت معه من اليمن وهى تمام المائة والله أعلم (قال القارى) ولا يبعد أنه ﷺ أشرك عليا فى ثواب هديه، لأن الهدى يعطى حكم الأضحية(٣) البضعة بفتح الباء الموحدة لا غير، هى القطعة من اللحم، وفيه استحباب الأكل من هدى التطوع وأضحيته (قال العلماء) لما كان الأكل من كل واحدة سنة وفى الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة جعلت فى قدر ليكون آكلا من مرق الجميع الذى فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع فى المرق ما تيسر، وأجمع العلماء على أن الأكل من هدى التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب(٤) يعنى كل بقعة منها يصح النحر فيها وهو متفق عليه، لكن الأفضل فى المكان الذى نحر فيه ﷺ (كذا قال الشافعى) ومنحر النبى ﷺ هو عند الجمرة الأولى التى تلى مسجد منى. كذا قال ابن التين، وحدُّ منى من وادى محسر الى العقبة(٥) يعنى عند الصخرات وعرفة كلها موقف يصح الوقوف فيها، وقد أجمع العلماء على أن من وقف فى أى جزء كان من عرفات صح وقوفه ولها أربعة حدود، حد الى جادة طريق المشرق (والثانى) الى مسافات الجبل الذى وراء أرضها (والثالث) الى البساتين التى تلى قرنيها على يسار مستقبل الكعبة. (والرابع) وادى عرنة بضم العين وبالنون، وليست هى ولا نمرة من عرفات ولا من الحرم
_________
(م ١١ - الفتح الربانى - ج ١١)стр. 3015
-[الإحرام بالحج يوم التروية - ووجوب الهدى على من تمتع بالعمرة الى الحج]-
بالمزدلفة فقال قد وقفت هاهنا والمزدلفة كلُّها موقفٌ (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه إلى قوله لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ثمَّ قال) ولو لم أسق الهدى لأحللت، ألا فخذوا مناسككم، قال فقام القوم بحلِّهم حتَّي إذا كان يوم التَّروية وأرادوا التَّوجُّه إلى منًى أهلُّوا بالحجِّ قال فكان الهدى على من وجد والصِّيام على من لم يجد وأشرك بينهم فى هديهم، الجزور بين سبعةٍ، والبقرة بين سبعةٍ وكان طوافهم
الحواشي
(١) يعني بالمزدلفة، وفى قوله والمزدلفة كلها موقف دلالة على أنها كلها موقف كما أن عرفات كلها موقف وسيأتى تحديدها فى شرح الحديث التالى(٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسين ابن محمد وخلف بن الوليد قالا ثنا الربيع يعنى ابن صبيح عن عطاء عن جابر بنحوه(٣) أى حلوا من إحرامهم، ولفظ مسلم "قال فحل الناس كلهم وقصَّروا إلا النبى ﷺ ومن كان معه هدى" (قال النووى) والمراد بقوله حل الناس كلهم أى معظمهم، والهدى بأسكان الدال وكسرها وتشديد الياء مع الكسر وتخفف مع الأسكان، قال وأما قوله وقصَّروا ولم يحلقوا مع أن الحلق أفضل لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق فى الحج، فلو حلقوا لم يبق شعر، فكان التقصير هنا أحسن ليحصل فى النسكين إزالة شعر. والله أعلم(٤) يوم التروية هو الثامن من ذى الحجة سمى به لأن الحجاج يرتوون ويشربون فيه من الماء ويسقون الدواب لما بعده(٥) قال النووى (والأفضل عند الشافعى) وموافقيه أن من كان بمكة وأراد الأحرام بالحج أحرم يوم التروية عملا بهذا الحديث، وفيه بيان أن السنة أن لا يتقدم أحد الى منى قبل يوم التروية (وقد كره مالك ذلك) وقال بعض السلف لا بأس به، ومذهبنا أنه خلاف السنة اهـ(٦) أى وجد الهدى والمراد به هدى التمتع(٧) المراد لم يجد هديا هناك إما لعدم الهدى وإما لعدم ثمنه. وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل. وإما لكونه موجودا لكنه لا يبيعه صاحبه، ففى كل هذه الصور يكون عادما للهدى فينتقل الى الصوم سواء كان واجدا لثمنه فى بلده أم لا، قاله النووى (قلت) وفيه اشارة الى قوله تعالى ﴿فمن تمتع بالعمرة الى الحج فما استيسر من الهدى. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة اذا رجعتم تلك عشرة كاملة﴾ وللعلماء خلاف فى أفضل الأوقات للصيام فى الحج سيأتى فى بابه ان شاء الله تعالى(٨) المعنى أن البدنة أو البقرة تجزاء فى الهدى عن سبعة اشخاص، وقد جاء صريحا فى حديث جابر قال "أمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك فى الأبل والبقر كل سبعة منا في بدنة"стр. 3016
-[القارن لا يجب عليه إلا طواف واحد وسعى واحد - وذكر زيادة مسلم في حديث جابر]-
بالبيت وسعيهم بين الصَّفا والمروة لحجِّهم وعمرتهم طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا
الحواشي
(١) هذا الحكم يختص بالقارن الذى أحرم بالحج والعمرة معًا، فانه يجزاء عنهما طواف واحد وسعى واحد، اما المتمتع فلا بد للعمرة من طواف وسعى، وللحج كذلك (تخريجه) (م. د. جه) مطولا (قال النووى) ﵀ وهو حديث عظيم مشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من مهمات القواعد، وهو من أفراد مسلم، لم يروه البخارى فى صحيحه، ورواه أبو داود كرواية مسلم (قال القاضى) وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا. وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا، وخرَّج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه اهـ (قلت) هذا الحديث عند مسلم تضمن قصة حج النبى
ﷺ من أول خروجه من المدينة الى نهاية حجه، وجاء فى مسند الأمام أحمد ما تضمنته هذه القصة فى حديثين (أحدهما) حديث الباب عن جابر بنحو ما رواه مسلم الى يوم التروية (والثانى) من حديث على وفيه القصة بنحو رواية مسلم من يوم الوقوف بعرفة الى نهاية الحج بطواف الأفاضة؛ ما أفعال الحج كالتوجه الى منى يوم التروية وما يفعله الحجاج بمنى وتوجههم إلى عرفة يوم عرفة ونحو ذلك كالخطب فقد ذكرها الأمام أحمد متفرقة فى أحاديث متعددة، وحرصا على راحة القارئ وتقريب الفائدة له أتيت بهذه الأفعال من رواية مسلم فى الشرح لتكون القصة متصلة الحلقات كما فى صحيح مسلم. على أن الأمام أحمد رحمه الله تعالى روى فى هذا الباب أحاديث كثيرة ليست فيه عند مسلم. واليك ما رواه مسلم ﵀ من حديث جابر قال "فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج وركب رسول الله ﷺ فصلى بها الظهر. والعصر. والمغرب. والعشاء. والفجر. ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس، وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة، فسار رسول الله ﷺ ولا تشك قريش الا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع فى الجاهلية. فأجاز رسول الله ﷺ حتى أتى عرفة (أى قاربها) فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها، حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادى فخطب الناس وقال ان دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا كل شاء من أمر الجاهلية تحت قدمىَّ موضوع ودماء الجاهلية موضوعة. وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا فى بنى سعد موضوع كله. فاتقوا الله فى النساء فانكمأخذتموهن بأمان الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فان فعلن ذلك فاضربوهنстр. 3017
-[الوقوف بعرفة وكلها موقف - ثم الدفع منها إلى المزدلفة]-
(٦٥) "ز" عن علي ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ وقف بعرفة وهو مردف أسامة بن زيد فقال هذا الموقف وكلُّ عرفة موقف، ثمَّ دفع يسير العنق وجعل النَّاس يضربون يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول السَّكينة أيُّها النَّاس، السَّكينة أيُّها النَّاس، حتَّى جاء المزدلفة وجمع بين الصَّلاتين، الحواشي
(٦٥) "ز" عن على رضى الله عنه (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أحمد ابن عبدة البصرى ثنا المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومى حدثنى أبى عبد الرحمن ابن الحارث عن زيد بن على بن حسين بن على عن أبيه على بن حسين عن عبيد الله بن أبى رافع مولى رسول الله ﷺ عن على بن أبى طالب رضى الله عنه - الحديث" (غريبه)(١) فيه جواز الأرداف اذا كانت الدابة مطيقة. وقد تظاهرت به الأحاديث(٢) بالتحريك من أعنق أى أسرع. يعنق اعناقا أى اسراعا، والأسم العنق "ومنه حديث لا يزال المؤمن معنقا ما لم يصب دما حراما" أى مسرعا(٣) بالنصب أى الزموا السكينة وهى الرفق والطمأنينة، ففيه أن السكينة فى الدفع من عرفات سنة، فاذا وجد فرجة فلا بأس من الأسراع، وانما أمرهم بالسكينة لأنهم كانوا يسرعون جدا أكثر من اسراعه ﷺ(٤) بكسر اللام معروفة، سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب، لأن الحجاج اذا أفاضوا من عرفات أزلفوا اليها أى مضوا اليها وتقربوا منها، وقيل سميت بذلك لمجاء الناس اليها فى زلف من الليل أى ساعات، وتسمى جمعا بفتح الجيم واسكان الميم، سميت بذلكстр. 3018
-[الوقوف بالمزدلفة وتحديدها - والدفع منها الى منى]-
ثمَّ وقف بالمزدلفة فوقف على قزح وأردف الفضل بن العبَّاس، وقال هذا الموقف وكلُّ المزدلقة موقف، ثمَّ دفع وجعل يسير العنق والنَّاس يضربون يمينًا وشمالًا وهو يلتفت ويقول السَّكينة السَّكينة أيُّها النَّاس؛ حتَّى جاء محسِّرًا فقرع راحلته فخبَّب حتَّى خرج ثمَّ عاد لسيره الأوَّل حتَّى رمى الجمرة ثمَّ جاء المنحر وكلُّ منًى منحر، ثمَّ جاءته امرأة شابَّة من خثعم فقالت إنَّ أبى شيخ كبير وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحجِّ ولا يستطيع أداءها فيجزئ عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله ﷺ نعم. وجعل يصرف وجه
الحواشي
(١) بضم القاف وفتح الزاى، وهو القرن أى المكان المرتفع الذى يقف عنده الأمام بالمزدلفة، ولا ينصرف للعدل والعلمية كعمر، وهو من قزح الشاء أى ارتفع(٢) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر السين المهملة المشددة. سمى بذلك لأن فيل أصحاب الفيل حسر فيه أى أعيى وكلَّ ومنه قوله تعالى ﴿ينقلب اليك البصر خاسئا وهو حسير﴾ (وقوله فقرع راحلته) أى ضربها بسوطه لتسرع فى السير. وهو معنى قوله فخبَّب، والأسراع فى ذلك الموضع سنة (قال العلماء) يسرع الماشى ويحرك الراكب دابته فى وادى محسر ويكون ذلك قدر رمية حجر(٣) أى من وادى محسر ثم عاد لسيره الأول بدون إسراع(٤) يعنى المسماة بجمرة العقبة ولفظ مسلم "ثم سلك الطريق الوسطى التى تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التى عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف، وسيأتى للأمام أحمد نحو هذا بى بابه ونفيض الكلام عليه فى الشرح ان شاء الله (وقوله ثم جاء المنحر) قال القاضى عياض فيه دلالة على أن المنحر موضع معين من منى، وحيث ذبح منها أو من الحرم أجزأه(٥) أى كبر حتى صار هرما والفند فى الأصل الكذب. وأفند تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ اذا هرم قد أفند لأنه يتكلم بالمخرّف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر إذاстр. 3019
-[طواف الإفاضة - وفضل الوضوء والشرب من ماء زمزم]-
الفضل بن العبَّاس عنها ثمَّ أتاه رجل فقال إنِّى رميت الجمرة وأفضت ولبست ولم أحلق، قال فلا حرج فاحلق ثمَّ أتاه رجل آخر فقال إنِّى رميت وحلفت ولبست ولم أنحر، فقال لا حرج فانحر ثمَّ أفاض رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم فدعا بسجلٍ من ماء زمزم فشرب منه وتوضَّأ ثمَّ قال انزعوا يا بنى عبد المطَّلب فلولا أن تغلبوا عليها لنزعت قال العبَّاس يا رسول الله إنِّى رأيتك تصرف وجه ابن أخيك، قال إنِّى رأيت غلامًا شابًّا وجاريةً شابَّةً فخشيت عليهما الشَّيطان
(٦٦) عن سالم بن عبد الله أنَّ عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال الحواشي
(١) أى لأنه وجده ينظر اليها وهو شاب وهى شابة جميلة فخشى عليهما الشيطان كما سيأتى فى آخر الحديث؛ وفيه تحريم النظر الى المرأة الأجنبية وفيه إزالة المنكر باليد إن أمكن(٢) فيه جواز تأخير الحلاق بعد طواف الأفاضة والتحلل بلبس الثياب(٣) فيه جواز تأخير النحر على الحلاق والتحلل بلبس الثياب أيضا (وقوله ثم أفاض رسول الله ﷺ أى طاف طواف الأفاضة وهو ركن من أركان الحج باتفاق العلماء(٤) فيه استحباب الشرب والوضوء من ماء زمزم (وقوله انزعوا) بكسر الزاى معناه استقوا بالدلاء وانزعوها بالرشاء، والدلاء جمع دلو وهو معروف والرشاء الحبل الذى يربط فى الدلو ليجذب به ولفظ مسلم "فأتى بنى عبد المطلب يسقون على زمزم فقال انزعوا بنى عبد المطلب - الحديث" ومعناه أنه ﷺ أتى بنى بعد المطلب بعد فراغه من طواف الأفاضة فوجدهم يسقون على زمزم أى يغرفون بالدلاء ويصبونه فى الحياض ونحوها ليشرب الحجاج أو يسقونهم من الدلاء نفسها(٥) لفظ مسلم "فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلوا فشرب منه" ومعناه لولا خوفى أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاسقاء، وفيه فضيلة الاستقاء واستحباب شرب ماء زمزم (تخريجه) لم أقف عليه من حديث على لغير عبد الله بن الأمام أحمد وسنده جيد ومعناه فى الصحيحين(٦٦) عن عبد الله بن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثني أبي ثنا حجاجстр. 3020
-[شبهة القائلين بأن النبي ﷺ أحرم أولا بالعمرة]-
تمتَّع النَّبيُّ ﷺ في حجَّة الوداع بالعمرة إلى الحجِّ وأهدى فساق معه الهدى من ذي الحليفة وبدأ رسول الله ﷺ فأهلَّ بالعمرة ثمَّ أهلَّ بالحجِّ وتمتَّع النَّاس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجِّ، فإنَّ من النَّاس من أهدى فساق الهدى ومنهم من لم يهد، فلمَّا قدم رسول الله ﷺ قال للنَّاس من كان منكم أهدى فإنَّه لا يحلُّ من شئٍ حرم منه حتَّى يقضى حجَّه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصَّفا والمروة وليقصّر وليحلل ثمَّ ليهلَّ بالحجِّ وليهد، فمن لم يجد هديًا فليصم ثلاثة أيامٍ في الحجِّ وسبعةً
الحواشي
(١) قال القاضى عياض ﵀ قوله تمتع هو محمول على التمتع اللغوى. وهو القران آخرا، ومعناه أنه ﷺ أحرم أولا بالحج مفردًا ثم أحرم بالعمرة فصار قارنًا فى آخر أمره، والقارن هو متمع من حيث اللغة ومن حيث المعنى، لأنه ترفه باتحاد الميقات والأحرامم والفعل، ويتعين هذا التأويل هنا للجمع بين الأحاديث فى ذلك وممن، روى إفراد النبى ﷺ ابن عمر الراوى هنا (وأما قوله بدأ رسول الله ﷺ فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج) فهو محمول على التلبية فى أثناء الأحرام، وليس المراد أنه أحرم فى أول أمره بعمرة ثم أحرم بحج لأنه يفضى إلى مخالفة الأحاديث السابقة "يعنى أنهم أحرموا أولا بالحج كما ثبت ذلك عن جابر وعائشة" قال ويؤيد هذا التأويل (قوله تمتع الناس مع رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحج) ومعلوم أن كثيرًا منهم أو أكثرهم أحرموا بالحج أولا مفردا، وإنما فسخوه إلى العمرة آخرا فصاروا متمتعين "فقوله وتمتع الناس" يعنى فى آخر الأمر والله أعلم(٣) معناه أن من لم يكن معه هدى فليفعل الطواف والسعى والتقصير، وقد صار حلالا فله فعل ما كان محظورا عليه فى الأحرام من الطيب واللباس والنساء والصيد وغير ذلك، وإنما أمرهم النبى ﷺ بالتقصير ولم يأمرهم بالحلاق مع أن الحلاق أفضل لما تقدم من أنه ﷺ أمر بذلك ليبقى له شعر يحلقه فى الحج، فان الحلاق فى تحلل الحج أفضل منه فى تحلل العمرة (قال النووى) وهذا دليل على أن التقصير أو الحلق نسك من مناسك الحج، وهذا هو الصحيح فى مذهبنا. وبه قال جماهير العلماء اهـ (وقوله ثم ليهل بالحج) معناه يحرم به في وقت الخروجстр. 3021
-[صفة أفعال القارن في الحج ومن أهدى وساق الهدى]-
إذا رجع إلى أهله وطاف رسول الله ﷺ حين قدم مكَّة استلم الرُّكن أول شيءٍ ثمَّ خبَّ ثلاثة أطوافٍ من السَّبع ومشى أربعة أطوافٍ، ثمَّ ركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ثمَّ سلَّم فانصرف، فأتى الصَّفا فطاف بالصَّفا والمروة ثمَّ لم يحلل من شئٍ حرم منه حتَّى قضى حجَّه ونحر هديه يوم النحر وأفاض فطاف بالبيت، ثمَّ حلَّ من كلِّ شئٍ حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسول الله ﷺ من أهدي وساق الهدى من النَّاس
(٦٧) عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال صلَّى رسول الله ﷺ الظُّهر بالمدينة أربعًا وصلَّى العصر بذي الحليفة ركعتين وبات بها حتَّى الحواشي
(١) تقدم الكلام على ذلك فى شرح الحديث الشابق وسيأتى مستوفى فى أحكام باب التمتع(٢) أى أسرع فى المشى عن المعتاد وفيه اثبات طواف القدوم واستحباب السرعة فى ثلاثة أطواف منه، وأنه يصلى ركعتى الطواف وأنهما يستحبان خلف المقام وقد سبق بيان هذا فى حديث جابر وسنذكره ان شاء الله تعالى بأوضح من هذا فى أبوابه الآتية (وقوله ثم لم يحلل من شاء حرم منه) معناه أن النبى ﷺ بقى على إحرامه لم يحل كغيره لأنه كان قارنا والقارن لا يتحلل بالطواف والسعى. بل لا بد فى تحلله من الوقوف بعرفات والرمى والحلاق والطواف كما فى الحاج المفرد (تخريجه) (ق. د. نس. هق)(٦٧) عن أنس بن مالك (سنده) حدّثنا عبد الله حدنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا خالد ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس - الحديث" (غريبه)(٣) أى أربع ركعات تامة بدون قصر لأنه لم يفارق البلد(٤) انما صلى العصر ركعتين على سبيل القصر لأنه كان منشئا للسفر، وبين المدينة وذى الحليفة ستة أميال، ويقال سبعة، وهذا الحديث مما احتج به أهل الظاهر فى جواز القصر فى طويل السفر وقصيره، وقال الجمهور لا يجوز القصر الا فى سفر يبلغ مرحلتين (وقال أبو حنيفة) وطائفة شرطه ثلاث مراحل واعتمدوا فى ذلك آثارا عن الصحابة، وأما هذا الحديث فلا دلالة فيه لأهل الظاهر لأن المراد أنه حين سافر ﷺ الى مكة فى حجة الوداع صلى الظهر بالمدينة أربعًا ثم سافرстр. 3022
-[حديث أنس ﵁ في صفة حج رسول الله ﷺ ]-
أصبح فلمَّا صلَّى الصُّبح ركب راحلته فلمَّا انبعثت به سبَّح وكبَّر حتَّى استوت به البيداء ثمَّ جمع بينهما فلما قدمنا مكَّة أمرهم رسول الله ﷺ أن يحلوُّا فلمَّا كان يوم التَّروية أهلوُّا بالحجِّ ونحر رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم سبع بدنات بيده قيامًا وضحَّى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم بكبشين أقرنين أملحين
الحواشي
(١) أى بات بذى الحليفة حتى دخل فى الصباح، قال العلماء وهذا المبيت ليس من سنن الحج، وإنما فعله ﷺ رفقا بأمته ليلحق به من تأخر عنه فى السير ويدركه من لم يمكنه الخروج معه(٢) أى فلما نهضت به قائمة أهل حينئذ بالحج وما زال يسبح ويكبر (حتى استوت به البيداء) أى حتى صارت به راحلته على البيداء، فالبيداء منصوب على نزع الخافض، وتقدم تفسيرها فى حديث جابر أول الباب، ونزيد هنا أنه مكان مرتفع معروف متصل بذى الحليفة، وقد جاء فى رواية النسائى من حديث أنس أنه ﷺ صلى الظهر بالبيداء ثم ركب وصعد جبل البيداء وأهل بالحج والعمرة(٣) أى جمع بين الحج والعمرة فى التلبية، فقال لبيك عمرة وحجا، وقد ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة الكثيرة؛ منها رواية النسائى المتقدمة. ومنها ما رواه الشيخان والأمام أحمد وغيرهم عن أنس قال سمعت رسول الله ﷺ يلبى بالحج والعمرة جميعًا يقول لبيك عمرو وحجا وغير ذلك كثير(٤) أى أمر الناس الذين كانوا معه ولم يسوقوا الهدى بالتخلل فحلوا أى صاروا حلالا(٥) برفع يوم لأن كان تامة فلا تحتاج إلى خبر، ويوم التروية هو اليوم الثامن من ذى الحجة كما تقدم، وسمى بالتروية لأنهم كانوا يرددون دوابهم بالماء ويحملونه معهم أيضا فى الذهاب من مكة إلى عرفات(٦) تقدم فى حديث جابر أنه ﷺ نحر بيده ثلاثًا وستين، ولا منافاة لاحتمال أن أنسًا رضى الله عنه لم ير إلا ذلك العدد(٧) أى أبيضين لكل واحد منهما قرنان حسنان، وذلك بالمدينة فى عيد الأضحى فى غير سنة حجه ﷺ ويحتمل أنه أناب عنه من يذبحهما بالمدينة سنة حجة ضحية والله أعلم (تخريجه) (ق. د. نس)стр. 3023
-[بيان الحال التي كان عليها النبي ﷺ وأصحابه في حجة الوداع]-
(٦٨) عن أبي إسحاق بن سعيد عن أبيه قال صدرت مع ابن عمر يوم الصَّدر فمرَّت بنا رفقه يمانيَّة ورحالهم الأدم وخطهم إبلهم الجرر، فقال عبد الله بن عمر ﵄ من أحبَّ أن ينظر إلى أشبه رفقةٍ وردت الحجَّ العام برسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وأصحابه إذ قدموا في حجَّة الوداع فلينظر إلى هذه الرُّفقة
(فصل منه في ذكر الأمكنة التى نزل بها النبي ﷺ والمساجد التي صلى فيها)
(فى طريقة بين المدينة ومكة فى حجة الوداع رواية نافع عن عبد الله بن عمر)
(٦٩) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى قال قرأت على أبى قرَّة موسي بن طارق قال قال موسى بن عقبة وقال نافع كان عبد الله (يعني بن عمر) الحواشي
(٦٨) عن أبي إسحاق (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هاشم ثنا اسحاق بن سعيد عن أبيه - الحديث" (غريبه)(١) هو سعيد بن عمرو بن سعيد ابن العاص الأموى أبو عثمان بن أبى أحيحة الأشدق عن أبيه وابن عباس وابن عمر، وعنه ابناه اسحاق وخالد وشعبة، قال النسائى ثقة، قال الذهبى وفد على الوليد بن يزيد "خلاصة"(٢) الصدر بالتحريك رجوع المسافر من مقصده، وسمى به اليوم الذى يعزم فيه الحاج على الرجوع إلى بلده بعد قضاء نسكه وهو المراد هنا(٣) بضم الراء وكسرها جماعة ترافقك فى السفر (والرحال) جمع رحل وهو الذى تركب عليه الأبل كالسرج للفرس، قال فى الصحاح رحل البعير هو أصغر من القتب والجمع رحال اهـ (والأدم) بفتحتين جمع أديم وهو الجلد المدبوغ(٤) جمع خطام ككتاب وكتب، وهو كل ما وضع فى أنف البعير ليقتاد به من أى شاء (والجرر) جمع جرير وهو حبل من أدم ويطلق على غيره،(٥) المعنى أن هذه الرفقة هى أشبه الناس برسول الله ﷺ وأصحابه وقت قدومهم فى حجة الوداع فى تواضعهم وأحوالهم ورحالهم وخطم ابلهم، يريد ابن عمر رضى الله عنهما أن يظهر لمن لم ير النبى ﷺ وأصحابه فى عصره ما كانوا عليه من التقشف والتواضع ونحو ذلك والله أعلم (تخريجه) (د) مختصرا بسنده عن ابن عمر أنه رأى رفقة من أهل اليمن رحالهم الأدم فقال من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة كانوا بأصحاب رسول الله ﷺ فلينظر إلى هؤلاء، وسكت عنه المنذرى فهو صالح، وسنده عند الأمام أحمد جيد(٦٩) حدّثنا عبد الله (غريبه)(٦) لفظ البخارى "وحدثنى نافع" ونافعстр. 3024
-[ذكر الأمكنة التي نزل بها النبي ﷺ أو صلى فيها في طريق حجة الوداع]-
﵄ إذا صدر من الحجِّ أو العمرة أناخ بالبطحاء التى بذي الحليفة (وأنَّ عبد الله) حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ كان يعرِّس بها حتَّى يصلِّى صلاة الصبح، قال موسي (وأخبرنى سالم) أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أن رسول الله ﷺ أتى فى معرّسه فقيل له إنَّك فى بطحاء مباركة، قال وقال (حدَّثنا نافع) أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أنَّ رسول الله ﷺ صلَّي حيث المسجد الصَّغير الذَّى دون المسجد الذى يشرف على الرَّوحاء، قال (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدثه أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل تحت سرحة ضخمة دون الرويثة عن يمين الطَّريق في مكان بطح سهل حيث يقضي من الأكمة
الحواشي
(١) أى رجع (والبطحاء) المسيل الواسع المجتمع فيه دقاق الحصى من مسيل الماء "وذى الحليفة" تقدم ضبطه وهو الميقات المشهور لأهل المدينة (وقوله وأن عبد الله) يعنى ابن عمر رضى الله عنهما(٢) بمهملات مع تشديد الراء (والتعريس) نزول المسافر آخر الليل للاستراحة (ولفظ البخارى) كان ينزل بذى الحليفة حين يعتمر وفى حجته تحت سمرة فى موضع المسجد الذى بذى الحليفة(٣) هو ابن عقبة. وسالم هو ابن عبد الله بن عمر(٤) يعنى آتاه آت من قبل الله فى هذا المكان وهو بطحاء ذى الحليفة فأخبره بذلك وفيه فضل هذا المكان وأنه مبارك(٥) أى الذى هو فى أعلا مكان فى الروحاء (والروحاء) بفتح الراء مشددة وسكون الواو وبالحاء المهملة ممدودا اسم موضع فيه قرية جامعة على ليلتين من المدينة، بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا كما عند مسلم فى الأذان، ولابن أبى شيبة ثلاثون، وقد قال فيه النبى ﷺ هذا واد من أودية الجنة. وقد صلى فيه قبلى سبعون نبيا، ومر به موسى بن عمران ﵊ حاجا أو معتمرًا أفاده القسطلانى(٦) بفتح السين والحاء المهملتين بينهما راء ساكنه شجرة ضخمة. أى عظيمة (والرويثة) بضم الراء وبالمثلثة مصغرا قرية جامعة بينها وبين المدينة سبعة عشرстр. 3025
-[ذكر الأمكنة التي نزل بها النبي ﷺ أو صلى فيها في طريق حجة الوداع]-
دون بريد الرُّويثة بميلين وقد انكسر أعلاها وهي قائمة على ساقٍ (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدَّثه رسول الله ﷺ صلَّى من وراء العرج وأنت ذاهب على رأس خمسة أميالٍ من العرج فى مسجدٍ إلى هضبةٍ عند ذلك المسجد قبران أو ثلاثة، على القبور رضم من حجارةٍ على يمين الطَّريق عن سلمات الطَّريق بين أولئك السَّلمات كان عبد الله يروح من العرج بعد أن تميل الشَّمس بالهاجرة فيصلِّى الظُّهر فى ذلك المسجد (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ نزل تحت سرحةٍ (وفى لفظ سرحاتٍ) عن يسار الطَّريق في مسيلٍ دون هرشا، ذلك المسيل لاصق على هرشا (وفى لفظٍ لاصق بكراع هرشا) بينه وبين الطَّريق قريب من
الحواشي
(١) أى بينه وبين المكان الذى ينزل فيه البريد بالرويثة سيلان. وقيل المراد بالبريد سكة الطريق (وقوله وقد انكسر اعلاها) يعنى الشجرة المعبر عنها بالسرحة (وهى قائمة على ساق) يعنى كالبنيان ليست متسعة من أسفل(٢) بفتح العين وسكون الراء المهملتين آخره جيم. قرية جامعة بينها وبين الرويثة ثلاثة عشر أو أربعة عشر ميلا(٣) بفتح الهاء وسكون الضاد المعجمة جبل منبسط على وجه الأرض أو ما طال واتسع وانفرد من الجبال(٤) بفتح الراء وسكون المعجمة، وللأصيلى رضم بفتحها أى صخور بعضها فوق بعض(٥) بفتح اللام جمع سلمة بالفتح، وهو شجر من العضاه ورقه القرظ الذى يدبغ به، وبه سمى الرجل سلمة. ويجوز أن يكون بكسر اللام جمع سلمة. بالكسر وهى الحجر، وهذه رواية الأصيلى وأبى ذر للبخارى، وبالفتح رواية غيرهما، وأضيفت السلمات إلى الطريق لأنها فى المكان الذى يتفرع عن جوانبه(٦) أى نصف النهار عند اشتداد الحر(٧) بفتح الراء جمع سرحة بفتح السين وسكون الراء، تقدم تفسيرها وهى الشجرة الضخمة العظيمة (وقوله فى مسيل) بفتح الميم وكسر المهملة مكان منحدر (دون هرشا) بفتح الهاء وسكون الراء وبالشين المعجمة مقصور. جبل على ملتقى طريق المدينة والشام قريب من الجحفةстр. 3026
-[ذكر الأمكنة التي نزل بها النبي ﷺ أو صلى فيها في طريق حجة الوداع]-
غلوة سهمٍ (وقال نافع) إنَّ عبد الله بن عمر حدَّثه أنَّ رسول الله ﷺ كان ينزل بذى طوًي يبيت به حتَّى يصلِّي صلاة الصُّبح حين قدم إلى مكَّة، ومصلَّى رسول الله ﷺ ذلك على أكمةٍ غليظة ليس فى المسجد الذَّي بنى ولكن أسفل من ذلك على أكمةٍ خشنةٍ غليظةٍ (قال وأخبرنى) أنَّ عبد الله بن عمر أخبره أنَّ رسول الله ﷺ استقبل فرضتى الجبل الطَّويل الَّذي قبل الكعبة فجعل المسجد الَّذي بنى يسار المسجد بطرف الأكمة ومصلَّى رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم أسفل منه على الأكمة السوداء، يدع من الأكمة عشرة أذرع أو نحوها، ثمَّ يصلِّي مستقبل الفرضتين من الجبل الطَّويل الذي بينه وبين الكعبة
الحواشي
(١) بفتح الغين المعجمة غاية بلوغ السهم. أو أمد جرى الفرس(٢) بضم الطاء موضع بمكة، قال القسطلانى ولأبى ذر عن الكشميهنى طوى بكسرها وعزاه العينى كابن حجر للأصيلى، وله فى الفرع كأصله طوى بفتحها، ولأبى ذر بذى الطوى بزيادة "أل" مع كسر الطاء والمد، وعزا العينى كابن حجر زيادة الألف واللام للحموى والمستملى، وحكيا فتح الطاء عن عياض وغيره، وهو الذى فى الفرع. وليس فيه ضم التاء البتة اهـ(٣) بفتحات موضع مرتفع على ما حوله. أو تل من حجر واحد (وقوله غليظة) أى عظيمة كما فى رواية(٤) بضم الفاء وسكون الراس وفتح الضاد المعجمة مدخل الطريق الى الجبل (وقوله قبل الكعبة) بكسر القاف وفتح الموحدة أى ناحيتها(٥) قال العينى قوله فجعل. الظاهر أنه من كلام نافع وفاعله عبد الله "ويسار" مفعول ثان (وقوله بطرف الأكمة) صفة للمسجد الثانى اهـ(٦) بالنصب على الظرفية أو بالرفع خبر مبتدأ (تخريجه) (خ) وقد ذكر الحافظ عقب شرحه لهذا الحديث (تنبيهات) فقال رحمه الله تعالى (الأول) اشتمل هذا السياق على تسعة أحاديث أخرجها الحسن بن سفيان فى مسنده مفرقة من طريق اسماعيل بن أبى أويس عن أنس بن عياض يعيد الأسناد فى كل حديث إلا أنه لم يذكر الثالث، وأخرج مسلم منها الحديثين الأخيرين فى كتاب الحج (الثانى) هذه المساجد لا يعرف اليوم منها غير مسجد ذي الحليفة،стр. 3027
-[ذكر المساجد التي كانت بالمدينة غير مسجد النبي ﷺ وما بقى منها]-
والمساجد التي بالروحاء يعرفها أهل تلك الناحية، وقد وقع فى رواية الزبير بن بكار فى أخبار المدينة من طريق أخرى عن نافع عن ابن عمر فى هذا الحديث زيادة بسط فى صفة تلك المساجد، وفى الترمذى من حديث عمر بن عوف أن النبى ﷺ صلى فى وادي الروحاء وقال لقد صلى فى هذا المسجد سبعون نبيًا (الثالث) عرف من صنيع ابن عمر استحباب تتبع آثار النبى ﷺ والتبرك بها (وقد قال البغوى من الشافعية) إن المساجد التى ثبت أن النبى ﷺ صلى فيها لو نذر أحد الصلاة فى شاء منها تعين كما تتعين المساجد الثلاثة (الرابع) ذكر البخارى المساجد التى فى طرق المدينة ولم يذكر المساجد التى كامن بالمدينة لأنه لم يقع له إسناد فى ذلك على شرطه، وقد ذكر عمرو بن شبة فى أخبار المدينة المساجد والأماكن التى صلى فيها النبى ﷺ بالمدينة مستوعبا، وروى عن أبى غسان عن غير واحد من أهل العلم أن كل مسجد بالمدينة ونواحيها مبنى بالحجارة المنقوشة المطابقة فقد صلى فيه النبى ﷺ . وذلك أن عمر بن عبد العزيز حين بنى مسجد المدينة سأل الناس وهم يومئذ متوافرون عن ذلك؛ ثم بناها بالحجارة المنقوشة المطابقة اهـ. وقد عين عمرو بن شبة منها شيئا كثيرا، لكن أكثره فى هذا الوقت قد اندثر وبقى من المشهورة الآن مسجد قباء. ومسجد القضيخ. وهو شرقى مسجد قباء. ومسجد بنى قريظة. ومشربة أم ابراهيم وهى شمال مسجد بنى قريظة. ومسجد بنى ظفر. شرقى البقيع ويعرف بمسجد البغلة. ومسجد بنى معاوية ويعرف بمسجد الأجابة. ومسجد الفتح قريب من جبل سلع. ومسجد القبلتين فى بنى سلمة. هكذا أثبته بعض شيوخنا. اهـ ما نقله الحافظ (زوائد الباب) (عن جابر بن عبد الله) رضى الله عنهما أن النبى ﷺ قدم فقرن بين الحج والعمرة وساق الهدى وقال من لم يقلد الهدى فليجعلها عمرة، رواه البزار ورجاله رجال الصحيح (وعن ابن أبى أوفى) رضى الله عنه قال إنما جمع رسول الله ﷺ بين الحج والعمرة لأنه علم أنه لا يحج بعد ذلك (بز. طب. طس) وفيه يزيد بن عطاء وثقه الأمام أحمد وغيره وفيه كلام (وعن أبى داود) يعنى الأنصارى المازنى رضى الله عنه قال خرجنا مع رسول الله ﷺ فلما جئنا ذا الحليفة دخل رسول الله ﷺ المسجد فصلى ركعتين ثم أحرم فى دبر الصلاة بحج وعمرة معًا (طس) وفيه أبو غزية محمد بن موسى الأنصارى ضعفه البخارى وغيره. ووثقه الحاكم. وفيه أيضًا جماعة لم أعرفهم ولم يسمعوا (وعن عائشة) رضى الله عنها قالت قال رسول الله ﷺ فى حجة الوداع لولا أهديت لحللت. وكان أهل بعمرة وحج - قلت هو فى الصحيح خلا قولها وكان أهل بعمرة وحج (طس) ورجاله ثقات رجال الصحيح (وعن البراء بن عازب) رضى الله عنه قال كنت مع على حين أمّره رسول الله ﷺ على
стр. 3028
-[كلام العلماء في صفة حجة النبي ﷺ والجمع بين مختلف الروايات]-
.....
الحواشي
(١) اليمن فأصبت معه أواقىّ، فلما قدم على رسول الله ﷺ قالت فاطمة قد نضحت البيت بنضوح "أى طيبته بطيب" فقالت مالك إن رسول الله ﷺ قد أمر أصحابه فأحلوا، قال قلت لها إني أهللت بأهلال النبى ﷺ ، قال فأنى سقت الهدى وقرنت، وقال لأصحابه لو أني استقبلت من أمرى ما استدبرت لفعلت كما فعلتم، ولكنى قد سقت الهدى وقرنت، فقالت انحر من البدن سبعا وستين. أو ستا وستين وأمسك لنفسك ثلاثا وثلاثين وأربعا وثلاثين وأمسك من كل بدنة بضعة - قلت للبراء حديث فى الصحيح بغير هذا السياق وليس فيه ذكر القران والله أعلم، أورد هذه الزوائد الحافظ الهيثمى وتعقب كل حديث بما فيه جرحا وتعديلا (الأحكام) أحاديث الباب مع الزوائد (منها) ما يدل على أن النبى ﷺ كان قارنًا (ومنها) ما يدل على أنه ﷺ كان متمتعًا، وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة، وأما النهى الوارد عن عمر وعثمان رضى الله عنهما عن التمتع فسيأتى الكلام عليه وتوضيح معناه فى باب ما جاء فى التمتع بالعمرة إلى الحج ان شاء الله تعالى (ومعنى الأفراد) أن يحرم بالحج فى أشهره ويفرغ منه ثم يعتمر (والتمتع) أن يحرم بالعمرة فى أشهر الحج ويفرغ منه ثم يحج من عامه (والقران) أن يحرم بهما جميعا، وكذا لو أحرم بالعمرة وأحرم بالحج قبل طوافها صح وصار قارنًا، (وقد روى أنه ﷺ حج قرانًا) عن جماعة من الصحابة منهم ابن عمر. وعائشة. والبراء بن عازب. وعلى. وعمران بن حصين. وأبو قتادة. وسراقة بن مالك. وأبو طلحة. والهرماس ابن زياد الباهلى. وابن أبى أوفى. وأبو سعيد. وجابر. وأم سلمة. وحفصة. وسعد بن أبى وقاص. وأنس بن مالك رضى الله عنهم (وأما حجه ﷺ تمتعًا) فروى عن عائشة وابن عمر. وعلى. وعثمان. وابن عباس. وسعد بن أبى وقاص (وأما حجه ﷺ إفرادا) فروى عن عائشة وابن عمر وجابر وكلها أحاديث صحيحة، إلا أن بعضها ليس على ظاهره بل يحتاج إلى تأويل، وستأتى كل هذه الأحاديث فى أبواب الأفراد والقران والتمتع (قال النووى ﵀ ولقد اختلفت روايات أصحابه رضى الله عنهم فى صفة حجة النبى ﷺ حجة الوداع، هل كان قارنا أم مفردا أم متمتعًا؟ وقد ذكر البخارى ومسلم رواياتهم كذلك، وطريق الجمع بينها أنه ﷺ كان أولا مفردا ثم صار قارنا، فمن روى الأفراد فهو الأصل، ومن روى القران اعتمد آخر الأمر، ومن روى التمتع أراد التمتع اللغوى وهو الانتفاع والارتفاق، وقد ارتفق بالقران كارتفاق المتمتع وزيادة فى الاقتصار على فعل واحد، وبهذا الجمع تنتظم الأحاديث كلها، وقد جمع بينها أبو محمد بن حزم الظاهرى فى كتاب صنفه فى حجة الوداع خاصة، وادعى أنه ﷺ كان قارنا، وتأول باقي الأحاديث، والصحيحстр. 3029
-[أدلة القائلين بأنه ﷺ كان مفردا في حجته - وكلام القاضى عياض في ذلك]-
.....
الحواشي
(١) ما سبق (يعني أنه كان أولا مفردا ثم صار قارنا) قال واحتج الشافعى وأصحابه فى ترجيح الأفراد بأنه صح ذلك من رواية جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وهؤلاء لهم مزية فى حجة الوداع على غيرهم (فأما جابر) فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حديث حجة الوداع فانه ذكرها من حين خروج النبى ﷺ من المدينة الى آخرها فهو أضبط لها من غيره (وأما ابن عمر) فصح عنه أنه كان آخذا بخطام ناقة النبى ﷺ فى حجة الوداع، وأنكر على من رجح قول أنس على قوله، وقال كان أنس يدخل على النساء وهن مكشفات الرءوس وإنى كنت تحت ناقة النبى ﷺ يمسنى لعابها أسمعه يلبى بالحج (وأما عائشة) فقربها من رسول الله ﷺ معروف، وكذلك اطلاعها على باطن أمره وظاهره وفعله فى خلوته وعلانيته مع كثرة فقهها وعظم فطنتها (وأما ابن عباس) فمحله من العلم والفقه فى الدين والفهم الثاقب معروف مع كثرة بحثه وتحفظه أحوال رسول الله ﷺ التى لم يحفظها غيره، وأخذه إياها من كبار الصحابة (ومن دلائل ترجيح الأفراد) أن الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم بعد النبى ﷺ أفردوا الحج وأفردوا الحج وواظبوا على إفراده، وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم واختلف فعل على رضى الله عنه، ولم يكن الأفراد أفضل وعلموا أن النبى ﷺ حج مفردا لم يواظبوا عليه مع أنهم الأئمة الأعلام وقادة الأسلام، ويقتدى بهم فى عصرهم وبعدهم، فكيف يليق بهم المواظبة على خلاف فعل رسول الله ﷺ ، وأما الخلاف عن على رضى الله عنه وغيره فانما فعلوه لبيان الجواز. وقد ثبت فى الصحيح ما يوضح ذلك (ومنها) أن الأفراد لا يجب فيه دم بالأجماع وذلك لكماله، ويجب الدم فى التمتع والقران وهو دم جبران لفواة الميقات وغيره فكان ما لا يحتاج إلى جبر أفضل اهـ (قلت) وأجاب الطحاوى عن ذلك بأن هذا مبنى على أن دم القران دم جبران، وقد منعه من رجح القران وقال إنه دم فضل وثواب كالأضحية، ولو كان دم نقص لما تام الصيام مقامه ولأنه يؤكل منه، ودم النقص لا يؤكل منه كدم الجزاء (وقال القاضى عياض) ﵀ قد أكثر الناس الكلام على هذه الأحاديث فمن مجيد منصف ومن مقصر متكلف ومن مطيل مكثر ومن مقصر مختصر، قال وأوسعهم فى ذلك نفسا أبو جعف الطحاوى الحنفى فانه تكلم فى ذلك فى زيادة على ألف ورقة، وتكلم معه فى ذلك أبو جعفر الطبرى ثم أبو عبد الله بن أبى صفرة ثم المهلب. والقاضى أبو عبد الله بن المرابط. والقاضى أبو الحسن بن القصار البغدادى والحافظ أبو عمرو بن عبد البر وغيرهم (قال القاضى عياض) وأولى ما يقال فى هذا على ما فحصناه من كلامهم واخترناه من اختياراتهم مما هو أجمع للروايات وأشبه بمساق الأحاديث أن النبى ﷺ أباح للناس فعل هذه الأنواع الثلاثة ليدل على جواز جميعها ولو أمر بواحدстр. 3030
-[جمع القاضي عياض بين مختلف الروايات في إحرام النبي ﷺ وحجج القائلين بالقرآن]-
.....
الحواشي
(١) لكان غيره يظن أنه لا يجزاء فأضيف الجميع اليه وأخبر كل واحد بما أمره به وأباحه له ونسبه إلى النبى ﷺ إما لأمره به وإما لتأويله عليه (وأما إحرامه ﷺ بنفسه) فأخذ بالأفضل فأحرم مفردا للحج وبه تظاهرت الروايات الصحيحة (وأما الروايات بأنه كان متمتعًا) فمعناها أمر به (وأما الروايات بأنه كان قارنا) فأخبار عن حالته الثانية لا عن ابتداء إحرامه، بل إخبار عن حاله حين أمر أصحابه بالتحلل من حجهم وقلبه إلى عمرة لمخالفة الجاهلية إلا من كان معه هدى، وكان هو ﷺ ومن معه هدى فى آخر احرامهم قارنين بمعنى أنهم أدخلوا العمرة على الحج؛ وفعل ذلك مواساة لأصحابه وتأنيسا لهم فى فعلها فى أشهر الحج لكونها كانت منكرة عندهم فى أشهر الحج ولم يمكنه التحلل معهم بسبب الهدى، واعتذر اليهم بذلك فى ترك مواساتهم فصار ﷺ قارنا فى آخر أمره، وقد اتفق جمهور العلماء على جواز ادخال الحج على العمرة، وشذ بعض الناس فمنعه وقال لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة (واختلفوا) فى إدخال العمرة على الحج فجوزه أصحاب الرأى (وهو قول الشافعى) لهذه الأحاديث، ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصا بالنبى ﷺ لضرورة الاعتمار حينئذ فى أشهر الحج؛ قال وكذلك يتأول قول من قال كان متمتعا أى تمتع بفعل العمرة فى أشهر الحج وفعلها مع الحج، لأن لفظ التمتع يطلق على معان فانتظمت الأحاديث واتفقت، قال ولا يبعد رد ما ورد عن الصحابة من فعل مثل ذلك الى مثل هذا مع الروايات الصحيحة أنهم أحرموا بالحج مفردا، فيكون الأفراد إخبارا عن فعلهم أولا، والقران اخبارا عن احرام الذين معهم هدى بالعمرة ثانيا، والتمتع لفسخهم الحج الى العمرة ثم اهلالهم بالحج بعد التحلل منها كما فعل كل من لم يكن معه هدى اهـ (قال الحافظ) وهذا الجمع هو المعتمد وقد سبق اليه قديما ابن المنذر وبيَّنه ابن حزم فى حجة الوداع بيانا شافيا ومهده المحب الطبرى تمهيدا بالغا يطول ذكره، ومحصله أن كل من روى عنه الأفراد حمل على ما أهل به فى أول الحال، وكل من روى عنه التمتع أراد ما أمر به أصحابه، وكل من روى عنه القران أراد ما استقر عليه الأمر (ورجح الحافظ رواية من روى القران) بأمور يطول ذكرها (منها) أن أحاديثه مشتملة على زيادة عن من روى الأفراد وغيره والزيادة مقبولة إذا خرجت من مخرج صحيح فكيف اذا ثبتت من طرق كثيرة عن جمع من الصحابة "وتقدم فى ذكرهم فى أول الأحكام" (ومنها) أن من روى الأفرد والتمتع اختلف عليه فى ذلك لأنهم جميعا روى عنهم أنه ﷺ حج قرانا (ومنها) أن روايات القران لا تحتمل التأويل بخلاف روايات الأفراد والتمتع فانها تحتمله (ومنها) أن رواة القران أكثر كما تقدم (ومنها) أن فيهم من أخبر عن سماعه لفظا صريحا، وفيهم من أخبر عن أخباره صلى الله عليه وسلمстр. 3031
-[جمع الحافظ ابن تيمية بين مختلف روايات الأفراد والقران والتمتع - ومذاهب العلماء في تفضيل أيها]-
.....
الحواشي
(١) بأنه فعل ذلك، وفيهم من أخبر عن أمر ربه بذلك (ومنها) أن النسك الذى هو أمر به كل من ساق الهدى فلم يكن ليأمرهم به إذا ساقوا الهدى ثم يسوق هو الهدى ويخالفه، وقد جمع شيخ الأسلام الحافظ ابن تيمية جمعا حسنا فقال ما حاصله، إن التمتع عند الصحابة يتناول القران فتحمل عليه رواية من روى أنه حج تمتعا، وكل من روى الأفراد قد روى أنه ﷺ حج تمتعًا وقرانا فيتعين الحمل على القران، وأنه أفرد أعمال الحج ثم فرغ منها وأتى بالعمرة اهـ (وقد اختلف العلماء) فى هذه الأنواع الثلاثة أيها أفضل، فذهب جماعة من الصحابة والتابعين وأبو حنيفة واسحاق ورجحه جماعة من الشافعية منهم المزنى وابن المنذر وأبو اسحاق المروزى وتقى الدين السبكى الى أن القران أفضل (وذهب جماعة) من الصحابة والتابعين وجماعة من الشافعية وغيرهم إلى أن الأفراد أفضل (وذهب جماعة) من الصحابة والتابعين أيضا ومن بعدهم كالأمامين (مالك وأحمد) إلى أن التمتع أفضل لكونه ﷺ تمناه فقال "لولا أنى سقت الهدى لأحللت" ولا يتمنى إلا الأفضل (قال الحافظ) وأجيب بأنه إنما تمناه تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته، وإلا فالأفضل ما اختاره الله له واستمر عليه قال (وقال ابن قدامة يترجح التمتع) بأن الذى يفرد إن اعتمر بعدها فهى عمرة مختلف فى إجزائها عن عمرة الأسلام بخلاف عمرة التمتع فهى مجزئة بلا خلاف، فيترجح التمتع على الأفراد ويليه القران (وقال من رجح القران) هو أشق من التمتع وعمرته مجزئة بلا خلاف فيكون أفضل (قلت وقال من رجح الأفراد) إن الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم أفردوا الحج وواظبوا على ذلك، فلو لم يكن أفضل لم يواظبوا عليه، وتقدم ذلك فى أول الأحكام (قال الحافظ) وحكى عياض عن بعض العلماء أن الصور الثلاثة فى الفضل سواء، وهو مقتضى تصرف ابن خزيمة فى صحيحه (وعن أبى يوسف) القران والتمتع فى الفضل سواء أوهما أفضل من الأفراد (وعن أحمد) من ساق الهدى فالقران أفضل له ليوافق فعل النبى ﷺ ومن لم يسق الهدى فالتمتع أفضل له ليوافق ما تمناه وأمر أصحابه، زاد بعض أتباعه، ومن أراد أن ينشاء لعمرته من بلده سفرا فالأفراد أفضل له، قال وهذا أعدل المذاهب وأشبهها بموافقة الأحاديث الصحيحة (فمن قال الأفراد أفضل) فعلى هذا يتنزل لأن أعمال سفرين للنسكين أكثر مشقة فيكون أعظم أجرا ولتجزاء عنه عمرته من غير نقص ولا اختلاف، أفاده الحافظ (واختاره الشوكانى) ما ذهب اليه الأمام أحمد لاحتجاجه بما اتفق عليه من حديث جابر وغيره أن النبى ﷺ قال لو استقبلت من أمرى ما استدبرت ما سقت الهدى ولجعلتها عمرة (قال الشوكانى) وهذا هو الحق، فانه لا يظن أن نسكا أفضل من نسك اختاره ﷺ لأفضل الخلق وخير القرون، وأما ما قيل من أنه ﷺ إنما قالстр. 3032
-[جواز التبرك بآثار النبي ﷺ كما ورد - والتحذير من مجاوزته إلى ما يجر إلى مفسدة]-
.....
الحواشي
(١) كذلك تطييبًا لقلوب أصحابه لحزنهم على فوات موافقته ففاسد، لأن المقام مقام تشريع للعباد، وهو لا يجوز عليه ﷺ أن يخبر بما يدل على أن ما فعلوه من التمتع أفضل مما استمر عليه والأمر على خلاف ذلك، وهل هذا إلا تغرير يتعالى عنه مقام النبوة، قال وبالجملة لم يوجد فى شاء من الأحاديث ما يدل على أن بعض الأنواع أفضل من بعض غير هذا الحديث، فالتمسك به متعين. ولا ينبغى أن يلتفت إلى غيره من المرجحات فانها فى مقابلته ضائعة اهـ (هذا وأحاديث الفصل) المروية عن نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما تدل على استحباب النزول فى الأماكن التى نزل فيها النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم والصلاة فى المساجد التى صلى فيها فى طريقه بين مكة والمدينة فى حجة الوداع تبركا بأثره الشريف كما كان يفعل ابن عمر رضى الله عنهما، فقد كان يستحب التببع لآثار النبى ﷺ والتبرك بها إلا ما ورد النهى عنه كاتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، والاستغاثة بأصحاب تلك القبور من ضر نزل به أو طلب منفعة تعود عليه كما يفعل كثير من الناس الآن، فان هذا إشراك بالله الواحد الأحد الفرد الصمد الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فالله وحده هو الضار النافع لا يشاركه فى ذلك أحد مهما علت درجته، قال تعالى مخاطبا أفضل خلقه ﴿قل لا أملك لنفسى نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنى السوء. إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون﴾ فواجب على العلماء أن يعلموا العوام هذه العقيدة ويغرسوها فى قلوبهم، وإلا كانوا كعلماء بنى إسرائيل الذين لعنهم الله فى كتابه العزيز بقوله ﴿لعن الذين كفروا من بنى اسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم. ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون * كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، لبئس ما كانوا يفعلون﴾ إذا علمت هذا فلا بأس بالنزول فى الأمكنة التى نزل بها النبى ﷺ وصلى فيها اقتداء به، ولكن على شرط أن لا يجر ذلك إلى اعتقاد وجوبه؛ فقد روى شعبة عن سليمان التيمى عن المعرور بن سويد قال كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه فى سفر فصلى الغداة ثم أتي على مكان فجعل الناس يأتونه ويقولون صلى فيه النبى ﷺ ، فقال عمر إنما هلك أهل الكتاب أنهم كانوا اتبعوا آثار أنبيائهم فاتخذوا كنائس وبيعًا؛ فمن عرضت له الصلاة فليصل وإلا فليمض، وإنما كره عمر رضى الله عنه ذلك لأنه خشى أن يلتزم الناس فى الصلاة فى تلك المواضع فيشكل ذلك على من يأتى بعدهم ويرى ذلك واجبا، وكذا ينبغى للعالم إذا رأى الناس يلتزمون النوافل التزاما شديدا أن يترخص فيها فى بعض المرات ليعلم بفعله ذلك أنها غير واجبة كما فعل ابن عباس فى ترك الأضحية، وروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة فى المواضع التى صلى فيها الشارع فقال ما يعجبني ذلك إلا فيстр. 3033
-[سبب مشروعية الرمَل في طواف القدوم]-
(٦) باب ما رواه أبو الطفيل عن ابن عباس رضى الله عنهما فى أسباب بعض أعمال الحج
(٧٠) حدّثنا عبد الله حدَّثنى أبى ثنا سريج ويونس قالا ثنا حمَّاد يعنى ابن سلمة عن أبى عاصم الغنويِّ عن أبى الطُّفيل قال قلت لابن عباسٍ يزعم قومك أنَّ رسول الله ﷺ رمل بالبيت وأنَّ ذلك سنَّة، قال صدقوا او كذبوا قلت وما صدقوا وكذبوا؟ قال صدقوا. رمل رسول الله ﷺ بالبيت، وكذبوا. ليس بسنَّةٍ إنَّ قريشًا قالت زمن الحديبية دعوا محمَّدًا وأصحابه حتَّى يموتوا موت النَّغف فلمَّا صالحوه على أن يقدموا من العام المقبل ويقيموا بمكَّة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله ﷺ والمشركون من قبل قعيقان فقال رسول الله ﷺ لأصحابه ارملوا بالبيت ثلاثًا وليس بسنَّةٍ، الحواشي
(٧٠) حدّثنا عبد الله (غريبه)(١) قال المنذرى أبو الطفيل هو عامر ابن واثلة، وهو آخر من مات من الصحابة رضى الله عنهم وأبو عاصم الغنوى لا يعرف اسمه(٢) يعنى فى طواف القدوم، وتقدم معنى الرمل(٣) يعنى صدقوا فى أن النبى ﷺ فعله وكذبوا فى قولهم إنه سنة مقصودة متأكدة، لأن النبى ﷺ لم يجعله سنة مطلوبة دائما على تكرار السنين، وإنما أمر به تلك السنة لأظهار القوة عند الكفار، وقد زال ذلك المعنى، هذا معنى كلام ابن عباس(٤) قال النووى ﵀ هذا الذى قاله (يعنى ابن عباس) رضى الله عنهما من كون الرمل ليس سنة مقصودة هو مذهبه، وخالفه جميع العلماء من الصحابة والتابعين وأتباعهم، ومن بعدهم فقالوا هو سنة فى الطوفات الثلاث من السبع، فان تركه فقد ترك سنة وفاتته فضيلة، ويصح طوافه ولا دم عليه اهـ(٥) بفتح النون والغين المعجمة وفاء، دود يكون فى أنوف الأبل والغنم، واحدتها نغفة يقال للرجل إذا استحقر واستضعف ما هو إلا نغفة، يعنى أنهم قالوا ذلك احتقارًا للنبى ﷺ وأصحابه لأنهم كانوا إذ ذاك قليلوا العدد والعدد، ولم يعلموا أن الله ناصر نبيه ﷺ(٦) بصيغة التصغير جبل مشرف على الحرم من جهة الغرب (وفى رواية أخرى) للأمام أحمد "والمشركون على جبلстр. 3034
-[سبب مشروعية السعى بين الصفا والمروة وحكم الركوب فيه]-
قلت ويزعم قومك أنَّه طاف بين الصَّفا والمروة على بعير وأنَّ ذلك سنَّة، فقال صدقوا وكذبوا فقلت وما صدقوا وكذبوا؟ فقال صدقوا قد طاف بين الصَّفا والمروة على بعير، وكذبوا ليست بسنَّةٍ، كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ﷺ ولا يصرفون عنه، فطاف على بعير ليسمعوا كلامه ولا تناله أيديهم، قلت ويزعم قومك أنَّ رسول الله ﷺ سعى بين الصَّفا والمروة وأنَّ ذلك سنَّةٌ، قال صدقوا إنَّ إبراهيم لمَّا أمر بالمناسك عرض له
الحواشي
(١) أى صدقوا فى أنه ﷺ طاف راكبا، وكذبوا فى أن الركوب أفضل. بل المشى أفضل، وإنما ركب ﷺ لشدة ازدحام الناس عليه وسؤالهم إياه عن أحكام المناسك، وكان من خلقه ﷺ أن لا يدفع قاصده ولا يضرب الناس بين يديه كما يفعل الملوك والعظماء، فدفعا لما يحصل من ضرر الزحام ركب ﷺ ، وهذا معنى قوله كان الناس لا يدفعون عن رسول الله ﷺ بضم الياء التحتية مبنى للمجهول وكذا قوله ولا يصرفون، وفى لفظ لمسلم "قال ان رسول الله ﷺ كثر عليه الناس يقولون هذا محمد هذا محمد حتى خرج العواتق من البيوت، قال وكان رسول الله ﷺ لا يضرب الناس بين يديه، فلما كثر عليه ركب والمشى والسعى أفضل"(٢) أى ما يلقيه عليهم من المواعظ وتعليم الأحكام (ولا تناله أيديهم) أى لأن كل سائل يريد أن يلفته اليه بمدّ يده عليه، وفى هذا إيذاء له ﷺ ، فمن أجل ذلك ركب والله أعلم (قال النووى) وهذا الذى قاله ابن عباس مجمع عليه، أجمعوا على أن الركوب فى السعى بين الصفا والمروة جائز وأن المشى أفضل منه إلا لعذر(٣) أقرّ ابن عباس رضى الله عنهما هذا السؤال ولمстр. 3035
-[سبب مشروعية رمي الجمرات - وأن الذبيح اسماعيل على الأرجح]-
الشيطان عند السَّعي فسابقه فسبقه إبراهيم، ثمَّ ذهب به جبريل إلى جمرة العقبة فعرض له شيطان (وفي لفظٍ الشيَّطان) فرماه بسبع حصيات حتَّى ذهب، ثمَّ عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات قال قد تلَّه للجبين (وفى لفظ وثمَّ تلَّه للجبين) وعلى إسماعيل قميص أبيض، وقال يا أبت إنَّه ليس لى ثوب تكفِّننى فيه غيره؛ فاخلعه حتَّى
الحواشي
(١) هذا اللفظ ليونس أحد الراويين اللذين روى عنهما الأمام أحمد هذا الحديث. يعنى أن الشيطان عرض له مرة ثانية يريد إفساد عبادته فرماه ابراهيم بسبع حصيات حتى ذهب عنه، ثم عرض له مرة ثالثة عند الجمرة الوسطى فرمان بسبع حصيات أيضا ليدفعه عن نفسه، والظاهر أن اسماعيل كان مع أبيه ابراهيم فى ذاك الوقت؛ وقد استحضره ابراهيم ﵇ استعدادا لتنفيذ ما أمره الله به من ذبحه، وقد حاول الشيطان منعه بكل الوسائل فلم يفلح، ففى الرواية للبغوى أن الشيطان أقبل على ابراهيم ﵇ فقال له أين تريد أيها الشيخ؟ قال أريد هذا الشعب لحاجة لى فيه، قال والله انى لأرى الشيطان قد جاءك فى منامك فأمرك بذبح ابنك هذا، فعرفه ابراهيم ﵇ فقال اليك عنى يا عدو الله فوالله لأمضين أمر ربى، فرجع ابليس بغيظه(٢) زاد البغوى هنا فى رواية "حتى ذهب حتى أدركه عند الجمرة الكبرى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم مضى ابراهيم لأمر الله "(٣) بفتح الثاء المثلثة أى وهناك تله للجبين، وهذا اللفظ ليونس أيضا "ومعنى تله للجبين" أى صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه ولا يشاهد وجهه عند ذبحه ليكون أهون عليه (قال ابن عباس) رضى الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة "وتله للجبين" أى أكبه على وجهه(٤) الظاهر أنه أراد بخلع القميص عدم تلوثهстр. 3036
-[سبب مشروعية الهدي والتضحية - وتعليم جبريل ابراهيم ﵉ مناسك الحج]-
تكفِّنني فيه، فعالجه ليخلعه فنودى من خلفه أن يا إبراهيم قد صدَّقت الرُّؤيا فالتفت إبراهيم فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين، قال ابن عبَّاس لقد رأيتنا نتَّبع هذا الضَّرب من الكباش (قال) ثمَّ ذهب به جبريل إلى الجمرة القوصى، فعرض له الشَّيطان فرماه بسبع حصيات حتَّى ذهب، ثمَّ ذهب به جبريل إلى منيً قال هذا منًى (وفي لفظٍ هذا مناخ النَّاس) ثمَّ أتى به جمعًا؛ فقال هذا المشعر الحرام، ثمَّ ذهب به إلى عرفة؟ فقال ابن عبَّاس هل تدري لم سمِّيت عرفة؟ قلت لا، قال إنَّ جبريل قال لإبراهيم عرفت (وفى لفظ هل عرفت؟) قال نعم، قال ابن عبَّاس فمن ثمَّ سمِّيت عرفة؟ ثمَّ قال هل تدرى كيف كانت التلبية؟ قلت وكيف كانت؟ قال إنَّ إبراهيم لمَّا أمر أن يؤذِّن فى النَّاس بالحجِّ خفضت له الجبال رءوسها
الحواشي
(١) أى قد حصل المقصود من رؤياك باضجاعك ولدك للذبح وامتثالك أمر ربك، وذكر السدى وغيره أنه أمرَّ السكين على رقبته فلم تقطع شيئا بل حال ببنها وبينه صفيحة من نحاس ونودى ابراهيم عند ذلك قد صدَّقت الرؤيا(٢) أى له قرنان حسنان (أعين) أى واسع العين(٣) أى نطلب هذا الصنف المتصف بذلك لأجل الضحية(٤) هذا اللفظ ليونس أيضا وهو بضم الميم موضع الأناخة لأن الناس يبيتون بها فينيخون إبلهم (وقوله ثم أتى جمعًا) بفتح الجيم يعنى المزدلفة، وسميت جمعًا لاجتماع الناس بها أو لكونهم يجمعون فيها بين صلاتى المغرب والعشاء جمع تأخير وتقدم معنى تسميتها بالمزدلفة(٥) المشعر. واحد المشاعر. هى المعالم الظاهرة، وإنما سميت المزدلفة المشعر الحرام لأنها داخل الحرم(٦) روى عبد الرزاق أخبرنى ابن جريج قال قال ابن المسيب قال على بن أبى طالب (رضى الله عنه) بعث الله جبريل ﵇ إلى ابراهيم ﷺ فحج به حتى إذا أتى عرفة قال عرفت وكان قد أتاها مرة قبل ذلك، فلذلك سميت عرفة، وقال ابن المبارك عن عبد الملك بن أبى سليمان عن عطاء قال إنما سميت عرفة أن جبريل ﵇ كان يرى إبراهيم المناسك فيقول عرفت عرفت، فسميت عرفاتстр. 3037
-[سبب مشروعية التلبية تأذين ابراهيم في الناب بالحج]-
ورفعت له القرى فأذَّن في النَّاس بالحجِّ
الحواشي
(١) روى ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس. ومجاهد. وعكرمة. وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف أن الله أمر ابراهيم أن يؤذن فى الناس بالحج. أى ينادى فى الناس داعيا لهم إلى الحج إلى هذا البيت الذى أمره الله ببنائه، فذكر أنه قال يا رب كيف أبلغ الناس وصوتى لا ينفذهم، فقال نادو علينا البلاغ فقام على مقامه "أى مقام ابراهيم" وقيل على الحجر، وقيل على الصفا. وقيل على أبى قبيس، وقال يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتا فحجوه، فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض وأسمع من فى الأرحام والأصلاب وأجابه كل شاء سمعه من حجر ومدر وشجر ومن كتب الله أن يحج إلى يوم القيامة "لبيك اللهم لبيك" (تخريجه) أورده الهيثمى وقال رواه أحمد والطبرانى فى الكبير ورجاله ثقات اهـ (قلت) روى مسلم وأبو داود منه الجزء المختص بالطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة من حديث الطفيل عن ابن عباس أيضا (وللأمام أحمد رواية أخرى) مختصرة "عن ابن عباس أيضا أن رسول الله ﷺ قال إن جبريل ذهب بابراهيم ﵇ الى جمرة العقبة فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة الوسطى فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات فساخ، ثم أتى الجمرة القصوى فرماه بسبع حصيات فساخ، فلما أراد ابراهيم أن يذبح اسحاق قال يا أبت أوثقنى لا اضطرب فينضح عليك دمى اذا ذبحتنى، فشده، فلما أحد الشفرة وأراد أن يذبحه نودى من خلفه أن يا ابراهيم قد صدقت الرؤيا" فى هذه الرواية أن الذبيح اسحاق، ولكن فى اسنادها عطاء بن السائب وقد اختلط (زوائد الباب) (عن ابن عباس) رضى الله عنهما قال جاء جبريل الى النبى ﷺ ليريه المناسك فانفرج له ثبير فدخل منى فأراه الجمار ثم أراه جمعا، وأراه عرفات، فلما كان عند الجمرة نبع له ابليس (أى خرج له من الأرض كما يخرج الماء من العين) فرماه بسبع حصيات فساخ (أى غاص فى الأرض) ثم نبع له حتى ذكر جمرة العقبة فساخ فذهب (وفى رواية عن ابن عباس أيضا) قال انطلق جبريل ﵇ بالنبى ﷺ ليريه المناسك فأتى به جمرة العقبة فاذا إبليس عليها فأمره فرماه بسبع حصيات فساخ فى الأرض، ثم أتى الجمرة الوسطى فاذا هو بابليس فأمره فرماه بسبع حصيات فساخ فى الأرض، ثم أتي الثالثة فقال مثل ذلك، ثم أتى جمعا ثم لبى من عرفات، أورده الهيثمى وقال رواه كله الطبرانى فى الكبير وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط (الأحكام) اشتمل هذا الباب على ذكر أسباب شاء كثير من أفعال الحج، فذكر فيه سبب الرمل فى طواف القدوم والسعى بين الصفا والمروةстр. 3038
-[بيان مواقيت الإحرام المكانية وتحديد ذى الحليفة والجحفة]-
(أبواب الاحرام ومواقيته وصفته واحكامه)
(١) باب مواقيت الاحرام المكانية
(٧١) عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال وقَّت رسول الله ﷺ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لأهل المدينة ذا الحلِّيفة ولأهل الشَّام الحواشي
(٧١) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى ثنا يزيد أنا حماد ابن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس - الحديث" (غريبه)(١) قال القاضى عياض وقت أى حدَّد (وقال الحافظ) أصل التوقيت أن يجعل للشاء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة ثم اتسع فيه فأطلق على المكان أيضا، قال ابن الأثير التأقيت أن يجعل للشاء وقت يختص به وهو بيان مقدار المدة، يقال وقت الشاء بالتشديد يؤقته، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين مدته، ثم اتسع فيه فقيل للموضع ميقات (وقال الشوكانى) المراد بالتوقيت هنا التحديد، ويحتمل أن يريد به تعليق الأحرام بوقت الوصول إلى هذه الأماكن بالشرط المعتبر (وقال ابن دقيق العيد) إن التأقيت فى اللغة تعليق الحكم بالوقت ثم استعمل للتحديد والتعيين، وعلى هذا فالتحديد من لوازم الوقت وقد يكون وقَّت بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى ﴿ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾(٢) أى النبوية ومن سلك طريق سفرهم ومر على ميقاتهم (وقوله ذا الحليفة) مفعول وقت وهو تصغير حلفة، نبت معروف. وهى قرية خربة وبها مسجد يعرف بمسجد الشجرة خراب. وبئر يقال لها بئر على، وقال فى القاموس هو ماء لبنى جشم على ستة أميال (يعنى من المدينة) وصححه النووى، وقول من قال كابن الصباغ فى الشامل والرويانى فى البحر إنه على ميل من المدينة وهم يرده الحس(٣) أى من العريش إلى نابلس، وقيل إلى الفرات ومن سلك طريقهم (الجحفة) بضم الجيم واسكان الحاء المهملة وفتح الفاء قرية على ستة أميال من البحر وثمان مراحل من المدينة، ومن مكة خمس مراحل أو ستة أو ثلاثة، قال ابن الكلبى كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بنى عبيل "بفتح المهملة وكسر الموحدة" وهم اخوة عاد حرب، فأخرجوهم من يثرب فنزلوا مهيعة "بفتح أوله وسكون ثانيه" وهيстр. 3039
-[ميقات أهل اليمن يلملم - وأهل نجد قرن - وتحديد يلملم وقرن]-
الجحفة؛ ولأهل اليمن يلملم ولأهل نجد قرنًا، وقال وهنَّ وقت لأهلهنَّ ولمنّ مرَّ بهنَّ من غير أهلهنَّ يريد الحجَّ والعمرة، فمن كان منزله من وراء الميقات فإهلاله من حيث ينشئ وكذلك، حتَّى أهل مكَّة إهلالهم
الحواشي
(١) يعنى إذا مروا بطريق تهامة ومن سلك طريق سفرهم ومر عليهم فيمقاتهم جميعا (يلملم) بفتح الياء التحتية واللامين وسكون الميم الأولى بينهما غير منصرف. جبل من جبال تهامة، ويقال فيه ألملم بهمزة بدل الياء على مرحلتين من مكة، فان مر أهل اليمن من طريق الجبال فميقاتهم نجد(٢) أى نجد الحجاز أو اليمن ومن سلك طريقهم فى السفر (قرنا) بفتح القاف وسكون الراء أى قرون المنازل كما فى رواية أخرى للشيخين والأمام أحمد، وضبطه صاحب الصحاح بفتح الراء وغلطه صاحب القاموس، وحكى النووى الاتفاق على تخطئته. وقيل إنه بالسكون. الجبل. وبالفتح. الطريق، حكاه عياض عن القابسى (قال الحافظ) والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق مرحلتان اهـ. ويسمى قرن الثعالب، وسمى بذلك لكثرة ما كان يأوى اليه من الثعالب، وحكى الرويانى عن بعض قدماء الشافعية أنهما موضعان، أحدهما فى هبوط، وهو الذى يقال له قرن المنازل والآخر فى صعود، وهو الذى يقال له قرن الثعالب، والمعروف الأول، لكن فى أخبار مكة للفاكهى أن قرن الثعالب جبل مشرف على أسفل منى بينه وبين منى ألف وخمسمائة ذراع فظهر أن قرن الثعالب ليس من المواقيت(٣) أى هذه المواقيت لأهل هذه البلدان (ولمن مر بهن) أى بهذه المواقيت (من غير أهلهن) أى من غير أهل البلاد المذكورة، فاذا أراد الشامى الحج فدخل المدينة فميقاته ذو الحليفة لاجتيازه عليها ولا يؤخر حتى يأتى الجحفة التى هى ميقاته الأصلى، فان أخر أساء ولزمه دم عند الجمهور، وحكى النووى الأجماع على ذلك، وتعقب بأن المالكية يقولون يجوز له ذلك وإن كان الأفضل خلافه؛ وبه قالت الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية؛ وهكذا ما كان من البلدان خارجا عن البلدان المذكورة، فان ميقات أهلها الميقات الذى يأتون عليه(٤) أى بين الميقات ومكةстр. 3040
-[من أين يحرم أهل مكة - ومن كان بلده بين الميقات ومكة]-
من حيث ينشئون (وعنه من طريقٍ ثانٍ بنحوه وفيه) فمن كان من دون ذلك فمن حيث أنشأ حتَّي أهل مكَّة من مكَّة
(٧٢) عن نافعٍ عن ابن عمر رضى الله عنهما أنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ من أين يحرم؟ قال مهلُّ أهل المدينة من ذى الحليفة، ومهلُّ أهل الشَّام من الجحفة، ومهلُّ أهل اليمن من يلملم، ومهلُّ أهل نجد من قرن، وقال ابن عمر وقاس النَّاس ذات عرق بقرن (ومن طريقٍ ثانٍ) عن عبد الله الحواشي
(١) يعنى أن أهل مكة وغيرهم ممن هنا بها يهلون من مكة (كما فى الطريق الثانية) ولا يخرجون الى الميقات للأحرام منه وهذا فى الحج، وأما فى العمرة فيجب الخروج الى أدنى الحل كما سيأتى (قال المحب الطبرى) ولا أعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة، واختلف فى القارن فذهب الجمهور الى أن حكمه حكم الحاج فى الأهلال من مكة، وقال ابن الماجشون يتعين عليه الخروج الى أدنى الحل والله أعلم(٢) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا عفان ثنا وهيب ثنا عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم هن لهم ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة. فمن كان من دون ذلك - الحديث"(٣) أى فمهله من مكانه حيث قصد الذهاب إلى مكة (تخريجه) (ق. وغيرهما)(٧٢) عن نافع عن ابن عمر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا هشيم أنا يحيى بن سعيد وعبيد الله بن عمرو بن عون وغير واحد عن نافع عن ابن عمر - الحديث" (غريبه)(٤) بضم الميم وفتح الهاء أى موضع اهلال أهل المدينة الخ(٥) ومثلها مصر والمغرب من الجحفة(٦) يريد ابن عمر رضى الله عنهما أنه لم يسمع فى ذات عرق حديثا مرفوعا. وسيأتى الكلام عليه(٧) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا محمد بن عبد الله ثنا سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمرстр. 3041
-[كلام العلماء في مهل أهل العراق - وهل هو ثابت من كلام النبي ﷺ أم لا]-
ابن دينار عن ابن عمر رضى الله عنهما قال وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل نجدٍ قرنًا، ولأهل الشَّام الجحفة، وقال هؤلاء الثَّلاث حفظتهنَّ من رسول الله ﷺ وحدِّثت أنَّ رسول الله ﷺ قال ولأهل اليمن يلملم، فقيل له العراق، قال لم يكن يومئذ عراق
(٧٣) عن ابن جريح أخبرني أبو الزُّبير أنَّه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن المهلِّ فقال سمعت ثمَّ انتهى، أراه يريد النَّبيَّ ﷺ يقول مهلُّ أهل الحواشي
(١) أى سمعهن من رسول الله ﷺ بغير واسطة (وقوله وحدثت أن رسول الله ﷺ قال ولأهل اليمن يلملم) يريد أنه لم يسمع هذا الميقات الرابع من النبى ﷺ . وإنما بلغه عنه بواسطة، وهذا لا يقدح فى الحديث، فقد ثبت ذلك فى حديث ابن عباس المتقدم ورواه الشيخان أيضا، وفى حديث جابر الآتى رواه مسلم وغيره(٢) أى فقيل لابن عمر ما ميقات العراق (فقال لم يكن يومئذ عراق) يعنى أن العراق لم يكن فتح فى زمنه ﷺ ، وهذا لا ينافى أن النبى ﷺ وقت لأهل العراق قبل فتحه لعلمه بأنه سيفتح، ويكون ذلك من معجزات النبى ﷺ والأخبار بالمغيبات المستقبلات ولم يبلغ ابن عمر ذلك؛ فقد وقت ﷺ لأهل الشام الجحفة فى جميع الأحاديث الصحيحة، ومعلوم أن الشام لم يكن فتح حينئذ. وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه أخبر بفتح الشام واليمن والعراق. وأنهم يأتون اليهم يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون. وأنه ﷺ أخبر بأنه زويت له مشارق الأرض ومغاربها، وقال سيبلغ ملك أمتى ما زوى لى منها وأنهم سيفتحون مصرى وهى أرض يذكر فيها القيراط، وأن عيسى ﵇ ينزل على المنارة البيضاء شرقى دمشق. وكل هذه الأحاديث فى الصحيح. وفى الصحيح من هذا القبيل ما يطول ذكره. والله أعلم. قاله النووى (قلت) جاءت أحاديث وآثار كثيرة من عدة طرق تدل على أن النبى ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق. بل جاء ذلك فى حديث جابر رواه مسلم والأمام أحمد وسيأتى بعد هذا. إلا أنه مشكوك فى رفعه. وسيأتى الكلام على هذه المسألة فى الأحكام ان شاء الله تعالى (تخريجه) (ق. وغيرهما)(٧٣) عن ابن جريج (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا روح ثنا ابن جريج - الحديث"(٣) بضم الميم أى مواضع الأهلال (فقال) أي جابر (سمعتстр. 3042
-[تحديد ذات عرق - وحجة القائلين بأن مهل أهل العراق لم ينبت مرفوعا]-
المدينة من ذي الحليفة، والطَّريق الأخرى الجحفة، ومهلُّ أهل العراق من ذات عرقٍ ومهلُّ أهل نجدٍ من قرنٍ، ومهلُّ أهل اليمن من يلملم (ومن
الحواشي
(١) هو الجبل الصغير. وقيل العرق من الأرض السبخة تنبت الطرفاء وبينها وبين مكة اثنان وأربعون ميلا، وهذا صريح فى كونه ميقات أهل العراق، لكن قال النووى إنه غير ثابت لعدم جزمه برفعه (وأجيب) بأن قوله أراه أو أحسبه كما فى رواية لمسلم معناه أظنه، والظن فى باب الرواية يتنزل منزلة اليقين وليس ذلك قاد حافى رفعه، وأيضا فلو لم يصرح برفعه لا يقينا ولا ظنا فهو منزل منزلة المرفوع، لأن هذا لا يقال من قبل الرأى، وإنما يؤخذ توقيفا من الشارع، لا سيما وقد ضمه جابر إلى المواقيت المنصوص عليها يقينًا باتفاق، وقد أخرجه الأمام أحمد من رواية ابن لهيعة كما فى الطريق الثانية؛ وابن ماجه من رواية ابراهيم بن يزيد كلاهما عن أبى الزبير ولم يشكا فى رفعه، ووقع فى حديث عائشة عند أبى داود والنسائى بأسناد صحيح كما قاله النووى أن "رسول الله ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق" لكن الأمام أحمد كان ينكر على أفلح بن حميد هذا الحديث، نعم قال ابن عدى قد حدث عنه ثقات الناس وهو عندى صالح وأحاديثه مستقيمة كلها وصححه الذهبى، وقال العراقى إن اسناده جيد، وروى الدارقطنى والأمام أحمد وسيأتى بعد هذا من حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال "وقت رسول الله ﷺ فذكر الحديث" وسيأتى بلفظه، وفيه قال "ولأهل العراق ذات عرق" فهذه الأحاديث وإن كانت لا تخلوا من مقال، فمجموعها لا يقصر عن درجة الاحتجاج، وقد قال ذلك غير واحدстр. 3043
-[تحديد تهامة والعقيق - وحجة القائلين بأن النبي ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق]-
طريقٍ ثانٍ) عن ابن لهيعة ثنا أبو الزُّبير قال سألت جابرًا عن المهلِّ قال سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول مهلُّ أهل المدينة من ذى الحليفة فذكره باللَّفظ المتقدِّم
(٧٤) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال وقَّت رسول الله ﷺ لاهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشَّام الجحفة، ولأهل اليمن وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطَّائف وهى نجد قرنًا، ولأهل العراق ذات عرقٍ
(٧٥) عن ابن عبَّاس رضى الله عنهما قال وقَّت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم لأهل المشرق العقيق الحواشي
(١) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثما ابن لهيعة - الحديث"(٢) هنا صرح بالسماع فالحديث مرفوع بلا شك (تخريجه) أخرج الطريق الأولى منه مسلم، ولكن بالشك فى رفعه كما هنا، وأخرج الطريق الثانية ابن ماجه بغير شك وفى اسناده ابن لهيعة ضعيف(٧٤) عن عمرو بن شعيب (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يزيد أنا حجاج عن عطاء عن جابر. وعن أبى الزبير عن جابر. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - الحديث" (غريبه)(٣) بكسر التاء المثناة، هى أرض أولها ذات عرق من قبل نجد إلى مكة وما وراءها بمرحلتين أو أكثر، ثم تتصل بالغور وتأخذ الى البحر، ويقال إن تهامة تتصل بأرض اليمن وإن مكة من تهامة اليمن، والنسبة اليها تهامى وتهام أيضا بالفتح. قاله فى المصباح (تخريجه) (قط) وفى إسناده الحجاج بن أرطاة فيه كلام قال الهيثمى. وقد وثق(٧٥) عن ابن عباس (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا وكيع ثنا سفيان عن يزيد بن أبى زياد عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس عن ابن عباس - الحديث" (غريبه)(٤) هو واد وراء ذات عرق مما يلى المشرق، قال الأمام أبو منصور الأزهرى فى تهذيب اللغة يقال لكل مسيل ماء شقه السيل فأنهره ووسعه عقيق. قال وفى بلاد العرب أربعة أعقه، وهى أودية عادية. منها عقيق يدفق ماؤه فى غور ثهامة وهو الذى ذكره الشافعى فقال لو أهلوا من العقيق كان أحب إلى (تخريجه) (د. مذ) وقالстр. 3044
-[حجة القائلين بجواز الأحرام قبل الميقات - وفضل الأحرام من بيت المقدس]-
(٧٦) عن عبد الله بن الزُّبير رضى الله عنهما أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم وقَّت لأهل نجد قرنًا
(٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة عن أمِّ حكيمٍ السَّلميَّة عن أم سلمة زوج النَّبي ﷺ ورضي عنها أنَّ رسول الله ﷺ قال من أحرم من بيت المقدس غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه (ومن طريقٍ ثانٍ) عن يحيى بن أبى سفيان الأخنسىِّ عن أمِّه أمِّ حكيم بنة أمية بن الأخنس عن أمِّ سلمة زوج النبيَّ ﷺ ورضى عنها قالت سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم يقول من أهلَّ من المسجد الأقصى بعمرةٍ أو بحجةٍ غفر الله له ما تقدَّم من ذنبه، قال فركبت أمُّ حكيمٍ عند ذلك الحواشي
(٧٦) عن عبد الله بن الزبير (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا أبو كامل ثنا حماد يعنى ابن سلمة عن أيوب عن عبد الله بن الزبير رضى الله عنهما - الحديث" (تخريجه) لم أقف عليه لغير الأمام أحمد وأورده الهيثمى وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، إلا أن أيوب بن أبى تميمة لم يسمع من ابن الزبير(٧٧) عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا حسن ثنا ابن لهيعة قال ثنا جعفر بن ربيعة عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة - الحديث" (غريبه)(١) هى بنت أمية بنت الأخنس كما فى الطريق الثانية(٢) تقدم غير مرة الكلام فى تكفير الذنوب بالأعمال الصالحة والخلاف فى ذلك، وفيه فضيلة الأحرام من بيت المقدس، لأن له مزايا عديدة لا توجد فى غيره(٣) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا يعقوب قال حدثنى أبى عن ابن إسحاق قال حدثنى سليمان بن سحيم مولى آل جبير عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي - الحديث"стр. 3045
-[تحديد التنعيم وأنه ميقات العمرة لمن بمكة]-
الحديث إلى بيت المقدس حتَّى أهَّلت بعمرةٍ
(٧٨) عن عبد الرَّحمن بن أبى بكر ﵄ قال قال رسول الله ﷺ ارحل هذه النَّاقة، ثمَّ أردف أختك فإذا هبطتما من أكمة التَّنعيم فأهلاَّ وأقبلا، وذلك ليلة الصَّدر (وعنه من طريقٍ ثانٍ) بنحوه وفيه فإذا هبطت بها من الأكمة فلتحرم فإنَّها عمرة متقبَّلة الحواشي
(١) أي عندما سمعت هذا الحديث لتحوز هذه المزية العظمى، وسيأتى الكلام عليه فى الأحكام (تخريجه) (د. جه. هق) وغيرهم قال النووى وإسناده ليس بالقوى (قلت) إسناده عند الأمام أحمد لا بأس به والله أعلم(٧٨) عن عبد الرحمن بن أبى بكر (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا على بن اسحاق أنبأنا عبد الله يعنى ابن المبارك أنبأنا زكريا بن اسحاق عن ابن أبى نجيح أن أباه حدثه أنه أخبره من سمع عبد الرحمن بن أبى بكر يقول قال رسول الله ﷺ الحديث" (غريبه)(٢) أى شد عليها رحلها يقال رحلت البعير رحلا من باب نفع شددت عليه رحله، وتقدم شرحه، وهو للبعير كالسرج للفرس(٣) أى اجعلها خلفك على ظهر الناقة؛ والرديف الذى تجعله خلفك على ظهر الدابة، تقول أردفته اردافا، وفيه جواز إرداف المرأة مع الرجل إذا كانت محرما له(٤) الأكمة بفتحات تل وقيل شرفة كالرابية وهو ما اجتمع من الحجارة فى مكان واحد، وربما غلظ وربما لم يغلط، والجمع أكم وأكمات مثل قصبة وقصب وقصبات، وجمع الأكم إكام مثل جبل وجبال وجمع الأكام أكم بضمتين مثل كتاب وكتب وجمع الأكم آكام مثل عنق وأعناق (مصباح) والتنعيم موضع قريب من مكة وهو أقرب أطراف الحل الى مكة، ويقال بينه وبين مكة أربعة أميال ويعرف بمساجد عائشة، وتقدم الكلام عليه بأطول من هذا فى باب جواز العمرة فى جميع أشهر السنة صحيفة ٥٣ فى الشرح(٥) بفتحات أى ليلة سفرهم من مكة الى المدينة بعد انقضاء نسكهم(٦) (سنده) حدّثنا عبد الله حدثنى أبى ثنا داود بن مهران الدباغ حدثنا داود يعنى العطار عن ابن خثيم عن يوسف بن ماهك عن حفصة بنة عبد الرحمن ابن أبى بكر الصديق عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن أردف أختك يعنى عائشة فأعمرها من التنعيم فاذا هبطت بها - الحديث" (تخريجه) (ق. وغيرهما)стр. 3046
-[زوائد الباب - واتفاق الأئمة على مشروعية المواقيت]-
.....
الحواشي
(١) من مسند عائشة بألفاظ مختلفة. وفى الطريق الأولى من حديث الباب رجل لم يسم (زوائد الباب) (عن نافع عن ابن عمر) رضى الله عنهما قال لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ حد لأهل نجد قرنا وهو جور عن طريقنا وإنا إن أردنا قرنا شق علينا، قال فانظروا حذوها من طريقكم؛ فحد لهم ذات عرق رواه البخارى (وقوله المصران بالتثنية) المراد بهما البصرة والكوفة (وعن عائشة) رضى الله عنها أن النبى ﷺ وقت لأهل العراق ذات عرق (د. نس) وسكت عنه أبو داود والمنذرى فهو صالح (وعن أنس بن مالك) رضى الله عنه أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدائن العقيق. ولأهل البصرة ذات عرق. ولأهل المدينة ذا الحليفة. ولأهل الشام الجحفة (طب) وفيه أبو ظلال هلال بن يزيد وقفه ابن حيان وضعفه جمهور الأئمة وبقية رجاله رجال الصحيح (وعن الحارق بن عمرو) قال أتيت رسول الله ﷺ وهو بمنى أو بعرفات ووقت لأهل اليمن يلملم أن يهلوا منها (طب) ورجاله ثقات (وعن ابن عباس رضى الله عنهما) أن النبى ﷺ قال لا تجاوز الموقت إلا باحرام (طب) وفيه خصيف وفيه كلام قد وثقه جماعة (وعن ابن عمر) رضى الله عنهما قال قال رسول الله ﷺ من أحرم من بيت المقدس دخل مغفورا له (قال الهيثمى) هكذا وجدته فى نسختين، رواه الطبرانى فى الأوسط وفيه غالب بن عبد الله العقيلى وهو متروك (وعن الحسن) أن عمران بن حصين رضى الله عنه أحرم من البصرة، فلما قدم على عمر وكان قد بلغه ذلك أغلظ له وقال يتحدذ الناس أن رجلا من أصحاب النبى ﷺ أحرم من مصر من الأمصار (طب) ورجاله رحال الصحيح الا أن الحسن لم يسمع من عمر (الأحكام) أحاديث الباب تدل على مشروعية المواقيت المذكورة فيها، وقد أجمع العلماء على ذلك، وحكمها الوجوب عند جمهور العلماء، منهم (الأئمة الأربعة) بحيث لو تركها وأحرم بعد مجاوزتها أثم ولزمه دم وصح حجه (وقال عطاء والنخعى) لا شاء عليه (وقال سعيد بن جبير) لا يصح حجه (قال النووى) وفائدة المواقيت أن من أراد حجا أو عمرة عليه مجاوزتها بغير احرام ولزمه الدم (قال أصحابنا) فان عاد الى الميقات قبل التلبس بنسك سقط عنه الدم، وفى المراد بهذا النسك خلاف منتشر (وأما من لا يريد حجا ولا عمرة) فلا يلزمه الأحرام لدخول مكة على الصحيح من مذهبنا سواء دخل لحاجة تتكرر كحطَّاب وحشّاش وصياد ونحوهم أو لا تتكرر كتجارة وزيارة (وأما من مر بالميقات) غير مريد دخول الحرم بل لحاجة دونه ثم بدا له أن يحرم فيحرم من موضعه الذى بدا له فيه، فان جاوزه بلا إحرام ثم أحرم أثم ولزمه الدم؛ وان أحرم من الموضع الذى بدا له أجزأه ولا دم عليه ولا يكلفстр. 3047
-[اختلاف الأئمة في ميقات العراق وأدلاء كل بحجته والجمع بين ذلك]-
.....
الحواشي
(١) الرجوع إلى الميقات. هذا مذهبنا ومذهب الجمهور (وقال أحمد واسحاق) يلزمه الرجوع الى الميقات اهـ. وقد اتفق العلماء أن رسول الله ﷺ نص على الأربعة مواقيت المذكورة فى حديث ابن عباس الأول من أحاديث الباب (واختلفوا) فى ذات عرق هل صرت ميقاتا لأهل العراق بتوقيت النبى ﷺ ونصه. أم باجتهاد عمر بن الخطاب رضى الله عنه كما هو صريح فى صحيح البخارى وهو الحديث الأول من أحاديث الزوائد؟ (قال صاحب المهذب) انه لم ينص عليه النبى ﷺ بل هو اجتهاد من عمر نص على ذلك الشافعى فى الأم، ووجهه ما روى عن ابن عمر قال لما فتح هذان المصران فذكر الحديث اهـ (قلت) هذا الحديث هو الأول من أحاديث الزوائد (وذهبت الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية) الى أنه منصوص عليه. محتجين بحديثى جابر وعمرو بن شعيب. والحديث الثانى لابن عباس من أحاديث الباب، وبحديثى أنس وعائشة المذكورين فى الزوائد (قال النووى) فى شرح المهذب وهو الصحيح عند جمهور أصحابنا أنه منصوص عليه من النبى ﷺ ، وممن صرح بتصحيحه الشيخ أبو حامد فى تعليقه. والمحاملى فى كتابيه المجموع والتجريد. وصاحب الحاوى واختاره القاضى أبو الطيب فى تعليقه. وصاحب الشامل وغيرهما (قال الرافعى) واليه ميل الأكثرين (ورجح جماعة) كونه مجتهدا فيه، منهم القاضى حسين، وإمام الحرمين. وغيرهما وقطع به الغزالى فى الوسيط (قال إمام الحرمين) الصحيح أن عمر وقته قياسا على قرن ويلملم قال والذى عليه التعويل أنه باجتهاد عمر (وذكر القاضى أبو الطيب) فى تعليقه أن قول الشافعى قد اختلف فى ذات عرق، فقال فى موضع هو منصوص عليه، وفى موضع ليس منصوصا عليه (وممن قال إنه مجتهد فيه) من السلف طاوس وابن سيرين وأبو الشعثاء جابر بن زيد، وحكاه البيهقى وغيره (وممن قال من السلف إنه منصوص عليه) عطاء بن أبى رباح وغيره، وحكاه ابن الصباغ عن (أحمد وأصحاب أبى حنفة) واحتج من قال إنه مجتهد فيه بحديث ابن عمر لما فتح المصران (واحتج) القائلون بأنه منصوص عليه بالأحاديث السابقة عن النبى ﷺ . يعنى المنصوص فيها أن ذات عرق ميقات العراق، وتقدم بعضها فى أحاديث الباب وبعضها فى الزوائد (قال النووى) قالوا وإن كانت أسانيد مفرداتها ضعيفة فمجموعها يقوى بعضه بعضا ويصير الحديث حسنا ويحتج به، ويحمل تحديد عمر رضى الله عنه باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبى ﷺ فحدده باجتهاده فوافق النص، وكذا قال الشافعى فى أحد نصية السابقين إنه مجتهد فيه لعدم الحديث عنده، وقد اجتمعت طرقه عند غيره فقوى وصار حسنا والله أعلم اهـ (قال الحافظ) لعل من قال إنه غير منصوص لم يبلغه أو رأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق منها لا يخلو عن مقال، قال لكن الحديثстр. 3048
-[اختلاف العلماء في ميقات أهل العراق هل هو العقيق أو ذات عرق والجمع بين ذلك]-
.....
الحواشي
(١) بمجموع الطرق يقوى (وممن قال بأنه غير منصوص) وإنما أجمع عليه الناس طاوس وبه قطع الغزالى والرافعى فى شرح المسند "يعنى مسند الشافعى" والنووى فى شرح مسلم وكذا وقع فى المدونة لمالك (وممن قال بأنه منصوص عليه) الحنفية والحنابلة وجمهور الشافعية والرافعى فى الشرح الصغير. والنووى فى شرح المهذب. وقد أعله بعضهم بأن العراق لم تكن فتحت حينئذ، قال ابن عبد البر هى غفلة، لأن النبى ﷺ وقت المواقيت لأهل النواحى قبل الفتوح لكونه علم أنها ستفتح، فلا فرق فى ذلك بين الشام والعراق، وبهذا أجاب الماوردى وآخرون، وقد ورد ما يعارض أحاديث الباب فأخرج أبو داود والترمذى (قلت والأمام أحمد فى أحاديث الباب) عن ابن عباس أن النبى ﷺ وقت لأهل المشرق العقيق وحسنه الترمذى، ولكن فى اسناده يزيد بن أبى زياد (قال النووى) ضعيف باتفاق المحدثين (قال الحافظ) فى نقل الاتفاق نظر يعرف من ترجمته، ويريد المذكور أخرج حديثه أهل السنن الأربع ومسلم مقرونًا بآخر، قال شعبة لا أبالى إذا كتبت عن يزيد أن لا أكتب عن أحد، وهو من كبار الشيعة وعلمائها، ووصفه فى الميزان بسوء الحفظ، وقد جمع بين هذا الحديث وبين ما قبله بأوجه (منها) أن ذات عرق ميقات الوجوب، والعقيق ميقات الاستحباب لأنه أبعد من ذات عرق (ومنها) أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهم أهل المدائن، والآخر ميقات لأهل البصرة، ووقع ذلك فى حديث أنس عند الطبرانى وإسناده ضعيف (ومنها) أن ذات عرق كانت أولا فى موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة، فعلى هذا فذات عرق والعقيق شاء واحد اهـ بتصرف واختصار (قال ابن المنذر) واختلفوا فى المكان الذى يحرم منه من أتى من العراق على ذات عرق، فكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذلك الشافعى (وكان مالك واسحاق وأحمد وأبو ثور) وأصحاب الرأى يرون الأحرام من ذات عرق، وقال أبو بكر الأحرام من ذات عرق يجزاء وهو من العقيق أحوط، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروى ذلك عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن (وفى أحاديث الباب أيضا) دلالة على أن من كان من أهل مكة وأراد الحج فميقاته من مكة نفسها، وتقدم الكلام على ذلك فى شرح الحديث الأول من أحاديث الباب، وإن أراد العمرة فميقاته من أدنى الحل (وفضَّل الأمام الشافعى وأصحابه) الأحرام بالعمرة من الجعرانة لأنه ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة وتقدم صحيفة ٦٨ رقم ٦٢ من حديث محرش الكعبى، وسيأتى فى باب طواف القدوم والرمل عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من جعرانة فرملوا بالبيت ثلاثا ومشوا أربعا، قالوا فان أخطأ الجعرانة فمن التنعيم، لأن النبى ﷺ أعمر عائشة من التنعيم كما فى حديث الباب عن عبد الرحمن بن أبى بكر، وقد تقدم الكلام في الإحرام بالعمرةстр. 3049
-[كلام العلماء فيمن أحرم قبل الميقات أو بعده - تتمة في مواقيت الحج الزمانية]-
.....
الحواشي
(١) من التنعيم ومذاهب العلماء فيه صحيفة ٥٧ فى أحكام باب جواز العمرة فى أشهر السنة فارجع اليه إن شئت (وقد استدل بحديث أم سلمة) المذكور فى الباب على استحباب تقديم الأحرام على الميقات، ويؤيد ذلك ما أخرجه الأمام الشافعى فى الأم عن عمر والحاكم فى المستدرك بأسناد قوى عن على رضى الله عنهما أنهما قالا إتمام الحج والعمرة فى قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ أن تحرم لهما من دويرة أهلك، بل ثبت ذلك مرفوعا من حديث أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فى قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ قال إن من تمام الحج أن تحرم من دويرة أهلك، وهو المشهور عن عمر وعلى رضى الله عنهما (وبه قال الأمام أبو حنيفة وهو قول للأمام الشافعى) وصححه الرافعى، وحكاه ابن المنذر عن علقمة والأسود وعبد الرحمن وأبى اسحاق والبيهقى (قال ابن المنذر) وثبت أن ابن عمر أهلَّ من ايلياء وهو بيت المقدس (وذهب الأمامان مالك وأحمد) إلى أن الأفضل أن يحرم من الميقات، وبه قال عطاء والحسن البصرى واسحاق، وروى عن عمر بن الخطاب، حكاه ابن المنذر عنهم كلهم (وهو قول للأمام الشافعى) وصححه النووى قال وهو موافق للأحاديث الصحيحة "هن وقت لأهلهن ولمن مر بهن من غير أهلهن" أما من كان مسكنه بين مكة والميقات فميقاته موضعه (وبه قال الأئمة الأربعة) وطاوس وأبو ثور والجمهور، وقال مجاهد يحرم من مكة. ودليل الجمهور حديث ابن عباس المذكور أول الباب والله أعلم (تنبيه) حكى الأمام الشافعى وابن المنذر رحمهما الله عن ابن عمر رضى الله عنهما أنه أحرم من الفرع (بضم الفاء وإسكان الراء) وهو بلاد بين مكة والمدينة بين ذى الحليفة وبين مكة، فتكون دون ميقات المدنى وابن عمر مدنى، وهذا ثابت عن ابن عمر، رواه الأمام مالك فى الموطأ بأسناده الصحيح، وتأوله الأمام الشافعى وأصحابه تأويلين (أحدهما) أن يكون خرج من المدينة إلى الفرع لحاجة ولم يقصد مكة ثم أراد النسك فان ميقاته مكانه (والثانى) أنه كان بمكة فرجع قاصدًا الى المدينة، فلما بلغ الفرع بدا له أن يرجع الى مكة فميقاته مكانه والله أعلم
(تتمة فى مواقيت الحج الزمانية)
اعلم أرشدنى الله واياك أن للحج مواقيت زمانية كما له مواقيت مكانية، وقد علمت المكانية وما فيها من الأحكام (أما الزمانية) فهى أشهر معلومة يكون الأحرام بالحج فيها، والأصل فى ذلك قول الله ﴿الحج أشهر معلومات﴾ قال الحافظ ابن كثير فى تفسيره اختلف أهل العربية فى قوله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات﴾ فقال بعضهم تقديره الحج حج أشهر معلومات، فعلى هذا التقدير يكون الأحرام بالحج فيها أكمل من الأحرام فيما عداها وان كان ذاك صحيحا، والقول بصحة الأحرام فى جميع السنة (مذهب مالك وأبي حنيفةстр. 3050
-[تعيين أشهر الحج واختلاف المذاهب في الأحرام في غيرها]-
.....
الحواشي
(١) وأحمد بن حنبل) واسحاق بن راهويه؛ وبه يقول ابراهيم النخعى والثورى والليث ابن سعد، واحتج لهم بقوله تعالى ﴿يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج﴾ وبأنه أحد النسكين فصح الاحرام به فى جميع السنة كالعمرة (وذهب الشافعى) ﵀ الى أنه لا يصح الأحرام بالحج الا فى أشهره مروى عن ابن عباس وجابر وبه يقول عطاء وطاوس ومجاهد رحمهما الله، والدليل عليه قوله ﴿الحج أشهر معلومات﴾ وظاهره التقدير الآخر الذى ذهب اليه النحاة، وهو أن وقت الحج أشهر معلومات، فخصصه بها بين سائر شهور السنة، فدل على أنه لا يصح قبلها كميقات الصلاة (وقال الشافعى) ﵀ أخبرنا مسلم بن خالد عن ابن جريج أخبرنى عمر بن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال لا ينبغى لا حد يحرم بالحج الا فى شهور الحج من أجل قول الله تعالى ﴿الحج أشهر معلومات﴾ وكذا (رواه ابن أبى حاتم) بسنده عن ابن جريج به (ورواه ابن مردويه) فى تفسيره من طريقين عن حجاج بن أرطاة عن الحكم بن عيينة عن مقسم عن ابن عباس أنه قال من السنة أن لا يحرم بالحج الا فى أشهر الحج (وقال ابن خزيمة فى صحيحه) حدثنا أبو كريب حدثنا أبو خالد الأحمر عن شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال لا يحرم بالحج الا فى أشهر الحج فان من سنة الحج أن يحرم بالحج فى أشهر الحج، وهذا إسناد صحيح، وقول الصحابى من السنة كذا فى حكم المرفوع عند الاكثرين ولا سيما قول ابن عباس تفسيرًا للقرآن وهو ترجمانه (وقد ورد فيه حديث مرفوع) عند ابن مردويه بسنده عن جابر عن النبى ﷺ قال "لا ينبغى لأحد أن يحرم بالحج إلا فى أشهر الحج" وإسناده لا بأس به (لكن رواه الشافعى والبيهقى) من طرق عن ابن جريج عن أبى الزبير أنه سمع جابر ابن عبد الله رضى الله عنهما يسأل أيهل بالحج قبل أشهر الحج؟ فقال لا؛ وهذا الموقوف أصح وأثبت من المرفوع ويبقى حينئذ مذهب صحابى يتقوى بقول ابن عباس من السنة أن لا يحرم بالحج إلا فى أشهره. والله أعلم (وقوله أشهر معلومات) قال البخارى. قال ابن عمر هى شوال وذو القعدة. وعشر من ذى الحجة، وهذا الذى علقه البخارى بصيغة الجزم رواه ابن جرير موصولا بسند صحيح عن ابن عمر "الحج أشهر معلومات" قال شوال وذو القعدة وعشر من ذى الحجة (ورواه الحاكم) عن ابن عمر أيضا بسند قال هو على شرط الشيخين قال الحافظ ابن كثير وهو مروى عن عمر. وعلى. وابن مسعود. وعبد الله بن الزبي. وابن عباس. وعطاء. وطاوس. ومجاهد وابراهيم النخعى. والشعبى. والحسن. وابن سيرين. ومكحول. وقتادة. والضحاك بن مزاحم. والربيع بن أنس. ومقاتل بن حيان (وهو مذهب الشافعى وأبى حنيفة وأحمد بن حنبل وأبى يوسف وأبى ثور) رحمهم اللهследующие страницы →